وكان المطلوب مني أن أراقب عملهم، ولكنني في ذلك الوقت وهو عام ١٣٧٦ هـ لم أكن أنا أفهم شيئًا من هذه الأمور، وإنما كانت رئاسة المعاهد العلمية والإفتاء ترسل مهندسًا من الرياض بين الفينة والأخرى لينظر فيه لأنه لم يكن يوجد في بريدة مهندسون يمكن أن يتابعوا البناء بأجر يدفع لهم.
وكان مبنى المعهد العلمي أول مبني متكامل من الأسمنت المسلح يبن في بريدة وقد صادف أن كان الملك سعود بن عبد العزيز ﵀ في زيارة لشمال المملكة واخترقها بالسيارات قادمًا إلى الرياض، فطلبت منه ببرقية أرسلتها إلى صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن يفتتح مبنى المعهد، وذلك في عام ١٣٧٧ هـ كما اتفقت مع أمير بريدة آنذاك الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد على ذلك.
وقد افتتح الملك سعود هذا المبنى وكان يرافقه قائد الحرسي الملكي آنذاك العقيد محمد بن علي الذيب وهو من أبناءٍ عمنا من أهل بريدة، فسهَّل لنا الإجراءات التي احتجناها لزيارة الملك للمعهد وافتتاح مبناه.
وسليمان هو والد السفير (صالح بن سليمان الفوزان) الذي تقدم ذكره.
ومن أغرب الوصايا وصية لامرأتين من (الفوزان) هؤلاء وليست لامرأة واحدة وهما لؤلؤة وهيلة بنتا فوزان العثمان (الفوزان).
وكاتب الوصية هو زعيم بريدة في وقته فهد بن علي الرشودي، وقد وصف نفسه بأنه عمهن ولا أدري أذلك لكونه أخًا لوالدهن من الأم أو من الرضاعة.
وهذه صورة الوصية وبعدها أنقل نصها بحروف الطباعة لصعوبة قراءة خط فهد الرشودي على من لم يتعود على قراءة الخطوط القديمة التي لا تتماشى مع قواعد الإملاء.
стр. 8402
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أوصت به الحرتان العاقلتان: لولوه وهيلة بنات فوزان العثمان بعدما شهدتا ألَّا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق والناس إذا ماتوا يبعثون وأوصن في ثلث ما خلفن في أعمال البر من كسوة عاري أو طعام جايع، مقدم بالوصية ثلاث أضاحي كل وحده لها ضحية ولوالديهن ووالدي والديهن ضحية، والوكيل على ذلك يخشر عمتهن طرفة في أضاحيهن والوكيل ولدهن فوزان، ومن بعده أخوهن عبد الله الفوزان، شهد بذلك على الفهد الرشودي وخالهن
стр. 8403
عبد العزيز الفهد الرشودي وشهد به وكتبه عن أمرهن عمهن فهد العلي الرشودي والله خير شاهد ووكيل، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد ﷺ ، حرر في ٥ شوال ١٣٥٢ هـ.
الفوزان:
على لفظ سابقه.
أسرة أخرى من أهل وهطان وخضيرا وهم من الأساعدة، جاءوا إلى بريدة من التنومة في آخر القرن الثاني عشر.
أول من جاء منهم إلى بريدة رجل واحد اسمه فوزان الضويحي، جاء من التنومة، وأسرة الضويحي معروفة في الأسياح حتى الآن.
وكنت أظن أن مجيئهم كان بسبب قتلة ثويني آل شبيب لأهل التنومة وغدره بهم في عام ١٢٠١ هـ.
ولكن تبين لي من سيرة حياة فوزان المذكور، وما علمناه من الأخبار من أسرته أنه جاء إلى بريدة بسبب مشاحنات ومنازعات مع بعض أبناء عمه الضويحي وذلك قبل هذا التاريخ فيما يظهر.
وعندما جاء إلى بريدة زرع في بئر واقعة الآن في محلة الفايزية في شرق بريدة وهي التي اشتراها الأمير سعود بن هذلول أمير منطقة القصيم بعد ذلك وكانت تعرف بأنها قليب للفوزان، فأسماها (الفايزية) وليس الفوزانية، كما ذكرت ذلك في (معجم بلاد القصيم).
