← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 7526–7565 · переход к 7531.

стр. 7526

التعليق: هذه وصية بلفظ (وقف) وقد ذكر العلماء أن إيقاف الشيء في حياة الإنسان يعتبر وصية بمعنى أنه إذا قال: هذا البيت الفلاني وقف بعد وفاتي فإنه يعتبر من الوصية التي لا تنفذ إلا بالثلث من المال إلا إذا أجاز ذلك الورثة، ولم يكن عليه دين. فالشيخ سليمان العمري أوقف العقارات المذكورة في وصيته بعد موته وهو طالب علم يعرف ذلك، ويعرف أن لديه ما يقابل مثلي ذلك بالقيمة. وأول ما يلاحظه المرء أنه يملك عقارات من بيوت ودكاكين ونخيل مثلما كان والده وجده يملكان، ومثلما أصبح أبناؤه وبخاصة الشيخ صالح وشقيقيه يملكون من العقارات كالبيوت والنخيل والأراضي الزراعية والدكاكين. أما الوصية نفسها فإن فيها تجديدا ظاهرًا وهو أنه جعل الوصي على بعض العقارات أبناءه ولكنه جعل للأبناء الأشقاء النظر على شيء منها كمحمد وإخوانه عبد الله وعمر وللأشقاء الأخرين وهم الشيخ صالح وإخوانه النظر على بعضها. وحتى البنات ولم يسمهن جعل لهن النظر على البيت الشرقي، وقال: إن احتاجن سكناه فلا حرج أي يجوز لهن أن يسكن بالمجان، إلا إذا كن في غنى عن سكناه فإنهن يكرينه أي يؤجرنه ويصرفن كروته بأعمال البر، وذكر شيئًا لطيفًا هو أنه بعد وفاة بناته يكون النظر على هذا البيت الشرقي بيد الذكور من عيالي. وهذا أفضل من تعريف بعض الواقفين الذين يقولون: إنه لأبناء الذكور من الذرية دون الإناث. وفي الوصية لفظة لابد من إيضاحها وهي بيت (حَبَص) فهو يقصد بيتهم الذي في (سوق حَبَص) بفتح الحاء والباء، وليس مراده أن البيت هو لحبص.

стр. 7527

وأنا أعرف ذلك البيت وهو واقع إلى الشمال من الجامع، وأظنه هدم في مواقف السيارات شمال الجامع. و(سوق حَبَص) سوق ضيق جدًّا، ومتعرج يصل ما بين شرقي بريدة القديمة وبين شارع الصناعة الآن. الشيخ صالح بن سليمان العمري: ومنهم صديقنا وزميلنا الشيخ صالح بن سليمان بن محمد بن سليمان بن مبارك العمري أول مدير التعليم في القصيم. ولد في بريدة في عام ١٣٣٧ هـ من والدة هي ابنة الشيخ القاضي الشهير عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم، فالشيخ عمر هو جد الشيخ صالح العمري من جهة الأم. هذا وكانت معرفتي بالشيخ صالح السليمان العمري قديمة تصل إلى عام ١٣٥١ هـ وكنت آنذاك طفلًا لم أكمل السادسة من عمري ولكن والدي يذهب بي إلى دكانه في سوق الشمال، وهو دكان لعمة والدي وقف. وقد دخل الآن في توسعة جامع بريدة الكبير (جامع خادم الحرمين الشريفين) فكان الشيخ صالح العمري يحضر معه نقودًا من البياشل جمع بيشلية وهي التي كان يصرف بها الريال قبل وجود القروش جمع قرش في القصيم، ولم يكن للبياشل سعر رسمي بالريال فأحيانًا يكون صرف الريال منها ١٤ وأحيانًا ٢٢ لذا يمكن الاتجار بها بحيث إذا وجد شخص معه بياشل وهي نقد نحاسي تركي يريد أن يصرفها بريال يبيعها مثلا بـ ١٨ بيشلية، وإذا أراد شخص معه ريال وبحاجة إلى صرفه بياشل فإنه يشتريها ب الريال ١٦ بيشلية أو نحو ذلك. فكان الشيخ صالح في صغره يعمل في هذا الأمر لأنه عمل لا يحتاج إلى رأس مال، وليست فيه مشقة، والشيء الوحيد السيئ فيه أن المتعاملين في

стр. 7528

تلك العصور لم يكن عددهم كثيرًا. ثم بعد ذلك عمل الشيخ صالح العمري بالتدريس في مدرسة بريدة عام ١٣٥٨ هـ، وفي ١٣٦٢ هـ صار معاون المدير فيها، وفي عام ١٣٦٧ هـ مدير المدرسة، ثم عُيِّن معتمدًا للمعارف في القصيم عام ٦٩ وعام ١٣٧٥ هـ مساعد المدير العام لدور الأيتام وقائمًا بعمل المدير العام، وعام ١٣٧٦ هـ مديرًا عامًا لدور الأيتام، وعام ٨٤ إلى ٩٠ هـ كان مستشارًا للشئون الاجتماعية في وزارة العمل والشئون الاجتماعية، ثم إدارة دور الرعاية الاجتماعية في عام ١٣٩٠ هـ، وعام ١٣٩١ هـ عُيِّن مديرًا عامًا لهيئة كبار العلماء، وعام ١٣٩٤ هـ تقاعد وتوفي ٤/ ٥/ ١٤١١ هـ. وعندما التحقت في سلك التعليم لثاني مرة في عام ١٣٦٨ هـ كان الشيخ صالح بن سليمان العمري مدير مدرسة بريدة الوحيدة، التي كانت تسمى السعودية، وأصبح اسمها بعد ذلك الفيصلية، وكان مديرها وهو الأستاذ عبد الله بن إبراهيم بن سليم قد نقل إلى الرياض مديرًا للمدرسة الأهلية التذكارية هناك فصار الأستاذ صالح العمري هو مدير المدرسة، وكنت معلمًا فيها. وقد توطدت صداقتي معه حتى إنه عندما أرادت مديرية المعارف العامة، وذلك قبل أن تكون (المعارف) وزارة أن تفتح في بريدة مدرسة ابتدائية ثانية رشحني الشيخ صالح العمري لدى مديرية المعارف العامة لأكون مديرًا لتلك المدرسة وعينت فيها بالفعل وسميت المدرسة المنصورية. فكان في بريدة لفترة من الوقت مدرستان ابتدائيتان الأولى وهي أكبر وأقدم هي التي يديرها الأستاذ صالح العمري والثانية وهي أحدث وأصغر حجمًا أديرها أنا. وقد حصل احتكاك وتنافس بين المدرستين ولكن لم يطل ذلك إذ عينت المعارف الشيخ صالح العمري (معتمدًا لها في القصيم) أي مديرًا للتعليم في القصيم.

стр. 7529

فصار رئيسًا لي بعد أن كان زميلًا استمرت صداقتنا بعد ذلك إلى حين وفاته ﵀. العمري والتعليم: منذ أن صار الشيخ صالح العمري مسئولًا عن التعليم الحكومي في القصيم برزت مواهبه العظيمة المتمثلة في فتح المدارس بسرعة وبشمولية، حتى إنه كان يفتح المدرسة من دون أمر من إدارة المعارف، ويعين فيها مدرسين ويشتري لها آثاثًا وهو الحنابل، (الفرش القطنية الملونة) والسبورات من عنده يقيد ذلك على المعارف، ولو كان غيره في مكانه لما غامر بذلك، وقد دفعت له المعارف ذلك، ولكن بعد وقت في الأخذ والرد. وبذلك وجدت نهضة حقيقية في التعليم ناشئة عن فتح المدارس الابتدائية وتعميمها ليس في القصيم فحسب، بل حتى خارج القصيم، إذ فتح مدرسة الزلفي ومدرسة في ثرمدا ومدرسة في المجمعة وحتى ما وراء ذلك. وقد أخذ بعض الناس على الشيخ صالح العمري تعيين مدرسين من غير ذوي الخبرة في التدريس، وهذا الزعم قد ينطلي على من لا يعرف كيف كانت الأمور في ذلك الزمن وهو من عام ١٣٧٠ هـ فما بعد، ولو كان مثلنا لعرف أنه لا يوجد مدرس مؤهل واحد، ولو انتظر الأستاذ العمري وجود المدرسين المؤهلين لتأخر التعليم في القصيم ما لا يقل عن عشرين سنة. ونظرًا لما عاناه الأستاذ صالح العمري في بدايات التعليم، وما بذله من أنشطة غير معتادة مما لا يعرفه الجيل الجديد فقد اقترحت عليه أن يكتب كتابًا عن التعليم في القصيم وبخاصة بداياته، فليس أحق منه بذلك لكونه عاناه وعرف الصعوبات التي وقفت في طريقه وذللها.

стр. 7530

فذكر لي أنه فكر في ذلك، وبعد سنتين أو ثلاث قال: إنه كتب جملة من ذلك الكتاب. إلا أن المنية عاجلته قبل أن يخرجه للناس، وقد تكفل نجله الدكتور عمر بن صالح بن سليمان العمري بإخراج ذلك الكتاب إلى حيز التنفيذ مع كتابة شرح لموضوعه، وتراجم للأشخاص الذين ذكروا فيه مما لا يستغني عنه الباحث. وقد طلب مني الدكتور عمر العمري أن أكتب مقدمة لذلك الكتاب فكتبت المقدمة التالية، أحببت أن أوردها كلها هنا لأنها تتحدث عن جوانب شخصية الشيخ صالح العمري وجهوده في التعليم. وهذا نصها: يعتبر التعليم مقياس التقدم في الأمم، والمراد به التعليم الذي ينفع الأمة عن طريق تربية الأجيال تربية سليمة وتثقيف الشعب بثقافة أصيلة وقد امتن الله على رسوله ﷺ بقوله ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ وقال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. والتعليم في بلادنا قطع الآن خطوات واسعة بل قفزات عظيمة تجاوزت مستويات كثير من الأمم بعد أن كانت بلادنا مضرب المثل في تفشي الأمية وقلة التعليم، ولذلك لابد من تاريخ التعليم ببيان الوقائع التي صاحبت انتشاره وبخاصة في بداياته الأولى. ولما كانت بلادنا بلادًا واسعة مترامية الأطراف فإنه لا يمكن القول بأن تاريخ التعليم أو لنقل حركة انتشار التعليم فيها وما صاحب بداياته هي متماثلة لأن

