وكانت متعته الوحيدة وسلوى نفسه هي أن يقرأ ويحادث، وقد حال عمي عينيه دون تحقيق هذه المتعة، فطيبت خاطره يومها بأن عماه مرده إلى "الماء الأبيض الذي غشي عليهما بسبب الشيخوخة ما يسمى طبيًا (كتاركت) وأن علاجه سهل بحول الله.
لقد كان الأمل وحب الحياة يملأ عينيه الطافيتين وودعته فكان الوداع الأخير!
مات "وإذا مات رجل مسن فكان مكتبة عامرة قد أحرقت" ظاهرة هذا الإنسان تكمن في ذاكرته التي تحوي تاريخا لا تسعه المجلدات، يحادثك عن أي فرد فيقدم لك معلومات لا تتخيلها، ويسرد لك أحداثًا من التاريخ القديم والحديث مرتبة ومبوبة فكأنه يقرأ في كتاب، فتعجب أي رأس هذا الذي يسع كل هذه المعلومات! وظاهرة هذا الرجل هي أيضًا في تواضعه وبساطته وأنسه بالآخرين، كان يكسب قوت يومه لقاء بيعه (فناجيل الشاي) فكان يحمل أكبر عدد منها يضع جزءا فوق رأسه ويملأ يديه من الجانبين بأكبر عدد ممكن من الفناجيل، وينادي بصوت منغم - فناجيل - فناجيل وتطربك هذه المناداة حين يموسقها بقرعه الفناجيل بعضها ببعض!
كنت صغيرًا، وكثيرا ما اعترضت طريقه طمعا بضاعة ذاكرته لا ببضاعة بده، وكان أقرب الزبائن إلى نفسه هو من يسأل عن بضاعته الخفية تلك!
ثم هو من أجل يُسوِّق بضاعته لا يمل التطواف ولا يسأم المشي، وكان ينطلق من مركز البلد ليتوجه شمالا أو جنوبا إلى مسافة ينتصف بها البلدة، ثم بدأت هذه المسافة تقل مع الأيام حتى أمست عبارة عن عدة خطوات يخطوها من منزله ليلقي بجسمه المتهالك على عتبة أقرب دكان إليه يجلس ساهما خاليا من بضاعته.
فالمستمعون الحريصون شغلتهم الحياة، وكؤوس الشاي امتلأت بها المجلات وتكدست بها بيوت الناس! كل أولئك الرفاق الذين سامرهم، والأصحاب الذين
стр. 7912
حادثهم وأضحكهم لم يعد يذكرونه، ألهتهم الدنيا فنسوه ضمن ما نسوه!
هو عثمان العيدان شخصية متميزة (١).
ومنهم اللواء المتقاعد في الشرطة منصور بن عبد الله بن عبد الكريم العيدان.
كنت أعرفه صغير السن عندما كان في سن الدراسة الأولية في بريدة.
ولكنه غادرنا إلى الرياض وترقى في وظائف الشرطة والأمن، حتى وصل إلى مدير شرطة الرياض.
ثم تقاعد تقاعدًا مبكرًا.
وأخوه اللواء المتقاعد عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الكريم العيدان.
وقد عرفت والدهما عبد الله بن عبد الكريم العيدان كان صاحب دكان في سوق (قبة رشيد) غربي بريدة، وكان ثقة صدوقًا محبوبًا من الجميع.
ومنهم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله العيدان تولى إمامة مسجد العقيلي الواقع على شارع الحبيب لمدة سبع سنين.
ذكره الدكتور عبد الله الرميان، وقال: كان يخطب في جامع الراشد، أثناء إمامته في هذا المسجد، ثم انتقل إلى مسجد في (حي المالك).
وقال: كان الناس يزدحمون في ليالي رمضان في صلاتي التراويح والقيام على مسجده، لجودة قراءته وحسن صوته، ولد في بريدة عام ١٣٦٤ هـ وتخرج من معهد المعلمين في بريدة سنة ١٣٨٣ هـ وعين مدرسًا حيث درس في مدرسة طارق بن زياد، ثم مدرسة تحفيظ القرآن ثم استقر في مدرسة الإمام ابن حجر في دار الملاحظة.
стр. 7913
أصيب سنة ١٤٠٦ هـ بمرض في حلقة منعه من القدرة على مواصلة القراءة ورفع الصوت، وقد أجرى عملية لم يكتب لها النجاح، فترك الإمامة فترة ثم عاد يصلي في مسجده بجوار بيته، ومع سن القراءة التي عرف بها تميز كذلك بجودة الخطابة وجزالة الألفاظ وحسن الإلقاء ظهر هذا أثناء خطابته في جامع الراشد، وهذا لا يكاد يعرفه عنه إلَّا القِلَّة، وله خُطب مسجلة (١). انتهى.
وبعد كتابة ما سبق وقفت على وثيقة فيها ذكر (عثمان بن محمد بن عيدان) الذي هو أول من جاء منهم إلى بريدة هو وأخوه إبراهيم.
وذلك في وثيقة مؤرخة في ٢٩ رمضان سنة ١٢٨٤ هـ.
وهي ورقة مداينة بين عثمان بن محمد بن عبدان وبين سليمان المبارك (العمري) جد طائفة من أسرة العمري المشهورة.
والدين: خمسون ريالًا مؤجلات يحل أجلهن طلوع رمضان سنة ١٢٨٤ هـ.
والشاهد عبد العزيز بن شيبان.
والكاتب الشيخ عبد الله بن محمد بن فدا.
стр. 7914
وهذه الوثيقة المبسوطة الواضحة الخط المؤرخة في ١٥ جمادي الثانية سنة ١٣١٥ هـ فيها شهادة (عبد الكريم بن عثمان بن عيدان).
وهي مداينة بين إبراهيم بن يحيى الكردا وبين عثمان بن عبد الله بن معارك.
والدين كثير فهو خمسة آلاف وسبعمائة وسبعون وزنة تمر سَلم مائتين وعشرين ريالًا فرانسة.
والسَّلم بفتح السين واللام هو شراء ثمرة النخل ونحوه قبل وقت إدراكها بثمن يكون أرخص مما تباع في وقت المبايعة.
والكاتب عبد العزيز الحمد بن سيف.
стр. 7915
العِيدي:
من أهل بريدة.
منهم الشاعر المشهور محمد بن عبد الله العيدي، مات في عام ١٣٥٣ هـ حسبما أخبرني بذلك حفيد له.
وله بنت عمرت وماتت عام ١٣٩٤ هـ، وكنا نعرفها وهي كبيرة السن باسم (العيدية) نسبة إلى العيدي، وهي جدة الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي من جهة الأم، وكان بيتها قريبًا من بيتنا في شمال بريدة القديمة.
ولأبي صالح العيدي أخبار طريفة، ونكت عذبة، منها ما حدثني به والدي ﵀، قال: لقيت الشاعر العيدي بعد أن ترك الزراعة وتعطل فقلت له: كيف حالك يا أبو صالح؟ فقال: ثان على ضرسي، يريد أنه سيأكل ما يقدم إليه.
قال والدي: فأخذته معي وقدمت له صحنا من التمر، وسويت القهوة فلما أخذ يشرب منها بعد أن شبع من التمر، قال: الله يغنيك، أنت ما أنتب من أهل هالزمان اللي سلامهم سلام حريم: كيف أنت؟ كيف عيبلك؟
ويروح ويخليك لا يعزم، ولا يحط لك شيء.
هذولاك ما يفهمون، والا وش كارهم من عييلي ينشدونَنْ عنهم؟
الحكي بي أنا.
حدثني والدي ﵀ قال: كنت أحب أن أسمع كلام محمد العيدي بما كان جرى له في شبابه، فقلت له: يا أبو صالح: علمني عن اللي جرى لك بالزمان الفايت، فقال:
والله يا ابن الحلال - سنة من السنين زرعت ووافق الزرع وصار
стр. 7916
طوفان، وسنة أخرى زرعت ولا صار الزرع شيء، وسنة بل سنوات لحقني دين وسنة قعدت بلا شيء، وكل هذا راح الحكي الليلة هو عشاي به طعم، يعني لحمه أو ما فيه شيء.
