الإساءة للتاريخ! !
يجب على من يريد التحدث عن تاريخ الأهلي (الرائد) والشباب السعودي (التعاون) أن يسأل الكبار ممن عاصروا بدايات الكرة ببريدة وألا يستكين لعواطفه وأهوائه، لأن في ذلك إساءة للتاريخ الرياضي، فما الذي يمنع انفصال الشباب عن الأهلي! !
فكل الأندية تنفصل حتى الدول تنفصل والعوائل كذلك فلماذا يستغرب البعض من أن يكون التعاون خرج من رحم الرائد الذي هو أساس الرياضة القصيمية، وهل نبت (الشباب السعودي) من الأرض.
انظر إلى أندية المملكة وستجد أنها كانت قليلة جدًّا وبعد فترة انفصل أفرادها وكانوا فرقًا أخرى وهكذا .. ولا يعيب التعاونيين ذلك لأنهم كونوا ناديًا محترمًا وأوصلوه للأضواء وأصبح مشهورًا وهكذا الحياة.
والأهم أن لا يكتب ولا يتكلم بالتاريخ إلا من عاش تلك الفترات أو كان قريبًا منها لأن البعض يتكلم عن جهل بأمور واضحة وضوح الشمس، وللأسف أصبح الصغار يتلاعبون بتاريخ رياضتنا، وشكرًا للعلولا الذي خطا خطوة جبارة للحفاظ على تاريخ الرياضة القصيمية.
وقفة ..
لا أستطيع الحديث إلا عن الأشياء التي عايشتها وعرفتها ومتأكد منها، وما قلته في هذا اللقاء هو ما عرفته ومتأكد منه والتاريخ لا يمكن أن يطمس وفق أهواء أو تعصب غير منطقي أبدًا.
العبدي نموذج:
قبل أن نختم اللقاء آمل أن تبعث سلامي الحار وشكري وتقديري وكافة زملائي للأخ الأستاذ محمد العبدي مدير التحرير للشؤون الرياضية بالجريدة
стр. 6722
لأنه بالفعل أعطي صورة ناصعة البياض للشخص العملي.
ونحن نفتخر أنه من القصيم وهو نموذج للابن البار لعمله ولوطنه ودعائي الصادق له باستمرار التفوق والنجاح المبهر دائمًا.
لقطات من الحوار:
أشاد العبودي بكتاب الزميل أحمد العلولا (الحركة الرياضية والشبابية بمنطقة القصيم، ووصف الكتاب بالمميز ونوه إلى مصداقيته الجريئة.
أبدى الضيف استغرابه ممن يحاول طمس التاريخ وهو لم يعايشه! !
مدير مكتب رعاية الشباب بالقصيم سابقًا الأستاذ محمد العمار حضر في ختام اللقاء وعندما شاهد الكاميرا وآلة التسجيل قال مازحًا: صحافة .. فكونا! !
قال الضيف إن إمكانيات الملاعب ضعيفة والدليل أن شبكة المرمى كانت توجد في مرمى بينما المرمى الثاني خال! !
أثنى الضيف على داعمي الفريق من القدامى خارج المنطقة علي المقيطيب ومحمد علي الصانع وصالح السفير وصالح البراك وعبد العزيز التويجري وعبد الكريم المشيقح
قال إن داعمي الفريق من المنطقة قديمًا عبد الله العويد وعلي الخليفة وعبد الله النصير وفهد الذايدي وعلي السويد وسليمان الراشد وسليمان الدريبي.
علق على من يكذب انفصال الشباب (التعاون) عن الأهلي (الرائد) بقوله هل هم مستوردون أم جاءوا من كوكب آخر؟ ! !
نصح كل من لا يعرف التاريخ أن يسأل اللي أكبر منه سنًّا حتى يفهم التاريخ من رجاله! !
стр. 6723
الضيف هو شقيق المهندس أحمد العبودي رئيس الرائد السابق.
ردد كثيرًا وطلب مني بإلحاح إيصال الشكر والتقدير للزميل محمد العبدي حيث يرى أنه أفاد الرياضة وساعد على دعمها إعلاميًّا بكل قوة ويعد من أبرز داعمي الحركة الرياضية ويستحق الشكر.
بطاقة الضيف الشخصية:
الاسم: صالح بن إبراهيم العبودي.
العمر: واحد وستون عامًا.
العمل: متقاعد من شركة الاتصالات السعودية.
الهواية: قراءة الكتب التاريخية (١).
المهندس أحمد العبودي:
وأخوهما المهندس: أحمد بن إبراهيم بن عبد الكريم العبودي:
كان المهندس أحمد بن إبراهيم العبودي هذا رياضيًّا وصل إلى أن يرأس نادي الرائد الرياضي لكرة القدم في بريدة، فمرض مرضًا مفاجئًا وهو في أوج صحته وتوفي في يوم الاثنين ٢٢ شعبان من عام ١٤٢٦ هـ وعمره إذ ذاك ٥٣ سنة.
وكان حصل على شهادة الهندسة في الهواتف من ألمانيا وعمل سنوات في إدارة الهاتف في منطقة القصيم، ثم ترك هذه الوظيفة وأنشأ مؤسسة تجارية نجحت، وكان معروفًا بفعل الخير، والعطف على الفقراء والمساكين وبذل المساعدات لهم.
وقد رثته الجرائد السعودية وذكرت الكثير عن شخصيته ومآثره.
стр. 6724
قالت الجزيرة في عددها الصادر يوم الأربعاء ٢٤ من شعبان ١٤٢٦ هـ الموافق ٢٨ من سبتمبر عام ٢٠٠٥ م:
المئات تزاحموا للصلاة عليه والدموع غطت أعين الحاضرين:
(بريدة) تودّع (العبودي) إلى مثواه الأخير:
الفقيد كان محبوبًا من الجميع .. وسيرته الطيبة كشفها الوداع المهيب:
وسط حضور كبير جدًّا من المصلين غصت بهم جنبات جامع الخليج بمدينة بريدة، ودعت الأوساط الرياضية والتجارية والاجتماعية ابنها البار الرجل المحبوب المهندس أحمد العبودي رئيس نادي الرائد السابق ومدير عام مؤسسة النسمة الشرقية المشهورة، حيث تمت مواراة جثمان الفقيد في مقبرة الموطأ ظهر أمس في منظر اختلطت فيه دموع الحزن مع نحيب الفراق، وظهرت علامات الألم والحسرة على وجوه كل من حضر إلى مقبرة الموطا ولم يتمالك الكثيرون أنفسهم وانخرطوا في بكاء مسموع كتعبير صادق عن قيمة الفقيد وحب الناس له ﵀.
وقد أدى صلاة الجنازة على الراحل (العبودي) العديد من رجالات الوسط الرياضي داخل وخارج القصيم، وكذلك الكثير من رجالات الأعمال وجمع غفير جدًّا من المواطنين، ويتقبل العزاء في منزل شقيقه صالح العبودي بحي الصفراء، وفي بيت الفقيد بحي المنتزه (للنساء)، والجزيرة إذ ألمها هذا الخبر لتشاطر عائلة العبودي بالمملكة خالص العزاء وتدعو للفقيد بالرحمة والمغفرة، (إنا لله وإنا إليه راجعون).
أمير القصيم يعزي:
فور تلقيه النبأ وكعادته مع الجميع قدم صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة القصيم عبر اتصال هاتفي مع شقيق الفقيد الأستاذ
стр. 6725
صالح، وقدّم خالص العزاء لأسرة العبودي وأبلغهم بفجعته بالخبر، ودعا للفقيد بالرحمة والمغفرة، وقد قدم الأستاذ صالح العبودي نيابة عن أسرته خالص الشكر والتقدير لسموه خففت عن هول صدمة فراق الفقيد.
يذكر أن الأمير فيصل بن بندر يتمتع بإجازته السنوية خارج البلاد.
