لازم الشيخ عمر بن سليم فقرأ عليه في الوقت الذي كان الشيخ عبد الله بن سليم قاضيًا في البكيرية، ولما عين الشيخ عبد الله على قضاء بريدة ووصل إليها وجلس للتدريس قرأ عليه الشيخ عبد الرحمن، وكان ملازمًا للشيخين عبد الله وعمر، كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن مفدا حتى عد ﵀ من العلماء وهو شاعر مجيد، وهذه نماذج من شعره ﵀ قالها جوابًا لبعض إخوانه:
لك الحمد اللهم في كل حالة ... على نعم تسمو على عد حاسب
ومن بعده أزكي صلاة على الذي ... أقام منار الدين في كل جانب
كذا آله مع صحبه ثم تابع ... على المنهج الأسني عليّ المراتبِ
وسار على قصد عن الميل معرضا ... ولم يثنه قول العداة الكواذب
وبعد فقد عم الفتور مع المنى ... كذا العجز والتسويف في كل جانب
نقضي زمانًا بالمني ثم نرتجي ... ونبغي ارتقاء للذرى والمراتب
وما ذاك إلا كالسراب بقيعة ... يراه الذي يهواه عذب المشارب
وأسباب جلب العلم يعلم أنها ... بعيد على أهل الفتور الخوالب
وأسباب حفظ العلم ليست خفية ... فمن شاءها يلقى وليست غوارب (١)
فمنها الذكا والحرص مع ذا اجتهاده ... كذا نصح استاذٍ وبلغة صاحب
وآفاته ضحك جدال مع المراء ... كذا اغتصاب للهوى والمناصب
كما قد نهى المختار في غير موضع ... فلا تعترض للنهي والمزحَ جانبِ
وقد جاءت الآثار في حظ فعله ... فلا سيما منهم علي بن طالب
وليس به بأس إذا قيل قد روي ... هداة عن المعصوم أزكى الأطائب
فسل ربك التوفيق والمن والهدى ... لينجيك من نار عظيم اللهائب
* * * *
ويا راكبًا إن ما لقيت فبلغن ... سلامًا على أهل النهى والمناقب
стр. 6757
ومن بعده أبلغه عني وصية ... ونفسي وإخواني وكل مصاحبِ
على العلم فاحرص دائمًا في اقتنائه ... فما بعده إلا الردى في العواقب
وأفن جميع العمر في غرس كرمه ... ولازم تقى الرحمن والشر جانب
بمدح وحفظ للعلوم مع التقى ... فتبًّا لعبد للعلوم مجانب
يحن إلى الدنيا ولذات أهلها ... يري زهرة الدنيا عليَّ المناصب
ينافس مشتاقًا إليها وإنه ... لفي غفلة قد غره فعل ناكب
حريصًا على جمع التلاد وكنزه ... ويمنع حق الله في كل نائب
يرى فعل هذا من كثافة جهله ... سلوكًا على نهج الهداة الأطائب
ويبغض أهل الحق والعلم دائبًا ... ويمدح أهل الكفر من كل خائب
فلا تنتظر من قد سما عنك رتبة ... وأعني به في المال لا في المراتب
كذلك اقنع بالرزق لا تطلب المرا ... فإن الغنى بالنفس لا في المطالب
وأسأل رب العرش ذا المن والهدى ... سلوكًا على سير الهداة الأطائب
أعني على الشيطان والنفس والهوى ... وكل أمور الشر خبث المآرب
ومنهم الشيخ العالم الزاهد عبد المحسن بن عبيد العبد المحسن، نشأ نشأة صالحة، متفرغًا لطلب العلم، بل زاهدًا فيما سوى ذلك، فكان لا يعرف إلا المسجد له غرفة فيه وهو مسجد عودة الرديني الذي كان يعرف إبان أن أدركنا الأمور بمسجد الحميدي إضافة إلى الشيخ محمد بن صالح المطوع لأنه ظل يؤم الناس فيه نحوًا من ستين سنة.
وجدت لعبد المحسن العبيد ترجمة كتبتها بخطي عام ١٣٦٤ هـ. بعد وفاته بقليل، وهي من تقييدات تاريخية ونقولٍ مختصرة وهذا هو نصها:
وفيها توفي الشيخ عبد المحسن بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد وكان أصوليًّا نبيهًا معتزلًا عن الناس جملة، دائمًا يقرأ ويطالع ويكتب في حجرته في
стр. 6758
مسجد عودة الرديني، ولد ﵀ سنة ألف وثلثمائة وسبعة عشر تقريبًا في بريدة وقرأ القرآن ولم يلعب كلعب غيره مع الصبيان، ثم أجلس على الشيخين الكريمين القاضيين عبد الله وعمر ابني الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، رحمهما الله تعالى، فقرأ عليهما بعض رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتاب التوحيد ثم نشأ مع الإخوان يبحث ويقرأ ويطالع ولما بلغ عمره تقديرًا ١٩ سنة أولع بالنسخ والنقل وتحرير الفوائد وتقييد الشوارد، فمن جملة ما نسخ من كتب المذهب الهداية لأبي الخطاب مجلدين، التنقيح للمرداوي مجلد، المحرر للمجد بن تيمية مجلد طبقات الحافظ بن رجب مجلدان، القواعد الفقهية لابن رجب، إلا قليلًا منها مجلدان، القواعد الأصولية لابن اللحام مجلد، الرعاية الصغرى لابن حمدان، مجلد، فيه إلى العتق، وغير ذلك من الرسائل والفوائد شيء كثير مثل كتاب النساء لابن الجوزي، والصواعق المرسلة وشرح الطحاوية، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي، وجعلها خمسة وسبعين بابًا فقط.
وألف الهداية والإرشاد وهي جواب سؤال سأله عنه فهد بن عيسى.
وله رحمه الله تعالى نظم وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب.
توفي ﵀ في ١٧ ذي القعدة من سنة ١٣٦٤ هـ ببريدة وصلي عليه بالجامع وكثر الجمع على جنازته، توفي وقت الضحى في أوله وصلي عليه الظهر بالجامع وشيعه من الخلق الكثير وصلي عليه بالمقبرة مرتين ﵀ وقد رثيته بمرثية.
وكان عبد المحسن العبيد إلى ذلك شاعرًا وشعره من شعر الفقهاء، ولكنه من أفضل الشعر في عصره، لأن مستوى الشعر كان متدنيًا، ولا ينظمه وهو من الشعر الفصيح إلا طالب علم، ولابد من أن يكون طالب العلم متدينًا.
وقد نقلت من خطه طائفة من شعره منه هذه القصيدة التي نظمها قبيل
стр. 6759
وفاته في عام ١٣٦٤ هـ بأشهر قليلة:
تقضت ليالينا وضاعت حياتنا ... فيا ضيعة الأعمار في غير حاصل
فوا أسفًا للعمر يمضي سبهللًا ... بلا عمل يجدي على غير طائل
فآها على التفريط في زمن الصبا ... وآها على فوت العلا والفضائل
ويا حسرتا كيف اطمأنت نفوسنا ... إلى الميل للدنيا وكسب الرذائل
فذا الغبن كل الغبن يا قوم فاعلموا ... ألا تعجبوا من ذا الردى والتكاسل؟
* * * *
فيا معشر الإخوان يا زينة الورى ... ويا أنجم السارين من كل فاضل
ويا عصبة الإسلام هُبُّوا توكلوا ... على الملك الأعلى لسرد الدلائل
ولا تدنسوا العلم الشريف بريبة ... ولا تسئموا بث الهدى في القبائل
ولا تنفرط أيامكم بخسارةٍ ... وميل إلى الدنيا على غير حاصل
ولا تعدلوا بالعلم والفضل والحجى ... ولا تركنوا صحبي إلى كل باطل
ولا تركنوا يومًا إلى نحل الردى ... ولا تسأموا تكرار درس المسائل
ولا تثقوا يومًا بصاحب بدعة ... ولو حل في أعلى الذرى والفضائل
وإياكم الأهوا وكل رذيلة ... وحب الثنا والمدح بين المحافل
عليكم بتقوى الله تنجو وترتجوا ... ولا يثنكم في العلم بعض الشواغل
وأدوا حقوق العلم لله وحده ... ولا تركنوا نحو الثنا والمآكل
فما أقبح التفريط من كل عاقل ... وما أقبح الإعراض من كل فاضل
فجدوا عباد الله في طلب العلى ... وهبوا من التفريط مع ذا التغافل
هلموا إلى علم الشريعة وانهضوا ... ولا يثنكم عجز ولا عذل عاذل
هلموا إلى درس العلوم وحفظها ... فدرس علوم الدين أسنى الفضائل
* * * *
ألا أيها الإخوان يا أنجم الدجى ... ويا قدوة الأقوام بين المحافل
стр. 6760
لقد خصكم ربي بخير فضيلة ... فقوموا بها بين الملا في القبائل
فقوموا بها صحبي وأدوا لشكرها ... وخلوا التواني مع فضول التكاسل
وما جاء عن خير الورى فاعملوا به ... تنالوا غدًا صحبي رفيع المنازل
أليس من الخسران تضييع وقتنا ... على غير ما تقوى، على غير حاصل
وحب الغواني واللذائذ، إنها ... سفاه وتضييع لدى كل عاقل
أما آن أن نصغي إلى طلب العلى ... ونعمر أطلال العلى والمسائل
نسرِّح أفكارًا لنا وفهومنا ... ونبحث في علم الهدى بالمحافل
ولا سيما التوحيد أزكى علومنا ... وننهض في كسب العلى والفضائل
ونعمر أطلالًا لقول مليكنا ... كذا شرعة المختار بين القبائل
نشمِّر عن ساق ونصغي جميعنا ... إلى طلب العليا بغير تكاسل
نقول بقال الله قال رسوله ... وأهل الهدى والخير من كل فاضل
ولا ننثني إن لام باللوم عاذل ... ولا نخش إرجاف الغواة الأباطل
فما العيش إلا طاعة الله وحده ... وما الفضل إلَّا خوض بحر الفضائل
وما العلم إلا خشية الله والتقى ... وما الفخر إلا بحثنا في المسائل
بجد وعزم واجتهاد ورغبة ... لدى كل وقت في الضحى والأصائل
حياة بلا علم وفقه وحكمة ... حياة بلا عز كحال الأراذل
وعلم بلا خوف وتقوى وخشية ... وبال على الإنسان يوم التعامل
به يصعد الإنسان مجدًا وسؤددًا ... به ينزل الإنسان أعلى المنازل
فطوبى لعبد جرَّد الصدقَ مخلصًا ... وعام بحار العلم عذب المناهل
ولا سيما في ذا الزمان الذي به ... بدت غربة الإسلام بين القبائل
به أظلمت أرجاؤها وترادفت ... فنون البلايا والشقا والزلازل
وبادت رواة العلم من كل فاضل ... وحل بها إحدى الدها والبلابل
وقد كسدت سوق العلوم بمرة ... فعاد نسيًا بالبدور الأوافل
ودارت رحى الإسلام شاما ويمنة ... بكى شجوه الإسلام بين القبائل
فلا آمر بالعرف لله مخلصًا ... ولا زاجر عن ساقطات الرذائل
стр. 6761
ولا صادع بالحق يرجو ثواب من ... تقدس عن ظلم وعن كل باطل
* * * *
سلوا أيها الإخوان شرقًا ومغربًا ... كذاك جنوبًا مع جهات الشمائل
أما في بلاد الله داع موفق ... يجدد أعلام الهدي بالدلائل
أما قدرات عيناك قط مجددًا ... يقيم اعوجاج الدين غير مماطل
ويعمر للسمحا ربوعًا تهدمت ... ويكسو محياها جميل الشمائل
نؤم إلى واد ثوى فيه جهدنا ... سراعًا على الأقدام نحو الفضائل
فيا مبدع الأكوان يا فالق النوى ... ويا سامع النجوى بغير مماثل
بأسمائك الحسنى، بأوصافك العلى ... بتوحيدك الأسنى أجل الوسائل
تفضل بنصر منك يا رب منجد ... وغوث سريع عاجل غير آجل
وصَلِّ وسَلِّم كل حين ولحظة ... على السيد المعصوم من كل باطل
كذا آله مع صحبه، ثم مَنْ قفا ... على إثرهم من كل حَبْر وفاضل
ونقلتها من خطه ﵀، وكان أنشأها قريبًا من وفاته.