أقول: كأنما يريد العيدي أن يقول بلغة عصرنا: التعويل على الحاضر وإلا الماضي ذهب بما فيه.
وحدثني والدي أيضًا قال: أجدبنا مرة فخرج أهل بريدة إلى (المطا) يستسقون وأخرجوا البهائم والنساء والأطفال، وكان ذلك بعد انسلاخ فصل الشتاء دون مطر، فلما انصرفنا لقيت (العيدي) فدعوته إلى القهوة و (القدوع) في البيت فسر بذلك، ولما وصلنا الباب الشمالي من سور بريدة داخلين رأيت ما يشبه السحاب الأسود مقبلًا من جهة الشمال الغربي فأخبرته بذلك، وكان قد ضعف بصره، ففرح وقال: لعله سحاب إلَّا أنه بعد قليل أصبح لونه أصفر، وانتشر بسرعة فقلت له: إنه (عجاج يا أبو صالح) ولم نكد نصل إلى بيتنا حتى بدأ يزلزل الأبواب فأنشأ العيدي يقول:
هذا زمان لي شاف الرجل رفيقه ... امتقعْ وجهه ودمه به يغور
نستغيث ولا يجي كَود العجاج ... حاكم يظلم وفي حكمه يجور
وما دمنا في الحديث عن الاستسقاء فلنذكر حادثة استسقاء (العيدي) وذلك أن الناس أجدبوا سنة واحتبس عنهم المطر، فخرجوا للاستقاء إلَّا أنهم منعوا (العيدي) من الخروج معهم إلى الاستقاء وقالوا: هذا شاعر يقع في أعراض الناس، ونخاف إذا كان معنا ألا يقبل دعاؤنا.
فاستسقى الله لنفسه، وكان زارعًا في (قصر العيدي) قصره، وأنشأ منظومة مؤثرة يستسقي فيها الله تعالى.
وتسمى تلك المنظومة (استغاثة العيدي) والاستغاثة عند العامة هي
стр. 7917
الاستسقاء أي الدعاء بأن يسقي الله الناس من السماء بأن ينزل عليهم المطر.
فجمع أهله، وجعل يستغيث حسب معرفته، فصلى ركعتين ثم دعا: وهم يؤمِّنون، فقال:
ياربنا يا عالي ... يا راحم الأحوال
إفرجها بسيله ... يا اللي سريع نيله
من مُدْلِهِمٍّ ناشي ... ترعي به الأدباش
واللي ردي حيله
بعاريننا له جَضَّهْ ... ومن الهزل مِرْتَضِّهْ
والعامل كِبر حَظِّه ... يقول يا مَنْ هي له؟
عيالنا جَزَّونا ... وعمالنا مَلُّونا
وضيوفنا ضامونا ... وديني من يشيله؟
قالوا: فأمر الله سبحانه سحابة أن تمطر إلى جهة الغرب منه وفوق زرعه فسال السيل إلى جهته وشرب زرعه دون زروع الآخرين.
قال العيدي يذكر الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عندما أقصاه عبد العزيز بن رشيد إلى النبهانية:
يا رادّ يوسف علي يعقوب ... ترد شيخ لنا غالي
شيخ كريم ونظيف جيوب ... وروايته عن أبا العالي
ماهوب رعديد رديد خبوب ... عِد ومن جاه رَوْيان
وقصته مع دائنيه في زرعه، وذلك أنه كان قد استدان على زرعه الذي يراد به القمح والحبوب لأن له قصرًا يعرف بقصر العيدي في المتينيَّات يزرع
стр. 7918
فيه القمح والحبوب مما يسمى عندهم زرع الشتاء، وقد يزرع فيه زرع القيظ وهو الذرة والدخن.
وهو يستدين مثل غيره من الفلاحين الذين يستدينون من التجار ثم يوفونهم من محصول زرعهم فإذا كان المحصول قليلًا لا يكفي للتاجر والزارع كانت المصيبة على الزارع.
وفي سنة من السنين كان المحصول رديئا فجاء الدائنون إليه وتولوا حصاد زرعه ودياسه ثم تطييبه بمعنى ذريه في الهواء، لا يثقون به، إذا فعل ذلك لأنه في نظرهم قد يدخر منه شيئًا أو يخبئ منه شيئًا لأيام الجوع المقبلة.
ولذا منعوه حتى من الاقتراب من الزرع، ولم يكن بيده حيلة إلَّا أن ينظم منظومة ويسارع إلى حسن بن مهنا أمير القصيم يلقيها على مسامعه تتضمن بيان حاله وما فعله الدائنون في زرعه، حتى إنهم لم يسمحوا له بوجبة واحدة يشبع منها هو وعياله من القمح الذي أنتجه.
فما كان من حسن المهنا إلَّا أن أرسل لدائنيه وكفهم عنه، وتحمل مالهم عليه من الدين في الزرع وترك الزرع للعيدي وعياله.
والقصيدة طويلة وكنت سمعت الشيوخ ينشدونها والنساء المسنات يحفظنها، ولكن دون كتابة فذهبت مع الذاهبين، وحتى أنا نسيت بعض أبيات كنت حفظتها منها في صغري.
قال محمد العيدي يخاطب الأمير حسن بن مهنا:
سلام عليك يا عز القصيم ... يا زبن الفلاليح البياد
أنا جيتك مقزيني ديون ... ظني فيك إني في بلادي
جونا غلمةٍ معهم مناخل ... وقالوا يمكم فينا سداد
стр. 7919
طلبنا وجبة نبي نذوقه ... نعده شبعة يوم الجداد
صار بينهم عانج ووانج ... واقطعوا الرأي بمدٍّ ما يزاد
وبعدها أبيات تصف دبر ذلك التاجر وهو يعمل في تصفية العيش، وكذلك وصف أعضاء جسمه السفلى مما لا يستساغ أن يذكر هنا لفحشه.
وتضاف إلى العيدي أشياء عديدة منها استغاثة العيدي التي ذكرتها وصلاة العيدي وقصتها كما حدثني بها والدي عن الشاعر محمد العيدي، قال: كنت زارعًا في المتينيات وتقع جادة الطرفية إلى الشرق من مزرعتي، ولم يكن عندي في ذلك اليوم حبة قهوة ولا حبة قمح ولا تمرة واحدة، فقد صادف ذلك نفاد كل ما عندي، وقد أرسلت ابني صالح في فجر ذلك اليوم إلى دياننا في بريدة (دحيم العليط) ليحضر لنا ذلك منه.
قال: وفي ذلك اليوم بينما كنت في الزرع أقبل أهل خمس ركايب من شمر تنادي بعضهم بعضا: نريد أن نخطر، أي نضيف هالشايب - يعنونني، فقال أحدهم: خلونا نضيف هالشايب حنا مشتهين القهوة والتمر.
قال: فأسقط في يدي إذ لم يكن لديَّ ما أقدمه لهم.
قال، وكان الوقت في آخر الضحى، فقلت لهم: يا ها اللحي الغائمة، حاجة الله أبدًا خلونا نصلي.
قال: فأدخلتهم مسجدا هو حجرة ليس لها حائط من جهة الشرق وهي المعاكسة لجهة القبلة، وبدأت بعد الفتحة أقرأ كل ما أحفظه من القرآن ثم بدأت أعيد في نفسي ما قرأته.
قال: وقد فعلت ذلك انتظارًا للفرج فإما أن يصل ابني صالح من بريدة معه القهوة والتمر أو يملوا فيذهبون.
стр. 7920
قال: ثم ركعت ركعة طويلة لم يروا مثلها من قبل، ثم لما سجدت اعتقدت أن السجود راحة لي وظللت ساجدا لمدة طويلة لم يستطيعوا الصبر عليها فأحسست وأنا أنظر إليهم من بين رجلي وأنا ساجد أن الجهة أسفرت أي ذهبوا من خلفي وسمعتهم وهم يذهبون يضحكون وهم يبتعدون، فسماها الناس (صلاة العيدي).
