← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

شخصًا من آل جردان هو أقرب المقربين إليه ذكر لي أنه سمع الشيخ فهد العبيد يقول: إنه أصغر من الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين بسنة واحدة. وقد ولد الشيخ ابن عثيمين ضبطًا في عام ١٣٢٠ هـ وتوفي عام ١٤١١ هـ بعد أن عاش ٩١ سنة فإذا كان هذا صحيحًا وهو ما يعتقده كثير من الناس فإن الشيخ فهد يكون الآن أكمل مائة سنة من عمره على التمام. قال لي ابن جردان مثلما قال لي غيره: إن الشيخ فهد كان يذكرك ويقول: لي مدة طويلة ما شفته، قلت له: نعم، إن تلك المدة تبلغ ٥٠ سنة. كنت متهيأ لأتكلم معه بأشياء كثيرة من الكتب التي كتبتها له والرسائل التي تبادلناها وأخبار المشايخ التي كان يذكرها، وخصوصا ما كان بين آل سليم ومن معهم من طلبة العلم وبين الشيخ ابن جاسر وابن عمرو، ومن معهما من طلبة العلم ومن العامة، ولكنني وجدته عازفًا عن ذلك وربما كان وصولي إليه في وقت غير مناسب، مع العلم بأنه لا يزال يتمتع بكامل عقله، وذاكرته، ولا يشكو إلَّا من ضعف في رجليه رغم بلوغه المائة سنة أو نحوها. وكنت حددت وقت زيارتي له بناء على مفاهمة مع ابنه الوحيد عبد الرحمن وسألته عن موعد جلوسه فذكر أنه بعد صلاة الفجر إلَّا أن الناس يأتون إليه بعد السادسة والنصف صباحًا، أما في الساعة السادسة فإنه لا يكون لديه أحد، ولم نجد عنده أحدًا بالفعل إلَّا ابن جردان الذي فرغ نفسه ووقته لخدمته احتسابًا للأجر من الله تعالى كما يقول ابن جردان. مات فهد العبيد يوم الخميس ٢٥/ ٦ / ١٤٢٢ هـ بعد أن عمر مائة عام. وكان أوصى ألا يؤخر دفنه، لأنه يعرف أنه قد يؤخر دفنه لكي يصلي عليه جمع عظيم، هذا ما يعتقده كثير من الناس الذين يجلونه ويحترمونه، بل وبعضهم يحبونه محبة قلبية لله وبالله.

стр. 6792

ولم يؤخر دفنه طبقًا لما أوصى به ومع ذلك خرج في جنازته خلق عظيم. قال ابن أخيه الأستاذ يوسف بن محمد بن إبراهيم يذكر الساعات الأخيرة من حياة الشيخ فهد العبيد: وفي مغرب ليلة كل جمعة يحضر عنده طلابه ومحبوه لحضور الدرس فيقدم لهم العشاء بعد المغرب لأن الأغلب عليهم أن يكونوا قد صاموا يوم الخميس، وربما زاد الحضور في الدرس الواحد يوم الخميس عن المائة شخص ويتصدق على الفقراء من طلابه ومحبيه ويتفقد أحوالهم ويسأل الشاب منهم هل تزوج؟ فإن لم يكن قد تزوج أوصاه بالزواج فإن أحس أنه منعه الفقر قال له توكل على الله، وإذا تم العقد فتعال، فالمهر عندي ثم يدفع إليه المهر وزوج عددًا منهم على هذه الطريقة، بل ربما أوصاه أن يذهب إلى شخص آخر ليخطب ابنته ثم يشير على والد البنت بتزويج الشاب لأنه رجل خير، وبذلك أحبه أهله وإخوته وزواره ناهيك عن طلابه. وفي آخر عمره ﵀ لم يستطع الذهاب إلى المسجد لكبره ومرضه فاستمر على ذلك سنوات كثيرة لا يخرج من بيته. صبره على المصيبة: أصيب بوفاة ابنه الشيخ عبد المحسن وهو طالب علم وإمام مسجد، وقد توفي في حادث سيارة في ٥ صفر عام ١٤١٠ هـ. ولم يكن له ابن غيره إلَّا الكبير عبد الرحمن وقد صبر الشيخ فهد العبيد على هذه المصيبة التي أصابته على كبر، وفي ابنه الذي يوده، ويسره منه تدينه وطلبة العلم، وإمامته للناس في المسجد. وقد وصف الأستاذ عبد الكريم بن صالح الطويان ذلك، فقال: وقبل أيام، كنت أنزل من درج إدارة التعليم بمنطقة القصيم، فقابلني الأخ

стр. 6793

الأستاذ عبد المحسن بن فهد العبيد، المدرس بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم ببريدة، وإمام وخطيب جامع الحميدان، ولم تغرب شمس ذلك اليوم، حتى كان في عداد الموتى، حيث توفي ﵀ في حادث مروري على طريق القصيم الرياض وهو لم يتجاوز الأربعين من العمر، وله مؤلف ضمنه خطبه الأسبوعية ومواعظه العامة، فكم للموت من بغتات لا يجدي معها الحذر، ولا ينفع معها التقدير "لقد فضح الموت الدنيا". قال لي الشيخ عبد الله العثيم: زرت الشيخ فهد العبيد، لأعزيه في وفاة ولده، فوجدته صابرًا محتسبًا، وكان مما سمعته منه: (يا عبد الله، لو أعرت عصا، ثم جاءك المعير بعد مدة، يطالب برده، أكنت تجزع من ذلك؟ إن ولدي عارية استردها الله، فله ما أعطى وله ما أخذ). وحين أتم الشيخ العثيم روايته هذه، أضاء في ذهني، بيت للشاعر كعب بن زهير، قاله ضمن قصيدة طويلة يرثى فيها أخاه: (وما المال والأهلون إلَّا ودائع ... ولا بد يومًا أن ترد الودائع) وقال لي آخر: ذهبت أنا وعدد من الإخوة، لمواساة الشيخ فهد في ولده، فألفيناه في صدر مجلسه، وهو يعظ الناس بالصبر، ويوصيهم بالاستسلام لقدر الله والرضى بقضائه، وكأنه المعزي لا المعزي! (١). وممن كان يجلس إليه الشيخ عبد الله القرعاوي إمام الجامع الكبير ببريدة والشيخ الفاضل محمد الفهد الرشودي وغيرهم كثير. واشتد به المرض حتى ألزمه الفراش أشهرا، فلما كان يوم الخميس السادس والعشرون من شهر جمادى الآخرة كنت ممن حضر مجلسه وكعادته ﵀ كان مضطجعًا على السرير من شدة المرض والضيوف يأكلون من المائدة عنده، فلما فرغوا

стр. 6794

بدأ القارئ يقرأ في أحد كتب الوعظ حتى أذن العشاء، فقام الناس فسلموا على الشيخ فهد ثم خرجوا، وكنت وأخي خالد من آخر من خرج من بيته. وقد رأيته ﵀ اشتد به المرض على بهاء وجهه ونور الإيمان قد كساه ولم يستطع أن يصافح الزوار تلك الليلة، فقبلت جبينه وأمسكت بيمينه فشد يمينه ﵀، وقد عجز عن الكلام، فما هو إلَّا أن خرجنا من صلاة العشاء حتى بلغنا نبأ وفاته ﵀، فرجعت إليه فإذا هو مسجي وحوله ابنه عبد الرحمن وحفيده عبد الله بن عبد المحسن الفهد في جلسة حزينة ثم حضر أخوه محمد وجلس عنده ساعات من تلك الليلة ثم غسلناه وكنت شاركتهم في تكفينه ﵀ وانتظرنا تلك الليلة عنده في بيته حتى كان قريبًا من آذان الفجر حيث نقلناه على الأكتاف إلى مسجد الخريصي وإمامه وقتها الشيخ عبد الله بن الشيخ صالح الخريصي فاجتمع حوله الناس حتى امتلأ المسجد والطرقات حوله وصلى عليه أخوه محمد، وكنت بجوار جدي الشيخ إبراهيم في الصف الأول ثم حمل إلى المقبرة على الأكتاف سيرًا على الأقدام ودفن في مقبرة الموطأ في بريدة بعد صلاة الفجر يوم الجمعة ٢٧/ ٦ / ١٤٢٢ هـ وبكاه الناس وفقده أهله ومحبوه. مات أبو عبد الرحمن فهد العبيد ولم يركب سيارة طول عمره، فقد كان يكرهها كراهة في نفسه لا كراهة دينية ولم يسمح لأحد أن يلقبه بالشيخ فهد، بل الكنية التي أحبها أبو عبد الرحمن أو الأخ فهد، وقد رثاه طلابه ومن تلك المراثي ما رثاه به الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى. رحم الله أبا عبد الرحمن وأسكنه فسيح جناته. ومن أولاده ابنه الشيخ الواعظ عبد المحسن بن فهد ولد سنة ١٣٦٨ هـ ودرس في الكتاتيب وأخذ عن الشيخ محمد بن صالح المطوع ﵀، وأكثر من الأخذ عنه وأخذ عن الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀. ووثق به الشيخ صالح الخريصي ﵀ فطلب منه أن يكون إمامًا