وهذه القصيدة للشيخ عبد المحسن العبيد شَطَّر فيها قصيدة الشيخ سليمان بن سمحان في غربة الدين:
على الدين فليبكي ذووا العلم والهدى ... وأهل النهى والفضل من كل عالم
ويهموا دموعًا وكفها الدهر ماطر ... فقد طمست أعلامه في العوالم
وقد صار إقبال الورى واحتيالهم ... على جيفة الدنيا كشبه البهائم
فهمتهم طرًا جميعًا وركضهم ... على هذه الدنيا وجمع الدراهم
وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم ... بما ليس يبقى أو يدوم لرائم
لهم همم مقصورة لبطونهم ... وتحصيل ملذوذاتها والمطاعم
عادون فيها بل يوالون أهلها ... من الحضر والأعراب بل والأعاجم
لقد هجروا الفرقان لا يعرفونه ... سواء لديهم ذو التقى والجرائم
стр. 6762
إذا انتقص الإنسان فيها بما عسى ... يكفر يومًا ما جنى من مآثم
ويبقى له أجر عظيم مؤفر ... يكون له ذخرًا آتى بالعظائم
وأبدى أعاجيبًا من الحزن والأسى ... وباح بما يلقاه بين العوالم
يكاد يعض الكف من فرط غيظه ... على قلة الأنصار من كل حازم
وناح عليها آسفًا متظلما ... أيشكو آله العرش جزل المكارم
إذا ما ابتلاه الله رضى لسانه ... وباح بما في صدره غير كاتم
فإما على الدين الحنيفي والهدى ... وسنة خير المرسلين الأكارم
وما حل في هذا الزمان وقبله ... وملة إبراهيم ذات الدعائم
فليس عليها حين اقفر رسمها ... مصاب حزين نادبٌ بالمآتم
وليس عليها والذي فطر الوري ... من الناس من باك وآس ونادم
وقد درست منها المعالم بل عفت ... وحل بها إحدى الدها والقواصم
بكى شجوه الإسلام من بين أهله ... ولم يبق إلا الاسم بين العوالم
فلا أمر بالعرف يعرف بيننا ... ولا قامع للبغي من كل حازم
ولا غائر لله يبغى ثوابه ... ولا زاجر عن معضلات الجرائم
فملة إبراهيم غودر نهجها ... ومال الورى نحو اجتناء الدراهم
وطرق الهدى مهجورة ظل ربعها ... عفاء فأضحت طامسات المعالم
وقد فقدت فينا وكيف سفت ... عليها رياح الهجر بين العواصم
فكيف النجا كيف الخلاص إذا سفت ... عليها السوافي في جميع الأقالم
وما الدين إلا الحب والبغض والولا ... على منهج المعصوم صفوة أدم
لأهل التقى والخير من كل مسلم ... كذاك البرا من كل غاوٍ، وأثم
وليس لها من سالك متمسك ... ولا غائر يسطو بصولة عازم
يدين، بقال الله قال رسوله ... بدين النبي الأبطحي ابن هاشم
فلسنا نرى ما حل في الدين وانمحت ... رسوم الهدى من كيد أهل الجرائم
وقد حل فينا من وهى البين ما وهت ... به الملة السمحاء إحدى القواصم
فنأسى على التقصير منا ونلتجي ... إلى ربنا الرحمن أرحم راحم
стр. 6763
فيا ليتنا قمنا بصدق ورغبةٍ ... إلى الله في محو الذنوب العظائم
فنشكو إلى الله القلوب التي قست ... فلا الوعظ يثنيها ولا لوم لائم
لقد سودت نار المعاصي بياضها ... وران عليها كسب تلك المآثم
ألسنا إذا ما جاءنا متضمخ ... خبيث خسيس من جفاة العوالم
جهول غبي معرض متلطخ ... باوضار أهل الشرك من كل ظالم
نهش إليهم بالتحية والثنا ... كأنهموا لم يرتعوا في المحارم
ونجلسهم أبهى المجالس ... رفعة ونهرع في اكرامهم بالولائم
* * * *
وقد برئ المعصوم من كل مسلم ... مقيم لدى الكفار تبًا لظالم
فيا ويل عبد قد تمرد واعتدى ... يقيم بدار الكفر غير مصارم
ولا مظهر للدين بين ذوي الردى ... وأهل الخنا والكفر من كل آثم
يبادر بالإنكار والبغض والقلي ... فهل كان منا هجر أهل المآثم؟
ولكنما العقل المعيشيّ عندنا ... مصانعة الفساق من كل ظالم
نري ضلة منا وجهلًا سياسة ... مسالمة العامين من كل آثم
فيا محنة الإسلام من كل جاهلٍ ... فآها على الأعلام من كل حازم
ويا قلة الأعوان من كل فاضلٍ ... ويا قلة الأنصار من كل عالم
فهذا أوان الصبر إن كنت حازمًا ... فيا غربة الإسلام بين العوالم
فإن كنت ذا عقل وقلبك مغرم ... على الدين فاصبر صبر أهل العزائم
فمن يتمسك بالحنيفية التي ... أتى مدحها بالذكر سامي الدعائم
فكم من حديث جاء في السُّنن التي ... اتتنا عن المعصوم صفوة آدم
له أجر خمسين امرء من ذوي الهدى ... بنص رسول الله صفوة هاشم
وأعني بهم أهل التقى قادة الوري ... من الصحب أصحاب النبي الأكارم
فنح وابك واستنصر بربك راغبًا ... لينصر هذا الدين من كل ظالم
وقم داعيًا، وانهض لكفك رافعًا ... إليه، فإن الله أرحم راحم
стр. 6764
لينصر هذا الدين من بعد ما عفت ... رسوم له بين الورى في الأقالم
وبادت دعاة الخير - والله - وانمحت ... معالمه في الأرض بين العوالم
وصل على المعصوم والآل كلهم ... ذوي الفضل والتوحيد من كل حازم
ومن جاهدوا في الله حق جهاده ... وأصحابه أهل التقى والمكارم
يعد وميض البرق والرمل والحصا ... وما اهتزت الأزهار من صوب ساجم
وما أم بيت الله من كل ناسك ... وما انهل وق من خلال الغمائم
تمت بحمد الله تعالى غرة سنة ١٣٦٠ هـ.
هكذا من خط ناظمها رحمه الله تعالى نقلتها في محرم ١٣٦٥ هـ.
وللشيخ عبد المحسن العبيد إلى ذلك مؤلفات طبع بعضها مثل (الهداية والإرشاد).
وكتب بخطه الكثير وبخاصة من الرسائل والأشعار التي تؤيد الدعوة السلفية وترد على المعارضين لها من أعدائها.
وكانت آلت إليه كتب مخطوطة نفيسة كان أحضر بعضها الشيخ سليمان بن علي المقبل من الشام، فقلت إلى الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد وأوصى أن تعطى كتبه ورسائله التي عنده إلى الشيخ عبد المحسن بن عبيد بعد موته.
وقد بقيت عند الشيخ عبد المحسن حتى توفي في عام ١٣٦٤ هـ فأوصى أن تؤول إلى شقيقه الشيخ فهد بن عبيد وسوف يأتي الكلام عليها في ترجمة عبد الرحمن العويد في حرف العين.
