وهم أسرة صغيرة من أهل بريدة القدماء، انتقل منهم أناس قليل في وقت غير مبكر من بريدة إلى الربيعية، ثم عادوا إلى سكنى بريدة للعمل حتى قبل محمد العوني، لأن والده كان في أكثر أوقاته يعمل في بريدة كما سيأتي ذلك عند ذكر والد الشاعر محمد العوني.
أخبرني أكثر من واحد ممن يهتمون بمثل هذه الأمور بذلك مثل عبد العزيز بن عبد العزيز المعارك، وهو إخباري مجيد، ومتتبع بان أسرة العوني من أهل بريدة القدماء انتقل بعضهم أو قال: انتقلوا إلى قرية الربيعية فولد فيها الشاعر محمد العوني وربما يستدل على ذك بتشوق الشاعر محمد العوني في أشعاره لمدينة بريدة دون أن يتشوق إلى (الربيعية) أو حتى يذكرها في شعره مثل قوله في بريدة:
أبكي على دار ربينا بعزِّها ... معلومة خشم الرعن هو شمالها
هي امنا وآ حلو مطعوم درها ... غذتنا وربتنا وحنا عيالها
بروربنا ما مثلها يكرم الضنا ... وصول بنا لكن نسينا وصالها
ولا أحد جزع من صيحته يوم سلبت ... ولا حد نشد من بعد ذا وش جرى لها
قلت: آه وأو يلاه يا خيبة الرجا ... كيف امنا تهضم وحنا قبالها
وقال في آخر القصيدة التي أنشأها في الكويت يتشوق فيها إلى (بريدة)، ودعا لها بالمطر الكثير موضحًا حدودها، قال:
عسى، عسى يمحلتم يطرب البال ... متراكم مزنه بركنه قناديل
معنٍّ مرن للرعد فيه زلزال ... متربع يومر بسقيه مكائيل
يسقي من الرخم إلى السيح ووثال ... وبمطر على قصر الحويطي تنافيل
يسقي القصيم بمزنة عقب الامحال ... ويخص دار ضدها يسهر الليل
دار المهنا متعبة كل مشوال ... دار الثنا دار السخا والمشاكيل
وجدي عليها والتوجد ردي الحال ... وجد الخليل لشوفة ابنه إسماعيل
стр. 7737
والد العوني:
أما والده عبد الله العوني فكان (أستادًا) في بناء البيوت ماهرا مشهورًا بهذا الأمر، وينقل عنه أنه قال لابنه الشاعر هذا وقد تعطل عن العمل في أول شبابه، وعزف عن مهنة والده: لماذا لا تكون مثلي أنا أبني بيتا كبيرًا في مدة أربعين يومًا؟
فأجابه بقوله: أنا يا والدي أستطيع أن أبني أربعين بيتا في يوم واحد، يريد من أبيات الشعر.
ووالده: عبد الله العوني يعتبر من أهل الربيعية، أي إنه كان له نخل في الربيعية عندما ولد ابنه الشاعر محمد في الربيعية، ولكن كان له بيت في بريدة، وعمله في بريدة فهو أستاد طين ماهر أي معلم بناء ماهر مشهور ادركهـ بعض الأشياخ المسنين الذين أدركناهم وتحدثوا عن شهرته في جودة البناء ومهارته في ذلك، إلى درجة المبالغة ومن ذلك أنهم قالوا: إنه كان يبني بيديه ورجليه بمعنى أنه يعدل البناء برجليه إذا كانت يداه مشغولتين بالبناء.
وقدمت قوله لابنه: يا ولدي، أنا أبني البيت باربعين يوم، يريد أنه يبني بيت الطين في أربعين يومًا، فأجابه ابنه الشاعر بقوله: وأنا - يا أبتي - أبني أربعين بيت باليوم، يريد من أبيات الشعر.
وقد كانت ميتة والد الشاعر العوني في البناء إذ كان يبني فوق جدار عال في الطابق الثاني، فسقط من فوق الجدار ومات.
وقد تجاوزت شهرة والد العوني في جودة البناء بريدة إلى حائل فكان يذهب إلى هناك ويبني بيوتًا مهمة، وقد بني عددًا من قصور الأمراء في حائل.
ومن الأعمال الشهيرة التي بناها عبد الله العوني والد الشاعر ظواهر قصر بريدة الشهير ومن ذلك المقاصير، وهي الأبراج القوية المحصنة وجميع الأبنية الخارجة منه هي من بناء عبد الله العوني.
стр. 7738
وأما دواخل القصر، وهي المنازل والغرف الكبيرة وغيرها مما هو في داخل القصر فإن الذي بناها هو الستاد حمد الشميمري والمراد ببناء المذكورين أنهما كانا معلمي البناء الواحد منهما المعلم الذي تحته عمال كثير، ولكنه المباشر للأشياء المهمة، وما لم يباشر بناءه بنفسه كان لديه تحته عمال كثيرون، كما هو ظاهر، والذي أمر ببناء القصر هو الأمير حسن المهنا.
ومما أثر من الأقوال عن عبد الله العوني والد الشاعر أن أحد أنصار ابن رشيد وهم أعداؤه جاءه شاكيًا ابنه محمدا الشاعر أي ابن العوني إليه، قائلًا: إنه أخذ ساعتي فقال عبد الله العوني: أنا غاذيه لأجل يأخذ ساعتك أنت وأمثالك اللي ما فيكم خير.
ويروى أنه قال: الله يأخذه - يعني ولده - اللي ما أخذ عمرك؟ يعني أنه لم يقتله، وذلك إبان أن كان أهل القصيم يتقاتلون مع ابن رشيد وأتباعه وكان القصيم تحت حكم ابن رشيد.
ويقال: إن عبد الله العوني والد الشاعر محمد العوني كان يبني حول قصر الإمارة في بريدة بطين البيوت التي هدمها عبد العزيز الرشيد حول القصر، وأمر أن يبني بها ما يسمى بالسميطة، وهو البناء بالطين حول المبنى القديم من أجل تقويته وذلك بعد وقعة الصريف في عام ١٣١٨ هـ.
وبينما هو كذلك والقائم على الأمر من جهة ابن رشيد يلاحظه ويخشى أن لا يجيد العمل لبغض أهل بريدة لابن رشيد فقال للعوني: إنصح يا العوني بالبنيان وإلا ترى ما هو أزين ترى هنا ناس يبون يتعقبونك يشوفون شغلك.
فرد عليه العوني قائلًا: أنا أنصحت وأبي أنصح لأننا نبني لنا.
يريد أننا سنأخذه منكم، فلم لا أنصح في البناء؟
وهكذا كان إذ استرد أهل القصيم تحت قيادة الملك عبد العزيز بن سعود
стр. 7739
القصر من آل رشيد سنة السطوة على بريدة عام ١٣٢٢ هـ.
مات عبد الله العوني والد الشاعر محمد العوني في حدود عام ١٣٢٢ هـ قيل: إن سبب موته أنه سقط من أعلى جدار كان يبنيه فوق سح عالٍ في بيت في جنوب بريدة - آنذاك - يسمى بيت الحمامة، وكان جالسًا فوق لبن ببنيه كالعادة فساخ به الطين وسقط ومات.
والحمامة: لقب لصاحب البيت أو صاحبته.
إخوته وأخواته:
للشاعر محمد العوني أخوان أحدهما حمد وهو شجاع من الشجعان المذكورين بل المشهورين في وقته، حدثني أبو خلف بن حمد من أهل الربيعية عن جماعة من أهلها أنهم قالوا: لا نعلم في وقت حمد العوني من هو مثله في الشجاعة، إذا ركب الفرس من أهل تلك الناحية.
والثاني: فهد وهو فلاح قد أشغلته أمور فلاحته عن الأمور الأخرى المتعلقة بالسياسة أو الحكام.
ومن ذلك أنهم ذكروا أنه قال لأخيه الشاعر: يا أخوي، أنت قريب من ابن سعود وأخونا حمد قريب من ابن سعود، أبيك تخلين قريب منه مثلكم، فقال له: يا فهد القرب من ابن سعود يبي واحد يعرف كيف يتحدث مع الحكام، ويتصرف معهم، لكن أنا أخليك تصير من الخويا وهم الرجال الذي يشبهون الجنود يركبون مع جيش الملك نفسه، ويحملون السلاح.
فوافق أخوه على ذلك، فقال له الشاعر، إذا جلس ابن سعود باكر الضحى، فقل له: يا طويل العمر، أبي لي ذلول، والذلول البعير الذي يركب، وهذا اصطلاح عندهم أنَّ صاحب الذلول إذا أعطاه الملك إياها يكون من خوياه.
стр. 7740
قالوا: ومن الغد جلس الملك عبد العزيز وجلس بجانبه محمد العوني فقام أخوه وأراد أن يتكلم ولكنه ارتبك فقال يا محفوظ بلفظ قريب قد يفهم من لا يعرف الأمر أنه قريب من لفظ (مأخوذ) ثم تجرأ فقال: يا طويل الذلول، أبي لي عمر، أراد أن يقول: يا طويل العمر أبي لي ذلول.
فالتفت الملك عبد العزيز إلى محمد العوني، وقال له: من هو هذا يا محمد؟ فقال العوني: هذا عامل في النخل، والعامل في النخل عندهم هو الذي يسوق السواني ويتعهد الفلاحة، ولم يقل: إنه أخوه بطبيعة الحال.
أقول: بعد كتابة ما سبق عثرت على ورقة كنت كتبتها في هذا الموضوع قبل عشرين سنة ونصها:
سمعت بعض أهل الربيعية يروونها أن أخا العوني هذا وهو أصغر منه كان يعمل فلاحًا في حائط نخل في الربيعية فقال لأخيه محمد: يا أخوي أنا مليت من الفلاحة أبي أصير رجال شيوخ مثلك، فنهاه محمد عن التعرض لذلك لعلمه أنه دون هذا الأمر ولكنه أصر فأعطاه محمد (شماغًا) عنده جديدًا و (شطفة) وهي تشبه العقال توضع على الرأس في ذلك الحين علامة على الوجاهة وعباءة عنده جيدة.
وقال له: ترى ابن سعود يجي عندي باكر الضحى إلى جاء سلم عليه وقل له: يا طويل العمر، أنا أبي لي ذلول أبي خوتكم ولكن (فهدًا) أخا العوني حصر في كلامه وانعقد لسانه عندما قابل الملك عبد العزيز حتى لم يستطع النطق بجملة (صبحك الله بالخير يا محفوظ) وهي اللفظة المعتادة في تحية الصباح ونشبت كلمة (محفوظ) في حلقه حتى استطاع بعد تردد أن ينطقها بما يشبه لفظ (مأخوذ) وهو عكس محفوظ ثم قال: يا طويل الذلول أبي لي عمر.