стр. 6795

وخطيبًا لجامع الحميدان، وذلك سنة ١٣٩٢ هـ ولازم أيضًا الشيخ صالح البليهي ﵀ حضرًا وسفرًا، وله معه رحلات في الوعظ والدعوة، وقد أم في مساجد بريدة منها في مسجد الضحيان وجامع الحميدان، وكان في مسجد الضحيان من عام ١٣٨٩ هـ، وانتقل إلى جامع الحميدان سنة ١٣٩٢ هـ واستمر فيه حتى توفي ﵀ عام ١٤١٠ هـ في حادثة سير وهو في طريقه إلى الرياض في يوم الثلاثاء الموافق ٥/ ٢/ ١٤١٠ هـ (١). انتهى. وفي تلك الفترة التي قضاها في جامع الحميدان وهو يخطب استطاع أن يجمع خطبه في كتاب فصدر له كتاب البدور البهية في الخطب المنبرية، وله منسك مخطوط بعنوان تحفة الناسك في أحكام الحج والمناسك، قدم لهذا الكتاب شيخه الشيخ صالح البليهي ﵀ وهو مخطوط. روى الأستاذ ناصر العمري هذه القصة: تجربة الصديق واختباره: سليمان بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم له نصيب من العلم، وقد اشتغل بالتجارة يسلف في الثمار وله مزرعة ورثها عن والده، وهو رجل ذكي ويحب محادثة الرجال والاستماع إلى أحاديثهم، كما أنه متحدث لبق مطلع على أحوال الناس، وفهد بن عبيد العبد المحسن طالب علم ويعتبر من العلماء المتعففين ويعيش على تجارة البيع والشراء والتعامل مع بعض الفلاحين، وله دكان يجلس فيه وليس فيه بضاعة يقوم بكتابة العقود وتوثيقها بين المتبايعين ولا يأخذ أجرًا على عمله فهو محتسب، يزوره في دكانه ويجلس إليه سليمان بن محمد بن عمر

стр. 6796

بن سليم، ويأنس في زيارة سليمان بن سليم له وجلوسه عنده ويتحدث كل منهما للآخر فأراد فهد بن عبيد آل عبد المحسن أن يختبر ود وصداقة سليمان بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم، ولما جاء إليه وجلس معه طلب منه فهد بن عبيد مائتين وخمسين ريالًا فرنسيا فضة فبادر سليمان بن سليم بقوله حاضرة وذهب وأحضرها في الحال بكيس وسلمها لفهد بن عبيد، ولم يكن فهد بحاجة إليها، ولكنه أراد أن يجربه ويختبر صداقته فأخذها منه فهد العبيد ووضعها في مكان، وبعد شهرين ونصف وسليمان بن محمد بن سليم لم ينقطع عن زيارته جاء بها فهد بن عبيد وسلمها له، فقال سليمان بن سليم: القرض لا يرد بهذه السرعة كنت قد أبقيتها عندك عامًا على الأقل، فابتسم فهد العبيد وشكره وقال لقد يسرها الله، وليس لي فيها حاجة والأفضل أن تأخذها، فأخذها سليمان بن محمد بن عمر بن سليم وظل الرجلان على صلة وثيقة معًا، والله المستعان (١). انتهى. أقول: أهدى إليَّ أحد الإخوة ورقة بخط فهد العبيد بعد وفاته فيها ذكر أضاحٍ لجماعة من الأشخاص من العلماء والدعاة والمشايخ الذين مات بعضهم منذ مئات السنين وبعضهم مات منذ قرن أو نحوه. وهي بخط الشيخ فهد الذي أعرفه، وبعباراته المألوفة وتقول: وحده عن محمد بن عبد الله أي أضحية واحدة عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمد العمر (بن سليم) والشيخ عبد الله (بن محمد بن سليم) والشيخ عمر بن محمد بن سليم) وعثمان ولا أعرفه إلَّا إذا كان عثمان آل سليم، أو عثمان البجادي فهو صديق حميم للشيخ فهد.

стр. 6797

ثم قال: واحدة لعبد الله العثمان عن أحمد وهو الإمام أحمد بن حنبل، ويظهر أن عبد الله العثمان هو الذي دفع ثمنها، وأحمد الثاني هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وهو معروف، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، وهو رأس الدولة السعودية التي ناصرت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ الشاعر سليمان بن سحمان، وعبد الله بن سليم ومحمد. ثم انتقل الشيخ فهد إلى ذكر الضحايا لأسرته فقال: واحدة عن عمي وجدتي وعمتي وعيالهم وواحدة عن عبد الرحمن وعبد المحسن وهما شقيقاه الشيخ عبد الرحمن والشيخ عبد المحسن وسبق ذكرهما، والخوات (الأخوات)، وعبد العزيز، وهو أخ له مات في حياة والدهم. وبعد أن ذكر طائفة من المعاصرين واحدة عن (الملك عبد العزيز آل سعود) ووالديه وعمه وخواله وعبد الرحمن بن فيصل والده عاد بعد ذلك إلى ذكر العلماء والمتقدمين مثل الكناني وهو عبد العزيز الذي قاوم القول بخلق القرآن في القرن الثاني الهجري، والعلامة ابن رجب (الحنبلي) واليحياوي صاحبه ومحمد بن صالح (المطوع) وعلي السمحان، وآخرهم فهد العشاب وهو

стр. 6798

محسن بني عددًا من المساجد في بريدة أو ساعد على جمع التبرعات لبنائها. انتهى. رثاه الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى، فقال: مرثية في الشيخ الزاهد في زمانه وبقية السلف الصالح فهد بن عبيد بن عبد المحسن السلفي معتقدا والحنبلي مذهبا والقصيمي موطنًا الذي وافته المنية مساء الخميس ٢٥/ ٦ / ١٤٢٢ هـ عن عمر يناهز المائة، وقد فجعت البلاد بموته ﵀ رحمة واسعة: بكت القلوب ولا تزال بواكيا ... على علم في القبر قد صار ثاويا فيا أيها الناعي لنا عَلَم الهدي ... أتدري وقيت الشر من أنت ناعيا؟ بقية أعلام لنا طاب ذكرهم ... تلامذةٍ الأخيار إن كنت واعيًا هو ابن عبيد من بقية معشر ... ويدعي بفهد قد أجاب المناديا على ابني سليم كان يطلب علمه ... بمدرسة التحقيق ينهل صافيا على الشيخ عبد الله صفوة جيله ... ونبراس أهل الدين للدين حاميا ومن بعده شيخ الوري عمر الذي ... له منزلٌ بين البرية ساميا هم السادة الأعلام أقطاب ديننا ... فكم خرجوا من جهبذي وهاديا نشأ في رياض العلم مذ كان يافعًا ... يجاهد بالحسنى وللشر قاليا عفيفٌ تقيٌّ ناسكٌ متورعٌ ... بصدق وإخلاص وللزهد حاويا كساه إله العرش سمتًا وهيبة ... يمر بأسواق الدنا متواريا يذكرنا عهد الصحابة والأولى ... بقول وفعل للشريعة قافيا إذا ما رأى ما يسخط الله جهرة ... يغار لذات الله غير محابيا وملة إبراهيم يدعو لنهجها ... يعادي معاديها وفيها مواليا مجالسه بالذكر قد زان ربعها ... يحث على التقوى وينفي المساويا مجالس للوعظ ينتابها الورى ... وما أجمل الإلقا إذا كان راويا يجوب مرابيع البلاد موجهًا ... ويعبر في تلك المفازات ماشيا

стр. 6799

وينفق ساعات النهار بدعوةٍ ... ويمضي عليه الليل للذكر تاليا فسل عنه أصقاع القصيم ومدنه ... وحاضر بلدان ومن كان باديا وسل عنه محراب الحميدي يا فتى ... وكان له درس بمسجد ماضيا ومن بعد ذا طابت دروس لشيخنا ... بشرق الخبيب مسجدٌ للدباسيا وعانى من الأمراض والجهد والبلا ... وعاش رضيا بالمقدر راضيا مصيبته هزت فؤادي ومهجتي ... وأصبحت في شيخي مُعزَّى وراثيا لعل رثائي يطفئ اللوع والأسى ... ولا يدفع المقدور نظمُ القوافيا هو الموت بالإنسان في اللوح ثابتٌ ... قضاه إله العرش لا شك آتيا سألت إله الحق يوليه رحمة ... ويلطف في نيك العظام البواليا وأسكنه الفردوس ربي بفضله ... يروح ويغدو بالجنان مباهيا سقى قبره ديم من العفو صيبٌ ... وروح وريحان يكون مواتيا عليه سلام الله ما ذر شارقٌ ... وما رفع الأذان لله داعيا فيا من قضيت الأمر بالموت ... والفنا تعاليت من رب على العرش عاليا سألتك جمعًا في الجنان برفقتي ... عسى وعسى فيها يكون التلاقيا فيا قاصدًا بيت الفقيد لدرسه ... تراجع فإن البيت أصبح خاليا سلامٌ على الدنيا ومن سار خلفها ... إذا رحل الأخيار أين التصافيا وفي خير خلق الله كان عزاؤنا ... محمد المختار من كان هاديا وصلى إله العرش دومًا مسلمًا ... على المصطفى من كان للشرك ماحيا كذا الآل والأصحاب ما هبت الصبا ... وما حركت تلك الرياحُ السوافيا عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى القصيم - بريدة ٢٨/ ٦ / ١٤٢٢ هـ وأخيرًا أختم كلامي على الشيخ فهد بن عبيد بإيراد نص هذه الرسالة التي كتبها بخطه لأحد الإخوة الذين لهم بيت في بريدة طلب من الشيخ فهد العبيد أن يلاحظه، وهي تدل على طريقة الرفق واللين التي كان يتعامل الشيخ فهد العبيد مع الناس.

