إن جاء أن تخرم أنفه وتجيء به إلى مكة فلما قدم أخبرته بذلك فأطاعها عليه، فضرب به المثل فقيل (أطوع من ثواب).
ولمحمد بن موسى الملقب بـ (سيبويه المصري) إجابة تتضمن الإقرار بقوة النساء، فقد كان محمد يركب في الأسواق حمارة، فقيل له لماذا تركب حمارة؟ قال: لأن في البيت حمارة تركبني.
لاحظ التولب أن نفسية نافع قد تكدرت، فقال ملطفًا الجو:
أبناؤكم أيها الرجال انتصروا لكم من المرأة، فالأطفال يحكمون أمهاتكم، قال (لتميستوكل) السياسي الإغريقي لابنه الصغير: أنت يابني أقوى مخلوق في العالم، فسأله وكيف ذلك يا أبتاه؟ فقال الوالد: لأن العالم يحكمة الإغريق، وأهل أثينا يحكمونهم، وأنا أحكم أثينا، وأمك تحكمني، وأنت تحكم أمك.
تحركت نخوة الرجولة في نافع لكنها ذليلة، وقال والرجا، ينضح من كلماته:
ظلمتنا ياتولب، لقد وضعتنا تحت حكم امرأة يحكمها طفل، جُلَ حكاياته كذب وتخيلات، لقد قسوت علينا.
تخيلات الطفل ليست تمت للكذب بصلة، وهي تمامًا كوجبات الكذب التي تتناولونها قبل النوم، فلا تخجل في أن يحكمك طفل يتجرع ما تتجرعه.
أيقن نافع أن التولب سيقارن بين الطفل وهو الأقرب لعقلية الحيوان وبين الرجل، وهو يفكر في تفويت فرصة المقارنة، قال التولب متداركًا الوقت:
الوقت لا يسمح بالمزيد، فالطفل ...
نهض نافع لكي يودع ضيفه، غير أن التولب استمر يتحدث:
فالطفل يلجأ للخيال والكذب لمواجهة الواقع المحّيِّر بالنسبة له، ففي
стр. 7982
الواقع أمور يصعب على سنه تفسيرها وإدراكها فيخترع خيالًا يقابل غامضه، ومع الوقت يقل خياله كلما أدرك الواقع، لكن المصيبة أنتم الكبار؟
أنحن الكبار نتخيل؟
تدركون الواقع وتتخيلون بما يناسب فشلكم، الواحد منكم عندما يأوي للنوم يستعرض شريط اليوم فيأتي القلق ويلازمه مؤنبا ويوقظه محاسبا، إلى أن يتناول وجبة من الكذب تسمى (الأماني والآمال) فيغطي فشله وواقعه بها فينام متخيلًا النصر، وقد يرفض العقل هذه الوجبة لأن الفشل أكبر من أن يُستر حتى بالتخيل فيلازمه القلق إلى أن يدرك الواقع المرير.
هكذا ترى أيها الكبير بأنك مدمن لقرص (الأماني والآمال) وحسب عجزك يكون مقدار تناولك، فلا تخجل وأنت المدمن بأن يحكمك طفل يتناول قرصًا مشابهًا لقرصك ينتهي من تناوله إذا أدرك الواقع، بينما أنت أيها الكبير تستمر في التناول حتى يضع الواقع أنفك في التراب أو تستمر حتى ترمس تحت التراب.
وقف التولب وسار نحو الباب وهو يصفق بأذنيه ونفض جسمه، فالتفت مودعًا.
إلى اللقاء.
إلى اللقاء.
انتهى.
وفي كتاب الأستاذ صالح بن أحمد العييري درر وغرر مثل هذه، ولو كان عند أمة تقدر الأدب وخصب الخيال لكان له شأن في قومه غير هذا الشأن.
ترجم له الأستاذ عبد الله بن سليمان المرزوق لكونه من رجال التربية والتعليم، فقال:
стр. 7983
صالح بن عبد الله بن أحمد العييري (أبو إياد):
ولد الأستاذ صالح العييري في مدينة بريدة عام واحد وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، وقد درس المرحلة الابتدائية في مدرسة العجيبة (أحمد بن حنبل حاليًا) وتخرج منها عام ١٣٨٣ هـ، ثم التحق بالمعهد العلمي ببريدة، ونال منه شهادة الكفاءة المتوسطة عام ١٣٨٩ هـ، ثم حصل منه على الشهادة الثانوية عام ١٣٩٢ هـ، والتحق بعد ذلك بقسم الجغرافيا في كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية بالرياض، وأنهى دراسته الجامعية عام ١٣٩٦ هـ.
ابتدأ الأستاذ صالح حياته العملية مدرسة في المدرسة المتوسطة الثانية بالرياض، وذلك عام ١٣٩٦/ ١٣٩٧ هـ، واستمر فيها حتى عام ١٣٩٩ هـ، وبعد ذلك انتدب للتدريس في اليمن، فبقي هناك أربعة أعوام درس خلالها في كل من الحديدة وإب، وبعد عودته من اليمن انتقل إلى منطقة القصيم (١).
ومن أسرة العييري: يوسف بن صالح بن فهد العييري كان أحد أركان القاعدة التي تتبع ابن لادن وتركز على محاربة الأمريكيين عن طريق القنابل والقتل غيلة كما يفعل أعضاء القاعدة التي أسموها قاعدة الجيش الإسلامي، وكان مسئولا أيضًا عن الإعلام والدعاية في الانترنت وغيرها في المملكة العربية السعودية، وقيل: بل في الشرق العربي.
وقد عرف اسمه وعمله من بعض زملائه الذين قبض عليهم بعد التفجيرات التي قاموا بها في مساكن الأمريكيين في المملكة العربية السعودية، وبخاصة في الرياض.
فصار مطلوبًا للشرطة وقوات الأمن السعودية للقبض عليه، فتتبعته حتى
стр. 7984
عرفت أنّه مع عدد قليل من زملائه في المنطقة الشمالية التي تقع بعد حائل جهة الشمال وهي منطقة نائية قليلة السكان.
وعندما أدركته الشرطة قاومهم وقتل بعضهم فعجزوا عنه وتركوه، ثم عادوا إليه لأنهم عرفوا مكانه وطريق سيارته الجيب بقوة أكبر وعدد أكثر فتبادلوا إطلاق النّار معه ثم قتلوه.
وقد نشرت ذلك الجرائد التي صدرت في اليوم التالي لمقتله وهو الثلاثاء ٣/ ٦/ ٢٠٠٣ م -٣/ ٤/ ١٣٢٤ هـ
ومن ذلك ما نشرته الشرق الأوسط في عددها ٨٩٥٣ الصادر في اليوم المذكور، فقد ذكرت بعض ما قاله وما جرى له مع رجال الأمن.
