لم يغض عن حقد الروافض طرفه ... فهو اللبيب يرى العداوة غُولا
ما زال يزْأرُ في العرين مدافعًا ... فهو الغضنفرُ لا يُضَامُ فتيلا
ما زال الأفغان بدرًا ساطعًا ... يُهدي الضياءَ .. منازلًا وحقولا
ما زال يكتب بالدماء ملاحمًا ... وَعَتِ الجبال .. مشاهدًا وفصولا
ما زال ينفق في عنفوان شبابه ... ما كان فيما يستطيعُ بخيلا
حتى رأيت الشيب في شعراته ... نورًا توسّط هيكلا منحولا
أنا يا جميلُ رثيتُ قومي قبل أن ... ألقاك فوق بساطهم مقتولا
ذي أمة عبثَ الخلافُ بعقلِها ... حتى تجاوز حمقها المعقولا! !
صرخ العدوُّ بأرضها متحديًا ... إني هُنا سأرتِلُ الإنجيلا! !
وأبثُّ صُلباني على أطلالكم ... وأدق في وضح النهار طبولا
هذي وعود السالفين تحققت ... لمّا صنعتُ على العقيدة جيلا
واخجلتا من أمتي! ! بديارها ... عاث الدخيلُ .. ولا تراه دخيلا
فهم الزمانُ قصيدتي فاسمع إلى ... قول الزمان .. مرددًا .. مذهولا
أين الذين منحتُهم وُدِّي وقد ... كان الودادُ .. أعزَّ شيءٍ سُولا؟
ومنحتُّهم كَفِّي لتحْمِل مصحفًا ... وبلوت منهم صارمًا مصقولا
شاهدْ على وجهي خمائل نصرهم ... والطرف من أمجادهم مكحولا
إني أصطفيتُ من الرجال كرامهم ... وجعلتهُم في هامتي إكليلا
ومشيت فيهم معجبًا متباهيا ... حتى بلغت بهمتي المأمولا
ومضى الزمان متمتمًا متألمًا ... كم كنت فيهم شاغلًا مشغولا
يا للعُجابِ صرُوحُ مَنْ تهوى على ... عَجَلٍ لتحفر فيَّ مواجعا وعويلا
ونجوم من سقطت من الأعلى لِتُحـ ... ـدِث في الزمان مواجعًا وعويلا
هذي خواطرُ شاعر متأثر ... ما زال يشهدُ حقكم مطلولا
في كل بيتٍ مطلعٌ تحيا به ... بين البريّةِ - يا جميلُ - طويلا ..
стр. 6687
وقال الأستاذ صالح بن عبد الكريم العبودي تعليقًا على قراءة ديوان الشاعر إبراهيم ناجي:
ناج قلبي ثم ناج ... أنت إبراهيم ناجي
أنت ناج من عثار ... الشعر موفور النتاج
صغت شعرًا عبقريًا ... ليس من جنس الأحاجي
مثل نور الصبح يبدو ... لا كَليْلٍ حلّ داج
ذاع في الآفاق حتى ... لا يسامي في الرواج
أنت كالنسمة هبت ... وسواك كالعجاج
قل لمن ألف شعرًا ... ليس يحلو في المزاج
إنما الشعر جمال ... وشعور لا يداجي
يأسر القلب ويطوي ... كلّ همّ ولجاج
يزرع الحب ورودًا ... وزهورا في الفجاج
يمنح المهجة دفئا ... وضياء كالسراج
يقلب الساعات حلمًا ... مثل أحلام الزواج
كم سبي لبًّا كريمًا ... كان مشدود الرتاج
وأضاء الدرب نورًا ... بعد ليل فيه ساج
فرأينا الطبع فيه ... صافيًا مثل الزجاج
القصيم - بريدة
١١/ ٨/ ١٤١٧ هـ
وقال بعنوان: قبلة على جبين الوطن
وطني العباب يلف في أمواجه ... شعري فينداح الشعور ويبحر
وطني القريحة ما مسست جبينها ... مستلهمًا إلا احتواني الكوثر
وطني الحياة يشب في أرجائها ... أملي ويعظم في العيون ويكبر
стр. 6688
وطني الكتاب تتيه بين سطوره ... أسطورة الفتح المبين وتفخر
وطني الحقيقة والخيال ومسرح الـ ... أفكار حين يصح فكر يظهر
وطني الرسالة والهداية مهبط الـ ... أبطال كيف يذل أو يتقهقر؟
وطني العزيمة والصمود وملعب ... شهدت له في السالفات الأعصر
وطني القيادة والريادة والإبا ... رغم العدا يعلي البُني ويطوَّر
وطني الفتوة والتوثب والمدى ... غرر يسجلها الخلود وينثر
وطني التجارب والتفاعل والرؤى ... أجيال كم هزوا الحياة وكبروا
وطني الطهارة والعفاف شهادة ... تتلى على مر العصور وتذكر
وطني الكرامة والكرام ومحفل الـ ... إكرام لا يضوي ولا يتغير
وطني المواكب والمواهب والمني ... والنخل والشجر الكريم المثمر
وطني الفسيح يسيح فوق ترابه ... ماء الحياة مطهر ومعطر
وطني السماحة والحنان مع الرضا ... والحب والإحسان روض أخضر
وطني إذا جفّ الزمان موارد ... وإذا جفا دهر فغيم ممطر
وطني الجمال مع الجلال على الذري ... فوق السحاب مطرز ومسطر
وطني أهيم بحبه وبمجده ... فإذا كتبت فإنني لا أشعر
القصيم - بريدة
١١/ ٨/ ١٤١٧ هـ
وقال في قصيدة عنوانها: (إليك):
إليك يا أمل الأحلام تنطلق ... قصائدي ولها التاريخ والسبق
تلقي إليك تحياتي وأسئلتي ... في طيها مهجتي البيضاء تحترق
أنت الذي خنتني في الحب واشتعلت ... قصائدي بعد هذا الصد تستبق
يا سعد: قل لي حديثًا لينًا لبقًا ... يَرقُّ للسائل المضني ويأتلق
يا سعد: شعري رقيق مثل أجنحتي ... أخاف من شعري الرقراق ينمزق
إذا تذكرت وجهًا ضاحكًا يسرًا ... أدركت أن طموحي سوف ينطلق
стр. 6689
إذا تذكرت عينا ملؤها أمل ... ترنو إلى عزة للدين تنبثق
علمت أني مع الأيام في دعة ... وفي مودة مجد كاد ينفلق
يا سعد: قل لي إذا ما الليل أدركني ... أمات صحبي؟ أم الظلماء تختنق؟
يا سعد: حادث فؤادي كلما عبثت ... بركنه زعزعات كفها نزق
يا سعد: لحنك في الآذان مغترب ... لكنه ملؤه الآمال والرمق
ما جف لحنك كلا فهو منتثر ... بين الرياض مع الغدران يصطفق
أحلى من الشهد في أفواهنا ولنا ... في صوته أمنيات كأسها فهق
يا روح عصري وقد جف الثماد به ... ونور فكر برغم القهر ينعتق
لك الفؤاد الذي يدري مقاصده ... وقلب غيرك مفؤودُّ ومنخرق
حُرِّ قويِّ على العلات تبرئها ... إذا تراجع عن إبرائها النزق
صافحت كفك والأحداث مائجة ... فكنت تنبض بالتقوى وتأتلق
رميت قلبك للأيام تمضغه ... فما استطاعت وزال الخوف والفرق
* * * *
وهابك الباطل اللجلاج وانطمست ... عيونه فتولى وهو مختنق
حفظت عزك فانداحت مسالكه .... أمام عينيك لا ستر ولا خرق
وسرت كالأسد الضرغام تقصده ... قصدا تحول عنه العجز والرهق
تمشي إليه بعزم ثابت وخطي ... تحن للأمل الأسني وتنطلق
وخلفك المجد يمشي وهو مبتسم ... ولاغبٌ هدَّه الإعياء والعرق
فارفق به يا نضيَّ الهم إن له ... حشاشة ذوبتها خلفى الطرق
وارفق به يا نضي وهو مبتسم ... روحًا تكاد من الإقدام تنزلق
ارفع إليها التحايا بالتي شهدت ... لها الجموع بوجه ليس يختلق
أصحاب كل لئيم من جوانبه ... وأنت أصحابك الأطهار والصُدُق
* * * *
تعبت يا سعد خلف المجد أسأله ... فما استطعت وقد أعياني الورق
فارفق بقلبي فقد فاضت خواطره ... أيظلم القلب إما ضمه الأرق؟
стр. 6690
هذي لحوني وهذا الشعر أبعثه .... إليك مني وهذا القلب والحدق
خذني إليك على رفق وتكرمة ... فإنني بك مأخوذ ومرتفق
الحب يا سعد أمر ليس يغرسه ... في القلب سوط ولا مال ولا خلق
الحب من رحمة الديان معدنه ... إذا تسامي بقلب فاته القلق
الحب يا سعد أمر قاهر وله ... في القلب وجه كمثل البدر مؤتلق
فخذ فؤادي إذا ما شئتَه وجلًا ... أو خذه متكئًا فالحب مندفق
وقال صالح بن عبد الكريم العبودي أيضًا بعنوان (البلاقع):
يا صاحبي ألغيت كل فواصلي ... ودفنت كل علامة استفهام