стр. 6800

وهذه صورتها ثم نقلها إلى حروف الطباعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من فهد بن عبيد إلى جناب الأخ المكرم المحترم حمود الحوشان حفظه الله من الأسوي وجعله ممن استمسك بالعروة الوثقى أمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام بعد ذلك أن سألت عنا فنحن بخير وعافية ونشكر الله على ذلك نرجو أنكم كذالك ثم بلغني أن أحدًا ذاكر لك من جهة البيت وإني ما أحسنت فيه فيكون عندك يقين أن البيت على كيسكم ما فيه أحد ولا عندي مفتاحه كان ألاحظ عليه عن السيول وغيرها لاسيما وهو بيدي لاسيما وهو سبيل ولاسيما وأنتم جيران فلا تكن في فكر من جهته أبدًا الذي بلغك ما علمك أن باب الحوش مبدّل بأطيب من بابه ولا علمك بالجص وأسمنت الذي يحط به وأنا قائل لأهل البيت الماعون لا يغسل إلَّا في بيتنا صيانة له وأما السلامة من الخلق فمحال يقول الله جل وعلا شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك وكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ويؤذيني ابن

стр. 6801

آدم وكذلك قالوا إن الله ثالث ثلاثة وقالوا إن الله فقير ونحن أغنياء ومحمد صلي الله عليه وسلم يقال له ساحر وشاعر ومجنون وكذاب ولكن أحسن ما نقول حسبنا الله ونعم الوكيل أحببت ابلاغك وأن بدالك لازم فلا تقصره عني وسلم لنا على العيال والأخوة والعزيز لديك كما عندنا الأخ محمد والعيال بخير وعافية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ٢٨ رجب ١٣٨٤ هـ. ومنهم الشيخ إبراهيم بن عبيد صاحب التاريخ المشهور، (تذكرة أولي النهى والعرفان) طبع في خمس مجلدات، وتعاد طباعته الآن في ثمان مجلدات. وكتاب (الدرر البهية، في وظائف السنة القمرية) ثلاثة أجزاء، وكتاب (الدر والمرجان في وظائف رمضان) وكل ذلك مطبوع. نشأ في بيئة علمية مكفيّ المؤونة لثراء والده، وعدم حاجته إلى جهد أبنائه. وقد طلب العلم على المشايخ في القصيم فأدرك في العلوم الصعبة على بعض طلبة العلم الصغار مثل النحو والفرائض حتى صار أهلا لتدريس الطلاب فيها وهو صغير. وقد انعقدت عليه حلقة للتعلم منه كان أكثر من فيها أكبر منه سنًّا. ترجم له تلميذه الشيخ سليمان بن عبد العزيز بن محمد التويجري في مقدمة تاريخه أي تاريخ ابن عبيد، فقال: هو الشيخ الفاضل الموسوم بالعلم والفضائل إبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن آل عبيد، ولد في خامس عشر جمادى الثانية سنة ١٣٣٤ هـ، ونشأ في أحضان والديه، ثم أخذ في الدراسة في إحدى المدارس الأهلية في بريدة، ولما تم له من العمر اثنتا عشرة سنة حصل على حفظ القرآن ودراسته بالتجويد، وأخذ نصيبا من تعلم الخط والحساب، وكان ذاك موضع الإعجاب من مدرسيه لما لمسوه منه من الجد والاجتهاد.

стр. 6802

ثم إنه لما أخذ نصيبه الوافر من تلك المدرسة انضم إلى التعلم على يد الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي المشهور بالعلم والتدريس في القصيم. وانضم أيضًا إلى التعلم من فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم وجد ونافس في طلب العلم وأكثر من الأخذ عنهما. ومن جملة ما درس به عليهما (إعلام الموقعين عن رب العالمين) لابن القيم، و (كشاف القناع عن الإقناع للبهوتي)، و (الروضة الندية) لصديق بن حسن القنوجي الهندي، و (زاد المستقنع وشرحه) والرحبية في الفرائض والمواريث، وملحة الإعراب في النحو وألفية ابن مالك في النحو والصرف، وكتب العقائد والحديث كالعقيدة الواسطية، والصابونية والطحاوية، والتوحيد، وشروحه. وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ونال الإعجاب من مشائخه واعجبوا بجهده واجتهاده وقوة حافظته وذاكرته، حتى كان يذهب بين العشائين والعتمات وأواخر الليل إلى تلك المساجد التي لا تزال إذ ذاك عامرة بالتدريس وحلق الذكر لأخذ نصيبه من العلم، رغم زمهرير الشتاء وبرده القارس وأمطاره، وكان مشايخه يقدرون أعماله ويعرفون له فضل الاجتهاد. ولما بلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة أخذ يدرِّس ويعلم في المسجد واجتمع عليه تلامذة كثيرون فضلاء. من تلامذته الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي المدرس في المعهد العلمي، والشيخ علي بن محمد السكاكر رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مقاطعة القصيم، والشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز الحميد، والشيخ محمد الصالح المرشد مدير المعهد العلمي في بريدة سابقًا، والمدرس بالجامعة الإسلامية لاحقًا، والشيخ علي بن محمد الربيش أحد أعضاء المحكمة الكبرى، وأخذ عنه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم الدوسري مساعد مدير مكتبة الحرم المكي، وعلي بن راشد الرقيبة، وأخذ عنه الأستاذ سليمان بن عبد العزيز التويجري، وأخذ عنه صالح

стр. 6803

بن إبراهيم الرسيني، وعبد الله بن صالح الحسين، وأخذ عنه غير هؤلاء خلق كثير وجمع غفير، وأخذ عنه ابناه عبد الرحمن ومحمد. ومن العجائب أن غالب الذين أخذوا عنه وتتلمذوا عليه، وفقهم الله، ولديهم صلاح في دينهم، وقد بز أقرانه في مادة الفرائض التي قل من يسبر غورها ويحل عويصها، وكان يرجع إليه في كثير من المسائل الفرضية التي قد تبلغ حد الإعجاز في صعوبتها ويتلقاها بصدر مملؤ باليقين والاستعداد، حتى إنه بلغ به الأمر إلى أن تأتيه المسائل الفرضية من جهات بعيدة من خارج المملكة، ولا يزال الأن يعالج مهنة حل المسائل والإفتاء. وكان الرجل شغوفا ومحبا لمادة التاريخ وله ذوق رفيع في مادة القواعد، وكان من صفاته التي يعتز بها كل تلميذ جثم على ركبتيه أمامه متعلمًا دماثة في الخلق وتواضع في الأخلاق وإخلاص في إيصال المعلومات إلى أذهان التلاميذ. والجدير بالذكر أن المؤلف حفظه الله وأكثر من أمثاله رجل اجتماعي بطبعه يحب الاختلاط والامتزاج بمشائخه وتلاميذه، وكانت النكتة لا تغادر مجلسه، الأمر الذي يدعو جلساءه إلى الرغبة الأكيدة في الاجتماع والائتناس به، وكان قارئًا للشعر وله ديوان في الشعر، والمذكور يملك حاسة رقيقة شفافة تدعوه في كثير من الأحيان إلى ابتداع غرر القصائد التي يرثي بها مشائخه وتلاميذه. أما عن مؤلفاته فكفاه فخرًا واعتزازًا سفره الباقي ما بقي المحبون للخير، وذلكم هو كتاب (عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان) الذي ما فتئ كل إمام مسجد في المملكة وغيرها يقرؤه على مامومية في ليالي رمضان الشريف، حتى آل الأمر إلى أن قام رجال فضلاء من خارج المملكة بدعوة إلى الشيخ بالاستدان منه بطلب ترجمته إلى اللغة الأردية والإنجليزية، والفرنسية، وهذا وربي شيء يبعث الاطمئنان والاعتزاز والسرور. كما أن من مؤلفاته (البدور البهية والفتوحات القدسية) وهو وظائف

стр. 6804

السائر السنة يدور حول المشاكل الاجتماعية في الوسط الاجتماعي الراهن سيطبع عن قريب وهو ثلاثة أجزاء ومنها هذا التاريخ. وقد انفق المؤلف من عمره في تأليف هذا التاريخ ثمان عشرة سنة كانت حافلة بالجهد المتواصل، والسهر الطويل، ولم المعلومات من مظانها ومن كل صوب وحدب والمذكور، غني عن قيلة قائل في مدحه والثناء عليه، فالذي بين يديك أخي القارئ يحكي واقع المذكور وهو لا يرجو منك إلَّا الدعاء والصفح عن كل خلل فإن كان خيرًا فمن توفيق الله وامتنانه، وإن كان غير ذلك فالإنسان عرضة للخطأ (١). انتهى. مؤلفات الشيخ إبراهيم العبيد: نشر حفيد الشيخ إبراهيم العبيد وهو يوسف بن محمد بن إبراهيم العبيد كتاب (إغاثة اللهفان، تهذيب عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان) لجده الشيخ إبراهيم العبيد. قال في مقدمته: وبين يديك كتاب من كتب الوعظ خصه مؤلفه ﵀ بما يتعلق بشهر رمضان، وسماه عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان. ألفه على صغر في سنه فكان وقتها لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ومع قلة في كتبه بذل فيه مجهوده في وقت قلت فيه الراغب في العلم واشتغل الناس بطلب أرزاقهم، كتبه نصيحة للمؤمنين، وما أجمل قوله: فهاك كتابًا جمع فأوعي، وسفرًا حوى من العلوم فصلًا ونوعًا، وقد جلبت إليك فيه نفائس في مثلها يتنافس المتنافسون، وجلوت فيه عرائس إلى

стр. 6805

مثلها يبادر الخاطبون، ولعمر الله لقد بذلت مجهودي في تهذيب دلائله وجمع مواعظه وفوائده ومسائله، فإن شئت اقتبست منه آدابًا شرعية وإن أحببت تناولت منه آثارا نبوية، وإن شئت وجدت فيه نكات أدبية وإن رمت الخوف والرجاء وجدت فيه أمورًا وفية. إذا نظر فيه الناظر زاده إيمانا وإن رام صفة الجنة جلاها عليه فكأنه يشاهدها عيانا، أو صفة النار فإن فيه من ذكرها بيانا ينهض القاعد إلى المسير ويحض المتواني على التشمير ومع ذلك فهو جهد المقل وقدرة المفلس، حذر فيه من الداء وإن كان من أهله، ووصف فيه الدواء وإن لم يصبر على تناولها - لظلمه وجهله - وهو يرجو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين أن يعفو عنه بنصيحته لعباده المؤمنين (١). وقال الحفيد الأستاذ يوسف العبيد: ولذا رأيت أن أهذب كتاب عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان، بعد أن رغب أولاد الشيخ وأحفاده، وكثير من محبي المؤلف ﵀ بتهذيب الكتاب فعمدت إلى الأحاديث الموضوعة والضعيفة فحذفتها وجعلت مكانها أحاديث صحيحة تغني عنها وأقصيت كل لفظ غريب أو حكاية منكرة كانت سببًا لعزوف البعض عن الكتاب. مع أنه ليس كل ما ذكر عن الزهاد يكون منهم على الدوام فقد يجيء منهم في وقت ما لا يكون في وقت آخر فالشيخ الزاهد محمد بن صالح المطوع ﵀ كان يأكل الشواء ومع ذلك لما جلس على طعام دعي إليه ورأى رأس شاة قد شوي بكى وقام عن الطعام، ولم يأكل فسئل عن ذلك فقال ذكرت قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.