стр. 7531

بعض المناطق كانت أسبق إلى الأخذ بالتعليم من بعض وهذا أمر ليس غريبًا لذلك كان لابد من الكتابة عن التعليم في كل منطقة أو في أكثر من منطقة على حدة لا سيما أن سعة البلاد وتباعدها كانت تحول في السابق دون اطلاع شخص واحد الاطلاع الكامل على تفصيلات الأمور المتعلقة بالتعليم كلها، هذا إذا فرض أنه كانت هناك إرادة جادة لتاريخ التعليم في المناطق في تلك الأزمان. ومن هذا المنطلق كان الكلام عن التعليم في بلادنا منطقة منطقة هو الطريق الصحيح بأن يتكلم أهل الخبرة والمعرفة ممن عاصروا بداية التعليم في كل منطقة فيكتبوا ذلك ويوثقوه حسبما يكون لديهم من معلومات وما يتوفر من حقائق ممكنة التسجيل. وقد قام الأستاذ الجليل الشيخ صالح بن سليمان العمري أول معتمد للمعارف في منطقة القصيم كما كانت تسمى وظيفة مدير التعليم في المنطقة آنذاك وهو عام ١٣٦٩ هـ بتأليف كتاب عن التعليم في المنطقة وهو أولى من يكتب في هذا الموضوع لأنه كان معلمًا في المدرسة السعودية التي كانت وحيدة في بريدة ثم صار معاونًا لمديرها ثم مديرًا لها، وذلك قبل أن يعين (معتمدًا للمعارف) فيها. وقد انجز نبذة صالحة من كتابه، ولكنه توفي ﵀ قبل أن ينسق ما كتبه ويعده للطبع، بل قبل أن يكمل أحد فصوله فانتدب لتنسيقه والتعليق عليه ابنه البار الدكتور عمر بن صالح العمري الأستاذ في قسم التاريخ والحضارة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. وعنوانه (التعليم في القصيم بين الماضي والحاضر) وزمنه من عام ١٣٦٩ هـ إلى عام ١٣٧٥ هـ. وقد قسم المحقق الدكتور عمر العمري الكتاب إلى قسمين أحدهما دراسة

стр. 7532

تحليلية لكتاب التعليم في القصيم بين الماضي والحاضر: دراسة تاريخية لحياة مؤلفه الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀. وثانيهما يخصص لتحقيق نص الكتاب المذكور. وهذا هو التقسيم الأساسي للكتاب غير أن المحقق الدكتور عمر بن صالح العمري قد ملأ الكتاب بفوائد ونبذ وتراجم لا توجد في أي مرجع آخر غيره. ومن ذلك عدد من تراجم علماء وأدباء وطلبة علم لم يترجم لهم أحد من قبل، أو كانت ترجمات بعضهم مبعثرة مجهولة الجمهرة القراء، ولذلك يعتبر تسجيله لتراجمهم وما فيها من أخبارهم إحياء لذكرهم وإنقاذًا له من التلاشي والنسيان، وذلك وفق طريقة منهجية (أكاديمية) في البحث. إن ما عمله المحقق الدكتور عمر يعتبر قيامًا بواجب نراه لازمًا لحملة القلم والقادرين على التسجيل في بلادنا ولكنه واجب مضاع بالنسبة إلى كثير من الوجهاء والكبراء والزعماء في البلاد بل لكثير من الأشخاص الذين برزوا في ناحية من نواحي الحياة. حتى إن من يبحث عن ذلك في الكتب فلا يجده يخيل إليه أن بلادنا إنما هي صحراء جرداء من الذكاء والنباهة بل من العلم والبروز مثلما أن أرضها جرداء من الشجر والنبات. وذلك أمر غير صحيح بطبيعة الحال، ولذلك حاولت في كتابي (معجم أسر القصيم) أن أتلافي بعض ذلك فأنوه بمن يستحقون التنويه بهم من رجالات القصيم من علماء وأدباء وشعراء وكرماء وذوي فراسة أو شجاعة أو حتى من الأطباء الشعبيين والعدائين المشهورين الخ. ولقد كان جالبًا للسرور أن نجد شبابًا متعلمًا من شبابنا مثل الدكتور عمر العمري يسارع إلى تلافي ذلك الإهمال والنسيان في نطاق بحثه وما يتعلق به.

стр. 7533

إن موضوع الكتاب هو كما يدل عليه عنوانه (التعليم في القصيم بين الماضي والحاضر) يفهم منه أنه شمل جميع أنواع التعليم غير أنه - في الواقع - منصبٌّ على التعليم النظامي لأنه الأشمل والأوسع والأحدث وهو الذي تطور حتى وصل إلى ما هو عليه الآن. أما النوع الآخر من التعليم الذي كان موجودا قبل التعليم النظامي فإنه المتمثل في الكتاتيب والمدارس غير النظامية التي تعتمد في الغالب على شخص واحد هو الذي فتح الكتاب أو المدرسة ويكون مدرسًا وحيدًا بل أوحد فيها ويسمونه (المطوع) ولكنه وإن كان وحيدًا لا يعدم بين تلامذته من يجعلهم يساعدونه لتعليم غيرهم ممن هم أصغر منه، مع أنهم - أي الكبار - في أمس الحاجة إلى من يعلمهم. وقد تطرق المؤلف الشيخ صالح العمري ﵀ إلى إلقاء نظرة عجلي على هذا النوع من التعليم في مدينتي بريدة وعنيزة. وهناك نوع أعلى وهو أجل وأسمى ذلك هو تعليم العقيدة من التوحيد وأصول الدين، وكذلك التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلوم العربية في المساجد على المشايخ وهو الذي يؤهل للقضاء والإرشاد الديني وللإمامة في المساجد ونحو ذلك، وقد تكفل الشيخ صالح العمري نفسه بتأليف كتاب موسع عن (المشايخ آل سليم وتلامذتهم) وهو أيضًا كتاب مبتكر فريد في المنطقة حيث سجل أسماء عدد من العلماء والقضاة وطلبة العلم لولا تسجيله لأسمائهم وما وصل إلى علمه من معلومات عنهم لأصبحوا نسيًا منسيًا بل لأصبحوا في غياهب المجهول عند الأجيال الناشئة. إن الحديث عن الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀ هو الحديث عن قوة عزيمته وإقدامه على فعل الخير، بل شجاعته وتصميمه مما نتج عنه في موضوع التعليم أنه لم يكن يوجد في منطقة القصيم قبل أن يتولى فيه وظيفة (معتمد المعارف) إلا سبع مدارس اثنتان منها في بريدة واثنتان في

стр. 7534

عنيزة وواحدة في كل من الرس والبكيرية ورياض الخبراء. وعندما تركها كان قد افتتح فيها عشرات المدارس الجديدة إضافة إلى تطوير المدارس القديمة وتوسيعها حتى إن جهوده ﵀ في فتح المدارس قد تجاوزت منطقة القصيم إلى الزلفي والمجمعة وغيرهما. ومن المعروف أن الحديث عن كتاب ما لا يكون وافيًا إلا بالحديث عن مؤلف ذلك الكتاب والمؤلف الشيخ صالح العمري شخصية بارزة بل هو من الشخصيات التي كان الأقدمون يقولون في مثلها: إنها من حسنات الدهر. وقد عرفت الشيخ صالح العمري منذ أن كان فتى يافعًا يجلس في دكان والده الشيخ سليمان العمري في السوق الشمالي من بريدة، وهو الذي يقع إلى الشمال من المسجد الجامع الكبير، وكنت آنذاك في حدود عام ١٣٥٢ هـ طفلًا أجلس في دكان والدي في السوق نفسه. ثم عرفته في وقت الطلب وما تلا ذلك حتى آخر حياته ﵀ فعرفته جم النشاط إلى حد منقطع النظير وهو إلى ذلك متحمس لما يؤمن به لا يكل ولا يمل من السعي حتى الوصول إليه. كان الشيخ صالح العمري غفر الله له متحمسًا مندفعًا لنشر التعليم في وقت كان أنصاره قلة فكانت الأكثرية من الناس ترى - جهلًا - أن افتتاح المدارس النظامية سيكون خطرًا على الدين، ومفسدا لعقول الأطفال الذين لا يريدون لهم أن يكونوا على غير ما عليه الآباء لاسيما إذا ما اقتضى الأمر الاستعانة بمدرسين من الأجانب. فكان الشيخ صالح العمري يحرص على أن يعين في المدارس مدرسين من طلبة العلم وأهل الدين احتياطًا للأمر، وحرصًا على أخلاق الطلاب وتنشئتهم تنشئة إسلامية صالحة.

стр. 7535

ولم تكن توجد في ذلك الزمان شروط ولا مؤهلات لتعيين المدرسين وإنما كان الأمر يتطلب اقتناع المسؤول بأن المدرس على درجة من العلم والصلاح كافية، ذلك بأن المرحلة هي مرحلة الدراسة الابتدائية وحدها، بل هي في أكثر القرى مرحلة الدراسة التحضيرية، وذلك لا يحتاج إلى متخصصين أو ذوي مؤهلات عالية، ولو احتاج الأمر إليهم لما وجدوا. وقد لام بعض الناس من ذوي الهمم القاصرة الشيخ صالح العمري على الإسراع في فتح المدارس بهذه الطريقة، ولكن أثبتت الأيام صدق نظرته وسلامة منهجه إما أن انتشر التعليم الابتدائي حتى فتحت معاهد المعلمين للمدارس الابتدائية ثم المدارس المتوسطة، وبذلك وجد المؤهلون للتدريس فيها تحت قاعدة عريضة من التعليم الابتدائي. لقد أسهم عمل الشيخ صالح العمري في نهضة تعليمية مباركة بالنسبة لتيسر التعليم الابتدائي في قرى ومدن صغيرة كما أسهم في نشر الوعي الثقافي والصحي في أهل القرى بل وفي رفع المستوى الاقتصادي في بعض القرى التي لم يكن في بعضها في ذلك الوقت أي إدارة حكومية وبالتالي لا تصلها أية نقود وصولًا منتظمًا إلا ما جاء من رواتب مدرسي وموظفي المدرسة الابتدائية. رحم الله المؤلف الشيخ صالح بن سليمان العمري رحمة واسعة وجزي المحقق نجله الدكتور عمر العمري خيرًا على إنجاز هذا الكتاب ووفقه للمزيد من الدراسات المفيدة النافعة. انتهى. جوانب من أخلاق الشيخ صالح بن سليمان العمري: من أهم ذلك النشاط الجم حتى إن أصدقاءه يعولون عليه في إنجاز ما يحتاج إلى إنجاز من أعمالهم فيسرع إلى ذلك بسرور ويبذل من جهده وماله ما يكفل ذلك.