رحلة الموت المفاجئ:
قبل عشرة أيام كان الفقيد ﵀ يشتكي من ضيق في التنفس ينتابه بشكل متقطع، وفي يوم الجمعة قبل الماضي كان يجلس في بيت أخيه صالح كعادته كل مساء بحضور الأستاذ محمد العمار عضو اللجنة الأولمبية السعودية، وقد كانت حاله جيدة جدًّا، حيث تبادل القفشات مع الحضور كعادته ﵀ حيث كان مشهورًا بخفة الدم، إلا أنه في نهاية جلسته وقبل خروجه أفصح لأخيه بإحساسه بضيق التنفس الذي ينتابه ثم ذهب إلى منزله، وهناك لم يستطع النوم حتى الفجر، حيث طلب ﵀ من ابنه فهد التوجه به إلى مستشفى الملك فهد التخصصي، وهناك تم إدخاله العناية الفائقة في مركز الأمير سلطان لأمراض القلب، وتم عمل الفحوص السريعة له واتضح وجود انسداد في ثلاثة من الشرايين التي تضخ الدم للقلب، وتم عمل قسطرة لأحد الشرايين، وتمت بنجاح، وتحسنت حالة الفقيد، حيث تم السماح لأسرته بزيارته وكان ﵀ سعيدًا بنجاح العملية إلا أن الكادر الطبي المشرف على حالته طلب منه عدم إجهاد نفسه والاسترخاء من أجل إجراء عملية قسطرة أخرى للشريانين المتبقيين، وقبل تحدد موعد للقسطرة ارتفعت درجة حرارة الفقيد بشكل مفاجئ وظهرت عليه علامات الإعياء الشديد وتم اكتشاف مياه في الرئتين، مما جعل الأطباء يبقونه في وضع التنويم، وقد استمر على تلك الحال حتى وافته المنية فجر يوم الاثنين ٢٢/ ٨/ ١٤٢٦ هـ لتخسر بريدة واحدًا من أميز رجالها وأطيبهم خلقًا وأكرمهم نفسًا وأكثرهم نقاءً.
стр. 6726
القدر يسبق الإخلاء:
لقد كان شقيقه الأستاذ صالح العبودي ملازمًا له طوال فترة مكوثه بالمستشفى وقد بذل جهودًا كبيرة في سبيل الحصول على موافقة المسئولين لنقله بطائرة الإخلاء الطبي بشكل سريع جدًّا ونجح بذلك إلا أن حالة المرحوم لم تكن تسمح بمغادرته السرير وحتى أسرته ﵀ كانت مستعدة لإرساله إلى أي مستشفى بالعالم لكن قدرة الله سبقت الجميع وتوفي في المستشفى.
حياته العملية:
المغفور له بإذن الله يبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عامًا، ويحمل شهادة جامعية في تخصص الهندسة المدنية من جامعة كاليفورنيا، وقد عمل في شركة الهاتف السعودي وتسلم عدة مناصب قيادية قبل أن يقدم استقالته ليعمل في القطاع الخاص، مؤسسًا لمؤسسة النسمة الشرقية والمتخصصة في مشروعات الإنشاءات الكهربائية والبناء والاتصالات، وهي من كبرى الشركات حاليًا في مجال التوصيل الهاتفي والتمديدات الكهربائية، وكان للفقيد ﵀ دور بارز في مؤسسته، إضافة إلى أنه أحد أكثر رجال الأعمال تفاعلًا ودعمًا لكل توجهات الغرفة التجارية الصناعية بالقصيم، وقد كان الفقيد مشاركًا مع الوفد التجاري الكبير السعودي الذي زار روسيا قبل سنة.
حياته الرياضية:
بدأت علاقته بكرسي الرئاسة الرائدية عام ١٤٢١ هـ حيث استلم زمام رئاسة النادي وحقق في أول موسم له المركز الثالث في دوري أندية الدرجة الأولى وعددًا من البطولات في الألعاب الأخرى، وفي الموسم الذي يليه استطاع بدعمه الكبير أن يساهم في صعود الرائد للأضواء محققًا المركز الثاني.
ومما يسجله التاريخ الرياضي بمنطقة القصيم للفقيد - المهندس أحمد العبودي - أنه أول رئيس نادٍ قصيمي يفسح المجال للاستثمارات التجارية بالدخول
стр. 6727
وسط الأندية بعد أن وقع أول عقد استثماري مع شركة الكسائي التجارية، التي يرأسها الأستاذ مساعد اليحيى عام ١٤٢٢ هـ حيث تم بناء الجهات الشرقية للنادي بكاملها ليسجل الفقيد نفسه في سجلات الاستثمار الرياضي بالمنطقة.
وقد كان الفقيد ﵀ عضوًا في المجلس التنسيقي لأمانة أعضاء الشرف، وما يميزه ﵀ أنه كان يعمل مع الجميع دون استثناء وبدون مناصب، وكان ﵀ قد كشف لرئيس النادي الحالي عبد العزيز التويجري نيته العمل معه في أي منصب يراه واستعداده لدعم النادي دون انقطاع.
علاقته مع الآخرين:
المغفور له بإذن الله - المهندس أحمد العبودي - كان طيب القلب محبوبًا من الجميع وكانت علاقته مع الوسط المحيط به علاقة حب واحترام، وكان ممن يتمني الكثيرون الجلوس معه، نظرًا لتواضعه وبساطته وروعة أسلوبه في الكلام.
وقد اكتسب محبة وتقدير جميع من عرفة عن قرب ونال ثقة الأوساط الرياضية والتجارية لأمانته وصدقه في قوله وعمله.
قالوا عن فراق الفقيد:
- كان رجلًا صادقًا أبيض القلب صافي النية .. فقدانه ليس هينًا لكن (إنا لله وإنا إليه راجعون).
الشيخ صالح السلمان
- (لم أجد منه سوى كل شيء طيب، وخبر وفاته فجعني، أسأل الله أن يغفر له ويرفع منزلته).
الشيخ صالح المحيميد
стр. 6728
- (كان أقرب لي من أبنائي، كل من يعرفه لابد أن يحبه .. سأظل أبكي وأبكي عليه .. ) ..
شقيقه عبد العزيز العبودي
- (اللهم أسكنه جنات النعيم يا أرحم الراحمين واجعله في مصاف الشهداء والصديقين).
شقيقه صالح العبودي
- (قلبي يتقطع ألمًا لفراقه، لكن تلك مشيئة الله، اللهم وسع قبره ونور مدخله وارزقه الجنة يا أرحم الراحمين).
الأستاذ محمد العمار
- (أطيب رجل عرفته .. وفراقه أبكاني كثيرًا كثيرًا .. سأظل أدعو له بالرحمة والمغفرة).
الأستاذ عبد الله المبارك
- (وفاته فاجعة للجميع، لقد كان رجلًا بمعنى الكلمة، اللهم أنزله منزلة الشهداء والصديقين يا رب).
الأستاذ عبد العزيز السالم
- (رحلت يا رجل الطيبة والمروءة .. رحلت أيها الرجل الصادق المحبوب .. اللهم ارحمه رحمة واسعة يا رب).
الأستاذ فهد الربدي
- (صدمة فراقه مريرة وذكراه ستظل ناصعة البياض إلى الأبد).
الأستاذ عبد الله السدرة
стр. 6729
مشاهدات:
- حضور غفير جدًّا حرص على الصلاة على الفقيد العبودي رحمه الله تعالى.
- أصوات البكاء كانت مسموعة والحزن غطى البكاء وجوه الجميع بدون استثناء.
- العديد من المسئولين خارج المنطقة حضروا لأداء واجب الصلاة والعزاء.
- الكل أجمع على نبل أخلاق الفقيد وطيبته وحسن تعامله مع الآخرين وسعة صدره.
- الكل في المقبرة يلهج بالدعاء للفقيد، فقد كانت علاقته بالجميع متميزة وراقية.
- اللهم ارحم أبا فهد وأسكنه الجنة مع الأبرار والصديقين والشهداء.
العبودي كما عرفته:
فور معرفتي بالأزمة القلبية التي دهمت المهندس أحمد العبودي اتصلت بشقيقه صالح الذي أخبرني بتفاصيل حالة شقيقه أحمد طالبًا مني عدم نشر ذلك في الجريدة لأسباب عائلية بحتة، وقد وافقته على طلبه وأخبرته بنيتي زيارة شقيقه في المساء فاتفقنا على أن نلتقي في المستشفى لنكمل بقية الحديث.
وهناك وبعد وصولي إلى مركز العناية الفائقة في مركز الأمير سلطان لأمراض القلب وقبل خطوات قليلة من الدخول إلى غرفة الفقيد أحسست برغبة كبيرة في عدم الدخول ولاسيما أنه كان فاقدًا الوعي وحالته خطيرة، ولم أكن أودّ أن أنظر إليه وهو في تلك الحال لأسباب نفسية بحتة، واكتفيت بالسلام على أولاده ودعوت له بالشفاء، وخرجت دون أن أراه ولم أكن أعلم أن رؤيته تعني الوداع الأبدي بيننا.
لقد بدأت علاقتي بالفقيد ﵀ كعلاقة أي إعلامي برئيس نادٍ، وخلال احتكاكي به كنت أحسده على خفة ظله وسرعة بديهته وسعة صدره وتقبله الجميع.
стр. 6730
مررت معه بمنعطفات عديدة كعادة الإعلاميين مع رؤساء الأندية، لكن الشيء الذي يجهله الكثيرون عن الراحل أنه كان من أكثر الناس حبًّا لتقديم يد العون للفقراء والمحتاجين، سواء داخل الوسط الرياضي أو خارجه.