ثم انتقل منها فوزان الضويحي إلى وهطان لأن الفايزية هذه ليس فيها نخل وإنما تزرع القمح والحبوب.
стр. 8404
وولد لفوزان ابنه صالح في وهطان وهو صالح الأول بن فوزان الأول وقد تزوج صالح بن فوزان هذا بامرأتين إحداهما من المزعل والثانية من الجريدي أهل الصباخ ورزق من كل واحدة منهما بخمسة أبناء فكان أبناؤه عشرة وهذا هو السبب في نمو أسرة الفوزان بسرعة وكثرة أفرادها.
وكان وهطان في تلك الأزمان مزدهرًا فيه النخل والزرع وحتى الفواكه، ومن الأدلة على ذلك أنه في القرن الثالث عشر لم يكن يوجد في الخُبُوب الشرقية إلَّا جامع واحد موجود في وهطان، وليس في خضيرا ولا خب القبر آنذاك جامع أي لا تقام فيهما الجمعة لقلة سكانهما، وضعفهم فكان أهلها يصلون الجمعة في (وهطان).
هذه وثيقة ذكر فيها فوزان الأول الذي هو جد (الفوزان) هؤلاء كلهم، وذلك فيما يظهر لي، وإلا فإنه لا يوجد دليل مؤكد عليه، وتتضمن إقراره بأن عنده وفي ذمته لصالح وعمر وصالح هو بن حسين أبا الخيل والد الأمير مهنا الصالح أمير بريدة، وعمر هو ابن عبد العزيز بن سليم أول من سكن من آل سليم بريدة، جاء إليها من الدرعية، وكان يشارك صالح الحسين في المداينات وفي بعض أنواع التجارة.
والدين الذي للرجلين الثريين هو اثنا عشر ريالًا ثمن مائتي وزنة (تمر) وهذا يوضح أن هناك تمرًا مشتركًا بينهما، وليس اشتراكهما بالدراهم فقط.
وذكرت الوثيقة أنه أرهنهما بذلك غريسه أصله وعمارته، وهذا يدل على أنه فوزان جد الفوزان أهل خضيرا، فهو الذي له غريس يملكه، وليس هو مجرد فلاح في نخل لغيره.
ويحل أجل هذا الدين الذي هو اثنا عشر ريالًا في عيد الأضحى من عام ١٢٣٨ هـ والوثيقة بخط الكاتب المعروف سليمان بن سيف، كتبها في ٢٣ من صفر سنة ١٢٣٧ هـ وليس معه شاهد.
стр. 8405
وقد اشتهر صالح بن فوزان الثاني، وهو الأخير بمحبته للخير وإكرام الضيوف، ولا زلنا ونحن صغار نسمع ذلك من الناس، وقد توفي صالح الفوزان الثاني هذا في عام ١٣٤٨ هـ، وله في ذلك أخبار عطرة، منها ما حدث به عبد الرحمن بن عبد الله الجمحان المعروف بمهلهل، قال: قبل سنة السبلة بقليل وهي عام ١٣٤٧ هـ أناخ عند صالح الفوزان في خضيرا أهل ستين ذلول عليها ١٢٠ رجلا أي أنهم مردفين كما يقول العوام، وهو أن يركب على كل ذلول اثنان أي أن تخصص لهما وإن لم يركبا معا وهم من مطير على رأسهم أحد الدوشان - جمع دويش - من رؤساء القبيلة، وقال: الذي فهمناه أن فيصل الدويش هو الذي كان على رأسهم، ومعلوم أنهم قصدوه لأنهم يعرفون أنه قادر على أن يضيفهم.
قال: فأسرع صالح الفوزان يأمر بذبح الغنم التي عنده وهي ثمان ما بين معز وضأن، ولكنه قال: إنها غير كافية، ولابد من أن يذبح ١٢ ذبيحة لكل عشرة ذبيحة، وبالفعل ذبحها، ووضعها فوق الجريش ومعه القرصان على هيئة خبز كبير.