стр. 6806

وقد يحصل للإنسان حال تلاوته القرآن من الرقة والخشوع ما لا يحصل في وقت آخر مع أنه يقرأ في نفس الآيات التي خشع فيها من قبل وذلك من قبيل قول إمام المهتدين وسيد الناسكين ﷺ : (ساعة وساعة). أما مؤلفاته: فأقدمها وأشهرها ما نحن بصدده وهو كتاب (عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان). وطبع الكتاب لأول مرة سنة ١٣٧١ هـ، في مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة على نفقة الشيخ حسن محمد بن محمود الشنقيطي ﵀ وتوالت الطبعات بعدها في أكثر من أربع عشرة طبعة، واشتهر عند الناس في وقته وكان يقرأ به في مساجد نجد قبل صلاة التراويح وبين تسليمات صلاة القيام في شهر رمضان. ولقد أخبرني أنه بلغه أن الكتاب وصل إلى الملك عبد العزيز ﵀، فكان يقرأ عليه في رمضان وكان يبكي وهو يستمع للكتاب وسأل كثيرًا عن مؤلفه، ويقع الكتاب في مجلد واحد، في أربعمائة وإحدى عشرة صفحة. ومن كتبه كتاب التاريخ وقد سماه (تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان، وذكر حوادث الزمان)، طبع منه خمسة أجزاء ولا زالت البقية إلى الجزء الثامن في المطبعة وتتولى طبعه مكتبة الرشد، ثم أنجزت طبعه كاملًا في ثمانية أجزاء. قال الدكتور إبراهيم المطوع: وهو كتاب تاريخي قيم يؤرخ للدولة السعودية ويعد مرجعًا أصيلًا وفريدًا لكثير من مؤرخي ودارسي الأدب والتاريخ السعودي (١).

стр. 6807

ومن كتبه كتاب (الأعلام المرفوعة والتحف المدفوعة، وعقيدة أمة الإسلام المقروءة والمسموعة)، وهو شرح لمتن العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ويقع في جزءين وهو مطبوع بأكمله وفرغ من تأليفه في ٢١/ ٨/ ١٤٠٣ هـ. ومن كتبه أيضًا: (السحاب المركوم والرحيق المختوم في وظائف السنة منثورها والمنظوم)، ويقع في ثلاث مجلدات. ومن كتبه أيضًا: (رياض الأنوار الزاهرة والحكم المنثورة الباهرة في تعظيم سنة سيد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة)، ويقع في مجلد واحد وقد فرغ من تأليفه في ٢/ ٣/ ١٤١١ هـ. ومنها كتاب (تحذير الأنام عن ارتكاب القبائح والآثام في تحريم الدخان والمسكرات والمفترات)، ويقع في مجلد واحد حرره في ٤/ ٥/ ١٤١٨ هـ. وله كتيب صغير في دعاء ختم القرآن، فهذه كتبه المطبوعة. وله كتب مخطوطة منها: (كتاب البستان في المواعظ والحكم والأمثال)، وهو ديوان شعري جمع فيه بعضًا من قصائده وقصائد لبعض السابقين. ومنها كتاب (تحريم تبرج النساء)، وكتاب لزوم الجماعة. وله منسك في الحج والعمرة، وذكر في كتابه التذكرة أنه قد ألف كتابًا في وصف رحلته إلى جنوب المملكة. انتهى كلام حفيده الشيخ يوسف العبيد. والشيخ إبراهيم العبيد له طبيعة مخالفة لطبيعة أخيه الشيخ فهد، فهو حريص على الاتصالات والاجتماعات وسريع في الاستجابة للدعوات التي توجه إليه سواء أكانت دعوات للاستماع إلى العلم والوعظ أو دعوة إلى غيره. ورأيته ينتهز هذه الفرصة ليتحدث إلى الذين يجتمع إليهم، ويقص عليهم

стр. 6808

القصص، ويسمع منهم ما يريدون أن يقولوه، ولو كانوا من العامة. من ذلك ما نقله عنه الشاعر عبد الله بن علي الجديعي الذي تقدم ذكره في حرف الجيم، قال: قصة المظلومة سمعتها من الشيخ إبراهيم العبيد: فيه رجل فقير وكان في هذا البلد ليس له أحد سوى أخت، وكان يكد ويكدح ويطعم هذه الأخت، ولما تمت عشرين عامًا تزوجت في قرية بعيدة عن أخيها الذي لم يقصر في حقها، وفي ودها إنها قريبة لأخيها حتى إنها تطلع على حاله، وإذا صار له أي حاجة تعملها له، هذا الذي بودها، لكن البعد حال بينها وبينه، وكان في بيت وارثه من أبيه وجمع قريشات قليلة وذهب إلى أخته الحنون وقال يا أختي أنت مع الزوج ولك منه أولاد وأنا ليس لي زوجة وأريد منك تبيعين عليّ نصيبك من البيت الذي ورثناه من أبينا، قالت له ما عندي مانع، لكن ما يصلح البيع إلا عند القاضي الذي يقضي بين الناس. شره عليها أخوها حيث إنه محسن بها ومزوجها رجل على رغبتها، وكادّ عليها من صغرها ويزعم أنه له عليها حق، وقال في نفسه هذه أختي الذي مالي غيرها تعمل معي هكذا، وصار عنده شره عظيم، ظن فيها أنها تقول إنه نازل هذا البيت كم عام ولم يعطني حقي من الإجار، قالت إذا صار بكرة رحنا للقاضي ونشوف ويش يقول. خاف، وقال يا الله الخيرة ما هقيت إن أختي الوحيدة تعمل معي هكذا، ولما حضروا عند القاضي قال: ويش عندكم، قالت: هذا أخي من أمي وأبي، ومات والدي وأمي، وأنا لم أتم العاشرة من عمري وصار أخي يكد عليّ حتى تزوجت ولم يكن وراء والدي سوى بيت ولي من هذا البيت ثلثه وثلثينه لأخي وأنا أبي أهب نصيبي من هذا البيت لأخي لفعله الجميل معي وأريدك يا قاضي تكتب هذا البيت له وأنا موهبة أخي نصيبي من البيت الذي حدوده ومكانه كذا.

стр. 6809

وبعد ما كتب القاضي البيت أخرجت عشرين ريال، وقالت لأخيها: خذ هذه الدراهم حط عليهن وتزوج ما بعد ها العمر صبر. أخذ الدراهم وهو يحسبها تبي تشح عليه في نصيبها من البيت ودع أخته الطيبة ورجع إلى بيته وكان جاره تاجر لكن بخيل جدًّا، قال جاره: بيتك كبير وبيتنا صغير، ودي تبيع علي شنق حوشك لنا مقدار حجرتين واللي تبي يا جارنا نعطيك إياه، قال تهون علي يا جارنا وباع عليه نصف الحوش ولكن الجار لم يعطه الثمن، وبعد ما خلص الجار من العمار قال مبارك الذي أعطاه نصف الحوش ودي اتزوج وغديك تعطين القيمة فقال جاره لا حقين على خير، وتركه. تزوج مبارك علي بنت ذكية وجميلة جدًّا واسمها (مليحة) وبعد الزواج بشهر قال أعطني قيمة الحوش الذي أخذت مني فقال الجار: لاحقين على خير، وما كان من مبارك إلا أنه قص على زوجته مليحة ما صار من جاره فقالت له زوجته الذكية: أرخص لي وأنا أخليه يجيب الذي عنده لك، قال سوّي الذي تبين. فقامت ولبست أحسن لباسها وكانت جميلة وراقبت الجار حين يخرج إلى دكانه في الصباح، وكان التاجر ما له خزانة إلا مخباته ودائم والدراهم في جيبه، ولما رأته يخرج من بيته وإذا هي تطلع من بيت زوجها المظلوم ولما رآها وإذا هي مخففة الغطوة جدًّا لما رآها هاله جرمها وجمالها، ولكن ملك أعصابه وقال في نفسه: كيف حنا اغنياء، ولم نحصل مثل الذي حصل هذا الفقير؟ وكل يومه، وهو يحسب ويضرب أخماس مع أسداس ويفكر ويش يسوي يبي يشوف له طريقة يصل إلى هذه الجميلة. ورجع إلى البيت ولم ينم مثل العادة، ولما صار اليوم الثاني وأراد الخروج إلى دكانه صار يظهر صوت ونحنحة عالية ووقف بالشارع لعلها تخرج ولكن لم تخرج.