يريد يا طويل العمر أبي لي ذلول فاستنكر الملك عبد العزيز ذلك والتفت إلى العوني قائلًا: من هذا يا محمد؟
стр. 7741
فأجاب العوني بسرعة: هذا عامل من العمال عندنا بالفلاحة أحب أن يسلم عليك على قدر معرفته، ثم أسرع أيضًا يبعد أخاه.
وعندما خرج ابن سعود قال له: ألم أقل لك أنك لا تصلح مع الشيوخ.
هكذا تروي القصة وربما كانت فيها مبالغة مبعثها أن العامة وقد رأوا بلاغة العوني وجرأته على الحكام أن يظهروا أحد إخوانه بعكس ذلك.
وأما أخواته فإنهن ست:
وضحى، زوجها سالم السولي.
لطيفة، تزوجها علي بن عمير المحمد بن راشد بن عبد العزيز العمير ورزقت منه بستة أبناء ماتت ١٣٧٦ هـ.
هيلة العبد الله العوني تزوجها عمير الحمد العمير ورزق منها بثلاثة أبناء وبنات منهن حصة تزوجها سليمان الحمد الزيد، وهو من أهل الشماسية.
منيرة، شاعرة، تزوجت عبد العزيز القباع.
السادسة: هي أم عبد العزيز السليم، ولم أتحقق من اسمها وهن ست فقط أما عبد العزيز السليم هذا فإنه ليس من أسرة المشايخ آل سليم، وإنما هو من الأسرة الأخرى التي سبق ذكرها.
ومنيرة شاعرة، وليس في أخواته شاعرة غيرها، هذا هو المشهور، وقال لي بعضهم إن (وضحى) أيضًا شاعرة.
وذكر بعضهم لي أن له أختًا سابعة هي أم ابن مرشود الملقب عريج ولعلها إحدى الست تزوجها ابن مرشود بعد زواج لها سابق، كذلك روى لي بعضهم أن ابن حويمان صاهر أسرة العوني.
стр. 7742
وبعد فتح حايل الذي تسمية العامة (سقوط حايل) في سنة ١٣٤٠ هـ عاد العوني إلى القصيم لفترة قصيرة وتزوج في بريدة من امرأة من أسرة العقيلي.
ولم يرزق منها بأولاد، ولا تزال تلك المرأة موجودة حتى كتابة هذه الحروف في عام ١٣٩٦ هـ.
وبعد زواجه أمر عليه الملك عبد العزيز بأن يأتي عنده في الرياض.
أخواله:
أخوال العوني هم (الدْعَيج) من أهل الربيعية، جاءوا إليها من بريدة.
منهم .... الدعيج من الكرماء المشهورين وبخاصة في إضافة الضيوف.
حدثني أبو خلف بن حمد من أهل الربيعية قال: جاء مرة ضيوف كثيرون إلى الربيعية يقدر عددهم بحوالي أربعين ذلولًا، فصار الناس يبحثون عن نائب الربيعية وهو الذي يوزع الضيوف على أهل البلدة إذا ما كثروا كما هي العادة عند أهل نجد في الأزمان السالفة لأنه يصعب على شخص واحد أن يستضيفهم وبخاصة أن الضيفان يتكرر ورودهم مع الحاجة العامة في نجد، وقلة ذات اليد عند أهلها.
قالوا: وكان الوقت ليلًا، ولم يجدوا النائب بسرعة فقال لهم ابن دعيج خال العوني أتركوا (النايب) لا تدورونه وتقاسموا الضيفان أنا لي كل الضيفان اللي بالقمراء، أي في ضوء القمر، وكانت ليلة النصف من الشهر، ومعنى ذلك أنه يريد أن يكون جميع الضيوف عنده، لأنه لا يوجد أحد منهم خارج القمراء التي هي ضوء القمر، فاستضافهم كلهم.
وقد نزح الدعيج إلى الكويت وكان لهم دكان أو أكثر فيها، وعندما سافر (العوني) وهو صغير إلى الكويت عهد إليه خاله علي بن دعيج بالدكان فلم يستطع ضبطه أو لم يرد ذلك لأنه يخالف طبيعته، وحاصل ذلك أنه فشل في التجارة.
стр. 7743
وتتحدث العامة عنه أنه لم ينجح في ضبط الدكان فكان إذا جاءته امرأة جميلة أو متجملة، أو منطقها لبن رخيم، ولو كانت متحجبة تسامح معها في الثمن، وإذا ذكرت أنها ليس معها النقود قال: لا بأس، وقيد في الدفتر ذلك بطريقة غير مفهومة، مثل عند أم جليل والجليِّل بتشديد الياء: والجلال هو كالرداء كانت تلبسه المرأة التي ليس عندها عباءة.
وعند فلانة المزيونة ريال، وعند البدوي كذا .. الخ.
لذا لم يرض أخواله عن طريقته فقرر العودة إلى بريدة.
وعندما ترك (العوني) البقاء في دكان خاله في الكويت بعد عدم نجاحه كره البقاء في الكويت كلية وقرر العودة إلى بريدة، ولكن خاله حاول أن يثنيه عن ذلك، ابتغاء للبحث له عن مستقبل جيد من الناحية الاقتصادية، غير أن (العوني) لم يطق الصبر على ذلك، وأنشأ فيه قصيدة لامية بخاطب فيها خاله علي بن دعيج ويذكر حالته ويتشوق إلى مدينة بريدة التي أوضح حدودها في آخر القصيدة، وهي التي مدح بها حسن بن مهنا أبا الخيل أمير القصيم وذكر في أولها خاله وما يفكر فيه.
وهذا أكثر القصيدة:
حل الرحيل وحل بالقلب ولوال ... تذكير صعبات التفاكير والقيل
بندار دولاب الضماير بالأمثال ... كما دير دانوق شحن صدره الميل (١)
مما جرى قلب الخطا بالحشا جال ... من واهج يزفر كما زفر سجيل
تمايزت كل الكواكب بالإكمال ... وتبين البدري علي داجي الليل
ونار قلبي بين لايم أو عذال ... من بيننا تقفي او تقبل تعاليل
انهى او ينهاني ولا ادري من الضال ... ولا ادري من الي عقب العدل للميل
اقول له: يا قلب، يا خبث الأعمال ... اصبر عسى بالصبر يسرٍ وتسهيل
стр. 7744
فاعزم وزم واترك هوى النفس والبال ... وافطن وفكر واحذر القول والقيل
شم للمطوله وارج دنياك باقبال ... عسى اجدار الحظ يقعد عن الميل
ويقول لي: والله فلا طيع من قال ... الا إن طاوع يقرب الكعبه الفيل
او جيبت الجوزا اتشاكيني الحال ... وانعطفت الزهرة على الجدي وسهيل
ان صار هذا صرت بالحال لك مال ... ولا فلا اسمع هرجكم يالعذاذيل
ما بالجبين ببين باديار واقبال ... مكتوب بالفرقان بابات تنزيل
العبد ما له بالقدر وزن مثقال ... ما دبر المعبود ما فيه تشكيل
ما بين حرف الكاف والنون بالحال ... يقضي على ما راد بانزال جبريل
عنده مدابير الليالي والآجال ... ولحد يغفر الذنب غيره إلى سيل
اسال لجوده عالم السر والحال ... غفار زلاتي، معيش المراميل
يفرج اهموم بالحشا تهجل اهجال ... ويجعل لنا حظٍ على البزل الحيل
هذا وانا من هجر الأيام مهتال ... مالي نديم يفهم العلم حلحيل
أبصرت بالدنيا والى العدل ما مال ... والي ميآل العدل ميل الرجاجيل
زل الزمان وزال يا أهل الثنا زال ... تدور ما تلقا رفيق أبها الجيل
لي صار في كفك سحوتٍ من المال ... لازم تخضع لك ارقاب المشاكيل
يا من لبس ثوب الطغا سايح البال ... الملك لله حل بايات الأنجيل
افكر او فكر بالدقايق والأجال ... يا طول ما توطا على سبق الخيل
تاطاك دنيا بالتداول والأبدال ... تدعيك تذعن للهيوس الدعابيل (١)
باسبابها فارقت زين التعزال ... من دون داره لافت الريم والريل
غين وبساتين بهن الثمر مال ... تقطف نوايعهن على طلعة اسهيل
وأنا على سيف البحر تقل بحبال ... مننثر دمعي اسوات الهماليل
* * * *
يا خال، هي معجبك سمحات الأدقال ... فانا اعجبوا عيني هل الفطر الحيل
стр. 7745
لي جالها البرغوث والقيظ لي طال ... حلو ثمرهن ناعمات مظاليل
* * * *
هذا وهاض القيل قم قرب اسجال ... يهدي لشيخاه بَهْ المجد والنيل
بشداد قطاع الطواريق واللاّل ... لي سَحّ واسجم وانتمى يسبق التيل
بكر إلى زاد المدى زاد بهذال ... واكرب احبال النضو بالبصر والحيل
سيرة العوني:
لابد لمعرفة أكثر ما يمكن الحصول عليه من المعرفة عن الشخصية البارزة من ذكر سيرته إذا تيسر ذلك، وإذا كان صاحب الشخصية البارزة رجلًا مثل محمد العوني شاعرًا شهيرًا أثر شعره في الوقائع الحربية والاضطرابات بل وحتى الانقلابات العسكرية في المنطقة أو المناطق التي عاش فيها، ونظم قصائد رنانة بليغة في تلك الوقائع الحربية والانقلابات السياسية فإن معرفة سيرته تكون أكثر تأكيدًا وألزم للبحث والتقصي.
لأن شعر الشاعر العوني أسهم في جلاء غوامض الأحداث الجسام في المنطقة، إما عن طريق ذكرها في شعره ذكرًا فنيًّا أو لنقل شعريًّا راقيًا أو هو ذكر التحريض، وما قد كان مقدمات لتلك الوقائع أو ذكر ما ينبغي أن تكون عليه حسب وجهة نظره.
ولذلك لا يفهم المرء حق الفهم بعض ما يحيط بقصائد العوني وشعره الكثير المؤثر أو لنقل كلامه الناري المضطرم، إلا إذا فهم الظروف المحيطة بالشاعر عندما نظم قصيدته، والأسباب التي دفعته إلى نظمها.
وذلك كله يحتاج إلى معرفة سيرة الشاعر العوني.
وقد وقفت على طرف من أطراف سيرة العوني في أحاديث كبار السن،
стр. 7746
ومن قراءة بعض قصائده والسؤال عن أسبابها ونتائجها.