ترجم له شقيقه الشيخ إبراهيم في تاريخه بترجمة مبسوطة لخصنا منها ما يلي:
ذكر من توفي فيها من الأعيان:
ففيها في ١٧ ذي القعدة توفي الشيخ عبد المحسن بن عبيد أخونا وشقيقنا
стр. 6765
قدس الله روحه ونور ضريحه وهذه ترجمته (١):
عبد المحسن بن عبيد بن عبد المحسن بن عبيد - ولد ﵀ عام ١٣١٩ هـ فنشأ بين والديه في عيش طيب رخي وعافية في دينه ودنياه، فتعلم القراءة على معلم يدعى علي بن عبد العزيز الحوطي، ودرس على المعلم المؤدب عبد الله بن إبراهيم بن معارك، وكان هذا المؤدب إمامًا في أحد مساجد بريدة ثم أخذ المترجم يطلب العلم من الشيخين الإمامين عبد الله بن محمد بن سليم، وعمر بن محمد بن سليم.
كان في معية أخيه وشقيقه الشيخ عبد الرحمن لأن أخاه أسن منه، فكان يدرس عليه ويتعلم منه، ويستخلفه على مكتبته إذا سافر، وقد أوقف عليه كتبًا نفيسة، وكان يألف المسجد ويتخلى في حجرة فيه يطالع كتبه ويكتب، وقد حببت إليه الخلوة والتردد إلى المسجد، وبعد ما حفظ القرآن لزم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عمر بن سليم وأكثر الأخذ عنه ثم أخذ أيضًا عن الشيخ عبد الله بن محمد بن فداء، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد.
ثم إنه حج فرضه في أواخر ولاية الشريف الحسين بن علي، فلما تم له من العمر خمس وعشرون سنة تزوج بامرأة فاقامت عنده مدة غير طويلة فطلقها ثم إنه تزوج بعدها بثيب وذلك في ٤ شوال ١٣٤٩ هـ، وكل هذه الأعمال بسعي والدنا وأسبابه فإنه قد كفاه مؤونة الدنيا وفرغ باله لطلب العلم جزاه الله خيرًا.
وكان يكثر تلاوة القرآن وله حظ من قيام الليل، فكان يقوم من آخر الليل عند طلوع الفجر الأول ويتطهر ويصلي ما كتب له على الدوام.
وقد عرض عليه الشيخ وظيفة القضاء مرات فرفض، وعرض عليه الشيخ عمر
стр. 6766
بن محمد بن سليم وظيفة الإمامة فرفض أيضًا، وجرى له مع الشيخ محاورة.
وكان ينتابه الأصحاب والطلاب من كل قادم ومقيم فيجتمعون به ويظهر لهم الود والمحبة، وقد جعل الله له قبولا ومحبة في قلوب الناس، وذلك لما وقر في نفسه من التواضع وسعة الرأي وبعد النظر.
أما علمه ومعرفته فكان عالمًا بالتوحيد، والفقه، والحديث، والرجال، والنحو ومن أشهر مؤلفاته رسالته المطبوعة بمصر المسماة .. (الهداية والإرشاد إلى طريق الهدى والرشاد في هذا الزمان الذي عم فيه الفساد وضل فيه أكثر العباد وحرموا فيه السداد) وهي مفيدة تقع في ٤٠ صفحة.
ومنها تهذيب مناقب الإمام أحمد بن حنبل تأليف ابن الجوزي (١). انتهى.
وكان الشيخ عبد المحسن بن عبيد سهل الجانب، لين الخلق، سريعًا إلى إفادة من يودون الإفادة من الطلاب الصغار ومن زملائه الكبار، فكانت غرفته في المسجد التي لا يكاد يفارقها مقصدا لأمثال أولئك مع التدين والبعد عن كل ما يظن أنه يخدش الدين.
ولذلك عندما توفي في شهر ذي القعدة من عام ١٣٦٤ هـ. وقعت وفاته على قلوب طلبة العلم وقع الصاعقة، وكنت أنا أحدهم لأنني كنت في ذلك الحين متفرغًا لطلب العلم، وليس لي هم غيره، فوالدي في دكاننا في السوق وأخي سليمان الذي يصغرني بخمس سنين يكون معه يساعده، ولم أكن تزوجت لأن سني كانت التاسعة عشرة، لذلك نظمت مرثية في الشيخ عبد المحسن العبيد، هذا نصها:
стр. 6767
الحزن مُتَّفِقٌ والصبر مفترق ... والقلب محترق، والدَّمع يستبق
جل العزاء، وجَلَّ الخطب، وانصدعت ... كل القلوب، وعم الحزن والقلق
خطب قد أربى على كل الخطوب كما ... على ذي الربى الطوفان والودق
ما مثله قد جرى في ذا الزمان كان ... الناس من قبله بالموت ما طرقوا
موت الإمام وشيخ العصر فاضله ... محي الدياجي إذا ما استحكم الغسق
يتلو القرآن بترتيل، وآونة يقوم ... والناس في بحر الكسرى غرقوا
وذو التأله عبد المحسن البطل الـ ... ـمقدام حين جيوش الله تستبق
من عامل الله بالإحسان متصفًا ... بما يدل عليه الاسم والنسق
كأنه صفة لا أنه عَلمٌ ... أن الأسامي على من سُمّي تنطبق
بدر الزهاد ومعدن التقى الورع الـ ... ـهمام باز العلى إذا الوري فرقوا
نجل عبيد وفارس العويص إذاد ... لَهَمَّ خطب به الطلاب قد طُرقوا
هو الأديب الأريب الألمعي الفطن الـ ... مهذب الأحوذي اللين اللبق
العالم العلم الميمون طائره ... الناقد إن تلتبس أسماء أو طُرق
وسيبويه الزمان من قد افتخرت ... على أوائلنا به الأولى لحقوا
وحاضر القول لا تخشى بوادره ... وذو المكارم لاعيّ ولا حمق
من ذهنه دائما بالنور متقد ... سهل الجناب، فلا فظٌّ ولا نزق
العلم والحلم والتقوى بضاعته ... والزهد والجد لا الدينار والورق
ما إن يبالي بذي الدنيا ولا خدعت ... منه الفؤاد إذا أنباؤها استبقوا
ولا تلطخ في أثوابه درن ... منها إذا امتدت الاطماع والعُنق
إذا غدا همه العلياء ذروتها ... بالعزم والجد والتشمير يعتنق
عاف الدنا وارتضى جوار ربي وما ... عند الإله إذا ما الناس قد فرقوا
من بعده ملجئا للعلم؟ يا أسفي ... على العلوم فقد اقوت بها الطرق
من كان قد تُشرق الأرجا بطلعته ... بذكر أبحاثه تزدهر الحِلق
كل القلوب على الود له اجتمعت ... والناس كلهم في مدحه اتفقوا
ما للمحاجر قد قلت مدامعها ... ازعمها أنه يأتي من انطلقوا
стр. 6768
لو أنصف الناس ما ذاقوا لذيذ كرى ... من بعد فقدك والأخوان لافترقوا
ماذا الظلام أهذي الشمس كاسفة؟ ... ماذا الذي قد يرى كالسيل يندفق
شمس العلوم هوت في الترب آفلة ... فجاد من بعد ما قد غابت الودق
من أعين شاخصات حار ناظرها ... في طود علم به الرجال تعتنق
كيف استطاعوا بأن يحثوا التراب على ... هذا الإمام ومع هذا قد استبقوا
استبقوا فئة من بعدها فئة ... يرون أجرأ ولم تجمعهم الحلق
فالله يرحمه، والله يجبرنا ... فالشمل من بعده قد كاد يفترق
لولا أنها سنة في الخلق ماضية ... وفي الرسول أسوة حسني لمن طُرقوا
وفي إله الوري سبحانه عوض ... عن كل هالك وبه فالعبد يرتفق
وربنا يتولى الصالحين لا لفيت ... القلوب لهذا الخطب تنفلق
فربنا يا إله الخلق قاطبة ... تولنا والأولى على التقي اتفقوا
وارفع منازله، أنله منك رضًا ... واغفر خطاه إذا ما العالم افترقوا
واجعل ثراه رياضة من رياض جنان ... الخلد لا حزن فيها ولا فرق
وروحه في جنان الخلد سارحة ... مع فرقة المصطفى مع الذين وقوا
مع النبيين والصديق والشهدا ... يا حبذا في جوار الله مرتفقُ
ولما نظمتها أرسلتها لأخيه فهد وكانت بينهما صلة قوية، بل محبة صادقة.
فأعجبت القصيدة الشيخ فهدأ، وأرسل إليَّ كتابًا بهذه المناسبة هذا نصه:
وأهم ما فيه قوله: لقد رثيتم المفقود وعزيتم الموجود.
стр. 6769
وقد أجبت الشيخ فهد العبيد على كتابه بمثله ولكنني لم أحتفظ بنسخة منه كاملة، لأننا في ذلك الوقت لا نعرف الاحتفاظ بالنسخ إلَّا إذا كتبناها كما يكتب الأصل فلا مطبوعات ولا مصورات ولا آلات كاتبة وهذا أمر معروف.
ولم ينته بالشيخ فهد العبيد وبي المطاف بهذا عند وفاة أخيه الشيخ عبد المحسن الذي كان شعوري أنه أخي كأخيه بل إنه أخ شقيق لجميع طلبة العلم في بريدة.
стр. 6770
فهكذا وجدتهم يشعرون وكانوا على فراقه يبكون، بل إن الشيخ فهدًا كتب ترجمة مختصرة لأخيه عبد المحسن فأسرعت إلى شرحها شرحا مسجوعا، بل إنه في الحقيقة ليس شرحا لها، وإنما هو تطويل في عباراتها وتسجيل لما تحويه معانيها.