стр. 8406
قال ابن جمحان: فلما قال لهم: تفضلوا الله يحييكم، قال رجل منهم مسنٍّ يخاطب قومه: أنتم يا الإخوان وكانوا قد دينوا أي أصبحوا أصحاب دين متشدد، تأكلون طعام ابن فوزان، وأنتم ما تدرون هو حلال وإلَّا حرام، فقال الدويش لصالح الفوزان: ويش تقول يا صالح طعامكم هذا أنت كسبته من حلال وحرام؟
وكان ابن فوزان محرجًا لأنه قد ذبح الذبائح وطبخ لحمًا مع الطعام فقال: حنا نجتهد في أمور ديننا إننا ما نأكل إلا الحلال، وعندنا مشايخ نسترشدهم ونسألهم عما يشكل علينا منه.
فقال الدويش: صدق ابن فوزان، كلوا أيها الإخوان فأكلوا حتى شبعوا! !
الريش وصالح الفوزان:
حدث حمد الريش من أهل الشماسية قال: كنت جمالًا، أحطب على بعيري وأبيع الحطب في بريدة، ومرة جلبت الحطب فصادف وجود حطب كثير في السوق ولم يسم حطبي أحد، وكان من العادة أن أبيع الحمل بريال ونصف أو ريال وثلث فرانسي، ولما عزل السوق رآني صاحب دكان من آخر من أغلق دكانه فقال لي: تبيع حمل الحطب بريال وبيشليتين؟ والبيشلية للريال في ذلك الوقت كالقرش في الوقت الحاضر، فقلت: نعم، لأنه لا يمكنني غير ذلك.
وكنت على حالة فظيعة من الجوع، وكان يكفيني التمر غير أن الرجل مرّ بي عندما فرغت من إدخال الحطب في بيته خارجًا فقلت له: ما هنا هجور؟
فقال: أنا الآن مشغول، وإذا شرينا منك مرة ثانية هجرناك، والهجور هو التمر الذي يؤكل بعد الظهر أو في آخر الليل.
قال: فركبت بعيري وأنا لا أكاد أبصر الأرض من الجوع قاصدًا الشماسية، ولم أستطع أن أستمر فمررت على محل صالح الفوزان بخضيرا، وكان الوقت مع المغرب، وكان عقب مطر خفيف والهوا بارد، فحالما وصلت صادفني صالح
стр. 8407
الفوزان وهو يعرف مثل ما يعرف غيره أنني إذا جئت إليه فإنما أريد الطعام والذرى أي الاتقاء عن الهواء البارد لبعيري، وقد عرف مني شدة حاجتي للأكل فقال لي: يا ولدي: نوخ بعيرك في ذرى الجدار وتعال، ثم أدخلني في قهوته وأحضر لي تمرا ما رأيت مثل طعمه بعد أن شب النار ووضع عليها الدلة.
قال: وكان خاطري مشغولًا عند بعيري فخرجت أنظر إليه وإذا عنده علف فاطمأننت وقد قهواني وبعد قليل جاء عشاه والذين معه وإذا به جريش فأكلت أيضًا حتى شبعت.
فاستأذنته فقال: وين تروح ليل وبرد؟ قلت: لابد أن أذهب إلى الشماسية، قال: فأعطاني قطعة كبيرة من التمر خبأتها لأهلي وسرت طول الليل، وعندما خرج الناس من صلاة الفجر كنت وصلت الشماسية، فقلت لزوجتي: هالحين بسرعة إن كان عندك لأحد شيء عطيه إياه، وكان الناس في القديم يستعيرون بعض ما يحتاجونه من الأواني والأدوات كالقدر الكبير والقدوم ونحو ذلك.
قال: ولم يمض قليل وقت حتى كان كل شيء جاهزًا فأخذت محامل الجمالين، ووضعتها على بعيري وكان لي طفلان أحدهما ابن له أربع سنين وضعتهما في المحمل وزوجتي في المحمل الآخر على بعيري، وركبت بعيري من يومي قاصدًا الكويت، قائلًا لزوجتي: ما يمكن نقعد بها الديرة اللي نجوع فيها مع الشقاء.