ولكن ذلك كله في نطاق محدود غير أنه قيض للشاعر العوني من يحرص على كتابة سيرته، وتوضيح ما يحيط بمعظم قصائده.
وذلك ماثل في جهود صديقنا الأديب المدقق الأستاذ فهد المارك صاحب كتاب (من شيم العرب) فألف كتابًا حافلًا في هذا الشان ذكر لي عنوانه في أول الأمر ثم ذكر في مقدمته كيف غير عنوانه.
كتاب المارك عن العوني:
كانت بداية معرفتي بهذا الكتاب لقاءً جمعني بالأستاذ فهد المارك في دمشق أظن ذلك في عام ١٣٨٨ هـ وكنت ذاهبًا إلى دمشق للتعاقد مع أساتذة للتدريس في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، إذ كنت آنذاك أعمل في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وكانت وظيفتي (الأمين العام للجامعة) وهي الوظيفة الثانية فيها بعد الوظيفة الأولى التي كان يشغلها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
فدعاني الأستاذ فهد المارك للعشاء في بيته قائلًا: إنني أريد أن أجلس معك جلسة خاصة في بيتي.
فلما تمنعت قليلًا، قال وهو ذكي ومتحدث لبق: إنني سوف أخبرك بشيء إذا سمعته سوف تستجيب لدعوتي.
إنني سوف أجعل أهلي يصنعون لك عشاء من المطازيز التي بعد عهدك بها، ويجعلون بها من فقع الشام الذي لم تجربه من قبل، وسوف أطلعك على كتاب ألفته عن الشاعر محمد العوني عنوانه (تاريخ أمة في حياة رجل).
فقلت له: شكرًا، وقد وافقت.
стр. 7747
وكرم الرجل، وأراني كتابه عن العوني قد كتبه بخطه دون أن يضرب على الآلة الكاتبة.
وقد فوجئت بتوسعه في ترجمة العوني في الكتاب، وذكر سيرته ومراحل حياته مستوحى من قصائده، وما أحاط بنظمه تلك القصائد أو نتج عنها.
وعرفت أن من أسباب تأليفه الكتاب أنه وهو - أي المارك - من أهل حائل، والعوني أقام سنوات في حائل صار له فيها رواة لشعره، وعشاق له اتصل بهم الأستاذ فهد المارك، وعرف عن طريقهم من خلال ما رووه من شعره أو قصصه كثيرًا مما احاط بحياة العوني.
بل لم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما روى أيضًا ما كان سبق من حياة العوني قبل أن يستقر في حائل وكان استقراره فيها اضطراريًا، لأنه كان أيد الانقلاب الذي قام به محمد بن عبد الله أبا الخيل أمير بريدة والقصيم الذي كان الملك عبد العزيز آل سعود عينه أميرًا على القصيم بعد أن قبض على الأمير صالح بن حسن بن مهنا وأخويه، ثم كان ما عرف من قتل صالح وأخيه مهنا في الرياض أو خارجه، وسوف تأتي إشارة لذلك عند ذكر (المهنا) في حرف الميم.
وقد أيد العوني محمد بن عبد الله أبا الخيل في الاستقلال بالقصيم، وخلع طاعة الملك عبد العزيز لاسيما أن الأمير محمد بن عبد الله المهنا كان اتفق مع ابن رشيد حاكم حائل العدو التقليدي للملك عبد العزيز بن سعود آنذاك.
ولم يقتصر العوني على ذلك بالتأييد السياسي ولكن بشعره الذي هو كالسلاح الناري أو أشد فتكًا.
كما سيأتي ذلك أيضًا.
ونعود إلى ذكر عنوان كتاب الأستاذ فهد المارك عن العوني فنقول: إن عنوانه كان ما ذكرته (تاريخ أمة في حياة رجل).
стр. 7748
ولكن المؤلف غيَّره فيما بعد إلى عنوان (محمد العوني حياته وشعره).
ويوضح المؤلف ذلك ويبين صعوبة الكتابة عن العوني الشاعر السياسي النشط، فيقول:
وكتابي هذا الذي أسميته (تاريخ جيل وحياة رجل) سبق أن أعلنت عنه في هذا الاسم في صحف المملكة، وفي مؤلفي الأجزاء الأربعة (من شيم العرب، الذي طبعته في بيروت المطبعة الأهلية عام ١٩٦٥ م).
وعندما أشير إلى أنني أعلنت عنه منذ ثمان سنوات، فإن الداعي إلى إشارتي هذه هو أنني سمعت أن كاتبًا استعار هذا الاسم، وجعله اسمًا لكتابه.
وعندما أسمي كتابنا بهذا الاسم، فإنني استهدف حقيقة أثبت من خلالها أن تاريخ ذلك الجيل الذي عاش بين ظهراني أهله العوني، قد عبر عنه هذا الشاعر بقصائده تعبيرًا تاريخيًا وواقعيًا جديرًا أن يكون حجة تاريخية لا تقبل الجدل.
والشاعر يصف تلك الأحداث التاريخية الواقعة منذ ١٣١٨ إلى ١٣٤٠ هـ أي من خروج الملك عبد العزيز من الكويت إلى أن وحد نجدًا، يصفها وصفًا دقيقًا.
ولا أعتقد أن كاتبًا أو مؤرخًا أورد تلك الأحداث على الصورة الواقعية التي صورها العوني بصفته شاهد عيان.
بقي علينا الجواب لمن يقول ما دام أن حياة العوني لها من المكانة التاريخية ما يجعلها جزءًا من تاريخ جيل حافل بالأحداث، فلماذا لا يكتب عنه الكتابة التي تنسجم مع واقع أمره، والتي يستحق صاحبها الخلود؟ الجواب بكل بساطة كما يلي:
لقد انتهت حياة العوني السياسية والعسكرية وهو بجانب المهزوم، ولو قدر له أن تنتهي حياته بجانب المنتصر كما بدأت لوجدنا المؤلفات المتعددة التي يدبجها يراعات الكتاب عنه، بل انتهت حياته سجينًا مغضوبًا عليه، وكما قال الشاعر:
стр. 7749
الناس أعوان من والته دولته ... وهم عليه إذا عادته اعوان
وثمة ملاحظة أخرى لابد أن أشير إليها وهي أن الكاتب الذي يود أن يتصدى للكتابة عن شاعر كالعوني، سوف يضطر إلى أن يسلك طريقة بأسلوبه تختلف عن طريقة الأسلوب الذي نهجه كثير من كتاب عصرنا الراهن، كالذين كتبوا عن نوابغ الفكر العربي من الشعراء وغيرهم، نعم تختلف كثيرًا عن أولئك، وذلك لأسباب منها: أن العوني لم تكن موهبته واتجاهه ونفسيته محدودة الميول، على أن يكون شاعرًا يقصد بشعره الجاه، أو اكتساب المادة بشتى الوسائل والأسباب، كما هو مبدأ كثير من الشعراء الذين سخروا مواهبهم لكسب المادة.
لا .. لم يكن العوني من هؤلاء، ولكن العوني سياسي أكثر من أن يكون شاعرًا مرتزقًا بشعره.
كل هذه الأمور الحية التي مرت بحياة العوني والتيارات السياسية التي حدثت في الجزيرة العربية إبان عصر الشاعر المباشر منذ عام ١٣١٨ هـ - ١٨٩٠ م حتى عام ١٣٤٠ هـ - ١٩٣١ م كل تلك الحوادث الصاخبة والمعارك الطاحنة كلها تعتبر جزءًا من حياة العوني، والعوني جزء منها.
كما أن الذي يريد أن يكتب عن العوني كشاعر مطبوع وسياسي بارع، لا يستطيع أن يكتب عنه بصورة مختصرة عن حياته وعن أدبه، وعن نبوغه بشكل محدود، على هذه الناحية ما لم يصطدم بالحوادث السياسية والعسكرية ذات التاريخ الحافل بالعبر من صميم جزيرتنا، تلك الأحداث التي كان للعوني دور عملي فيها.
ولهذا وجدتني مهمًا حاولت أن أكتب عن العوني بشكل مختصر عن حياته وأدبه، كما كتب أولئك الكتاب عن أدب وحياة بعض الشعراء، فإنني ما استطعت أن أنجح لأن حياة هذا الشاعر ودوره الذي لعبه يختلف كل الاختلاف
стр. 7750
عن حياة كثير من الشعراء الذين عاشوا وماتوا وهم شعراء فقط (١). انتهى.
طفولة العوني:
ولد في الربيعية في تاريخ اختلف فيه الناس فبعضهم رجح أنه في عام ١٢٧٠ هـ وبعضهم قال: إنه بعد ذلك بسنين قليلة وهذا هو الذي ترجح عندي يستفاد ذلك من قصيدة له في محمد بن رشيد الذي حكم القصيم من عام ١٣٠٨ هـ حتى وفاته في عام ١٣١٥ هـ فنفترض أن العوني قال تلك القصيدة في منتصف حكم محمد بن رشيد للقصيم وهم في سنة ١٣١٢ هـ فعلى هذا تكون ولادته في عام ١٢٨٧ هـ والبيت هو:
هذا وأنا أبو ثمان وسبع مع عشر ... ما أحيط بأمر حذا اللي حافظ بالي
وذلك من قصيدة مدح بها محمد بن عبد الله بن رشيد، إلَّا أن الذي يرد على ذلك أن العوني قال قصيدة في مدح حسن بن مهنا أمير بريدة، وكان نظمها وأنشأها إياها في عام ١٣٠٥ هـ. ومن المستبعد إن لم يكن من المستحيل أن يقول شخص عمره ١٨ سنة مثل هذه القصيدة مما يدل على أن ولادته قبل ذلك التاريخ الذي استنتجته وأولها:
حل الرحيل وحلَّ بالقلب ولوال ... تذكير صعبات التفاكير والقيل
وتقدمت، ثم وقعت على تاريخ نظمه القصيدة التي مدح بها محمد بن رشيد التي منها البيت الذي ذكره عند إنشائها وهو - نصًّا - في عام ١٣٠٨ هـ بعد وقعة المليدا.
стр. 7751
فإذا كان عمره في سنة المليدا ٢٥ سنة لأن ٨ و ٧ وعشر هي خمس وعشرون فإن ولادته تكون - نصًّا - عام ١٢٨٣ هـ.
وسوف أورد القصيدة التي مدح بها ابن رشيد وذكر عمره في عام ١٣٠٨ هـ عندما نصل إليها فيما بعد بإذن الله.
أما وفاة العوني فإنه لا خلاف عليها وأنها في عام ١٣٤٣ هـ إلَّا خلاف لا يعول عليه، ويكون قد عمر ٦٠ سنة.
وقد دخل العوني في صغره كُتَّابًا في قرية الربيعية وهو طفل لصاحبه عبد الله الحمود البطي.