ومن شعر محمد العيدي:
يا حلو تبديلك يا حلو مبناك ... ويا حلو شغلك يا سهيل اليماني
ما ذقت أنا يا نور عيني طعم ماك ... من بد قلبانك قراح زلالِ
اطلب عسى دوشي يتهني بلا ماك ... بحول رب البيت منشي الخيالِ
العيدي وشراء ثمرة النخل:
كان من عادة أهل بريدة مثل سائر أهل نجد في القديم أنه إذا أينع النخل أو بدأ ذلك يخرج الواحد منهم إلى أحد الخبوب القريبة أو الصباخ فيشتري نخلة أو نخلتين يخرف منها الرطب بنفسه إذا كانت قصيرة أو يشترط على صاحبها أن يخرفها أي يأخذ منها الرطب له.
ثم يحمل ذلك إلى بيته في بريدة، يفعل ذلك كل يوم أو في كل يومين مرة.
فيخرج العيدي مثل غيره إلى الشماس أو الغاف أو القويع يسأل عن التمر من دون أن تكون لديه النقود التي يدفعها ثمنًا لتمر النخلة.
فيأخذ من نخلة شمراخا يأكله بحجة أنه يريد أن يتذوق تمرها، ويعرف طعمه.
قالوا: ومرة فعل مثل ذلك مع رجل من أسرة العثيم كان فلاحًا في (الغاف) فقال له ابن عثيم: أنت يا أبو صالح ما انتب شاري ما عندك دراهم.
стр. 7921
فقال العيدي: بع علي وجربني والدراهم في دكان إبراهيم العبود يريد عم والدي إبراهيم بن عبد الكريم العبودي، كان صديقًا للعيدي وهو ثري معروف.
فصدق ابن عثيم قوله: وأعطاه شمراخًا أو شمراخين من النخلة فأكلها، وأخذ بيده مثلها، وقال: أبي أشيلهن أوريهن أم عيالي.
وقد اشترى ثمرة النخلة بأربعة أريل فيما ظنه ابن عثيم.
في مساء ذلك اليوم ذهب العيدي إلى إبراهيم العبودي وأخبره بالقصة، وقال: أنا يا أبو عبد الكريم ما كذبت عليه، قلت له: الدراهم بدكان إبراهيم العبودي، ولا قلت له: دراهمي بدكانك، أو أن لي عندك دراهم، حبيت أخبرك.
وبعد يوم جاء ابن عثيم إلى إبراهيم العبودي وقال له: الله يسلمك العيدي شري منا نخلة، وقال: دراهمه عندك وهي أربعة أريل.
فقال له العبودي: وش قال لك؟
فقال: قال الدراهم عندك.
فقال العبودي: العيدي يا أخي ما عنده دراهم، قال لك: الدراهم بدكان العبودي، وهو صادق الدراهم بدكاني لكن ما هيب له، هذي دراهمي، وليس عنده دراهم.
ففكر ابن عثيم وقال: اللهم اجعل اللي أكل أو أخذ من التمر صدقة عليه.
وضحكا معًا.
стр. 7922
ومن أخبار العيدي أيضًا ما ذكره الأستاذ ناصر بن سليمان العمري، قال:
قال الأستاذ ناصر العمري:
محمد العيدي صاحب مزرعة تقع شرقي شمالي مدينة بريدة وهو رجل ظريف يقول الشعر بلهجة دارجة ويروي القصص والأخبار، ويستعمل الحيلة والنكتة للتخلص من بعض المضايقات، وقد عاش حتى العقد الخامس من القرن الرابع عشر، وهو معمر قد تجاوز المائة عام، ذهب إلى قبيلة شمر يريد إبلًا لمزرعته ونزل ضيفًا على ضاري بن طوالة وصبت القهوة في جلسة من جلسات أفراد القبيلة لدى ضاري بن طوالة وشرب محمد العيدي من القهوة لكنها لم ترو غليله فهو صاحب قهوة وهؤلاء لا يكثرون القهوة في الفنجال، عادة لهم وليس بخلًا.
ولما انفض المجلس عمد محمد العيدي إلى قهوة معه وصنع قهوة في دلال ضاري بن طوالة فشعر به ضاري يوقد النار ويصنع القهوة فعمد ضاري إلى سيفه وجرده وجاء إلى الحضري محمد العيدي وقال له مهددًا وموبخًا: قهوتي ما أروتك؟
ونادي خادمه وقال له خذ هذا المقدار من القهوة وأصنع قهوة للحضري فإن شربه كله وإلا قتلته، وصنع الخادم القهوة وأخذ يصب لمحمد العيدي وعجز عن شرب ما أحضر له من القهوة وتلفت يمينًا وشمالًا فأبصر والدة ضاري بن طوالة على بعد ترقب ما يحدث فهرب من مكانه ورمى نفسه بين يديها وقال أجيريني من ولدك فضحكت وقالت أجرت الضيف الحضري، وهنا جاء إليه ضاري وقال سلمت بجوار أمي.
فركب محمد العيدي بعيره وهرب عليه راضيا من الغنيمة بإياب (١).
стр. 7923
وثائق متعلقة بدين العيدي:
عثرت على وثائق تتضمن مداينات بين محمد بن عبد الله العيدي وبين دائنين، الأولى مؤرخة في عام ١٣٠٠ هـ وهي بخط محمد بن عبد العزيز السويلم.
стр. 7924
وجدت وثائق مداينات أخرى رأيت أن شرحها والتعليق عليها يحتاج إلى وقت وحيِّز من الكتاب أكثر مما تحتمل فرأيت عرضها هنا من أجل الإطلاع عليه، ليس لمعرفة ما يتعلق منها لمحمد العيدي فقط وإنما أيضًا للاستفادة منها فيما يتعلق بالدائنين والشهود المذكورين فيها.
стр. 7925
وجدت ورقة تذكر والده عبد الله العيدي مؤرخة في عام ١٢٥٦ هـ بخط سليمان آل مبارك وهو العمري جد والد الشيخ صالح بن سليمان العمري أول مدير للتعليم في منطقة القصيم
وهي مداينة بينه وبين حمد الذي هو حمد العدوان من العدوان من بني عليان.
والدين: ألف وخمسمائة وعشرون صاع حب أي قمح، وقد عبر الكاتب عن ذلك على عادة أمثاله بقوله: خمسة عشر مائة صاع حب دجن، والدجن هو القمح وأصله من كون حبته دجنة أي كبيرة عندهم.
وأيضًا سبعمائة وخمسون صاع شعير، وستة عشر ريالًا ونصف وهذا دين كثير.
والشهود على ذلك عمر المبارك (العمري) وابنه إبراهيم وحمد الطريقي.
стр. 7926
العيسى:
من أهل بريدة، جاءوا إليها من شقراء، وهم من آل عيسى المعروفين فيها الذين هم من بني زيد.
أول من جاء منهم إلى بريدة عبد الكريم بن .... العيسى.
وسكن بريدة.
ولم تكن معه ثروة، فكان هو وأبناؤه أول الأمر يدقون الملح بمعنى البارود يتعيشون بذلك.
نزلوا في دار في شمال المسجد الجامع في بريدة مجاورة لدار آل عبود أجدادنا.
ثم اشتغل العيسى بالتجارة والسفر لذلك الغرض بين البلدان مع عقيل إلى الشام ومصر والعراق وإلى مكة أحيانًا، فحسنت حالهم وحصلوا على ثروة أغنتهم عن دق الملح المتفجر، بل صاروا معدودين من التجار، وباعوا أدوات البارود على آل عبود وهم عائلتنا لأنهم جيرانهم وهم جدي وأخواه إبراهيم وعبد الله.
وكان (آل عبود) قبل ذلك ذوي ثروة وتجارة فتضعضعت تجارتهم ووجدوا في صنع البارود موردًا جديدًا فانتقل ذلك إليهم واشتهروا به، كما مضى ذلك عند ذكر (العبودي) في حرف العين.
أما العيسى فإن عبد الكريم اشتهر من أولاده أثنان أحدهما سليمان وهو رجل جريء مقدام فصيح الكلام قوي الشخصية ترقت به الحال حتى صار أحد زعماء بريدة المعدودين.
وله في ذلك قصص وأخبار حتى إن الولاة الذين كانوا يتولون على بريدة يحسبون له الحساب.
