← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حتى توجد هذه العبارة حاليًا. نرجوا حفظكم الله التأكد من ذلك. فالنسب أمانة محاسبون عليها، وهناك حديث عن النهي عن نسبة الشخص لغير أبيه. وجزاكم الله خير على جهودكم ومساعيكم في خدمة الإسلام والمسلمين. عنهم/ راشد صالح البقيشي المطرفي العنزي - الرياض انتهى. ولد الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي في بريدة عام ١٣٤٤ هـ. كان الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي زميلًا لنا أيام الطلب من عام ١٣٦٤ هـ إلى عام ١٣٦٩ هـ، وكان يتردد كثيرًا على شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد، وكان شابًا بشوشًا حريصًا بطبعه على كسب ود أصدقائه ومن يعرفهم. وكان ملازمًا أول مرة مثلنا في مكتبة جامع بريدة التي كانت المكتبة الوحيدة في المدينة، وعهد إليه شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد فترة بفتحها للإخوان من طلبة العلم، الذين كانوا يجتمعون فيها بعد صلاة العشاء المذاكرة دروسهم على الشيخ عبد الله لكي يستفيد صغارهم من معرفة كبارهم، وذلك لفترة غير طويلة. وكان معنا في ذلك العهد شاب اسمه (صالح بن عبد الله المضيان) بدأ يطلب العلم ولم يتبحر فيه، ولكن فتح له باب من الشعر، ولم يفتح باب العلم بالنحو فنظم عدة مقطوعات ذكر في إحداها البقيشي، وفقدت نسختي منها، ولعلها موجودة عند ورثة الشيخ عبد الله. وعندما عين شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيسًا لشئون

стр. 772

الحرمين عين الشيخ عبد الله البقيشي في وظيفة مدرس في معهد الحرم المكي وهو - أي المعهد - تابع لرئاسة الحرمين. وكان الشيخ عبد الله البقيشي قريبًا من الشيخ ابن حميد، بل كان في كثير من الأحيان ملازمًا له. وكان تعيين البقيشي مع طائفة من طلبة العلم والمقربين من شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد لأن الشيخ عبد الله كان كما قال لي قد انقطع في بيته بعد أن استقال من القضاء. وفي هذه الاثناء عندما تخلى عن القضاء عرف الذين يحبونه حقيقة لأنهم ظلوا ملازمين له، يستفيدون من دروسه بخلاف بعض الناس الذين كانوا يتعرضون له من أجل نفوذه، فعينهم في شئون الحرمين في وظائف في التدريس والمراقبة ووظائف إدارية تحتاج إلى أكفاء ليشغلوها. فكان الشيخ عبد الله البقيشي منهم، وقد سكن مكة سنوات في هذا العمل. وكان الشيخ عبد الله بن حميد يناديه أحيانًا باسم التدليل (بَقُّوش). السفر على الأقدام إلى عنيزة: مما يستحق التسجيل هنا أننا كنا نطالع في مكتبة جامع بريدة في الكتب، وكنا مستغرقين في طلب العلم وبلغنا أنه توجد في عنيزة نسخة مخطوطة من كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف للمرداوي) وهو كتاب موسع مهم في فقه الإمام أحمد، كان المتأخرون من فقهاء الحنابلة ينقلون عنه ويكثرون ولم يكن طبع إذ ذاك. وقد علمنا أن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ كان طلب من أي شخص عنده كتاب في عنيزة أن يجعله في غرفة في جامع عنيزة عارية بمعنى أن يبيح لمن يريد أن يطالع فيه أن يفعل دون أن يخرجه من المكتبة، وإذا أراد

стр. 773

صاحبه أن يسترجعه فيأخذه إلى بيته فعل من غير حرج، ومن ذلك نسخة مخطوطة من الإنصاف، فعزمنا على أن نسافر إلى عنيزة لرؤية ذلك الكتاب، ولكن الطريق المألوفة للسفر إلى عنيزة في ذلك الوقت هي استئجار حمار نتعاقب على ركوبه أو استئجار حمارين يكون معهما صاحبهما، وهذا يكلفنا مالا لسنا مضطرين إلى بذله. الطريقة الأخرى أن نسافر مع الذين يسمون الجماميل وهم أصحاب إبل يتعيشون من حمل البضائع والناس من بريدة إلى عنيزة وبالعكس. وذلك بأن يسافر الشخص منهم ومعه في الغالب بعيران أو حتى بعير واحد من عنيزة بعد صلاة المغرب فيسير الليل كله حتى إذا فتح السوق من صباح الغد كان قد وصل إلى بريدة، وسلم ما يحمله من بضائع. ثم ينتظر وجود بضائع تحمل من بريدة إلى عنيزة على الطريقة نفسها. إلا أنه يحدث أحيانًا الا يجد الجمال حملًا، وأن يكون محتاجًا للنوم فيبقى أكثر من اليوم. وكانوا كلهم من أهل عنيزة إلا شخصًا اسمه الحصان فأبوه من أهل بريدة، وأمه من أهل عنيزة، ويعيش في عنيزة. وأذكر منهم الآن الغراس والعبودي وابن حميِّد. وهم يحملون الراكب على البعير الذي عليه حمل بريال فرانسي واحد ويعيدونه إلى البلدة التي خرج منها بريال آخر. وكان معنى ذلك أن يدفع كل واحد منا ريالين فضيين كبيرين، فقررنا أن نسافر إلى عنيزة مشيًا على الأقدام من أجل رؤية ذلك الكتاب (كتاب الإنصاف). كان ذلك صيف يوم من عام ١٣٦٤ هـ وكان عمري ١٩ سنة، وعبد الله البقيشي في مثل سني تقريبًا، إذ كان ولايته في عام ١٣٤٤ هـ، وقد سافرنا

стр. 774

بالفعل إلى عنيزة سيرًا على الأقدام، وذكرت تفصيلات ذلك في كتاب (رحلات في البيت) مما لا أرى داعيًا لذكره هنا. وقد اشتغل الشيخ عبد الله البقيشي في تجارة الأراضي، فاشترى أرضًا إلى الشمال من بريدة وهي روضة كانت من مراتع الماشية لأهل بريدة فبنيت بيوتًا واستراحات سميت البقيشية نسبة إلى الشيخ عبد الله البقيشي هذا. ومن الطرائف المتعلقة بالشيخ عبد الله البقيشي أنني ذهبت أنا واياه من الرياض إلى الظهران ونزلنا في فندق في الدمام في غرفة واحدة مزدحمة، وكنا نحتاج إلى النوم لأننا قد تعبنا في ذلك اليوم من السفر لأنه على سيارة، وعندنا عمل غدًا هناك يحتاج إلى تجوال. وقد سمعت شخيرًا منع عني النوم لأنني بطبيعتي لا أستطيع أن أنام إذا كان شيء من هذا النوع، فلما أعياني الأمر وقلت له: إنني لم أنم وقد فهم السبب وقال ضاحكًا: هو أنت قط سمعت (ماطور)؟ فقلت له: إنه مواطير، فضحك كثيرًا ونهض جالسًا وقال: سوف أبقى هكذا حتى أرى أنك قد نمت. وكان مرحًا كريم الطبع رضيَّ النفس وقد استشارني قبل ذلك بيوم أو يومين قائلًا: إنه ينوي التزوج بأخرى، فقلت له في ذلك الصباح: يا أبا محمد، أنت استشرتني في أمر زواجك ولا أدري أأنت جاد عازم أم متردد، لكنني أستطيع على ضوء ما سمعته البارحة أن أؤكد أنك لن تجد أصبر من زوجتك فلا تتزوج غيرها ففهم مقصودي وضحك كثيرًا. وهذه هي الوثيقة التي أشرت إليها من قبل وتدل على قدم عهد أسرة البقيشي في منطقة بريدة وهي بخط علي بن عبد العزيز بن سالم وهو من أسرة السالم الكبيرة وثري معروف في وقته وتقول بالحرف الواحد:

стр. 775

"الحمد لله وحده أيضًا أقر ثنيان السالم بأن لحق عليه في ذمته لسليمان الصالح خمسة أريل إلَّا قرش يحل أجلهن في شهر العمر من سنة ١٢٦٧ وهن داخلات بالرهن السابق شهد على ذلك (محمد البقيشي) وشهد به وكتبه علي العبد العزيز بن سالم". ومعنى الحق عليه أنه أضاف إلى دين سابق عليه للدائن وهو سليمان بن صالح السالم من أسرة السالم الكبيرة التي منها الكاتب أيضًا، وقوله: إلا قرش المراد بالقرش هنا ثلث الريال الفرانسي، ولم يكونوا يعرفون القرش الموجود الآن، وقد أدركناهم يسمون ثلث الريال (قرش) وكتبتها أنا (جرش) للتفرقة بينها وبين القرش واحد القروش. ولا يزال في ذهني قول بعض الدلالين وهو يحرج على سلعة في سوق بريدة جرشين بالسلعة الفلانية ويريد بذلك ثلثي الريال، أو يقول: ريال إلا جرش لهذا المعنى. وقوله في الوثيقة: يحل أجلهن في شهر العمر فالعمر بإسكان العين وفتح الميم هو شهر محرم اول شهور السنة، وقوله: وهن داخلات بالرهن السابق فهو رهن كان اتفق عليه الطرفان قبل كتابة تلك الوثيقة. وهذه صورة الوثيقة.

стр. 776

والمقصود أن أسرة البقيشي قديمة السكني في منطقة بريدة مما يؤيد ما قاله لي صديقنا الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي ﵀ من أن نسبهم يرجع إلى المصاليخ، وأنهم أبناء عم للقرعاوي والله أعلم. توفي الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي في حادث سير بين القصيم ومكة المكرمة في ١٤/ ٤/ ١٤٠٣ هـ وذلك بالقرب من مركز ظلم في عالية نجد ﵀. ترجم له الأستاذ محمد العثمان القاضي، فقال: عبد الله بن محمد البقيشي: من بريدة. هو العالم الجليل الورع الزاهد الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي، ولد في مدينة بريدة حوالي سنة ١٣٤٣ هـ وتربي أحسن تربية وقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب في الكتاتيب، وتعلم مبادئ العلوم وقواعد الخط والحساب فيها ثم شرع في طلب العلم بهمّةٍ ونشاطٍ ومثابرة، فقرأ على علماء بلده. ومن أبرز مشايخه: الشيخ عمر بن سليم والشيخ عبد العزيز البراهيم العبادي ومحمد الصالح المطوع، ولما توفي الشيخ عبد الله بن سليم وتعين عمر بن سليم خلفًا له عيَّن عمر المترجم له إمامًا في مسجده بجنوبي بريدة وظل إمامًا ومدرسًا في المسجد سنوات، ولما تعيَّن الشيخ عبد الله بن حميد قاضيًا في بريدة لازمه في جلساته ملازمة تامة وصار من خواصه، وعينه مشرفًا على مكتبة جامع بريدة وصار يطالع عليه دروسه ويقرأ عليه في المجالس العامة والخاصة ويسافر معه. كما عينه أيضًا كاتب ضبط في المحكمة، ولما نقل الشيخ عبد الله بن حميد للإشراف على المسجد الحرام نقله معه وعينه مدرسًا في الحرم المكي فقام بواجب وظيفته خير قيام، وكان حسن التعليم، وظل في تدريسه بالحرم يضع سنوات وكان على جانب كبير من الأخلاق العالية والصفات المحمودة متواضعًا مستقيمًا في دينه وخلقه عازفًا عن الدنيا.

стр. 777

وافاه أجله المحتوم في حادث مُروع بين القصيم ومكة في عودته لمكة من القصيم، وكان بصحبة بعض عائلته فأصيب بعضهم وتوفي البعض الآخر، وكان ضمن من توفي، وكان الحادث الذي أودى بحياة بعضهم بتاريخ ١٤ من ربيع الآخر سنة ١٤٠٣ هـ وحزن الناس لفقده فرحمه الله برحمته الواسعة (١). انتهى. ومن الغرائب في وفاة الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي ﵀ ما ذكره سليمان بن إبراهيم الطامي بقوله: الشيخ البقيشي يخبر بدراهمه بعد وفاته ﵀: الشيخ عبد الله بن محمد البقيشي عالم فاضل وهو أحد موظفي الحرم المكي الشريف أيام إشراف الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رحم الله الشيخين. روى لي ابنه الصديق عبد الرحمن هذين الموقفين العجيبين قال في الموقف الأول: كان والدي ﵀ أحد الذين طلبهم الشيخ عبد الله بن حميد للعمل في الحرم المكي الشريف، وكان يتردد بين مكة وبريدة أثناء إجازته والعطل الصيفية للزيارة وقضائها بين أبنائه وأقاربه في بريدة. وفي إحدى سفراته وهو عائد من بريدة إلى مكة المكرمة معه عائلته المكونة من زوجة والدي الثانية وبعض إخواني ومجموعهم ستة أفراد في سيارة (متسوبيشي) وبالقرب من مركز ظلم وبالتحديد يوم ١٧/ ٣/ ١٤٠٣ هـ مساءً حصل لوالدي حادث انقلبت السيارة ومات جميع أفرادها الستة الذين كانوا بداخلها حيث انقلبت فجأة. يقول عبد الرحمن: وبعد فترة باع أخي محمد سيارة والدنا على إحدى ورش التشليح بالطائف وفي إحدى الليالي وأخي محمد نائمًا جاءه والدي

стр. 778

بالرؤيا وقال له: ترى بتندت (سقف) السيارة دراهم أنا مخفيها، خذها (راوي السالفة) لا يتذكر عدد الدراهم، ولكنه قال: مبلغ لا بأس به. ذهب محمد إلى الورشة بالطائف وإذا موجود من السيارة تندتها وبعض أجزاءها فاشترى أخيي التندة فقط، وطلب من البائع فك التندة (السقف) من أطرافها، وبعد دقائق أخذ محمد السقف وحمله في سيارته وعندما خرج من الطائف أوقف أخي محمد سيارته وقلب السقف وهو بين مصدق ومكذب ليبحث فيه عن الدراهم. أدخل يده من إحدى الفتحات، فإذا فعلًا الدراهم موجودة، حمد الله أخي أنه أعادها إليهم، وترحم على والده، غفر الله له ولأموات المسلمين. أما الموقف الثاني فيقول فيه الصديق عبد الرحمن: مضت السنون بعد وفاة والدي وكان أخي محمد يصوم رمضان في مكة كل عام هو وعائلته ويصوم الست من شوال في المدينة المنورة. وفي إحدى السنين وفي العام ١٤١٦ هـ أمر أخي محمد سائقه بأن يذهب إلى بريدة مع بعض أبنائه، وأغراضهم الخاصة، وهو أي محمد وعائلته سوف يلحقون بعد صيام الست في المدينة المنورة. سافر السائق ومعه بعض الأبناء، وعندما وصلوا إلى مركز ظلم تعطلت السيارة عطل مفاجئ، علمًا بأن السيارة موديلها جديد. حاول السائق إصلاحها ولكن دون جدوى. يقول الراوي عبد الرحمن: اتصل السائق بأخي محمد بمكة يخبره بأن سيارتهم متعطلة، ولا يعرف السبب ولم تجد معها محاولات الإصلاح. فقال أخي: سوف أحضر إليكم الآن، فحمل أخي باقي عائلته وجاء إلى