وقد أرسلتها للشيخ فهد العبيد، ولم أجدها عندي كاملة وإنما وجدت من مسودتها قطعة يؤدي عرضها هنا الغرض من معرفة ما تحويه:
وقد جعلت كلام الشيخ فهد العبيد بين قوسين لئلا يختلط بكلامي.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، الحي المتفرد بالبقاء والدوام، المميت الذي يحيي رميم العظام، الذي كتب الفناء على جميع الورى والأنام، كم له من حكم خفيات، في طي المكروهات، رزق أولي البصائر البصيرة في الدين، فأبصروا من حيث عمي أهل الجهل المكين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين وخاتم النبيين الذي أنزل الله عليه في كتابه المبين (إنك ميت وإنهم ميتون) وخيره الله فاختار ما عنده وعلى آله الطاهرين الطيبين.
تذكر من جهة المرثية فهذه جهد المقل، وتذكراتها وفت بالمراد فهي من ذلك اقل وليس لنا إلَّا الرضا بالقضا والدعاء للفقيد يحسن الحال ولنا ولكم يصلاح الحال أذهي طامة كبرى ومصيبة دهياء علينا معشر الأخوان خاصة لأنه كما قيل:
وما كان قيس هلكهـ هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
ترى الإخوان قلقين وجلين وبالاسترجاع والحوقلة مرتجلين تهل المحاجر كالدر على صفحات الخدود في حرارة الجمر والأفاق سود زلزلت الأفئدة لفقده، وذهل كل عن أهله. انتهى
стр. 6771
وترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي فقال:
(عبد المحسن بن عبيد العبد المحسن)، من بريدة:
هو العالم الجليل الورع الزاهد الشيخ عبد المحسن بن عبيد العبد المحسن العبيد، ولد في مدينة بريدة سنة ١٣١٩ هـ ورباه والده أحسن تربية فنشأ نشأة دينية فقرأ القرآن وحفظه في الكتاتيب وحفظه عن ظهر قلب ثم شرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة على الطلب.
مشائخه: العلامة عبد الله بن بليهد وعبد الله بن مفدَّى وعبد الله وعمر آل سليم، لازم هؤلاء في أصول الدين وفروعه وفي الحديث ورجاله حتى أدرك إدراكًا لا بأس به وكان عازفًا عن الدنيا مقبلًا على الآخرة ورشحه شيخه عمر بن سليم لقضاء شقراء عام ١٣٥٤ هـ بعد وفاة قاضيها محمد العثمان الشاوي فامتنع تورعًا منه، وكان ملازمًا لمسجد عودة وله فيه غرفة يجتمع مع زملائه فيها لمراجعة دروسهم على مشايخهم .. وكان خطاطًا ويتعيش منه وكتب بخطه النير كتبا عديدة منها (الهداية لأبي الخطاب) و (المصحف) وذلك قبل توفر المطابع وله مؤلف صغير الحجم سماه (الهداية والإرشاد) طبع على نفقة أمير بريدة عبد الله الفيصل وكان يقول الشعر سليقة من غير تعلم الفن العروض وله قصائد في المواعظ والنصح والرثاء وفي الحث على طلب العلم وكان كثير التلاوة دائم الذكر الله لا يفتر لسانه منه، ومن قوام الليل ويحافظ على أوراد الصباح والمساء وكان لا يُحبُّ المظهر.
توالت عليه الأمراض ووافاه أجله المحتوم مأسوفا على فقده لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفات حميدة في ١٧ من شهر ذي القعدة سنة ١٣٦٤ هـ، ورثي بمراثٍ عديدة فرحمه الله برحمته الواسعة (١). انتهى.
стр. 6772
ومنهم الشيخ الشهير الواعظ القدير، الذي ربي جيلًا من الطلاب بعد جيل، بالقول والفعل، وليس له في ذلك من نظير.
فهد بن عبيد بن عبد المحسن أحد طلبة العلم الأقوياء بشخصيته، ذوي الطبيعة الخاصة في معاملة الناس، وله ولع عظيم بالتاريخ الحاضر وبجمع المخطوطات والرسائل والقصائد، بل تدوين الحوادث تدوينًا عاجلًا دون تبسيط، وكان يفعل ذلك دون أن يكون له تاريخ كامل مُبَّوبٌ، وإنما كان يكتب ذلك في أوراق صغيرة يلقيها في محفظة لديه يكتبها كما كان الأقدمون يسمونها (دَشتًا) جمعها دشوت، وله شعر من شعر الفقهاء، ونثر جيد بالنسبة إلى نثر الناس في ذلك العهد وبالنسبة إلى كونه لم يقرأ كتب الأدب الفني من شعره قوله في المناجاة:
ونقلته من خطه:
ولما دجى ليل الشدائد والبلا ... تيممت فردا يكشف الضر والبلوى
حططت لرحلي عند بابك سيدي ... فلا حيلة أرجو سواك ولا دعوى
توسلت بالتوحيد يا رب مخلصًا ... وأوصافك العليا وأسمائك الحسنى
أُناديك ربي، دائم الملك والبقا ... تعاليت يا من يسمع السر والنجوى
أخاف وأرجو تارة متملقًا ... وحبك يا مولى الورى الغاية القصوى
فأنت إله الكون تفعل ما تشا ... لك الأمر والتدبير في السِّرِّ والنجوي
الهي إلهي، جل ذكرك سيدي ... الهي فجنبني المهالك والأهوا
إلهي فآمن روعتي ومخافتي ... مديمًا على الأطلال قد باح بالشكوى
بك اللهم يا رب انزلت حاجتي ... فأنت محط الرحل في الدين والدنيا
لك الفضل والإحسان والحمد كله ... لك الحكم في الدنيا كذلك في الأخرى
وصل وسلم يا إلهي وسيدي ... على المصطفى والصحب والآل ذي التقوى
لقد كانت مرثيتي للشيخ عبد المحسن فاتحة باب للمراسلة بيني وبين الشيخ فهد أخيه، رغم كوننا نعيش في بلدة واحدة، هي مدينة بريدة.
стр. 6773
وذلك إلى أن توطدت بيننا الصحبة فوجدت فيه ضالتي المنشودة إذ كنت متفرغًا آنذاك للعبادة وطلب العلم، وكنت في حال شفافية للنفس عظيمة، بل كنت كالشاب المتصوف الذي يبحث عن شيخ يرشده إلى الطريق.
فكان الشيخ فهد العبيد نعم ذلك الشيخ، إذ هو زاهد في الدنيا، رفيع القدر عند الناس، مترفع في نفسه عن الدنايا من الطمع أو النظر إلى ما في أيدي الناس، أو التزلف لأولي الأمر.
وهذا نادر من القادرين على ذلك مثله.
ووجدت فيه أيضًا شيئًا كنت افتقدته في غيره وهو محبته للكتب والمخطوطات والرسائل، وشغفه بالأدب القديم الذي أملى عليه أن يكتب لي عدة رسائل وينتظر مني جوابها.
وقد فعلت.
وهذه بعض رسائله إليَّ التي بخطه:
стр. 6774
وهذه رسالة مني إليه فيها استرضاء أو ردُّ عتاب: وهي في الواقع إجابة عن رسالة سابقة منه.
ويلاحظ القارئ كثرة المبالغات في الأوصاف، وعبارات الإطراء، والمدح وهذه كانت سمة الأدب القديم الذي كنا نسير عليه، قبل أن بالأدب الحديث، بل قبل أن نطلع عليه.
وإيرادها هو من باب عرض أسلوب أدبي كان شائعا بين المتأدبين في بريدة في ذلك الوقت، وإن كان الأدب على وجه العموم غريبا بين طلبة العلم والمراد من ذلك الأسلوب الأدبي، وليس التأدب في الخلق والسلوك كما هو ظاهر.
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن ناصر العبودي قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.
قال ﷺ (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني).
اللهم يا من بيده زمام الأمور ويا نور النور، وباعث العباد من القبور، يوم البعث والنشور، أسألك بنور وجهك العظيم الذي اشرقت له الظلمات سوالًا لا أعلم أشرف منه، فأسألك به أن تجزي عني والدي وشيخي وأستاذي وإمامي من طابت أخلاقه وكرمت أعراقه. وحمدت صفاته وكثرت حسناته، وشرفت ذاته، وتباركت أوقاته، وعمت بركته مجالسه. واستثارت بنوره مجالسة، المهذب الناصح والمهذّب المناصح، مربي الطلاب، والحجاب عن كل حجاب عن رب الأرباب، وبهي نور الكون وسناؤه وطوى الأنس وطور سينائه:
بحر المكارم والفضائل والتقى ... غير أنه عذب هنيُّ الشرب
فهد الذي اعيا الأسود مصاده ... ابن العبيد العالم الحبر الأبي
مسدي الأيادي الواصلات وشيخنا ... وجمال أهل شرقها والمغرب
стр. 6775
أفضل ما جازيت محسنًا على إحسانه، وصاحب منة على امتنانه والنعيم المقيم والنظر إلى وجهك الكريم، فإني لا أستطيع جزاءه، وأرفع اللهم بالحمد لواءه وأكبت حساده وأعداءه آمين.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وتحياته المباركات ورحماته.
وبعد وصل الكتاب فأطار غراب البين من وكر الاكتئاب، وأزال عن يعقوب الحزن بياض المقلة، ورجف بدهام الغموم فحوله النقلة، بل إجابة النداء لمن اجتدي، وزلزل أطواد الهموم فسيرت سرابا، وفتحت سماء السرور فكانت أبوابًا فكان ولا كبش الفدا.
وغدا الفكر وراح في مروج رياضه، وتنزه في غياض فياض آراضه، وسام نعمه حولا في تلك الرحاب فوجبت فيها زكاة الجواب. في ٨ محرم ١٣٦٦ هـ.