وبدأت حديثها عنه بما نقلته عن والده بأن خبر مقتله لم يفجعه كثيًرا - وهذا خلاف طبيعة الأشياء - رغم ما عرفناه أن يوسف العييري المذكور كان له أحد عشر أخا كلهم - طبعًا - من أولاد صالح بن فهد العييري.
قالت الجريدة:
يوسف العييري المطلوب رقم ١٠ بقائمة الـ ١٩ غاب عن أسرته سنوات ووالده لم يفجع بنبأ مقتله:
صالح العييري: لم أعرف عنه شيئًا حتى ظهرت صورته في بيان الداخلية:
لم أره منذ سنوات، ولم يبلغني صوته كذلك، ولذا فإن خبر مقتله لم يفجعني كثيرًا، هكذا قال رجلٌ الأعمال صالح فهد العييري حين استقبل (الشرق الأوسط) في منزله يوم أمس في الدمام وهو يعلق على نبأ مقتل ابنه يوسف في حائل والذي يعد رقم ١٠ على قائمة الـ ١٩ المطلوبين أمنيًا لوزارة الداخلية، كان صالح متماسكًا وهادئًا بعض الشيء وهو يتخاطب هاتفيا طوال النهار يوم أمس مع بعض
стр. 7985
الجهات المسؤولة في منطقة حائل لبحث سرعة تسلم جثمان ابنه من سلطات الأمن لكي يتسنى لأسرته دفنه في مدينة بريدة في منطقة القصيم مسقط رأسه.
لم يكن لديه أول الأمر ما يقوله تعليقًا على حادثة مقتل ابنه في المطاردة الأمنية التي أسفرت عن مقتل رجلي أمن وإصابة ٣ آخرين حين ألقي ابنه وزميله قنبلة يدوية عليهم ورافقها تبادل كثيف في إطلاق النّار من الطرفين انتهى بمقتل يوسف واستسلام زميله بعد حصار دام ساعات في منطقة برية من مساء السبت إلى صباح أول من أمس، وبعد أن هدأت أعصابه قليلًا، سأل صالح وكان يفضل أن ندعوه بـ (أبو أحمد)، على الفور: ماذا تود أن أقول في هذا الظرف؟
وتابع بعد أن صمت لثوان (نحن في ظرف أمني حساس تعيشه الدولة والمجتمع ولابد أن تتوحد مشاعرنا في اتجاه حفظ الأمن والمجتمع) إلا أنّه استدرك وقال (يوسف أحد أبنائي الذين تراهم هنا، وهو مختف منذ سنوات، ولا يعلم عنه أي شيء إلى حين صدر بيان وزارة الداخلية المتضمن قائمة المطلوبين الـ ١٩ لقد فاجأني صوته، إلَّا أنّه من بعدها لم نسمع له أي صوت، لقد قضى نحبه، بصورة لم نتمن يومًا أن يكون عليها أحد أبناء الوطن.
في إحدى زوايا المجلس الذي ضم والد يوسف وأشقاءه أحمد وعبد السلام وعبد المجيد وأحد أقاربهم، كان شقيق يوسف الأصغر ينظر باتجاه صورة شقيقه الذي غاب وهي تنتشر على الصفحات الأولى من الصحف المحلية المتوزعة في أرجاء المجلس، كان يحدق النظر طويلًا أمام صورته وبجانب منها صورة أخرى لموقع الحدث في منطقة حائل، ويبدأ حينها في تبديل نظراته من يوسف إلى أبيه دون أن يقدم أي تعليق.
وكان الحديث ينتقل بين الأب وابنيه أحمد وعبد السلام في بحث واستجداء للوصول إلى رأي حول ما حدث، إلَّا أنهم أجمعوا على الرفض التام لكل ما بدر.
стр. 7986
ردود الفعل في المنزل كانت هادئة، وقد بدأوا يؤمنون بأن ما حدث كان شيئًا مكتوبا وقضاء من الله، ويشير عبد السلام (منذ سنوات لم نره، ولذا كما قال والدي صدمة فقدانه كانت أقل من الطبيعية، فنحن افتقدناه ليس أمس، بل من سنوات)، وقد زار ثلاثة من أسرة العييري مستشفى حائل صباح أمس وتمكنوا من التعرف على جثة يوسف المحفوظة في ثلاجة المستشفى، إلَّا أن موعدا أكيدا لتسلمها ودفنها بعد الصلاة عليها لم يتحدد بعد حتى غروب شمس يوم أمس.
ولد يوسف في مدينة بريدة قبل أن ينتقل في أول عمره مع أسرته إلى مدينة الدمام بعد أن حصل والده التربوي على التقاعد الحكومي المبكر ليتفرغ للتجارة، فدرس يوسف في المدارس الحكومية بحي الجلوية وانقطع عن دراسته حين سافر إلى أفغانستان للقتال إلى جانب نظام طالبان البائد، وسبق أن أوقف في الأجهزة الأمنية للاشتباه به في حوادث أمنية، إلَّا أنّه أفرج عنه بعد ثبوت براءته من التهم التي وجهت إليه.
وكان يوسف العييري قد بعث برسالة قبل ثمانية أيام تناقلتها صفحات الحوار على شبكة الإنترنت وعنونها بـ (رسالة من يوسف العييري أحد المطلوبين التسعة عشر إلى عموم المسلمين) حاول خلالها تبرير موقفه في التغيب والاختفاء ونفي صلته بشقة إشبيليا التي ضبطت بها المتفجرات في السادس من مايو (أيار) الماضي، أو أية علاقة مع الأسماء التي تضمنتها قائمة الـ ١٩، إلَّا أنّه عاد في الرسالة وعلق على رسالة أحد المطلوبين في القائمة على الفقعسي وأكد على صحة نسبة الرسالة إليه، وإني أؤكد في رسالتي هذه على ما قاله في رسالته، وأشار في الرسالة إلى أن بيان الوزارة أن يشغله عن جهاد اليهود والصليبيين، ولن تجرنا إلى مواجهة مع رجال الأمن.
واستدرك في الرسالة وشدد على أنهم يحتفظون بحق دفع الصائل المعتدي علينا مهمًا كان شكله وهيئته وانتماؤه ودينه، فمن أراد إيصالنا لأمريكا، أو تنفيذ ما
стр. 7987
تريده بنا فسنعامله كما لو كان أمريكيًا، وسندفع عن أنفسنا الظلم والعدوان بكل الوسائل، ومن أراد السلامة منا فلا يتعرض لنا، ولن نتعرض لأحد سوى العدو الذي وضعناه أصلا في مشروع جهادنا وهو العدو الصليبي واليهودي.
فجاءت نهاية يوسف كما أشار لها في بيانه حين تمت الملاحقة واستخدمت فيها قنابل يدوية قتلت رجلي أمن وأصابت ثلاثة آخرين قبل أن يلقى حتفه.