لم يكن ﵀ يريد أن يعرف أحد ذلك، لأنه يدرك أن العمل لله يجب أن يكون في السر أحوط للأجر والمثوبة.
في إحدى المرات طلبت منه مساعدة إحدى الأسر الفقيرة في بريدة وشرحت له الوضع كاملًا، وعلى الفور وبدون تردد أخرج مبلغًا محترمًا، وقال لي: اشتر لهم كل احتياجات المنزل، وسدد الكهرباء والتليفون وأعط رب الأسرة الباقي، واشترط على ألا أخبرهم باسمه.
وكانت آخر مرة هاتفته فيها من أجل مساعدة شاب مقدم على الزواج وقد كان كعادته سباقًا ملبيًا حاجة هذا الشاب ذي الظروف المادية الصعبة.
كنت قد وعدته ﵀ بألا أفشي سره لأحد، لكن وقد وافته المنية فحري بي أن أنقل صورة الرجل النقي الطاهر الطيب كما عرفته عن قرب لإدراكي أن ذلك سيعطي دفعة كبيرة للجميع للاقتداء به، فالحياة زائلة وإن طالت أيامها، ولن يبقى للعبد سوى عمله فقط.
اللهم ارحمه يا رب .. اللهم وسع مدخله .. اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس .. اللهم حلله .. اللهم أدخله الجنة مع الأبرار .. آمين.
سلطان المهوس
جريدة الجزيرة (١)
стр. 6731
تعزية:
بمزيد من الأسى والحزن ينعي رئيس وأعضاء هيئة الشرف ورئيس وأعضاء مجلس الإدارة وكافة منسوبي وجماهير نادي الرائد ببريدة فقيدهم رئيس النادي السابق المهندس/ أحمد بن إبراهيم العبودي الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى، ويقدمون أحر التعازي لأشقائه وأبنائه ولكافة أسرة العبودي في أنحاء المملكة وللأسرة الرائدية متمنين للفقيد الكبير الرحمة والمغفرة وللجميع الصبر والسلوان (إنا لله وإنا إليه راجعون). انتهى.
ومن أسرة العبودي: راشد بن عبد الكريم بن إبراهيم العبودي، ولد في عام ١٣٣٣ هـ في بريدة وتعلم في مدارسها وبرع في الخط، وسافر إلى الرياض في عام ١٣٥٥ هـ. فحصل على وظيفة جيدة على قلة الوظائف الحكومية هناك، وصار له صيت ومقام عند عارفيه.
ثم مرض في عام ١٣٦٠ هـ فعاد إلى بريدة وامتد به المرض طويلًا حتى توفي شابًّا في ٥ ربيع الثاني من عام ١٣٦٢ هـ.
وهذه وصيته التي أوصي بها قبيل وفاته.
стр. 6732
وفي هذه الوصية ما يستحق التأمل فكاتبها هو عبد الله بن خليفة الذي كتبها في ربيع الأول من عام ١٣٦٢ هـ وابن خليفة هو أول نجدي أقام في الولايات المتحدة الأمريكية وعاش فيها سنين.
وقد صدق عليها الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم، وكان تصديقه عليها في ٢٩ من ربيع الأول عام ١٣٦٢ هـ وهو العام الذي توفي فيه الشيخ عمر ﵀.
وكان الشيخ عمر بن سليم ﵀ قد سجل أو لنقل صَدَّقَ على مبايعة
стр. 6733
بين راشد بن عبد الكريم العبودي هذا وبين والده قبل سنتين من ذلك التاريخ أي في عام ١٣٦٠ هـ، والمبيع حوش كان قد تملكه والده عبد الكريم من شخص كان يلقب (الصويطي).
والثمن: ستمائة ريال فرانسه.
والشهود حمد بن عبد العزيز العقيل، وعبد الله بن عبد الكريم العبودي، والكاتب: إبراهيم بن عبد الكريم العبودي.
والتاريخ: ٧ شعبان من عام ١٣٦٠ هـ.
стр. 6734
وفي وثيقة تالية قام الأب عبد الكريم العبودي بعمارة (البقعة) بمعنى قطعة الأرض عمرها عبد الكريم مقابلة لثلث ابنه راشد يعني أنه تصرف فيما خلفه راشد بأن جعل هذه الأرض له، وذلك بعد أن كان راشد قد مات منذ خمس سنين.
وقد زاد عليها من ماله متبرعًا لثلث ابنه راشد كما جاء في الوثيقة بأن
стр. 6735
الزيادة - من النفقة - تفضل بها عبد الكريم على ابنه راشد.
والشاهد في هذه الوثيقة ناصر بن إبراهيم العبودي.
والكاتب: عبد الله العبد العزيز البطي، في ١٠ شعبان عام ١٣٦٧ هـ.
стр. 6736
وابنه: سليمان بن راشد العبد الكريم العبودي رئيس قسم الارتباط في المديرية العامة للجوازات في الرياض ١٩١٤ م.
ومنهم أحمد بن سليمان العبودي له شعر عامي مع أنه خريج كلية الشريعة ومدرس في المدارس الحكومية منذ سنين ويستطيع النظم بالفصحى.
من أشعاره العامية:
الغلا بالقلب يا بدر البدور ... كل يوم يزيد ما ينقص ابد
بأني حبك بقلبي له قصور ... حيث قلبي لك ولا غيرك أحد
إزرعي بعش العمر ورد وزهور ... يا بدور القلب يا نبع السعد
واذكريني يوم اقول اني غيور ... واخش من عذل العواذل والحسد
يوم أنا وياك غرقي بالسرور ... وانتعاهد ما يفرقنا أحد
الليالي يا بعد عمري تدور ... والعمر مكتوب ما به زود، أبد
ومن شعر أحمد السليمان العبودي:
ارجوك يا اللي تنتظرني ورا الباب ... تلطف بحال مولع فيك يا زين
لا تقطع أشواق اللقا شد الاعصاب ... خل الهوى ينساب بين المحبين
وريني بسمات الفرح يا ابيض الناب ... أنسي هموم شلتها من عنا البين
وش لون أبي أصبر وياسر بعيني ما غاب ... واخته ندي لا شك بالحيل تبكين
البين لي منه حصل بين الأحباب ... مر وحلو سبحان من صوَّر البين
ومن شعر الأستاذ أحمد بن سليمان العبودي، قوله في العتاب:
هانت العشرة عليك وبعتني ... ما شفع لي عمر أفنيته معاك
إنهدم بيديك عش مهتني ... وانكسر قلب عناوينه غلاك
стр. 6737
وسط شكك تهت ما احدٍ دلني ... لو حلفت أيمان بالله ما كفاك
ما أحد مثلك قهرني وذلني ... دايم تخطي وانا اتحمل خطاك
كلما جيتك أبشكي لمتني ... لين صارت راحتي كله جفاك
لا تفكر يوم أجي لك منحني ... لو أعيش لوحدي ما عشت بسماك
وقال:
يا رمالًا كحّلت عين القصيم ... والنخل كمّل بحسنه رمشها
والعيون تهل دمعٍ مستديم ... ينبت الأشجار صافي خدها
ريقها سكر نباتٍ جاه ديم ... وآهني من ذاق صافي ريقها
مع طلوع الفجر هبات النسيم ... تمشط النسمات ضافي شعرها
امنا بريدة وانا فيها مقيم ... والبلاد الباقيات اعيالها
والرمه وادٍ يمر فيها عظيم ... لي نزلت أمطار يثري جالها
ما حلاها لي نكس جوّه بغيم ... وانهمر سيل الوسم بارياضها
ومن أسرة العبودي عدد من خريجي الكليات وعشرات من المدرسين لا داعي لذكرهم، وإنما نذكر منهم:
محمد بن عبد الله الناصر العبودي ضابط رائد في الملحقية العسكرية السعودية في لندن.
ناصر بن عبد الله الناصر العبودي متخصص في المعدات الطبية في المستشفى العسكري في الرياض.
стр. 6738
العْبَيَدْ:
على صيغة تصغير العبد مع تفخيم الباء في النطق، وقد يقال لهم: العبيد الصمعر تمييزًا لهم عن العبيد الآخرين.
أسرة صغيرة العدد إلا أنها أسرة علمية ظهر منها عدد من العلماء والكتَّاب، وهي متفرعة من أسرة (الحمادي) بفتح الدال.
منهم عبيد بن عبد المحسن العبيد كان تاجرًا كبيرًا وكاتبًا عدلًا حسن الخط لذلك كان كثير من أهل بريدة يودعونه وثائقهم وصكوكهم بحيث لبث ابنه فهد فترة طويلة يوزعها على أربابها الذين كان منهم أناس غائبين عن بريدة، توفي عبيد عام ١٣٥١ هـ في رمضان.