стр. 7536

مع العلم بأن الرجل ذو أعمال مالية واجتماعية كبيرة فلديه أربع زوجات وله ٣٣ من الأولاد من بين ذكر وأنثى، ولا شك في أن كل واحد أو واحدة من أولئك ينتظر من الشيخ صالح أن يقوم بما يحتاج إليه. ومن الغريب أن الرجل هو الذي يتفقد إخوانه فيبادر إلى الاتصال بهم، إذا طال غيابهم عنه أو لم يعرف أحوالهم، فيزورهم أو يتصل بهم بالهاتف، ويسألهم عن أحوالهم، وإذا احتاج أحد منهم إلى حاجة أو مساعدة بادر يبذل ما يستطيعه من ذلك. ومن صفات الشيخ صالح العمري الكرم بالدعوة إلى الطعام، وذلك حتى عندما كان محتاجًا وقت أن كانت الرواتب قليلة فكان يدعو أناسًا إلى العشاء أو الغداء في بيته بشكل يكاد يكون منتظمًا. ومن طبيعة الشيخ صالح العمري محبته للعقار من أراض ودور وأحوشة ونحو ذلك. وكنت أعجب من كونه في أول عهده بذلك وكان موظفًا يحتاج في بعض الأحيان إلى النقود، لأن راتبه لا يكفيه كان يشتري العقار المناسب، ولو لم تكن لديه قيمته. وقد استمرت هذه الطبيعة معه حتى هجر القصيم ونقل عمله للرياض فصار يبيع ويشتري في الأراضي والعقار في الرياض حتى أكثر منها. ومرة نزلت أقيام العقار فجأة وكانت عليه مبالغ لبعض تجار العقار فاشتكوه وطلبوا أن يحجز على أمواله، ولكن المسئولين في الدولة ذكروا أن حالته هذه ليست خاصة به، بل هناك مثيلات لها كثيرة. وقد صبر حتى عاد العقار إلى الارتفاع مرة أخرى وكسب من ذلك مالًا عظيمًا. ومن طبيعة الشيخ صالح بن سليمان العمري محبته للإطلاع سواء عن طريق

стр. 7537

الأخبار أو عن طريق السياحة ومشاهدة الأماكن بنفسه، أو عن طريق النزهات. وأذكر أنني كنت أذهب أنا وإياه إلى منطقة الصفراء شمال بريدة ويومذاك لم يكن فيها عود أخضر مزروع، ولا كانت فيها لبنة واحدة مبنية، وهي موقع برج المياه في الصفراء وما حوله، نأخذ معنا غداعنا البسيط نحمله معنا ونخرج إلى الصفراء، وكانت قفرًا كما قلت، فنتناشد الأشعار، ونتبادل الأحاديث ولا أذكر أن أحدًا مر بنا آنذاك، وهي اليوم نقطة مواصلات - مزدحمة - إلَّا أحد الشخصين اللذين كانا يقطعان الحصا أي يقتلعانه من مقالعه في الصفراء التي هي أرض صخرية، وهما رجلان أحدهما ابن حسون والثاني اسمه الفريحي لا صناعة لهما إلَّا ذلك يقلعان الحصا ويبيعانه في بريدة وإذا كنا في الصفراء التي نذهب إليها لم نكن نرى منازل بريدة لبعدها، وعدم وجود منازل أو أبنية فيما بيننا وبينها. وأذكر أن الشيخ صالح العمري حصل على سيارة قبلي إذ اشترى سيارة (جيب) من طراز ويلز الذي هو من مخلفات الحرب العالمية الثانية، فصرنا نذهب عليها يسوقها هو إلى النزهة التي اعتدنا عليها خارج بريدة من جهة الشمال. ومرة كتبت إليه أطلب منه أن نقوم بنزهة من تلك النزه بهذه الأبيات: يا صالح يا صالح ... أنت زميلي الناجحُ هَيَّا بنا لنزهة ... فالذهن مني كادحُ إن شئت للزرقاء أو ... ما شئت انت الجامحُ إن شئت بعد الظهر، أو ... بعد الغدا نبارح طعامنا يحمله ... الحبيب أو الجوانح برحلة ممتعة ... فالرأي فيها واضح شيقة سحرية ... للجسم فيها الصالح

стр. 7538

ومرة ذهبنا معًا إلى عنيزة والفضل فيها وإعدادها له، ذلك بأنه كان يستضيف الأستاذ صالح بن ناصر بن صالح مدير مدرسة عنيزة الحكومية، إذا جاء إلى بريدة وكل من يجئ من عنيزة إلى بريدة أو العكس لابد له من أن ينزل عند صديق له، لأنه لم تكن توجد فيهما فنادق ولا مطاعم، ولا حتى ماء بارد يباع. فاستأجرنا من شخص اسمه الجوهري حمارًا له قويًّا وحمارًا آخر أحضره هو بالأجرة فكنا نركب وإذا تعب أحدنا من ركوب الحمار ركب صاحبة الجوهري. وقد نمنا في عنيزة في بيت الأستاذ صالح الصالح وأخيه التوأم الشاعر عبد المحسن. وذلك في عام ١٣٦٨ هـ. وقد ذكرت شيئًا من خبر هذه الرحلة في كتاب (رحلات في البيت) الذي هو خاص بالرحلات داخل المملكة العربية السعودية. صدر حديثًا كتاب: (الشيخ صالح بن سليمان العمري: حياته وآثاره) بقلم الدكتور عمر بن صالح العمري، ويقع في ٣٨٥ صفحة. وقدمت له بمقدمة نشرت في أوله منها: هو كتاب قيم ذكر فيه المؤلف ما ينبغي أن يسجل للشيخ صالح العمري ﵀، من أعمال مشكورة، ومن مآثر كثيرة، ومجرد صدور كتاب بهذا الحجم عن إحدى الشخصيات البارزة في بلادنا يثير الغبطة والسرور، إذ يدل على كوننا بدأنا نعي أهمية تسجيل المآثر الجليلة للشخصيات العلمية والأدبية في بلادنا ولا شك في أن للأستاذ الحصيف الدكتور الأديب/ عمر بن صالح العمري يدًا تذكر فتشكر في هذا الموضوع، إذ نرجو أن يحتذي حذوه أدباؤنا وكتابنا الآخرون في

стр. 7539

تسجيل أخبار العلماء والأدباء، والمفكرين، الذين تركوا آثارا في مجتمعاتهم في أي وجه من الوجوه وبذلك نبدأ في محاربة الجهل المعيب برجالات بلادنا الذين كانوا في حياتهم مبرزين معروفين بذلك، ثم ما أن يخبو ضوء أحدهم ويأفل نجمه بأجله المحتوم حتى يتلاشى ذكره شيئًا فشيئًا ثم ينسي بالكلية. وبذلك فقدنا أشخاصًا بارزين فقدًا مضاعفًا بموتهم المادي المحتوم ثم بموت مكارمهم بل بموت أخبارهم وآثارهم، وتلك نكبة للأمة عظيمة. وقد حاولت أن أذكر شيئًا من أخبار الشخصيات البارزة في بلادنا، ومنهم الشيخ صالح العمري ﵀ في كتاب (معجم أسر بريدة) على أن ذلك كان بصفة موجزة تفرضها كثرة الشخصيات التي يتحدث عنها الكتاب وأحيانًا قلة المعلومات عنها. ولذلك حمدنا للدكتور عمر العمري هذا التبسط المفيد في ترجمة الشيخ صالح العمري، والتطرق بالتفصيل لمناحي حياته ﵀. والشيخ صالح العمري جدير بذلك، فهو شخصية بارزة في ميادين عديدة من ميادين الحياة، فهو طالب علم نشأ في كنف جده لأمه علامة القصيم ورئيس علمائها في زمنه الشيخ عمر بن سليم ووالده الشيخ سليمان العمري طالب علم ومحب للعلماء وملازم لحلقات الذكر والدروس العلمية. ولم يقتصر الشيخ صالح العمري على الأخذ من جده ووالده بل تتلمذ على عدة علماء ذكرهم المؤلف الدكتور عمر من أبرزهم الشيخان عبد العزيز العبادي ومحمد بن صالح بن سليم. والشيخ صالح العمري إلى ذلك أديب رقيق الحس، مرهف الشعور وهو أول من اشترك من أهل بريدة في مجلة الرسالة التي كان يصدرها في مصر الأستاذ أحمد حسن الزيات، وكنا في أول عهدنا بشدو الأدب، والنهم إلى

стр. 7540

الاطلاع نأتي إلى الشيخ صالح العمري فيعرض علينا الأعداد الجديدة من الرسالة ويعجب باللمسات الفنية في غلافها وينشد ما فيها من أشعار بصوته الجهوري وبنغمة شعرية فنية. وكان إلى جانب الإنشاد الفني للشعر يذكر الصور الشعرية ويعجب بما يستحق الإعجاب منها. ومما يجدر ذكره أن للشيخ صالح العمر شعرًا رائقًا، وإن لم يكن كثيرًا وهو ما لم يتطرق إليه الكتاب ومن ذلك القصيدة التي ألقاها ترحيبًا بقدوم الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ إلى القصيم في عام ١٣٦٦ هـ. ولم يقتصر الشيخ صالح العمري على الشعر الفصيح، بل نظم شعرًا بالعامية ذكرت منه بيتين في رسم الفايزية من (معجم بلاد القصيم). هذا إلى جانب الكتابة الفنية الأدبية له ومطارحاته ومساجلاته في المجالس والمراسلات. وكان الشيخ خطيبًا مصقعًا لا يهاب الجموع من المستمعين ولا يتلكأ في الخطابة في المناسبات، وقد أعطى صوتًا جهوريًا وأداء واضحًا. ومن خصال الشيخ صالح العمري ﵀ محبته للكتب وإدمانه قراءتها وكان يحدث بما قراه من الكتب وأذكر أن أول نسخة اطلعت عليها من معجم الأدباء الياقوت الحموي كانت عند الشيخ صالح العمري في عام ١٣٧٠ هـ على وجه التقريب، وكذلك كان يطالع كتاب الأغاني للأصبهاني ويذكر ما فيه من الأدب والشعر وينتقد ما يورده من المجون والكلمات التي يستحيا من ذكرها وإن كان المؤلف ينقلها نقلًا عن الآخرين. ومن محبته للكتب أنه أنشأ المكتبة الصالحية في المسجد الذي يقع بجانب