ويقال: إنه قد بدرت منه بوادر شعرية في صباه من ذلك أن أحدهم قال له: يادُبّ، بمعنى أنه لا يفهم شيئًا، فقال العوني أبياتًا، منها: أنادُب ولا نيب دبٌ كم باب مصكوك فتحت بابه.
وذكر الشيخ صالح بن سليمان العمري أن العوني طلب العلم على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم لسنوات طويلة ولذلك عده في تلاميذه (١).
وواضح أن قراءته على الشيخ ابن سليم إذا صحت تدل على أنها كانت إبان أول شبابه عندما انتقل إلى بريدة مع والده الذي كان بناءً ماهرًا.
غير أن كون العوني قد طلب العلم على الشيخ ابن سليم في شبابه يرد عليه أنه أقسم في بعض قصائده بأيات من القرآن الكريم أو سوره، وكل طالب علم متمرس يعلم أنه لا يجوز أن يقسم المخلوق بغير الله، بخلاف الخالق جل وعز الذي يقسم بما شاء كما في أول سوره (ق) (ق والقرآن المجيد).
стр. 7752
ولكن لا يجوز للمخلوق أن يقسم بالقرآن أو بسورة منه.
قال العوني في أول قصيدته في آل خليفة أهل البحرين:
أقسمت بآيات عم ما نشاربها ... دار تكدر بها صافي مشاربها
وقال في قصيدته الخلوج:
أقسمت بالكرسي والنور والصمد ... واشهد بسُّكاب المطر من خيالها
فلا جابت الخفرات سعدون، أو مشى ... مثله على وجه الوطا من رجالها
ولمناسبة هذا الحديث المتعلق بثقافة العوني أذكر هنا أن أحد الإخوة أتحفني بقصيدة للعوني معروفة ولكن التي أحضرها إليَّ مكتوبة على طلحية وهي الورقة الطويلة الكاملة التي تطوى ويعادل طولها طول ٤ ورقات وهي من الأوراق التي تكتب عليها الصكوك الطويلة.
وقال الأخ الذي أعطاني إياها: إنها بخط العوني نفسه.
ولم أكن أعرف خط العوني من قبل، ولكنني لاحظت في مطلعها كتابة كلمة تدل على أنها ليست بخط العوني وهي قوله:
يا ركب حلوا باليرا زور زورها ... تلوا معاذرها تعدل نحورها
وكتب اليرا بالياء بنقطتين، ولا يمكن أن يكتبها العوني هكذا، إلَّا إذا كان ساهيًا لأن (اليرا) بالياء المثناة لا معنى لها هنا، إذْ (اليرا) عند العوام هو القلم، ولا محل لذكر القلم هنا.
وإنما الصحيح (البَرَا) بباء موحدة وهي جمع براة وهي تكون للبعير بمثابة اللجام للفرس متصلة بالرسن، إذا أراد الراكب أن يكبح جماح بعيره بالتخفيف من سيره جذب
стр. 7753
(البراة) هذه فخفف البعير من سيره وقد يقف إذا شده الراكب شدًا قويًّا بحيث يعادل معذره وهو موضع الرسن من رأسه الذي جمعة العوني في البيت على (معاذر) وقد فسر العوني المراد من البيت بقوله في البيت الثاني.
أبي أودع لبيب القلب منكم وصية ... تحيَّر لساني وقلبي بفورها
فهو إذًا يأمر الرَّكْب وهم جماعة المسافرين أن يوقفوا إبلهم، حتى يبلغ لبيب القلب وصية منه.
وقد ورد ذكر (البرا) بالمعنى الذي ذكرته في أشعار عامية عديدة منها قول محسن الهزاني في جمل نجيب:
هملعي نايف المِقدَم نجيب ... ما يشده راكبه لولا (براه)
داربٍ، لا فرق بينه والعجاج ... ما حَدٍ يوم اللقا يقوى لقاه
بـ (بالبرا) عِجْ رأس نضوك لي كفيت ... من زمانك، شر ما تخشى أذاه
وقد ذكرت في (معجم الألفاظ العامية) هذا اللفظ وبينت أنه فصيح وأوردت الشواهد على ذلك.
وقد رأيت بعض أهل البصر بالشعر يكتبون بيت العوني بالباء الموحدة على الصحيح (البرا) ومنهم الراوية المكثر من كتابة الشعر العامي عبد الرحمن الربيعي قال:
مما قال محمد العوني:
يا راكب حلوا بالبرا زوم زورها ... تلوا معاذرها تعدل أنحورها
أبي أودع لبيب القلب منكم وصية ... تحير بلساني وقلبي بفورها
عسى يا هل السمحات تقدون بالهدى ... والاسعاف فيما نابني من عسورها
стр. 7754
لا تقصر الراضه لكم راس مقصد ... ما دام سوج اكوارها في بكورها
يعابيب في قطع الخروم دوارب ... تناها بتفهيق الفيافي اصدورها
على مثلها يا ركب تبدا رسالتي ... إلى مربع الرملا وموفي انذورها
أخا الجود رب المجد والجاه والندا ... ولد فالح المسمى بضك ادهورها
ابدوه مني يالحشام بوصيه ... عسي رقة بالقلب تبرد احرورها
من بريدة إلى البحرين:
أقام العوني في بريدة بعد عودته من الكويت فترة لكن الرجل بعلو همته ومنازعته نفسه للجلوس مع الحكام وأولي الأمر سافر إلى البحرين من بريدة رجاء أن يجد عند أمير البحرين ما يشبع طموحه.
ولكنه لم يجد ما يغريه بذلك في البحرين، رغم كون الأخبار تحدثت عن أن أمير البحرين وغيره من الأسرة الحاكمة أجلوا العوني ومنحوه مالًا كثيرًا، لم يحتفظ به، بل حدثت الأخبار أنه أنفقه على المحتاجين من أهل القصيم الموجودين في البحرين.
وقد أنشأ قصيدة عصماء في مدح (الخليفة) حكام البحرين وخص بها الشيخ عيسى بن علي بن خليفة حاكم البحرين أولها:
أقسمت بآيات عم مانشاربها ... دارٍ تكدر بها صافي مشاربها
ولا نصافي مصافيها، وشأنها ... تقريب الأضداد ومعادي قرايبها
من بريدة إلى مكة المكرمة أو من أمير البحرين إلى أمير مكة:
لم يطل العوني المكث في بريدة لذا شد رحاله إلى الشريف حاكم مكة عون لأن لديه شعراء وهو يكرم الشعراء ويقدرهم حق قدرهم فيما بلغ العوني.
стр. 7755
وبالفعل وصل إلى الشريف، فيقال إنه جمع الشعراء من أهل مكة وضواحيها من أجل مساجلة العوني، ومعرفه منزلته من الشعر، فكان أن أعجز العوني شعراء مكة، إذْ قال لهم: أنا سأنشد قصيدة من ١٢ بيتًا كلها مهملة الكلمات لا توجد فيها نقطة واحدة فإن استطعتم أن تأتوا بأبيات مثلها اعترفت لكم بتفوقكم عليَّ في الشعر.
وهذه هي قصيدة العوني المهملة من النقاط:
هل الهلال وهاطل الدمع مدرار ... لي هل واهمل كالهلل ماطره هل
علي مود مالك الله ولا صار ... لا دام له حال ولا المال له دل
صور وصار الملح والدل له كار ... له والمها ماله ولا رسم ماكل
لامر صاح مطالعه ساع ما دار ... اسود على صدره على المسك عمّل
سامح محمد لي رسم عدل الأمطار ... واحسامه الصارم لراعي الهوا دلّ
ولا رد كرد اهلا وسهلا له أكرار ... والحلم هو والعلم دله ولا ملّ
اسئل اموٍّ ما دري الود ما صار ... ولا دلاله كم دور لهم هل
اول اصدور امواصله والهوا حار ... لما الدهر عاده على حاله اوّل
ما صح علمه والرعد ما وسم دار ... والحال حال الحول والحمل ما حل
ولولا حلاله حلها روس الاكدار ... ما حال حول اللاّل واللوم ما دل
عسى عسى ما كمل الدامر الدار ... عاد الرحا دوه على روس واحلل
وصلوا على طه عدد سهل الأوعار ... او ما كسا وعر الوطا للسما طل
قالوا: فافحم الشعراء، والمراد بهم شعراء العامية من كلام العوني ولم يستطيعوا أن ينظموا أبياتًا مهملة من النقاط كما فعل العوني.
من مكة إلى حائل:
قلت: إن العوني تنازعه نفسه الطموح إلى أن يكون له مقامه عند الحكام وأولي السطوة، وليس هو بالشاعر الذي يريد أن يحصل بشعره المال الذي إذا
стр. 7756
حصل عليه رضي بالخمول، والاقتصار على أكل العيش.
وكان أكبر حاكم في نجد في ذلك الوقت هو محمد بن عبد الله بن رشيد الذي قضى على حكم الحكام في نجد، وأهم ذلك انتصاره على أهل القصيم في وقعة المليدا عام ١٣٠٨ هـ.
ولا شك أنه كان تبادر إلى ذهن العوني أن يذهب إليه في حائل ويمدحه بقصيدة تمهد الطريق لبقائه قريبًا من أكبر حاكم في نجد أنذاك.
إلا أن ابن رشيد كان عدو أهل القصيم الأول فهو الذي أسقط الحكم القصيمي المحلي وقضى على نفوذ حكامه بعد أن كان قتل طائفة كبيرة من رجالات القصيم، وأشخاصها البارزين في وقعة المليدا.
لذا تردد العوني في الذهاب إليه، غير أن وكيلًا لابن رشيد عرف مالشعر العوني من مكانة، وما هو عليه من أثر فسهل له الذهاب إلى حائل، بل ذهب به إليها.