إن هذه الأسرة يقال لهم العبيد (الصُّمْعُر) بضم الصاد وإسكان الميم ثم عين مضمومة وآخره راء.
ويفرق الناس بهذا بينهم وبين أسرة العبيد الآخرين الذين يقال لهم العبيد السلمي.
وقد أخبرني أحد أسرة العبيد المشايخ أن عبيد بن عبد المحسن والد المشايخ ذكر اسمه في وصيته عبيد بن عبد المحسن العبيد (الصمعر) ووعدني بأن يطلعني على نسخة منها ولكنه لم يفعل حتى الآن.
وقد عثرت في تاريخ ابن بشر في حوادث ١١٧٠ على ذكر لرجل اسمه زيد (الصَّمْعر) من أهل الرياض وأنه قتل في تلك السنة ١١٧٠ قال ابن بشر.
وفيها غزا عبد العزيز بن - محمد بن سعود - بلد الرياض وحصل مناوشة قتال قتل فيه زيد الصَّمْعر من أهل الرياض ثم رجع.
أي رجع الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى الدرعية.
стр. 6739
فهل لأسرة هذا الرجل علاقة بالصمعر أهل بريدة الذين منهم العبيد العبد المحسن؟ وإذا كان الأمر بالإيجاب وأن أوائلهم جاءوا في الأصل من الرياض فمتى كان ذلك؟
وهل جاءوا من الرياض؟ إذا كانوا جاءوا منه، مباشرة إلى القصيم؟ أم مروا ببلد آخر مثل الوشم وسدير؟
كان عبيد بن عبد المحسن كاتبًا حسن الخط متقنًا للعبارة طالب علم، ومع ذلك رزق مالًا وثروة جيدة، وكان صاحب دكان في أسفل سوق بريدة فكان الناس يأتون إليه ليكتب بينهم، وكان بعضهم يودعه أوراقهم الثمينة من أوراق المبايعات والأوقاف ونحوها ويرجعون إليه إذا أرادوا الرجوع إلى تلك الأوراق لغرض معرفة شرط الواقف أو نحو ذلك، فكان يقرأها لهم ويفسر ما يحتاج منها إلى تفسير، حتى اجتمع عنده من ذلك شيء كثير.
وقد رأيت منه محدرة كبيرة وهي كالزبيل الكبير عند ابنه فهد العبيد في دكانه وهو يشكو منها، يقول: إنني حاولت التخلص منها بأن أعطيت كل من تخصه تلك الأوراق أوراقه، وبعضها لا يعرف أهلها بالضبط، ولم يراجعنا أحد بشأنها فكنا إذا رأينا اسم أسرة معروفة أو اسم شخص معروف أعطيناه إياها، فبعضهم كان يعيدها إلينا لأنه لا يعرف أصحابها.
وهذه كنز ثمين لم أكن في ذلك الوقت ألقي له بالًا، وإلا لكنت استفدت منه في هذا الكتاب.
والسبب الذي جعلها عند (عبيد العبد المحسن) بهذه المثابة أن بعض الناس يسافرون عن البلاد سفرًا طويلًا يخشون على أوراقهم من التلف أثناء غيابهم فيضعونها عنده، وبعضهم لا يكون له أقارب أو ليست له ذرية لأن الأمور في تلك العصور تختلف بطبيعة الحال عما هي عليه الآن، لاسيما أن البيوت كلها كانت من الطين فالأوراق إذا تعرضت لرطوبة أو نحوها، وكثيرًا
стр. 6740
ما ينزل المطر من سقوفها على الأوراق فيتلفها، كذلك كانت البيوت أحيانًا تخر سقوفها فلا تجد من يرممها فيتلف ما فيها من أوراق.
إضافة إلى غلبة الأمية، وقلة الذين يقرأون ويكتبون، فالأميون لا يميزون بين الأوراق، ولا يستطيعون الانتفاع بما فيها إلا إذا قرأ عليهم ذلك قارئ مثل عبيد العبد المحسن.
وكان (عبيد العبد المحسن) معتبر الخط، ولذلك صار أشبه ما يكون بالكاتب لقاضي بريدة الشيخ عبد العزيز بن بشر.
كما في هذه الوثيقة:
стр. 6741
وقد رزق عبيد بن عبد المحسن بن عبيد ثروة ومالًا من العقارات وغيرها فصار يداين الناس ويبيع ويشتري، ومنع أبناءه من أن يعملوا بالتجارة لئلا يشغلهم ذلك عن طلب العلم، بل جعلهم يتفرغون للطلب.
стр. 6742
وكانت لعبيد طرائف وأخبار يتناقلها الناس:
جاء رجل إلى عبيد العبد المحسن، وقال له: يا عم عبيد، أنا رأيت
стр. 6743
البارحة رؤيا زينة إن شاء الله رأيت فيما يرى النائم أنك لك قصر أبيض عالي عظيم قلت: إن شاء الله، هذا يدل على قصر بالجنة للعم عبيد، وجيت أبشرك بهذا، فأعطاه عبيد ريالًا بعد أن دعا له بالخير.
ولما أراد الرجل القيام قال له عبيد: على هونك أنا أعرف أنك ما رأيت لي قصر ولا غيره، لكن تراك إنْ جيت المرة الثانية، وقلت إنك رأيت لي رؤيا ما أخليك تدخل دكاني!
قالوا: فذهب الرجل إلى قني نائب بريدة وأخبره بالخبر، وقال له: كيف عرف عبيد إني ما رأيت له قصر، لأنني بالفعل لم أر له شيئًا؟
فقال قني: اللي تبيه حصل وهو الريال عن رضًا منه، ولا تعود له مرة ثانية.
كان عند فلاح في المريدسية شجرة اترنج قد اعتنى بها بالتسميد والماء وهي تبكر أي ينضج الأترج فيها قبل غيرها فأخذ منها خمس اترجات أو ستًّا، ودخل على عبيد العبد المحسن في دكانه وقال: يا عم عبيد: هذاولى اترينيجات زينات ما يوجد غيرهن هالحين، قلت أنت أحق بهن من غيرك.
فقبل عبيد الترنج وقال له: الله يكثر خيرك وأعطاه بنًّا أي حبوب القهوة والهيل أضعاف أضعاف ثمن الترنج.
وهذا ما يريده الرجل.
وفي العام الذي تبعه كرر هذا العمل فأعطاه عبيد كذلك.
والعام الثالث جاء إلى عبيد وقال له مثل ما قاله في العامين الماضيين فنظر إليه عبيد شزرًا وقال: أظنك قلت لنفسك: هذا عبيد تاجر غشيم ما يدري، وصرت تجي كل سنة، ثم أخذ الأترج ورمي به خارج دكانه! ! !
قال جار له: وقد رأيتها تتدحرج في السوق من شدة الدفعة، وصاحبها يتبعها يحاول أخذها.
стр. 6744
من الحكايات المشهورة عن عبيد بن عبد المحسن أن رجلًا دخل عليه وألحَّ في أن يعزمه على العشاء مظهرًا الإكرام لعبيد، وقد استجاب عبيد لإلحاحه وتعشى عنده.
وبعد فترة وكان رحيل عقيل إلى الشام قد حان في الخريف فجاء ذلك الرجل إلى عبيد، وقال: يا عم عبيد أنا لي دراهم عند جارك (المتوزيّ) ولكنه ما هوب حاضر وأبي أشري لي ناقة واحتاج سلف مائة ريال.
فاستجاب عبيد لطلبه وأعطاه مائة ريال، ولما عاد المتوزي سأله عبيد عما إذا كانت لفلان دراهم عنده؟ فنفى ذلك.
وعندما مر به الرجل الذي استلف منه المائة، قال له عبيد: عطني مائة الريال اللي سلفتك، فأظهر الرجل الإنكار لذلك، وقال: أنا ما شفتك لي مدة، لا شك أن أحد غيري آخذ منك دراهم، وتحسبه أنا، وكان عبيد متأكدًا من ذلك، ولكنه قال له: أجل أنا متوهم؟ وسكت.
أما الرجل فإن سبب إنكاره لدراهم عبيد أنه كان محتاجًا بالفعل لشراء ناقة وغيرها ليلحق بعقيل وقد فعل ذلك.
ولم يكن ينوي أكل دراهم عبيد، وإنما كان يريد الحصول على المبلغ الذي لم يكن ليحصل عليه بدون تلك الطريقة، ونوى أن دراهم عبيد معه تكون بضاعة أي يبيع بها ويشتري ومكسبها مشترك بينه وبين عبيد وقد ضمها إلى نقود معه، له ولغيره، وباع واشترى في المواشي في العراق والشام فربحت تجارته وكسب كثيرًا.