стр. 7541

منزله في (الصفراء) وكان يشتري الكتب ويضعها فيها وطلب مني أن أهدي لها نسخة أو نسختين من كل كتاب أطبعه من مؤلفاتي. ثم إن الشيخ صالح العمري ﵀ شخصية اجتماعية بارزة فلا يكاد يوجد شخص بارز إلَّا ويعرفه ويسعى الشيخ صالح العمري إلى تكريمه إذا لم يسع هو الشيخ صالح يدفعه إلى ذلك نشاطه في محبته المساعدة للآخرين وكرمه الذي جعله مقصد المحتاجين وهو إلى ذلك شخصية اقتصادية إن صح التعبير فهو من رجال الأعمال التجارية وكان من أهم ذلك كونها عضوًا مؤسسًا في شركة أسمنت القصيم وقد قام بأعمال تمهيدية لإنشاء الشركة لم يحمله على ذلك إلَّا العمل في هذا المشروع الاقتصادي المهم، فقد رأيته يجمع الصخور من عدة أماكن ويريها المختصين ويقابل أولي الأمر ويسعى في إقناعهم به. وقد ذكر المؤلف شواهد عديدة على ذلك. والشيخ صالح العمري مفتوح الباب لزائريه وعارفي فضله وغيرهم. ومن أهم أعمال الشيخ صالح أنه من رجال التعليم الذين أثروا في التعليم في البلاد بل حدثت على يده نهضة تعليمية في منطقة القصيم، فقد كان توجه الحكومة آنذاك إلى توسيع التعليم لتعويض البلاد عما فات، ولكن التوسع يصطدم بعدم توفر شروط عديدة من أهمها وجود المعلمين الأكفاء والأماكن اللازمة للمدارس، بل من أهمها اقتناع بعض أهل القرى بفوائد التعليم، فقد كان هذا هو الواقع وإن كان لا يكاد يتصوره الذهن في الوقت الحاضر. وقبل أن يعين الشيخ صالح معتمدًا للمعارف في منطقة القصيم التي تحولت تسميتها إلى (مدير التعليم) كان يعمل مديرًا للمدرسة الفيصلية كبري المدارس، بل هي الأم لمدارس بريدة، وكان يعمل جاهدا على إقناع الذين يتصل بهم بالحاق أبنائهم بالتعليم ويشرح لهم مزاياه.

стр. 7542

وهو أيضًا مؤلف من المؤلفين إذ طبع له كتاب (علماء آل سليم وتلامذتهم) في وقت كان التأليف فيه عزيزًا والقادرون عليه قلة، وقد سجل في هذا الكتاب معلومات قيمة كانت ستضيع لولا ذلك، كما ذكر أسماء أشخاص من طلبة العلم نسيهم الناس الآن. وهناك ناحية أخرى لا يعرفها بعض الناس في شخصية الشيخ صالح العمري وهو أنه رغم مشاغله الكثيرة وأسرته الكبيرة من بنين وبنات فإنه أسرع الناس للسعي في قضاء حاجات إخوانه وأصدقائه تدفعه إلى ذلك مرؤته ومحبته للمساعدة. لذلك كله كان من الواجب على عارفي فضله أن يسجلوا ماله من مآثر في كتاب يوضح ذلك، وهو أقل ما يجب عمله لشخص بارز مؤثر مثله. لقد عرفت الشيخ صالح العمري لمدة زادت على خمسين عامًا كانت بعض تلك السنين زمالة في التعليم ثم زمالة الأدب وحب المعرفة، ثم كانت صداقة حميمة حتى فوجئت وأنا في إندونيسيا بنعيه منشورًا في إحدى الجرائد المحلية. ﵀ رحمة واسعة وجزى الله الدكتور عمر العمري على كتابه الجزاء الحسن. محمد بن ناصر العبودي انتهى. وقد مدح بعض شعراء العامية الشيخ صالح العمري بقصائد منها قول الشاعر محمد بن عبد الله بن عامر فيه: يا الله يا المطلوب رب السموات ... يا داير الافلاك انك عويني يا عالم بالبينه والخفيات ... يا غافر الذنب للمذنبين تعز شيّال الحمول الثقيلات ... راع الكرم والطيب ذرب اليمين العمري صالح زبون المجيعات ... لي جات من بُعد تصك القرين

стр. 7543

أن جوه ضيفانه بدا بالتحيات ... ما يذبح إلا كل كبش سمين ستر الوطن لي جت عليه المجالات ... علم الحيا والطيب لازم يبين أنا أشهد أنه من رجال المروات ... ويشهد له الله، ما بوجهه يشين بدَّال ماله في السنين الشديدات ... دايم كما عدٍ عليه القطين يشهد له الله ما فعلها مراعاة ... يريد وجه الله دنيا ودين صالح علومه طيبه كالعلامات ... ريف الضيوف إذا ألفوا وافدين من كرم حاتم علامه وشارات ... واجود من اجود وانشد العارفين تشهد عليه أفعاله القديمات ... أبو اليتامى يوم غبر السنين ماني من يمدح على قد مشهاة ... المدح للشيخان والمشكلين أهل الكرم وأهل النفوس العزيزات ... كسابة الناموس والطيبين وصلاة ربي عد ما فايت فات ... واعداد ما حجوا وهم محرمين على شفيع الخلق يوم المناجاة ... محمد هو سيد المرسلين وقال الشاعر علي بن عبد الله المعارك: بكل احترام أقدم هذه الأبيات إلى الشيخ صالح بن سليمان العمري رمزًا للمحبة وأرجو أن تكون موضع الاستحسان: أهدي سلام والتحيات مبداه ... إلى أديب حاز فخر مع اجلال للشيخ صالح صاحب الفضل والجاه ... نال الثنا بمقدماته بالأعمال يا باذل المعروف في كل من جاه ... كم من مناصب درتها بعز وإكمال أبو محيسن شاهده بذل يمناه ... نجل العماري بارز كنه هلال حاز المكارم والسخا في عطاياه ... له ميزة تسمو كما المزن ينهال بنى جوامع قاصدٍ أجر مولاه ... نال الفخر فيما يقدم من المال في منزله العامر ضيوفه بتنصاه ... وله عادة محموده طيب الأفعال سمح المحيا، والكرم في سجاياه ... حفيد بيت العلم حذا حذوه انجال

стр. 7544

وإخوانه الاثنين ماشين ممشاه ... ناصر مع إبراهيم له فضل وإجلال جمع الأدب عند العمريين ملفاه ... بحوث وحفظ به تفاصيل وإجمال ومن أعمال الشيخ صالح العمري الأدبية حصوله على امتياز لإصدار صحيفة القصيم وقد حصل عليها بالفعل وصار يكتب فيها وينشر ما يراه صالحًا للنشر. ولم يحصل على ذلك الامتياز إلَّا بعد جهود مضنية، ومراسلات منها هذه: سيدي جلالة الملك المعظم أبقاه الله لا يخفى جلالتكم ابتداء النهضة التعليمية بمنطقة القصيم والتي هي جزء من حسنات جلالتكم التي عمت جميع أرجاء المملكة، بل وتعدتها إلى البلدان العربية والإسلامية وبما أنه لا يخفي جلالتكم أن النهضة التعليمية لابد لها من موجه ومرشد ومشجع وبما أن الصحافة من أقوى عوامل التوجيه والإرشاد وحيث أن القصيم إقليم واسع لا يعرف عنه الكثيرون شيئًا من ناحية تقدمه العلمي والعمراني والزراعي وبما أن للخادم رغبة صادقة في مليكه وحكومته ووطنه في بناء الحضارة والتقدم لا في القصيم فحسب بل في جميع أرجاء المملكة لذا فقد كان موضع تفكيري منذ سنوات إنشاء صحيفة عربية إسلامية في بريدة تسمى (القصيم) وسيكون هدف هذه الصحيفة نشر الدين الإسلامي الصحيح وخدمة المليك والحكومة وتوجيه الجيل الجديد توجيها إسلاميًا صحيحًا يمكنهم من خدمة دينهم ومليكهم ووطنهم خدمة صحيحة صادقة كما وأن هذه الصحيفة ستعنى عناية خاصة بالشؤون الصحية والزراعية وقد جمع الخادم لهذا الغرض من شباب بريدة المثقف ما يقرب من مائة ألف ريال كرأس مال للصحيفة ومطبعتها، وسنعتني بطبع الكتب الدينية والأدبية في المطبعة إن شاء الله. والخادم يرجو التكرم بالسماح له بذلك ومنحه امتياز الصحيفة باسم

стр. 7545

(القصيم) كما أن الخادم لا يستغني عن توجيه جلالتكم لكل ما ترونه ولا يستغني عن تشجيعكم ومساعدتكم على هذا المشروع الجليل الذي نرجو أن نرى ثمرته في القريب العاجل تحت رعاية حامل لواء النهضة: جلالتكم، وفقكم الله لكل خير سيدي. محبكم صالح بن سليمان العمري وقد تلقى من الديوان الملكي بعد ذلك حول ما يتعلق بطلبه: المكرم الأستاذ السيد صالح سليمان العمري رئيس تحرير جريدة القصيم بالرياض بعد التحية .. عطفًا على ما جاء في كتابكم المرفوع إلينا في ١٥/ ٦/ ٨١ هـ حول تدخل السيد عبد الله الصانع صاحب جريدة القصيم في شئون التحرير ونتيجة للتحقيق الذي أجراه عما ذكرتم في كتابكم المذكور مدير الصحافة والنشر بجدة ومدير مكتب الإذاعة والصحافة والنشر بالرياض وما رفعاه لنا حول ذلك في كتابهما رقم ١٢٢٥ في ١٨/ ٩/ ٨١ هـ وعطفًا على كتابنا لكم رقم ٨٤٠ في ٢/ ٦/ ٨١ هـ المعطوف على الأمر السامي الكريم رقم ٥٧ في ٧/ ٦/ ٨١ هـ بإسناد تحرير جريدة القصيم لكم نظرًا للحيثيات المشار إليها فيه من أنكم أول من تقدم بطلب امتياز إصدار جريدة عن القصيم. نظرًا لكل ذلك ولما اقتضته المصلحة ترى الحكومة بعد سحب امتياز الجريدة المشار إليها من السيد عبد الله الصانع بموجب كتابنا له بذلك المرقم ١٢٣١ في ٢٠/ ٩/ ٨١ هـ المرسلة صورته لكم أن تمنحكم امتياز جريدة القصيم وأن تنقل إليكم حقوقها كاملة من تاريخ كتابنا هذا بحيث تكونون صاحب امتياز الجريدة ورئيس