وبعد رسالتي هذه الموجهة إلى الشيخ فهد العبيد وردت إليَّ منه الرسالة التالية:
стр. 6776
وهذه رسالة مني للشيخ فهد العبيد أيضًا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
من محمد بن ناصر العبودي إلى حضرة الأخ المكرم الأصيل الأحشم فهد بن عبيد وقاه الله من كل شر الشيطان وكيد، ووفقه للعلم النافع والعمل الصالح والدعوة إليه على بصيرة وبث النصائح وسار به على منهاج أوليائه ووفقه لطريق أصفيائه الذين هم خلاصة العالم، وزبدة بني آدم، وأمنه يوم الفزع وجعله ممن عن المحرمات وزع.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام أدام الله على الجميع نعمه التي من أجلها نعمة الإسلام، وعبادة الملك العلام.
وبعد: وصل الكتاب الحاوي لفصل الخطاب فملأ القلب سرورًا والناظر نورًا، حيث حوى ما لم تحوه صحيفة وجمع كل غائبة طريفة خصوصًا النصح المحض، والأمر برفض البطالة أي رفض، واغتنام أوقات الإمكان، قبل الإندراج في خبر كان، والإقبال على ما خلق له الإنسان ومجالسة أهل الخير في كل مكان، فلله نصح ما أعلاه، وقولا فصل ما أغلاه وقد صدقت ونصحت، وبالحق صرحت والنصيحة هذه بها قيام الدين، وقوام العالمين، ولولاها كان الناس كالبهائم كما قال عمر ﵁.
رزقنا الله وإياكم الإنابة إليه، والتجافي عما لا يقرب زلفي لديه، وزودنا وإياكم من العمل الصالح والتقوى فإنه أعز وأكرم وما عنده أبقى.
وما ذكرت من اقتفاء آثار علماء الدعوة الإسلامية والنهضة الصادقة المحمدية والعمل على منوالهم، وسبر مقاماتهم وأحوالهم فهذا هو رأس المال وهو
стр. 6777
معني كلام الملك المتعال، إذ مضمونها إخلاص الدعوة لله وتجريد المتابعة للرسول ﷺ وبتقرير هذا وهذا نزل القرآن، ودعي إليه الأنس والجان نرجوه أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
وأما ما ذكرت وهو أنه طوى الكتاب على ما مضى بما فيه ولا يمكن رده وتلافيه والأيام خزائن تفتح يوم القيامة، فالمؤمنون يجدون الفرح والكرامة والمحرومون يجدون الحسرة والندامة، فبارك لي ولكم بما بقي من الأيام.
فبقية عمر المؤمن جوهرة ثمينة ليس لها قيمة، والأيام تمر مر السحاب واغتنامها هو فعل أولي الألباب، وغفر الله لي ولكم ما مضى بمنه وجوده وكرمه.
والخواتيم كما ذكرتم هي شيبت رؤوس ولدان الأبرار، وأقلقتهم عن المضاجع في الأسحار ونغصت كل نعيم وأبعدت عنهم كل حميم فأولئك سلك بنا وبكم سبيلهم من وفقهم ونحن يراد منا كما يراد منهم وأشد إذ نحن أهل التفريط، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
انتهى.
وهذه رسالة أخرى من الشيخ فهد العبيد إلى المؤلف:
стр. 6778
والرسالة التالية من الشيخ فهد العبيد مبسوطة، ولذلك كتبتها بحروف الطباعة، بعد عرض صورتها:
стр. 6779
هذه الرسالة من الشيخ فهد بن عبيد العبد المحسن أرسلها إليَّ في عام ١٣٦٤ هـ:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
إلى جناب الأخ الموفق الحبيب المصدّق والصديق المحقق ذي الفهم الوقاد البالغ في المحبة فوق المراد محمد بن ناصر العبودي بلغه الله المنازل العالية وبوأه السلعة الغالية ومن عليه بضياء البصيرة وأصلح له العلانية والسريرة وأخذ بيده عن كل سبب يفضي للمحنة والفضيحة، واستعمله في هذه الدنيا بحياة طيبة وعيش طيب وأقر عينه بسرور قلبه وزيادة إيمانه ونصر دين الله آمين ..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام، أدام ذو الجود والمجد والجلال علي وعليك وعلى كافة أهل الإسلام نعمة الإسلام ونسأله ونلح عليه ونبتهل بين يديه أن ينصر دينه ويعلي كلمته.
أسباب تحريره والداعي إلى تسطيره أربعة أمور:
الأول: السؤال عن حالك جعلها الله حالا طاهرة، وذاتا من القواطع خالصة ولأسباب الخير حاوية.
الثاني: إخبارك بأني فضضت خاتم كتابك وقلبت نشرك وخطابك ببناني وسرحت فيه عيني ولساني، وجعلته نزهتي وبستاني، فزاد السرور سرورًا وأبدى للقلب فرحا منشورا وأماط عن البصر قذي ديجورا، فلله درك من حبٍّ ما أوفاك ومن مجالس ما أصفاك.
الثالث: هو تجديد العهد بمحياك والشوق الزايد إلى لقياك، فالله أسأل بعزه الذي لا يرام وملكه الذي لا يضام، القدوس السلام أن يجزاك عني يا محبك أعظم ما جوزي محسن على إحسانه وأن الله يمن علي وعليك بالاجتماع والانضمام
стр. 6780
والاتحاد في عرصات القيامة، ويجعلنا على الأسرَّة جالسين وبالمسامرة والمؤانسة في الغرف مستمتعين، وأن الله لا يخذلنا بين الصفوف ولا يخجلنا في تلك المجامع والزحوف، وإلا الدنيا يا أخي ما جمعت إلَّا فرقت، ولا صفت لحظة إلَّا وكدَّرت، ولا أضحكت إلَّا وأبكت، لابد من الافتراق، وعلى كل حال لابد أن يقال: فلان غاب وسكن الطباق، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولا شك أن أمرك وحالك على بالي يعز عليّ اغتمامك ويفرحني استرارك وأنا ربما أنني بالدعاء ألاحظك وبالمواساة أشاطرك.
والأمر الرابع هو الوصية بتقوى الله يا محمد بن ناصر عليك بالعض على ما قلاه الأكثرون، وعليك بالمحبة لما سأمه البطالون والمصابرة والصبر فإنما هي أيام تنقضي ويذهب هذا ويزول وعند الصباح يحمد القوم السرى.
عليك بتقوى الله الذي أصبح المدعي لها كثير، والعامل قليل، وصاحبها على العامة والخاصة ثقيل والتزام التقوى يوجب للناس حالًا تدهش العقول وتبدي الطيشان والذهول العمل بتقوى الله أطار عن الأعين المنام وأخمص البطون عن الشراب والطعام وحال بين النفس وملذوذاتها، قد جعل أهلها يميدون من الشهيق. ويصيحون صياح الحريق، وما مضى من أيام المتنعمين يوم إلَّا ومضى من أيام المهمومين يوم حتى يجمعهما يوم.
لا يطولن عليك السفر فإن عيد اللقاء قد قرب، وأوان الصبح قد اقترب.
فيا أخي ويا محبي مهما دار بالنفس ودهاها من الهموم والأنكاد فاطرده وسل النفس بما أمامها من الأهوال والأفزاع.
لما نبح كلب على بعض السلف قال: أسكت يا كلب فإن كنتُ في الجنة فأنا خير منك وإن كنت في النار فأنت خير مني.
стр. 6781
والحال كذلك ولكن لما طال العهد وبعدت القلوب عن منهج النبوة وأقفرت القلوب وأجدبت من غيث الوحيين قامت النفس تذمذم وتنافس أبناء الدنيا وتطلب مألوفاتها ومشتهياتها وأنا ودي يا محب إذا جاء الخط منك يكون خطًّا مبسوطًا يجلي عن القلب غشاه ويشحذ الخاطر ويقر الناظر، أنظر إلى مريم حين أقر الله قلبها بعيسى وهو ولد يفنى وتقوى الله والمناصحة هي التي لا تفنى، ومصلحتها بالدنيا والآخرة.
هذا ما دار بالبال، وسنح بالخيال رافعا يدي بالذل والضراعة إلى سامع دبيب النملة على متن الصخرة في الليلة المدلهمة أن يجعلك من الذين إذا أعطي أحدهم شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر، واستغفر الله العظيم مما جناه اللسان وأخطأ الجنان أو زل به البنان فإنني محل العيب والنقص والخلل، ولكن تبارك الذي سترني ونشر علي كنفه حتى لا يطلع علي عدو يحاربني أو منافق يبغضني، والواقع بعض عقوبات ذنوب، وما يعفو الله عنه أكبر وأعظم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولم تخل رسائل الشيخ فهد العبيد إلي من عتاب مثلما يكون بين الأصحاب.
فتلك رسالة مؤرخة في ١٠/ ١/ ١٤٦٦ هـ.
استهلها الشيخ فهد بالدعاء والتحية كما هي عادته، وبعدها الوصية بتقوى الله والخوف من الذنوب السابقة والوجل من الأمور اللاحقة.
ثم العتاب على عدم اتصال المكاتبة مع ما ذكره من أنه يعرف عني إسهاب الكلام والتحبير من القول ما هو أحلى من قطر الغمام.
ثم دخل في موضوع العتاب الرئيسي وهو المتعلق بالكتاب ومن ذلك البطء في إيجاز نسخ الكتاب، وكنت نسخت له نسخًا من عدة كتب منها
стр. 6782
(لطبقات الحنابلة) لابن رجب التي هي في الحقيقة ذيل طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي وذلك في مجلدين، قبل أن تطبع وكانت آنذاك نفيسة من النفائس يتنافس المتنافسون من طلبة العلم على مجرد رؤيتها والإطلاع عليها.