стр. 7927
توفي سليمان العيسى عام ١٣٣٨ هـ في بغداد والسبب في ذهاب سليمان العيسى إلى بغداد ثم وفاته هناك أنه عندما خرج أمير بريدة محمد بن عبد الله أبا الخيل عن طاعة الملك عبد العزيز آل سعود، وأراد الاستقلال ببريدة وما حولها من القصيم كان سليمان العيسى ممن ناصره من زعماء بريدة، وذلك في عام ١٣٢٦ هـ.
وقد حاربهم الملك عبد العزيز وحاربوه تحت قيادة محمد بن عبد الله أبا الخيل أمير بريدة، وكان كبار أهل بريدة الذين كان يشار إليهم بالبنان وعلى رأسهم محمد بن عبد الرحمن الشريدة لم يستشاروا في ذلك، وكان فهد الرشودي آنذاك خارج بريدة مسافرًا، وعبد العزيز بن حمود المشيقح مسافرًا إلى عنيزة لأنه لم يرض أن تعصي البلاد ابن سعود ولا يريد أن يظهر بمخالفة جماعته من أمير بريدة ومن معه.
ثم اتصل محمد بن شريدة ومعه عبد الكريم الناصر الجربوع بالملك عبد العزيز واتفقوا معه على أن يدخلوه إلى بريدة سرا، لتعود مع ما يتبعها من القصيم إلى سيطرته شرط أن يعطي الأمان للذين قاموا ضده ليفصلوها عنه، وعلى رأسهم أمير بريدة محمد بن عبد الله المهنا وأسرته وجميع من ناصروه، وأن لا تمس أموالهم ولا ممتلكاتهم بسوء، وقد وفى لهم الملك عبد العزيز بذلك فذهب الأمير محمد بن عبد الله أبا الخيل إلى العراق ثم إلى مكة المكرمة معه ماله وأسرته وذهب الشاعر الشهير العوني إلى حائل وذهب سليمان بن عيسى إلى العراق.
كان عبد الرحمن بن عويد معروفًا مشهورًا بكتابة الوصايا للناس.
ويقال: إنه وقف سليمان بن عبد الكريم العيسى علي عبد الرحمن بن عويد في دكانه أي دكان ابن عويد وقال له: يا عبد الرحمن، أبيك تكتب وصيتي.
فقال له ابن عويد: وش تبين أقول؟
قال لولسن أي أضبط وصيتي.
стр. 7928
عن أهل اللحى وثنيان وونيان وعامر ودامر واكتب: الوكيل الفاسد من ذريتي.
وأهل اللحى: وثنيان: ابن ثنيان، وعامر رجال معروفون بقربهم من المشايخ.
وجاء بهذا على سبيل المداعبة.
والثاني عيسى العبد الكريم العيسى وهو تاجر مشهور لقب بعيسى الطَّمِل، والطَّمِل هو المتسخ الثياب.
وسبب ذلك أنه كان في إحدى سفراته المتواصلة إلى الشام للتجارة اشترى جنيهات ذهبية كبيرة من مال معه كبير بعضه له، وبعضه لأهل بريدة أخذه على طريقة البضاعة وهي شركة المضاربة يكون لصاحب المال جزء من الربح وللتاجر الذي تكسب به جزءا آخر.
قالوا: وكانت الطريق مخوفة والأعراب يسيطرون على الطريق ولا
يأمن عيسى منهم أن يفتشوه ويأخذوا ما معه فاشترى عدة أباعر حملها بالقطران ووضع الجنيهات الذهبية في القطران الذي كان في تنك وهي الأواعي من الصفيح التي يحمل فيها مثل هذه السوائل عند نقلها من بلد إلى بلد مثل القطران والسمن و (القاز) الذي هو غاز الاستصباح أو (الكيروسين).
وسافر من الشام مخترقًا الصحراء، وكان يتعمد أن يمس هذه التنك المليئة بالقطران والقطران هنا هو نوع من البترول الخام.
فتتسخ ثيابه يتعمد ذلك تضليلًا للأعراب لئلا يطمعوا في ماله.
وعارضه شيخ من شيوخ الأعراب مع جماعة فلما رأوا بضاعته واتساخ ثوبه من القطران أسموه عيسى الطول، ولم يعرضوا له.
وعندما وصل إلى مأمنه استخرج الذهب من القطران وسلمت ثروته بهذا السبب.
стр. 7929
وقد جمع ثروة طائلة حتى عد من الأغنياء، وكان متدينًا بنى مسجدًا في غربي بريدة عرف بمسجد عيسى، على اسمه لفترة طويلة من الزمن إلى أن سكن آل مشيقح إبان ثروتهم العظيمة بجانب المسجد وصاروا يصلون فيه ويؤمون الناس ثم هدموه وأعادوا عمارته فسمي من ذلك الوقت (مسجد المشيقح) ونسي الناس تسمية بانيه الأول عيسى.
وهو عيسى بن عبد الكريم العيسى هذا.
حدثني والدي ﵀ قال: كان عيسى العيسي مرة مسافرًا في سفراته الكثيرة للتجارة ما بين القصيم والمدينة المنورة، وكان عائدًا من المدينة ومعه عبيد قد اشتراهم من المدينة ليبيعهم في نجد جريًا على العادة التي كانت شائعة في الرق آنذاك.
فلما صار في منتصف الطريق رأى عبدًا هو أحسنهم عنده وأغلاهم قيمة قد عصب رأسه بعصابة وهو يقول: وآ رأسي يا عم، يشكو من ألم شديد في رأسه.
فقال عيسى: وآ رأس عيسى، أنت يا وليدي إلى مت دفنت بالقبر ورحت لكن أنا إذا مت أنت راح رأس مالي يريد ماله الذي اشترى به العبد!
وصية عيسى بن عبد الكريم العيسى:
ولعيسى بن عبد الكريم العيسى وصية حافلة متصلة كتبها ناصر بن سليمان بن سيف وشهد عليها الشيخ صالح بن سليمان، وسليمان بن ناصر السيف، وكتبها بتاريخ ١٥ صفر سنة ١٣٣٩ هـ، ولكن النسخة هذه هي منقولة عن النسخة الأصلية بخط سعد العامر.
وأهم ما في أولها أن عيسى ذكر أنه سبق أن أوقف من ثلث ماله ملكهـ أي نخله المسمى ملك العلي الغانم وهو مشتراه من سابق بن فوزان من (بيرحا) وبيرحا نخيل معروف في الصباخ عرفناه بهذا الاسم معرفة شخصية،
стр. 7930
ومن جار الله بن عبد العزيز - ولم يذكر اسم أسرته، وثلاث نخلات من بنت مهنا وهو مهنا بن صالح أبا الخيل الذي كان أميرًا للقصيم وسيأتي ذكره مفصلًا في آخر حرف الميم، ثم قال: ومقطره الذي شرى من محمد النصار من ملك النصار يعني في الصباخ.
قال: ويصرف منه مائة وخمسون وزنة تمر للإمام المسجد الذي هو بني، وثمانون وزنة للمؤذن، وبعد ذلك يقوم للحسو وما يحتاج - المسجد من سراج، وبعد ذا ما فضل من الريع فهو للأقارب، الأقرب فالأقرب، والأحوج فالأحوج.
قال: وما احتاج المسجد من تعمير فهو مقدم على الجميع وهو يريد المسجد الذي بناه الذي عرف بمسجد العيسى، ثم بمسجد الشميقح، ثم تفاصيل ما أوصى، وقال: وقد وكل عيسى - يعني نفسه على ما ذكر أخاه سليمان بن عبد الكريم العيسى، وعلى أولاده الذكر والأنثى، ومن بعده الصالح من ذرية عيسى.
وهذه صورتها:
стр. 7931
ومنهم الشيخ فهد بن عيسى بن عبد الكريم العيسى والده عيسى الملقب عيسى (الطمل) كان نشأ في نعمة ورفاه في حياة والده، فانصرف إلى طلب العلم والتفرغ له وحفظ القرآن عن ظهر قلب وبرز في طلب العلم، ولكن أحواله المالية مثل أغلب الناس قد تدهورت، وصار يعاني الفقر والعوز بعد الثروة التي كانت لوالده.