وتطرق يوسف في رسالته إلى الشأن التحذيري حين شدد على عدم التعاون مع رجال الأمن في التبليغ عنهم وقال عن جماعته الذين وصفهم بالمجاهدين (حذروا من الوشاية بهم، واحذروا من الإعانة عليهم، فمن فعل هذا فليعلم أنّه معين للصليبيين على إخوانه المسلمين، وما أعظم جرم إعانة الكافر على المسلم).
ولم ينس العييري جانب أسرته حين أشار لفقدان رؤيته لطفلتيه، وقال: هذه كلمات أرسلها لبناتي حيث حال بيني وبين رؤيتهن قبل أن يختتم رسالته بقصيدة ركيكة في وزنها ضمت ١٦ بيتًا.
ونشرت جريدة الحياة في عددها ١٤٦٧٨ الصادر يوم الأحد ١/ ٦/ ٢٠٠٣ م الموافق / ٤/ ١٤٢٤ هـ أي قبل مقتله بيوم ما ذكرت أن (العييري) يعتقده، قالت:
يعتقد بأنه أمكن تحديد مكان العييري إستنادًا إلى رسالة نشرها الأسبوع الماضي موقع أصولي، وحاول العييري عبر الرسالة تبرئة نفسه من تهمة الانتماء إلى خلايا أو تنظيمات معينة، وعدم رغبته في مواجهة رجال الأمن، لكنه قال في جزء منها:
إننا نحتفظ بحق دفع الصائل المعتدي علينا مهمًا كان شكله وهيئته وانتماؤه ودينه، فمن أراد إيصالنا إلى أمريكا، أو تنفيذ ما تريده بنا فسنعامله كما لو كان أمريكيا، وسندفع عن أنفسنا الظلم والعدوان بكل الوسائل، ومن أراد
стр. 7988
السلامة منا فلا يتعرض لنا، ولا نتعرض لأحد سوى العدو الذي وضعناه أصلًا في مشروع جهادنا وهو العدو الصليبي واليهودي، انتهى.
وقالت جريدة الحياة في عددها ١٤٦٨١ الصادر في يوم الأربعاء ٤/ ٤/ ١٤٢٤ هـ الموافق ٤/ ٦/ ٢٠٠٣ هـ:
يوسف العييري كان واحدًا من أبرز مدربي معسكر الفاروق:
لم يتمكن (أبو يوسف) من إخفاء دمعة سقطت من عينيه وهو يتذكر زميله في مدرسة الجلوية الابتدائية في الحمام يوسف العييري الذي قتل قبل أيام في شمال مدينة حائل إثر تبادل للنار مع رجال الأمن، وقال بصوت حزين: لقد كان أحدنا قريبًا جدًّا من الآخر، إلى أن افترقنا في المرحلة المتوسطة علمت بعد ذلك أنّه التزم تمامًا وأصبح لا يفوت فرضًا، وبعد انفصال طويل نسبيا، صادفته في أفغانستان عام ١٩٩٢ هـ وكانت مفاجأة لي، فقد بدأ هناك أكثر صرامة وأكثر شدة، وكان كثيرًا ما يدعوني إلى قيام الليل والدعاء.
ويضيف أبو يوسف: التقيته في معسكر الفاروق، وهو أحد أضخم المعسكرات آنذاك في أفغانستان وأكثرها دقة وتقنية في التدريب ( ... ) وكان يوسف أحد أبرز مدربي ذلك المعسكر الذي يضم ٤ سعوديين ومصريين وعراقيًا بالإضافة إلى مدرب إيراني، وأوضح أن المتدربين يتدرجون على مراحل ويشترط أن يتموا ٥٥ يومًا في المعسكر يتدربون خلالها على كل أنواع الأسلحة الخفيفة ثم الثقيلة تتبعها عشرة أيام مخصصة للتدريب على تصنيع المتفجرات والمولوتوف وتدمير الجسور واستعمال السموم والقنابل الموقوتة، قبل أن يحق بعدها للمتدرب الانضمام إلى تنظيم القاعدة.
ويقول أبو يوسف: إنّه لم يلاحظ على يوسف أي شيء غير عادي في تلك الفترة إلى جانب حرصه على عدم التطرق إلى الأنظمة الحاكمة للدول الإسلامية
стр. 7989
وأشار إلى أنّه في ذلك الوقت لم يكن تنظيم القاعدة قد ظهر في شكل واضح، فقد كان معسكر الفاروق هو قوة الكوماندوز الضاربة آنذاك، وبعد تأسيس القاعدة بدأ هذا التنظيم يستقطب عددًا كبيرًا من المتدربين في ذلك المعسكر نظرًا إلى خبرتهم القتالية وتقنية التدريب العالية التي تلقاها المتدربون فيه.
وتابع أبو يوسف أنّه بعد شهرين قضاهما مع العييري في أفغانستان سمع أنّه عاد إلى السعودية وعمل محصلا في مكتب أخيه لتأجير السيارات لكن أخباره انقطعت تمامًا بعد ذلك، إلى أن رأى صورته ضمن مجموعة الـ ١٩ التي بثتها وزارة الداخلية من خلال الإعلام المحلي.
وفي شارع ليس ببعيد عن منزل أبو يوسف في حي الجلوية في الدمام كان صالح وهو والد يوسف العييري يجلس وحوله أبناءه عبد السلام وأحمد يسعون جميعًا للاتصال بالجهات المسؤولة لتسلم جثة يوسف، وبدا صالح منفعلا وهو يسعى إلى إيجاد من يعطيه موعدًا لتسلم الجثة (ربما اليوم الأربعاء) فيما تستعد الأسرة للذهاب إلى بريدة مسقط رأس يوسف لاستقبال المعزين هناك.
وعلى رغم مظاهر الحزن التي اكتست بها العائلة، إلَّا أن صالح أكد أنّه لا يوجد ما يضاهي الوطن وأمنه، وقال: ابني هو جزء من الوطن الذي نفتديه بأرواحنا، لم نكن نود أن يحصل ما حصل إلَّا أن أمن هذا البلد مسؤوليتنا جميعًا.
وعزي صالح ذوي شهداء الواجب، وبدت عليه الحيرة وهو يسعى إلى تسمية مصرع ولده الذي قتل أخيرًا في تربة (شمال حائل) إثر اشتباك مع حاجز أمني إلَّا أنّه لم يكن يكف عن الدعاء له بالمغفرة، مشيًرا إلى أن أخبار يوسف لم تكن تأتيهم بانتظام فقد كانت متقطعة.
انتهى كلام الجريدة.