وبعد ثلاث سنوات عاد إلى بريدة وقد أصبحت مائة الريال التي لعبيد العبد المحسن عنده نحوًا من ثلثمائة ريال، فدخل على عبيد العبد المحسن وقال: يا عم، أبي أعشيك ولا أبيك تعيي عليَّ، فنظر إليه عبيد شزرًا وقال: قط أنت محتاج لدراهم،
стр. 6745
وقلت: أبي أضحك على عبيد هالمرة مثلما ضحكت عليه المرة السابقة؟ فقال: أبدًا ما أبي منك دراهم، بس أبيك تعشى عندي باكر عقب العصر.
قالوا: فحلف الرجل على عبيد وقال له: لا تحدني إني أطلق من أم عيالي إنك تعشى عندي، فاستجاب له عبيد كالمكره.
وعندما دخل عليه بيته، وقبل أن يقدم عشاءه أخرج من مخزن قهوته كيسًا ثقيلًا من النقود الفضية، لأنها فرانسه، وقال: يا عم عبيد، هذي دراهمك ومعها فوائدها، خذها وسامحني عن الإنكار، أنا أنكرت لأني مالي حيلة إلَّا الإنكار.
فعرف عبيد صدقه وأخد من الكيس مائة ريال، ودعا له، قال: هذي دارهمي وصلت، الله يبارك فيك.
فقال الرجل: أنا نويتها بضاعة معي لك وبعت بها وشريت ووفقني الله وكسبت، فقال عبيد: أنا ما عطيتك فلوسي بضاعة، ولا يجوز لي أخذ شيء ماهوب لي، ولا اتفقت أنا وإياك عليه.
فاختصما عند النقود والرجل يريد من عبيد أن يأخذ الريالات الزائدة حتى تبرأ ذمته وعبيد يرفض ذلك.
وخرج من عند الرجل مغضبًا معه مائة الريال فقط، فتوسط أهل الخير بينهما بأن يذهبا إلى القاضي يفصل بينهما فذهبا بالفعل، فسأل القاضي الرجل عن الدراهم، فقال: أنا نويتها بضاعة لعبيد معي.
فقال القاضي: كم يكون لصاحب المال من الربح في البضاعة فذكر أن العادة أن الذي يبيع بالريالات ويشتري ويأكل منها يكون له ثلث الربح ويكون ثلثاه لصاحب المال، وأما إذا كان يأكل من مال نفسه فإن الربح يكون بينهما أنصافًا، قال الرجل: وأنا كنت أكل من هذه الدراهم.
стр. 6746
فقال الشيخ القاضي: إذًا خذ ثلث المكسب وهو الربح بعد رأس المال الذي أخذه عبيد وأعط لعبيد الثلثين، فلم يرض أي واحد منهما أخذ ذلك المبلغ إلَّا بعد أن أفتاه القاضي بأن ذلك حلال له.
وعبيد بن عبد المحسن العبيد من الكتبة المشهورين الموثوق بخطهم في بريدة ومن أهل المال والثروة وهو مع ذلك من طلبة العلم المعروفين.
حدثني عبد العزيز بن عبد العزيز المعارك عن عبيد نفسه، قال: كنا نعيش في ملك لنا صغير في أدنى الصباخ قريبًا من مقبرة فلاجة، وكان والدي فقيرًا وكنت أدخل إلى بريدة فأقرأ على الشيخ محمد بن عمر بن سليم وأجالس الإخوان من الطلبة محبة في طلب العلم، فرأيت فيما يرى النائم كأنَّ ماء من البئر الذي في ملكنا قد خرج وسال حتى دخل بريدة ووقف في بيت مجاور لبيت ابن معارك فتجمع فيه وانتبهت من النوم.
وقصصت رؤياي هذه على الشيخ محمد بن عمر بن سليم، فقال: إن صدقت رؤياك فهذا رزق ستحصل عليه في بريدة فاشتر هذا البيت.
قال: وكنت وقتها فقيرًا فاشتريت حوشًا من بيت ابن معارك المذكور بعشرين ريالًا مقسمة على خمس سنين كل سنة أربعة ريالات، وصرت أبني فيه غرفة غرفة.
قال وانتقلت إليه، ومات نخلنا فرزقني الله وأفاض عليَّ المال حتى اشتريت ثلاثة بيوت أو قال أربعة بيوت مجاورة له وجعلتها بيتًا واحدًا وهو بيتي الذي أسكنه الآن.
ومن الحكايات الطريفة عن طبيعة الشيخ عبيد بن عبد المحسن ما نقله عنه ابنه الشيخ إبراهيم في تاريخه، قال في الكلام على صهر لهم عند الزواج على أخته:
стр. 6747
لما أن عقد له الوالد على الأخت، وكان حوالي الدخول عليها أتى إلى الوالد، وقال له: يا عم، كم آتي من أعداد الجَنَب والرفقة؟
والجنب - بفتح النون هم الذين يحضرون مع الزوج عند إدخاله على امرأته لأول مرة أي هم الذين يحضرون حفلة العرس.
قال: فقال له الوالد - أي عبيد: إنَّ فناجيلي سبعة، فإن جئت بثامن فسيرجع.
وعلق ابنه إبراهيم على ذلك بقوله: وهذا مبالغة في ترك البذخ والإسراف، وفعلًا جاء بأولئك، ولما طرقوا الباب وفتح لهم الوالد إذا معهم زيادة رجل واحد، فقال له زوج ابنته: يا عم، إنَّ الزائد على العدد فلان، فإن شئت فأدخله أو يرجع.
قال: فضحك الوالد، وقال: إن فلان كقطط مكة لا تأكل الحمام، بل يدخل (١).
وأقول: إن عبيد العبد المحسن الثري يستطيع أن يوفر فناجيل كثيرة لو أراد، ولكن طبيعته عدم محبة المظاهر الفارغة.
ترجمة الابن لأبيه:
ترجم له ابنه الشيخ إبراهيم بن عبيد في تاريخه عند ذكر وفاته فأفاض بذلك، وهو حريٌّ به، قال في حوادث سنة ١٣٥١ هـ:
وممن توفي فيها من الأعيان والدنا وهذه ترجمته:
هو العارف العاقل الناسك السخي الكريم أبو عبد الرحمن (عبيد بن عبد المحسن آل عبيد) ولد ﵀ سنة ١٢٧٩ هـ فنشأ في حجر والده (جدي) وكان في قلة من الدنيا ووافق ذلك حروبًا ومحنًا وإحنًا ومخاوف وتوفي والده قبل
стр. 6748
زواجه لأن زواجه تأخر إلى واقعة المليدا وكان ممن شهد الوقعة فعزم على أنه إذا رجع إلى وطنه سالمًا ليتزوجن فتزوج وله من العمر أربعون سنة.
وكان ﵀ حسن الكتابة ولجودة خطه كان كاتبًا للأمير حسن بن مهنا، وقد يسير في رفقة الرجل المدعو (الحصان) خارص الأمير حسن، ومن زملائه في الكتابة محمد بن عيدان، كان والدنا يحدثنا أنه لم يكن في زمانهما أحسن منهما خطًّا، فقدر أنه جاء أعرابي إليهما وجعل يسألهما هل يحسنان الكتابة فازداد عجبهما به، وكيف سولت له نفسه أن يبحث في هذا الموضوع حيث لم يدع القوس لباريها والسهم لراميها، فلما رأى الأعرابي أنهما ينكران علمه بالكتابة طلب قلمًا وورقة ولما أن رأى القلم طلب أن يتولى هو بريه بنفسه فأخذ سكينًا وبرى القلم مرتين وقطع في الثالثة رأسه أعني القلم، وقال أريد أن أكتب لكما فائدة فكتب هذه الكلمات (الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار الملك الجبار) ثم ناولهما كتابته فإذا هي آية في الحسن والجودة وحقرا أنفسهما واستصغراها.
وكان والدنا ﵀ جوادًا كريمًا محسنًا إلى الناس شكورًا لنعم الله تعالى، ولقد أعطاه الله بسطة في الرزق وسعة في المال في النصف الأخير من عمره، فكان يتمنى أن لو كان ذلك في حياة والده ليواسيه ويوسع عليه، وكان يأكل من كسب يديه وعنده ثروة عظيمة ويبذل الأموال في سبيل الخير والإحسان وصلة الأقارب وله مقامات في الإحسان.
سمع مرة وهو جالس في دكانه رجلين يختصمان فاستمع إلى كلامهما فإذا قد اشترى أحدهما ناقة من صاحبه، ولم يجد لها ثمنًا وقد تبعه صاحبها يقول ناقتي أو ثمنها، وجعل المشتري يسائله بالله أن يصبر حتى يأتيه الله برزق من عنده فإنه لا يجد في الحال الثمن فتعلق به صاحبها وأخذ خطامها من يده، فوقف المشتري مقهورًا لأن الناقة لها موضع عنده وما لديه قيمة لها فقام الوالد وعد قيمتها (وكانت
стр. 6749
١٣٠ ريالًا) فرنسيًّا وجعلها في كيس وخرج يقول أين المشتري؟ خذ القيمة وادفعها إليه واذهب بناقتك.