стр. 779

سيارته الثانية، وعندما وصل إليهم حاول أخي إصلاح السيارة وتفحصها فلم يجد لها خرابًا، فقط أنها لا تشتغل. قال محمد للسائق: سأخذ عائلتي إلى بريدة وأنت تنقل السيارة بواسطة (مركبة) سطحة لتصلح خرابها هناك. قالت أم محمد لولدها محمد: أنا أكره هذا المكان (ظلم) الذي حصل فيه حادث والدكم ﵀، فلا تبقوا هنا هيا نذهب. ركب الجميع سيارة أخي محمد وهو نفسه قائدها، وبقي السائق مع سيارته المتعطلة ينتظر سطحة لنقلها، فلما ساروا وحاذوا مكان حادث والدي انقلبت سيارتهم فجأة أيضًا عدة انقلابات، فتوفي جميع من فيها وعددهم ثمانية أفراد من بينهم والدتي وأخي محمد، وباقي أخواتي وعائلة أخي ﵏ جميعًا، وكان حادثهم بعد حادث والدي بثلاثة عشر عامًا، إذ حصل هذا الحادث في شهر شوال عام ١٤١٦ هـ. أما سائق السيارة الثانية فإنه بعد ما سار أخي محمد بعدة كيلوات شغل سيارته فاشتغلت كأن لم تصب بعطل، وإنما وقوفها كأنه لشيء ما، وقدر قد كتبه الله وسيقع فوقع فعلًا، وهو حادث هذه العائلة ووفاتهم جميعًا غفر الله لهم جميعًا، وما أحسنها من خاتمة صيام وعمرة في رمضان. وكان ممن أسعف أهل الحادث سائقهم الذي كتب الله له النجاة بعزله عن العائلة: والشاعر يقول: لا تقل فيما جرى كيف جرى ... كل شيء بقضاء وقدر (١)

стр. 780

البلادان: بإسكان الباء في أوله ثم لام مفتوحة فدال بعدها ألف مفتوحة وآخره نون، على لفظ تثنية البلاد في حالة الرفع. أسرة من أهل بريدة يبدو أنها منقرضة، أو قد انتقلت إلى بعض الأمصار العربية، لأننا لا نعرف منها أحدا الآن بهذا الاسم إلا إذا كان ذلك لم يبلغني وفوق كل ذي علم عليم. والبلادان من أهل بريدة كانت لهم فيها عقارات ودكاكين فيها مما قد يدل على عراقتهم فيها. ورد ذلك في عدة وثائق ننقل منها هاتين الوثيقتين:

стр. 781

البلالة: من أهل بريدة: تفرعت منهم أسرة (النصار) الذين يسميهم الناس (النصار البلالة) تميزًا لهم عن (النصار) الآخرين. وجدت دفترًا قديمًا من دفاتر الكتابة مكتوبًا عليه: قد دخل هذا الدفتر في ملك الفقير الحقير الراجي عفو ربه نصار المنصور (البلالة) نجاه الله من العذاب والنار. وليس على تلك الكتابة تاريخ، وقد كتبت هذه العبارة قبل مائة سنة. وكنا ونحن صغار يقرع أسماعنا بكثرة اسم (البلالة) وعرفنا منهم (نصار البلالة) شخصيًا ولكنني كنت صغيرًا آنذاك لم أهتم بمثل هذه الأمور. وكذلك نسمع عن منصور البلالة حكايات وأخبارًا تلاشت كلها مع الزمن كما تلاشت كثير من الأخبار التي لم يتح لها من يلتقطها ويسجلها. البَلْهان: بفتح الباء وإسكان اللام ثم هاء مفتوحة مخففة فألف بعدها نون في آخره. ومعنى (بلهان) عندهم الجمل القوي على الأحمال والصبور على قطع المسافات، الذي يفوق الجمال الأخرى بذلك نسب إليه (البليهي) التي تعني أنه من نسل بلهان هذا أو هو مثله. والبلهان كالبليهي اسم عدة أسر في نجد، ولكن الذي يعنينا هنا هو أسماء الأسر في بريدة الكبرى. أسرة البلهان هذه صغيرة يرجع نسبها إلى عنزة وهي متفرعة من أسرة (الزويِّد) أهل اللسيب، أبناء عم للسراح أهل اللسيب والماضي أهل العريمضي، ونسبتهم إلى جدهم بلهان بن زويد.

стр. 782

وبلغني أن بعضهم أو كلهم هجروا اسم بلهان واستبدلوا به اسم (الزويد) الذي هو اسم الأسرة قبل أن يكون اسمها (البلهان). منهم إبراهيم بن عبد الله البلهان مؤذن جامع اللسيب، من المعمرين بلغ عمره الآن ١٤٢٧ هـ - نحو ٩٥ إلى المائة. ولا يزال يؤذن في المسجد. وجدت اسم البلهان في وثيقة كتبت في عشر الستين من القرن الثالث عشر أي عام ستين ونيف ومائتين وألف. وهي بخط عبد العزيز بن حسن الذي قال: إنه يسلم على من نظر إليه من الإخوان. وكأنه يعتقد أن قراءة خطه وإملائه الردئ مما يشجع على ذلك. وورد فيها ذكر (زايد) البلهان و (زويد) التي كتبها (زوايد) مما قد يستدل منه على أن زويد بالتصغير كان أصله (زايد) بالتكبير. ونصها بحروف الطباعة: "بسم الله الرحمن الرحيم مضمون ذلك أنه حضر عندي معلا الجهني وأقر بأنه باع على (زويد البلهان) صييته في غرس ابنه محمد اللي في بلد اللسيب وصيبة زوجته سلمي أم ابنه محمد بثمن قدره ريالين، بلغه الثمن المذكور، شهد عندي مطلق الجبر وعبد الله بن محمد بن خميس بأن سلمى أم عيال معلا موافقة زوجه معلا على بيع صيته في ولده محمد من غريسه اللي باللسيب وراضية على ذلك البيع بعد ما باع وكيله زوجة معلا والمبيع بجميع حقوقه الداخلة والخارجة كله جميع غريس وأرض وطريق، وماقعه بحده من جنوب ملك زايد البلهان ومن شمال أرض السَّرَّاح، كذلك نصيبه في الأثل داخل المبيع، شهد على ذلك البيع مطلق

стр. 783

الجبر وعبد الله المحمد بن خميس ومحسن بن مرشد الشبرمي وأخوه محمد، جرى ذلك بقي رجب ثلاثة أيام من سنة .... وستين بعد المائتين والألف من هجرة المصطفى ﷺ ، كتبه بأمر الشهود وقرار البائع عبد العزيز بن حسن يسلم على من نظر إليه من الإخوان. انتهت ... وهذه صورتها:

стр. 784

البليدان: من أهل الصباخ كان لهم ملك في (سعة الله) بجانب ملك السويلم في شمال الصباخ. ولهم قرابة بالعبيد أسرة النائب (قني)، وقد انقرضوا. البليطيح: بإسكان الباء في أوله ثم لام مفتوحة فياء ساكنة فطاء مكسورة ثم ياء ساكنة وآخره حاء. على صيغة تصغير البلطيح أو بلطح، ولا أعرف اشتقاقه.

стр. 785

أسرة صغيرة من خب الحُمُر الذي هو كان آخر خبوب بريدة من جهة الشمال الغربي. ورد ذكر (البليطيح) هؤلاء في عدة وثائق من وثائق المداينات التي لولاها لم أعرف باسمهم وفاتني تسجيله، وربما كان ذلك راجعًا لعدم استقصائي الأسماء جماعتنا أهل بريدة الكبرى وأولها تقول: " الحمدلله وحده أقر فواز البليطيح بأن عنده وفي ذمته لمشوح المحمد خمسة أريل يحلن بجماد آخر سنة ١٣٣٢ هـ وأرهنه بذلك حقه بمكان أبوه بهملان الحُمُر شهد به كاتبه جارالله العبد الرحمن وصلى الله على محمد، ٥ ذي الحجة سنة ١٣٣١ هـ. ومشوح المحمد هو من أسرة المشوح كأنما اكتفى بالاسم الأول الذي تقل التسمية به فلا يشتبه لذا لا ينوه به، وكذلك الكاتب هو جار الله بن عبد الرحمن فهو من (الجارالله) المتفرعين من أسرة الصانع الكبيرة، وسيأتي ذكره في حرف الجيم. وهملان الحمر: مكان من خب الكمر - بضم الحاء - فيه نخل هملان أي متروك من دون سقي أو عناية أو كان كذلك في القديم. وتحتها ما يشبه التدييل عليها ولم يذكر تاريخه.