عرفت فهد العيسى زميلًا في طلب العلم إلا أنه لم يكن يقرأ معنا لأنه كان أسن منا، فلم يقرا على شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد ولا على شيخنا الشيخ أحمد الخريصي لأنه كان أسن منهما، وهو أي فهد عالم مثلهما وإنما كان يلازم الدرس مستمعًا.
وباحثته فوجدته ذكيًّا فطنًا مطلعًا على الفنون العلمية وبخاصة ما يتعلق بالعقيدة والأمور العويصة منها.
من ذلك أنه كان يشكوا إليَّ من عدم فهمه للقدر ويقول: كما قال بعض العلماء: أموت وفي نفسي من القدر شيء.
كيف يخلق الله ابن أدم ويخلق الخير والشر ويقدر على كل شخص أن يكون سعيدًا أو شقيًا طائعًا له أو عاصيًا ثم يعاقبه على معصية قدرها عليه؟
فقلت له: ينبغي أن تقرأ (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل) لابن القيم ﵀ فهذا الكتاب كله في هذا الموضوع فقال: لقد قرأته وقرأت بحوثًا كثيرة في بابه فلم تجل ما في خاطري.
ثم قال: أنا اعتقد بما يعتقد به أهل السنة ولكن ذلك من باب التسليم.
وكان يبحث معي كثيرًا في مثل هذه المسائل التي يقول إن الذين يفهمونها من طلبة العلم قليل.
ولفهد العيسى نكت وأخبار لطيفة من ذلك أنني كنت في عام ١٣٦٥ هـ أقرأ
стр. 7932
على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في المسجد الجامع في بريدة، في كتاب (مروج الذهب) للمسعودي، وذلك أن الشيخ عبد الله كان يدرسنا درسًا يوميًا في الفرائض والنحو في حلقة في المسجد بعد المغرب، ثم يبقى وقت قبل أذان العشاء، أو مع أذان العشاء أقرأ عليه في كتاب المسعودي من باب تنويع المعرفة والترويح النفسي بأخبار الأولين، وكنت أفرغ عادة بعد الأذان بخمس دقائق أو ثلاث فيبدأ الشيخ عبد الله الرشيد الفرج القراءة على الجماعة حتى الإقامة.
وكان المسعودي يذكر في أول كتابه ملوك الأمم القديمة ويبالغ في طول أعمار ملوكهم، فبعضهم يكون عمره حسبما يقول ألف عام، وبعضهم ستمائة عام وبعضهم خمسمائة أو أقل من ذلك قليلًا.
هذا والناس يسمعون، وفهد العيسى يأتي مستمعًا للدرس على الشيخ عبد الله بن حميد ويظل حتى انتهاء صلاة العشاء.
فقال لي مرة بعد الصلاة: يا محمد، كيف الأولين أعمارهم بها الطول ونحن أعمارنا ستين، سبعين؟ وش السبب؟
فقلت له صادقًا: لا أدري.
فقال: أنا الذي أدري، أنت ما سمعت المثل الذي يقول: (الأول لاعب والتالي تاعب) الناس الأولين جوا والأعمار كثيرة غضف فصارت أعمارهم كثيرة والتالين جَوْا والأعمار قليلة وهم كثير فصارت الأعمار عليهم ورار! ! !
غضف: كثيرة، والورار توزيع الشيء القليل على العدد الكثير.
وقد تكلم بالعامية هنا من باب تمليح النكتة وإلا فإنه عليم باللغة كما هو معروف.
وقال لي مرة: يا فلان، والله ما قعِدَ له.
وهذا مثل يقال في المشكلة أو المسألة التي لم تجد من يبحثها ويجد حلًا لها.
стр. 7933
قلت له: كيف؟
قال: علمك بالرجَّال عليه ملابس زينة وعزيز عند الناس يمشي بسوق بريدة وهو رافع رأسه، ثم ما تاعي إلَّا قالوا: مات.
وراح، صار ما أحد يشوفه، والله (ما اقعِدِ له).
عينه الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد مرشدًا دينيًا لأهل قرية الشبيكية ومن يكون كذلك يؤم الناس في الصلاة ويرشدهم في أمور دينهم ويفصل بينهم إذا تنازعوا، إلا إذا لم يرض أحد المتنازعين بذلك فإنه يحال إلى قاضي بريدة لأن الشيخ فهدًا وأمثاله ليسوا من القضاة الرسميين.
ولذلك كان فهد العيسى يقول لي ويكرر قوله عندما عين في الشبيكية مازحًا ولكن كلامه جد: يا محمد أنا ضعت أنا أكبر من المطوع ودون من الشيخ، أنا مثل الذي قال فيه الصوفية:
مقام النبَّوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
فأنا فويق المطوع، ودون القاضي.
وقد ترجم له الشيخ إبراهيم بن عبيد وهو من زملائه، فقال:
وفيها وفاة الأخ في الله فهد بن عيسى رحمة الله تعالى عليه وهذه ترجمته.
هو الحافظ المتعفف النزيه ذو الأصل العظيم والاكباب على طلب العلم.
ولد في سنة ١٣٢٠ هـ فنشأ في الزهد وقلة ذات يد من الدنيا، بل كان فقيرًا محتسبًا وأخذ في تعلم القرآن ودراسته حتى حفظه عن ظهر قلب، وكان تاليًا لكتاب الله وحسن الصوت خفف الله عليه تلاوة القرآن وسهلها، فكان يدارس في القرآن
стр. 7934
ويلهج فيه وفي حال حفظه، آلى على نفسه أن يحفظ كل ليلة ورقة من كتاب الله فكان لا يتعشى حتى يحفظ تلك الورقة عن ظهر قلب وربما جاءت والدته بطعام العشاء إليه فيأبى أن يتناول شيئًا حتى يحفظ الورقة ولقد بلغت الساعة في السابعة ليلًا بالعربي وهو لم يتعش ووالدته عنده بالطعام فيأبي ويقول سلي الله أن يلهمني حفظها فلا أكل حتى أنال ذلك، ولو طلع الفجر.
ثم إنه لزم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأكثر الأخذ عنه والتردد على حلق الذكر بين يديه ولحسن رعاية الشيخ عمر كان يقدر له جهوده.
وكان المترجم صبورًا على المحن والشدائد وابتلاه الله فصبر لأنه كان ممتحنًا بأنواع المصائب ويرجى أن يكون له ثواب الصابرين، ولقد جرى له أن توفي أقرباؤه من زوجة وابن وأم مع ما يكابده من الحاجة، وكان رأي رسول الله ﷺ مرة في المنام فقال: يا رسول الله ادع الله لي فرفع الرسول ﷺ يديه ودعا له ثم قال مع بلوى تصيبك.
ولقد كان يجري بينه وبين أحبابه وزملائه مجاوبات حسنة من ذلك أنه بعث إليه الشيخ عبد المحسن بن عبيد يسليه ويخفف عنه بقصيدة طويلة من أبياتها قوله:
إليك إله العرش أشكو بلابلا ... أناخت بقلبي فاستبدت بفكرتي
ففرج إلهي كربتي بتفضل ... وكن بي رءوفًا يا مليكي وبغيتي
فقد حل بي ما قد علمت وماله ... سواك إله العرش فاكشف لغمتي
وإلا فجد بالصبر يا منتهى المني ... واجزل ثوابي واغفرن لزلتي
انخت ركابي عند بابك سيدي ... فكن راحمًا فقري وذلي وعبرتي
ويسر إلهي كل صعب قضيته ... ويسر حسابي يوم حشري وبعثتي
إلى أن قال:
стр. 7935
ففي كل حين يطرق القلب قادح ... من الغم فافرج يا إلهي لكربتي
فلا والد أرجو سواك ولا أخا ... ولا عميَ الأدني وخالي وعترتي
إلهي وخلاقي وسولي ومالكي ... تعطف بفضل منك باري البرية
فأجابه الشيخ فهد بن عيسى ﵀ بقصيدة يقول فيها:
وقفت على نظم لبعض أحبتي ... بصير بأحوال لدينا وخبرة
يخاطب به من كان الله عاصيا ... على علمه لا عن غرور وغفلة
وينهاه بل يزجره عن كل حالة ... يخالف فيها الفعل قولًا بلفظة
وينصحه بالرفق مع لين جانب ... وهذا لعمري فعل أهل المودة
ويخبر أن الصبر أجمل للفتى ... إذا وقع المقدور فينا بعسرة
كما جاءنا نص بذاك مبشر ... بما عوض الله المصاب بنكية
إذا كان عن صبر جميل وعن رضا ... بما قدر الباري علينا بحكمة
له الحمد اذ كل الأمور جميعها ... محيط بها علمًا وحلمًا وقدرة
ولولا الرجا كادت تطير قلوبنا ... من الحزن اذ لا نستطيع الرزية
الخ وهي حسنة جميلة.