فقابل محمد بن رشيد وأنشده قصيدة عصماء هي:
ما ناض برق وهل وعلَّ الأسهال ... وانساق نوه املث صيب والي
كالرمل بالعد والأشجار والحجر ... وما شاهد البدر من انثى اورجالِ
او ما كتب باللوح من أدم أو امحي ... وصر القلم به إلى ما يبعث البالي
سلام احلا من الما ساعة الظما ... في طافح اللال والبارح له أذيالِ
في ريق درك هوي به غير خابره ... ودق بنقر عن اللاهوب بظلالِ
واخن وانوج من الأطياب رايحه ... سلام لطف سما في كل الأحوالِ
حاضيه بالمسك بالعنبر وزاعجه ... بمزاج زاج زهاه الطرس وامثالِ
امثال كالحص والياقوت فضتها ... من هيض بحر طما فيضه على الجالِ
لولاي اهينه وا كنه عن تزاوده ... جميع بحر طماه ابشرب فنجالِ
لكني إلى اعتضته واحفتني جوانبه ... من لطم الامواج زنجلته بالأقفالِ
والى لانت اقفوله مع لوا لبه ... واقبل تدارج ابفيضه على الأدقالِ
стр. 7757
من هاجس بالحشا هيضت حايره ... والنوم عن ناظري قزآه ولوالِ
* * * *
وخلاف ذا قلت يا ركب ترحلوا ... على يعابيب عنس تهذل هذال
فج مراويح كالقيسان قوسن ... من كثر الإدلاج والأوماي بالخالي
علاكم يقطعن شاسع اخرومها ... زهفات سهلات كالريلان تجتال
يا ركب مهلا عسى من بعد ذا سعه ... ويسر بعد عسر وعين بعدها ذالي
ريضوا دعتكم اطروق الرشد والهدى ... إلى قريتوا من الأبطح بالاميالي
مقدار ما اذهب واجيب الكاغد الذي ... لي به سلام ونظم شايق غالي
إلى حملتوه مني طاب فالكم ... لعل ما فالكم ياهل النضا فالي
سيروا على ما يدني البعد سيرهن ... سيروا عسى ما حوى طرسي يْودَّي لي
عقب اربع تدعيكم مضيفته ... دآخن لهبها سمك من فوق الأطلالِ
لكان زحمة مني فيها او ضجته ... من كل ناس تشوف اجناس واشكال
ذولي وردوا وهذولاك صدروا ... وذولي جلوس بشاف غذي لهم تالي
وذولاك فوق الفقار الرخم شرعوا ... وذولاك قفوا وذولا تو باقبالِ
ما شاهد الشمس من حي من الملا ... الاّ لبرزان شاهد خوف وسوالِ
احد يجي طامع واحد يجي خايف ... لمحمد الحمد حمد الحمد لا زالِ
مقدي ومعدي وهو لولاه ما اشرقت ... شمس المعالي جنوب اوشرق او شمالِ
خصوه باركب بالتسليم وابلغوا ... أزكي سلام زهاه الطرس ينبالي
نبّوه لمحمد واثنوه واجهروا ... ثاني أو ثالث ثمان آلاف يثني لي
ثم اشملوا به حمى الوندات والتلا ... الليث ابوماجد ركاب الأهوالي
وكل الرشيد الصخا اشمل بلا عدد ... ازنود فرند الأرياحيد الأثقالِ
هو ريف الأيتام في ليعات مسغبة ... منها النجوم الزواهر تشعل اشعالي
غيث إلى شح قطر الغيث وامحلوا ... والعد كمل فهو للمال بدَّالِ
محمد لي علا فوق العلي واعتلا ... رومه على كل روم مصعده عالي
стр. 7758
محمد ضايم الضايم ولو عظم ... لطام الأبطال في لطام لأبطالِ
محمد المشتهر بالمدح والثنا ... والمدح له من قديم اول أو تالي
ضراب بالبيض فرع البيض والضبا ... توضي كما أوضت بروق الصيف بخيالِ
من ناف قحطان مع عدنان كلها ... فخر العرب راس غصن الذروة العالي
اشرف قبايلها وازكا عناصرها ... وابها بها ما بهانزل او نزالي
المرام الهمام الهياع الذي ... ذلت له الروس واردا كل سردالي
والترك والروم والأعجام والعرب ... شهدوا فعاله تعلت كل الأفعالِ
واستيقنوا أن ذا من أمر خالق ... فالأرض من به مماليك وهو والي
من حين شافوا اخلاصه واستعانته ... بالفرد محيي الهشيم الميت البالي
خافوا وكل بدا يرسل مكاتبه ... وخيل اترخت وقطم اكياس ورجالِ
خوف من الحاكم الساخط إلى سخط ... واهتز منه الجبل تهتز الأجبالِ
من مطلع الشمس إلى المغرب إلى عدا ... يحل ما بينهم رجف أو زلزالي
والبدو محفلين روس العود بابلهم ... ما يعلمون القدر ما عين هو يالي
ذلوا وهجوا وهم ماجاهم النذر ... اغبار الأفق جاهم عنه مرسال
واهل المدن من جاهم طارق الوبا ... كل يناظر متى قصاف الأجال
لما يدمر بها من كان معتدي ... يبقى مثل دآر كسري سكنها خالي
ما عسعس اليل وانباح الصباح على ... مثله شجاع صخي كدر وزلالي
في سورة النحل آيات مفصلة ... أوفاي بالعهد من مفروض الأعمالِ
من لا يرد الثنا بالأولي كد هنا ... لا بد ما يتضح عيبه مع التالي
عسى آله عطاه الملك واقتدر ... يصفط لنا منه ولف القلب والحسالِ
هذا وانا أبو ثمان وسبع مع عشر ... ما حيط بأمر حدا اللي حافظٍ بالي
وصلوا عدد ماورد عد وصدروا ... على نبيّ الوفا والصحب والآلِ
واعداد ما قلت في مبداي سلموا ... ما ناض برق وهل أو علا الأسهالِ
وقد كان لهذه القصيدة أثر كبير في نفس الأمير محمد بن رشيد فأمر
стр. 7759
بإنزال العوني في بيت قريب منه وأن يحضر مجلسه، وأغدق عليه من أنواع الضيافة والإكرام ما يتمناه أمثاله.
ولكن العوني لم يستقر طويلًا في حائل.
قال الأستاذ فهد المارك وهو من أهل حائل:
ظفر العوني من ابن رشيد بالعفو وبالمال الوافر الذي أغدقه عليه الأمير، ولكن الفتى لم تكن غايته الأساسية من مجيئه إلى أمير حائل محصورة على طلب العفو ولا على الرغبة بالمال الهائل الذي جاءه من الأمير - بل ولم يكن هدفه محصورًا على الوجاهة فيما إذا كانت هذه الوجاهة لا تتجاوز حدودًا معينة لماذا؟ لأن هذا الفتى الشاعر طموح لا يقف به طموحه عند حدود وجاهة لم يكن فيها صاحب الكلمة النافذة واللسان الناطق له - أو على الأقل يكون عند ذا الحاكم هو الوزير المفضل والإنسان الذي لا يضارعه في منزلته عند الحاكم أي من كان.
يقول الأخ سعود إبراهيم المشاري نقلًا عن والده الذي كان موجودًا في حائل - عندما قدم العوني إلى الأمير محمد بن رشيد يقول: إن العوني عندما جاء إلى الأمير محمد يطلب منه الإذن بالسفر ليغادر حائلًا بلاد الأمير - يؤكد الراوي عن والده أن الأمير قال للعوني دعك عندنا ولماذا تذهب عنا؟ فكان جواب العوني ما يلي:
أنت أطال الله عمرك لست قابلًا بأن تضعني عندك وزيرًا، وأنا لا أرضى النفسي أن أكون خادمًا.
هذه الجملة التي أجاب بها العوني الأمير تعبر لنا أبلغ التعبير عن نفسية صاحب الترجمة تعبيرًا يعطينا صورة واضحة المعالم عما تنطوي عليه نفسية العوني من طموح لا يقف صاحب هذه النفس الكبيرة دون حدود الوجاهة الوسط - أو المنزلة الوسط، إذ لو كانت همته تقف عند هذا الحد - كان بإمكانه أن يصل إلى ما يريد عند الأمير محمد الرشيد الذي كان لا يضارعه في علو الجاه والسلطان أي حاكم في تلك البقعة من الأرض.
стр. 7760
العوني في الكويت:
عندما حكم عبد العزيز بن رشيد نجدًا خلفًا لعمه محمد بن عبد الله بن رشيد الذي مات عام ١٣١٥ هـ وتغلب على ابن صباح وأهل بريدة ومن معهم في وقعة الصريف التي هي وقعة الطرفية بعض الناس يسمونها وقعة الصريف وبعضهم يسميها وقعة الطرفية لكونها حصلت بين المكانين، وذلك في عام ١٣١٨ هـ هرب العوني إلى الكويت مع من هرب من أعيان أهل بريدة.
كان سعي أهل القصيم ومنهم آل مهنا الذين هربوا من سجن عبد العزيز بن رشيد في حائل ووصلوا إلى الكويت سالمين ومنهم العوني بجهوده وفصاحته وشعره إلى الخلاص من حكم عبد العزيز بن رشيد.
فاتفقوا مع الملك عبد العزيز آل سعود على ذلك.
ونظم العوني قصيدته (الخلوج) والخلوج في العامية والفصحى هي الناقة التي أخذ منها ولدها بعد أن ألفته فهي تحن إليه وتبدو كالحزينة بل كالمرأة الثكلى التي فقدت أولادها.
وقد أرسلها إلى أهل القصيم من عقيل الذين كانوا يقيمون في الميدان في مدينة دمشق ولهم سوق فيها يسمى (سوق العصر)، وقد حملها إليهم علي بن حميدة.