قال: وعندما صعدت إلى جال الشماسية وهو الجزء الصخري كالجبل كما يبدو من جهة الغرب وإن لم يكن يبدو كذلك من جهة الشرق، وإذا بي أرى رجلين من جماعة بلدنا يسيران على الأقدام فسألتهما: إلى أين تذهبان؟
فقالا: إلى الكويت، قال: وليس معي إلَّا تمر وجريش قدرت أنه يكفيني وأولادي إلى الكويت، فماذا أصنع بهذين الرجلين؟
قال: فرجعت وذهبت للبازعي في الربيعية وأخبرته بالقصة، لأن الذين
стр. 8408
معي يستحيون يشحذون فأعطاني لهم شيئًا من التمر حملته على البعير وكفانا ذلك زادًا إلى الكويت.
قال راوي القصة: كان (حمد الريش) رجلًا قوي الإرادة فاشتغل بالأعمال الحرة في الكويت، وبدأ يصنع الجص وجَنَّد معه عمالًا، وقد ربح عمله حتى إنه كان يوظف عنده عمالًا من كبار الأسر في بريدة لا أريد ذكر أسمائهم.
إلا أنه لم ينس ضيافة (صالح الفوزان) فأرسل مع أحدهم لصالح مكتوبًا معه مشلح طيب كان خبنه أي قصره على مقدار ما يعرفه من قامة صالح الفوزان، ورطل عود من عود البخور الطيب ومقدارًا من القهوة والهيل، وقال في مكتوبه: هذه هدية لكم! !
قال راوي القصة: فأخذ صالح الفوزان القهوة والهيل إلى بيته واستعملهما حتى نفدا، وأما المشلح ورطل العود فقال بعض الرواة: إنه باعهما وبعث قيمتهما إليه لأنه لم يعرف أنه قد أثرى وأنه أرسل إليه هذه الهدية من باب الامتنان له والله أعلم.
وقد أخبرنا فوزان بن صالح الفوزان أمير خب القبر بأن والده تسلم من حمد الريش الهدية المذكورة.
وهو المحسن الشهير صالح بن فوزان الفوزان الذي عرف باسمه المختصر صالح الفوزان، وعرف عنه الإحسان للمحتاجين ومساعدة المعوزين وإكرام القاصدين من الضيوف والقاصدين إليه، حتّى غدت أفعاله الخيرة في هذا المجال أحدوثة السمَّار وزينة الأخبار، لأنها حدثت في وقت مجاعات ومساغب وحاجة للطعام، وقلة في فرص العمل.
وكل ذلك يبذله مما يحصل عليه من غلة ملك له في خضيرا ووهطان، والمراد بالملك هنا: حائط النخل الذي يثمر التمر الذي كان الناس يعيشون
стр. 8409
عليه، إلى جانب ما قد يزرعه في ملكه وفي خارجه من قمح ولقيمي.
وقد بارك الله له في ذلك بسبب صدقاته وإحسانه للآخرين، وإلَّا فإن الفلاحين أصحاب حوائط النخل ونحوها يكونون في الغالب مدينين للتجار لا يكادون يحصلون على شيء فاضل عن أقواتهم وأقوات من يعولونهم.
ولاشتهار صالح الفوزان بأعمال البر والخير رؤيت له منامات عديدة تدل على صلاحه، وعلى مكانته في الآخرة، منها ما رواه (حماد الشريما) من الشرمان الذين هم أبناء عم للمشيقح قال بحضور علي العيدان حدثني فايز الدغيري، قال: رأيت فيما يرى النائم كأنني دخلت إلى بريدة من ملكنا في العكيرشة وهو الذي شقه الآن طريق الرياض الذي يأتي من بين المقبرتين الشرقيتين ولما وصلت إلى ما بين المقبرتين كما هي عادتي في اليقظة وإذا بي أرى أهل المقبرة الجنوبية قد خرج كثير منهم من مقابرهم معهم أكفانهم قال: حتى إنني رأيت - في هذه الرؤيا - أن بعضهم ينفض التراب عن رأسه وعلى المقبرة نور عجيب، قال: فسألتهم عن سبب ذلك فقالوا: جاي صالح الفوزان، أو قال: إنهم قالوا: يبي يجينا صالح الفوزان قال: فانتبهت وعرفت أن صالح الفوزان قد مات، ولم أكن عرفت أنه مات قبل ذلك.