وللمترجم قصائد حسنة من ذلك أنه طلب من أخيه في الله عبد المحسن بن عبيد أن ينظم قول الشافعي ﵀ صحبت الصوفية مدة ودهرًا طويلًا فما استفدت منهم إلا كلمتين (الوقت سيف قاطع فان قطعته وإلا قطعك، ونفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل) فقال عبد المحسن:
فوقتك سيف قاطع إن قطعته ... بجد وتشمير وإلا سيقطعك
وبالحق إن لم تشغل النفس جاهدًا ... فبالباطل الأردى سريعًا ستشغلك
стр. 7936
كذا قاله الحبر ابن إدريس ناقلًا ... عن السادة العباد قادة من سلك
فأجابه المترجم مذيلًا عليهن بهذه الأبيات:
فقال صحبت القوم دهرًا ومدة ... فلم أستفد منهم سوى ما ذكرت لك
هما كلمتا حق لمن كان قامعًا ... هواه الذي يورده مورد من هلك
فمن جاهد النفس استقامت وبادرت ... وسارت به حقًّا إلى طاعة الملك
ومن لم يجاهدها فسوف يلومها ... اذ اللوم لا يجدي وهيهات لو ملك
رجوعًا وقد فات الرجوع واحضرت ... صحائف أملاها قديمًا على الملك
فاحصاه رب العرش حين نسيته ... وكان شهيدًا عالمًا حين امهلك
فغفرانه والحلم قد وسع الوري ... ولولاهما زل السماء مع الفلك
فوحده بالأفعال ﷻ ... كما أنه الخلاق والرب قد ملك
وقل ناطقًا بالحق لا مترددا ... ولا معرضًا أو مبغضًا: لا شريك لك
بكل الذي نأتي من الخوف والرجا ... كذا الحب مع أنواع ما يستحق لك
فأنواعها أعني العبادة كلها ... سنبذلها من غير ند يكون لك
فمعبودنا فرد فنفرده بها ... وأنواعها هذي طريقة من سلك (١)
مات الشيخ فهد بن عيسى العيسى عام ١٣٧٢ هـ في رجب، في حادث سيارة بين بريدة والشبيكية، انقلبت به السيارة وهو عائد إلى بريدة، ومعه أسرته فسلموا كلهم ومات هو.
ومنهم عبد الله بن سليمان العيسى قصة حياته جديرة بالتسجيل، ولو كتب مذكرات أو أملاها عن حياته لكانت شيقة جديرة بذلك.
стр. 7937
إذ كان يعيش عند أبيه سليمان العيسى الذي تقدم ذكره، وكان أبوه قد أثري، وله حائط من النخل المزدهر في الصباخ وكان الابن يسهر مع فتيان أصدقاء له يتناشدون الأشعار، وكان عبد الله لا يعود من مجالسهم إلَّا في ساعة متأخرة من الليل، وقد نهاه أبوه عن ذلك فلم يقلع عنه.
وفي ليلة من الليالي سأل زوجة له ليست أمّا لعبد الله عن (عبد الله) متى جاء البارحة للبيت فذكرت أنه تأخر في المجيء ربما قالت نصف الليل.
فقال: كيف يتأخر وأنا ناهيه؟ لكن ان كان هو تأخر الليل فنبهني أوريك ويش أسوي به، وقيل: أعَدَّ عصا غليظة أو ما هذا معناه، وكانت أخت له تسمع ما دار بين والدها وزوجته فلم تنم حتى جاء عبد الله فأخبرته بما حدث وخوفته من مغبة ذلك فأسرع إلى (مراح) الإبل في ملكهم، والملك حائط نخل وزرع فشد عليها الشداد وأخذ بندق والده ومعها بعض الرصاص وتوجه بها إلى جهة الحجاز وحيدًا، ليس معه إلا هذه البندق.
ولما أصبح والده سليمان العيسى جاء إليه العامل الذي يسوق إبل السانية وأخبره أن الناقة الفلانية ماهيب ماجودة فأسرع إلى مكان القهوة فوجد البندق ليست فيها فعرف أنه ابنه عبد الله.
فلما جلس أمير بريدة آنذاك وهو عبد الله بن جلوي ذهب إليه وطلب منه أن يرسل رجاله ليردوا ابنه فأرسل الأمير ثلاثة من رجاله وهم مسلحون فلحقوه بعد البدائع وهو يستريح بعد سرى الليل، فلما أقبلوا عليه عرف قصدهم فتترس بالذلول، أي جعلها بينه وبينهم، وجهز البندق وقال لهم: حدكم يا رجال ابن جلوي.
اسمعوا: الذلول ذلول ابن عيسى والشداد شداد ابن عيسى والبندق بندق ابن عيسى، والولد ولد ابن عيسى، وش دخلكم أنتم؟ أنا ما سرقت ولا نهبت ولا جنيت جناية على أحد.
стр. 7938
لكن إن كان تبون الحياة أرجعوا لمعزبكم وخبروه باللي قلت.
وتراكم إن قربتم أنا معي أربعة مشوط رصاص والله ما يروح منكم أحد سالم إلا إن ذبحتوني، والعافية ازين لكم!
قالوا: وكان ابن جلوي يبحث مع ابن عيسى في كيفية مجيئه فابن جلوي يعرف رجاله، قال: يجيبونه، أما ابن عيسى، فقال: إن كان هو ولدي ما يجيبونه.
أما رجال الأمير فتراجعوا الأمر فيما بينهم، وقالوا: هل أمركم الأمير بقتله؟
ثم قالوا: لا، قال تجيبونه، ولكن الرجَّال ما رضى إلَّا بقتل ولا أمرنا بقتله.
ثم رجعوا إلى الأمير وأخبروه.
أما عبد الله العيسى فإنه واصل سيره حتى وصل إلى مكة، والتحق بخدمة الشريف حسين أمير مكة قبل أن يفتحها الملك عبد العزيز، وبقي هناك أظنه في جيش الهجانة، أو في مكان آخر من الجيش.
وقد حضر وقعة تربة بين الإخوان المتدينين من أهل نجد وبين قائد جيش الشريف عبد الله بن الشريف حسين وكان ابن عيسى في جيش الشريف.
وقد سألت عبد الله العيسى عن وقعة تربة لأنه كان من جند الشريف فيها ماذا صنع؟ فقال: شفت الهزيمة وهجيت على حصاني لأن الجيش كله هج، وكانت وقعة تربة عام ١٣٣٧ هـ.
هذا وقد بقي في الحجاز حتى دخل الملك عبد العزيز إلى الحجاز، فعين في وظائف مهمة تنقل فيها كما في هذه الأوراق.
فمن الوظائف التي تقلدها (عبد الله بن سليمان بن عيسى) في مكة المكرمة (معاون مدير شرطة العاصمة) وهي مكة المكرمة، وقد صدر مرسوم ملكي بذلك في ١٤ ربيع الأول عام ١٣٤٦ هـ وبلغها النائب العام للملك
стр. 7939
عبد العزيز آل سعود في الحجاز وهو الأمير فيصل الذي صار بعد ذلك الملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية.
ثم صدرت إدارة ملكية بنقله من تلك الوظيفة إلى وظيفة (رئيس قلم الاستخبارات العامة).