стр. 7546

تحريرها المسئول للسير بها وفق أنظمة المطبوعات الجارية المفعول الآن وعليكم تقع مسئولية جميع ما يتعلق بشئون الجريدة حالا. فأمل اعتماد ذلك سائلا الله أن يوفقكم لكل ما فيه مصلحة البلاد وتحقيق الأهداف السامية التي يعمل لها جلالة الملك المعظم وحكومته الموفقة إن شاء الله مع التحية لكم، ، ، عبد الله بلخير وزير الدولة لشئون الإذاعة والصحافة والنشر أنموذج من كتابة الشيخ صالح بن سليمان العمري الأدبية، وهي بعنوان (رحلة إلى وادي القرى) . رحلة إلى وادي القرى: آثاره - مدينة ذي المروة الأثرية، وصف المروة والتعريف به: وادي القرى واد كبير من الأودية التابعة للمدينة المنورة، وقد سمي وادي القرى لكثرة المدن والقرى فيه آنذاك، ويقع بين المدينة وتبوك. ومن أشهر مدنه سابقًا مدينة ذي المروة التي يرجح بعضهم أنها القرية المعروفة الآن بأم زرب، غير أنني بإطلاعي على المنطقة، وبقائي فيها ثلاثة أشهر، وبعد الوقوف على أطلالها ومجاري عيونها المندرسة - أرى أن ذا المروة اسم المنطقة واسعة يشمل أم زرب وعين ابن زهوة، والمكان الواقع بين الضليعة وعين ابن زهوة، وهجرة راشد منقره، المسماة حاليا بالجديدة وتقدر المنطقة بحوالي أربعين كيلا طولًا من الجنوب للشمال في حوالي ثلاثة عشر كيلًا شرقًا وغربًا ووادي القري: يشمل وادي الجزل المتجه من الشمال للجنوب ووادي الحمض المتجه من الجنوب للشمال، ويلتقيان في ذي المروة، ثم منها يتجهان

стр. 7547

في واد واحد إلى البحر، ويتفرع منهما بعض الشعاب التي تصب في البحر منفردة على ما ذكر لي. ثم إن الواديين بعد ما يجتمعان يسميان بوادي الحمض في الوقت الحاضر. بدء الرحلة: سافرت من المدينة المنورة مندوبًا عن رئاسة البحوث العلمية والإفتاء في لجنة توزيع أراضي الفيضة الواقعة بوادي الحمض على قبيلة الطوائعة من عنزة. ويرأسهم شلاح بن عابد خريقين الطويلعي، ولم تكن لدي فكرة تامة عن الموقع، حيث إن وادي الحمض طويل، والفيضة اسم مستحدث، لذا لم أجد من يخبرني خبرا مقنعًا عن الأرض ومكانتها. ولكننا سرنا على بركة الله مستعينين بالوصف فركبنا السيارة من المدينة المنورة في يوم ١٤ - ٨ - ١٣٩٢ هـ مع طريق القطار، فلما قطعنا ما يقرب من ٢٥ كيلا وجدت آثارًا لمساكن قديمة وأسوار قديمة، قد سقطت، ولم يبق فيها إلَّا ما يقرب ارتفاعه من نحو ذراع، وهي مبنية بالحجارة، وقد زرعت عرض السور فوجدته يزيد عن ذراع، ويمتد حوالي عشرة كيلوات، ثم ينعطف ثانية فيمتد نحو الشمال، وفيه بعض الزوايا التي يحتمل أن تكون قد وضعت للتقوية أو للحماية فعلمت عندئذ أن المنطقة منطقة أثرية، وأن هذا طريق وادي القرى التاريخي، مما زاد اهتمامي بالبحث عن الآثار، غير أنني فوجئت بأن الآثار متصل بعضها ببعض فلا تكاد تمشي إلَّا على آثار مساكن، أو قنوات لعيون مطمورة. وقد رأى أحد أهل تلك الناحية اهتمامي بالبحث عن الآثار وتتبعها فذكر لي قصرًا قريبًا من هذا الموضع، على بعد ٢٥ كيلًا تقريبًا من المدينة لكنه على غير طريقنا، ولم نتمكن من الاطلاع عليه، وقد وصفه لي بأنه مربع مبني بالطوب

стр. 7548

الأحمر والحجارة، وله أربعة أبواب معقودة بالطوب، ويقول إن سقفه كان معقودًا بالطوب الأحمر، وأن حوله آثار العيون، وذكر لي أن اسم الموقع الحالي هو (المندسة)، أما اسمه القديم فلم نتمكن من معرفته. وعلى بعد ٤٨ كيلًا من المدينة المنورة وجدت آثارًا كثيرة لعيون قد اندرست، وآثارًا لمنازل لم يبق غير معالمها، وامتدت هذه الآثار حتى وصلنا إلى قرى المليليح وهي مجموعة قرى ومزارع حديثة العهد استحدثها بعض القبائل من حرب وجهينة وغرسوا فيها النخل وحرثوا أرضها. وتمتد القرى الحديثة والمزارع الصغيرة المنتشرة ثلاثة عشر كيلًا تقريبًا مما تعذر معه البحث عن الآثار فيها، حيث قد ضاعت معالمها في المزارع وبين المساكن، وإلا فهنا بلا شك الأماكن الأثرية القديمة. وفي الكيلو ٨٨ شمال المدينة وصلنا إلى مكان (البرير) فسألت أحد الأعراب عن اسم الموقع؛ فقال: (البرير) قلت له: بم سمي البرير؟ فأشار إلى بئر صغيرة وقال: سمي بهذه البئر الصغيرة، ولكني بعد ما رجعت إلى كتب التاريخ واللغة عرفت الموقع وأنه (البريرة)، وأنه الموضع الذي غزاه رسول الله ﷺ بعد أحد بستة أشهر فأحرق نخلهم وقطع زرعهم، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. وعندما وصلنا إلى ١٩٠ كيلو من المدينة دخلنا واديا يكثر به شجر الدوم يسمى وادي خيبر يلتقي بوادي الحمض - وادي القرى - وفيه قرية السليلة، وقرية القعرة، ويسكنهما الطوالعة من عنزة، وهما حديثتان وتكثر فيهما الآثار والعيون المدرسة، وهاتان القريتان هما أول قرى ذي المروة وتبعدان عن المروة نفسها بحوالي خمسة وعشرين كيلو مترًا تقريبًا.

стр. 7549

وفي الكيلو ٢٠٠ من المدينة باتجاه الشمال توجد قرية أم زرب، وتكثر فيها الآثار، والمرجح عند بعض الباحثين أنها هي مدينة ذي المروة، وبعد عشرين كيلًا عنها، وصلنا موقع العمل مساء، متعبين، فأخلدنا بقية يومنا للراحة. وفي صباح اليوم التالي الموافق ١٤ - ٨ - ١٣٩٢ هـ لم يكن بعض الرفاق في المهمة قد حضروا فانتهزت فرصة ذلك لمعرفة الموقع حيث ما زلت أجهل اسم هذا المكان الأصلي والتاريخي، فاتجهت نحو الوادي مغربا فإذا أنا بإحدى عشرة عينا، الواحدة منها بجانب الأخرى، وتمتد قنوات الواحدة منها أحيانًا أكثر من عشرة كيلوات فزادت دهشتي لهذا المنظر خاصة وأنه أصبح من الأهمية بمكان وأنه ليس في الرفاق ولا في أهل المنطقة من يستطيع أن يسمي لي هذا المكان باسمه الأصلي. وصف المروة: ونظرت من بعد، فإذا بي أشاهد على ضفة الوادي هضبة ذات شكل هرمي منفصلة عن الجبل مما استرعي نظري، ودعاني للبحث والاستقصاء مرة ثانية للتأكد من هذه الهضبة الهرمية، وقد لاحظت على بعدها أن لونها يختلف عن لون صخور المنطقة، إذ هي صفراء تميل إلى البياض، ولون صخور المنطقة وجبالها أسمر، فسألت أحد الأعراب عن لون هذه الهضبة، فوصفها لي على ما رأيته من بعد، فحاولت الاقتراب منها فلم أتمكن حيث أن السيارة لا تستطيع اجتياز الوادي لصعوبته، ولأنه رطب في الشتاء والصيف القرب الماء من سطح الأرض في تلك المنطقة، ولأن السيول قد أحدثت في الوادي حفرا عميقة، كما توجد في الوادي أشجار ملتف بعضها حول بعض، وإذن وإن كنا نبعد عنها بضع كيلوات فلابد لنا من السير مالا يقل عن أربعين كيلو مترًا قبل الوصول إليها، وذلك بالاتجاه إلى الشمال، ثم إلى الغرب، ثم إلى

стр. 7550

الجنوب، ثم إلى الشرق، لذا أجلنا الوصول إليها في ذلك اليوم. وفي اليوم ١٥ - ٨ - ١٣٩٢ هـ قصدناها من الطريق الأنف ذكره، وكنا نقف عند كل ما يسترعى النظر من آثار القصور والعيون، وبعد أن سرنا قرابة ثلاثين كيلًا، تبينت لنا أطلال قصرين عظيمين، فوقفنا عند الأول، وكان يبعد عن الثاني بحوالي خمسمائة متر، والشمال الشرقي أكبر من الأول. وقد وجدنا حولهما كسر الأواني الفخارية، وقطع الزجاج القديم. والقصران مبنيان بالطين بناءًا متينًا جدًّا، ويبلغ سمك الجدران فيهما أكثر من ذراعين، وقد وجدنا في بعضهما طوبًا أحمر - آجر - وهذان القصران لا يبعدان عن قرية الضليعة القرية الحديثة إلَّا بنحو عشرة أكيال، عن الجهة الشمالية الشرقية منها، وهما من السعة وكبر الغرف التي تتضح معالمها بمكان، وسعتهما ظاهرة من آثار الجدران التي ما زال بعضها باقيًا يدل على قوة سكانها وعلو هممهم وحضارتهم ولا أشك في أنه مضت عليها عدة قرون لم تسكن من بعدهم. الفرن: وفي الجهة الجنوبية الشرقية من القصر الجنوبي وجدت فرنًا للصهر فيه وحوله أثر الرماد وقد وجدت فيه حثالة لما كان يصهر به قد تقطرت وتجمدت تشبه الحثالة التي كانت تخرج من سبك النحاس في أفران السبك في بريدة، عندما كان النحاسيون يسبكون قراضة النحاس في الماضي، وقد احتفظت بنماذج منها، لأهديها إلى كلية العلوم بالرياض، وهذا الفرن أصغر من الفرن الآخر الذي سيأتي وصفه قريبا، ولا أدري ما إذا كان هذا الفرن لصهر المعادن، أم لصهر الأواني الفخارية، إلَّا أنني أكاد أجزم أنه لم يكن للطوب - الأجر - لأنه أصغر من أفران الطوب.