стр. 6810

وفي اليوم الثالث والرابع وهي لم تخرج فقال في نفسه ودي أكلمها وأشوف عنها وعن وضعها هل هي تبي تلين أو أنها قاسية فطرق الباب وزوجها ليس عندها فقالت من الذي عند الباب فقال أنا جاركم، فقالت ويش يبي جارنا؟ قال: حنا الله يدافع مثل جيران المقبرة لا أحد يشوف أحد، وقلت ابكلم زوجك مبارك إن كان عليهم حاجة حنا عندنا رزق واسع. وكانت فارع ولا عليها سوى القميص والباب فيه فتحات وصار يراها بكل وضوح فقالت والله ونعم بك أنت الجار الذي ينتغالي فيه حيث إنك غريب في هذا الزمان والله إنك وافي وهي تدير وجهها يمين وشمال حتى أن الجار نسي نفسه، قالت: إن مبارك يثني عليك خير ويقول إنه طيب وإنه مواعدني على هالقروش عنده لعلك تعطيني ثمن الحوش الذي أخذت هالحين، وإذا صار باكر أغديك تدخل نتقهوى أنا وإياك كان أنت منتب ردي نفس حتى لو يجي مبارك، وأنت عندي أقول إنه خالي من الرضاع. ولما سمع كلامها رد يده إلى مخباته وأعطاها ثمن الحوش، فقالت: خل اعدهن، لا تروح ولما عدتهن قالت: وأنا مالي حق المواجهة، باكر؟ فخاف إنها تهون، قال دوك هذولي واعطاها خمسة أريل. فقالت: لا تصيِّف باكر على رجا الله. ولما راح إلى الدكان قال: يا طول اليوم وصار مشغوف فيها. أما زوجة مبارك فهي خرجت إلى والدها وقالت له: هذا الذي عملت واحضر معه ثلاثة رجال، وحرمة ودخلوا قبل ما تطلع الشمس، أما التاجر فهو يراقب زوجها وحين ما خرج الزوج طرق الباب عليها وإذا الحرمة والمه فتحت الباب ودخل بسرعة وعلى طول نحر المجلس فلما جلس وهو يظن أنها الذي فتحت له الباب خرجوا عليه الرجال ومسكوه وعلى طول ذهبوا به إلى

стр. 6811

الأمير، والأمير حولهم على القاضي، واعترف. فقال القاضي: ويش الذي حدك وأنت رجل عاقل ومتزوج ومغنيك ربك عن الحرام؟ لكن اختر نضربك كم عصا حق التهمة، وتسجن كم شهر أو تغرب سنة حيث أنك لم تعمل الفاحشة؟ فقال: لا يا قاضي اتغرب ألف سنة ولا أجاور مثل حبائل الشيطان، والله ثم والله إني ما أسكن في هذه البلدة وهذه الخبيثة فيها، فقال له القاضي: وش حدك عليها؟ قال: والله لو تشوفها إنك ما ترقى المنبر غير ما رقيته، فما كان منه إلا أنه شال عائلته وهرب إلى بلد بعيد عن هذه المرأة، وقال أبياتًا: يقول من شاف العزاير والأمرار ... من جارة عندي تسمى مليحه حبائل الشيطان لا تصير لك جار ... اسحبت مالي وزودتها فضيحة قامت تجمل واظهرت منها الأسرار ... واستفزعت ابليس معها القبيحة تحيلت بي وسحبت قيمة الدار ... وانا حسبته بالمودة صريحة يوم أطلعت ذرعانها تقل جمار ... نسبت عقلي يوم شميت ريحه من زينها نسيت ما كان للجار ... ولا قلت حق الجار ما نستبيحه ارخصت ما بالكيس نيرة ودينار ... ولا حسبت احساب وقع الفضيحة سوت بي سواة ما تخيل بالأفكار ... يا اللي تقاضينا شوف المليحه كان ما تهددني بضرب ولا أسفار ... لو شاف عينه والخدود الصبيحة وجهه كما وصف القمر يوم الإبدار ... وجرمه يسل الحال سل الذبيحه ولسانها يا شيخ للقلب منشار ... ولا ينفع الغافل بكثر المديحه وقام وأرسل هذه الأبيات القاضي وكان عند القاضي زوجتان كل واحدة في بيت من الصدف أن القاضي استأجر بيت التاجر وأسكن فيه إحدى الزوجات فقال زوج البنت المزيونة: الحمد لله الذي عوضنا بجار طيب بدل الجار الماكث.

стр. 6812

وكان القاضي يلوم التاجر على فعله ولكن الشيطان لم يدع القاضي يستريح وصار القاضي يذكر ما وصف التاجر له من حسن المرأة ووده أنه يرى هذه المرأة التي فتن التاجر فيها. وقام القاضي وخرق من الجدار خرقة تشرف على بيت المزيونة، ولم يره أحد وكانوا في ما مضى ليس هناك حمامات كلها أكناف ومراحيض وعلى جوانب الحوش. وهكذا والقاضي في وقت الصباح خرجت هذه المزيونة للحوش ومعها المشط والمراية، وكان عليها شعر كثير وجميل وجلست قبال القاضي وصارت تمشط شعرها. وتعمل في خدودها تحميرات، ولما تم الجمال الذي هي تريد قامت كأنها تقضي حاجتها والقاضي يراها ولم يتمالك نفسه، على طول طرق عليها الباب فقالت من أنت؟ قال: أنا جاركم القاضي إنْ كان عليكم حاجة تراي مستعد، قالت بارك الله فيك، ولا علينا حاجة، وشَكَّتْ فيه ورجعت إلى الحوش ورأت الخرقة الذي بالجدار وعرفت أن القاضي له مقصد خبيث. وفي اليوم الثاني طرق عليها الباب قالت: من الطارق؟ قال: أنا جاركم القاضي وودي أقضي لكم حاجة، قالت: الله يحييك لكن مالي استطاعة، لكن الخرق الذي أنت سويت وسعه شوي يحصل لك تقبيل، وتدخل يدك يحصل لك تلميس وبعدين نحاول المواجهة، بس اعيالك روحهم عن البيت روح الحرمة وأولادها إلى أهلها. فرح هذا القاضي وزود الفتحة حسب ما قالت، وفي اليوم التالي قالت زودها حتى يدخل رأسك حتى يتم طلبك قام وزود الفتحة حتى صار يدخل رأسه بسهولة، قامت وجابت حبل الحسو، وعملته تكاكة وأخفته عند الفتحة، وتجملت ولبست مقطع شفاف، ولما قربت إليه قالت اخرج رأسك حتى أقبلك، وبعدين أخرج يديك أخليك تلمس.

стр. 6813

فرح وأخرج رأسه، وبسرعة هايلة تكت الحبل في رقبته وربطته في عمود عندها وصار ما يستطيع الحركة ويديه ما يقدر يخرجهن وصار مربوط لا يستطيع الحركة. ذهبت إلى والدها وقصت عليه القصة، وذهب إلى أمير البلاد، وجميع كبار الجماعة وشاهدوا الفعل القبيح من هذا القاضي، ولكن هو بين الحياة والميتة. فكوا الحبل وهرب بالليل وخلى أولاده، ونزل عند الذي أرسل له القصيدة وصار يلومه على فعله وكان اسم التاجر الذي هرب الأول عصيل فقال القاضي: الله يلوم اللي يلوم عصيل ... حيثه ورط بالذي شاف انا عقبته وشفت الويل ... صكت بي رباط وكتافِ وش لون هذا وانا حلحيل ... ما صارت اليوم يا كافي هربت عن ديرتي بالليل ... كلٍّ يقول الذي شاف جون الجماعة وانا بحبيل ... والدمع بالعين وكافي عقب المعزة قعدت بويل ... سوت بي افعال وانكافِ تصرفت بي تقل بهليل ... امشي وراها وانا حافي يا عصيل ما شفتها بلحيل ... ما شفت منها الذي خافي وبعد ما هرب القاضي عن البلد وتخابروا أهل البلد فيما عملت هذه المظلومة في قاضي البلد الذي يحبونه ويصلي بهم الجمع والأعياد وهو قاضيهم، وكان إذا صار يخطب يحذر عن الفواحش جميعها، قال شاعر عندهم: يا اللي صليتوا ورا القاضي ... تبون من الله لكم غفران اعيدوا صلاة عن الماضي ... شويخكم صار به نكران يوم شافها صار به حاضي ... من الطمع شقق الجدران

стр. 6814

يماتل رباطه على الفاضي ... هو يحسبها تالف المعطان سولت له رباط واشضاض ... وشهَّدت باقي الجيران الشيخ ينكر وعضاضي ... يوم شاف مرضي وهو زعلان اثره حرامي ورباض ... يوم ورته ذروة البستان دخل رويسة تقل فاضي ... لين صادته شيخة الشجعان من قبله عصيل ما اعتاض ... حط الذهب واغلق الدكان ولما هرب القاضي عن البلد قام التاجر وباع البيت على واحد غني، ولم يعلم ماذا صار لهذا البيت، وبعد ما نزل قال زوج مليحة: نبي نعشي الجيران الجدد، قام وحط لهم عشاء وحضر الجار الجديد هو وزوجته وأولاده، وكان له بنت عمرها خمسة عشر سنة، قالت: لوالدها والله ما عمري شفت أجمل من حرمة جارنا في حياتي، كان الحور العين يجن الدنيا فهي حورية. وبعد هذا صار الجار حريص على شوف هذه الجميلة، وحاول ولكن لا يستطيع شوفها لأنها لا تتعرض لأحد، حيث إنها عفيفة. قام وعزم زوجها على العشاء وقال خل الحرمة تجي تعشى مع البنات، فقال ما عندي مانع. ولما حضروا بعد العصر حاول الجار أن يرى هذه الفتنة وصارت متجملة على غاية الجمال وهي جميلة. رآها وقال هذي ليست من نساء الدنيا، هذه من الحور، وبعد العشاء قالت زوجته: والله إن البنات لم يساعدنن على عمل العشاء بس يناظرن ها المزيونة، طارت عيونهن فيها، والصحيح إنها مزيونة. لما سمع الجار الجديد كلام الحرمة زاد الهم عنده وصار يفكر كيف يتوصل إليها.