مثل الصباح يمد كفًا للضحي ... فامتد عمر الصبح في أعوام
وأقمت ما بين الضلوع منارة ... أرنو لها في عالم الأحلام
وجعلت نفسي بلقعا متراميًا ... من غير ما حفر ولا أعلام
وشربت من ماء الصفاء ثمالة ... بلت عروقي بعد بل عظامي
وركبت صهوة همتي مترنمًا ... وسَعَت بعزمي همة الأقدام
لا الليل أسود والنهار هجيره ... يأتي على وجهي بكل سلام
والرعد في سمعي تناثر نغمة ... يا للحياة تهز بالأنغام
والبرق غمز من حبيب أقفرت ... عرصاته من حاقد نمام
والشوك ورد، والحجارة قبلة ... سلمتها خطوي وفضل زمام
* * * *
والناس عندي صاحبان فصاحب ... يثري حياتي بالندى البسام
والآخر المدفوع نحوي مغمدًا ... في القلب سمَّ الصارم الصمصام
فرضيت عن هذا وهذا مرسلا ... حبي وعفوي صائنًا إسلامي
ما ربح عمري إن قضيت مفجرًا ... غضبي كأني مشرط الحجام؟
لا أنتهي من لذع وغد كاشح ... إلا هرعت إلى سباب لئام
стр. 6691
حمق أراه وخلة ممقوتة ... سفت معاولها بكل مقام
إني مللت من التوتر كلما ... مطرت عليَّ سحائب النمام
وبرمت بالشكوى فلم أحفل بها ... وأرحت نفسي من لظى وسقام
ما زلت بالعنف العتي أروضه ... وأقوده بشكيمة ولجام
حتى استحال العنف رفقًا طبعًا ... وسكينة ملكت عليّ مرامي
وحنوت أغذو الطبع منها لقمة ... كالجسم يغذي من لذيذ طعام
فارحت نفسي من مصائب جمة ... وأرحتها من ظلمة وقتام
ومنحتها الصبح الفتيَّ يلفها ... بالنور والإبداع والإلهام
وقال في شهر رمضان، وقد بلغ عمره ثلاثين سنة:
ثلاثون يومًا تمنيتها ... لتسكب في أضلعي برها
ثلاثون يوما ويا مكسبي ... إذا ما غنمت بها أجرها
* * * *
ركبت الذنوب فيا ويلتا ... إذا أنا لم أتق شرها
فإن الذنوب لها وقدة ... وإن الصيام يقي حرها
لعلي أفوز بغفرانها ... وترجع نفسي بما سرها
أحِسُّ فؤادي يضيق بها ... ويزفر إذ يدّري ذكرها
* * * *
حنانيك إني وئيد الخطى ... فهل تعرف النفس من ضرها؟
ثلاثون عاما فما ربحها؟ ... ألا ليت من يجتلي سرها
لئن كنت فيها حرمت التقى ... وعانيت من محنتي مرها
فإني مع الله مع موعد ... تعانق روحي به فجرها
ترفرف كالطير في روضة ... تناغم أطيارها زهرها
стр. 6692
تحلق فوق الذرى لحظة ... إذا ما تعدت به طورها
* * * *
ثلاثون عامًا ويا حسرتا ... علي مهجة بعثرت عمرها
وآه تكاد تذيب الحصى ... فكيف بقلب صلي حرّها
فكم ضاع في العمر من فرصة ... وكم حسرة إثرها اجترَّها
* * * *
لقد أن القلب أن يتقي ... وللنفس كيما ترى أمرها
فيا ليلة القدر يا منيتي ... إذا ما عرفت لها قدرها
أطلي على الروح من عالم ... طهور وردي لها طهرها
* * * *
وقال في الشكوى:
ما لي أذاد عن الحياض وأطرد ... وإذا استقى غيري سقاه المورد؟
أو كلما فوّقت سهمًا صائبًا ... مما بريت، يزول عما أقصد؟
وإذا جريت مع الزمان مؤملًا ... كسبًا، رأيت الكسب مني يشرد
وإذا أردت النوم ثم طلبته ... متوسدًا كفي، جفاني المرقد
فأهب مذعورًا كمن قتل العدا ... أطفاله، بالله كيف سيرقد؟
تمضي السنون مع السنين ودمعه ... يهمي، وأما حزنه فمجدَّد
ليت الأسى إذ أرضعته بلابلي ... يقضي فيطوى في الزمان ويُلحَد
فأعيش مبلول الفؤاد بأضلع ... أصفى من الثلج الطريف وأبرد
أحيا بقلب ناعم وموفق ... هذي مُني تشدو وتلك تغرد
كالطير حينًا يستريح بوكره ... وبأعذب الألحان حينًا ينشد
لا يحمل الهم الثقيل، فعيشه ... ابدًا هناء، والحياة تودد
стр. 6693
كل الهوام تظل حاسدة له ... وهو البريء، فقلبه لا يحسد
كم حاقد يسعى لقتل سروره ... وإذا به الغر الذي لا يحقد
فهجومه خفق الجناح معبرًا ... عما يُكِّن، وطهره لا ينفد
حيران في أمري وحيرت الخطا ... نفس تقوم مع الصدود وتقعد
طلبت هداها فاستحال مرادها ... من بعد ما عرفته وهو موطد
ورنت إلى عز تولي عهده ... من لي بعودته كما هي تعهد
حبل الرشاد إذا نكثت خيوطه ... صعب عليك مع الندامة يعقد
طرف بكف بائس من وصله ... وبكفه الأخرى جهام أسود
وله أيضًا: بعنوان (صاحب الهمة):
همة كبرى، وجسم ناحل ... وطموح للمعالي شاغل
تأكل الأيام من أعضائه ... وهو للغايات دومًا آكل
وإذا المعنى تعدى لفظه ... عيب لفظًا وهو معنى كامل
هالني منه اضطراب دائم ... فإذا في القلب ليث جائل
كل مجد في انتظار حوله ... قائلا يا شيخ إني حاصل
ويظل الدهر يجري صابرًا ... فوق ما يجري الجواد الصاهل
همه الأخرى ويرضي ربه ... ليس يغريه المتاع الزائل
باذلًا لله عمرًا غاليًا ... في زمان قل فيه الباذل
تقصر الأعمار إلا عمره ... فهو رغم الموت عمر طائل
نضرة الإيمان تعلو وجهه ... فيرى الإخلاص منه الجاهل
لا تقل أخشى عدوأ كاده ... فهو للأعداء سم قاتل
وهو للأحباب ظل وارف .... وهو قلب بالمعاني حافل
كم يتيم غص في أحزانه ... إذ أضاع الصوت منه الخاذل
كان سمع الشيخ ماوي رجعه ... فاشتفي مما دهاه الثاكل
كم دعاوي باطلات طاطأت ... راسها لما رماها النابل
стр. 6694
بسهام الحق ريشت بالهدي ... فاشتكى من حرهن الباطل
كم تلقى من سؤال حائر ... بجواب قد وعاه السائل
كل معنى لم يلامس ذهنه ... فهو معنى في المعاني خامل
كل عين كحلت أجفانها ... كحلها الأمجاد فهو الكاحل
أشغل الأحياء عن أمواتهم ... فهو للأحياء شغل شاغل
لا تقولوا جئتنا تمدحه ... أبدا والله فهو القائل
وقال في (ريما) ابنته: (رسالة إلى طفلتي ريما):
ذكرتك ريما فهب بقلبي ... نسيم ندي كما تضحكين
حبيبة قلبي لأنك روحي ... وإن كنت يا طفلتي تجهلين
أراك أمامي وبين عيوني ... إذا كان غيرك في الأبعدين
نهارك صحو وليلك تمٌّ ... وأنت على جبهتي تركضين
أحسك كنزًا ثمينا وعقدا .. من الماس أنفس لو تعلمين
تمنيت لو أنهم أشبهوك ... وصرت مثالهم في اليقين
إذا كبر المرء في حسه ... يموت لديه الهوى والحنين
يخالجه الشك من حوله ... ويكبر في نفسه ما يهون
فإن شئت عيش الفراش فلا ... تسيري بعمرك خلف السنين
كما أنت يا طفلتي فالهوى ... جنين وإنك ذاك الجنين
وأشفق أن تكبري طفلتي ... لئلا أراك مع الأكثرين
فأفقد روحي وأفقد حسي ... وأفقد كل الذي تملكين
ومن شعر صالح بن عبد الكريم العبودي:
شاعر الأحزان
يا شاعر الأحزان ... شعرك موحشُّ .. وعلى شفاهك .. تنبت الآلام ... ! !
стр. 6695
أرأيت للآمال كيف تحطمت .. ؟ ؟ ... وعلا جبينك - بعدها - الإظلام ... ! ! .
* * * *
يا شاعر الأحزان .. مالك تشتكي .. ؟ ؟ ... حتى اشتكت - من بثك - الأقلام .. ! !
أو ما يئستَ .. ولا مللتَ ... أكلما ... ودعت عامًا ... جدت الأسقام ... ؟ ؟
حتام تصبغ بالدموع .. خمائلًا .. ؟ ؟ ... لولا دموعك ... جادهن غمام ... ؟
* * * *
لولاك .. ما عرف الزمان قصائدًا ... تطفو على شطأنها الأوهام ... ! !