стр. 7551

قصر ثالث في وادي الجزل: في الجهة الشمالية الشرقية من هذين القصرين وعلى بعد بضعة أكيال منهما وجدت قصرًا ثالثًا، بالقرب منه فرن يشبه الفرن الأول، القصر نفسه شبيه بالقصرين الأولين تقريبًا، وهذه القصور الثلاثة في وادي الجزل قبل أن يلتقي مع أودية المدينة بنحو عشرين كيلًا تقريبًا إلى الشمال من المروة . القنوات الهندسية: بالقرب من هذين القصرين وفي روضة منبسطة من الأرض وجدنا قنوات سعتها تقارب الذراع، على وجه الأرض مبنية بحجارة محكمة البناء والتخطيط، حتى إنك لتنظر على مد البصر فلا ترى فيها عوجًا ولا ناتئًا، وكأنما خططها أمهر مهندسي هذا العصر الذي تقدم فيه فن الهندسة المعمارية والتخطيط، ويبلغ بعضها أكثر من الكيلو بينما يوجد قنوات عريضة بعد أن يسيح الماء على سطح الأرض، وإنها كانت تسقي مزارع هذه الروضة الكبيرة. المروة: وبعد ذلك اتجهنا صوب المروة، فوقفنا السيارة على بعد كيلو أو أكثر منها، وسرنا على الأقدام، فوجدت المروة كما تصورتها من بعد، فاعلاها هرمي الشكل تقريبًا، وفيها بعض التصدع، ولونها أصفر يميل إلى البياض، وقاعدتها شبه مستديرة مغطاة بالأتربة، وحولها أحجار كبيرة قد انفصلت منها، إما بسبب القدم أو بفعل الآدميين، لأغراض صناعية إن كانت معدنية أو بنائية وهي من نوع الرخام الممتاز الذي يعمل منه المصريون بعض المنحوتات ويتخذون منه ألواح المناضد، وهو أفخر أنواع الرخام وتشبه إلى حد كبير حجارة "ظلم". وللمروة هذه قصة تاريخية، فقد صلى الرسول عليه أفضل الصلاة

стр. 7552

والسلام الصبح عنده في غزوة تبوك، وأسند ظهره الشريف إليها حتى طلعت الشمس، وتعالى النهار. دعاء النبي ﷺ ، للمنطقة وأهلها: ذكر كتاب المغانم المطابة، في معالم طابة ص ٣٧٦ قوله: فخرج النبي ﷺ حتى أتى ذا المروة فأسند إليها ظهره ملصقًا ثم دعا حتى ذر قرن الشمس شرقًا يدعو ويقول في آخر دعائه، اللهم بارك فيها من بلاد، واصرف عنهم الوباء، وأطعمهم من الجنة اللهم أسقهم الغيث اللهم سلمهم من الحاج وسلم الحاج منهم، ثم قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال أيضًا في المغانم، "عن نفيع بن إبراهيم قال نزل رسول الله ﷺ بذي المروة فاجتمعت إليه جهينة من السهل والجبل فشكوا إليه نزول الناس بهم وقهر الناس لهم عند المياه، فدعا أقوامًا فأقطعهم وأشهد بعضهم على بعض، بأني قد أقطعتهم وأمرت أن لا يضاموا ودعوت لكم، وأمرني حبيبي جبريل ﵇ أن أعدكم حلفاء، كما أقطع رسول الله ﷺ عوسجة الجهني وهذا نص الإقطاع: هذا ما أعطى محمد النبي ﷺ عوسجة بن حرمل الجهني من ذي المروة إلى الظبية إلى الجملات إلى جبل القبلية لا يحاقه أحد، فمن حاقه فلا حق له، وحقه حق، وكتب العلاء بن عقبة. ومن المروة اتجهنا نحو وادي الجزل بالشمال متتبعين آثار العيون فوجدنا فيه من العيون ما يزيد على العشر وهذه خلاف الأولى المتقدم ذكرها وقد شاهدنا بعض فقر العيون وقد ركب عليها بعض سكان المنطقة من البدو مكنات ضخ الماء فلا تستطيع المكنة أن تخفض من مستوى ماء الفقرة مهما اشتغلت من ساعات، وهم يزعمون أن ماءها الحالي هو ماؤها في القديم، حيث لم

стр. 7553

يحفروها زيادة على ما حفرت سابقًا إذ إنهم لم يتكلفوا لحفرها إلا بأخذ التراب الساقط فيها مع طول الزمن. القصر الأثري الرابع في قرية الجديدة: ثم وصلنا إلى أطلال قصر أثري رابع في قرية الجديدة وهي هجرة راشد منقرة من شيوخ قبيلة بلي، فمررنا على ذلك الشيخ في خيمة كبيرة، وكان حوله بعض أبنائه وخدمه، فرحب بنا وهو لا يعرف من نحن، ومن أين أتينا، وإلى أين نريد، فسألته عن القصر القريب من منزله ما اسمه؟ ومن الذي بناه؟ فقال مازحًا: "هذا قصر جدنا" والقصر أكثر إحكامًا في البناء من القصور الثلاثة التي مر ذكرها، وفيه بقايا الفخار ولم يتساقط طوبه من الجدران ولكن البدو يأخذون منه ما شاءوا فقد وجدت آثار الحفر الجديدة فيه، كما وجدت عربة صغيرة تدفع باليد ينقل عليها صاحبها بعض أنقاض القصر فوجهت نظر الأمير إلى ذلك، ولكن الأمير شيخ كبير قد ضعف بصره، ولا أدري هل يقدر أهمية هذه الآثار حق قدرها أم لا، وربما تصور هو أو بعض من حوله أنها تسبب لهم مجيء من لا يرغبون في مجيئه، كما وجهت أنظار أبنائه لذلك، وقد رأيت بعض الغرف مبلطة بطوب أحمر خفيف طول الطوبة نصف ذراع في نصف ذراع وهو يشبه ما حصل من العبث بهذا القصر ما حصل في قصر عبد الله بن عامر بالأسياح في القصيم. ذرعت القصر فإذا هو مائة وعشرون ذراعًا في مائة ذراع، وبهذه المناسبة - وما دمنا نتحدث عن أهمية الآثار - أحب أن أسترعي نظر وزارة المعارف ومصلحة الآثار وبصفة خاصة إلى قصر عبد الله بن عامر في الأسياح بعين ابن فهيد من توابع بريدة فإنه ما زالت الأيدي تعبث به وتزيل بعض معالمه بنقل الفخار منه بسبب عدم إدراك فائدة بقاء هذه الآثار التاريخية.

стр. 7554

عود إلى وصف المنطقة: كل ذلك ونحن نسأل أهل المنطقة عن اسمها التاريخي فلم نجد من يخبرنا بشيء من ذلك. غير أنني وبالبديهة والتأمل أدركت أن هذا هو وادي القرى، وأن هذه الآثار والعيون هي بقايا تلك المدن والقرى. بعد وصول الرفقة - أي بقية اللجنة من العلا سألتهم عن اسم المنطقة فلم يسموها بأكثر من وادي الحمض، وقد دونت المعلومات التي حصلت عليها وعند وصولي للمدينة المنورة ذهبت إلى مكتبة الحرم النبوي ومكتبة عارف حكمت بحثًا عن اسم المكان، فأول كتاب بحثت عنه المغنم المطابة في معالم طابة من منشورات دار اليمامة، فوجدت فيه ما يشفي العليل وصفًا كاملًا للمنطقة والوادي وذلك في الصفحات ٦٦ و ٦٧، و ٢١٦، و ٢٣٩، و ٢٧٣، و ٢٧٧، و ٢٨١، و ٢٨٢، و ٢٩١، و ٢٩٤، و ٣٧٨، وتجد في الصفحة ٢٩١ إلى ٢٩٤ منه وصفًا لعين الحسين بن زيد بن علي بن الحسن ﵃ وقصة حصوله على المال لاستخراج هذه العين بذي المروة في ولاية معن بن زايدة على صنعاء، كما راجعت وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى للسمهودي ومعجم البلدان لياقوت وبلاد ينبع للشيخ حمد الجاسر ورحلة الخياري وغيرها من كتب البلدان فوجدت الوصف ينطبق على هذا المكان. ذو المروة في التاريخ: كان ذو المروة زمن البعثة وفي القرون الأولى من الإسلام مدينة لها شهرة عظيمة كثيرة النخيل والعيون جيدة التمور، وازدادت شهرتها بعد أن صارت ممرًا للحجاج القادمين من البلاد الإسلامية من الشام وعن طريقها وقد وصفها البكري فقال: ذو المروة من أعمال المدينة قرى واسعة وهي لجهينة،