ونعود إلى الكلام على أصل أسرة العييري فنقول:
стр. 7990
أما أسرة (العجيري) التي حرف اسمهم فيها إلى العييري فإنها أسرة معروفة، بل مشهورة من أهل الحوطة خرجت عددًا من العلماء ذكر ذلك الأستاذ عبد الرحمن بن رويشد في كتاب ألفه عن أحد علمائها وهو الشيخ (عبد الله بن أحمد العجيري) الذي وصفه بالراوية الأعجوبة، وقال: إنّه نديم الملك عبد العزيز آل سعود وبخاصة في سفره إلى الحجاز على ظهور الإبل وأورد مرثية للشيخ الشاعر المشهور محمد بن عثيمين، كما أورد أبياتًا من ملحمة الرياض للشاعر (بولس سلامة) أورد فيها ذكر العجيري بألفاظ شعرية بل شاعرية رقيقة بل عذبة.
وقد ذكر الأستاذ الرويشد أنّه كان من هذه الأسرة عالم عينه الإمام سعود بن عبد العزيز الأول مرشدًا وقاضيا في الحوطة.
وقد جعل الأستاذ الرويشد كتابه بعنوان (العجيري: سيرة ذاتية: ملحمة شعرية) وطبعه في ٦٨ صفحة (لم يذكر المطبعة ولا تاريخ الطبع) ولكنه الحق به صورًا لوثائق مهمة.
وقال الدكتور أحمد بن عبد العزيز المزيني في كتابه: أنساب الأسر والقبائل في الكويت. العجيري: صالح محمد العجيري فلكي كويتي ولد عام ١٩٢١ هـ يصدر تقويم العجيري السنوي له التقويم العام التواريخ ألفي عام والمفكرات السنوية.
وهو يقصد بذلك صالح بن محمد العييري الذي هاجر والده محمد العييري من بريدة إلى الكويت ونشأ ابنه صالح هذا في الكويت ورجع إلى اللفظ الأصيل لاسم أسرته (العجيري).
стр. 7991
معجم أسرة بريدة
تأليف
محمد بن ناصر العبودي
الجزء السابع عشر
باب الغين - باب الفاء
الغازي - الفيز
стр. 7992
الناشر
دار الثلوثية للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض
تليفون: ٤٥٠٧٨٣٢
فاكس: ٤٦٤٥٩٩٩
email: tholothia@gmail.com
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
стр. 7993
معجم أسر بريدة
стр. 7994
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7995
باب الغين
стр. 7996
الغازي:
أسرة من أهل الشقة من آل الحميدي الذين هم من آل أبو ربَّاع.
وهم أبناء سالم بن محمد بن عبد الله بن رأس الأسرة الحميدي بن حمد.
منهم الشيخ سليمان بن علي الغازي، قاضي تمييز في ديوان المظالم.
ورشيد الغازي موظف في إدارة الصحة بالقصيم - ١٤٠٦ هـ.
جاء ذكر الغازي هؤلاء في وثائق عديدة منها هذه الوثيقة غير الواضحة وتتضمن مداينة بين غازي بن محمد (منهم) وبين مزيد السليمان من المزيد أهل الدعيسة.
والدين ( .... ) تمر عوض ريالين مؤجلات يحل أجلها في ربيع آخر عام ١٣١٥ هـ.
الكاتب الربعي.
والتاريخ ٨ رمضان سنة ١٣١٤ هـ.
وتحتها وثيقة أخرى واضحة.
الدين فيها مائتان وخمسة وسبعون صاع شعير منهن ٢٥ حالَّات أي واجبات الدفع في الحال إلى أن ذكرت الوثيقة أن باقي الدين يحل أجل الوفاء به في ذي القعدة سنة ١٣١٤ هـ.
الشاهد على ذلك إبراهيم العصيلي.
والكاتب إبراهيم الربعي، وكلاهما من أهل الشقة.
стр. 7997
ومن أشهر رجال هذه الأسرة في وقته غازي بن محمد، وجدت له شهادة في وثيقة مؤرخة في عام ١٢٩٣ هـ بخط عبد الرحمن الربعي وشهادة عقيل بن رشيد أيضًا وكلهم من أهل الشقة ما عدا الدائن فهو من أهل الدعيسة، وهو مزيد بن سليمان المزيد.
وقد اكتفى الكاتب بذكر اسم (غازي) مفردًا دون ذكر والده (محمد) ولكننا نعرفه بذلك.
стр. 7998
ثم وجدت اسمه ثلاثيًّا كاملًا هو (غازي بن محمد السالم) وفي بعض الوثائق غازي بن محمد فقط، وهو معروف على أية حال.
أما التي فيها اسمه ثلاثيا فهما وثيقتان إحداهما بتاريخ ١٢٨٨ هـ وهي مداينة بينه وبين مزيد المزيد (من أهل الدعيسة).
والدين سبعمائة (وزنة تمر) عوض أي ثمنها تسعة عشر ريالًا ووصفت الوثيقة التمر بأنه جيد، أي من تمر آخر موسم من جداد النخل، وليس من تمر ثمرة العام الذي قبله.
وهو مؤجل يحل أجله في شعبان سنة ١٢٨٨ هـ.
ثم ذكر دينًا آخر.
والشاهد عبد العزيز بن إبراهيم ولم يذكر اسم أسرته وربما كان من أسرة الربعي فهم جميعًا عدا الدائن من أهل الشقة.
والكاتب عبد الرحمن الربعي.
стр. 7999
والتاريخ: ٢٠ جمادى الأولى سنة ١٢٨٨ هـ.
وتحتها وثيقة أخرى أولها:
استقر غازي بن محمد السالم والمراد: أقر واعترف، والمتداينان هما هما.
والشاهد والكاتب هما هما، وزادوا شاهدًا آخر هو حمود الحماد.
والتاريخ في ٢٥ ذي العقدة عام ١٢٨٨ هـ.
стр. 8000
وهذه مداينات إلحاقية بين الشخصين ذاتهما وهما غازي بن محمد السالم ومزيد بن سليمان المزيد.
وهذه ورقة مبايعة بين حصة بنت عبد الله آل غازي (بائعة) وبين ضحيان بن حمود وكلاهما من أهل الشقة (مشتر).
стр. 8001
والمبيع سهم حصة من القليب الكائنة في بلد أثال المسماة سمحة، والسهم المذكور من القليب يخرج سديسه وريال قادم بالقليب جميعًا، وذلك كان يكون مالكها أوصى بذلك الريال فإذا بيعت بقي الريال على ما هو عليه في تلك القليب، ولو اختلف مالكوها.
والثمن خمسون ريالًا منها أربعون ريالًا تسلمتها البائعة على عقد البيع وعشرة ريالات مؤجلات، خمسة أريل يحلن في ذي الحجة سنة ١٣١٧ هـ وخمسة في ذي الحجة سنة ١٣١٨ هـ.
والشاهد عبد الله بن سليمان الضالع وهو من أهل الشقة أيضًا.
أما الكاتب فإنه أشهر من أن يُعرَّف فهو العلامة الشيخ الجليل عبد الله بن سليمان البليهد.
والتاريخ ١١ رمضان سنة ١٣١٧ هـ.