يذكر الشيخ فهد أنني عندما أعدتها إليه بعد أن نقلت منها نسخة إذا فيها تراب، وهي منغفصة أي منضغطة وعميلتها متفسرة، والعميلة مجموعة الخيوط التي تحبك أي تربط بها أوراق الكتاب عندما يراد تجليده.
والواقع أن سبب ذلك أنني كنت أنسخها في الليل في الغالب، وهي مجلدة تجليدًا قديمًا يخفي بعض الكلمات فيها.
وكذلك ذكر كتاب (وصية الحارث) وهو الحارث المحاسبي أحد كبار الصوفية المستقيمين.
ثم ذكر أيضًا أن كتاب المقنع لابن قدامة كان منعفل أي يبدو عليه أثر الاستعمال ظاهرًا.
ثم ذكر صيد الخاطر والمجموع وكلها مخطوطات طبع بعضها الآن وبعضها لم يطبع.
стр. 6783
الشعر يشارك في المراسلات:
يشارك الشعر في المراسلات التي حصلت بيني وبين الشيخ فهد بن عبيد رغم أن كلينا ليس شاعرًا، وإن كان له نظم.
وأذكر من حفظي الآن أن الشيخ فهد العبيد أرسل إليَّ أبياتًا فائقة عددها
سبعة فقدت ورقتها ولكنني ما زلت أحفظ منها بيتين أو ثلاثة هي:
جلسنا جميعًا بالمسرة والهنا ... ( ... ) ووضعت كفًّا على كَفِّ
عنيت بذا نجل العبودي شخصه ... سميَّ نبي الله ذا الود والإلف
عليه سلام الله، حيًّا وفانيا ... يزيد على الحسبان والعد بالألف
وقد أجبته على ذلك بقصيدة على قافيته ومن البحر نفسه وهو بحر الطويل، فقلت:
حمدت إلهي واهب الجود واللطف ... إلهًا كريمًا جل حقًّا عن الوصف
فمن فضله أعطاني سمعًا وناظرًا ... ومن فضله نجا فؤادي من الحتف
إلى أن أتاني من صديقي رقعة ... تفوق عقود الدر في السبك والرصف
تناولها كفي ولبي وخاطري ... وروحي وما تحت الرفارف والسَّدف
تداولها سمعي وكفي وفكرتي ... ولبي وأحشائي وما كنت قد أخفي
فأهدت إلى القلب الجريح دواءه ... سرورا وأفراحًا تجل عن الوصف
لقد كانت الترياق للقلب والدوا ... وقد كانت الجبر العظيم لذي القصْفِ
وكيف وذو الإحسان والحسن والبها ... وذو النور والأنوار والعطف واللطف
وذو الفضل والإفضال نمق سطرها ... فجاءت كبدر التم في النور والعطف
وأعني به من قد سما لذرى العلي ... وضارع كفاه السحائب في الوكف
ومن كان بحر العلم فهد العبيد مَنْ ... تزيد أياديه على الرمل في الحِقفِ
مقيم على التقوى صفوح عن العدى ... صبور على اللأوا وإن كان قد يخفي
رفيق بأهل الدين صعب على الذي ... يخالف دين الله للكل لا يخفي
стр. 6784
لطيف إلى الإخوان سهل محبب ... إليَّ وفي لا يداني حمى الخلف
إذا حل في أرض تضوع طيبها ... وضاها سناها البدر في ليلة النصف
إذا فاه بالأقوال من در بحرهِ ... تولت جيوش الهم تترى إلى الخلف
لقد كان جلاب المسرات دائمًا ... على كل حال في اليقاظ وفي الطيف
فيسعفنا طورًا بكتب، وتارةً ... بكل الذي يقوى عليه من اللطف
وينسي الذي يأتي من الخل من قلي ... ويدرس ما يأتي من الحسن في الصحف
فحقًا لقد ساد العشيرة أمردا ... وحقًا لقد أربى عن النعت والوصف
وليس بمكار وليس مخادعًا ... وليس بفحاش وليس بذي عنف
ولا أوحش الله القلوب بفقده ... ولا زال في عز رفيع بلا خوف
لحى الله من أضحى لعلو مكانه ... يروم له هدًا من الطيش والسخف
لقد رام هذا من سفاهة رأيه محالًا ... وأين ذي الثريا من الكف
جزاه إله العرش عني صالحًا ... لحسن الذي أهدي إليَّ من اللطف
وصلى إله العرش ربي دائمًا ... على المصطفى خير الأنام بلا خُلْف
كذا الآل والأصحاب ما انبلج الضيا ... صلاة تفوق المسك في النشر والعَرف
ورسائلي إلى الشيخ فهد العبيد ورسائله إليَّ كثيرة، وقد احتفظت ببعض رسائله ووجدت في أوراقي مسودة بعض رسائلي إليه، ولكن رسائلي إليه الكاملة المبيضة لم أعرف عنها شيئًا وحاولت أن أعرف عنها شيئًا ممن استولى على أوراقه وكتبه، وهو محمد بن عبد الله الجردان فيما قيل لي، فأطمعني أول الأمر ذاكرًا أن عنده شيئًا من ذلك، وإن لم يذكر شيئًا معينا ثم عدل عن ذلك.
والذي يهمني ليست رسائلي للشيخ فهد، فهي تافهة، ولا تضيف شيئًا من المعلومات إلى ما عندي، ولكنني أردت الإطلاع على رسائل عنده للعلماء والأدباء وقصائد عديدة، وتقييدات تتضمن تراجم بعض العلماء وبيان وفياتهم أو بعض ما جرى عليهم.
стр. 6785
وحتى تقييدات لبعض الوقائع والأحداث التي وقعت في وقته وكتب عن كل واحدة منها مذكرة بقلمه ولو قصيرة.
وما عرفت أحدًا مثله في منطقتنا، بل في سائر بلادنا من يحرص على تسجيل الحوادث والوقائع والتراجم الغريبة والأمور العجيبة.
وكان يجمع ذلك في (دشت) كما كان يسميه طلبة العلم الذين أدركناهم وهو كالإضبارة من الجلد تكون مثل جلد الكتاب الخالي من الكتاب، وتكون فيها عروة صغيرة تدخل فيها كرة أخرى تغلق هذه الإضبارة.
ويكون كل ما فيها أوراق منفردة أو شبيهة بالمنفردة وليست كتابًا من الكتب.
والذي عند الشيخ فهد العبيد من ذلك فيها من النوادر والفوائد والنكت ما ليس في غيرها، ولكنني لا أدري ما فعل الله بها.
فابنه عبد الرحمن وحفيده ابن ابنه عبد المحسن وكلاهما نابه وعارف بهذه الأمور يقولون: إنهم لم يجدوا بعده شيئًا ويتهمون من يسمونه ( .... ) بأنه أخذها وهو ينكر ذلك.
وقد بلغ به الأمر أنهم قاضوه في المحكمة فلم يثبت بالبينة أن لديه شيئًا من كتب الشيخ فهد أو من الأوراق ذات القيمة.
زياراته لإخوانه المتشددين:
ما رأيت أكثر وفاء من الشيخ فهد بن عبيد لإخوانه القدماء الذين كان يألفهم ويألفونه، فكان يتحمل الصعاب لزيارتهم واستمرار الصلة بهم.
وقد جربت من ذلك نماذج تمثلت إحداها في زيارته للشيخ عبد العزيز بن عودة السعوي في المريدسية التي صحبته فيها، وقد ذكرت طرفا من ذلك في ترجمة (السعوي) في حرف السين.
стр. 6786
فقد قال مرة ونحن في أول فصل الصيف الحار، إننا سنزور أخونا في الله عبد العزيز السعوي في المريدسية.
فوافقت على ذلك، وكنت ألبس النعال لا أترك لبسها أبدًا، جريًا على عادة لي قديمة، أما هو فإنه ليس على رجليه نعل، ومع ذلك كنت أتألم من الرمضاء وهي حرارة الرمل تحت أقدامنا وزاد الأمر إيلاما أننا كنا نسير مع كثبان رمل منهال وهو السافي، في بعض الأحيان، فكانت أقدامنا تغوص في الرمل الحار إلى نصف الساق فأتألم لذلك، ولكنه لم يبد أي ألم أو تحسر من ذلك.
وزيارته للأخ الشيخ عبد العزيز القصير في الشقة العليا.
وقد ذهبنا في فصل حار أيضًا فانطلقنا من دكانه، أي دكان فهد العبيد في أسفل سوق بريدة القديم إلى قرية الشقة سيرا على الأقدام وسوف أذكر تفصيل ذلك أو شيئًا من التفصيل عنه في رسم (القصير) في حرف القاف.
أما دكان فهد العبيد الذي ذكرته فإنه كان يفتحه لا ليبيع شيئًا أو يشتريه فيه، وإنما ليحضر إليه بعض الناس الذين يريدون الجلوس إليه والإستفادة منه.
ولشيء آخر وهي إصلاح الساعات فهو يعتبر أن مهنته إصلاح الساعات ولكنه لم يكن يستقصي في الأجرة، وبعض الناس لا يجر عون على الذهاب إليه حذرًا من أن يزل لسانه عنده بكلمة، أو يتصرف تصرفا غير مناسب.
أذكر مرة فيما يتعلق بإصلاح الساعات أن ابنا لفهد الرشودي زعيم بريدة، أحضر إليه ساعة والده، أو أن فهد الرشودي أحضرها بنفسه إلى فهد العبيد - لا أتحقق من ذلك - ولكن الذي عرفت أن فهد أصلحها وإن ابنا لفهد الرشودي جاء إليه ليأخذها وأنه طلب من الشيخ فهدا أن يخبره بأجرة إصلاحها فقال له فهد العبيد: لا تحتاج إلى أجرة، لأن آلاتها كلها صالحة، ولم أضع فيها شيئًا من عندي.
стр. 6787
فذهب بها إلى فهد الرشودي، وكان جالسًا في أعلى السوق ثم عاد الابن إلى الشيخ فهد العبيد، وقال: الوالد يسلم عليك ويقول لابد يأخذ أجرة إصلاح الساعة.