стр. 786

والثانية مداينة بين عوض بن مناور البليطيح نزيل الحُمر وبين موسى العبد الله العضيب ونصها:

стр. 787

الحمد لله أقر عوض بن مناور البليطيح نزيل الحُمر بأن عنده وفي ذمته لموسى العبد الله العضيب أربع وعشرين ريال عوض طاقتين ونصف خام يحلن إنسلاخ رمضان سنة أربع وثلاثين وثلثمائة ألف وأرهنه في ذلك الدين المذكور صيبته من نخل أبوه بالحمر وجريرته وعمارته بمكان أبوه بالحُمر، شهد على ذلك سليمان المحمد العمري وكاتبه سليمان بن إبراهيم بن شيبان، سبعة عشر من ذي الحجة سنة ثلاثة وثلاثين، وموسى العضيب هذا هو جد زميلنا الوجيه الثري موسى بن عبد الله العضيب الذي عينته مساعدًا لي في إدارة المعهد العلمي في بريدة ثم صار مديرًا للمعهد بعد ذلك وكان من الأثرياء الوجهاء المعروفين وشغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة الشركة أسمنت القصيم السنوات عديدة، ومات وهو في ذلك المنصب. وصيبته معناها: نصيبه والجريرة ما يكون في الفلاحة من حيوان أو أدوات أو نحو ذلك، والعمارة نصيب الفلاح في النخل الذي يفلحه وليس مالكًا له، بل هو مملوك لغيره. الشاهد سليمان بن محمد العمري هو والد صديقنا الشيخ صالح بن سليمان العمري أول مدير التعليم في منطقة القصيم والكاتب سليمان بن شيبان أعرفه معرفة واضحة أدركته وله دكان في شرقي بريدة وكان صديقًا لوالدي.

стр. 788

وهذه ورقة مداينة مختصرة بين سعدون البليطيح العنزي وبين حمد آل خضير. والدين عشرون ريالًا مؤجلة يحل أجل الوفاء بها في ربيع الأول سنة ١٢٩٨ هـ. وهي ثمن الجمل الأصفر. والشاهد محمد الحبَيِّب راع الشماسية. والكاتب الشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم. والتاريخ في ذي الحجة سنة ١٢٩٨ هـ.

стр. 789

وهذه وثيقة مداينة مختصرة وغير واضحة بين حويِّط العنزي البليطيح وبين حمد الخضير. والدين: سبعة أريل فرانسه يحل أجل الوفاء بها طلوع الفطر التالي، والمراد بالفطر التالي شهر ذي القعدة ولم يذكر السنة التي منها الفطر التالي الذي يراد به الفطر الثاني لأنهم كانوا يسمون شهري شوال وذي القعدة: الأفطار فشوال هو الفطر الأول، وذو القعدة هو الفطر التالي بمعنى الأخير. والشاهد خضير بن شيبان. والكاتب: إبراهيم العثمان بن سليم. وأخيرًا تلقيت كتابًا من الأخ الأستاذ صالح بن إبراهيم البلطيخ مؤرخًا في ٢٨/ ١٠ / ١٤٢٩ هـ مما جاء فيه:

стр. 790

عائلة البليطيح: من أشهر منازلهم أو البلدان التي قطنوا فيها الاتصال جزء منهم بالبادية حتى وقت قريب (منطقة القصيم) وتحديدًا غرب بريدة (الحُمر) حيث نزل أحد أجداد الأسرة ويدعي مناور بن فايز البليطيح، والذي كان سببًا لجلب عدد من أبناء عمومته لتلك المنطقة الصغيرة والمسماة بـ (الخب) وهي الحُمر آنفة الذكر، واشتهر أيضًا من أبنائه محمد وفواز الذين كانا بقربه أيضًا، بالإضافة لعمهم صالح بن فايز، ومن بعده بدأ الأبناء وأبناء الأبناء يتوافدون عليها حتى قرابة الستينات ميلادي، واشتهر من الأسرة عدد من الأبناء الذين رافقوا أبناء وأشقاء المؤسس الملك عبد العزيز يرحمه الله منهم عبد الهادي بن فهيد بن صالح البليطيح، وإبراهيم بن محمد بن صالح البليطيح، واشتهر أيضًا عبد الله بن فهيد بن صالح البليطيح بالكرم والتواصل مع الناس، وقد قيل فيه شعر من بعض أبناء قبيلة حرب منها: متى يجينا البليطيحي ... يكثر لنا الهيل والشاهي يجيب كار المفاطيح ... ما هو على المرجلة فاهي والمقصود بكلمة فاهي: أي أنه غير متصنع ومعجب بفعله. واشتهر من الأسرة عدد من الشعراء والكتاب والمؤلفين والمهتمين بالصحافة والإعلام منهم صالح بن إبراهيم بن محمد البليطيح صاحب كتاب (المعلوم من واجب العلاقة بين الحاكم والمحكوم) المشهور بالإضافة لمشاركاته الشعرية والأدبية في العديد من المنتديات، والكاتبة الأستاذة بدرية بنت إبراهيم بن محمد البليطيح.

стр. 791

البليهد: (أهل بريدة والبكيرية والقرعا) والأخيرة هي موطنهم الأول في القصيم. جاءوا إلى القصيم من الوشم في حدود منتصف القرن الثالث عشر من قرية غسله هناك. منهم العلامة الشهير الشيخ عبد الله بن سليمان بن سعود بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن بليهد. تولى عدة مناصب قضائية منها رئاسة القضاة ومقرها مكة المكرمة، وكان آخرها قضاء حائل، توفي عام ١٣٥٩ هـ. كنا عندما عقلنا الأمور نعرف الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد من أحاديث الناس بأنه من العلماء بعيدي النظر وكان الناس يقدرونه ويعظمونه، ولكننا لم نتمكن من القراءة عليه لأنه لم يكن يعيش في بريدة، وإنما كان يلم بها إلمامًا ولو استطعنا لذهبنا إليه في مقره في الفوَّارة ولكن الأمور في ذلك الوقت ليست كما هي عليه الآن. وقد اشتهر الشيخ عبد الله بن بليهد بتصرفه القوي الحازم بعد فتح الحجاز على يدي الملك عبد العزيز آل سعود عام ١٣٤٣ هـ، فكان ابن بليهد قاضيا، بل رئيسًا للقضاة هناك بخلاف نجد التي لم تعرف هذا المنصب ولم تكن فيها رئاسة للقضاء. وعندما جاءت طائفة من أهل الهند ممن دعاهم الملك عبد العزيز آل سعود إلى مكة المكرمة لعقد مؤتمر يقرر مصير الأمر في الحجاز وفق خطة كان أعدها في سياسة ذكية، بل تدل على الدهاء الذي لا يستغرب منه، وكانت ضرورية من أجل أن يظهر أن ما كان يقوله من كونه حارب الشريف حسين بن علي ومن معه من أجل دفع العدوان الذي قاموا به على نجد ورعايا ابن

стр. 792

سعود، ومن أجل رفع المظالم، وإزالة المنكرات الموجودة في الحجاز بسببهم، وليس من أجل أن يحكم هو الحجاز. عندما عقد الاجتماع كان فيه من علماء نجد الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد فقال جماعة من أعيان الهند الذين حضروا: يجب أن تحكم مكة المكرمة بل والمدينة المنورة من العالم الإسلامي كله فاعترض ممثلو الملك عبد العزيز ومن معه متسائلين: من الذي سينفق على هذه الحكومة؟ ومن أين تأتي مواردها المالية؟ فقالوا: منا نحن أهل الهند، وكانوا كما هو معروف أقلية في الهند وكانت الهند تحكم من البريطانيين، لذلك كان معنى كلامهم أنها ستقوم على التبرعات الشعبية من الأقلية المسلمة، فأسرع الشيخ عبد الله البليهد يقول بحدة (يا أهل الهند أغنوا دراويشكم). أي إذا كانت لديكم أموال تقولون إنكم سوف تغنون بها أهل الحجاز عن طريق تخصيصها للحكومة المقبلة فالأولى بكم أن تبدعوا بدراويشكم وهم فقراؤكم فتغنوهم، فسار قوله (يا أهل الهند أغنوا دراويشكم) مثلًا في الناس يضرب في السخرية ممن يزعم أنه سيعطي الناس وهو في حاجة للعطاء. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اعتقد كبار أهل مكة أنه لو طبقت خطة حكم الحجاز من قبل ممثلين للعالم الإسلامي لوجدوا أنفسهم محكومين من الهنود والجاويين والإفريقيين لذلك اتفقوا مع الملك عبد العزيز على أن يولوه عليهم، وهذا ما كان الملك عبد العزيز ﵀ يرمي إليه من تدبيره الذي كان محكمًا وموفقًا، وقد خدمته الأقدار في ذلك بمعنى أن الله قد قدر ذلك وهو خير للإسلام والمسلمين كما ظهر ذلك جليا. كان الشيخ عبد الله بن بليهد من أوائل من اتخذوا السيارات من المشايخ ربما كان ذلك بسبب اتصاله بالحجاز قبل ذلك بسنوات ولكن اتخاذ السيارة في