وهي قصيدة مهيجة سأنقلها هنا إلا ما لا يتعلق منها ببريدة وأهلها:
خلوج تجذ القلب باتلا اعوالها ... تكسر بعبرات يحطمن اسلالها
اتهيض مفجوع الضمير ابحسّها ... إلى طوحت صوته تزايد اهجالها
لي قلت أنا يا ناق كفي عن البكا ... لا تبحثين النفس عما جرى لها
لا تفجعين البال بالله هوُّدي ... ولّي خلوج خبّت البين فالها
стр. 7761
تبكين فرقا حقةٍ شدة العرب ... ضاعت يمين البوش والا شمالها (١)
تجيك يا ناق الخطا أو تجي لها ... وان كانت ضاعت لك بديل بدالها
لكن انا اليوم ما تنعد مصاوبي ... ولا علتي تبرا ولا ينشكي لها
ولو اليكا ياناق عني يحلها ... بكيت بيض ايامها مع ليالها
ولو للبكا ياناق يرجع بغايب ... بكيت لين العين ييبس اثمالها
وابكي على الاثنين ما ذعذع الهوا ... مدار الدهر لين النفس تلحق زوالها
وابكي على ما صاب نفسي او ما جرى ... وابكي على فنخان الأيدي اذلالها
وابكي على دار نشينا ابربعها ... معلومةٍ خشم الرعن من شمالها
ومن شرق طعسين الأراخم تحدها ... بين اللوا والسر ما اطيب اسهالها
دآر بنجد جنة كان قبل ذا ... من صكته غير الليالي عني لها
وصفه من الخفرات بيضا عفيفه ... يفوق كل البيض باهي جمالها
حسودها يغضي إلى مرحولها ... من خوف عيال تربوا بجالها
هي امنا وآحلو مطعوم درها ... غنتنا اوريتنا وحنا اعيالها
برور بناما مثلها يكرم الضنا ... وصول بنا لكن نسينا أوصالها
تلقى علينا الجوخ والشال فوقنا ... وهي عارية تبكي ولا أحد بكي لها
ولا احد جزع من صيحته يوم سلبت ... ولا احد نشد من بعد ذا وش جرى لها
قلت: آه يا ويلاه من خيبة الرجا ... كيف امنا تهضم وحنا اقبالها
* * * *
يا راكب من فوق سراقة الوطا ... هميمة إلى سارت ذعرها ظلالها
حايل ثمان سنين مامس خلفها ... ولا بركت للسشيل مدة اجيالها
إلى بدا لي لازم قلت شدها ... واضبط عن الفزات ما قضب احبالها
ولا تعتني بالخرج ما ذيب حزّته ... شل قربتك واجعل زهابك اعدالها
فلا شك خذلي بالرسن قدر ساعة ... ابلغك عن دق المسايل جلالها
стр. 7762
والي ختمته بالسلام فحتِّها ... من ديرة الجابر عسى السيل فعالها
أوصيك يا مرسال بالسير والسرا ... واحذرك نوم الليل عينك ينالها
إلى سرتها عشر او خمس مغرب ... مرواحك الميدان منها منالها
إلى جيت سوق العصر ياتيك غلمه ... تختِّعُ بزبنات البريسم نعالها
يقولون لك يا صاح عطنا علومك ... بلدان نجد عقبنا وش جرى لها
قل كل بلدان القصيم أو غيرها ... بالخوف زام ارجالها دون جالها
احذا داركم من عقبكم تندب الثرا ... تبكي على الماضين وآعزتا لها
لعبوا بها الأجناب لارحم حيّكم ... والبيض بالبلدان شتت لحالها
وشيانكم تضرب على غير موجب ... من عقب كبر الجاه تنتف اسبالها
اولاد علي اليوم ذا حد نفعكم ... لا رحم أبو نفس تاجر بمالها
* * * *
اولاد علي فالليالي قصيرة ... ولا للفتى غير الثنا من نوالها
اولاد علي اليوم ماهوب باكر ... قوموا بعزم الليث ماضي فعالها
لا تتبعون الهوى والعجز أو عسي ... او ربما او ليت يتعب اسوالها
إلى أن قال في آخرها:
هذا وتم القيل، والله به الرجا ... وصلوا على المختار ما اهمل خيالها
فأقام في الكويت إلى أن خرج أهل القصيم مع الملك عبد العزيز آل سعود متفقين على إسقاط حكم ابن رشيد، وتم ذلك بالفعل وتسميها العامة سنة السطوة وهي سنة ١٣٢٢ هـ. حيث استولوا على القصيم، وابعدوا نفوذ ابن رشيد عنه.
وتفصيل ذلك لا يتسع له هذا المكان، ولكن المهم أن نقول إن العوني بقي مخلصًا للملك عبد العزيز ولقومه أهل بريدة ممثلين في حكامهم آل مهنا.
وقد حفلت منطقة القصيم بأحداث جسام فعاد الحكم فيها إلى أهلها الأولين
стр. 7763
من آل مهنا تحت حكم الملك عبد العزيز آل سعود وجرت فيها وقعة البكيرية التي أخذ فيها أهل القصيم ثأرهم من ابن رشيد وجماعته من وقعة المليدا التي كانت وقعت قبل ذلك بأربع عشرة سنة.
فكان العوني اللسان الناطق في هذه الأحداث الجسام.
وقد نظم في ذلك قصيدته الجامعة الرائعة التي يسميها أهل القصيم المستحيطة أي المحيطة، وأسماها بعض كتبة الشعر العامي (الملحمة)، وهذا نقلها كاملة لأنها جديرة بذلك:
قوموا كفاكم شرميلات الأقدار ... شدوا على هجن لهن الطلب دآر
شيب الذرا فج المناحر يعابيب ... هوارب تقطع مندي بين الاقفار
عامين ما شافن مشافه او شده ... ولا علن ظهورهن الأشدّه
اسلاف لاسلاف بعيدات شده ... ما عوجن ارقابهن خوف الأنذار
يا ركب لي شلتوا عليهن ولا من ... غير الموادع وآلمين بلا من
قمن فيكم حاضر القلب وآمن ... اطووا طويل أرسانهن فوق الاكوار
مقدار ما ارسم باليرا لي غرايب ... بازكي سلام عد وبل السحايب
مني لمن شال الثنا والنوايب ... يهدي الجواب وما ذكرنا بالأصطار
والمرتجا يا ركب قوموا بشاني ... امشوا كفاكم شر غيب الزمان
سجوا رقاب العوص والعمر فاني ... تلفون دآر العز والجاه والجار
دآر يعز بعزها نجد كله ... وامر العرب يكبر او ينقاد ظله
هي ديرة الحاكم وهي ماكر له ... طالت بابو فيصل على كل الأقطار
* * * *
يا ركب لي بنتوا طوال المناير ... عطُّوا شوابيش السعد والبشاير
والى لفيتو ليث سبع الجزاير ... اهدوا جوابي واهرجو سر واجهار
قولوا على ريمات منكم نشرنا ... واللي عنيتوا له نظركم ومرنا
стр. 7764
نتلي ثقيل الروز حامي اديرنا ... شيخ الشيوخ الهيلعي طلق الأشبار
يجري إلى الصولات جري السبايا ... والجيش من سج الربادي حفايا
تسع من العوجا إلى ام السرايا ... والعاشرة فيها حصل بيع الأعمار
على عنيزة بالبيارق وردنا ... ماهاب ابوتركي ولا أخلف وعدنا
جينا وحنا واثقين بلدنا ... نظن ظن الخير والعبد مكار
يوم اقبلن اجموعنا في دجى الليل ... والى اضوي الحرب مثل القناديل
والطبل بضرب دون جال الوطن حيل ... شالوا شرآع الشر عمسين الأبصار
دهُوُهُمْ البسام وافهيد غاوي ... وابن ابحيا بنقل السيف غاوي
اطغتهم العرضه وكثر العزاوي ... ارهوا ولا خافوا تصاريف الأقدار
شافوا رها ماجد واقومه واخيله ... بالسافيه يشبه اخيال امخيله
برعد او يبرق بالسيوف الصقيله ... يقول عينيكم إلى ما الدّخن ثار
هذا سنعهم هم او ماجد اوحنا ... جينا مع الصفرا ولاهاب منّا
غير المخاير بالرخارد عنا ... من شاف أبو تركي عصي كل الأشوار
جينا كما سل تزايد زفيره ... ما هيُبونا بالحساس الكثيره
اشعالهم نار عليهم معيره ... عيب على من شب نار وْعَنَه نار
راحوا شتات ماثنوا بالبواريد ... وبنحورنا طاح بن بسام وافهيد
واعيال عبد الله جعلناهم العيد ... ما سرابو فدغم ولا طقة الطار
يوم استحس أو شاف عج المغيره ... واوحي لبوتركي وخصّه نظيره
اقفي معيف راضي بالكسيره ... خلاّ اعبيد بين طلابة الثار
خلاّ الخيام اوما بها ماج عنها ... وبلدآنه اللي لبومتعب ظمنها
واخيار قومه شرع الهند منها ... والحمد لله عد تفريخ الأطيار
ما جا الضحى والنفس له ما تريده ... ماجد نصا حايل او جَنَّب بريده
واقفي شبيه الليث والسيف بيده ... وأضفى على الديرة حسانيه ما جار
واضحت عنيزة بالمعزة النادي ... واستامنت من عقب ضرب الهنادي
وهل بريدة ركبهاجاه بادي ... عزّامة ما سفهوهم بالأعذار
стр. 7765
قالوا بوتركي داركم وانتو بنا ... بارياه واسبابه ابليل سربنا
والصبح صبحنا اديار تبينا ... دسنا بهم معنا على الموسم الحار
جينا وابن ضبعان بالقصر حارب ... والشيخ جانا قال كوده ابقارب
ابي وعيا لاهس للتجارب ... والله له شان بحكمه اوتدبار
قمنا بحربه فوق تسعين ليله ... ولا قدرنا بالأسباب حيله
اغرآه عرضه والمباني طويله ... واللي يقول بكلمته: نار واجدار
قمنا ومدينا عليه السراديب ... واختل وايقن بالردا فساين الشيب
نادي بعفو شيخنا له تجاريب ... ما يقطع الداني ولاهوب غدار
حوّل ابوجه ما تنقض عهوده ... ماهوب وجه معزبه ما يقوده
( .... )، وسبهان او ناصر شهوده ... انه نقيّ وافي ما بعد بار
يوم ابن ضبعان نطق تقل ( .... ) ... قام ابوتركي ما حسب للمخاسير
نبب لنجد وصار عنده تدابير ... نوه يبي حايل مقيظ ومصفار
والى الرشيد او شمر مستعدين ... بالحرب لو قالوا جنوده كثيرين
ولا درينا باحتراك السلاطين ... جونا ابهّمات عظيمات وكبار
زود علي شمر او سكان حايل ... زآدوا بترك مثل سود المخايل
عساكر ماتفتهم قول قايل ... خمارة تضرب اطبول او زمار
يوم ان أبو متعب نحاه أبو تركي ... عن نجد حط اجموع الأتراك مركي
عاف العرب واسموتهم صار تركي ... حتى بعد بلسانهم صار بيطار
يوم انها ضاقت عليه المساعي ... وانزآغ قلبه من قنيب السباع
غدا لهل حمر الطرابيش ساعي ... ينقل حوايجهم او بالليل نَطَّار
يبغي بهم حكم وهم حاكمينه ... ما اعتاد من قبله حد ( .... )
اقضوا خزونه والدبش والظعينه ... ما بينوها له على وقت الأثمار
جانا بهم يمشي كبار اعزومه ... نزل اقصيبا وارتحل فيه زومه
يوم اشرف المرقاب هانست اعلومه ... طالع أو شاف أو عاف من بعض الأشوار
اقبل يبي سهلة بريده مقرّه ... لكن وآجه طارش واستقرّه
стр. 7766
قال الجماله شفت للّيث جرّه ... سبع عطيب الكف للعظم كسار
بالعون جبر قال شدّوا مقافي ... يم المذعر كود نلقى ملافي
اطاع شوره قال هذي اتوا في ... واوجس مهب اسهيل به واهج حار