أنت الذي ملأ القلوب مواجعًا ... لما رأتها .. فرت الأنغام .. ! !
أنت الذي سلك الطريق مخوفة ... كي ينعتوك .. بأنك: المقدام ... ! !
* * * *
ما أجمل الدنيا ... وليس بسمعها ... يشدو لسانك .. كلها أحلام .. ! !
أولى لِمثلك أن يكفّ عن البكا ... حتى تعود إلى الربي .. الأنسام ... ! !
حتى يغردَ بلبلٌ متصبرً ... كيف التصبر ... والقتيل غرام ... ؟ ؟
ويضيء للعشاق صبح .. مشرقٌ ... يا طالما انتظروه .. وهو حرام ... ! !
* * * *
يا شاعر الأحزان ... لولا ترتوي ... من كوثر الأفراح ... فهو مدام ... ! !
قبِّلْ شِفاهَ الوردِ .. وهي نواعسُ ... يشفي فؤادك .. ثغرها البسام .. ! !
واسحب ذيول الأنس .. فوق بساطها ... فهو المقام ... إذا جفاك مقام ... ! !
ما أنت .. إلا من جميل طيورها ... يصغي إليك بفنه ... الرسام ... ! !
فاسمع إذا ما شئت .. لحن غصونها ... واهزج .. إذا سكب الهديل .. حمام ... ! !
وله أخرى بعنوان (شيخنا):
стр. 6696
وقفت أمامك مستأذنًا ... ! ! ... وطرفي إلى شفتيك رنَى .. ! !
فهل لك في الإذن يا سيدي .. ؟ ؟ ... وحق لمثلك أن يأذنا .. ! !
ومثلي ومثلك يا سيدي ... غريبان ضمهما المنحنى .. ! !
وقفت وقد عبر السالكون ... وجاوزك الكل من ههنا .. ! !
أخاطب فيك التقي والنهي ... وقلبا أبى - الدهر - أن يذعنا .. ! !
وألمح في ناظريك الرِّضا ... عن الله .. والحب .. والمامنا .. ! !
سلوتَ الرِّغاب - وقد صفقت ... أمامك تخطر والمسكنا ... ! !
وعفت الحياة التي أرهقت ... سواك - فكنت التفى المحسنا ... ! !
ولله درك من سيد ... إذا ضل غيرك أن تفطنا ... ! !
ترى القوم فيها - وقد غدرت ... بهم - يستطيبون فيها المني ... ! !
تدور عليهم بأثقالها .... وتدروهم بعد أن تطحنا ... ! !
فهذا صريع .. وذاك طريد ... وآخر في الأسر .. يشكو الوني ... !
* * * *
ولله درك ... إذ أقبلت ... عليك - فجاوزتها موهنا ... ! !
وعشت سعيدًا ... وضيء الرؤى ... نقي الشعور ... خفيف العنا ... ! !
تحدث نفسك في خلوة ... بأن مصير الحياة الفنا ... ! !
وأن العباد لهم موعد ... ولابد للذر أن يوزنا ... ! !
* * * *
حنانيك أنت الذي أطرقت ... أمامك شم الجباه ... ثنا ... ! !
لئلا يقال انحنت مرة ... كما ينحني في الغصون الجني ... ! !
وترنو إليك لها مقلة .... تسافر فيك ... وتقفو السنا ... ! !
تملكها الحسن فاستسلمت ... كما استسلم الحر لماعني ... ! !
وطار بألبابها واثق ... بأن الثبات أساس البنا ... ! !
стр. 6697
ومنهم الأستاذ عبد العزيز بن سليمان العبودي من رجالات التعليم في القصيم، وهو مدير (مدرسة محمد بن ناصر العبودي الثانوية) وذلك أن إمارة منطقة القصيم عندما عقدت بالإتفاق مع النادي الأدبي في القصيم حفلة لتكريمي جزاهم الله خيرًا أعلن أمير منطقة القصيم صاحب السمو الملكي فيصل بن بندر بن عبد العزيز أن المنطقة قررت تسمية إحدى مدارس بريدة باسمي وتسمية أحد شوارعها باسمي.
وبالفعل سارعت إدارة التعليم في القصيم بتسمية مدرسة ثانوية في بريدة باسمي، وعينت ابن أخي الأستاذ عبد العزيز بن سليمان العبودي أحد رجال التعليم والتربية فيها بأن يكون مديرًا لها، بحيث صار اسم المدرسة (ثانوية الشيخ محمد بن ناصر العبودي) ومديرها عبد العزيز بن سليمان العبودي.
ومنهم الدكتور ناصر بن إبراهيم بن ناصر العبودي أستاذ الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة بدرجة ممتاز مع التوصية بطبع الرسالة.
ومنهم الدكتور أحمد بن عبد العزيز بن ناصر العبودي، حصل على درجة الدكتوراه في التربية والتعليم من جامعة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قد ابتعثته إلى الولايات المتحدة الأمريكية للدراسة والحصول على الدكتوراه بنفقتها.
وابن عمه أحمد بن عبد الله العبودي هو الآن - ١٤٢٧ هـ - أستاذ محاضر في جامعة القصيم، كان حصل على درجة الماجستير من بريطانيا.
وفي أسرة العبودي شاعرات باللغة الفصحي منهن أختي حصة بنت ناصر العبودي.
стр. 6698
من شعرها:
قالت أختي حصة الناصر العبودي: من الشعر الحر:
بلادي فديتك يا غالية
لما فيك من قيم سامية
فقد طاف ذهني بارجائك
فحاولت تجسيد أفكاريه
رأيتك كالشمس بين الأمم
فأنت لكل المني حاويه
فأنت حويت كلا الحرمين
فنحوك دومًا تشد الرحال
فمكة هي قبلة المسلمين
وفيك المدينة مثوى الرسول
عليه الصلاة وأزكى السلام
وفيك الرياض مقر الحماة
وعاصمة الملك: ملك السعود
وأشباله حوله كالأسود
وفي الشرق منك وما حوله
ينابيع من ذهب أسود
هو الزيت منه الرخاء يعم
وفي الأحساء وفي أرض نجد
نخيل يعانق أعلى القمم
ينؤ بأحماله اليانعة
بتمر شهي لذيذ الطعم
وفيك مصائف تجلو الهموم
стр. 6699
جبال عسير مع الطائف
وفيك القصيم زها منظرًا
وقد زينت أرضه بالعيون
مياهًا تفيض فتروي الصحارى
فتغدو رياضًا تسر القلوب
وفيك التمسك بالدين قد
ترائي سناه لكل الأمم
وقاك الإله شرور العدا
وأضفى عليك ثياب النعم
ولا حل في أرضك الأجنبي
سوي خبراء ومستخدمين
وقالت أختي حصة الناصر العبودي:
أمَّاهُ طال غيابك ... عني فبسماتي قليله
نفسي تتوق إلى حديثك ... وابتسامتك الجميله
أنتي وأبنك رحتما ... وتركتماني عليله
لم ألف بعدك ذلة ... فلست في أهلي ذليله
لكنني أهفو إلى ... لقياك أيتها الجليله
فلقد مللت الانتظار ... وليس لي في الأمر حيله
ومن شعرها، أيضًا:
أنا بنت نجد أوجه نصحي ... إلى أخواتي بنات العرب
أقول لهن إذا ما خرجتنَّ ... ضعن علي الوجه بعض الحُجُب
فأن السفور لمقت كبير ... وقد أمر الله أن نحتجب
أقمن جميع حدود الإله ... وسوف تنلن جميع الأرب
стр. 6700
أنين إلى الله واعبدنه ... تفزن إذا ما الحساب اقترب
ومن شعر أختي حصة بنت ناصر العبودي:
إلى العلم هيا بناة الغد ... تنلن الكرامة والسؤددا
فبالعلم ترقى وتسمو النفوس ... وقد آن الجهل أن يطردا
وهاذي الحياض أعدت لكم ... فبالله ما أعذب الموردا
فهيا انهلو منه يا إخوتي ... ويا أخواتي لكي نسعدا
فنحن النساء سنطلب علمًا ... ونطرق ما كان قد أوصدا
ولكن نظل ندير البيوت .... ونأبى سلوك طريق الردى
وإن نترك البيت في حاجة ... نصون الوجوه ونضفي الرِّدا
فحمدًا لربي على أن هدانا ... سبيل الرشاد ونهج الهدى
وبعد ثنائي وشكري لربي ... أصلي على المصطفى أحمدا
وقالت حصة الناصر العبودي:
أبصرت روضًا بعد إدبار الدجى ... من حسنه تهفو إليه الأفئده
ما بين أزهار يفوح أريجها ... والماء جارٍ والطيور مغرده
والعشب أصبح بالندى متكللا ... فالأرض تبدو بالعقيق ممهده
* * * *
أبصرته فعجبت منه فنظرتي ... ما بين تلك المبهجات شارده
أمضيت فيه نصف شهر لم أجد .... عيبًا سوى أن الليالي بارده
فسماؤه زرقاء تبسم دائمًا ... وهوائه للجسم فيه فائده
وقالت شقيقتي حصة العبودي تذكر حكاية امرأة اسمها سعاد تشكو فيها زوجها:
стр. 6701
كانت سعاد تعيش مع أبنائها ... وبناتها في خير عيش يذكر
وحليلها يسعى لكسب معاشهم .... ويحوطهم بعناية لا تنكر
حتى أحب بأن يجيء بزوجة ... أخرى يعود بها صباه المدبر
رضيت بحكم إلهها وتصبرت ... فلها أشبالها وجاذر
مضت السنون بحلوها وبمرِّها ... بعض الحلاوة والمرارة أكثر
ذهب الشباب بحسنه وروائه ... وبدا بمفرقها المعيب المنذر
قد صار يكثر لومها وعتابها ... وإذا تحدثه يشيح وينهر
ترك الديار موليًا مع غيرها ... شيء يحزُّ في الفؤاد ويقهر
* * * *
بالأمس جاء لكي يقول بغبطة .... وكأنه يبدي لها ما يضمر
ها قد بنيت لأهل بيتي مسكنا .... زخرفته كي يسكنوه ويفخروا
فإذا أتيت مع العيال لزورة ... فمكانك البيت القديم الأصغر
فتسآئلت أم البنين بحسرة .... ما إذا جنيت له أهان وأهجر؟
الأنني أمضيت عمري كله ... في البيت لا أشكو ولا أتذمر
ما بين خدمة بيته وعياله ... ولخدمة الأضياف ذوما أبدُرُ
ومما يجدر ذكره أن لي أختين كل واحدة منهما تسمى حصة، وذلك أن والدي ﵀ رزق من أول زوجة تزوج بها واسمها (نورة بنت رشيد الشدوخي) بابنة اسمها حصة لم يرزق منها بغيرها.