стр. 7555

كان بها سبرة بن معبد الجهني صاحب رسول الله ﷺ وولده إلى اليوم - أي زمن البكري. وقد وصف البشاري هذه المنطقة فقال: ناحية قرح تسمى وادي القرى، وليس بالحجاز اليوم بلد أجل وأعمر وأهل وأكثر تجارة وأموالًا وخيرات بعد مكة من هذه، عليها حصن منيع على قرنته قلعة قد أحدقت به القرى والتفت به النخيل ذو تمور رخيصة وأخبار حسنة ومياه غزيرة ومنازل أنيقة وأسواق حارة عليه خندق وثلاثة أبواب محددة، والجامع في الأزقة وهو بلد شامي مصري عراقي حجازي، غير أن ماءهم تقيل وتمرهم وسط وحمامهم خارج البلد، انتهى نقلا من تعليق كتاب بلاد ينبع للأستاذ حمد الجاسر. الإمام مالك ﵀: مولود في ذي المروة: اطلعت على كلام لبعض المؤرخين فيه إن ولادة الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة كانت في ذي المروة سنة ٩٤ هـ. قلت: أما ما ذكروه من المياه فمازالت كما كانت، وأما الأبنية والنخيل فقد زالت اللهم إلَّا ما استحدثته قبيلة عنزة فيها من النخيل في العهد القريب، وهو نخيل جيد لا يحتاج إلى سقي إذ أنه يشرب بأصوله من الأرض، وماء ذي المروة في حدود خمسة أمتار عن سطح الأرض. وصف الموقع: يقع ذو المروة في متسع من الأرض بين ملتقى أودية المدينة بأودية تبوك، والعلا، وما حولها، وتسمى إذا اجتمعت: وادي الجزل، وعلى بعد نحو مائتي كيلو من المدينة المنورة وتبلغ مساحة هذا المتسع من الأرض نحو أربعين كيلو في عرض ١٣ كيلًا، تقريبًا، وتقع على ضفتي الواديين العظيمين، فشماليها يقع على

стр. 7556

ضفة وادي الجزل، وجنوبيها يقع على ضفة مجتمع أودية المدينة وخيبر ويسميه بعضهم وادي الحمض ويرى البعض الآخر أن وادي الحمض يتكون من اجتماع أودية المدينة بوادي الجزل مما يلي عمودان وتحيط بها الجبال من الشرق والغرب وبعض تلك الجبال عالية وتشبه السلسلة من الجهتين. وأقول: أرى أن ذا المروة اسم الوادي غلب على المدينة، لأن المروة على ضفة الوادي، وليست في موقع أم زرب التي يقال إنها هي مدينة ذي المروة ولا في شيء من القرى الأخرى المندثرة فهي قريبة من مجرى الوادي الذي لم يسكن ولا تمكن سكناه، والله أعلم. مستقبل المنطقة: تربة الأرض لينة مالحة بسبب كثرة المياه المنحدرة إليها، فسيول المدينة جميعها تصل إلى هذه المنطقة وكذا سيول ضواحي الطائف والعشيرة التي تمر بالمدينة تنحدر مع أودية المدينة إليها ثم سيول شمال من تبوك وما حولها تصل إليها مما يجتمع معها من روافد من الأودية الأخرى، ولا بد أنها عندما كانت آهلة بالسكان وعامرة كانت صالحة للزراعة، وخاصة لغرس النخيل، فالنخيل لا تؤثر عليه ملوحة الأرض ويوجد في أطراف المنطقة بعض الأراضي الصالحة لزراعة الحبوب وغيرها. أما بالنسبة لغرس النخيل فيها فإنه لو وفقت القبائل التي منحت تلك الأراضي إلى غرسها والعناية بها لأصبحت من أهم المناطق في حاصلات التمور، ذلك لأن النخيل فيها لا يكلف صاحبه شيئًا من النفقة حيث يشرب بعروقه من الماء وماؤها صالح للزراعة. ومن المحتمل أن تجود فيها زراعة الموز والحمضيات لأنها دافئة شتاء، ومعتدلة صيفًا لرطوبة الجو فيها.

стр. 7557

الطرق: لا يوجد لها طرق معبدة ويبعد خط القطار عنها بنحو مائة كيلو مترًا، كما يبعد خط تبوك عنها بنحو مائة وخمسين كيلومترًا، وهكذا كانت على غير طريق، وخطها غير المعبد هو أقرب الطرق من المدينة إلى العلا، فلو قدر له أن يعبد ويسفلت وقدر للنخيل أن تغرس فيها لأفادت البلاد فائدة عظيمة، إذ يبلغ حمل النخلة الواحدة مائتي كيلو من التمر الجيد، ونخلها أقوى وأجود من النخيل التي تسقى في غيرها. فرن رابع: هذا وبينما كنت أتتبع مجاري بعض العيون لمحت من بعد آثرًا يشبه مبنى متهدم فأخذت المنظار المكبر، لأتحقق منه ففهمت أنه أثر لمبنى متهدم، فاتجهت إليه فوجدته فرنًا كبيرًا له عدة عيون مبني بالفخار على مقربة من الوادي قبل التقاء الواديين ويبعد شرقًا عن المروة بنحو عشرة أكيال، وقد وجدت فيه آثار الرماد، وفضلات الصهر، وهي شبه ما وجدته في الأفران الأخرى، غير أن هذا الفرن أكبر من الأفران الأربعة الأخرى. قصر عمودان الحجري: ذكر لي أن في عمودان الذي يبعد نحو خمسين كيلًا عن هذه المنطقة قصرًا مبنيًّا بالحجر ما زال باقيًا عدا سقوفه ويقول يوسف النزاوي الجهني أحد سكان العلا: إن شيوخ قبيلة بلي يذكرون عن أجدادهم أن بليا عندما سكنوا تلك المنطقة وجدوا فيها امرأة عجوزًا عندها دجاج وشيء من المواشي، وأنها ذكرت لهم أنها من قبيلة خفاجة، وأنهم كانوا يسكنون تلك المنطقة ويقدرون المدة بحوالي ثلثمائة سنة، قبل تاريخه، وقد ذكرت لهم العجوز أنها آخر أفراد القبيلة التي ذكرت أنها فنيت والله المستعان. صالح السليمان العمري

стр. 7558

ومن شعر الشيخ صالح العمري هذه القصيدة التي ألقاها بين يدي الملك عبد العزيز آل سعود عندما زار الملك عبد العزيز بريدة في عام ١٣٦٦ هـ، وكان مجلس الاستقبال الذي أعده كبار جماعة أهل بريدة وأميرها للملك عبد العزيز بجانب مكان هبوط الطائرة ولا نقول المطار، لأنه كان قاعًا متخيرًا النزول الطائرة ولا يوجد طيران منتظم آنذاك ولا مطار معين. وكان المجلس عامرًا بكبار القوم من مرافقي الملك عبد العزيز آل سعود ومن أعيان بريدة، بل أعيان القصيم، وكنت حاضرًا فيه رغم صغر سني، إذ كانت سني آنذاك ٢١ سنة، ولكنني خرجت مع شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بصفتي طالب علم لأن المشايخ وطلبة العلم كان تعيينهم لمقابلة الملك من عمل الشيخ عبد الله بن حميد. ولم نشعر إلَّا بالشيخ صالح العمري يتقدم ويلقي هذه القصيدة بن يدي الملك بصوت جهوري وإقدام لا يعتوره شيء من الخجل مما أثار إعجاب الحاضرين. بشراك يا ملك الإسلام بشراكا ... وخادم الحرمين المجد مسعاكا بشراك بالنصر والتأييد حالفه ... رضا الإله بما تولي رعاياك وأي ذلك أن الناس كلهمُ ... عليك أثنوا بكل من سجاياكا فالقصيم وبالإخلاص تعرفه (١) ... شوق عظيم إلى لقيا محياكا وللقصيم حنين في توجده ... جلَّى أمانيه أن يحظى بلقياكا كأنما شوقه والساكنين به ... شوق المتيم يعقوب لرؤياكا فلو رأيت سرور الشعب إذ ظهرت ... مراكب العز تزجي البدر أفلاكا رأيت شيئًا عجيبًا من تسابقهم ... نحو المطار وكل القوم فدَّاكا كادوا يطيرون نحو الجو إن لمعت ... بوارق الطير أفراخًا بمنجاكا (٢)

стр. 7559

وليس من عجب أفعالكم عرفت ... بين الجميع وإن أعدد فمن ذاكا لم يبق في الأرض هذا اليوم من ملك ... دستوره محكم التنزيل إلاكا قد حكموا نظمًا يبغونها عُرضًا ... إلى أمور وليس الأمر يخفاكا إلى أن قال: أهل القصيم لقد حَيَّاك شاعرهم ... عن الجميع بما في القلب حياكا دامت خلافتكم في الشرق وانتشرت ... في الغرب أعلامكم والله يرعاك وفاة الشيخ صالح العمري: كنت في إندونيسيا على رأس وفد الصداقة السعودي إليها وهو واحد من الوُفود السعودية التي أرسلتها الحكومة إلى أنحاء العالم الإسلامي ففوجئت وأنا أقرأ جريدة الرياض التي كانت السفارة السعودية في إندونيسيا قد تسلمتها لتوها من الطائرة السعودية، وإذا بها تنعي الشيخ (صالح بن سليمان العمري) وتعلن وفاته قائلة: " الشيخ صالح العمري إلى رحمة الله: انتقل إلى رحمة الله تعالى الشيخ صالح السليمان العمري أول مدير تعليم في منطقة القصيم، ورئيس تحرير صحيفة القصيم التي كانت تصدر في المنطقة, وستؤدى الصلاة على جثمان الفقيد بعد صلاة الظهر اليوم في الجامع الكبير بمدينة بريدة. والرياض تتقدم بخالص العزاء إلى أسرة الفقيد وتلاميذه ومحبيه، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته". انتهى.