مشى وحنا بالبيارق مشينا ... والأمر الله والسبب به مضينا
يبغى البكيرية وحنا بغينا ... صطمه أو لطمه قبل ما ياهل الدار
نزل وحنا عند خشمه نزلنا ... من دون ديرتنا تبين جهلنا
والطير ظلل فوقنا يوم صلنا ... يرجي يمانينا وعدلات الأنظار
سرنا عليه او سار بين الصلاتين ... والشمس غابت من قتام الخميسين
والبين صاح او ناح بين الخصيمين ... واغبرّت الأفاق واشتعلت النار
تخاطبوا من بينهم بالهنادي ... والترك ترطن والعرب له اتنادي
لكنّ مطل الروس جدع الهوادي ... بيوم عبوس الشر بوجيه الأشرار
الميمنه دآرت وصارت خفيفه ... دارت على الإسلام صارت خفيفه
والترك لا قتهم موارث حنيفه ... ما خايروا يوم أن بعض العرب خار
عنوي هل العوجا تعداهم اللوم ... اركوا جموع الحضر والبدو والروم
لولا ازهبهم كملت تالي اليوم ... ما خيشروا بالمدح بشهود الأخيار
يوم اكمل القصدير عيّوا يطيعون ... قاموا بحدب امصقلات يهوشون
يوم انهم خانوا بهم من تعرفون ... استعصموا بحدود عطبات الأذكار
ولابهم شافوا هل الشرخِلّه ... الاّ اجموع عايلتهم امضله
اولاد علي شرعوا كل سله ... نعم بهم والصدق هو عين الأذكار
اركوا على شمر وراحو مدابير ... واجموع شمر هم وسبعة طوابير
دلّت تصيح الغوث وين المعابير ... يوم انهم حاطوا بهم مثل الأسوار
اسعود أبو تركي بسيفه ضربنا ... همّاتنا بسيوفنا ماكتربنا
لكن جدع الروس يوم انتدبنا ... جدع الحدايج عند لفوات الأسفار
بنحورنا ما جد وبن جبر خلي ... واشيوخ شمر ملحقين المتلّي
ورجال حايل هيه فكر او قل لي ... والترك تسع ميْة تزيد الكمندار
стр. 7767
واميه او خمسين لهم ما صبرنا ... هم والمدافع بالهنادي قهرنا
غصب حبسناهم ابساحة اديرنا ... لنا بهم دبره ولله تدبار
واسباب هرج الزود عجّل اعتابه ... قصده يورينا ويضفي أحجابه
الضد مكسور ودقم احرابه ... وصابنا ذلّ بلا شوف شن صار
نرضى يضربنا طريقة نببّه ... فضايله فينا تعالى وجبَّار
كون جرى بحنين هذا لديّه ... وقعة هوازن والصحابه والأنصار
* * * *
زادوا وعاتبهم سريع عن الزود ... جلو رويد ومَدُّهم خير معبود
ونصر هل التوحيد والعدل والجود ... وادعى هل الباطل ايولون الأدبار
العاقبه صارت لمن طاع مولاه ... صارت لنا من فضل ربي وحسناه
اذهب ولد متعب وشتت رعاياه ... وادحض حمي الترك عباد الأحجار
من عقب ما زادوا بليا بصيره ... وارها ولد متعب بحكم الجزيره
نصب اكريشان عشيره بديره ... خانوا سكنها عرقها عرق بوار
ما هوجسوا منا سريع برده ... يوم به المضيوم يختار ضده
والشيخ أبو متعب بعد باح سدّه ... ما ظنتي بالضيغمي حامي الاقطار
تنحَّر الخبرا يجر المدافع ... ما ظن جال الداد دونه اندافع
ثور، وْشاف الطوب ماهوب نافع ... اولاد منصور عطيبين الأشوار
نزل او عاهدا وخلف الله طاريه ... يقول ما عقب الوطن غير أبي اليه
هو ما درى أنه دون السيف حامية ... حول العتاري فيه الأسياف بتّار
هو نسي أبو تركي وهم خابرينه ... فرّه ابرايه واستقره ابلينه
واظهر له الفرجه وداره بعينه ... وابرم عليه ابحيلة سو الاقدار
واصبح وفوق الصبح كدرا كراره ... وانحاش ما شاف السعد والعباره
حتى جواده ما ركبها ابداره ... شرآ يده تسعين لمعزبه نار
ساعة وصل شيخه عرف ويش جاري ... قال الخبر قال انت باقصاه دآري
стр. 7768
أن طعت شوري خل عنك الطواري ... جاك اجرد عي عند وجبار
واقفي من الخبرا ذليل او مطرود ... ما حاش غير الذبح والنقص والسود
صارت عهوده والمحاليف منقود ... واقفي يسحّب عسكر الذل والعار
* * * *
قلنا سلم منا بتالي اعيوبه ... واثره تسوقه للهلاك العقوبه
من كثر سياته ورجحة اذنوبه ... لي بل درب الرشد للغي يندار
يوم ان وال العرش به ثم شانه ... شاله من الخبر الجال الشنانه
فنيوا جميع والعنا هو مكانه ... والجار بالجاري شريك مع الجار
يوم استقر بمنزله واختبرنا ... من البكيرية صبآح ظهرنا
سرنا مع الوادي تطارخ اشهرنا ... في رآي أبو تركي حمدنا للأشوار
جينا كما مزن غطا الجو بغيوم ... غطا الشنانه عجنا وارهق القوم
واستأخذوا ماكنّ طير السعد حوم ... نزل وله فيها تدابير وانظار
بني اخيامه بالرفايع اقباله ... ولازل يوم ما نهبنا لماله
ولا زل كون ما ذبحنا رجاله ... نصر من المولى على دورهم دآر
* * * *
بالرس خيم فوق تسعين ليله ... استحسن الرآضه لتدبير حيله
به صد ابومتعب وضيع دليله ... والى اشتهى الطيره شبكناه ما طار
ثلاثة اشهر ما خفا بنيهنّه ... والخيل تكظم بينا بالأعنّه
والكون حتم صار فرض او سنّه ... مازل يوم ما القهر بينا ثار
وهّق ولد متعب اجنوده تباريه ... ومكاتب الصلطان والمد يرجيه
من دونهم شدوا يديهم بياديه ... حطوه ذخر دون علام الأسرار
فالي رجوا مدّه او جوده رجينا ... رب كريم مالغيره عنينا
إلى دعوا صلطانهم له دعينا ... الواحد الفرد الصمد محي الأشجار
стр. 7769
خيّب مراجيهم او مكَن رجانا ... أمدّنا بالنصر واذهب اعدانا
اخمد سناهم عز واظهر سنانا ... به نقضي الحاجة وبه نطلب الثار
الزود فينا وابن متعب بذلّه ... امقابلينه يطحن الغيظ كله
يبرم له النادر وهو كامي له ... برجيه مثل الضب ينطق من الغار
يوم الله امر به وتمّم احسابه ... أضحى لنا بالعز واسرع ذهابه
عمر شديده يوم ربّي دعابه ... رحل من القوعي يبي دفع الأشرار
* * * *
قلنا عليه امشوا حصل ما تريدون ... قال ابوتركي بالمهل لا تعجلون
واثره بظنّه ظن يغويه بظنون ... مثل اصفة الجاري على مثل ما صار
نزل على قصر ابن بطاح منجوم ... ثوّر علينا بالمدافع طرف يوم
قال أصبحوا يا قوم والصبح ملزوم ... اخرّب القريه وحرق بالأثمار
يوم اصبحوا والصبح له بان نوره ... قامت تزلزل بالرشيدي اقصوره
اخلف احسابه طير شلوى او شوره ... واختف مرعوب عن الدار منذار
جاه اجرد ما ينقل الحال عاري ... نيم ولد متعب وهو جاه ساري
وثب عليه من الحدب تقل ضاري ... صكه ابمخلاب جلاكل الأمرار
رحل وخلا المال تقفي ظعونه ... واجموع شمر والطوابير دونه
شبهّتهم نسوثبني امزونه ... يسوقه الغربي امطيع بالأدبار
يوم ابومتعب شافنا واصلينه ... نوخ او عزّل وارتكي في بطينه
ايقن بحينه بوم شاهد بعينه ... جيناه غشم كنا خشم سنجار
ثور علينا بالمدافع ولا ثاب ... وساق العساكر والبوادي والأجناب
وردف باهل حائل وجانا بالأطوب ... واشتّدت الشدة وعج الوطا طار
يذكر هل العوجا ويسمع انداهم ... وولاد علي بالزحام اعضدا هم
نعم بهم واللي بعدما نساهم ... ساروا لابو تركي على العسر ويسار
نعم بهم ما قلت قول يقولون ... شوفي ابعيني يوم للموت يردون
стр. 7770
روس عطاشى للمنايا يسوقون ... يزومون زوم مثل موجات الأبحار
لمن روس الترك صارت مطاويع ... واقفت كساير للشيوخ المدا ريع
ما جالهم من دون حايل مرابيع ... جلوا مثل صيد مع الحزم منذار
واقفي ولد متعب من الزوم خالي ... عقب الكسآير نار عيّ يبالي
خلا خيامه ماثنى التوالي ... بايامانا نذبح بهم ذبح جزار
واقفت شرا يدهم من المال خالين ... وقاري عقبوا كل البلادين
خلوا نساهم والحلل والوراعين ... واطوابهم والتّرك هلكى بالأقطار
واللي ذبحنا تسع مايه يزيدون ... غير العلوم الماضية حق يعرفون
خلاص ما ظنيت عقبه يعودون ... عرفوا وشافوا خوضنا خوض ( .... )
واستامنت بلدان حنا نراها ... بالله ولا غيره سمكنا بناها
ثم ابوتركي هو امعفي حماها ... حيد على صعبات الأحوال صبار
صغير سن ما بعد تم عشرين ... شال الحمول المثقله نصرة الدين
واظهر اسنان الحرب دون المصلين ... لمازما فوق الخلايق بالأذكار
عين تزوله والله اليوم كافي ... ما اخلف وعدنا كل من كان وافي
حسبتها فخّة او صارت عوافي ... واللي نظن ابه الصداقه بنا بار
هاك الجمال اللي قبل صايجات ... قلنا لكل احمولنا شايلات
شفنا شحمهن والعضا وافيات ... والكل في رأسه زعانيف واصطار
قلنا إلى شافن علينا تقل شيل ... اجمالنا هذي بهن فترة الحيل
ننسف عليهن شيلنا بالمحاويل ... لي اشتدت للشدة وطالن الأسفار
يوم احوج الحاجه لهن وقّفَنّ ... صلّط عليهن كلّهن بهّرن
ما واحد منهم زكا فيه ظني ... وهن اسمان ما ادركن شيل الأوثار
خللّنّنا با للاُّل لولا جملنا ... شلنا عليه حمولنا وارتحلنا
وافي الخصايل جابنا من وحلنا ... يوم أن طنّب بالرّغا كل هدّار
تراه أبو تركي او وصفي بغيره ... صبر على حكم الدول والجزيره
حاشاه او مختصّه ربي نصيره ... ايد بّر أفعاله صغيرات وكبار
стр. 7771
ان يسر المولي زانت لو فوقه ... لابد من يوم تشاعل ابروقه
نو علي حايل صدوق حقوقه ... يضفي عليهم غيمة صب الأمطار
تم الجواب، وتم بدع القرايض ... بازكاصلاة الله وعد الفرايض
أو عد ما سيقت جموع العرايض ... على النبي محمدٍ سيد الأبرار
الانقلاب على الملك عبد العزيز:
استمر العوني مخلصًا للملك عبد العزيز ومعاديًا لآل رشيد، حتى حصل أن قبض الملك عبد العزيز آل سعود على صالح الحسن المهنا أمير بريدة، ومعه اثنان من إخوته أحدهما مهنا، وجعل بديلًا عنه ابن عمه محمد بن عبد الله المهنا أميرًا على بريدة والقصيم، وذلك لكون آل مهنا هم الذين كان الملك عبد العزيز اتفق معهم على محاربة ابن رشيد، وأن يتولوا الحكم الداخلي تحت حكمه.