стр. 793

نجد في تلك الأزمان مشكلة لأنه لم يكن يوجد في البلاد (ورشات) لإصلاحها ولا يوجد مهندسون، فكان على من يسوق السيارة أن يكون ملمًا بما يتعلق بها، وإذا عجز عن ذلك، بأن احتاجت إلى تغيير آلة من الآلات أن يوقفها أيامًا عديدة حتى يحضرها من جدة أو من البحرين أو العراق. وكان للشيخ عبد الله بن بليهد ابن هو عبد الرحمن أكبر من نعرفه من الأبناء له، وكان الناس عندنا ينظرون إلى أبناء العالم الكبير كالشيخ ابن بليهد نظرة تختلف عن نظرتهم إلى سائر الناس فيطلبون منهم أن يكونوا متدينين ملتزمين لأن هذا هو الذي ينبغي أن يكون من يربيه عالم متدين كما هي حالة الشيخ عبد الله وعظم قدره في نفوس العامة، ولكن عبد الرحمن ابن الشيخ لم يكن طبعه ولا عمله كما يريده والده له، وكما يريده المتدينون، فكان في شبابه يجالس أناسا ليسوا قريبين من المتدينين مما أحزن كثيرًا من الناس. ثم تعلم قيادة السيارة وكانت وظيفة سواق عند الناس منحطة في ذلك الوقت لأن أوائل السواقين كانوا تعلموا في الخارج وكان من بين ما تعلموه التدخين والتهاون في أداء الصلوات. ولكن الشيخ ابن بليهد لبعد نظره كان يرفق بابنه حذرًا من أن يبتعد كليًا عن نظره، فجعله سائقًا لسيارته مما آثار انتقاد بعض الذين لا بصيرة لهم من المتدينين الذين تحملهم محبتهم للتدين على عدم النظر إلى العواقب البعيدة. وقد ظل عبد الرحمن على حاله قريبًا من والده يستفيد من تربيته ويتعلم من أخلاقه إلَّا أنه لم يتفرغ لطلب العلم. وبعد مدة من وفاة والده رجع إلى التدين وطلب العلم على المشايخ إضافة إلى ما كان تعلمه من المعرفة عن والده.

стр. 794

وكانت النتيجة أن أصبح في مستوى من العلم والتدين لا يقل عن مستوى بعض من تولوا القضاء من المحدثين، ولكن المشكلة تمثلت في كون الالتحاق بالوظائف الدينية ومنها القضاء والإرشاد الرسمي محتاجًا إلى شهادة جامعية. وقد عرف المشايخ من آل الشيخ في الرياض قدر والده الشيخ عبد الله بن بليهد وصلاحية ابنه الشيخ عبد الرحمن للعمل في المعاهد العلمية التي لا يشترط لإدارتها الحصول على شهادة جامعية فعينوه مديرًا للمعهد العلمي في الرس، فأداره بجدارة وأثبت بحسن تصرفه ومعرفته بالأمور الدينية ما جعله جديرًا بأن يلتحق بكلية الشريعة في الرياض، إلَّا أن العقبة التي تحول دون ذلك أنه كان مثلي لم يلتحق بمدرسة نظامية ثانوية. فما شعرت مرة من المرات إلَّا به يدخل عليَّ مكتبي في إدارة المعهد العلمي في بريدة عندما كنت مديرًا له، معه محمد بن عبد العزيز السعود البليهد من أبناء عمومته والأستاذ عبد الله بن الشيخ سليمان المشعلي أحضره معه من أجل أن يعرفني به لأنه لم تسبق له مجالسة معه، وإن كنت أعرفه ويعرفني على البعد، ومن أجل أن يحاول أن يشرح لي ما يسهل تلك المهمة. ابتدأ عبد الله المشعلي الكلام قائلًا ما معناه هذا عبد الرحمن بن الشيخ عبد الله البليهد له حاجة عندك، ويرجوك أن تقضيها. فرحبت به كثيرًا ودعوت لوالده ثم أعطاني الشيخ عبد الرحمن كتابًا مغلقًا من رئيسي الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ المدير العام للكليات والمعاهد العلمية يقول فيه ما معناه (لقد طلب منا الشيخ عبد الرحمن بن بليهد أن نكون له لجنة لاختباره في مواد الشهادة الثانوية من أجل أن يلتحق بكلية الشريعة في الرياض فنرجو تأليف لجنة لاختباره وإخبارنا بالنتيجة). كان الشيخ عبد الرحمن البليهد واللذان معه مشفقين كما أخبرني بعد ذلك من ألا أقبل أو أضع شروطا لا يستطيع تحملها ولو كانوا يعلمون ما في نفسي لما وقع

стр. 795

في نفوسهم مثل ذلك لأنني كنت في غاية السرور، بل في غاية السعادة، إذ أتيحت لي فرصة أقدم فيها شيئًا لهذا الرجل الطيب من أسرة علمية طيبة. وقلت لهم وأنا أتصنع الجد: إنني لن أقضي حاجتكم هذه إلَّا بشرط فتطلعوا إلى ما أقوله باهتمام لأنهم بالفعل كانوا خائفين من اعتراضي بشيء فقالوا: ما هو؟ قلت: أن تتعشوا عندي الليلة وبعد ذلك أخبركم لأن الشيخ عبد الرحمن له حق ووالده له حق كبير وأسرة البليهد لها حق علينا. انشرح صدر عبد الرحمن وابن عمه محمد بن عبد العزيز السعود الذي يعرفني حقا وقال: أبرك الساعات. فقلت له: إذا أقول لك الآن مرحبا وسوف نقوم باللازم نحوك. كان فرحه غامرًا، ولكنه أضاف إنك الله يسلمك تعرف أن الوقت عندي قصير وأنا أريد أن أعود بالنتيجة للشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم في الرياض. وقد أقمت له مأدبة عشاء كبيرة لم يكن يتوقعها لأنه لم تكن لدي صلة شخصية وثيقة به من قبل، دعوت لها عبد الله المشعلي واثنين من أسرة البليهد وبعض المشايخ المدرسين في معهدنا. وفي الصباح ألفت اللجنة من أعضاء التدريس في المعهد وعهدت فيها بالناحية الفنية للمسئول عن الاختبار بمعهدنا وطلبت منهم أن يضعوا له أسئلة مناسبة في مستوى الشهادة الثانوية وأن يطلعوني عليها. وبسرعة تم ذلك، ونجح في الاختبار ووقع على ذلك ثلاثة من المشايخ المدرسين فأعطيته النتيجة حملها مسرورا إلى الرياض. وحدثني الشيخ عبد الله المشعلي لأنه كان ذهب معه إلى الرياض لمساعدته، قال: وصلنا في الرياض إلى رجل كبير القدر فلم يلتفت إلى عبد الرحمن ولم يدعه إلى بيته فقال عبد الرحمن بن بليهد: يا عبد الله قل آمين،