وقد كبرت حصة هذه التي نسميها الأولى وتزوجها عبد الرحمن بن عبد العزيز المقبل فرزق منها بابنتين ثم ماتت شابة.
وبعد موتها بأكثر من عشر سنوات رزق بآخر أولاده بنتًا شقيقة لي فأسماها حصة على اسم بنته الأولى التي كانت غالية عليه.
стр. 6702
وأم الأخيرة هي والدتنا نورة بنت موسى العضيب، وحصة الثانية هي صاحبة هذا الشعر، ولشقيقتي حصة أربعة أبناء، ثلاثة منهم مهندسون أحدهم الدكتور خالد حصل على الدكتوراه من أمريكا، وهو الآن مدرس في جامعة الملك سعود، ولها ابنتان محاضرتان في جامعة الرياض حصلتا على الماجستير وتحضران للدكتوراه وابنها الخامس: طبيب عيون.
ومنهم (بدرية بنت سليمان بن ناصر العبودي) تخرجت من كلية الحاسب الآلي في بريدة، وعينت فور تخرجها مدرسة في بريدة.
من شعرها في جدها لأمها عبد الله بن سالم السالم وكان قد كبر سنه حتى جاوز الثمانين حين ماتت زوجته فتزوج بغيرها ولم يوفق فقالت:
ومُحِّصتِ الذنوب من البرايا ... ببلوى، أو بأوباء وداء
وجدِّي قد يُمَحِّضَ كلَّ ذنب ... له، من هَمِّ زيجات النساء
من أشعار بدرية بنت سليمان العبودي:
جزى الله بالخير الجزيل مَن انتقى ... حُسْن الخطابِ وحُسن القول إتقانا
لا يمتطي مِنَّة إن ساق مكرمة ... أو يبتغي رفعة إن قال إحسانا
وقالت بعنوان: (تأملات معاصرة):
تأملت الزمان فطال عُجْبي ... من الأيام تسعى بانفعَال
من الأحداثِ تجري مثلَ وحش ... من الأحلام تؤذنُ بارتحال
فهذا عالمٌ غابت رُواهُ ... وذلك مُضَلِلّ باق الرحال
وما عادت خيوط الشمس تسري ... وما بَرحَ الظلامُ عن الهلال
وتيكَ نفوسُنا تخشى المنايا ... وتَرْهَبُ خصمها حين النزال
стр. 6703
ويضعُفُ في الفؤاد الدينُ حتى ... ليعلو ضعفنا قمم الجبال
تنازعت الشرورُ ديارَ قومي ... وأفسدَتِ الجميلَ من الفعال
وأرسلتْ المفاتن عابثاتٍ ... يُضللن المريضَ من الرجال
تبعنَ هوى من الشيطان يسعى ... به اللاهُون في أرض الخبال
فيا ليت النفوس تري هُداها ... وتبصرُ دربها في ذي الليالي
وأقسى ما خشيتُ اليومَ أنا ... نصابُ بغضبةٍ من ذي الجلال
فنخسرُ ديننا وكذلك دنيا ... وتمسكُ لوحنا بيد الشمال
أغثنا يا إلهي لا تكلنا ... لأنفسنا الضعاف بأي حال
شوال ١٤٢١ هـ
خاطرة:
أبتاهُ، كم في القلب حبٌ لم ينم ... سجّى فؤادي بين أطباق الحمم
وترسّب الماضي الجميل بمهجتي ... فمضت تململُ فيه من فرط الألم
ومضيت يا أبتي الحبيبُ ولم تزل ... أمي .. فأيق يا إلهي في النعم
وتجمع الحبُ الشفيفُ بمقلتي ... لك يا حبيبة والحوادث تحتدم
وقالت بدرية بنت سليمان العبودي أيضًا: بعنوان: (كيف يكون الفجر؟ ! ):
لهبٌ أضاء بوجهتي أم ذا فنون ... ضرب من السحر ترى أم ما يكون؟
فقصدت سيري نحوهُ متأملا ... فجرًا يُبَددُ ظُلمتي يُقصي المنون
وطفقت أسرَجُ في خيالي شاردًا ... تطوي الثرى قدمي وعقلي في فتون
فلقد مضيتُ وخلف ظهري دولتي ... غرقي بما فعل العُدَاةُ المفسدون
لا تحسَبَنَّ الماءَ يُغرقها فلا! ... لا .. ليسَ يُغرقُ بالمياه الصالحون
* * * *
ووعيتُ من أحزان قلبي كي أرى ... في ذلك اللهب اللَّظى للحاقدين
стр. 6704
وودتُ حمل مشاعل الإصباح كي ... تصحو تصحو من النوم المُهين
وأظَلَّ في أبواب أرضي صارخًا ... هيّا .. فقد أحضرتُ من يُعلي الجبين
في دهشةٍ نَظرَتْ بلادي نحونا ... فجْرٌ جديدٌ وفتيً ليسَ يُبين
نفضت غبارًا كان يعلو وجهها ... واستقبلت فجري بصدر ذي أنين
حملته وانطلقت به مُتَقلدًا ... سيفًا يُقطِّع فيهِ هامَ المعتدين
حتى أناخت بعد طول قتالها ... واغرورقت دمعًا على ماضي السنين
وقالت على غرار الشعر القديم الذي ينشده الرجال:
إلى كل من يبحث عن أصحاب ..
إلى كل من أراد الأصدقاء للهو والعبث ..
إلى كل من اكتوى بنار الجفاء من الأخلاء ..
إلى كل من عجز عن معرفة الصديق الحق .. أهدي كلماتي ..
لي صحبة أخيار ليتك تعرفُ ... لهمُ المحبة في الفؤاد تُرفرفُ
قومٌ إذا قدِمَ الغريبُ إليهم ... نشروا البشاشة في الوجوه فيألفُ
قومٌ إذا نادى النداء بنُصرةٍ ... هبّوا جميعًا ليسَ منهم خُلَّفُ
وإذا اشتَكيتَ بما أصابَكَ من أذي ... فالعين منهم قبل عينِك تذرفُ
عمروا الزمانَ بصدقهم ووفائهم ... وإذا العبادةُ حان وقتٌ عُكّفُ
أهلُ النصيحة للمُسيء لدينِهِ ... أو سُنَّةٍ تُؤتى وعنها يصدِفُ
أهلُ الرياض الخُضر حين جلوسِهم ... فجليسُهم أبدًا سعيدٌ يُطرَفُ
الله حمدٌ ليسَ يُقضى عدُّهُ ... أن يُسِّر الصحبَ الكرامَ التُّحَّفُ
فلقد دعوتُ الله مُجتهدًا بأن ... يُحيي الزمانَ بأهل خير رؤءفُ
وبأن يُيسِر قربهم لمُحِبِّهم ... ويُدلل الصعبَ العسيرَ ويلطُفُ
فأجابَ ربي ما دعوت، وإنَّهُ ... بَر كريمٌ جودُهُ لا يوصفُ
стр. 6705
تراحيب ساخرة:
قالت بدرية بنت سليمان العبودي: هذه أبيات كتبتها وأنشدتها في حفلة فطور للترحيب بالفريق الفائز في مسابقة أقمناها في الكلية سنة ١٤٢٠ هـ وذلك بعد أن أرغموا فريقنا بالقيام بعمل حفلة لهم، فجاءت ترحيبية ساخرة:
ضيوفا حللتم فطاب المقام ... وحزنا السعادة والابتسام
أتيتم وفرحتكم بالنجاح ... ترسِّمُ فوق الشفاه ارتياح
مساكينُ أنتم فطول الصباح ... تدَوِّي بطونكمُ بالصياح
تريدون أكلا وما من طعام ... فهيّا هلمّوا فإنا كرام
فهذا الطعام وهذي القداح ... فقوموا وصُبُوا لكم يا ملاح
ومنهم وفاء بنت عقيِّل بن عبد الكريم العبودي كتبت إليَّ كتابًا تتحدث فيه بأسلوب أدبي عن كونها لاحظت أن كثيرًا من فتيات الأسرة يكون لهن مذكرات ودفاتر.