وينبغي أن نتذكر هنا أن صالح الفوزان مات في عام ١٣٤٨ هـ وأن هذه المنامات حدثت عند موته، ومن ذلك ما روي عن محمد بن عبد الله الخضيري ﵀، قال: كانت امرأة من الحماد الذين هم الحماد الرديني فيما يظهر امرأة صالحة كثيرة التلاوة القرآن، حتى قال بعضهم إنها تحفظه أو تحفظ بعضه عن ظهر قلب، قالت: رأيت فيما يرى النائم كأن شخصًا أو قالت امرأة من سكان المقبرة الجنوبية وهي إحدى المقبرتين الشرقيتين في الصقعاء، قالت لي: إنه سيقدم علينا رجل طيب لذلك تتزين المقبرة له.
وقد حدثت هذا والدتها وهي امرأة صالحة من الحماد أيضًا.
стр. 8410
قالت: ولم تذكر لي اسمه وبعد ليلتين أو ثلاث عادت إليها المرأة فقالت مثل ذلك ولم تذكر لها اسم الرجل أو الشخص الذي ذكرت أنه سوف يأتي للمقبرة فقالت لها أمها، إذا جاءت مرة أخرى اسأليها من هو، فجاءت إليها في المنام ثالثة فسألتها فقالت: هو صالح الفوزان! ! !
ثم تحققوا من موته بعد ذلك في اليقظة.
ومن الفوزان هؤلاء أبو حلوة: صالح بن عبد العزيز بن صالح بن فوزان بن صالح بن فوزان الأول.
ولم يبق له عقب لأنه خلف أولادًا لم ينجبوا.
وهو شاعر معروف.
كان رجل يقال له (البذرة) من الأسرة التي تقدم ذكرها في حرف الباء قد زوج ابنته من رجل كرهته ابنته لأنه فيما يقال ولم تقله هي لم يصل إليها فاعتقدوا أنه قد أصابته عين، وجعلوا ماء ينفث فيه أهل المسجد مع طفل يمسك بيده كالفنجال فيه الماء كالعادة فنفث فيه أبو حلوة وقال:
الله يعافيك يا البذره ... كان انت لبنيتك قاري
الله يجبرك عن العثرة ... آمين، ويربح الشاري
كان الغضى ضايقٍ صدره ... دواه تنكيس يا بكاري
وقال صالح بن عبد العزيز الفوزان الملقب (أبو حلوه):
يا حمود قم قل للدواوير يمشون ... شدَّ الركاب وجهزه للرفاقه
امس الضحى لاقان ترفٍ على الهون ... يمشي وينشد ويتقصقص عناقه
يوم قلت: وش مضيع؟ قال: مضنون ... جفره مغذينه وذبحي فراقه
يلومني من لا بالأحوال يدرون ... أغلي حلال صويحبي من نفاقه
стр. 8411
عسى من أكلها لتسعين طاعون ... ومن بين ربعه شايلينه وساقه
وقصتها: أنه رأى فتاة تسأل عن عناق لها ضاعت.