стр. 7560

لقد كان وقع الخبر عليَّ في هذه البقعة النائية أليمًا، إذ كنت قابلته قبيل سفري إلى إندونيسيا وكان يبدو في صحة جيدة. ولكنه أصيب بما يسمى بالجلطة، ولم يمهله ذلك طويلًا. وكان نعيه في جريدة الرياض بعددها ٨٢١٦ الصادر يوم السبت ٥/ ٦/ ١٤١١ هـ ٢٢/ ١٢/ ١٩٩٠ م وقد نشرت الصحف الأخرى بعد ذلك خبر وفاته غفر الله له. ورثاه صديقنا الأستاذ إبراهيم بن عبد الله الصالح المديفر بالمرثية التالية فقال: رثاء الشيخ صالح العمري: أشح بوجهك فالسراء راحلة ... مع الفقيد فلا أنس ولا سعدُ وقف أمام بنيه مظهرًا جلدًا ... والأصدقاء وجمع للعزا حشدوا أخف الجهامة في عينيك من سهر ... كي لا يقال: بدا في عينه الرمد ولا تفه بكلام مبديًا ضجرًا ... خوف انتحابك في الخلوات يرتصد فصالح العُمَري في عُمْره مثل ... إلى الريادة يرقى ثم يستند جم المكارم والآراء صائبة ... فقد تَفُوقُ خيالًا عندما ترد يسعى إلى نهضة الأوطان مرتديًا ... ثوب النضال وللإصلاح يعتمد ركن المعارف أفنى من شبيبته ... وللمدارس من آثاره مدد دور اليتامى لها في جهده صلة ... أمدهم بسمات كم بها سعدوا فات الصديق خلافيه - مرافقه ... وعاد مستثمراه المال والولد عاد الرفاق فماذا يصنعون به ... إلا الدعاء له إن هم له اعتمدوا موت الرفيق به الأشجان قادمة ... دون المنازل منها الهم والكمد موت العميد به تنشال أسرته ... والتابعون وكم أضناهم البدد موت المفيد له وقعٌ يحس به ... من في المعيشة أضحى منه يرتعد

стр. 7561

ينعاه أبناؤه كم كان عودَّهم ... حسن الرعاية للخيرات قد رفدوا وإخوة عرفوا فيه الكمال وما ... تأخرت منه عن إيثارهم بُنُد وفتية زقَّهم للعلم فابتدروا ... نحو الوظيفة في التدريس واجتهدوا والسائرون على درب له عرفوا ... وعر الطريق الذي يرقاه من سَمَدوا إن الخسارة في من فقده ترة ... على ذويه ومن من ماله ارتغدوا ونخبة سهروا في رفع أمتهم ... إلى ذرا المجد للأقلام تمتسد كالبدر يفقده من قد يسير دُجى ... والغيث يحرمه من ناله الجهد هذا وقد حظي الشيخ صالح بن سليمان العمري بأقل مما يستحقه بعد وفاته من التنويه بجهوده، وذكر ما قام به من أعمال، وما تتصف به شخصيته من صفات نادرة. وممن نوه به الشيخ إبراهيم بن محمد بن ناصر السيف في كتابه "المبتدأ والخبر العلماء في القرن الرابع عشر" فترجم له ترجمة مبسوطة نقل فيها بعض ما كنت كتبته عن الشيخ صالح العمري في جريدة الرياض. قال بعد أن ذكر كتابه (علماء آل سليم وتلامذتهم) إنه في جزئين: الجزء الأول يحوي سيت تراجم منها أربع تراجم لعلماء آل سليم واثنتان، الأولى للشيخ عبد العزيز العبادي، والثانية للشيخ سُليمان المقبل. أما الجزء الثاني فيحتوي على مائة وسبعة وسبعين ترجمة بقية التراجم. وذكر الدكتور عمر ابن المتُرجم له أن لوالده كتابًا لا يزال مخطوطًا باسم (التعليم في القصيم بين الماضي والحاضر). ثم نقل الشيخ إبراهيم بن سيف بعض ما كنت كتبته عن الشيخ صالح العمري في صحيفة الرياض، إلى أن قال: توفي الشيخ صالح العمري يوم الجمعة الرابع من جمادى الآخرة فنعاه

стр. 7562

كثيرون وأثنى عليه زملاؤه وعارفوه ﵀ رحمة واسعة (١). ومن أسرة العمري سليمان بن عبد الله العمري صاحب مدرسة (كُتَّاب) مجاور لبيتنا في شمال بريدة القديمة، أدخلني والدي عنده عام ١٣٥١ هـ وعمري خمس سنين، ونصف، ولكن ذلك لقرب بيته من بيتنا في شمال بريدة، إذ لم يكن بينهما إلَّا بيت صالح بن سليمان الغليقة. وكان سليمان بن عبد الله العمري هذا حافظا لكتاب الله تعالى يُحسِّن صوته بالقرآن ولذلك عين إمامًا في مسجد ثم في مسجد آخر ولبث إمامًا حتى توفي. أما كُتَّابه يعني مدرسته فلم يكن بذاك، ولكن تلك كانت سمة الكتاتيب التي كانوا يسمونها آنذاك مدارس. توفي في عام ١٣٨٨ هـ ﵀. ترجم الدكتور عبد الله الرميان للأستاذ سليمان بن عبد الله العمري، فقال: سليمان بن عبد الله العمري: أمَّ في جامع الجردان حال تأسيسه سنة ١٣٦٣ هـ وبقي في إمامته حتى سنة ١٣٦٥ هـ حيث انتقل إلى مسجد العقيلي حال إنشائه فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٦٣ هـ - ١٢٦٥ هـ). ولد في بريدة سنة ١٣١٠ هـ تقريبًا فحفظ القرآن ثم شرع في طلب العلم وملازمة العلماء فأخذ عن الشيخ عمر بن سليم وعن الشيخ عبد العزيز العبادي كما قرا على الشيخ صالح الكريديس وكان يخلفه في الإمامة إذا غاب أو سافر فتح مدرسة أهلية لتعليم الصغار القرآن والخط والحساب والقراءة فتعلم فيها المئات من أبناء البلد ولما فتحت المدارس الحكومية أغلقها وعمل بالتجارة.

стр. 7563

أم في هذا المسجد ثم في مسجد العقيلي، وكان قوي الحافظة حسن الصوت يحفظ كثيرا من الأحاديث بحيث يحدث على جماعة مسجده من حفظه، مات في ١/ ١٧ /١٣٨٨ (١). ومنهم الأستاذ إبراهيم بن سليمان العمري شقيق الشيخ صالح. كان هو والشيخ صالح وشقيقهما الأستاذ ناصر شركاء في المال رغم الفارق الكبير في حجم أسرة الشيخ صالح عن حجم أسرة شقيقيه، فكان الأستاذ إبراهيم بمثابة المحامي عن هذه الشركة التي صارت تملك عقارات وأراضي عديدة شاسعة. وآخر ما امتلكته نصيب كبير في شركة (أسمنت القصيم) وذلك أن الشيخ صالح العمري كان من أنشط الذين قاموا على إنشاء شركة أسمنت القصيم هو والأستاذ موسى بن عبد الله العضيب والأستاذ صالح بن محمد بن سليم. وقد كنت أعجب من إيمان الشيخ صالح العمري بأن شركة أسمنت القصيم ستقوم وأنها ستنجح، رغم كونها كانت مشروعا لا يزال في طور الخيال. وقد نجحت الشركة نجاحا كبيرا معروفا على مستوى المملكة بحيث إن سهمها صار ولا يزال على مدى السنين أعلى سهم بين شركات الأسمنت في المملكة وصارت توزع من الأرباح أعلى مما توزعه شركات الأسمنت الأخرى. وقد شغل الأستاذ إبراهيم بن سليمان العمري مناصب تعليمية منها التدريس في المدرسة الفيصلية ثم إدارة المدرسة العزيزية لأكثر من عشرين سنة، حتى أحيل على التقاعد. وقد توفي في ٤ رجب ١٤٢٥ هـ، وخلف عدة أبناء وبنات. وكانت ولادته في عام ١٣٣٩ هـ.

стр. 7564

ومنهم الأستاذ ناصر بن سليمان بن محمد العمري وهو شقيق الأستاذ صالح العمري، ولد في بريدة عام ١٣٤٢ هـ وتعلم في مدارسها التي كانت كتاتيب في زمنه وزمن نشأتنا. ثم تقلب في وظائف عدة منها مدير مدرسة ابتدائية وبعد ذلك نقل إلى وظيفة (مفتش عام) في مديرية دور الأيتام. ثم نقل للعمل في وزارة المواصلات بوظيفة مدير إدارة تفتيش، ثم رفع إلى وظيفة كبير المفتشين، وذلك إلى أن أعفي من وظيفته بسبب مقال له ذكر أنه نشر في جريدة الرياض مغلوطا ووضع بعضهم له عنوانا غير الذي وضعه. والأستاذ ناصر بن سليمان العمري، أديب وشاعر كتب في عدة مجلات مقالات أدبية وتقلب في عدة وظائف. وهو من المتيمين في هوى (بريدة) وله فيها عدة قصائد ومقطعات، ولا يرضى أن يسمع فيها شيئا أو لأهلها نقدا، فكان إذا سمع ذلك ثار واحتد ورده ردا قويًّا. من شعره في بريدة قوله من قصيدة: أم القصيم تلفتت فأجبتها ... لبيك بالكلم الرصين مقالي وصف تزين قد أتت كلماته ... تجلو العمى عن معرض أو غالي بلدي وما بلدي عليَّ رخيصة ... ويل الشجيِّ من العذول السالي لو كنت أملك قدرة لفرشتها ... بالدر والياقوت من أموالي أم القصيم (بريدة) أعظم بها ... وطن الشهامة والإبا المتعالي الله للتاريخ ماضي أهلها ... كم حرروا وطنًا من الأغلال هي أم نجد إنْ تذلل أهلها ... عَمَّ البلاء بفتنة الدَّجَّال هي حصن نجد إن تَهَدَّم ركنها ... بليت بلاد العرب بالإذلال

стр. 7565

وقوله عندما انتقل من سكنى الرياض إلى سكني بريدة بعد أن ترك الوظيفة وهي طويلة اخترنا منها هذه الأبيات: تركت الرياض وأهل الرياض ... وما في الرياض من المغريات وعدت إلى موطني مسرعا ... أحُث الخطى لجميل الهبات * * * * ويا موطني دمت لي موْئلًا ... ويا موطني موطن الذكريات أخاف عليك نسيم الصبا ... وأخشى عليك شقاء الشتات * * * * رجالك قد شهدوا في الورى ... وأفعالهم في الدُّنا عطرات بأيديهم سقيت ارضنا ... بماء سبيل كنهر الفرات * * * * مصانعهم عمرت للبلاد ... تأمَّل مداخنها شامخات ففي الشام كان لهم صيتهم ... وفي أرض بغداد كانوا الثقات * * * * وفي كل بَرٍّ وفي كل بحر ... وفوق السماء لهم رحلات وسارت تجارتنا في البلاد ... لدنيا النظار وفينا الغناة إذا الدرب خيف من الطامعين ... سلكنا الطريق بكل أناة * * * * وسار رجالك في كل قطر ... لفتح بلاد وقمع عصاة تداعت عليهم جيوش البغاة ... فكانوا يردون جيش الغزاة
следующие страницы →