قالت: وإذا قست ذلك بالرجال من أسرة العبودي صرنا نتساءل عن السر في ذلك.
وهذا نص كتابها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
العم العزيز محمد العبودي - الموقر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. أما بعد .. .
إنه ليسعدني ويشرفني أن أكتب لك هذه الرسالة لأعبر لك عن مدى تقديري لشخصك الكريم.
ذات مرة استيقظت في الصباح وأدرت الراديو، وبالتحديد على برنامج
стр. 6706
(نسيم الصباح) فسمعت ترديد اسمك الكريم بين كل مقولة وأخرى، أو تعريف عن بلدة في المملكة أو معلومة عن شيء ما، كانوا يرددون، وقد قال الأستاذ محمد العبودي، فقد شدني ذلك الاسم لأنه طبعًا من العائلة، متعكم الله بالصحة والعافية وزادكم علمًا.
سبحان الله لقد سألت أختي أم ناصر، وهي زوجة عبد الرحمن العبودي ابن أخيكم سليمان العبودي - غفر الله له ولوالدي والمسلمين أجمعين - عن حضرتكم، فقالت لي: إنه إنسان وقور ومحترم يحب الكتابة وله عدد من الكتب، وعندنا في البيت بعض الكتب التي ألفها، ووعدتني بأن ترسل لي نسخًا من هذه الكتب، وحرصت على قراءتها وقالت: إنه يحب أن يجمع الكبار في السن ويسألهم عن ماضي آبائنا وأجدادنا، وكل ما يخص بلادنا من معلومات قيمة، ويدون ويسجل كلامهم.
فعجبت لذلك، لأنني سبق لي وأن جلست مع نساء كبيرات بالسن وأخذت أستفسر منهن وأسألهن عن حياتهن في الماضي والحاضر، وكيف عايشنها، وعندي الآن شريط مسجل بالصوت فقط، لجدة زوجي من مدينة حائل أسألها وتحكي لي، وتقول بعض القصائد التي نظمتها بنفسها، وعندي بعض القصائد والأشعار التي نظمتها أنا وكتبتها على حسب الظروف التي مرت بي من خير وشر.
ولي كتابات بدفتري الخاص كل صفحة فيها تحكي عني قصة بأدق تفاصيلها عايشتها سواءً بفرح أو حزن.
وقد كتبت خاطرة معبرة فيها عما يجول بخاطري، عند وفاة والدي العزيز عقيل بن عبد الكريم العبودي، الله يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته.
والذي عرفته عن والدي ﵀ تدوين كل ما يقوم به بمذكرة، وخاصة المهمة منها كولادة مولود أو نجاح أو فشل وهكذا.
стр. 6707
كما أن جميع أخواتي يكتبن كل ما يحصل لهن، كل له دفاتره الخاصة، والتي ما أن تصدف وتقرأ دفتر واحدة منهن إلا وعرفت شخصيتها وحياتها من خلال الدفتر.
يبين لي بأن هذا السلوك والطبع نشترك به سويًا نحن (عائلة العبودي) وقد تلعب الوراثة هنا دورًا مهمًا بعائلتنا، وقد نكون توارثناها عن جدٍّ لنا، وشعورنا نحوك بأنك مثل أعلى ونسير على نهجه، ونستفيد منه، فأمدَّكم الله بالصحة والعافية وطول العمر، ووفقكم لما فيه الخير بالدين والدنيا والآخرة.
إبنتكم: وفاء عقيل العبودي
قالت: الطائر المهاجر
توالت الأيام - وانقضى الشهر العاشر.
وعادت الطيور إلى أوكارها وما زال طيري مهاجر.
ترى - هل سيعود لو كره؟ أم سيظل مغادر؟ يا له من طائر ناكر .. بل يا له من وليف غادر.
ترى ما ذنب وليفه؟ الذي أمضى حياته صابر، ولحبه متفاني ولعيوبه ساتر.
ذلك الوليف المسكين - يا لحظه الجائر، ويا لحزنه الوافر.
ولكنه قد أقسم بأنه - سيظل على بلائه صابر، وسيتحمل بُعده ويتظاهر بأنه على ذلك قادر ولكن هل سيطول هجره؟ لا أدري يا لي من وليف خاسر حتمًا سيعود طيري المهاجر - لان لنا ربَّا غافر إن لنا ربَّا قادر.
وفاء العبودي
قالت وفاء العبودي من الشعر العامي:
من زمان كان يسعدني طاري السفر ... وما هقيت بالسفر يصبح كدر
стр. 6708
وكل رجاي يكون ما حصل قدر ... أهون علي من المشي بدرب الخطر
عقبه يا هلي اليوم بشهر ... والشهر عندي من غيره دهر
لكن متى ها لدهر يمر؟ ... ويمحي ظلام ليلي نور القمر؟
يا ترى متى عيني بشوفه تقر؟ ... عندي أمل في يوم يجيني الخبر
يومها عندي يوم البشر ... يوم ربيع وخير ومطر
يوم طق طبول ورش العطر ... يومها يموت شوك وينبت زهر
وتصبح الدنيا بعيني زرع خضر ... ونهر وشجر مليان بأحلى الثمر
عندها - أنسى السهر ... وسنين عذابي والقهر
وانتظاري على أحر من الجمر ... كل هذا يوم أشوفه بالنظر
واستقر واعتقد إن بعد العسر يسر ... كما أعتقد إن من صبر ظَفَر
وفاء عقيل العبودي
١٣/ ٣/ ١٤٠٨ هـ
حوار مع النفس:
تمضي أيام - وشهور وسنين.
أسأل نفسي إلى متى يا ترى؟ وإلى أين؟
إلى متى تنتظرين؟ وماذا ترجين؟
أرد على سؤالي بسؤالين.
هل الإنسان يملك قلبين؟
والقلب هل يتسع لشخصين؟
لماذا يا نفسي لا تردين؟ وإلى متى تجهلين؟
أنظر إلى عيون الناس لكي أستعين.
стр. 6709
الحظ أعينهم تقول لي: يا لقلبك المسكين.
أجدهم في كلامهم صادقين.
أهرب .. ولا أبين.
لأنه لا زال في قلبي شوقًا وذكريات وحنين.
ألجأ إلى ربي أسأله يهدين، أدعوه يا مجيب دعوة المضطرين.
فرج قلبي الحزين، ودلني يا هادي المضلين.
ألا يكفي يا من بحالي عارفين، أن يضبي منه قسمه قسمين.
يا رب - يا رب - يا رب - فرِّج همي وهم المهمومين.
وعوض صبري خيرًا - ولا تجعلني من القانطين.
أسألك يا خير معين - أأصبر على بلائي؟ وأنت تبلي وتعين.
أو أدوس على قلبي وأقفله قفلين؟
وفاء العبودي
١٧/ ٤/ ١٤١٤ هـ
راح الغالي
قالتها في رثاء والدها عقيل بن عبد الكريم العبودي:
في بحر الحياة .. وبمركب شراعه كان عالي
بلمحة بصر هاج البحر .. ومجدافي انكسر
جاني الخبر .. موته قهر .. وهذا قدر
صرخت بصوت عالي .. يا ناس راح الغالي
راح مسند الظهر يا عزي لحالي!
стр. 6710
دمعي إنحدر .. وقلبي انشعر .. عمي البصر
ويا ويل اللي ماله والي!
يا والدي .. لو لي حيلة بالأمر .. لأفديك
بروحي وحلالي، وكل مالي وادخل بدالك القبر
وأزيد على عمري عمر بطول الدهر ولا يلمس
منك ظفر - وتبقي لعيالك يا الغالي
لكن هذا قدر - ومنكره كفر - وآمنت بالله العالي
له حكمته بالأمر .. وله دبرته بالبشر
والله الوالي
أسأله أن يرحمك ويعفو عنك ويدخلك منزلًا بالجنة عالي
وليهنا بعدك الصبر - ويزيح عنا ضيق الصدر
ويا ويل اللي ماله والي .. ويا ويل حالي
راح الغالي
وفاء عقيل العبودي
يوم وفاة والدي ٢/ ٢/ ١٤١٣ هـ ﵀
تحدثت وفاء عقيل العبودي عن والدها عقيل بن عبد الكريم العبودي، وهو قريب منا إذ والدي ووالده أبناء عم خلَّص أي أن جدهما القريب واحد، وقد شغل وظائف عديدة مهمة منها وظيفة تناقلت الإذاعات العالمية اسمه فيها.
وذلك أنه كان رئيس ديوان إمارة البريمي عندما كانت تحت الإدارة السعودية، وكان أميرها تركي العطيشان يعرف عقيل العبد الكريم العبودي عندما كانا يعملان معًا في الرياض، وفي الدمام، فذكرت الإذاعة دخول القوات
стр. 6711
الإنكليزية عليه في البريمي واعتقاله.