وقد أبلغه (الأمير فيصل) النائب العام لجلالة الملك (في الحجاز) ذلك بكتاب مؤرخ في غرة ربيع الثاني سنة ١٣٤٧ هـ.
هذه صورته:
стр. 7940
أول من أدخل الآلة الرافعة للقصيم:
بقي ابن عيسى في الحجاز يعمل في الأمن، أو نحوه، ثم اشترى (مكينة) وهي الآلة الرافعة للمياه، وجعلها في نخلهم في الصباخ عام ١٣٥٠ هـ، فصارت تخرج الماء من الأرض وعجب لها الناس، بل فوجئوا بها حتى ذكر أن علي الدبيخي من أهل حويلان عندما رأى مكينة عبد الله بن عيسى التي ركبها في الصباخ لأول مرة تخرج الماء من البئر، ولم يكن الناس سمعوا بذلك من قبل، قال لجماعة من أهل حويلان كانوا جالسين بعد المغرب في النفود ترى يا ناس جاي شيء يطلع الما من القليب بلا سواني، فلم يصدقوا حتى سألوه عن اسمها فقال: اسمها المكنة أو ( .... ) لم يعرف اسمها.
وقد أحضر ابن عيسى معه شخصًا من مكة يشغلها.
وقد أصبحت (مكينة ابن عيسى) حديث الناس في بريدة وما حولها لسنوات، فكان الناس يذهبون لرؤيتها في (الصباخ) وبعضهم لا يكفيه أن يراها مرة واحدة، بل كان يذهب إليها أكثر من مرة لغرابتها على أبصارهم وبصائرهم.
وكان من بين الذين زاروها والدي، إذ خرج من بريدة إلى (الصباخ) ماشيًا وأخذني معه، وصار يعللني باحاديثه وهو إخباري قليل النظير ومن ذلك أنه كان يحدثني عن بعض النخيل التي مررنا بها، وكانت ملكًا لأناس من أسرتنا.
كنت في السابعة من العمر أو أقل من ذلك بشهور، ولما قربنا من (المكينة) أفزعني صوتها الذي كان يشتد كلما قربنا منها.
فلما وصلنا إليها وكان الناس ينزلون لها بدرج إلى حيث وضعت غير بعيدة من ماء البئر، ولكن كانت تهز الأرض بحركتها، أو هكذا خيل إليَّ داخلني الفزع فتمسكت بوالدي، ولم أقبل أول الأمر أن أنزل إليها، فقال لي والدي:
أجل خلاص نبي نروح ونخليه.
стр. 7941
فتمسكت به أجره إلى ناحيتها، فتعجب، وقال: ما تبنا ننزل لها ولا تبينا نروح؟ !
ثم نزلنا إلى الخلوة ورأيت العجب.
كيف نقلت (المكينة)؟
كانت وسيلة نقل الأحمال الثقيلة لا تزال آنذاك أي منتصف القرن الرابع عشر هي الإبل، وأغلبها تكون من الجمال القوية، ولكن مثل تلك (المكينة) لا تقوى الإبل على حملها، لذلك صدر أمر من الأمير فيصل بن عبد العزيز (نائب الملك في الحجاز آنذاك) على وكيل وزارة المالية الذي لم يكن مسمي وظيفته وكيل آنذاك وهو حمد السليمان بأن يوفر لعبد الله العيسى، ومعه (مكينته) سيارتين من الحكومة لنقلها إلى بريدة.
كما في هذا الكتاب المؤرخ في ٣٠ ربيع الأول سنة ١٣٥٠ هـ.
شعر لعبد الله السليمان العيسى:
عبد الله السليمان العيسى له شعر جيد حصلنا منه على طرف منه قوله بعد زواجه من صيته (بدوية)، قالها في زوجته نورة الغنام:
يا فاطري زينة الهجَه ... عن ديرة البدو هجّي بي
هيا بنا نقطع الفرجه ... تنحَري بي معازيي
стр. 7942
انصي بنا زينة الهرجه ... أللي هروجه تعاجيبي
وقال في زوجته نورة الغنام بعدما أصابت يدها المكينة، وهي المضخة التي تخرج الماء من البئر:
هذا مكان اصخيّف الروح يا خال ... هذا مكانه يوم ضفت ثيابه
الله لا يرحم من الناس رجّال ... اللي صنع عمودها واعتنى به
ليته بكفي عنك يا زين ولو مال ... ولو رميته بالخلا للذيابه
وقال قصيدة في ناقته عندما نهاه (دحيم الرواف) أبو سليمان عن الشعر فقال:
يا ونة ونيتها يا ابن رواف ... ونة غريب وجاهلٍ بالدروب
قمت اتمثل واتبع القاف بالقاف ... يا بو سليّم مالك الله نتوب
على ذلولي زينة المشي مو جاف ... لي جت تخطا كالهنوف العجوب
قالوا: تبيع؟ وقلت: ما ابيع بالاف ... قالوا تبادل؟ قلت: كود مغصوب
قالوا: تهيم بحبها؟ قلت: باسراف ... احبها من شان قطع الدروب
تزهي الدويرع والنجيره والاشناف ... وتزهي السفايف والشداد الجنوبي
هي منوتي من بين زينات الأوصاف ... أن كان دولاب الفلك دار صوبي
وقال في زوجته نورة: :
يا هلا يا مرحبا يا بعد حالي ... يا بعد كل الغنادير بانوره
عنق حمرا تسبق الخيل مشوال ... أو عنق ريم يا شهب الملح مذعوره
يا صخيف الروح ما تصف لحالي ... شف يدي من ضربتك تقل مكسوره
والمكينة ضيّعت نصف مقيالي ... قلبي عندها وانا عندكم صوره
بس جسمي عندكم والعقل خالي ... العقل والروح بشفاك يا نوره
стр. 7943
وقال قصيدة أخرى في زوجته لولوة المحمد (الدندن) من أهل الصباخ:
فاطري وش هيضك والقلب سالي ... تسهرين الليل منتي مسفهله
يا هطيل القوم ما انت لي حلالي ... قلبي اللي راح ماهو في محله
من عشير حل ولواله بحالي ... حالي اللي ناحله من فقد خله
تل قرنٍ فوق متنه كالحبالي ... لا فطنت لتلته قلبي يتله
تل ركبٍ مع رهاريه السهالِ ... يابس الصملان والما ما يدله
عين ظبي راب في رأس جالِ ... في طويل نايفِ وعر محله
وآخر ما نظمه من الشعر قوله:
ونة قلب:
البارحة مضيّتها في منامي ... وحيد ما بين الخذاريف وهموم
والبنج مدهشْني ولا اعرف كلامي ... ومن المرض ما ذقت انا لذة النوم
يا ونتي ونة كسير العظام ... مكسّر الذرعان والرأس مهشوم
من شعر عبد الله بن سليمان العيسى أيضًا:
ترى حلاوة الولد لي بان به خِلِّه ... يركب على ضُمَّرٍ زينات الأوجاف
يشهر كما الطير من مرباه لعله ... يبدل الدار بديار عن الجافي
إما يحوش العز والسَّعَد يَبْرَنْ لهْ ... وإلا يُذكَّرْ بني من فوقه السافي
ترى إنْ قلْ ماله ما بان فِعْل له ... لو كان أصله يعْمِقْ باصل الاشراف
احفظ مالك ودينك والجهل خله ... ترى الزمان انتكس كان انت عَرَافِ
اللي ما له أصل ما له أصْلِ له ... ما تشَوف إلَّا رقي في راس مشراف
стр. 7944
وقال عبد الله بن سليمان العيسى في زوجته بنت غنام:
يا أهلًا هلًا، والله يمسيك بالخير ... يا اللي لفيتي بيتنا من نهارا
يا عين شيهان ظهر شايفٍ طير ... متعوِّد يفرس ثنادي الحبارى
وقال عبد الله بن عيسى في إحدى السيارات القديمة:
يا صَخِيفَ الروح حالي تَرحمينهْ ... يوم جيتك من بلاد الشام عساني
من بلاد الشام جينا بالمكينة ... فوق هِدْسٍ ما تَخَتَّعْ بالطمان
والشُّفَيْر من المدارس ناعتينه ... أرْمَلِيٍّ يَقذعُه فذعَ الإحصان
إلى احتدى مثل الجمل تَسْمَعْ رطِيْنَة ... مع إجبال النَّبْكِ مثل الثعلبان
قِذلة الطربوش تلفح من يمينه ... إلى ضواه الليل شَبْ الكهْرَبان
وكان عبد الله بن سليمان العيسى صديقًا لي، بل كانت بيننا صداقة متينة، حتى مات ﵀.