وقال أبو حلوة:
يا راشد يا مسندي صرت نهاب ... لا تزعم أن الليل مع من عذابه
إدِّ الحذا من قبل هرجات وعتاب ... من قبل سُوّ الحرب تدني ركابه
بالحق ما نصغي لشايب ولا شاب ... ايضًا وعسار الفوجا طلابه
إن كان ساس حصني احط سرداب ... أحبرش بك اللي ما يداوي صوابه
كان عبد الله الصالح الفوزان أبو حلوة فلاحًا فجاء إليه الذين يداينونه ومعهم المخارف لأخذ الرطب فقال:
أولاد علي لي جوك دبَّابِ ... فازعين بالتنك سلَّه (١)
ناحرين صوب مرطابِ ... دن ذا المخرف، وذاخلِّه
فرد عليه المحرول وهو الستاد ابن رشيد:
زاهف بالهرج كذابِ ... ما تعرف الصدق ولا تدلِّه
وناكل الميته والهضابِ ... بالخلق نجوِّد مصرٍّ له (٢)
زرعنا بالقيظ ماشابِ ... ما نفع دقه ولا جِلِّهْ
القرع كوخ وعيابِ ... والمليسا نطل كله (٣)
стр. 8412
قال أبو حلوة (بن فوزان) ملغزًا من قصيدة:
قحبةٍ تذكر لنا توه عروس ... ما عرفت اسمه وسميته هجوس
ترى صْفِتَه ما لَهْ سنون ولا ضروس ... جل من ذي صنعته خلقة ذنب
ومن شعره أيضًا:
يا راكب من عندنا سمح الأطراق ... يشبه كما وصف المذايير ساقه
شده ورده الضحى وقت الأشراق ... وقت الصباح رباح ما فيه عاقه
وهي طويلة:
ومنهم الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم بن صالح بن فوزان الأول، وأبوه صالح وحيد والديه فليس للشيخ عبد العزيز أعمام، وكان والده يلقَّب (العويده) على لفظ تصغير العَوَدة، لذلك كان يُعرَّف الشيخ عبد العزيز عند من لا يعرفه بأنه (العويدة) تمييزًا له عن الفوزان الآخرين، ولكنه لا يحب هذا اللقب ويغضب ممن يسمعه إياه.
كانت ولادة الشيخ عبد العزيز بن صالح الفوزان في عام ١٩٨٤ م في خضيرا.
وعين في عام ١٣٥٤ هـ إمامًا في مسجد الشيخ عمر بن سليم في جنوب بريدة، وكان أول إمام له.
ثم تنقل في الوظائف القضائية حتى عين قاضي تمييز أي عضوًا في محكمة التمييز في مكة المكرمة، وذلك في عام ١٣٨٠ هـ.
ثم توفي الشيخ عبد العزيز الفوزان في عام ١٣٩٧ هـ وكان لا يزال في وظيفته التي هي عضوية محكمة التمييز في مكة المكرمة.
كان الشيخ عبد العزيز الفوزان قد عين قاضيًا في جازان عدة سنوات، فسألته مرة عن الجو هناك، فقال: حنا نعرف دخول (جويريد) الذي هو آخر
стр. 8413
المربعانية: مربعانية الشتاء إذا لم نعرق، لأننا نعرق في طول العام، إلا في أيام قليلة من أربعينية الشتاء.
ترجم للشيخ عبد العزيز بن صالح الفوزان عدد من كتبة التراجم المؤلفين فيها منهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام وهو يعرفه معرفة شخصية، وقد لخصت كلامه، قال:
الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم الفوزان:
فأقرب أسرة الأسرة المترجم: آل فهيد أهل العين التي في الأسياح، فوُلد المترجَم في مدينة بريدة عام ١٣٣٣ هـ، ونشأ في كنف والده الذي هو من أهل الصلاح والتقى والعلم، فشب على الطاعة والعبادة، ودخل الكُتَّاب وتعلم الكتابة والقراءة والقرآن الكريم، ثم شرع في طلب العلم.
وكان أبرز علماء بلده في ذلك الوقت الشيخين عبد الله وعمر ابني محمد بن عبد الله بن سليم، فلازمهما، لاسيما الشيخ عمر الذي تأخرت وفاته بعد أخيه، فقد الازمة المترجَم ملازمة تامة فاستفاد منه، فلما أنس منه الصلاح والتقى والتحصيل عينه إمامًا في مسجده المسمى (مسجد الشيخ عمر)، وذلك في عام ١٣٥٤ هـ، فحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، ودرس التوحيد والتفسير والحديث والفقه والفرائض والنحو، كما قرأ هذه العلوم على الشيخ عبد العزيز العبادي والشيخ محمد العبد الله بن حسين أبا الخيل، فأدرك كل هذه العلوم إدراكًا طيبًا.