وشيء آخر مهم وهو أن محمد بن عبد الله المهنا كان كثير السعي لدى ابن سعود وغيره للحصول على الإمارة لأن والده عبد الله بن مهنا كان هو المرشح أول الأمر لها عندما كانوا في الكويت، قبل أن يحل صالح الحسن محله.
ولكن الذين لا يعرفون نتائج الأمور على حقيقتها، أو لا يدركون الأوضاع الحربية للأقطار زينوا للأمير محمد بن عبد الله المهنا أن يسلخ القصيم عن نفوذ الملك عبد العزيز وأن يستقل بحكمه فاتفق مع صلطان الحمود بن رشيد على ذلك.
وأعلن استقلال القصيم في عام ١٣٢٦ هـ.
وقد شايعه على ذلك شاعرا بريدة المؤثران آنذاك وهما محمد العوني, ومحمد الصغيِّر.
فنظم الصغير المقطعات الحماسية من شعر العرضة ومن أشهرها قوله:
من بريدة ظهرنا ... دون خضر الرطايب
стр. 7772
وقد ذكرتها في ترجمة الصغير.
ونظم العوني قصيدته التالية في ذلك بعد وقعة الصباخ:
هل الهلال وكلمن العلوم ... وتمضحلت باقي جميع الحكايا
قول آه ما بجلي كثير الهموم ... لي عاد ما نرث أوساع الهوايا
اخسوا خسيتوا كلكم يالرخوم ... وش علمكم ما تبهجون الظمايا
حطوا بشذرة ما نقلتم تلوم ... من قبل ما تدعون مثل الضحايا
ما ينقضب بالربق غير البهوم ... ردوا لعوج ك نهن الحنايا
ينخنكم بيض تدق الرقوم ... يبغن فرجهن من كبار الشرايا
انتم ذراهن عن لهيب السموم ... وانتم فزعهن لا يخلّن عرايا
اخاف من سبع عليكم يهوم ... متعوّد يفرس اكبار الليابا
من ناش واوما مخلبه ما يقوم ... ما ناش بالكفين ماله سمايا
ابن سعود اقبل علينا بزوم ... يبغي بلدنا ميردونه صبايا
دونه مناعير تثج الدموم ... من دون بيض كنهن المهايا
يوم جري ليته علينا يدوم ... بين النخل ما احلى تطيحس اعدايا
خلوهم الصبيان مثل الرجوم ... بايمان ربع ما تهاب المنايا
من فوقنا طير المنايا يحوم ... ومن بيننا ضرب الهوايا هدايا
يوم جرى ما بين بيع او سوم ... دون النخل بانت افعول الطنايا
دون الغرايس زاهيات الرجوم ... لو دونه احياض المنايا ملايا
مع ميمر عضل لضده صروم ... حامي بريده مع جميع النحايا
محمد ابا الخيل عطب السهوم ... حر مخاليبه بضدّه روايا
بظلال من كم القبايل عموم ... الضيغمي صلطان مرذ السبايا
سمّ على العايل زعول غشومي ... هيف السوري غيث لكل الرعايا
نلوذيه دام السما فيه حوم ... زيزوم غلبا قايد للسرايا
واخر كلامي بالصلاة مختوم ... على أحمد سيد جميع البرايا
стр. 7773
يشفع بيوم به يبين الظلوم ... يوم به العالم حفايا عرايا
وبعدما قام الزعيم الكبير بعقله ونفوذه وتدبيره لمعالجة هذا الأمر، وإرجاع الأمور في القصيم إلى ما كانت عليه قبل حركة محمد بن عبد الله المهنا وهو محمد بن عبد الرحمن بن شريدة كان من أهم ما اتفق عليه مع الملك عبد العزيز أن لا يمس الأمير محمد بن عبد الله المهنا ولا من شايعوه بسوء في رقابهم واموالهم.
وقد خص أناسًا في ذلك منهم (العوني) وابن صغير.
وذلك بأن يكونوا آمنين على رقابهم وأموالهم، سواء من أراد منهم أن يبقى في بريدة أو يغادرها.
كان العوني ممن شملهم هذا الاتفاق بين الملك عبد العزيز بن سعود وبين محمد بن عبد الرحمن بن شريدة ومن معه من أهل بريدة ومنهم الجربوع والربدي.
وبالفعل خرج الحاكم محمد بن عبد الله المهنا بأمواله وأسرته إلى العراق، وخرج العوني إلى حائل، وصار شاعر آل رشيد.
وطبيعي أن ذلك حدث بعد أن قتل عبد العزيز بن متعب آل رشيد في روضة مهنا عام ١٣٢٤ هـ بسنين بل بعد عام ١٣٢٦ هـ الذي انقلب فيه أمير القصيم محمد بن عبد الله أبا الخيل على حكم الملك عبد العزيز آل سعود وقرر الاستقلال بالقصيم.
حتى فتح حائل حيث اتفق الملك عبد العزيز آل سعود مع ابن سبهان على أن آل رشيد ومن التحق بهم ممن شايعهم أمنون على انفسهم وأموالهم لا يمسهم من الملك عبد العزيز شيء من الأذى وخص أناسا من غيرهم، ومنهم الشاعر محمد العوني آلا يمسه الملك عبد العزيز بأذى ويكون سالمًا برقبته وبماله.
стр. 7774
الأمان للعوني:
حصل العوني على الأمان بعد فعلته التي لا تغتفر سياسيًا بالنسبة إلى حاكم كالملك عبد العزيز يحاول أن يستعيد ملك أبائه وأجداده على نجد ثم بقية المناطق التي حكمها آل سعود.
ولكن العوني ليس من نوع الرجال الذين يكتفون بالأمان ويسعون للمال، وإنما كان يسعى إلى أن يستمر له نفوذ عند الحاكم الكبير الذي هو الملك عبد العزيز لاسيما أنه كان من المقربين لديه، والمادحين له، وأن الملك عبد العزيز كان أغدق عليه من العطايا وشمله بالرعاية والعناية، وأن العوني قد مدح الملك عبد العزيز بقصيدته (المربوعة) المسماة بالمحيطة التي نقلنا نصها فيما سبق.
لذلك نظم قصيدة عصماء وجهها للملك عبد العزيز آل سعود وأرسلها إلى والده الإمام عبد الرحمن بن فيصل عسى أن يعطف عليه قلب ابنه الحاكم الشاب الملك عبد العزيز، وقد ضمنها العوني الاعتذار للملك عبد العزيز، بل التذلل والإنكسار أمامه، رجاء أن تمحو تلك القصيدة ذنوب العوني عند الملك عبد العزيز وقد نعت نفسه فيها بأنه عبد مملوك للملك عبد العزيز آل سعود.
قال العوني:
لا بأس يا عين بدت تنكر النوم ... عافت سواهيج الكرى با ابن هَدَّال
القلب به سجَّات وسجوم وهموم ... والحال نشت حالها ما بها حال
ما نيب جزع ما جرى ذاك مقسوم ... لا شك شفت الحيف من بعض الأنذال
من جيت صد وقال ما هوب مرحوم ... حطوا عذاريبي عريضات وطوال
وانا عشير مزبّنة كل مضيوم ... حماية الساقة عزيزين الأنزال
امشي واغض الطرف من غير مثلوم ... فرد وحيد خايف خاضع ذال
وانا ان دخلت البيت قزان مقصوم ... عضيدي إلى للثقيللات حمال
لي من بغى شيء وهذاك معدوم ... تعذرت يمناه من كل الأحوال
стр. 7775
اشكي على اللي سير الغيث بغيوم ... يفزع لمنيوب عليه الدهر مال
* * * *
واخلاف ذا، يا راكبين ضحى اليوم ... شالوا عوايزهم على كل شملال
تريضوا مقدار ما اقول واقوم ... واكتب بصفح الطرس ما هيض البال
فلا لفاكم ياهل الهجن مرسوم ... ماناب اوصيكم على السير لو طال
ما اشوف بالراضة سداد الملزوم ... العزم قضاي العوايز والأشكال
* * * *
يا ركب همّوا هرّب درَّب كوُم ... حيل مرآميل من القفل نحَّال
اليوم والليله يبوجون بخروم ... والصبح شافوا دار ذربين الأفعال
يبين لكم قصر طويل او مزموم ... في جانب البطحا شلع كنه الجال
مناخكم به عند طاحوس ملزوم ... في جاله الغربي على ذيك الأظلال
تلفون عز الدار والجار بعلوم ... ورسالة مني شكينا بها الحال
ابدي بها سدّي وذنبي ومكتوم ... سري، وزلاتي لكساب الأنفال
لولا الخمال وما تصور به اللوم ... ما كان صار العفو له سائل سالال
العذر منكم ياولد فيصل اليوم ... والاّ امس ذنبي شايله الف رجال
تزينوا عندك وخلون مذموم ... زلفون بالحفره وهم نطوا الجال
احكام واقسام جرت بي كما النوم ... والاّ فانا معكم على كل الاحوال
عشرين عام بالرضا والزعل دوم ... تدارجت ما بيننا والقدر حال
وانا لكم عبد مليك او ماسوم ... الاّ ولا قلبي نوى فيكم ابدال
لا شك طبع العبد لو طاب ماشوم ... لابد به بوق ولو صار رجال
* * * *
يا شيخ لا تسمع بنا قول مذموم ... اعذر او سامح وانت للخير فعال
وان ما سمحت وقلت ما فات مدموم ... واللي ابخاطر ليث الأقطار لي زال