стр. 8002
ووجدت شهادة لغازي المحمد في وثيقة مداينة مكتوبة في عام ١٢٩٦ هـ لأن حلول الدين فيها هو في ذي الحجة سنة ١٢٩٧ هـ والعادة أن تأجيل مثل هذا الدين يكون لسنة واحدة.
وهي بشهادة غازي المحمد وبخط علي الحسين النقيدان.
الغافل:
من أهل ضراس:
ورد ذكر سليمان الغافل نزيل ضراس في عدة وثائق مؤرخة في العقد التاسع من القرن الثالث عشر.
стр. 8003
اثنتان منها في ورقة واحدة، الأولى بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم، وتتضمن مداينة بين سليمان الغافل هذا وبين محمد السليمان آل مبارك الذي هو محمد بن سليمان بن مبارك العمري، وتقدم ذكره في أكثر من موضع.
وقد كتبت الوثيقة في شعبان سنة ١٢٨٦ هـ.
والوثيقة الثانية التي تحتها هي بخط إبراهيم العبادي والد الشيخ الشهير عبد العزيز العبادي، وتتضمن مداينة بين سليمان بن غافل وأمه منيرة السالم المحمد السليمان المبارك (العمري).
والشاهد في الوثيقة الأولى هو إبراهيم آل عبد الله التوامَى و (التوامَى) بفتح الميم هم من أسرة التويجري المعروفين من سكان ضراس.
أما الثانية فإن الشاهد فيها محمد القسومي وتاريخها في السادس من صفر سنة ١٢٨٧ هـ.
ويلاحظ أن الكاتب إبراهيم العبادي استعمل ألفاظًا من العامية مثل قوله: أقرت منيرة السالم وابنه والمراد ابنها، إضافة إلى أنّه كتب اللام الشمسية ألفًا فقط، وهناك هنات أخرى تمكن معرفتها من قراءة الوثيقة.
إن تاريخ الوثيقة ذكر بان ذلك وقع في (سات) من شهر صفر وهذا تعبير عامي، ولكنه ذو أصل فصيح، وقد أوضحت ذلك وأوردت شاهدًا له فصيحًا في (معجم الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) في حرف السين من الجزء السادس من الكتاب المذكور.
وهذه صورة الوثيقتين:
стр. 8004
ووثيقة ثالثة فيها ذكر سليمان الغافل بخط الكاتب الثقة راشد السليمان وهو ابن سبيهين الذي عرف بأبو رقيبة، وهو جد آل رقيبة أهل بريدة كلهم، وتاريخ
стр. 8005
كتابتها فيما يظهر من العادة في عام ١٢٧٨ هـ. لأن الدين الذي تضمنته يحل أجله في موسم ١٢٨٨ هـ. والموسم هو موسم جداد التمر أي صرامه، وذلك معروف مشهور عندهم، وهو يقع في آخر شهر سبتمبر على وجه التقريب.
وتتضمن الوثيقة مداينة أيضًا بين سليمان الغافل ومحمد السليمان (العمري) والشاهد فيها هو خال سليمان بن غافل عبد الله السالم، ولم يذكر اسم والد الشاهد.
وهذه صورتها:
стр. 8006
ووجدت وثيقة أخرى قديمة مكتوبة في عام ١٢٣٨ هـ. كما يدل على ذلك أجل حلول الدين فيها وهو عام ١٢٣٩ هـ. والعادة أن يكون تأجل الدين لسنة واحدة، كما سبق.
وهي بخط الشيخ المعروف في وقته عبد الله بن صقيه، وشهادة عبد الرحمن بن سويلم، والدين الذي فيها هو لصالح، وهو صالح الحسين أبا الخيل، وإن كانت الوثيقة لم تذكر إلَّا اسمه مجردا عن اسم أبيه، ولقبه فهو معروف عندنا حقّ المعرفة.
فهل غافل بن حليتم هو جد أسرة الغافل، أو الغافلين المذكورين هنا؟ أم هو غافل آخر.
الذي يظهر لي أنّه جد المذكورين لأنه أقدم منهم.
وهذه صورة الوثيقة:
الغانم:
أسرة قديمة التسمية، من آل أبو عليان الذين هم من العناقر، وكانوا حكام بريدة السابقين، وهم متفرعون من أسرة النصار، من فرع الحسن الذين منهم حجيلان بن حمد أمير القصيم.
стр. 8007
لقد أثَّروا في المعارك التي كانت تنشب بسبب التنازع على الإمارة بين الفرع الذي يتزعمه الدرابي - جمع الدريبي - والفرع الذي يتزعمه الحسن - آل حسّن - وقد سجل التاريخ وقائع فيه ذكر للغانم هؤلاء.
ويكفي من ذلك أن من أواخر أمراء بريدة أمير لبريدة من أسرة آل أبو عليان كان من الغانم، وهو محمد الغانم، عينه الإمام فيصل بن تركي أميرًا على بريدة بعد مقتل أميرها عبد الله بن عبد العزيز بن عبدوان الذي هو من فرع الدريبي المنافس لفرع (الحسن) من بني عليان.
وقد ثبت أن لبعض أسرة الغانم دخلًا في قتله طبقا لما جا في صك شرعي الزمهم بدفع جزء من ديته ذكرنا ذلك في رسم العين عند ذكر (العدوان).
وقد ورد في الكتب والأوراق تعيين محمد الغانم أميرًا على بريدة من قبل الإمام فيصل.
وليس بعده إلَّا استئناف في الإمارة التي كان تولاها من قبل وهو الأمير عبد العزيز بن محمد آل حسن، إذ أعاده الملك فيصل إلى الإمارة لمدة قصيرة - لم يلبث أن قتل بعدها في عام ١٢٧٧ هـ في الشقيقة - كما سبق تفصيل ذلك في حرف الألف.
ومن آخر أخبار (الغانم) ما ذكره ابن عيسى بقوله في حوادث عام ١٢٩٣ هـ:
فدخل عبد الله بن فيصل بلد الرياض واستقر فيها ثم قدم عليه روساء البلدان وبايعوه على السمع والطاعة، وقد قدم عليه عبد الله بن عبد المحسن آل محمد، ومحمد بن عبد الله بن عرفج، وحمد آل غانم، وإبراهيم بن عبد المحسن ابن مدلج من آل أبي عليان رؤساء بلد بريدة في الماضي ممن أجلاهم مهنا أبا الخيل، ومعهم كتاب من زامل آل عبد الله بن سليم أمير بلد عنيزة يطلب منه القدوم عليه في عنيزة ويعده القيام معه والمساعدة له على أهل بريدة، وطلب عبد الله من عبد المحسن آل محمد المذكور ومن معه من عشيرته القيام معهم والمساعدة في أخذ بريدة من أيدي
стр. 8008
آل أبا الخيل، وذكروا للإمام أن لهم عشيرة في البلد وأنهم إذا وصلوا إلى البلد ثاروا فيها وقاموا معهم وفتحوا لهم الباب، فسار معهم الإمام عبد الله الفيصل بجنوده من المسلمين من البادية والحاضرة، وقدم بلد عنيزة، وكان حسّن آل مهنا أبا الخيل لما بلغه خبر مسيرهم كتب إلى محمد بن عبد الله بن رشيد أمير بلد الجبل يستحثه، وكان قد اتفق معه قبل ذلك على التعاون والتناصر، فخرج ابن رشيد من حائل بجنوده واستنفر من حوله من بادية حرب، وشمر وهتيم، وبني عبد الله، وتوجه بهم إلى بلد بريدة، ونزل عليها بمن معه من الجنود.