هذا وما كان يعرف البائع ولا المشتري غير أنه أحب أن يفرج عنه كربته ويبرد حرارة الطلب وحملته الأنفة العربية والمروءة الإنسانية إلى تلك الأريحية وجادت يمينه أن تقرضه وهو لا يعرف شخصه، وكان يقول يا ليتني سألته عن اسمه ومن أي جهة كان.
وكنت أظن أن الله رد عليه قرضه بعد ثلاثة أشهر، ولما دفع الرجل إلى الوالد هدية جزاء له على إحسانه ومعروفه ردها وأبى أن يقبلها.
ولقد أسكن أخاه وأخته في بيوت حسنة وجعل ينفق عليهما، ولما ماتا قبله طلب منا أن لا نضايق الذرية في إخراجهم من البيوت ما دامو محتاجين إلى السكنى.
ولما وقعت المسغبة التي قدمنا ذكرها كان إذا خرج من بيته إلى الأسواق يحمل على رأسه الزبلان فيها التمر والدقيق يوزعه على من مر به من الواقعين على ظهر الأرض من الجوع.
وكان يخرج إلى أصحابه وغرمائه فيحمل على دابتين طعامًا وكسوة، ولحمًا، وقهوة، وسكرًا يكفي من يخرج إليه ضيافة ويزيد إلى ممر الأسبوع.
وأهدى له بعض أصحابه حمل بعير عشبًا طيبًا وجعل في أعلى الحمل جذعًا عظيمًا من الحطب الغضى، وكان يعجبه الشيء الحسن، فلما ورد عليه أعجب به وجعل ذلك الجذع فرجة لأصحابه ثم إنه دعا برسول المهدي، وكان ابنه فناوله كسوة لجميع عائلتهم ونصف ذبيحة كبش وقهوة وسكرًا وارزًا وعشرة ريالات فرنسية وكان الحمل لا يساوي خمس ذلك الجزاء.
وبعث أمير بريدة إلى فلاح يأمره أن يحمل إليه جميع ما لديه من
стр. 6750
الخضرة فإن عنده مائدة ضخمة فقام الفلاح وحمل ما لديه على حمار قوي وأمر أكبر أبنائه أن يقصد به قصر الإمارة فتقفاه ابنه وأتي به إلى الوالد يقول هذه هدية من أبي فلان فأخذه الوالد وشد على الحمار ما يطيقه من الحمل أرزاقًا وكسوة، فرجع الفتى إلى أبيه فسأله لما رأى الجزاء قال يا بني إلى من ذهبت به إليه؟ فأجابه قائلًا (عمنا عبيد) أما كنت بعثتني إليه فتراجع الأب عندما رأى الأرزاق بين يديه وقال أتدري يا بني أصبت والله في صنيعك ذلك فقال له: يا أبت إنك غاو في رأيك تريد بعثه إلى الأمير فلعله يسخطه ويستقله وانظر الآن ما قابلك به هذا الجواد.
ودخل عليه مرة رجل أشمط عليه سيماء الصلاح وأنا حاضر عنده في وقت المساء فسأله عن اسمه فعرفه الوالد بنفسه فقال: إني كنت البارحة نائمًا في سطح مسجد جامع بريدة فأتاني ملكان جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال لي أحدهما بشر عبيد بن عبد المحسن بالجنة فقال الملك الآخر بم نال ذلك، فأجابه الملك الأول بقوله: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) فدعا له الوالد وذكر له أنه قد تكرر رؤية ذلك قبلها ونسأل الله أن يمن علينا وعليك بفضله.
وكنت أشاهد من أعماله وأخلاقه الطيبة ما يرجى له معه الفوز بالجنة والنجاة من النار، فقد لبث عشرين سنة لا يصلي إلا خلف الإمام في الصف الأول فلا تفوته تكبيرة الإحرام.
وله عادات مستحسنة فكان يفطِّر الصوام في شهر رمضان ويطعم المعتكفين في العشر الأواخر منه، وقد يضحي بسبع ضحايا لنفسه وأقربائه وكان مكرمًا لأنجاله وأحسن تربيتهم وقدمهم لتعلم القرآن والسنة وإذا رأى منهم مجتهدًا فرغ باله، وقد كفاهم مؤونة الدنيا، وزوج البالغين، وقام بحجهم فجزاه الله خيرًا.
وكان له ذوق في شراء الكتب الدينية وتقديمها لهم ويطالع، وكان مولعًا بتلاوة القرآن ويحب الصوت الحسن وقد يجعل جائزة لمن حفظ من أبنائه
стр. 6751
القرآن عن ظهر قلب، ويحب الشعر النبطي، ويلهج بالحكمة.
وكانت وفاته في آخر رمضان من هذه السنة، وخلف أبناء صالحين فمنهم الشيخ عبد المحسن وسيأتي ذكر ترجمته، وأما الشيخ عبد الرحمن فقد توفي قبله ومرشيء من ترجمته، ومنهم المؤرخ وغيرهم وتوفي قبله عبد العزيز وعبد العزيز، وكان له خمس بنات مات عن أربع منهن وغالب ذريته كانوا صالحين (١).
قال ابن عبيد في حوادث سنة ١٣٠٥ هـ، وفيها وفاة جدنا أبي الوالد عبد المحسن بن عبيد آل عبيد قدس الله روحه، ونور ضريحه، وكان قد عمي بصره في آخر عمره وله صبر على خشونة العيش وقوارع الزمان، وله أصحاب وإخوان ذوو نظر سليم وصدور زكية وأعمال مستقيمة وكان والدنا برا به وقد خلف ابنين وبنتًا (٢).
أبناء عبيد العبد المحسن:
رزق عبيد العبد المحسن بأبناء نجباء أذكياء.
منهم عبد الرحمن بن عبيد العبد المحسن طلب العلم وهو صغير فنبغ في ذلك، وكان شاعرًا له شعر جيد، وكان ذكيًّا، بل كان يتوقد ذكاءً سافر مع شيخه الشيخ عمر بن محمد بن سليم ﵀ إلى الأرطاوية عام ١٣٣٧ وذلك بعد أن ظهر من الإخوان الذين هم الأعراب المتدينون تشدُّدًا في الدين، وعداءً للملك عبد العزيز، وبعد أن كان الملك عبد العزيز قد أرسل إليهم مشايخ منهم الشيخ محمد بن عبد العزيز العنقري والشيخ أبو حبيب الشثري لوعظهم وعظًا مباشرًا، فلم يفد ذلك فيهم، فرأى أن يذهب الشيخ عمر بن سليم مع عدد من طلبة العلم إلى الأرطاوية مقر فيصل الدويش فيجلس الشيخ عمر لطلابه
стр. 6752
ويدرسهم من أجل أن يحضر الإخوان من الأعراب الدروس، ويستفيدوا منها.
وهكذا كان، فقد توفي عبد الرحمن العبيد في الأرطاوية.
ومات عبد الرحمن العبيد هذا شابًّا في عام ١٣٣٧ هـ في الوباء المسمى (سنة الرحمة) وبعض العوام يسميه (سنة الصخنة).
وقال لي الذين عرفوه حق المعرفة، إنه كان حصل من العلوم العربية من النحو، ومتن اللغة ما لم يحصله كثير من طلبة العلم غيره، وقال بعضهم: إنه لم يحصله غيره لأن معظم طلبة العلم كانوا يعتنون بعلوم العقيدة والتفسير والحديث والفقه.
أما هو فإنه كان يحفظ المعلقات السبع عن ظهر قلب، وكان حفظ القرآن كاملًا وهو صغير.
وقد مات في سن السابعة والعشرين إذ ولادته كانت في عام ١٣١٠ هـ ولم يتزوج.
وقد أطلعني الشيخ فهد العبيد على قصيدة له جيدة فنسختها، ولكني لم أجدها الآن.
وترجم له شقيقه الشيخ إبراهيم بن عبيد، فقال: عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن وهذه ترجمته: هو الشيخ الشاب الأديب النبيه العارف الذكي ذو العلوم الربانية والمنح الإلهية العالم عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه كان رحمة الله عليه ذكيًّا مهيبًا حفظ القرآن عن ظهر قلب وأخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم ويحفظ المعلقات السبع وله معرفة تامة في علم الحديث والفقه واللغة وجد واجتهد ونافس في نيل العلوم والسعي في طلبها فأدرك ما قصر عن نيله غالب الأماثل، ونال مقام أولي النهي والفضائل، وكان قارعًا للشعر فصيحًا بليغًا منطقيًّا جهوري الصوت لا يمل المطالعة والمراجعة وله بعض المؤلفات وغالبها ردود على أهل المخالفات لأنه نشأ في
стр. 6753
زمان كثر فيه الشقاق وظهرت علامات النفاق.