ومنهم إبراهيم بن عبد الكريم بن إبراهيم العبودي:
أكبر أسرة العبودي في الوقت الحاضر - ١٤٢٥ هـ - سنًّا إبراهيم بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم بن عبد الله بن عبود وعمره الآن ٩٧ سنة فهو من مواليد عام ١٣٢٨ هـ.
وهو عميد الأسرة بمعنى كونه أكبرهم سنًّا، ويليه في كبر السن مؤلف هذا الكتاب، وسني الآن - ١٤٢٥ هـ - ثمانون سنة.
وإبراهيم المذكور صاحب نظر ومعرفة في أمور الأراضي والعقارات ولذلك عينه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضي بريدة في (هيئة النظر) وهي لجنة معتمدة من الأمير والقاضي في بيان الصواب في مخاصمات الأراضي والعقارات وتطبيق الصكوك على حدود تلك الأراضي وفي قسمتها أيضًا.
وقد اعتذر إبراهيم العبودي عن قبول عضوية الهيئة وقال لي الشيخ عبد الله بن حميد: حنا عينا (ابن أخيك) أي ابن عمك في الهيئة ولا قبل.
فسألت إبراهيم عن ذلك، فقال: لم أقبل، لأنها هيئة رسمية تدخل العضو فيها في منازعات الأراضي، وإلَّا فأنا كما تعلم أقسم بين الناس إذا تراضوا بي وانظر في أراضيهم بالمجان.
وقد شهد أستاذنا عبد الله بن إبراهيم السليم الإبراهيم العبودي بالخبرة والنظر في العقارات ومعرفة أقيامها، فقال من رسالة وجهها إلى إبراهيم بن عبد الكريم الثويني في ١٢/ ٨/ ١٣٩٨ هـ حول بيت صغير لهم: وقد تبادلنا الرأي نحن وإبراهيم العبد الكريم العبودي لأن كثيرًا من أهل العقار اعتذر عن الاشتراك بتقدير البيت المذكور، وإبراهيم المشار إليه صاحب نظر وصاحب عقار الخ.
стр. 6712
ومما يدل على ذلك هذه الوثيقة التي كتبها الكاتب الشهير سليمان بن ناصر الوشمي:
стр. 6713
وإبراهيم بن عبد الكريم العبودي له أبناء نجباء أكبرهم عبد العزيز شغل وظائف عديدة بارزة وتملك عقارًا وأملاكًا في الدمام إلى أن تقاعد، وقد ذهب معظم أملاكه.
ولد عبد العزيز في عام ١٣٥٥ هـ في بريدة:
توظف في أرامكو ثم انتقل إلى العمل في اللاسلكي ثم صار مسئولًا في إمارة القصيم ثم انتقل إلى جوازات الرياض (المديرية العامة) ثم لمصلحة الجمارك فصار مدير ميناء الملك عبد العزيز في الدمام ثم مدير جمرك مطار الظهران.
ومما يتعلق بعبد العزيز العبودي هذا أذكر أنني كنت في عطلة عيد الأضحى عام ١٣٩٠ هـ في المغرب، ذلك بعد أن انتهى مؤتمر عقدته جمعية الجامعات الإسلامية في تونس، وكنت رئيس وفد الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة فاتفقت مع صديقي الشيخ عبد العزيز بن محمد القويغلي عميد كلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة على أن نقضي إجازة العيد في الجزائر
стр. 6714
والمغرب لأن العطلة حلت والجامعة معطلة فيها، ونزلنا في فندق في الرباط، فلما عدت إلى الفندق وطلبت مفتاح غرفتي من عجوز فرنسية في الاستقبال سألتني عن اسمي فقلت: العبودي.
فقالت العبودي؟ العبودي؟
قلت: نعم، وماذا في الأمر؟
قالت: فيه مشكلة قبل قليل وهي أنني رحلت العبودي في أول الصباح بعد أن خرجت أنت، وها أنت تأتي الآن، ثم ضحكت وقالت: إنه من أسرتكم (العبودي) ذكر لي أنه ابن عمك وقال لي آسفًا: لم أعلم أنه هنا وإلا لكنت سلمت عليه.
وإذا به عبد العزيز بن إبراهيم العبودي، وكان يشغل آنذاك مدير جوازات الدمام، وقد ابتعثته الحكومة لمنح تأشيرات للحجاج في بعض أقطار غرب إفريقية، فمر بالمغرب في طريقه للعودة إلى بلادنا، ونزل في الفندق نفسه من دون أن يعرف أحدنا بوجود الآخر فيه.
وكان عبد العزيز هذا في أول عمره رياضيًّا يلعب مع مجيدي رياضة كرة القدم، كان يلعب ضمن فريق في بريدة لكرة القدم في مباراة مع المنتسبين للمدرسة العسكرية الأولى في بريدة، فضرب أحد لاعبي المدرسة العسكرية مع ساقه بأصبع رجله ضربة قوية كسرت ساق الرجل وهو بدوي، فنقل إلى المستشفى وقرر الأطباء أن رجله كسرت نتيجة لهذه الضربة.
فجاء والده ابن عمنا إبراهيم بن عبد الكريم العبودي إليَّ يشكو الأمر ويستشيرني فيه، فقلت له: هذا كسر ابنكم رجله بضربة ولو مات الآن لطالبكم أهله بديته، فيجب أن تسرعوا بالصلح معهم عن طريق دفع تعويض، ومخالصة، فذهب وجاء بعد يوم، قال: خلصنا معهم هو وأقاربه ندفع لهم أربعمائة ريال وينتهي الأمر.
стр. 6715
ومن أسرة العبودي رياضيون مشهورون منهم خالد بن محمد بن عبد الكريم العبودي كان لاعبًا نشطًا مع فريق النصر في الرياض يردد المذيعون اسمه في أخبار المباريات الرياضية الكبيرة، وقد تخرج من إحدى الكليات ويعمل الآن في شركة - ١٤٢٥ هـ -.
وابن أخيه: بندر بن أحمد العبودي ضابط في الجيش تخرج من كلية الملك عبد العزيز الحربية في الرياض.
بل إن منهم أحد المؤسسين الحقيقيين للرياضة في بريدة وهو صالح بن إبراهيم العبودي، أجرت معه صحيفة الجزيرة لقاء يتعلق بذلك رأيت نشره هنا لأنه يلقي أضواء على بداية الرياضة في بريدة ويذكر أسماء المؤسسين والمشاهير فيها في ذلك الظرف.
قالت الجزيدة:
صالح بن إبراهيم بن عبد الكريم العبودي ولد في بريدة عام ١٣٦٠ هـ أول مدرس بالمدرسة الصناعية عام ١٣٨٣ هـ ومن هناك إدارة المستودعات في إدارة التعليم سنة ١٣٨٥ وفي ١٤٠٣ هـ انتقل إلى الهاتف (الاتصالات) في وظيفة رئيس قسم المباني ثم الإرشيف والمشتريات إلى أن تقاعد في عام ١٤١٩ هـ.
في حوار لا تنقصه الصراحة مع أبرز رواد الحركة الرياضية بالقصيم صالح العبودي يقول:
التعاون خرج من رحم الرائد وأسألوا (الكبار) لتعرفوا الحقيقة:
التاريخ لا يكذب أبدًا، والذكريات تحتاج إلى تمحيص وتدوين لكيلا تترهل وتضعف ويسهل تحريفها وإزالة مصداقيتها حسب الأمزجة والأهواء، في هذا اللقاء الأول من نوعه مع أحد رواد الحركة الرياضية بمنطقة القصيم ومن الذين ساهموا
стр. 6716
في بدايات الكرة في القصيم يمضي بنا الأستاذ صالح بن إبراهيم العبودي مسترجعًا ذكريات بداياته مع الكرة في عام ١٣٧٤ هـ مع شقيقه مؤسس النادي الأهلي (الرائد حاليًا) عبد العزيز العبودي وأبناء الوابلي والقوسي والرشودي والغنام والقليش وغيرهم، يضع العبودي الحقيقة التاريخية كاملة بدون تزييف وفق معايشته لواقع مضى عليه أكثر من خمسين عامًا، يقول الصدق، ويؤكد القصة الكاملة لتأسيس الغريم التقليدي لناديه (الشباب السعودي) التعاون حاليًا.
يتذكر أحداثًا مهمة ويضحك مع المواقف الطريفة ويرفض قول غير الحقيقة فإلى حوارنا الشيق مع صالح العبودي.
بدأت علاقتي بالرياضة وعمري تقريبًا كان في الخامسة عشرة، حيث كنت مع زملائي نلعب في الشوارع الضيقة والحارات ثم انضممنا إلى النادي الأهلي (الرائد حاليًا) لأنه الوحيد في المنطقة آنذاك وكان معي عبد الله السويل وأولاد الوابلي (محمد وحمد وعبد الله) وحمود الرشودي وكان كابتن الفريق الأهلي عبد العزيز العبودي (شقيقي) أضف إلى ذلك عبد الله المحيسن وعبد الله الغنام ومفرح القوسي ومحمد الفايز القليش (رئيس اتحاد الكاراتيه والجودو حاليًا) منهم من توفي إلى رحمة الله ومنهم من ما زال حيًّا يرزق، وطبعًا كان هناك مشقة في اللعب حيث لا موارد مادية ولا مواصلات والمجتمع كان ينظر إلى الرياضة بأنها ترف ومضيعة للوقت ومن غير المستحب مزاولتها، بل إن البعض منهم يحرمها، وكان ذلك في بداية السبعينات الهجرية وتحديدًا عام ١٣٧٤ هـ.