فاحتد الشيخ فهد وقال: مالها أجرة، فقال الابن: أخاف إن الوالد يزعل إذا أنت ما أخذت الأجرة، فقال: إذا زعل لا يرسل لي ساعته أصلحها مرة أخرى.
وعندما ذهب قال لي الشيخ فهد: هذه الساعة واقفة من أجل غبار دخل فيها فنظفتها واشتغلت، ولم أضع فيها شيئًا أخسره عليها! ! !
وعظه:
اشتهر الشيخ فهد العبيد عند العامة بوعظه المؤثر في نفوسهم أكثر من اشتهاره بشيء آخر.
وقد ظل فترة من السنوات يعظ في أحد مساجد مدينة بريدة الجنوبية ليلة الجمعة وهي مساء الخميس، أو ليلة معينة من الأسبوع لا أحفظها فيأتي الناس إليه من أنحاء المدينة لاستماع موعظته وكلامه حتى يمتلا المسجد ويضيق بهم.
وفي الأسبوع الذي بعده يذهب إلى أحد المساجد في شمال بريدة فيفعل مثل ذلك.
وقد راعى في ذلك حال بعض كبار السن، قبل انتشار تملك السيارات، واستعمالها أن يحضر من لا يستطيع الذهاب إلى المسجد البعيد عنه.
وكانت له عبارات مختصرة نادرة يتناقلها الناس من ذلك أنه شن حملة على بعض النساء اللاتي صرن يستعملن حمالات الأثداء - جمع ثدي - ويقول لماذا الحمالات؟ هل رأى أحد منكم أثداء امرأة ساقطة في الشارع حتى تحتاج إلى حمالات تحملها، وذلك كله انطلاقًا من عدم ارتياحه للأشياء الجديدة.
ووعظه مؤثر وذك لكونه يجمع بين البلاغة في الفصحى والعامية.
стр. 6788
كان مؤذن عامي يؤذن ويقول ما لفظه كلفظ (الله وَكْبر) وهذا هو لفظ العامة الذين لا يفهمون شيئًا بحيث يفهم بعضهم أن اللفظ هو الله وأكبر، لا يعرف أن الحركة التي على الهاء هي ضمة.
فنهاه فهد العبيد عن ذلك، وبين له أن ذلك لا يجوز لأنه يخل بالمعنى، ولكنه لم ينتبه واعتذر بأنه لا يعرف الأذان إلَّا هكذا.
وكان الرجل صاحب دكان يبيع أشياء بالكيل وكان عنده مكاييل من النَصيف والربيع والثمين فأخذ فهد أحد المكاييل الصغيرة وقال: بكم ملؤ هذا؟ قال: بكذا ثم أخذ الأكبر منه فسأله: بكم هذا؟ فقال: بكذا بثمن أكثر من الأول، فسأله فهد العبيد: لماذا؟ فقال: لأن هذا أكبر من هذا؟
فقال له فهد العبيد أراك عرفت نطق أكبر في الدكان فالفظ بها في الأذان: (أكبر) ولا تقل (وكبر).
زهد فهد العبيد وتقشفه:
الشيخ فهد العبيد زاهد عن قدرة، ومتقشف عن سعة، فمن زهده أنه لا يركب السيارة أصلًا، ولا يركب إلى الأماكن القريبة من بريدة ولا الحمير وإنما مركوبه رجلاه.
وحكي عنه أنه قال: لم أركب السيارة إلَّا مرة واحدة جعلتني لا أركبها بعدها.
والواقع أن كثيرًا من الناس محتاجون لمثل ذلك، إذ نرى أكثرهم يركبون السيارات الغير حاجة، ويبالغون بالسرعة فيها إلى حد يخيف فتكون النتيجة حوادث أليمة.
وفهد العبيد زاهد حتى في لبس النعال، وليس ذلك عن بخل بثمنها، لأنني رأيت عددا من النعال الجديدة في أقصى دكانه، أهديت إليه فتركها في مكانها ولم يستعملها.
ومع ذلك إذا رأيت هيئته ومنظره الخارجي حتى بعد أن أسن وطال لم تر منه شيئًا يدل على ذلك، فلونه صاف، وصحته جيدة وأعضاؤه
стр. 6789
سليمة، بل بنيته قوية ومتعته هي في مطالعة الكتب، والجلوس مع نوع معين من الرجال الذين يختارهم يرى أنهم يفهمون ما يقول ويتجاوبون معه، وأنهم على درجة معينة من السلوك الديني النظيف ومن زهده أنه لا يستجيب للدعوات على الطعام أو القهوة إلَّا نادرا ولمن كان من أصحابه الخلصاء، يمنعه ترفعه وعزة نفسه عن ذلك.
وقد بقي عزيز النفس معروفًا بذلك عند العامة والخاصة.
بعد خمسين سنة:
لم تكن الرابطة التي تربط بيني وبين الشيخ فهد بن عبيد أكثر من رابطة سلوكية علمية زهدية فهي تعتمد على مراقبة السلوك وأن يكون ذلك كله وبدقة وفق ما أمر به الله ورسوله مع الابتعاد عن الشبهات والزهد في الكماليات، والنفور من الأشياء العصرية المحدثة - سوء أكانت آلات أو أدوات تعبيرات أو حتى كلمات.
وكان من ذلك البعد عن أسباب العيش الرغد، فالشيخ فهد له إرث قليل من والده، ويصلح الساعات فيكسب منها قليلًا.
أما أنا فإن والدي له دكان، ويقوم في وقت القيظ بإصلاح ملح البارود، وذلك كله كاف للمعيشة الطيبة.
غير أنه أصاب عيني والدي الماء الأبيض الذي يصيب كبار السن في العادة فصار يخرج لدكانه، ولكن عمله قل، وأنا كبير الذكور من الأسرة، وكان والدي يعقد علي آمالا عراضا في أن أكفيه شئون البيت وضمان نفقاته في هرمه.
إضافة إلى ما أحتاجه أنا من نفقات ومصروفات شخصية ضرورية لذلك قبلت أن ألتحق بالتدريس على وظيفة مدرس، وكنت مارست مهنة التدريس في آخر عام ١٣٦٣ هـ ولم أكن تجاوزت آنذاك الثامنة عشرة.
стр. 6790
أما في عام ١٣٦٦ هـ فقد بلغت الحادية والعشرين وصار التطلع إلى الزواج وما يحتاج إليه من نفقة يطرأ على خاطري أحيانًا، إضافة إلى الاضطلاع بنفقات البيت أو جزء منها.
وعندما التحقت بالتدريس في مديرية المعارف العامة قبل أن تصبح وزارة لم أذهب إلى الشيخ فهد العبيد لأنني أعرف نكيره على من يعمل في مثل هذه الوظيفة الحكومية، ويطالع الجرائد، ويجالس الذين لا يوفرون لحاهم.
فانقطعت عنه كلية وبدون مقدمات
وقال لي خالي صالح بن موسى العضيب وهو طالب علم مجيد: إن فهد العبيد سألني عنك، فقلت له: إنك بخير.
فقال: ما رأيته منذ مدة طويلة، ربما كان يظن أنني سأبحث معه في أن يترك المدرسة، وأنا لو رحت أنا وإياه إلى المريدسية مشيًا على رجلينا ما كلمته عن المدرسة ولا كلمة.
ومضت السنون تتلوها السنون وأنا لم أره، فضلًا عن أن أجلس إليه، وذلك الانشغالي بالوظائف، ثم بالعمل في خارج بريدة في المدينة المنورة أولًا ثم في الرياض بعدها مكة المكرمة حتى أتي على ذلك ما زاد على خمسين سنة.
فرأيت زيارته قيامًا بواجب الزيارة له.
فزرت فهد بن عبيد صباح يوم الأحد ٢٧/ ٥/ ١٤٢١ هـ وكان لا يزال ساكنًا في بيت من الطين، وذلك مع طلوع الشمس لأنه الوقت الذي لا يكون عنده كثير من الناس، فرأيته مكبًا على تلاوة القرآن من المصحف، ورأيته كما عهدته منذ آخر مرة رأيته فيها، واجتمعت به قبل ٥٠ سنة، إلَّا أنه كان جالسًا مطاطئًا رأسه ولم يقم، وقد هده الكبر، ومع ذلك تبدو بشرته ونظرات عينيه كما لو كان ابن ستين سنة مع أنه ناهز المائة، والذي أعرفه من قبل أنه ولد في عام ١٣٢٢ هـ غير أن
стр. 6791
شخصًا من آل جردان هو أقرب المقربين إليه ذكر لي أنه سمع الشيخ فهد العبيد يقول: إنه أصغر من الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين بسنة واحدة.
وقد ولد الشيخ ابن عثيمين ضبطًا في عام ١٣٢٠ هـ وتوفي عام ١٤١١ هـ بعد أن عاش ٩١ سنة فإذا كان هذا صحيحًا وهو ما يعتقده كثير من الناس فإن الشيخ فهد يكون الآن أكمل مائة سنة من عمره على التمام.
قال لي ابن جردان مثلما قال لي غيره: إن الشيخ فهد كان يذكرك ويقول: لي مدة طويلة ما شفته، قلت له: نعم، إن تلك المدة تبلغ ٥٠ سنة.
كنت متهيأ لأتكلم معه بأشياء كثيرة من الكتب التي كتبتها له والرسائل التي تبادلناها وأخبار المشايخ التي كان يذكرها، وخصوصا ما كان بين آل سليم ومن معهم من طلبة العلم وبين الشيخ ابن جاسر وابن عمرو، ومن معهما من طلبة العلم ومن العامة، ولكنني وجدته عازفًا عن ذلك وربما كان وصولي إليه في وقت غير مناسب، مع العلم بأنه لا يزال يتمتع بكامل عقله، وذاكرته، ولا يشكو إلَّا من ضعف في رجليه رغم بلوغه المائة سنة أو نحوها.