стр. 796

فقلت: على أي شيء؟ قال عسى جبهة فلان - يقصد ذلك الذي في الرياض فديّ لمحمد العبودي الذي أكرمنا وقضى حاجتنا، وكان ترحيبه بي أعظم عندي من ذلك، وهذا الرجل عكسه. هذا وقد التحق الشيخ عبد الرحمن بكلية الشريعة ومستواه في العلوم الشرعية أعلى من مستوى طلابها ولكنه توفي في حادث سيارة ومعه ابن عمه محمد بن عبد العزيز السعود البليهد الذي توفي معه وهما ذاهبان إلى الرس، عام ١٣٨٨ هـ ﵀ رحمة واسعة. وكانت حالة عبد الرحمن التي أصبح عليها من التدين والمحبة لطلب العلم داعية للترحم على والده الذي رفق به حتى صار كذلك، وكأنما كان والده ينظر في الغيب عندما فعل له ذلك. وكان تولى إدارة المعهد العلمي في الرس، وكانت الحادثة التي توفي فيها وقعت بين عنيزة والرس. وفيما يتعلق بسيارة الشيخ ابن بليهد وقيادة ابنه عبد الرحمن لها حدث عبد الرحمن الطرير من أهل البدائع قال: كان للشيخ عبد الله بن بليهد رحم في البدائع أو قرابة، قال بعضهم: إنها أمه، فجاء إلى البدائع في سيارة في وقت لم يعرف الناس فيه السيارات، فكانت سيارته تلك أول سيارة تصل البدايع ولم يكن أحد من أهلها شاهد سيارة من قبل. قال: فاجتمعنا نحن الشبان والصبيان قريبًا منها، لم نجرأ على لمسها خوفًا وفزعًا منها فقال أحدهم: الذي يلمسها له (إبريق شاهي يشربه) قال عبد الرحمن الطرير: فجمعت نفسي واستجمعت شجاعتي وغامرت بلمسها وكان بداخلها عبد الرحمن بن الشيخ ابن بليهد وهو الذي كان يسوقها لأبيه ولم نكن

стр. 797

فطنا له فضرب بوق السيارة عندما لمستها فأجفل الصبيان ظنًّا منهم أن هذا رد فعل منها، وهربنا جميعا لا نلوي على شيء. قالوا: وعندما اجتمع الشيخ ابن بليهد بكبار السِّنِّ من أهل البدايع قال له أحدهم: هذي يا شيخ سمعنا أن النصارى يركبونها ولا اهتمينا بهم، لكن الشرهة عليك أنت يا شيخ - إنك تركبها. وقال ثان وثالث وهو ساكت، ولما فرغوا قال لهم: اسمعوا يا أهل البدايع - إن كان الله أعطاكم عَمار وطَّول لكم بها الدنيا أن تشوفونها أكثر من زمايل البدايع! والزمايل: الحمير. هذا وقد صدق حدس الشيخ: إذ صارت السيارات في البدائع أكثر من الحمير الآن، لأن الحمير قلت والسيارات كثرت. قال الأستاذ صالح العمري: ولد المترجم أي عبد الرحمن ابن الشيخ بن بليهد في بريدة عام ١٣٢٠ هـ تقريبًا ونشأ في أحضان والده وتعلم القراءة والكتابة، وقد رافقه إلى البكيرية والرس عندما كان قاضيًا فيهمًا وهو في سن الطفولة ثم رافقه إلى حائل عندما عن والده قاضيًا، ثم رافقه إلى مكة المكرمة عندما عيِّن رئيسًا للقضاء ولم ينقطع عنه. وكان يقرأ عليه ويسمع كلامه ويعيه ويتحدث به فيما بعد مما يدل على تأثره به وكان في خدمة والده حتى عام ١٣٥٣ هـ عندما رغب في العلم ورغَّبه والده بذلك فترك البقاء مع والده، وانقطع للدرس والتحصيل ولازم العلامة الشيخ عمر بن محمد بن سليم في بريدة قرابة خمس سنوات كما لازم الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وغيرهما من علماء بريدة، وفي آخر عام

стр. 798

١٣٥٨ هـ سافر إلى حائل لزيارة والده بعد أن تزود من العلوم في بريدة فبقي عنده في حائل حتى سافر والده للعلاج بالطائف وكان طوال هذه المدة يقرأ على والده ويستفيد منه، فلما توفي والده انشغل بأمور إخوانه فانقطع عن الدراسة، وفي عام ١٣٧٦ هـ رشح مديرًا لدار التربية بحائل، ولما تخرج من كلية الشريعة عين مديرًا للمعهد العلمي بالرس استمر عامًا أو أكثر، وكان في طريقه للرس ليلًا فاصطدمت سيارته بسيارة قلاب فتوفي على أثرها، وكان معه الشيخ محمد بن عبد العزيز السعود بن بليهد فتوفي معه (١). انتهى. وقد أعاد الشيخ عبد الله بن بليهد إجراء عين في عيون الفوَّارة، وكانت عيون الفوارة كلها قد دثرت حتى لم يبق لها من ذكر معروف عند العامة ولكنه استدل عليها من معجم البلدان لياقوت. وبذل في حفرها وإعادة إجرائها أموالًا طائلة حتى جرت وغرسها غير أنه لحقته الديون بسببها ومات مدينًا. وكان الشيخ ابن بليهد ﵀ قد حاول قبل عزمه على إجراء عين الفوَّارة أن يعيد حفر عين ذكرها البكري في معجم ما استعجم في شرقي الحمى قرب (نفي)، فبحث عنها فترة إلَّا أنه لم يهتد إلى مكانها الحقيقي فعزم على حفر عين الفوارة هذه. ومن البليهد سعود .. بن بليهد طالب علم من تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم. وعبد العزيز بن سعود البليهد من طلبة العلم أيضًا ومن تلاميذ آل سليم وهو أكبر منا وقد عين إمامًا لمسجد في شرق الحبيب وتوفي وهو إمام فيه.

стр. 799

ومنهم الشيخ حمد بن سليمان بن سعود بن سالم بن محمد البليهد تولي القضاء في البكيرية، ومات في عام ١٣٦٠ هـ. وقد ساق عبد الرحمن بن محمد البليهد من أهل القراين نسب الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد كما يلي: عبد الله بن سليمان بن سعود بن محمد بن عبد الله بن سليمان بن عثمان بن بليهد. وقال: ولد عام ١٢٩١ هـ وتوفي عام ١٣٦٠ هـ. أصلهم من بلدة غسلة في القراين بناحية الوشم جاءوا إلى القرعاء في جنوب الجواء. وذكر عبد الرحمن بن محمد بن بليهد من أهل القراين أيضًا: أن جد آل بليهد عثمان نزل في ضرية فأقام بها فولد له ابنه بليهد وصارت له ذرية انتقلوا من ضرية إلى القراين. وأن سعود بن عبد الله البليهد عينه الإمام تركي في علاوي القصيم وأن ذريته هم الباقون الآن في القصيم ومنهم الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد (١). ولم يذكر مسمى الوظيفة التي عين فيها سعود، ثم نقل عن ابن بسام أن الذي عينه الإمام تركي هو سعود بن بسام البليهد جعله الإمام تركي قاضيًا في القصيم. ثم نقل عن ابن سالم ترجمة الشيخ حمد بن سليمان بن سعود وقال: كان جد المترجم سعود قاضيًا في (عيون الجواء) إحدى بلدان القصيم فاستقر فيها واستوطنها، ونشأ في هذه القرية (القرعاء) (٢)، وهذا فيه تناقض كما ترى، وفيما بينه وما قبله، وليس من المعتاد في تلك الأوقات تعيين قضاة في القرى والبلدان الصغيرة مثل عيون الجواء، مما يدل على أن النقل غير صحيح.