شقيقي أول من أدخل الرياضة في القصيم:
كان شقيقي عبد العزيز هو مدرب الفريق ورئيسه والمسؤول عنه، حيث كان يفهم كثيرًا بكرة القدم لأنه قدم من المنطقة الشرقية وتحديدًا من شركة (أرامكو) حيث أحتك بالأجانب وعرف الكثير من المهارات الكروية وعندما جاء لبريدة أسس فريق الأهلي .. ونظمه بمساعدة من العديد من زملائه ولكن
стр. 6717
هو الأساس لبداية الكرة في المنطقة وكان ملعب الفريق يقع في حي (العكيرشة) شرق مستشفى بريدة المركزي، وكان ممن ساعد في بدايات الرياضة فهد المبارك وعلي المضيان وعبد العزيز العمار.
رياضة بدائية! !
لم يكن هناك أي أنظمة رياضية ولا أي جهة مسؤولة عن الرياضة في المنطقة، وكنا نأخذ ملابس التمرين ونذهب لملعب (الأهلي) بالعكيرشة سيرًا على الأقدام وعندما نصل إلى (النفود) نبدأ بالنزول حيث كان الملعب يقع تحت (تل رملي) وبعد نهاية التمرين نرجع لصعود هذا (النفود) للرجوع للمنازل ولم يكن هناك أنوار أو طرق معبدة.
والطريف في الأمر أن هناك رسومات على كل لاعب ينضم للفريق حيث لابد أن يدفع شهريًّا مبلغ (خمسة ريالات) إذا أراد مواصلة التمرين مع الفريق! ! وتستخدم مبالغ الرسوم لشراء (كورة) للتمرين و (فانيلات) للمباريات! !
وكان عدد من يتابع التمرين من الجمهور قليلًا جدًّا حيث كانوا يجلسون على أطراف الملعب (الحبس) ولم يزد عددهم إلا بعد فترة طويلة.
بداية ظهور فريق الشباب (التعاون):
في العام ١٣٧٦ هـ تقريبًا وبعد حوالي سنتين من تأسيس فريق الأهلي حدث أن انفصل مجموعة من أفراد الفريق وتركوه ليؤسسوا فريقًا آخر أسموه (الشباب) ولصغر سني آنذاك لم أكن أعرف السبب الحقيقي للانفصال ويمكن أن يكون الحماس بالتمرين أو ما شابه ذلك سببًا لذلك ولكن السبب الحقيقي لا أعرفه بالتحديد، وكان أبرز الأفراد الذين انفصلوا أبناء الوابلي (حمد ومحمد وعبد الله) وحمود البراهيم الرشودي ﵀ وصالح الهذال ﵀.
стр. 6718
وانضم إليهم عبد الله الجمعان وقد كان مقر ملعبهم بجانب ملعبنا، وأتذكر أنهم إذا لم يكتمل عددهم بالتمرين جاءوا إلينا والعكس صحيح، وكان قائد (الشباب) محمد الوابلي ومنذ ذلك الحين انطلق التنافس الكروي بين الأهلي (الرائد) والشباب (التعاون) وبدأت الجماهير تتحمس لمباريات الفريقين.
بداية التجديدات! !
أول إدارة رسمية للأهلي ترأسها المرحوم غانم العبد الله الغانم في عام ١٣٨٢ هـ حيث سجل النادي رسميًّا وقد ترك شقيقي عبد العزيز الفريق وذهب للرياض وكان مقر إدارة الفريق الأول في الجردة وتحديدًا في السد الصغير المجاور لمحلات صنع الخيام (حاليًا) ثم انتقل المقر إلى جنوب محطة الراشد على شارع الخبيب أمام المقبرة وبعدها انتقل المقر إلى أول شارع الخبيب وتحديدًا أمام البنك العربي (حاليًا) ثم إلى مقره الحالي بعد اكتمال بناء السور الطيني في عهد إدارة العضاض.
وكان إيجار المقر الأول حوالي ثلاثة آلاف ريال، وكان أبرز الزملاء في تلك الفترة عبد المحسن الضويان وأحمد العيد والمرحوم عبد الله السلمي وإبراهيم الراشد وناصر الصلال وموسى الراشد وقبلهم كان الفنان المعروف (حجاب بن نحيت) ومحمد الهذلول وأخوه فيصل أبناء أمير بريدة وعلي الغماس وعبد الله الحواس وعلى الفايز وقد لعبنا مع فرق الرس والمجمعة وحائل.
أبرز الحكام:
من أبرز الحكام آنذاك الجمل ومحمد رمضان وعبد الرحمن الدهام، والنفيسة وعبد الرحمن الموزان، حيث كانوا يحضرون من الرياض مكلفين لإدارة المباريات نظرًا لقلة الحكام بالمنطقة.
стр. 6719
التنافس مع الشباب:
كان التنافس مع الشباب (التعاون) كبيرًا وله طعم خاص، وللتاريخ فقد كانت النتائج متبادلة بيننا وبينهم إلَّا أن عام ١٣٨٥ هـ شهد أكبر انتصار لنا عليهم عندما هزمناهم بخمسة أهداف مقابل هدف، وقد سجلت هدفًا واحدًا في تلك المباراة وكان الحكم هو عبد الرحمن الموزان وساعده جوهر والمكاوري، وقد مثل فريق الأهلي آنذاك عبد الله السلمي ومرزوق السالم وعلي الفايز وأحمد العيد وعلي الغماس وعبد المحسن الضويان وإبراهيم الراشد والحواس وعبد الله الفريج (توكا) ونجيب وصالح العبودي.
وقد مثل الشباب الجمعان والقصير والربيش والفضل والفدا وجار الله والوابلي وصقعوب وصالح الهذال ومحمد الحسون وصالح السديري.
وقد كان الشباب متقدمًا علينا بهدف للحسون، وقد انتهى الشوط الأول بذلك، وقد سجل للأهلي (الرائد) نجيب هدفين وتوكا والحواس، وأطلق على هدفي الذي سجلته (بالمباركية) نظرًا لقوة تسديدي وتشبيهًا بتسديدات اللاعب الشهير مبارك عبد الكريم وهذا لا يمنع من قوة فريق الشباب، ولكن هذا حال الكرة والتاريخ لا يكذب أبدًا.
كثرة اللاعبين وراء انشقاق هؤلاء عن الأهلي:
وكان يدربنا في تلك المباراة السوداني الأمين قرندة، وقد عسكرنا في شقته بشركة الكهرباء حيث كان يعمل هناك! !
ومن أبرز المواقف الطريفة التي أتذكرها أنه في إحدى المباريات مع الشباب السعودي وقبل نهاية المباراة بعشر دقائق جاء (النواب) مجموعة من رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - على سيارة دوج حمراء وكان عددهم أربعة وأخرجونا من الملعب لقرب الآذان وقد اختبأنا بـ (الأثل)
стр. 6720
حتى ذهبوا ثم عاودنا إكمال المباراة! !
أبرز الأجانب:
كان أبرز من درب فريقي الأهلي المدرب المصري محمد عطا والسوداني الأمين قرندة، وبالمناسبة كان لاعبًا في الفريق قبل أن يدربه، أما أبرز اللاعبين من غير السعوديين فهم السوداني (الدبلي) وكان يشتغل في سوق الذهب والحضرمي عبد الكريم مسعود والحضرمي المرحوم عون الزبيدي كانا يشتغلان في البنك الأهلي.
المعسكرات! !
كنا نعسكر قبل المباراة بثلاثة أيام أحيانًا في شقة الأمين في شركة الكهرباء، وأحيانًا في قصر أمير بريدة ابن هذلول، حيث كان يشجعنا ويدعمنا ﵀.
عدة مراكز! !
لعبت حارسًا للمرمى ومدافعًا ولاعب وسط وتسلمت شارة الكابتنية بتكليف من إدارة الغانم وعملت جابيًا للقروش حيث كان - كما قلت سابقًا - يفرض على اللاعبين رسوم قدرها خمسة ريالات في الشهر وكنت مسؤولًا عن تحصيلها، واستغرب من شباب اليوم حيث تعطيهم الأندية الملايين ولا يشبعون! ! ولدي بيانات تثبت الرسوم على اللاعبين.
النهاية:
تركت الكرة عام ١٣٨٥ هـ ولم أعمل إداريًّا، بل بقيت مشجعًا للفريق، ورويدًا رويدًا انتهت علاقتي بالرياضة والآن أتابع التلفزيون فقط، وقد تحول اسم الفريق من الأهلي إلى الرائد عام ١٣٨٨ هـ.
стр. 6721
الإساءة للتاريخ! !
يجب على من يريد التحدث عن تاريخ الأهلي (الرائد) والشباب السعودي (التعاون) أن يسأل الكبار ممن عاصروا بدايات الكرة ببريدة وألا يستكين لعواطفه وأهوائه، لأن في ذلك إساءة للتاريخ الرياضي، فما الذي يمنع انفصال الشباب عن الأهلي! !
فكل الأندية تنفصل حتى الدول تنفصل والعوائل كذلك فلماذا يستغرب البعض من أن يكون التعاون خرج من رحم الرائد الذي هو أساس الرياضة القصيمية، وهل نبت (الشباب السعودي) من الأرض.