ولما علم بذلك الإمام عبد الله الفيصل ارتحل من عنيزة بمن معه من الجنود، ورجع إلى بلد الرياض، وأقام ابن رشيد على بريدة مدة أيام، ثم رجع إلى بلده (١).
وقبل ذلك قال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٣٦ هـ:
وقتل في القصيم عبد الله بن محمد بن حسن رئيس بلد بريدة، ومحمد بن غانم.
فلما أراد الترك أن يرحلوا من البلدان، أمسكوا من كل بلد رجلًا ورجلين، وحبسوهم في مطالب من غاب وهرب، وساروا بهم إلى بلد ثرمدا، وكان حسين قد بني في ثرمدا قصرًا عظيمًا، وجعل فيه الأزواد والأمتاع التي يأخذ من أهل البلدان، وأدخل فيه عسكرا من الترك فضبطوه، وأدخل فيه عندهم محابيس أهل البلدان الذين أمسكوهم وجعلوهم عندهم في سلاسل الحديد، وأقاموا في ذلك الحبس والعذاب عند الترك في ذلك القصر حتى قدم حسين بيك أبو ظاهر كما سيأتي (٢).
أكبر آل غانم سنًّا الآن - ١٤٢١ هـ - عبد الله بن محمد بن علي بن عبد العزيز بن غانم بن عبد الله الغانم.
стр. 8009
وبعده عبد العزيز بن عبد الله بن سليمان بن عبد العزيز بن غانم، ولد في عام ١٣٤٣ هـ، كان يعمل مساعدًا لأخيه لأمه الشيخ محمد بن صالح الوهيبي في مدرسة أهلية في بريدة، وعندما أردنا فتح المدرسة المنصورية في بريدة في أول عام ١٣٦٨ هـ. وقد عينت مديرًا لها ذهبت أنا والأستاذ صالح بن سليمان العمري وفاوضنا الوهيبي في أن ينضم مع تلامذة المدرسة إلى مدرستنا على أن نعينه مدرسًا ونعين أخاه لأمه - عبد العزيز هذا - مدرسًا أيضًا في تلك المدرسة، وقد حصل هذا بالفعل.
وقد بقي الأمر كذلك إذ بقيت مديرًا للمدرسة المنصورية حتى صدر أمر الملك سعود ﵀ بأن أذهب مع شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى مدن الحجاز وأولها إلى مكة المكرمة لإنهاء القضايا القديمة في محاكم الحجاز ثم عينت وأنا في الطائف من تلك السفرة في وظيفة مدير المعهد العلمي في بريدة، وهو أول معهد يفتح بعد معهد الرياض في المملكة كلها، وذلك في عام ١٣٧٢ هـ، وفتحنا المعهد بالفعل في عام ١٣٧٣ هـ.
أما الأستاذ عبد العزيز الغانم فقد استمر يعمل في وزارة المعارف حتى تقاعد في عام ١٤٠٩ هـ، وكان إلى ذلك إمامًا للجامع الأوسط في حارة السادة، قابلته في عام ١٤٢٢ هـ. فلم أجده اختلف كثيرًا عما عهدته عليه عندما عيناه مدرسًا في المدرسة المنصورية، واستمر يعمل معي وقد مضت على ذلك أربع وأربعون سنة.
ثم لقيته في عام ١٤٢٣ هـ وكان زميلًا لي كما قدمت، إذ كان مدرسًا في المدرسة المنصورية التي كنت مديرًا لها، فقلت له: إن (الغانم) كانوا فرعًا نشطًا من (آل أبو عليان) وقد تردد ذكرهم في الأوراق التاريخية، وأنا - كما تعلم - أسَوِّد الآن في كتاب (أسر بريدة) وأريد أن اطلع على ما قد يوجد لديكم لهم من وصايا أو أوقاف أو أية أوراق تنفع من الناحية التاريخية.
стр. 8010
فقال: لدينا ذلك، ولكن لابد من أن تشرب القهوة عندي في بيتي، فأنت لك حقّ عليَّ.
ذهبت إليه في بيته معي ابني ناصر وحضر ابن له ذكي حصيف اسمه عبد الله فأراني دفترًا لجده فيه وصية لجد والده، مع وثيقتين أخريين وأشياء لا أهمية لها.
فطلبت منه أن يصورهما لي، وأخبرته بأن هذا فيه مصالح أولها لهذه الأوراق حيث تبقى محفوظة عن الضياع في كتابي لأنها تصور بعد النسخ كما هو ظاهر، ومنها أنها تبين نشاط أسرتكم.
فقال: لا مانع، إن شاء الله باكر أو عقبه، أصورها وأعطيك صورها، فقلت له: إنني رأيتك تمر بدكان صديقنا الشاعر حمد بن عبد العزيز الفهيد الملقب بالبثرة فأعطها إياه.
ثم مررت بعبد العزيز الفهيد وقلت له خذها منه، وأبقها عندك.
ثم سألت ابن فهيد أكثر من مرة فذكر أنّه لم يحضرها.
وقد عجبت من ذلك، ثم توفي عبد العزيز الغانم المذكور في شهر ذي الحجة عام ١٤٢٨ هـ ﵀ وهو عبد العزيز بن عبد الله بن سليمان بن عبد العزيز بن غانم بن عبد الله بن محمد آل غانم.
ومنهم الشيخ صالح بن محمد بن علي بن علي بن عبد العزيز بن غانم الغانم كان من طلبة العلم الذين يقرءون معنا على الشيخ صالح بن أحمد الخريصي في أول عهدي بالطلب، ثم بدأ القراءة على شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد، وإن لم يواظب على ذلك.
وقد عينه شيخنا ابن حميد مطوعًا ومرشدًا لهجرة المطيوي في غرب القصيم و (المطوع) في ذلك الوقت هو كما قال فهد العيسى أكبر من إمام
стр. 8011
المسجد المعتاد ودون القاضي، وكان هو وأمثاله ممن يستحقون وظيفة قاضٍ ولكن لا وظائف هناك في ذلك العهد.
وكان صالح الغانم هذا سريعًا في مشيه، سريعًا في تصرفاته حتى قال فهد بن مزيد الخطاف: إن جاك أحد وقال لك: إن صالح الغانم صار له جنحان وطار فلا تكذبه.