ولذلك وجدت في مذكرات لي قديمة ما يلي متعلقًا بعبدالله السليمان العيسى:
يوم الخميس ٢١/ ٥/ ١٣٧٥: العائد المنتصر:
لو لم يكن في هذه اليوميات أو المذكرات من فائدة إلا تسجيل الأحداث مجردة لكفى ذلك مبررًا للاستمرار في كتابتها والحرص على ذلك لأن الأحداث في ذاتها عظة وأية عظة وفيها عبرة أعظم عبرة.
ففي جزء سابق من هذه اليوميات كتبت عن صديق لي وهو عبد الله بن سليمان العيسى وكان دخل علي المدرسة حينما كنت مديرًا للمدرسة المنصورية في بريدة، وقد وقع بينه وبين أعيان مدينة بريدة نزاع كبير لأنه كان مديرًا الزراعة في مقاطعة القصيم وكان رجلًا تقدميًا، وهم قدماء التفكير.
стр. 7945
وقد انتهى ذلك النزاع بعزله حتى ذاق مرارة الفقر، ولذلك فقد باع جميع ما يذكره ببريدة من عقار ومتاع ثم ارتحل عنها نهائيًا إلى الرياض غضبًا على بريدة وعلى أهلها ذاكرًا أنه لن يعود إلى بريدة، إلا إذا تحقق المستحيل.
وما كاد يصل إلى الرياض حتى عينه الملك سعود بن عبد العزيز مديرًا للأمن العام في المقاطعة الشرقية من المملكة وهو منصب كبير لم يكن يحلم به ولا يقاربه منصبه الصغير السابق، واليوم قابلته عائدًا إلى بريدة بعد أن أصبح من الأثرياء وأصبحت له ممتلكات في الدمام والمنطقة الشرقية.
لقد قال لي: إنه رجع عن رأيه السابق وسوف يقضي بقية أيامه في بريدة.
لقد قلت إن الأحداث دائمًا في ذاتها عظة وأية عظة، ولذلك فسوف أشير إشارة إلى أن صاحبنا هذا لو لم تكن بينه وبين أعيان بريدة الخصومة التي فصلتها في المكان السابق من هذه اليوميات (١) لما تحقق له أن شغل مركزه ذلك المركز الضخم الذي هو عبارة عن وكيل وزارة الا وزير لها، وليس وكيل وزارة فحسب ولكنه وكيل وزارة يتصل عمله بالأمن ويراس دوائر من بينها البوليس السري الذي هو سيري في كل شيء حتى في مصروفاته.
стр. 7946
وهذه رسالة من الأمير سعود بن عبد الله بن جلوي أمير المنطقة الشرقية إلى عبد الله بن سليمان العيسى عندما كان مديرًا للأمن في الظهران:
стр. 7947
وهذا كتاب من الوجيه عبد الله بن سليمان العيسى إلى المؤلف وهو كتاب من عدة كتب:
توفي عبد الله بن سليمان العيسى في ١٩/ ٧/ ١٣٨٩ هـ ذكره الشيخ إبراهيم العبيد فقال في حوادث عام ١٣٨٩ هـ:
وممن توفي فيها من الأعيان الرجل الهمام عبد الله بن سليمان بن عيسى البطل الشجاع، كانت وفاته في آخر ليلة الأربعاء ١٩/ ٧ كان من بني زيد أهل شقراء ويلتحقون بقحطان، وكان عبد الله قد اشترك في غزوات الحسين بن علي الشريف ولبث في خدمته مدة من الزمن، ويروي لنا قصته في ليلة هجوم الإخوان بقيادة سلطان بن بجاد بن حميد وأمير الخرمة خالد بن لوي على عبد الله بن الحسين الشريف في قرية تربة، قال: إنه جاءنا نذير وهي امرأة دخلت على قائد الجيش عبد الله في المجلس العام بين العشائين فقالت له تحذر يا شريف فقد أقبلت السلاطين إليك، سلطان بن بجاد وسلطان أبالعلا، وجعلت تعدد السلاطين، قال: فكانت لفظاتها في الكلام أعظم علينا من قنابل المدافع
стр. 7948
وألقى الله الرعب في قلب القائد عبد الله بن الحسين، ولكنه أظهر التجلد.
ثم إن المترجم بعدما فتح الله مكة لآل سعود ووضعت الحرب الحجازية أوزارها سكن في مكة فانضمت إذ ذاك إلى الأمير فيصل بن عبد العزيز حال كونه نائبًا للملك هناك، إلى أن قال: فرأى ابن عيسى أن يكون مزارعًا فقدم إلى مدينة بريدة موطنه وذلك لمحبته لوطنه، فكانت لأول مرة يستخدمها الفلاح في بريدة ونزل في السباخ المعروف، وذلك في سنة (١٣٥٠ هـ) ثم أنه انتقل بعد ذلك إلى موضع أوسع وهو المعروف بالنقع، وكان أمير بريدة عبد الله بن فيصل صديقًا له، فبذل جهودًا في الزراعة وحصل على شيء كثير.
ثم إن الحكومة جعلته في فرع الزراعة في القصيم ثم رأت أن تجعله في قيادة النظام كمدير أمن في المنطقة الشرقية الظهران تحت إمارة سعود بن جلوي، فسار ولبث هناك ما شاء الله.
ثم رأى أن يتعاطي في الأعمال الحرة مفضلًا لها على الوظائف، وطلب من حكومته السماح له وأن تمنحه أرضًا واسعة في وطنه بريدة فحصل على أراض في الباطن في الموضع الجنوب الشرقي من مدينة بريدة واتخذها منزلًا وضيعة عظيمة تفيض على العاصمة بأنواع البراسيم والبطيخ والقثاء، وكان في كل أعماله وتنقلاته عزيزًا شريفًا وجيهًا ومهابًا ومعظمًا لما له من الهيبة وحسن التدابير، وكان صريحًا وسياسيًا لا يوقف في طرقه ومعه عزة نفس فلا يصبر على الضيم كما أنه جهوري الصوت مصقع لا يخلو من الجبروت وما زال يعمل في الحراثة ويستخدم الآلات لذلك حتى كان لديه أكبر ضيعة، ثم إنه تجاوز الثمانين من العمر وكلت قواه وضعفت بنيته ولآثار نكبة جرت عليه حدث منها شجاج في الرأس وكسر في إحدى يديه ثم أصيب بمرض ألزمه الفراش حتى توفي في هذه السنة (١).
стр. 7949
وهذه وصية عبد الله السليمان العيسى، وهي مؤرخة في عام ١٣٨٩ هـ ومصدق عليها رئيس محاكم القصيم الشيخ صالح بن أحمد الخريصي.
стр. 7950
ومنهم لولوه بنت سليمان العبد الكريم العيسى قالت في شقيقها عبد الله:
سميت بالرحمن مني عن الباس ... راع الكرم والجود جزل العطيّه
طلبت أنا المعبود لي ناموا الناس ... يخلي لنا حيدٍ عزومه قوية
وجاره الله عن تصانيف الأنحاس ... وعسى عدوّه دايم بالشقيه
زراعته تصلح وينفع بها الناس ... والخلق تاكل والمطاعم عذية
أنفد بها الميلان وكثر الأغراس ... عساه يجنيها بحال هنية
وصلاة ربي عد ما هب نسناس ... على نبي طوّع الجاهليّه
ومنهم محمد بن سليمان العيسى كان تاجرًا له معاملات تجارية في خارج المملكة من الشام والعراق، وقفت على عدة وثائق تدل على ذلك رأيت نقل صورها هنا لأن فيها ما ينبغي أن يطلع عليه من أحوال أهل بلدنا واتصالاتهم التجارية في خارج بريدة.