انظر إلى أندية المملكة وستجد أنها كانت قليلة جدًّا وبعد فترة انفصل أفرادها وكانوا فرقًا أخرى وهكذا .. ولا يعيب التعاونيين ذلك لأنهم كونوا ناديًا محترمًا وأوصلوه للأضواء وأصبح مشهورًا وهكذا الحياة.
والأهم أن لا يكتب ولا يتكلم بالتاريخ إلا من عاش تلك الفترات أو كان قريبًا منها لأن البعض يتكلم عن جهل بأمور واضحة وضوح الشمس، وللأسف أصبح الصغار يتلاعبون بتاريخ رياضتنا، وشكرًا للعلولا الذي خطا خطوة جبارة للحفاظ على تاريخ الرياضة القصيمية.
وقفة ..
لا أستطيع الحديث إلا عن الأشياء التي عايشتها وعرفتها ومتأكد منها، وما قلته في هذا اللقاء هو ما عرفته ومتأكد منه والتاريخ لا يمكن أن يطمس وفق أهواء أو تعصب غير منطقي أبدًا.
العبدي نموذج:
قبل أن نختم اللقاء آمل أن تبعث سلامي الحار وشكري وتقديري وكافة زملائي للأخ الأستاذ محمد العبدي مدير التحرير للشؤون الرياضية بالجريدة
стр. 6722
لأنه بالفعل أعطي صورة ناصعة البياض للشخص العملي.
ونحن نفتخر أنه من القصيم وهو نموذج للابن البار لعمله ولوطنه ودعائي الصادق له باستمرار التفوق والنجاح المبهر دائمًا.
لقطات من الحوار:
أشاد العبودي بكتاب الزميل أحمد العلولا (الحركة الرياضية والشبابية بمنطقة القصيم، ووصف الكتاب بالمميز ونوه إلى مصداقيته الجريئة.
أبدى الضيف استغرابه ممن يحاول طمس التاريخ وهو لم يعايشه! !
مدير مكتب رعاية الشباب بالقصيم سابقًا الأستاذ محمد العمار حضر في ختام اللقاء وعندما شاهد الكاميرا وآلة التسجيل قال مازحًا: صحافة .. فكونا! !
قال الضيف إن إمكانيات الملاعب ضعيفة والدليل أن شبكة المرمى كانت توجد في مرمى بينما المرمى الثاني خال! !
أثنى الضيف على داعمي الفريق من القدامى خارج المنطقة علي المقيطيب ومحمد علي الصانع وصالح السفير وصالح البراك وعبد العزيز التويجري وعبد الكريم المشيقح
قال إن داعمي الفريق من المنطقة قديمًا عبد الله العويد وعلي الخليفة وعبد الله النصير وفهد الذايدي وعلي السويد وسليمان الراشد وسليمان الدريبي.
علق على من يكذب انفصال الشباب (التعاون) عن الأهلي (الرائد) بقوله هل هم مستوردون أم جاءوا من كوكب آخر؟ ! !
نصح كل من لا يعرف التاريخ أن يسأل اللي أكبر منه سنًّا حتى يفهم التاريخ من رجاله! !
стр. 6723
الضيف هو شقيق المهندس أحمد العبودي رئيس الرائد السابق.
ردد كثيرًا وطلب مني بإلحاح إيصال الشكر والتقدير للزميل محمد العبدي حيث يرى أنه أفاد الرياضة وساعد على دعمها إعلاميًّا بكل قوة ويعد من أبرز داعمي الحركة الرياضية ويستحق الشكر.
بطاقة الضيف الشخصية:
الاسم: صالح بن إبراهيم العبودي.
العمر: واحد وستون عامًا.
العمل: متقاعد من شركة الاتصالات السعودية.
الهواية: قراءة الكتب التاريخية (١).
المهندس أحمد العبودي:
وأخوهما المهندس: أحمد بن إبراهيم بن عبد الكريم العبودي:
كان المهندس أحمد بن إبراهيم العبودي هذا رياضيًّا وصل إلى أن يرأس نادي الرائد الرياضي لكرة القدم في بريدة، فمرض مرضًا مفاجئًا وهو في أوج صحته وتوفي في يوم الاثنين ٢٢ شعبان من عام ١٤٢٦ هـ وعمره إذ ذاك ٥٣ سنة.
وكان حصل على شهادة الهندسة في الهواتف من ألمانيا وعمل سنوات في إدارة الهاتف في منطقة القصيم، ثم ترك هذه الوظيفة وأنشأ مؤسسة تجارية نجحت، وكان معروفًا بفعل الخير، والعطف على الفقراء والمساكين وبذل المساعدات لهم.
وقد رثته الجرائد السعودية وذكرت الكثير عن شخصيته ومآثره.
стр. 6724
قالت الجزيرة في عددها الصادر يوم الأربعاء ٢٤ من شعبان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٨ من سبتمبر عام ٢٠٠٥ م:
المئات تزاحموا للصلاة عليه والدموع غطت أعين الحاضرين:
(بريدة) تودّع (العبودي) إلى مثواه الأخير:
الفقيد كان محبوبًا من الجميع .. وسيرته الطيبة كشفها الوداع المهيب:
وسط حضور كبير جدًّا من المصلين غصت بهم جنبات جامع الخليج بمدينة بريدة، ودعت الأوساط الرياضية والتجارية والاجتماعية ابنها البار الرجل المحبوب المهندس أحمد العبودي رئيس نادي الرائد السابق ومدير عام مؤسسة النسمة الشرقية المشهورة، حيث تمت مواراة جثمان الفقيد في مقبرة الموطأ ظهر أمس في منظر اختلطت فيه دموع الحزن مع نحيب الفراق، وظهرت علامات الألم والحسرة على وجوه كل من حضر إلى مقبرة الموطا ولم يتمالك الكثيرون أنفسهم وانخرطوا في بكاء مسموع كتعبير صادق عن قيمة الفقيد وحب الناس له ﵀.
وقد أدى صلاة الجنازة على الراحل (العبودي) العديد من رجالات الوسط الرياضي داخل وخارج القصيم، وكذلك الكثير من رجالات الأعمال وجمع غفير جدًّا من المواطنين، ويتقبل العزاء في منزل شقيقه صالح العبودي بحي الصفراء، وفي بيت الفقيد بحي المنتزه (للنساء)، والجزيرة إذ ألمها هذا الخبر لتشاطر عائلة العبودي بالمملكة خالص العزاء وتدعو للفقيد بالرحمة والمغفرة، (إنا لله وإنا إليه راجعون).
أمير القصيم يعزي:
فور تلقيه النبأ وكعادته مع الجميع قدم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة القصيم عبر اتصال هاتفي مع شقيق الفقيد الأستاذ
стр. 6725
صالح، وقدّم خالص العزاء لأسرة العبودي وأبلغهم بفجعته بالخبر، ودعا للفقيد بالرحمة والمغفرة، وقد قدم الأستاذ صالح العبودي نيابة عن أسرته خالص الشكر والتقدير لسموه خففت عن هول صدمة فراق الفقيد.
يذكر أن الأمير فيصل بن بندر يتمتع بإجازته السنوية خارج البلاد.
رحلة الموت المفاجئ:
قبل عشرة أيام كان الفقيد ﵀ يشتكي من ضيق في التنفس ينتابه بشكل متقطع، وفي يوم الجمعة قبل الماضي كان يجلس في بيت أخيه صالح كعادته كل مساء بحضور الأستاذ محمد العمار عضو اللجنة الأولمبية السعودية، وقد كانت حاله جيدة جدًّا، حيث تبادل القفشات مع الحضور كعادته ﵀ حيث كان مشهورًا بخفة الدم، إلا أنه في نهاية جلسته وقبل خروجه أفصح لأخيه بإحساسه بضيق التنفس الذي ينتابه ثم ذهب إلى منزله، وهناك لم يستطع النوم حتى الفجر، حيث طلب ﵀ من ابنه فهد التوجه به إلى مستشفى الملك فهد التخصصي، وهناك تم إدخاله العناية الفائقة في مركز الأمير سلطان لأمراض القلب، وتم عمل الفحوص السريعة له واتضح وجود انسداد في ثلاثة من الشرايين التي تضخ الدم للقلب، وتم عمل قسطرة لأحد الشرايين، وتمت بنجاح، وتحسنت حالة الفقيد، حيث تم السماح لأسرته بزيارته وكان ﵀ سعيدًا بنجاح العملية إلا أن الكادر الطبي المشرف على حالته طلب منه عدم إجهاد نفسه والاسترخاء من أجل إجراء عملية قسطرة أخرى للشريانين المتبقيين، وقبل تحدد موعد للقسطرة ارتفعت درجة حرارة الفقيد بشكل مفاجئ وظهرت عليه علامات الإعياء الشديد وتم اكتشاف مياه في الرئتين، مما جعل الأطباء يبقونه في وضع التنويم، وقد استمر على تلك الحال حتى وافته المنية فجر يوم الاثنين ٢٢/ ٨/ ١٤٢٦ هـ لتخسر بريدة واحدًا من أميز رجالها وأطيبهم خلقًا وأكرمهم نفسًا وأكثرهم نقاءً.