стр. 6815

وفي يوم وزوجها ليس حاضرًا لبس ملابس امرأة وطرق الباب فقالت من الذي عند الباب؟ فقال بصوت امرأة أنا من الجيران ودي أدخل نتعرف على بعض فتحت الباب وقالت الله يحييك تفضلي، وكان الجار ناسي عليه السروال ورات أكمام السروال وعرفت أنه ليس حرمة. قالت تفضلي يا خاله وأدخلته في غرفتها الخاصة حيث إنها تقفل من الخارج وحال ما دخل أغلقت عليه الباب وقالت وهي خارج علمني من أنت وأخليك تطلع، فقال: أنا جاركم الجديد، أخبرها طمعًا في الخروج من هذه الورطة فقالت: أنا أعرف بنات جارنا ويش اسم الكبيرة من بناتك، قال فلانة وفلانة بس خليني اطلع والله ما ترين مني ما يكدرك. قالت: اصبر، حس أحد عند الباب خل اشوف وخرجت وطرقت الباب على زوجة الجار، وقالت: تعالى شوفي رجلك في غرفتي عليه ملابسك، إن كان أنت راضية فانتي رأس الفساد وإلا تعالى اخرجيه من غرفتي. ولما حضرت الزوجة وإذا زوجها مغلق عليه وتأكدت أنه زوجها فقالت اطلبي منا كل اللي تبين بس نبي الستر، قالت: أبيكم ترحلون عن ها الحارة قبل الليل، وإلا سوف أعلم زوجي وترون ما تكرهون، قالت: خلاص. ولما فتحت الباب وإذا هي ترشق في وجهه (حبحر) من النوع الحار فخرج وهو يصيح ويقول لزوجته اجمعي قشك والله ما نمرح هنا، وهو يصيح من شدة الوجع ولا يبصر وتورمت عيونه وشالوا عفشهم وهربوا، فقال: يا طامع بالزين خلك بعيد ... مادرة إلَّا حال دونه شواذيب هذا الجمال وبس وهي الوحيد ... وش لون ما تلقى بجرمه عذاريب دبرت خطه مير ماني سديد ... وفضحتن بين الناس مع المعازيب يلومني من كان رايه رشيد ... ما نيب اعز من البنات الرعابيب

стр. 6816

صواحب يوسف يوم صطن بالايد ... قامن بيديهن بالسكاكين تشذيب شافن جماله وأنكرن بالزهيد ... تفرقن والكل منهن مصاويب انا ضعيف الرأي ماني سعيد ... والزين بالدنيا هلاكٍ وتعذيب وكان هذا التاجر الجديد من حاشية الأمير وصار في وجهه أثر من الحبحر، فقال الأمير: ويش هذا في وجهك يا ناصر، قال: هذا ردا النفس الأمير فقال: علمني منين. قص على الأمير القصة بكاملها، فقال أنت ما دريت ويش سوت بالقاضي، والتاجر، فلان؟ فقال: ما دريت، إلا بعد ما صادن الفخ، فقال الأمير: ويش فيها عن النساء؟ فقال التاجر: ليست من النساء، وصار يوصفها للأمير، فقال الأمير: إذا صارت شريفة ولا فيها أخلاق رديه، فهذا حظها، والأمير يدير أفكاره وده يشوف التي أضعفت عقل القاضي والتاجر، وش هي، وكان عند الأمير رجل حكيم وهو مستشار الأمير، قال له الأمير: ويش رأيك في هذه الامرأة التي فتنت القاضي، وأنسته العلم والورع ودي تشوف لنا حل حتى نراها، فقال: ما يقربك منها إلا العجائز، هن حبائل الشيطان، وأنا خابر عندنا عجوز عمرها تسعين عام، خل أكلمها وأعلمك. راح المستشار إلى العجوز وقص عليها الخبر، فقالت: ما له عليها قدرة إلا من قبل زوجها يجيبه عنده ويغريه من المال ويخليه من أصحابه الخاصين، وبعدين يسكنه بجواره وبعدين يهون الأمر. قام الأمير واستدعى زوج مليحة، وقال ودي إنك تصير من الذين يتفقدون شؤون البيت وتجيب لأهل بيتي حوايجهم وأنت أحسن لك من التعب. فرح الزوج وقال: ما عندي مانع وصار يعمل عند الأمير ولقى الراحة،

стр. 6817

وصار عنده فلوس حيث أن الأمير يعطيه بكثرة. وفي يوم من الأيام قال الأمير له: ودي إنك تسكن في أحد بيوتنا حتى تصير منا قريب لو يبدي لازم بالليل ويلاك قريب، قال: ما عندي مانع. شاور مليحة فقالت في نفسها الذي صاد القاضي يصيد الأمير، وهذا مثل قديم شال عفشه وزوجته ونزل في بيت من بيوت الأمير والزوج لم يدر عن الخطة، ولكن الزوجة جازمة على أنه يريدها، فقالت في نفسها: اتغدي به قبل أن يتعشى بي هذا الأمير الخبيث. وبعد ما نزلوا في بيت الأمير قامت على واحدة من الغرف وحفرت فيها حفرة كل يوم تحفر شوي وتخرج التراب إلى الحوش، وأحضرت عندها باب وكمية من الحصى وفرشت هذه الغرفة أحسن الفرش وحطت على الحفرة فراش يغطيها والذي يطأ عليه يهوي بالحفرة، وصارت تترقب هجوم هذا الأمير وهي متأكدة أنه ما جاب زوجها إلى بيته إلَّا من أجلها. وفي يوم قال الأمير لزوجها: لنا غنم في مكان بعيد خذ معك اثنين من الخويا وجيبوا لنا عشرين يبي يجينا ضيوف، ولما مشى زوج مليحة خرج الأمير وضرب الباب، فقالت: من الذي عند الباب؟ فقال: أنا الأمير أبي زوجك خليه يجي، وكانت متزينة، قالت: زوجي راح له ساعة. وفتحت الباب وهي فارع، وقالت: الله مير يحيي الأمير، الزوج كله بركة، من زمان، وأنا ودي أشوف أميرنا، فلما رأها انزعج وقال في نفسه: والله ما ألوم القاضي، وصار يدنو من الباب ومعه دراهم، فقال: دوك هذولي ثمن ثوب، قالت: كثر خيرك وأرادت اغلاق الباب فمسك الباب، فقال: وراك عجلة؟ قالت: مستحية منك وأنا ما علي شيلة والمقطع ما يستر. قال: أجل خلين أدخل عن السوق جاء ناس وأخاف يعرفوني، ابدخل لما يذلفون.

стр. 6818

قالت: ادخل، وصك الباب، ولما دخل قالت: تعال في هذه الحجرة، لما يروحون عن السوق، فرح ودخل الغرفة وكانت تحس أنه معه الفلوس، قالت: اخلع ثوبك وحطه في هذا الوتد وتعال. خلع ثوبه وصارت من وراء الحفرة وبدأت تضحك وتعجب من جمالها، وصار ينظر إليها، ولم يحسب للواقع ولما قرب إليها وقع في الحفرة على طول، فقالت: أسفًا بأميرنا الذي انفضح مثل القاضي وسحبت الباب، وخرجت إلى والدها وأخبرته بالخبر، قام والدها وأحضر كبار أهل البلد وأخبرهم بالواقع وحضر زوجها، وشال عفشه من بيت الأمير وأخرجوا الأمير عريان، فقال: كيف اتعرض لواحدة ما تخلص القاضي منها؟ لاموه جماعته ونقص من قدره وصار يخجل إذا رأى الذين اطلعوا على فعله، فقال أحد الشعراء: عاشت مليحة صادت الشيخ وعصيل ... حتى بعد وصلت لصيد الأمير وقت الضحى تكت على الشيخ بحبيل ... وأميرنا حطت عليه الحفير كني أشوفه يزعج الدمع والويل ... عقب المعزة صار عنده حقير الشيخ من قبله يحذر عن الميل ... فوق المنابر جاب صوت جهير سمع بأذاني يرفع الصوت بالحيل ... يحذر عن الخلوة وذا ما يصير فرد عليه الشيخ بهذه الأيات: يللي تقول الشعر ما لك دليل ... تسبنا حيثك جهول بالأوصاف يالعنبو حيك أوصافه تهيل ... لو شفتها ما قلت شعرك بالأشراف هنك تبين يا العنيد الهبيل ... وتاخذ لنا بالثار كان أنت عراف فلما سمع كلام الشيخ هذا الشاعر، قال في نفسه: ودي أشوف الذي فتنت الشيخ والأمير والتجار، وهم ذو معرفة وتصرف ليسوا أغبياء.

стр. 6819

قام هذا الشاعر واشترى له حمار، وحمله من كل نوع من متطلبات الحريم مثل البودرة والكحل والبزار والعلك ومن هذه الأشكال، سأل عن بيتها وصار يوقف الحمار، وكل ما مر عليه من حرمة قال معي أشكال جديدة تصلح للحريم، وصار يزيد في قيمة السلعة على شأن ما يشرن منه شيء، هو قصده يشوف مليحة فقط. وفي اليوم الثالث قال زوج مليحة هذا له كم يوم وهو عند بابنا ويش يريد؟ قالت: مرسله الشيخ يبيه ينتقم من مليحة، وكانت تراقبه مع شقوق الباب، وإذا هو بس ينظر إلى بيتها، عرفت أنه يريد يدبر حيلة حتى يصل إليها. . قامت وتجملت وخرجت إليه، فقالت له: كم يوم وأنت عند بابنا وبضاعتك ما راح منها شيء أنت مغليها وإلَّا ما جاك أحد يشري؟ قال: والله أني ما بعت شيء يسوى وصارت تكلمه وهو ينظر إليها، فلما رأته يحد النظر إليها عرفت مقصده، قالت: حنا الضحى ولا عندك زبائن وأنا جيت أبزعب من الحسو ماء وانطلق الدلو من يدي هو ورشاه، سو معروف انزل اطلع الدلو والله ما عندي ولا نقطة ماء، وزوجي ما يجي إلا بالليل. فرح وربط الحمار ودخل وهو فرح لما دخل جابت حبل وقالت انزل وهي فارع لم تحتجب، فقال في نفسه أنا أشطر من الشيخ والأمير خلاص جابها الله نزل وكان الحسو واسع. ولما بقي عليه قدر خمسة أذرع ويصل الماء أطلقت الحبل وقالت أوجع يدي عساك سلمت، قال سلمت بس عجلي جيبي حبل وخلين أطلع. قالت: أنت ما دريت قال وشو فيه، قالت: هذا الحبل الذي ربطت فيه الشيخ يا الخبيث، اقعد لما يجي زوجي، ثم تشوف الأدب.