والجد في الأمر أن الأخ صالح الغانم هذا كان من طلبة العلم المتشددين ممن كانوا ينكرون على من يتوظف عند الحكومة ولكنهم عندما حصلت لهم الوظيفة الحكومية سارعوا إليها، وكان من زملائه في ذلك الشيخ عبد الله بن صالح بن محسن من أهل الشيحية، وهو الذي عينه الشيخ صالح العمري مدرسًا في مدرسة ابتدائية في خارج القصيم، ثم استقال والتحق بالمعهد العلمي في الرياض، ثم في كلية الشريعة هناك حتى تخرج منها، ونقل بعد ذلك مدرسًا في المعهد الثانوي في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عندما كنت أمينًا عامًا فيها.
فكان يقول لي: يا فلان أرجو أن تسامحني على ما كنت أتكلم به فيك وفي زميلك الأستاذ علي الحصين وزميلكم الشيخ صالح العمري.
قلت له: ماذا كنتم تقولون فينا. لأنني لا أعرف أننا ارتكبنا خطأ، قال كنت أنا وصالح الغانم وفلان وفلان وذكر أربعة أشخاص نعرفهم بانهم كانوا ينفرون منا إذا مررتم بنا قال بعضنا إلى بعض: انظرونا إلى هؤلاء الذين ليس لهم دين.
قلت: وما دليكم على أنّه ليس لدينا دين؟ فضحك وقال: إننا نقول إنهم يأكلون من نقود الحكومة التي أصلها جمرك حرام، ويقرأون الجرائد.
قال الشيخ عبد الله بن محسن وهو يضحك: ولكن عندما حصلت لنا الوظيفة سارعنا إليها فنرجو أن تسامحونا.
فقلت له: أنا أسامحكم عن نفسي، وأما على الحصين فإنه توفي - رحمه
стр. 8012
الله والشيخ صالح العمري يمكنك أن تستسمحه إذا أرت.
وولد صالح الغانم في بريدة سنة ١٣٣٧ هـ، وتوفي الشيخ صالح الغانم في عام ١٣٩٨ هـ ﵀.
وكان صالح الغانم غرس أثلًا في شرق الغاف مما يلي (المطا) فنازعه شخص آخر فأشار عليه بعض النّاس أن يذهب إلى الأثل لأن صالح الغانم كان يأتي في آخر الليل يسقي الأثل، أشاروا على الذي ينازعه أن يتنكر في زي ضبع ويصدر صوتًا يُفزع صالح الغانم، حتى يترك المكان.
قالوا: فبلغ ذلك (صالح الغانم) فأعد عصا ولما عوى الرجل لحق به وضربه، وما زال يضربه حتى أبعد، ولم يعد إلى ما فعله مرة ثانية.
وكان صالح الغانم يتوكل في الدعاوى للناس، لأنه يصبر على المخاصمة والمطالبة عند القاضي.
وقد اشتغل الشيخ صالح الغانم بعد رجوعه من هجرة المطيوي بالتجارة بالسيارات والعقار، فربحت تجارته وصار ثريًّا بنى مسجده الذي يصلي فيه إمامًا بالناس.
ومنهم عبد المحسن بن صالح الغانم، من مواليد عام ١٣٩٧ هـ له بقالة القرية على شارع الأربعين في حي مشعل في بريدة - ١٤٢٤ هـ وأخوه مدرس ١٤٢٤ هـ.
ومنهم علي بن صالح الغانم ذكر لي أنّه مهندس خريج الكلية التقنية عام ١٤١٩ هـ، وأنه الآن يعمل في كلية التقنية في بريدة.
ومنهم الطيار محمد بن عبد الله الغانم خريج معهد الطيران، يعمل طيارًا في الخطوط السعودية.
стр. 8013
والمهندس عماد بن عبد الله الغانم، يعمل مهندسًا في شركة سابك.
ومنهم عبد الله بن غانم من أهل رواق، كانت له إبل أخذت من فلاحته إبان المعركة التي حصلت بين عبد الرحمن بن إبراهيم أمير بريدة من قبل الإمام فيصل بن تركي ومن معه ومنهم عبد الله بن دغيثر وبين زامل ... آل سليم أمير عنيزة في رواق، فقال هذه الأبيات من قصيدة أتى بها إلى عنيزة فأمر زامل كل من كان عنده شيء من مال ابن غانم أن يرده عليه وهذه هي الأبيات:
يا سحابٍ من عنيزة ضفي ظله ... فوق خب رواق عج الوطا ثاير
وبله القصدير والرمح والسله ... مع ربوع فعلهم بالعدى جابر
والأمير ابن دغيثر وجندٍ له ... صار قوت لاشهب الذيب والطاير
بيض الله وجه زامل وربع له ... يوم ما حمد باثرنا إلى الصاير
ايزته منا البواريد والحله ... والخيام وباقي الجند والخاير
والدبش والتمر والعيش والغله ... جابها كسابها واعتق الناير
شيخنا فلا تبان منه زله ... قام له وقت وهو بالحطب صابر
أرسل أحد الأصدقاء من أسرة (الغانم) قصة محمد بن غانم (راع الطويسه) كما قال:
هذه قصة محمد ابن غانم (راعي الطويسه) والبدو:
كان (لعبد الله) الغانم آل أبو عليان، الملقب (بأبو خطوة) إبل فهجم على إبله قوم من البدو وأخذوا إبله، وذلك في موقع في جنوبي بريدة يقال له الطعمية فاستفزع بأهل ألطعمية، فقالوا له إن هؤلاء القوم لا طاقة لنا بهم فاذهب إلى عمك نازل تحت هذا الجال يقصدون روضة ابن غانم (روضة المذهان حاليًا) وعمه هو محمد بن غانم الملقب (راعي الطويسة وهي فرسه) فلما أتى إلى عمه وأخبره بما صار.
стр. 8014
أخذ عمه سلاحه وأردفه معهد على الفرس (الطويسة) ولحقوا بالقوم، وذلك عند مكان يقال له (العود) جنوب بريدة، فقال عمه للقوم اختاروا إمّا أن تتركوا الإبل وتنجون بأنفسكم وإلَّا قتلتكم، فلم يستجيبوا له فرمى أول واحد وقتله، فلم يستجيبوا فرمى الثاني وقتله، وعلى هذا حتى قتل منهم أربعة فخلوا سبيل الإبل ورجع هو وابن أخيه (أبو خطوة) فنزل في قصره المسمى روضة ابن غانم فذهب القوم وأخبروا أميرهم بذلك فجاءوا ونزلوا بنازية ابن مسعود وذلك لأن أميرهم يقال له ابن مسعود فأرسلوا له شخصًا واحدًا كأنه كفيف، والثاني يقوده، وذلك حيلة منهم حتى يخرج من القصر فقال لهم أيها العمي أرجع وإلَّا رميتك فلم يستجب فرمى يده، وذلك الشخص الذي يدعى أنّه كفيف فهرب، ولم تنفع حيلتهم فجاءوا إليه جميعهم فقالوا له يا ابن غانم أنت قتلت أربعة من قومنا وأخذت خيولهم وهي القلايع، ونحن نريد منك أن تدفع ديتهم، فقال لهم: أنا قتلتهم دون إبل ابن أخي ولم أقتلهم إلا لذلك، ووالله إن معي مئة مصبوبة (فشقة).