وكنت حددت وقت زيارتي له بناء على مفاهمة مع ابنه الوحيد عبد الرحمن وسألته عن موعد جلوسه فذكر أنه بعد صلاة الفجر إلَّا أن الناس يأتون إليه بعد السادسة والنصف صباحًا، أما في الساعة السادسة فإنه لا يكون لديه أحد، ولم نجد عنده أحدًا بالفعل إلَّا ابن جردان الذي فرغ نفسه ووقته لخدمته احتسابًا للأجر من الله تعالى كما يقول ابن جردان.
مات فهد العبيد يوم الخميس ٢٥/ ٦ / ١٤٢٢ هـ بعد أن عمر مائة عام.
وكان أوصى ألا يؤخر دفنه، لأنه يعرف أنه قد يؤخر دفنه لكي يصلي عليه جمع عظيم، هذا ما يعتقده كثير من الناس الذين يجلونه ويحترمونه، بل وبعضهم يحبونه محبة قلبية لله وبالله.
стр. 6792
ولم يؤخر دفنه طبقًا لما أوصى به ومع ذلك خرج في جنازته خلق عظيم.
قال ابن أخيه الأستاذ يوسف بن محمد بن إبراهيم يذكر الساعات الأخيرة من حياة الشيخ فهد العبيد:
وفي مغرب ليلة كل جمعة يحضر عنده طلابه ومحبوه لحضور الدرس فيقدم لهم العشاء بعد المغرب لأن الأغلب عليهم أن يكونوا قد صاموا يوم الخميس، وربما زاد الحضور في الدرس الواحد يوم الخميس عن المائة شخص ويتصدق على الفقراء من طلابه ومحبيه ويتفقد أحوالهم ويسأل الشاب منهم هل تزوج؟ فإن لم يكن قد تزوج أوصاه بالزواج فإن أحس أنه منعه الفقر قال له توكل على الله، وإذا تم العقد فتعال، فالمهر عندي ثم يدفع إليه المهر وزوج عددًا منهم على هذه الطريقة، بل ربما أوصاه أن يذهب إلى شخص آخر ليخطب ابنته ثم يشير على والد البنت بتزويج الشاب لأنه رجل خير، وبذلك أحبه أهله وإخوته وزواره ناهيك عن طلابه.
وفي آخر عمره ﵀ لم يستطع الذهاب إلى المسجد لكبره ومرضه فاستمر على ذلك سنوات كثيرة لا يخرج من بيته.
صبره على المصيبة:
أصيب بوفاة ابنه الشيخ عبد المحسن وهو طالب علم وإمام مسجد، وقد توفي في حادث سيارة في ٥ صفر عام ١٤١٠ هـ.
ولم يكن له ابن غيره إلَّا الكبير عبد الرحمن وقد صبر الشيخ فهد العبيد على هذه المصيبة التي أصابته على كبر، وفي ابنه الذي يوده، ويسره منه تدينه وطلبة العلم، وإمامته للناس في المسجد.
وقد وصف الأستاذ عبد الكريم بن صالح الطويان ذلك، فقال:
وقبل أيام، كنت أنزل من درج إدارة التعليم بمنطقة القصيم، فقابلني الأخ
стр. 6793
الأستاذ عبد المحسن بن فهد العبيد، المدرس بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم ببريدة، وإمام وخطيب جامع الحميدان، ولم تغرب شمس ذلك اليوم، حتى كان في عداد الموتى، حيث توفي ﵀ في حادث مروري على طريق القصيم الرياض وهو لم يتجاوز الأربعين من العمر، وله مؤلف ضمنه خطبه الأسبوعية ومواعظه العامة، فكم للموت من بغتات لا يجدي معها الحذر، ولا ينفع معها التقدير "لقد فضح الموت الدنيا".
قال لي الشيخ عبد الله العثيم: زرت الشيخ فهد العبيد، لأعزيه في وفاة ولده، فوجدته صابرًا محتسبًا، وكان مما سمعته منه: (يا عبد الله، لو أعرت عصا، ثم جاءك المعير بعد مدة، يطالب برده، أكنت تجزع من ذلك؟ إن ولدي عارية استردها الله، فله ما أعطى وله ما أخذ).
وحين أتم الشيخ العثيم روايته هذه، أضاء في ذهني، بيت للشاعر كعب بن زهير، قاله ضمن قصيدة طويلة يرثى فيها أخاه:
(وما المال والأهلون إلَّا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع)
وقال لي آخر: ذهبت أنا وعدد من الإخوة، لمواساة الشيخ فهد في ولده، فألفيناه في صدر مجلسه، وهو يعظ الناس بالصبر، ويوصيهم بالاستسلام لقدر الله والرضى بقضائه، وكأنه المعزي لا المعزي! (١).
وممن كان يجلس إليه الشيخ عبد الله القرعاوي إمام الجامع الكبير ببريدة والشيخ الفاضل محمد الفهد الرشودي وغيرهم كثير.
واشتد به المرض حتى ألزمه الفراش أشهرا، فلما كان يوم الخميس السادس والعشرون من شهر جمادى الآخرة كنت ممن حضر مجلسه وكعادته ﵀ كان مضطجعًا على السرير من شدة المرض والضيوف يأكلون من المائدة عنده، فلما فرغوا
стр. 6794
بدأ القارئ يقرأ في أحد كتب الوعظ حتى أذن العشاء، فقام الناس فسلموا على الشيخ فهد ثم خرجوا، وكنت وأخي خالد من آخر من خرج من بيته.
وقد رأيته ﵀ اشتد به المرض على بهاء وجهه ونور الإيمان قد كساه ولم يستطع أن يصافح الزوار تلك الليلة، فقبلت جبينه وأمسكت بيمينه فشد يمينه ﵀، وقد عجز عن الكلام، فما هو إلَّا أن خرجنا من صلاة العشاء حتى بلغنا نبأ وفاته ﵀، فرجعت إليه فإذا هو مسجي وحوله ابنه عبد الرحمن وحفيده عبد الله بن عبد المحسن الفهد في جلسة حزينة ثم حضر أخوه محمد وجلس عنده ساعات من تلك الليلة ثم غسلناه وكنت شاركتهم في تكفينه ﵀ وانتظرنا تلك الليلة عنده في بيته حتى كان قريبًا من آذان الفجر حيث نقلناه على الأكتاف إلى مسجد الخريصي وإمامه وقتها الشيخ عبد الله بن الشيخ صالح الخريصي فاجتمع حوله الناس حتى امتلأ المسجد والطرقات حوله وصلى عليه أخوه محمد، وكنت بجوار جدي الشيخ إبراهيم في الصف الأول ثم حمل إلى المقبرة على الأكتاف سيرًا على الأقدام ودفن في مقبرة الموطأ في بريدة بعد صلاة الفجر يوم الجمعة ٢٧/ ٦ / ١٤٢٢ هـ وبكاه الناس وفقده أهله ومحبوه.
مات أبو عبد الرحمن فهد العبيد ولم يركب سيارة طول عمره، فقد كان يكرهها كراهة في نفسه لا كراهة دينية ولم يسمح لأحد أن يلقبه بالشيخ فهد، بل الكنية التي أحبها أبو عبد الرحمن أو الأخ فهد، وقد رثاه طلابه ومن تلك المراثي ما رثاه به الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى.
رحم الله أبا عبد الرحمن وأسكنه فسيح جناته.
ومن أولاده ابنه الشيخ الواعظ عبد المحسن بن فهد ولد سنة ١٣٦٨ هـ ودرس في الكتاتيب وأخذ عن الشيخ محمد بن صالح المطوع ﵀، وأكثر من الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀.
ووثق به الشيخ صالح الخريصي ﵀ فطلب منه أن يكون إمامًا
стр. 6795
وخطيبًا لجامع الحميدان، وذلك سنة ١٣٩٢ هـ ولازم أيضًا الشيخ صالح البليهي ﵀ حضرًا وسفرًا، وله معه رحلات في الوعظ والدعوة، وقد أم في مساجد بريدة منها في مسجد الضحيان وجامع الحميدان، وكان في مسجد الضحيان من عام ١٣٨٩ هـ، وانتقل إلى جامع الحميدان سنة ١٣٩٢ هـ واستمر فيه حتى توفي ﵀ عام ١٤١٠ هـ في حادثة سير وهو في طريقه إلى الرياض في يوم الثلاثاء الموافق ٥/ ٢/ ١٤١٠ هـ (١). انتهى.
وفي تلك الفترة التي قضاها في جامع الحميدان وهو يخطب استطاع أن يجمع خطبه في كتاب فصدر له كتاب البدور البهية في الخطب المنبرية، وله منسك مخطوط بعنوان تحفة الناسك في أحكام الحج والمناسك، قدم لهذا الكتاب شيخه الشيخ صالح البليهي ﵀ وهو مخطوط.
روى الأستاذ ناصر العمري هذه القصة:
تجربة الصديق واختباره:
سليمان بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم له نصيب من العلم، وقد اشتغل بالتجارة يسلف في الثمار وله مزرعة ورثها عن والده، وهو رجل ذكي ويحب محادثة الرجال والاستماع إلى أحاديثهم، كما أنه متحدث لبق مطلع على أحوال الناس، وفهد بن عبيد العبد المحسن طالب علم ويعتبر من العلماء المتعففين ويعيش على تجارة البيع والشراء والتعامل مع بعض الفلاحين، وله دكان يجلس فيه وليس فيه بضاعة يقوم بكتابة العقود وتوثيقها بين المتبايعين ولا يأخذ أجرًا على عمله فهو محتسب، يزوره في دكانه ويجلس إليه سليمان بن محمد بن عمر