стр. 6820

قامت وأدخلت الحمار بالحوش، ولما صار بالليل حضر زوجها وإذا الحمار بالحوش. قال: وين راعي هذا الحمار، قالت: بالحسو، هذا خبيث، فقالت لزوجها: قرب عند الحسو وكل ما قلت لك شيء قل انشا الله، قال: يا مليحة وين الدلو ودي أزعب ماء حتى أتوضأ قالت الحسو مسكون به جن وانهبوا الدلو من يدي لكن شف هذا الحطب صب عليه القاز الذي بالتنكه وجدعه بالحسو، وشب فيه نار لما يموت وإلا يطلعون. قام الزوج وجاب غمر حطب وجدعه لما وصل الحطب الشاعر صاح وقال: تكفا طلبة الرجال الرجال أنقذني، قالت: قل له: من الذي أرسلك وأنقذك؟ قال: أرسلني القاضي الخبيث وأنا أعاهدك أني ما أقرب الحارة، أو أتعرض لكم، والحمار والذي عليه لكم بس أنقذوني من ها الورطة. فقالت: لزوجها احضر عندنا كم رجل تراه إذا خرج ولم ير عندنا أحد يسطي علينا لأنه منفعل خرج الزوج وأحضر الجيران وأخرجوا الشاعر من الحسو. ولما خرج أداروا كتافه وذهبوا به إلى الأمير وسجنه، فلما صار الصباح أحضره الأمير وقال: ويش عملت معها، قال يا الأمير خلها على الله، والله أني عارف أني لم أحصل منها شيء لكن القاضي هزبني في بيت من الشعر وقلت: أبي أوريه أني أخير منه، فقال الأمير: ويش قال القاضي؟ يا لعنبوحيك أوصافه تهيل ... لو شفتها ما قلت شعرك بالأشراف فقال الأمير هلحين عذرتنا أو بعد تبي تقول فينا أشعار؟ فقال: والله ما أتعرض شيء لها فيه طرف واطلق سراحه الأمير، وجمع الجماعة وقص عليهم ما صار للشاعر مع مليحة، قال عقلائهم: تراها ما لها ذنب الحرمة نزيهة، ولا تعرضت لأحد اتركوها في بيتها وهي لم تخرج ولا تنظر إلى

стр. 6821

حرام، فقال الشاعر الذي اسمه بطاح هذه الأبيات: الله يلوم اللي يلوم الرجال ... اخذت حماري والمقاضي والأرباح الأمانة عجزت عنها الجبال ... حتى يشيله قاصر الراي (بطاح) قالت ادليوي بالحسو كيف مال ... جيت اتوضأ وانطلق مني وطاح فرحت بالولم وذا من هبالي ... وتبدلت مني الأفراح بأتراح واقت علي اقول لا يا حلالي ... تراه حبل الشيخ صياد الأرواح قعدت وسط الما احسِّب ولالي ... سوى الندامة واتبع الضحك بصياح قمت اترجاها وهي ما ترالي ... سوى الفشيلة بين من جا ومن راح يوم جا رفيقه قلت ارحم لحالي ... أنا ورطت وطعت بالفخ منجاح يا فشلتي من زوجتي والعيال ... من اول عزيز وصرت نذلٍ وسفاح يلومني من لا يعرف الجمال ... اثره بها لدنيا عذاب وذباح وش لون صادتني بهون المجال ... تبسمت عندي وتظاهر بالأمزاح جزمت بالمحصول ولاني مبالي ... ونسيت ما سوت بصالح وصلاح لعل كل الزين يعطي الكمال ... كم درة دونه بروحن الأرواح وانتهت القصة هذا الذي يحضرني من القصة والسلام. وظني أن جميع الأشعار العامية الواردة في هذه القصة هي من نظم راويها الشاعر عبد الله بن علي الجديعي. مات الشيخ إبراهيم العبيد يوم السبت ٨/ ١/ ١٤٢٥ هـ عن ٩٣ سنة في بريدة. كتب الأستاذ عبد الملك البريدي كلمة في وفاته في جريدة الجزيرة الصادرة يوم ١٥/ ١/ ١٤٢٥ هـ فقال: الحمد لله فقال: الحمد لله الذي اختص من شاء من عباده بالتوفيق، فهداهم إلى أقوم طريق، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

стр. 6822

المبعوث بالحق رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة المهتدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فقد شيعت بريدة يوم أمس الموافق الثامن من شهر محرم عام ١٤٢٥ هـ العلامة الشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن، حيث كانت ولادته في ١٥/ ٦/ ١٣٣٤ هـ حيث حفظ القرآن وعمره (١٢ سنة) ثم أخذ يتعلم الخط والحساب، ثم لازم الشيخ عبد العزيز العبادي المشهور بالعلم والتدريس عام (١٣٤٠ هـ) ثم درس على الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وكذلك أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، فلما بلغ ٢٢ سنة آخذ يدرِّس ويعلم في المسجد حيث أجتمع عليه تلامذة كثيرون منهم الشيخ صالح البليهي والشيخ علي السكاكر رئيس هيئة الأمر بالمعروف بالقصيم، والشيخ محمد بن صالح المرشد مدير المعهد العلمي سابقًا، والشيخ علي الربيش رئيس المحكمة المستعجلة ببريدة، والشيخ محمد بن عودة عضو رئاسة القضاء. ولقد برز الشيخ إبراهيم في مادة الفرائض فكثيرًا ما تحال إليه مسائل فرضية فيسبر غورها ويحل عويصها، وللشيخ اهتمام كبير بتاريخ نجد حيث ألف كتابًا في التاريخ من عدة أجزاء (تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الواحد الديان وذكر حوادث الزمان) أمضي في تأليفه قرابة (١٨ سنة) سجل فيه الحوادث والوقائع من تاريخ (١٢٨ هـ حتى ١٣٨١ هـ) ونمى إلى علمي أنه قد فرغ من تأليف الجزء السادس والسابع ووصل إلى تاريخ ١٤٠٢ هـ ولم يتم طباعة الأجزاء الأخيرة إلى الآن (١)، وللمؤلف كتاب (عقود اللؤلؤ والمرجان في وظائف شهر رمضان) حيث ترجم هذا الكتاب إلى غير اللغة العربية، وله كذلك كتاب (البدور البهية والفتوحات القدسية) وله مؤلفات أخرى. كان الشيخ ﵀ دمث الخلق محبًا للخير ونشر الدعوة للاجتماع

стр. 6823

والأنس بالآخرين صاحب نكتة، ومجالسه عامرة بالفائدة. قبل وفاته بأسبوع أصيب بمرض وأدخل العناية المركزة في مستشفى الملك فهد ثم توفي ﵀، وصلى عليه في جامع الشيخ صالح الونيان ودفن في مقبرة الموطأ رحم الله شيخنا وأسكنه فسيح جناته وألهم ذويه الصبر والسلوان وصلى الله وسلم على نبينا محمد (١). رثاه الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى، فقال: أبيات قلائل في رثاء شيخي الشيخ إبراهيم بن عبيد بن عبد المحسن ﵀ المتوفى يوم السبت ٨/ ١/ ١٤٢٥ هـ: على الشيخ إبراهيم تجري مدامعُ ... وليس لأمر الله في الكون دافعُ هو ابن عبيدٍ من غشى حزنُه الورى ... بقية أعلام لها الود ناصعُ تلامذة الأعلام من طاب ذكرهم ... وطابت بهم للصادئين المنابعُ فآل سليم عصبة الدين والهدى ... فهم زينة الدنيا البدورُ السواطعُ عليهم رحى التعليم دارت بوقتهم ... يجملهم عند اللقاء التواضعُ لقد ورثوا التحقيق من كل جهبذٍ ... وقاموا بنشر العلم والعلم نافعُ فسل عنهم الأمجاد أقطاب ديننا ... سينصفهم من بالشريعة صادعُ فحيا بهم أهلًا ثناءً معطرًا ... فكم أشرقت بالصادقين المرابعُ جزاهم إله العرش عفوًا ورفعة ... وبوأهم دارًا بها الفضل واسعُ فإخوانه أهل الديانة والتقى ... مجالسهم للصالحين مراتعُ فخذ عابد الرحمن من فاق جيله ... توفي بالطاعون والحبرٌ يافعُ كذلك عبد المحسن العابدُ الزكي ... له سيرةٌ مثلى وللعلم جامعُ وثالثهم فهدٌ إذا حل ذكره ... تسيل على خد المحب المدامعُ ورابعهم نرجو مديدًا لعمره ... فلا يرغب الإطراء فالعذر شافع

стр. 6824

وزامله في مجلس العلم نخبة ... فيكفي السكيتي والبليهي وضالعُ فحولٌ لهم في العلم قدرٌ وهيبة ... لقد أفَلتْ تلك الشموس اللوامعُ سيبكيه علم للمواريث جهرة ... إذا حل بين الوارثين التنازع وقال لنا الماضي مضى الشيخ غدوة ... نعاه لأهل النحو فينا المضارعُ عقود اللآلي للقلوب مواعظٌ ... لقد صاغها في مهيع الصوم ساجُعُ فتذكرة العرفان تأليف شيخنا ... وفي الفقه والتوحيد كتبٌ جوامعُ طلبتُ عليه العلمَ من كنتٌ يافعًا ... وكان لتوجيهي ونصحي يسارعُ سألت عظيم المن يوليه رحمة ... يحل بدار الخلد والقطف يانعُ فموت الفتي حقٌ من الله نافذٌ ... وكلٌ إلى مولاه لا شك راجعُ ومن بعده نشرٌ وحشرٌ محققٌ ... سيحصد فيه المرءُ ما المرء زارعُ وأرَّخ لموت الشيخ إن كنت حازمًا ... عليه سلام الله ما هلَّ طالعُ ففي ثامن من غرة العام قد مضى ... لخمس وعشرين دهتنا الفواجعُ لألفٍ من الأعوام تتلوه أربعٌ ... مئينٌ توالت والنفوس ودائعُ وصلى إله العرش دومًا مسلمًا ... على المصطلى من في القيامة شافعُ كذا الآل والأصحاب ما هبت الصبا ... وما غردت فوق الغصون السواجعُ ومن المتأخرين من العبيد هؤلاء على قلة عددهم - طلبة علم وأئمة مساجد منهم عبد المحسن بن فهد العبيد: أم في المسجد سنة ١٣٨٩ هـ وبقي فيه ثلاث سنوات ثم انتقل إلى جامع الحميدان، فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٨٩ هـ - ١٣٩٢ هـ). ولد في بريدة سنة ١٣٦٦ هـ وتربى على يد والده الشيخ فهد بن عبيد الذي تقدم ذكره، فنشأ على الصلاح والتقى منذ نعومة أظفاره، ولما بلغ سن التعليم لازم الشيخ محمد بن صالح المطوع، كما قرأ على الشيخ صالح الخريصي فرشح للتدريس في مدرسة تحفيظ القرآن، فدرس فيها حتى توفي، كما كان يجوب القرى