وكان والدنا يعجب من كثرة اجتهاده وحلاوة منطقه، ولما رآه بهذه المثابة فرغ باله عن الأشغال وتركه وشأنه مكفي المؤنة فلازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وتخرج عليه واستمسك بغرزه حضرًا وسفرًا حتى صار آية من آيات الله، وأعجب به شيخه ورأى علامات القبول لائحة عليه، وتوفي وهو مصاحب للشيخ المذكور في الأرطاوية.
وكان مولعًا بتلاوة القرآن ودرس كتب الصحاح والسنن والمسانيد واللغة والعروض.
وهذه صفته ﵀: كان قوي البنية ربعة من الرجال يميل إلى الطول أسمر اللون على وجهه أثر الجدري وإحدى عينيه فيها نكتة بيضاء، قوي الإرادة شجاعًا، ولقد جرى له مع الشريف حسين بن علي قصة وهي أنه حج في رفقة الشيخ عمر بن سليم فبينما هو راكب في بعض شوارع مكة المشرفة وقد ازدحمت الشوارع بالحجيج وافق أن نفحت ناقته صبيًّا برجلها من غير قصده ولا علمه فما كان إلا قليل حتى أخذ وناقته صباحًا ورفعت المسئلة للحسين، فلما علم أن صاحبها سعودي دعي به إليه ليسأله عن القصة، ولما أن جلس بين يديه وتكلم عرف ما تحت الأديم من لسان بليغ وقلب عقول فأعجب بكلامه وملأ عينيه فعندها أخذ في البحث معه والمناقشة، وكل إناء بالذي فيه ينضح فسأله عن مشايخه وأساتذته فأخبره بأنهم آل سليم الذين أخذوا العلم عن آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فأجابه الحسين بقوله لعنهم الله لقد أضلوكم سواء السبيل، فقال له عبد الرحمن لا تلعنهم فإنهم على تحقيق شريعة جدك رسول الله ﷺ ، وإنا لم نتبعهم لحسن لباسهم ولا لطيب أنسابهم فأكرم الخلق عند الله أتقاهم ولكننا وجدنا عندهم الشرع المحمدي فأخذناه عنهم،
стр. 6754
فقال له أخبرني يا بني عن التوسل وبغضهم للرسول فقال:
أما التوسل فعلي ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توسل إلى الله بأسمائه وصفاته فهذا مطلوب ومندوب إليه حيث يقول الله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وتوسل بالأعمال الصالحة كما فعله أهل الغار فهذا جائز، وتوسل بذوات الأموات فهذا شرك وضلال.
وأما بغضهم للرسول فحاشا وكلا إنهم لم يبغضوا الرسول، بل كانوا يرون الصلاة عليه في الصلوات الخمس والنوافل فريضة ولا تصح صلاة من لا يصلي عليه فيها، وأنتم ترونها سنة فأصبح تعظيمهم له أعظم من تعظيمكم واحترامكم، أما دعاؤه وسؤاله الحاجات فغير مشروع.
ثم إنه دعا الشريف بطعام الغداء، وقدم لذلك المأكولات قائلًا اطعموا ضيفنا من غداءنا تقدم أيها الشيخ للغداء فاطعم معنا، وكان ﵀ قد غاب عن رفقته وتأخر عنهم، ولم يعلموا بما صدر منه، ولا بغيابه فقال له يا حضرة الأمير إن كرامة النفس فيما يلائمها ويوافقها وأنا لا يعجبني هذا الطعام.
فأجابه الشريف قائلًا: وما طعامكم؟
فذكر له أن العجين يجعل أقراصًا فيلقى في الماء بعدما يغلي فيخرج من ذلك المرقوق وهو الذي يعجبني، فضحك لذلك الشريف ضحكًا شديدًا وقال هل تريد الذهاب إلى رفقتك فإنك علينا لعزيز، قدم طلب ما تريده منا فأجاب قائلًا: أريد بعيري والذهاب إلى رفقتي الذين لم يعلموا كيف حالتي فأمر خادمًا أن يذهب به إلى ناقته التي قدم لها البرسيم إكرامًا لصاحبها وشيعه مودعًا فأخذ بخطامها وعاد إلى رفقته مصحوبًا بالسلامة.
ومن العجب أنه لم يخبر الشيخ والزملاء إلا بعد رجوعه إلى بريدة لما جلسوا
стр. 6755
على مائدتنا في القصيم وكان سنه يوم وفاته ستًّا وعشرين سنة، وهو أكبر إخواني.
وله قصيدة رد فيها على أعداء الشيخ صالح بن سالم آل بنيان وذب فيها عنه، فمن معرض أبياتها قوله في الشيخ صالح منوهًا في فضله ومبينًا عقيدته:
فقد طالما دل العباد بعلمه ... إلى الله ذي الإفضال يا نعم ما عمل
وقرر توحيد الإله بحجة ... ووالى لمن والى فيا حسن ما فعل
وصابر ما يلقى وقام بجهده ... على نصرة الدين الحنيفي وما نكل
فما زال هذا دأبه وجهاده ... إلى أن أتاه الحق في الفعل لم يزل
إلى أن قال:
بأي دليل تستبيح لعرضه ... لدى كل ناد تجتليه بلا خجل
ستعلم يوم الحشر ما قلت نادمًا ... وتخرج مما قلت يا ويل من خذل
فربك بالمرصاد لا تستهن به ... ثكلتك فاستعتب هديت ولا تمل
إلى آخر القصيدة التي بلغت خمسة وثمانين بيتًا، وله قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه كتاب رد فيه على بعض المنافقين وغير ذلك، وجمع كتبًا كثيرة وغالبها أوقفها على إخوته، وله رسائل مثبتة في خط يده، ومات ولم يتزوج لاشتغاله بالعلم، ولأن المنية لم تمهله (١).
انتهى.
وذكره الشيخ صالح العمري في تلاميذ الشيخ عمر بن محمد بن سليم، فقال:
الشيخ عبد الرحمن بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد (٢):
ولد ﵀ في بريدة عام ١٣١١ هـ تقريبًا وتعلم القراءة والكتابة، ثم
стр. 6756
لازم الشيخ عمر بن سليم فقرأ عليه في الوقت الذي كان الشيخ عبد الله بن سليم قاضيًا في البكيرية، ولما عين الشيخ عبد الله على قضاء بريدة ووصل إليها وجلس للتدريس قرأ عليه الشيخ عبد الرحمن، وكان ملازمًا للشيخين عبد الله وعمر، كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن مفدا حتى عد ﵀ من العلماء وهو شاعر مجيد، وهذه نماذج من شعره ﵀ قالها جوابًا لبعض إخوانه:
لك الحمد اللهم في كل حالة ... على نعم تسمو على عد حاسب
ومن بعده أزكي صلاة على الذي ... أقام منار الدين في كل جانب
كذا آله مع صحبه ثم تابع ... على المنهج الأسني عليّ المراتبِ
وسار على قصد عن الميل معرضا ... ولم يثنه قول العداة الكواذب
وبعد فقد عم الفتور مع المنى ... كذا العجز والتسويف في كل جانب
نقضي زمانًا بالمني ثم نرتجي ... ونبغي ارتقاء للذرى والمراتب
وما ذاك إلا كالسراب بقيعة ... يراه الذي يهواه عذب المشارب
وأسباب جلب العلم يعلم أنها ... بعيد على أهل الفتور الخوالب
وأسباب حفظ العلم ليست خفية ... فمن شاءها يلقى وليست غوارب (١)
فمنها الذكا والحرص مع ذا اجتهاده ... كذا نصح استاذٍ وبلغة صاحب
وآفاته ضحك جدال مع المراء ... كذا اغتصاب للهوى والمناصب
كما قد نهى المختار في غير موضع ... فلا تعترض للنهي والمزحَ جانبِ
وقد جاءت الآثار في حظ فعله ... فلا سيما منهم علي بن طالب
وليس به بأس إذا قيل قد روي ... هداة عن المعصوم أزكى الأطائب
فسل ربك التوفيق والمن والهدى ... لينجيك من نار عظيم اللهائب
* * * *
ويا راكبًا إن ما لقيت فبلغن ... سلامًا على أهل النهى والمناقب
стр. 6757
ومن بعده أبلغه عني وصية ... ونفسي وإخواني وكل مصاحبِ
على العلم فاحرص دائمًا في اقتنائه ... فما بعده إلا الردى في العواقب
وأفن جميع العمر في غرس كرمه ... ولازم تقى الرحمن والشر جانب
بمدح وحفظ للعلوم مع التقى ... فتبًّا لعبد للعلوم مجانب
يحن إلى الدنيا ولذات أهلها ... يري زهرة الدنيا عليَّ المناصب
ينافس مشتاقًا إليها وإنه ... لفي غفلة قد غره فعل ناكب
حريصًا على جمع التلاد وكنزه ... ويمنع حق الله في كل نائب
يرى فعل هذا من كثافة جهله ... سلوكًا على نهج الهداة الأطائب
ويبغض أهل الحق والعلم دائبًا ... ويمدح أهل الكفر من كل خائب
فلا تنتظر من قد سما عنك رتبة ... وأعني به في المال لا في المراتب
كذلك اقنع بالرزق لا تطلب المرا ... فإن الغنى بالنفس لا في المطالب
وأسأل رب العرش ذا المن والهدى ... سلوكًا على سير الهداة الأطائب
أعني على الشيطان والنفس والهوى ... وكل أمور الشر خبث المآرب
ومنهم الشيخ العالم الزاهد عبد المحسن بن عبيد العبد المحسن، نشأ نشأة صالحة، متفرغًا لطلب العلم، بل زاهدًا فيما سوى ذلك، فكان لا يعرف إلا المسجد له غرفة فيه وهو مسجد عودة الرديني الذي كان يعرف إبان أن أدركنا الأمور بمسجد الحميدي إضافة إلى الشيخ محمد بن صالح المطوع لأنه ظل يؤم الناس فيه نحوًا من ستين سنة.