стр. 800

وقد ترجم الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز المعارك للشيخ عبد الله بن بليهد في (أعلام القصيم) والغالب أنه ينقل عن والده عبد العزيز بن عبد العزيز المعارك معظم ما ذكر مما لم يكن في الكتب المكتوبة. وفي ترجمته له تفاصيل وافية قال من بين ما قاله: العلامة الشيخ عبد الله بن سليمان بن سعود بن بليهد: أول رئيس للقضاء في المملكة العربية السعودية. ولد هذا العالم الجليل في القرعاء - شمال بريدة عام ١٢٨٤ هـ ونشأ وتربي في بيت علم وفضل، تعلم القراءة والكتابة على يد والده، وقرأ القرآن الكريم وحفظه على ظهر قلب ثم انتقل إلى مدينة المذنب ولازم قاضي المذنب العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن دخيل، ثم رحل إلى مدينة بريدة ولازم علماءها كالشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وصالح بن قرناس، والشيخ الزاهد عبد الله بن فدا، ثم سافر للهند فقرأ على علمائها ثم عاد إلى الرياض وجلس إلى علمائها وفيهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ سعد بن عتيق والشيخ حمد بن فارس ثم عاد إلى القصيم متنقلًا بين بريدة وعنيزة والبكيرية والخبراء والبدائع مرشدًا وواعظًا ومدرسًا فنفع الله به وبعلمه، قال لأولاده وهو يحثهم على طلب العلم، لقد كنت أطلب العلم وإن وسادتي لعدة شهور لينَة في جامع بريدة. ومن أهم أعماله ﵀: - عين قاضيًا في الرس والبكيرية والخبراء والبدائع ودخنة والشقة. - عين قاضيًا لمدينة حائل وما جاورها عام ١٣٤٢ هـ. - اختاره الملك عبد العزيز ﵀ أول رئيس لقضاء المملكة في مكة المكرمة في ١٢ صفر ١٣٤٤ هـ. - دَرَّس في الحرم المكي أخذ عنه كثير من المواطنين والمهاجرين والحجاج

стр. 801

وتولى عدد من تلامذته القضاء والإفتاء والوعظ والإرشاد (١). انتهي. لقد كان للشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد معرفة واسعة بالأماكن والبلدان والجبال والوديان المذكورة في المعاجم القديمة. قالت مجلة الفتح (في عام ١٣٤٥ هـ) قام الأستاذ الشيخ عبد الله بن بليهد رئيس القضاة في الحجاز برحلة في جزيرة العرب بسيارته - وهي من طراز فورد. من مكة المكرمة إلى جدة فالمدينة المنورة ثم حائل ثم القصيم وعاد في تلك الطريق حتى بلغ مكة، وقد استطاع وللمرة الأولى في التاريخ أن يقطع المفاوز والوديان، وقد قطع من المدينة إلى جدة في اثنتي عشرة ساعة. والذي ساعده على ذلك خبرته الشخصية بالطرق، ومعرفة المسالك الصالحة لسير السيارة فيها فتمكن من عدم إضاعة الوقت بقدر الإمكان. (من العدد ٥٠ ذي الحجة ١٣٤٥ هـ) (٢). يقول إبراهيم جارالله الشريفي (٣): وقد عينه الملك عبد العزيز عند دخوله الحجاز فعينه رئيسًا للقضاء بمكة المكرمة عام ١٣٤٣ هـ ولغاية ١٣٤٥ هـ وللشيخ عبد الله من المصنفات: جامع المناسك في أحكام المناسك، كما أن له رسالة حول هدم القبور منشورة في جريدة أم القرى عام ١٣٤٥ هـ العدد رقم ١٠٤، انتهى كلامه. هذا كتاب موجه من الملك عبد العزيز آل سعود إلى الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد عندما كان الشيخ ابن بليهد في رئاسة القضاء في مكة المكرمة

стр. 802

وتاريخ الكتاب هو ١٢ شوال سنة ١٣٤٤ هـ. وهذا أنموذج من تصديق الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد على إحدى الوثائق وقد كتبه بخطه في ١٦ جمادي سنة ١٣٥٤ هـ.

стр. 803

هذا ومع جلالة قدر الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد فإنه لم يسلم من مضايقة العامة في بلدة من البلاد التي تولى القضاء فيها مما اضطره إلى أن يخرج من تلك البلدة في القائلة أي شدة الحر في وسط النهار ماشيًا على قدميه. وهذا أمر طبيعي حدث لكثير من العلماء والصلحاء. هذه أبيات أنشاها كاتبها يحض فيها نفسه ومن شاء الله من أبناء جنسه على طلب العلم، ويمدح الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد، قائلها علي الأحمد. نقلتها بخطي من إحدى الأوراق عام ١٣٦٥ هـ.

стр. 804

وهذا أنموذج للأوراق التي أصدرها الشيخ عبد الله بن سليمان البليهد إبان توليه القضاء وهي موجهة منه إلى عبد الله بن سليمان بن عيسى (الطمل). والطمل ليس من أسماء عبد الله العيسى وألقابه، وإنما هو لقب لعمه عيسى بن عبد الكريم أخي والده سليمان بن عبد الكريم العيسى. وقد أرخها الشيخ ابن بليهد بتاريخ ١٠ صفر سنة ١٣٥٣ هـ. ومنهم الشيخ حمد بن سليمان البليهد أخو الشيخ عبد الله تولى القضاء في بلدة البكيرية. توفي الشيخ حمد البليهد في آخر ذي الحجة من عام ١٣٥٩ هـ. ترجم له الشيخ عبد الله البسام (١). والشيخ حمد السليمان بن سعود بن بليهد: شقيق العالم الشهير الشيخ عبد الله بن بليهد، ولد ﵀ في بلدة القرعاء الواقعة شمال غرب بريدة بالقصيم عام ١٢٩١ هـ، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم رحل إلى بريدة فقرأ فيها على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ عبد الله بن فدا، ولازم شقيقه

стр. 805

الشيخ عبد الله بن بليهد وأخذ عنه واستفاد منه كثيرًا. وفي عام ١٣٤١ هـ نقل الشيخ عبد الله بن بليهد من قضاء البكيرية إلى قضاء حائل فعين الشيخ حمد خلفًا له على قضاء البكيرية واستمر نحو ست سنوات، وكان خطيب وإمام الجامع الكبير في البكيرية خلال تلك الفترة، وقد جلس للتدريس في الجامع المذكور، والتف حوله طلبة أخيه الشيخ عبد الله فقرءوا عليه حتى عين الشيخ محمد بن مقبل في القضاء فاعتزل التدريس. وممن أخذ عنه: الشيخ محمد بن صالح بن خزيم، الشيخ سليمان بن صالح بن خزيم، الشيخ عبد الرحمن السالم الكريديس. وغير هؤلاء، وفي آخر حياته انتقل إلى بريدة، فصار يحضر مجالس الشيخ عمر بن سليم، وقد توفي ﵀ في عام ١٣٦٠ هـ فرحمه الله وعفا عنه (١). وترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي، فقال: حمد السليمان البليهد من القرعا بالقصيم هو العالم الجليل الورع الزاهد النبيل الشيخ حمد بن سليمان بن سعود بن سالم بن محمد بن أبليهد ينتمي إلى قبيلة بني خالد فخذ من آل جبور، ولد هذا العالم الجليل في بلدة القرعا بالقصيم في بيت علم وشرف ودين، سنة ١٢٩١ هـ، ونشأ نشأة حسنة بتربية أبوية كريمة وقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب ثم شرع في طلب العلم بجد ومثابرة فقرأ على علماء القصيم في الأصول والفروع والحديث والتفسير.

стр. 806

ومن أبرز مشائخه أخوه العلامة الشيخ عبد الله السليمان البليهد لازمه ليله مع نهاره سنين كما قرأ على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وعبد الله بن مفدي لازمهما سنين، وكان يزور عنيزة فيحل ضيفًا على العم إبراهيم المحمد البسام الصداقة بينهما ويحضر دروس الجد الشيخ صالح بن عثمان ويستشكل في الدرس ويستفيد ويفيد وكان يحب البحث في مسائل العلم ويحفظ كثيرًا من المتون العلمية في فنون عديدة. جلس للطلبة في بلدة البكيرية لأن أخاه كان قاضيًا فيها وصحبه للقراءة عليه فاستوطنها، وكان حسن التعليم ويجلس للطلبة ثلاث جلسات في الليل والنهار، فانتفع الطلبة منه، ومن أبرز تلامذته النابهين الشيخ عبد العزيز العبد الله بن سبيل قاضي البكيرية سابقًا والمدرس بالمسجد الحرام، ومحمد وسليمان الصالح الخزيّم وعبد الله الراشد الحديثي وعبد الله وإبراهيم العبد العزيز الخضيري وإبراهيم الهويريني المتوفى عام ١٣٧٤ هـ وعبد الرحمن السالم الكريديس في آخرين. أعماله التي زاولها: لما نقل أخوه الشيخ عبد الله من البكيرية إلى حايل في سنة ١٣٤١ هـ خلفه على قضائها بتعيين من الملك، وبطلب من الأهالي فسدد في أقضيته فكان عادلًا فيها يصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم محبًا للمساكين يهجر أهل المعاصي، داعية خير ورشد وصلاح ويميل في الأوامر والنواهي إلى الشدة فتألبت الأعداء عليه وناله منهم أذى فصبر وصابر ثم أخذ الأشرار يؤلبون عليه وخصوصًا لمن يرونه محكومًا عليه في قضية فتحزَّبوا وطال النزاع بينهم، وكانت المحكمة تتبع بريدة فانتدب الشيخ عمر بن محمد بن سليم هيئة النظر فيما بينهم من التنازع برئاسة الشيخ محمد بن عبد الله بن حسين فأحضروهم معه وبعد أخذ إفادتهم حاولت الهيئة فصل النزاع بينهم فصمموا وكذا الشيخ حمد آثر العافية حينما رأى النزاع سيستفحل فطلب الإعفاء