стр. 6825

والأرياف والبوادي للدعوة إلى الله تعالى، توفي ﵀ في حادث سير وهو في طريقه إلى الرياض في يوم الثلاثاء الموافق ٥/ ٢/ ١٤١٠ هـ (١). ومنهم عبد الله بن عبد المحسن بن فهد العبيد: قال الدكتور عبد الله الرميان: أم في مسجد الضحيان عام ١٤١٠ هـ بعد وفاة والده وما زال في إمامته والخطابة فيه حتى تاريخه، تخرج من كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم سنة ١٤١٥ هـ ثم التحق بسلك التعليم مدرسًا في منطقة الدوادمي ثم في منطقة القصيم حتى استقر في ثانوية الإدريسي ببريدة (٢). العْبَيْد: على لفظ سابقه. ويقال لهم العبيد السلمي تمييزًا لهم عن العبيد الآخرين ولأنهم من السلمى الذين سبق ذكرهم. اشتهر منهم أناس بألقابٍ خاصة بهم مثل (أخو هرسة) الذي فيه المثل السائر (أرخص يا اخو هرسة) شرحته في كتاب (الأمثال العامية في نجد -) مات أخو هرسة في حدود سنة ١٣٢٦ هـ ومات ولده صالح سنة ١٣٥٣ هـ وولده حمد عام ١٣٧٠ هـ. و(العبيد السلمي) لا يعرفون إلا بهذا الاسم لانهم من السلمي بالفعل ولا يزال أبناء عمهم السلمي يسمون السلمي مجردًا وقد ذكرتهم في حرف السين ويعمل (العبيد) عندما عقلنا الأمور مع عقيل تجار المواشي إلى الشام ومصر، فمحمد بن عثمان العبيد السلمي ويكنى (أبو غروب) جمع غرب - كان من عقيل، وكان شخصية بارزة.

стр. 6826

وجده عبيد السلمي هو عبيد بن محمد بن فرج بن سلمي، هو أول من جاء منهم إلى بريدة. ذكروا أن مجيئهم إلى بريدة هو من قفار في جدود عام ١٢٥٠ هـ، وكان محمد بن عثمان بن عبيد السلمي يتسلم ريالًا في السنة من وقف آل سلمي في قفار. توفي محمد بن عثمان العبيد السلمي في عام ١٣٨٥ هـ. ولمكانة محمد العثمان العبيد هذا في المعرفة بأمور البيع والشراء في سوق بريدة التي أهم ما فيها بيع المواشي من الإبل والغنم وما ينتج منها من سمن وأقط، عينه الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة في لجنة ألفها للنظر في أمور الباعة والمشترين في السوق وعدم إقرار ما ينافي الشرع الشريف وكتب بذلك إلى أمير بريدة آنذاك في عام ١٣٥٨ هـ. وهو الأمير عبد الله بن فيصل الفرحان وعين معه عبد الله الحمادَى وخويلد الخويلد وعبد الرحمن القسومي، ومحمد ... التويجري، ومحمد الشريان وقد نقلنا ذلك في ترجمة الشيخ عمر بن سليم في حرف السين. من أخبار محمد العبيد السلمي (أبو غروب) ما ذكره الأستاذ ناصر العمري قال: كرم نفس: قال لي رجل من سكان ضراس خرجت بأهلي إلى البر في ربيع سنة كثر فيها المطر والعشب، وقطعت وأهلي حطبًا وعشبًا جمعناه في منزلنا ونقلنا بعضه إلى مسكننا، وكنت مدينًا لرجلين في مدينة بريدة فحمّلت بعيرين يومًا حطبًا وذهبت بهما إلى أحد الرجلين وأنخت بعيري عند بيته في بريدة رغبة مني في أخذ ثمنه واحتسابه من الدين الذي عليّ دون قبضة - أي الثمن، ولما علم بي أرسل إليَّ ولده يسألني كم ثمن الحطب ويلح في سؤاله ويقول لا تنزل الحطب حتى يرضى والدي بقيمته، وكنت أقول له قيمة الحطب من دينكم، ولا أريد قبضه يحسبه أبوك بما يشاء، فلم يرض إلا بإخباره بالقيمة.

стр. 6827

فغضبت وحمَّلت البعيرين من عند بابه وذهبت بهما للرجل الآخر الذي له دين في ذمتي وأنخت البعيرين عند بابه وخرج إليَّ الرجل بنفسه هاشًا باشًا مرحبًا، فأنزلت الحطب وأدخلته لداره وقلت له القيمة احسبها بما تشاء واقطعها من دينك عليّ، فقال: لا! أنت بالصحراء مع أهلك وأولادك والوقت شتاء وبرد وتحتاج إلى الطعام، القيمة سأدفعها إليك حالًا وديني ألحق عليه، الدنيا طويلة، الله يعينك! ثم أدخلني لمجلسه وقدم لي القهوة والشاي وقدم لي طعامًا طيبًا ثم نقدني قيمة الحطب كاملة غير منقوصة وزاد بأن قدم لي عباءة قائلًا تدف بهذه فأخذتها وشكرته وعجبت من فعله وتألمت من فعل الأول. أما الأول فلا داعي لذكر اسمه، أما الذي جاد واعتبر صاحب الحطب مهديًا عليه وقدر هديته فهو محمد العثمان العبيد السلمي (١). وأبو غروب لقب عليه لأنه أخذ غروب أعدائه لم يكسب غيرها، والغروب، جمع غَرْب وهو الدلو الكبير الذي يخرج به الماء من البئر على السواني لسقي النخل والزروع. إن اسم (العبيد السلمي) قد لفت أنظار المهتمين بالأنساب في بريدة وهم قليل. وذكروا أن أوائلهم وأخر من رأيناهم منهم عبيد بن محمد بن عثمان العبيد، يقولون: إن أهلهم يقولون: إنه كان يأتيهم ريال في كل سنة أو قالوا في بعض السنين من قفار يرسل إليهم من هناك ويقول المرسل: إن هذا نصيبكم من الذي لكم في قفار. وقد أجمعوا على أنهم قدموا إلى بريدة من قفار. ولكنهم لم يذكروا لي أسماء معينة لأنهم فيما يقولون لم يهتموا بهذا الأمر.

стр. 6828

والواقع أن كلامهم هذا في كونهم لا يهتمون بهذا الأمر هو شيء نعرفه نحن وأمثالنا من كون معظم الناس من أهل بريدة لا يهتمون بمثل هذا الأمر لأنهم لم يكونوا يشعرون بأن البحث فيه له نتيجة. وذلك لأن أهل بريدة معروفون بل مشهورون في القديم بعدم التعصب وعدم إلقاء بال كبير لمثل هذه الأمور وأول من سمعت ذلك منه هو الإخباري الثقة (عبد العزيز بن صالح الحماد الرديني) وهو من أهل الشماس القدماء. كان معظم (العبيد السلمي) من عقيل الذين هم تجار المواشي بين القصيم وبين سوريا وفلسطين ومصر. وعندما توقفت تجارة المواشي إلى الشام وتعطلت تجارة عقيل فتح عبد العزيز العبيد وإخوانه محلًا للصرافة في بيروت لبنان وصاروا عمدة لأهل نجد هناك ثم عادوا وفتحوا محلًا للصرافة في الرياض وكانوا وجهاء ذوي أقدار. كما فتح جاسر بن صالح بن محمد العبيد محلًا للتجارة والصرافة في بيروت فازدهرت أعمالهم ثم حصل عليه نقص وكان إخوانه شركاء له فأفلس وطالبه الغرماء بمالهم، وبعد مدة عاد إلى العمل فازدهر عمله وربحت تجارته وعاد أكثر مما كان. و(أخو هرسة) الذي ضرب به المثل: (ارخص يا أخو هرسة) هو من العبيد هؤلاء. وقصته أن (أخو هرسة) كان ثريًا وأراد أمير بريدة أن يغزو بالناس فأمر عليه أن يذهب مع الغزو فذهب أخو هرسة إلى الأمير، وقال له: أنا - يا الأمير - ما أعرف أرمي وش لون أروح معكم للغزو؟ يريد أنه لا يحسن قتال الأعداء برميهم بالبندق. فقال له الأمير متحديًا: أبيك تِرَمَي أي يرميك غيرك في المعركة فتكون فداء لمن يحسن الرمي!

стр. 6829

فقال أخو هرسة: وش رأيك أني أجيب لك واحد بدالي يغزي معك، ويعرف يرمي؟ فقال الأمير: لا مانع بشرط ألا يكون من جماعتنا الذين سيذهبون معناه. قالوا: فوجد رجلًا أجنبيًا استأجره أخو (هرسة) بثمانية ريالات على أن يذهب بديلًا له في الغزو. وعندما كان (أخو هرسة) يضع الريالات في يد الرجل كان يدفعها له ريالًا بعد ريال وهو يقول: ارخص يا أخو هرسة، أي ما أرخصك يا أخو هرسة، إذ أنقذت نفسك بثمانية ريالات. قالوا فذهب الرجل مع الغزو، وقتل في المعركة فقال أخو هرسة: (ارخص يا أخو هرسة). ورد اسم (أخو هرسة) شاهدًا في وثيقة مؤرخة في عام ١٢٩٨ هـ بخط علي بن عبد العزيز بن سالم وهي وثيقة مداينة بين ناصر العرفج من أهل المريدسية وعبد الرحمن الصوينع الملقب عيبان الذي اعترف بأن الدين المذكور في الوثيقة وقدره واحد وثلاثون ريالًا بينه وبين (أخو هرسة).

стр. 6830

وصية عبيد بن محمد بن فراج بن سلمي:
следующие страницы →