ووالله إن الذي لا تقتل واحد أن تقتل اثنين فإذا خلصت نزلت بسيفي فلما سمعوا كلامه.
قالوا إذًا أعطنا خيلنا، فقال لكم ذلك فأعطاهم إياها وبعد مدة حصل بينه وبين جماعته نزاع فجلى عن بريدة وذهب إلى الجنوب وذلك باتجاه (النير) فنزل على عتيبة.
فلما راؤه عتيبة قال له أميرهم.
أهلا بك يا ابن غانم بضعف منك وقوة منا يعني إنك أتيت إلينا وأنت ذليل (أي سوف أتقاضى منك) فقال له ابن غانم والله يا رمه عظمي بعد خمس سنوات أن تأخذ القضا منك، فلما أمسى عليهم الليل والقوم جميعهم أتى لأمير وأعطى ابن غانم زهاب وقال له اسر ولا يراك أحد.
يقال إنّه سراه وذلك لأن ابن غانم فارس والأمير ما أراد أن يقتله الفروسيته وشجاعته.
стр. 8015
ويقال إن أحدهم قال للأمير كيف تقتل ابن غانم وهو وراءه آل أبو عليان والله لن يقوم لك قائمة.
وقال لي راوي هذه الحكاية: هذه القصة رويتها كما سمعتها من كبار السن، وطابع المبالغة ظاهر فيها.
وثائق لأسرة الغانم:
هذه الوثيقة ورقة مداينة بين عبد الله آل محمد الغانم وبين الشيخ محمد العمر بن سليم، والدين أربعة عشر ريالًا إلَّا قرش، والقرش هنا رأيت أنا كتابتها (جَرش) بالجيم وهو ثلث الريال، وليس هو القرش المعروف الآن، وقد سبق توضيح ذلك.
وهذا الدين مؤجل يحل أجل الوفاء به في شهر صفر من عام ١٢٨٩ هـ، والشاهد عبد الله الحسين الصالح وهو من أسرة أبا الخيل ومشهور في وقته، والكاتب محمد السليمان آل مبارك (العمري).
وكان للغانم نصيب من أملاك في الصباخ من أهمها ملك أي حائط نخل يسمى (رهجه) كان الملا عبد المحسن بن سيف قد تولى بيعه وتفريق ما يخص ورثة المالك له عليهم.
وقد وجدت ورقة بخط ناصر بن سليمان بن سيف حول هذا الموضوع
стр. 8016
مؤرخة في عامي ١٢٩٠ و ١٢٩١ هـ هذا نصها:
стр. 8017
جاء ذكر محمد بن غانم في وثيقة عن الأحداث التي وقعت في عام ١٢٣٦ هـ عندما حضر حسين بيك على رأس قوة مصرية، ومعه جنود من الأتراك إلى نجد لأنه بلغ محمد علي باشا والسلطان التركي أن بعض سكان الدرعية التي خربها إبراهيم باشا قبل ذلك بسنتين قد عادوا إليها.
وقد بالغ حسين باشا في البطش بأهل نجد، ومصادرة الأموال منهم، وكان يربط أو يسجن كبار كل بلد حتى يؤدي ذلك البلد إليه ما جعله عليهم من غرامة.
وقد ذكرت ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب.
ولكن وثيقة ذكرت بعض المال الذي جمع من أهل بريدة وسلم إلى (أحمد أغا أدي حسين بيك) ومعنى آدي: أخ بالتركية من يد صالح آل حسين (أبا الخيل) هو عشرة آلاف ريال .. الخ.
ولكن الذي يسترعي الانتباه هنا أن محمد بن غانم قد وصلت إليه مائتا
стр. 8018
ريال وسبعون ريالًا أخذها ليقدمها بمثابة المصانعة والمداهنة، وهو ما عبرت عنه الوثيقة بالبخشيش لأوادم حسين (بيك) والأوادم هنا الرجال وهم الذين يعملون على تنفيذ ما يأمر به حسين بيك.
وذكرت الوثيقة بعد ذلك بقية علاقة محمد بن غانم بتلك القضية الواسعة التي تدل دراستها على أن أهل نجد كان داخلهم الخوف والفزع من الجنود الأتراك الذين كانوا يقتلون فيهم وينهبون وحتى يسبون النساء والأطفال من دون أن يقاتلهم أحد على ذلك.
وهذه صورة الجزء الذي فيه ذكر ابن غانم من الوثيقة وهي كاملة مذكورة في ترجمة صالح بن حسين، عند ذكر أسرة أبا الخيل في حرف الألف، في الجزء الأول من هذا المعجم.
стр. 8019
وأقدم الوثائق التي لديَّ للغانم بعد هذه مؤرخة في عام ١٢٥٧ هـ لأن الدين المذكور فيها يحل أجل الوفاء به في طلوع شهر رمضان سنة ١٢٥٨ هـ.
فيها إقرار من عبد الله آل غانم بأن في ذمته لعيال حمد العدوان الذي هم من (آل أبو عليان) سبعة وثلاثين ريالًا مؤجلات يحل أجلهن طلوع شهر رمضان سنة ١٢٥٨ هـ.
وذكرت الوثيقة أن الدين المذكور من يد أحمد بن حميدة والحميدة أيضًا من آل أبو عليان.
والشاهد عبد الله آل حمد - أي ابن حمد الباحوث.
والكاتب سليمان آل مبارك أي ابن مبارك ابن عمر وهو العمري وهو جد جد الدكاترة من آل العمري الذين هم أساتذة في الجامعات السعودية الآن - ١٤٢٨ هـ.
стр. 8020
وهذه وثيقة مهمة كتبت في عام ١٢٥٦ هـ بخط سليمان بن سيف.
وأهميتها ترجع إلى قدم تاريخها من جهة وإلى ما تضمنته من كون غانم العبد الله (الغانم) قد ورث مالا من عصبه لحجيلان أو لأحد أقاربه، والأول أظهر وأنه باع ذلك على (الأمير) عبد العزيز آل محمد (آل أبو عليان) نصيبه من عَصّب حجيلان بستان الشقيري وهن ثمان نخلات وربع نخله بستين ريالًا فرانسه.
والشهود على ذلك حمد العدوان ومحمد آل جار الله وأحمد العبد الله بن حميد ومزيد الحسين.