وجدت لعبد المحسن العبيد ترجمة كتبتها بخطي عام ١٣٦٤ هـ. بعد وفاته بقليل، وهي من تقييدات تاريخية ونقولٍ مختصرة وهذا هو نصها:
وفيها توفي الشيخ عبد المحسن بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد وكان أصوليًّا نبيهًا معتزلًا عن الناس جملة، دائمًا يقرأ ويطالع ويكتب في حجرته في
стр. 6758
مسجد عودة الرديني، ولد ﵀ سنة ألف وثلثمائة وسبعة عشر تقريبًا في بريدة وقرأ القرآن ولم يلعب كلعب غيره مع الصبيان، ثم أجلس على الشيخين الكريمين القاضيين عبد الله وعمر ابني الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، رحمهما الله تعالى، فقرأ عليهما بعض رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتاب التوحيد ثم نشأ مع الإخوان يبحث ويقرأ ويطالع ولما بلغ عمره تقديرًا ١٩ سنة أولع بالنسخ والنقل وتحرير الفوائد وتقييد الشوارد، فمن جملة ما نسخ من كتب المذهب الهداية لأبي الخطاب مجلدين، التنقيح للمرداوي مجلد، المحرر للمجد بن تيمية مجلد طبقات الحافظ بن رجب مجلدان، القواعد الفقهية لابن رجب، إلا قليلًا منها مجلدان، القواعد الأصولية لابن اللحام مجلد، الرعاية الصغرى لابن حمدان، مجلد، فيه إلى العتق، وغير ذلك من الرسائل والفوائد شيء كثير مثل كتاب النساء لابن الجوزي، والصواعق المرسلة وشرح الطحاوية، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، وجعلها خمسة وسبعين بابًا فقط.
وألف الهداية والإرشاد وهي جواب سؤال سأله عنه فهد بن عيسى.
وله رحمه الله تعالى نظم وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب.
توفي ﵀ في ١٧ ذي القعدة من سنة ١٣٦٤ هـ ببريدة وصلي عليه بالجامع وكثر الجمع على جنازته، توفي وقت الضحى في أوله وصلي عليه الظهر بالجامع وشيعه من الخلق الكثير وصلي عليه بالمقبرة مرتين ﵀ وقد رثيته بمرثية.
وكان عبد المحسن العبيد إلى ذلك شاعرًا وشعره من شعر الفقهاء، ولكنه من أفضل الشعر في عصره، لأن مستوى الشعر كان متدنيًا، ولا ينظمه وهو من الشعر الفصيح إلا طالب علم، ولابد من أن يكون طالب العلم متدينًا.
وقد نقلت من خطه طائفة من شعره منه هذه القصيدة التي نظمها قبيل
стр. 6759
وفاته في عام ١٣٦٤ هـ بأشهر قليلة:
تقضت ليالينا وضاعت حياتنا ... فيا ضيعة الأعمار في غير حاصل
فوا أسفًا للعمر يمضي سبهللًا ... بلا عمل يجدي على غير طائل
فآها على التفريط في زمن الصبا ... وآها على فوت العلا والفضائل
ويا حسرتا كيف اطمأنت نفوسنا ... إلى الميل للدنيا وكسب الرذائل
فذا الغبن كل الغبن يا قوم فاعلموا ... ألا تعجبوا من ذا الردى والتكاسل؟
* * * *
فيا معشر الإخوان يا زينة الورى ... ويا أنجم السارين من كل فاضل
ويا عصبة الإسلام هُبُّوا توكلوا ... على الملك الأعلى لسرد الدلائل
ولا تدنسوا العلم الشريف بريبة ... ولا تسئموا بث الهدى في القبائل
ولا تنفرط أيامكم بخسارةٍ ... وميل إلى الدنيا على غير حاصل
ولا تعدلوا بالعلم والفضل والحجى ... ولا تركنوا صحبي إلى كل باطل
ولا تركنوا يومًا إلى نحل الردى ... ولا تسأموا تكرار درس المسائل
ولا تثقوا يومًا بصاحب بدعة ... ولو حل في أعلى الذرى والفضائل
وإياكم الأهوا وكل رذيلة ... وحب الثنا والمدح بين المحافل
عليكم بتقوى الله تنجو وترتجوا ... ولا يثنكم في العلم بعض الشواغل
وأدوا حقوق العلم لله وحده ... ولا تركنوا نحو الثنا والمآكل
فما أقبح التفريط من كل عاقل ... وما أقبح الإعراض من كل فاضل
فجدوا عباد الله في طلب العلى ... وهبوا من التفريط مع ذا التغافل
هلموا إلى علم الشريعة وانهضوا ... ولا يثنكم عجز ولا عذل عاذل
هلموا إلى درس العلوم وحفظها ... فدرس علوم الدين أسنى الفضائل
* * * *
ألا أيها الإخوان يا أنجم الدجى ... ويا قدوة الأقوام بين المحافل
стр. 6760
لقد خصكم ربي بخير فضيلة ... فقوموا بها بين الملا في القبائل
فقوموا بها صحبي وأدوا لشكرها ... وخلوا التواني مع فضول التكاسل
وما جاء عن خير الورى فاعملوا به ... تنالوا غدًا صحبي رفيع المنازل
أليس من الخسران تضييع وقتنا ... على غير ما تقوى، على غير حاصل
وحب الغواني واللذائذ، إنها ... سفاه وتضييع لدى كل عاقل
أما آن أن نصغي إلى طلب العلى ... ونعمر أطلال العلى والمسائل
نسرِّح أفكارًا لنا وفهومنا ... ونبحث في علم الهدى بالمحافل
ولا سيما التوحيد أزكى علومنا ... وننهض في كسب العلى والفضائل
ونعمر أطلالًا لقول مليكنا ... كذا شرعة المختار بين القبائل
نشمِّر عن ساق ونصغي جميعنا ... إلى طلب العليا بغير تكاسل
نقول بقال الله قال رسوله ... وأهل الهدى والخير من كل فاضل
ولا ننثني إن لام باللوم عاذل ... ولا نخش إرجاف الغواة الأباطل
فما العيش إلا طاعة الله وحده ... وما الفضل إلَّا خوض بحر الفضائل
وما العلم إلا خشية الله والتقى ... وما الفخر إلا بحثنا في المسائل
بجد وعزم واجتهاد ورغبة ... لدى كل وقت في الضحى والأصائل
حياة بلا علم وفقه وحكمة ... حياة بلا عز كحال الأراذل
وعلم بلا خوف وتقوى وخشية ... وبال على الإنسان يوم التعامل
به يصعد الإنسان مجدًا وسؤددًا ... به ينزل الإنسان أعلى المنازل
فطوبى لعبد جرَّد الصدقَ مخلصًا ... وعام بحار العلم عذب المناهل
ولا سيما في ذا الزمان الذي به ... بدت غربة الإسلام بين القبائل
به أظلمت أرجاؤها وترادفت ... فنون البلايا والشقا والزلازل
وبادت رواة العلم من كل فاضل ... وحل بها إحدى الدها والبلابل
وقد كسدت سوق العلوم بمرة ... فعاد نسيًا بالبدور الأوافل
ودارت رحى الإسلام شاما ويمنة ... بكى شجوه الإسلام بين القبائل
فلا آمر بالعرف لله مخلصًا ... ولا زاجر عن ساقطات الرذائل