стр. 807

من منصبه وكتب معهم إلى عمر بن سليم يستعفيه فأعفاه وعين خلفًا له الشيخ محمد بن مقبل من أهل خب المنسي بعد استشارتهم وباشر محمد بن مقبل أعمال القضاء في عام ١٣٤٧ هـ. وتجرد الشيخ حمد للعبادة، ولازم المسجد والتدريس فيه، وكان إمام وخطيب جامعها حتى استعفي ورشح للقضاء مرارًا بقرى بعدها فرفض وعزف عن الدنيا وأقبل إلى الله والدار الآخرة، وكان من قوام الليل وصوام النهار ويكثر من التلاوة، وكان فقيهًا محدثًا وله اليد الطولى في علم العربية، وعنده محفوظات لبعض دواوين الشعراء في الحكم يستشهد بها في كل مناسبة، وكان من الشجعان البواسل أبلى بلاء حسنًا في سنة ١٣٤٧ هـ بالسبلة وأما أوصافه فكان مربوع القامة قليل اللحم كثيف اللحية أبيض اللون محبوبًا عند معظم أهالي البكيرية، ولكنه تعين بعد أخيه عبد الله البليهد، وكان ذا مكانة مرموقة وقد ألفوه وأشربوا حبه فلم ينسجموا مع أخيه حمد بعده على أن رضاء الناس غاية لا تدرك وكل منهما له مواقف حازمة وعزة في النفس يتوخيان الحق ولا يعرفان الهوى، وقد تولى الله سرائرهما توفي الشيخ حمد في البكيرية سنة ١٣٦٠ هـ (١). انتهى. ومنهم الشيخ سعود بن سليمان بن بليهد أخو الشيخ عبد الله السليمان البليهد ترجم له الشيخ صالح بن سليمان العمري بقوله: الشيخ سعود بن سليمان بن بليهد: شقيق رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن سليمان بن بليهد، وهو والد الشيخ عبد العزيز السعود البليهد، وجد الشيخ محمد

стр. 808

بن عبد العزيز السعود البليهد، كان من أهل الفضل والصلاح والتقوى والعبادة ومحبة الصالحين يتعصب لمشايخه ويعظمهم ويحترمهم، أخذ عن الشيخين محمد بن عبد الله ومحمد بن عمر بن سليم وأكثر مجالستهما، ثم من بعدهما أكثر مجالسة الشيخ عبد الله والشيخ عمر بن سليم. حدثني الوالد ﵀ قال: كان الشيخ سعود ملازمًا للصلاة في جميع الأوقات بمسجد الجامع في بريدة خلف الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وكان بيته بعيدًا عن الجامع ويأتي إليه مع كبر سنه للصلاة خلف الشيخ عبد الله، فلما عين الشيخ عمر بن محمد بن سليم إمامًا لمسجد ناصر ببريدة، وهو أقرب إلى منزله صار يصلي خلف الشيخ عمر، وكان له مكان معين في الصف الأول خلف الشيخ عبد الله قل أن يفوته، فلما التفت الشيخ عبد الله لم ير سعودًا فظنه غائبًا أو مريضًا، ولما صلى الشيخ عبد الله قابله الشيخ سعود خارج المسجد فسأله عن حاله؟ فقال: إنه بخير قال الشيخ عبد الله: لم أرك في المسجد كالعادة فقال سعود: رزقنا الله إمامًا قريبًا من المنزل يقصد الشيخ عمر وهما عنده سواء فعرف الشيخ عبد الله قصده فرحمه الله رحمة الأبرار على محبته لهؤلاء العلماء، انتهى. ومن طلبة العلم الذين أدركناهم من أسرة البليهد في بريدة عبد العزيز بن سعود البليهد، كان إمام مسجد شرق الخبيب إلى الشمال من المعهد العلمي. ولم أعرف أنه تولى عملًا رسميًا غير الإمامة، ولكنه كان من المشددين على جماعة المسجد بالحضور إلى صلاة الجماعة، وعدم التخلف عنها. وكان من الجماعة ثلاثة مدرسين مصريين يدرِّسون في المدرسة الثانوية التابعة لوزارة المعارف، فلما التفت الشيخ عبد العزيز بن سعود البليهد إلى يمينه من الصف قائلًا كالعادة: استووا، استووا، ويريد بذلك سوُّوا صفوفكم.

стр. 809

قال أحد المدرسين المصريين الذي بدا كأنما حضر الصلاة في الجماعة رغما عنه، استوينا يا ابن .... ومراد المصري باستوينا: نضجنا من استوى اللحم في القدر إذا نضج. ذكر لي ذلك أحد المدرسين عندنا في المعهد من المشايخ المصريين. وقد خلفه في إمامة هذا المسجد ابنه محمد بن عبد العزيز السعود البليهد، وكان آنذاك طالبا عندنا في المعهد العلمي، ترجمه الدكتور عبد الله الرميان فقال في كتابه (مساجد بريدة) ص (١١٥): محمد بن عبد العزيز بن سعود البليهد: تولى إمامة هذا المسجد سنة ١٣٦٩ هـ وبقي في إمامته حتى سنة ١٣٧٥ هـ حيث انتقل إلى المسجد الذي أسسوه على نفقتهم شرق شارع الخبيب، فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٦٩ هـ - ١٣٧٩ هـ). ولد ﵀ في بريدة سنة ١٣٤١ هـ ونشأ بها نشأة حسنة فتربي على يد والده وتوجه من صغره لطلب العلم، فحفظ القرآن في سن الصغر ولازم العلماء فأخذ عن الشيخ عمر بن سليم، والشيخ عبد الله بن حميد قاضي بريدة والتحق بالمعهد العلمي حال تأسيسه وتخرج منه، وعين مدرسًا في المدرسة الخالدية الابتدائية، وأثناء تدريسه انتسب إلى كلية الشريعة بالرياض عام ١٣٨٥ هـ وانتقل سنة ١٣٨٧ هـ إلى الرياض وانتظم في الدراسة بالكلية حتى تخرج منها سنة ١٣٨٨ هـ فعين مدرسًا في المعهد العلمي بالرس، ودرَّس فيه بضعة أشهر فقط حيث توفي ﵀ في شهر محرم عام ١٣٨٩ هـ في حادث سيارة وهو في طريقه إلى الرَّس مع ابن عمه لشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن بليهد مدير المعهد العلمي بالرس.

стр. 810

وفي آخر الكلام على أسرة (البليهد) يجدر بي أن أورد وثيقة مؤرخة في عام ١٢٨٢ هـ بخط إبراهيم آل محمد (السعود) البليهد كتبها في غرة ربيع سنة ١٢٨٢ هـ. وهي مداينة بين سعود الحمد راعي أبا الدود وبين ( ... ) بن سليمان. والدين أربعة أصواع ذرة عوض ( .... ) يحل أجلهن أي أجل الوفاء بها في جماد التالي وهو جمادي الثانية من عام ١٢٨٣ هـ. والشاهدان محمد القسومي، وعبد العزيز ( .... ) راعي القرعاء. وتدلنا هذه الوثيقة على أمرين مهمين أولهما: وجود كاتب في هذه الأسرة في ذلك العهد في القصيم، أما في الوشم فإن هذا الأمر مختلف، إذ كان فيهم طلبة علم. والثاني: قدم وجود الأسرة في القصيم.
следующие страницы →