وكان ذكيًّا فطنًا قوي الحفظ سريع الفهم، وكان تخصصه في الفقه الحنبلي، وهكذا عيِّن قاضيًا في (دومة الجندل بالجوف) عام ١٣٥٨ هـ، ثم انتقل منها إلى قضاء (بلدة ضرية) في عالية نجد حتى عام ١٣٧٢ هـ حيث نقل إلى قضاء (صبيا) من بلاد جيزان، ثم جعل رئيسًا لمحكمة جيزان حتى عام ١٣٧٤ هـ، ثم نقل مساعدًا لرئيس المحكمة الكبرى بالطائف، فمكث فيها
стр. 8414
حتى عام ١٣٨٠ هـ، حيث نقل قاضيًا في محكمة تمييز الأحكام الشرعية بمكة المكرمة فبقي فيها حتى توفي.
وكان المترجَم في كل أعماله في هذه البلدان مثال النزاهة التامة والإخلاص والجد والمثابرة على عمله، فقد زاملته مدة ست سنوات في محكمة التمييز، فكان أول آت للعمل وآخر خارج منه، وكانت بغيته وهدفه الحق في عمله مهما كان الأمر والحال، فالحق عنده مقدم على كل أحد في حال الرضا والسخط.
وكان لطيف العشرة كريم الخلق يقابل بالبشاشة والطلاقة، وفي لإخوانه وأصحابه لاسيما أهل العلم، فكان لا يقطعهم من زياراته ومراسلاته، حتى صار له محبة في القلوب وإجلال وتقدير، وما زال على حالته الحميدة حتى إذا كان بعد صلاة صبح الأربعاء اليوم السابع عشر من شهر ذي الحجة عام ١٣٩٦ هـ أصيب بنزيف بالمخ أفقده وعيه من ساعته، فنقل إلى مستشفى الزاهر بمكة المكرمة، فاستمر في إغمائه حتى الساعة الثانية غروبي من الليلة الموالية ليوم مرضه، فتوفي وصلي عليه ظهر يوم الخميس في المسجد الحرام، ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة، رحمه الله تعالى، آمين.
وله عدة أبناء، بعضهم في أعمال حكومية، وبعضهم في أعمال حرة (١).
وقال الشيخ إبراهيم بن محمد بن سيف:
الشيخ عبد العزيز بن فوزان:
القاضي الشيخ عبد العزيز بن صالح بن إبراهيم بن فوزان، ولد في مدينة بريدة في ٢٠/ ٨/ ١٣٣٣ هـ ونشأ في بيئة طيبة، وقرأ القرآن الكريم ثم درس على الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن سليم والشيخ عبد العزيز العبادي والشيخ محمد العجاجي والشيخ سليمان المشعلي.
стр. 8415
وأخذ عن العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وعن العلامة الشيخ فيصل بن عبد العزيز المبارك، فبالإضافة إلى حفظة القرآن عن ظهر قلب أخذ أيضا عن هؤلاء العلماء علوم الشريعة السمحة من توحيد وفقه وحديث وتفسير وفرائض ونحو وصرف حتى تأهل وبرز.
أعماله الوظيفية:
في سنة ١٣٥٨ هـ عين قاضيًا لدومة الجندل بالجوف إلى عام ١٣٦٣ هـ، ثم تولى قضاء بلدة ضرية وتوابعها من منطقة القصيم، ثم نقل منه إلى قضاء صبيا من منطقة جازان حتى عام ١٣٧٣ هـ حيث تولى رئاسة محكمة جازان.
وفي سنة ١٣٨٠ هـ في جمادى الأولى انتقل إلى محكمة الطائف مساعدًا الرئيسها، وبقي في هذا العمل حتى نقل ليكون عضوًا لمحكمة تمييز الأحكام الشرعية بالمنطقة الغربية ومقرها مكة المكرمة، حتى توفي في ذي الحجة عام ١٣٦٩ هـ (١).
وقد ذكر الشيخ إبراهيم العبيد والده صالح الملقب العويده، ذكره بهذا اللقب، فقال: وفيها وفاة رجل الدين والخير صالح بن فوزان الملقب (العويدة) وهذه ترجمته: هو صالح بن إبراهيم بن صالح بن فوزان بن راشد بن صالح.
أما آل علي فأربعة بنين فوزان بن علي ومحمد وإبراهيم وعبد الله.
أما ما كان عن المترجم فإن وفاته في شهر ذي القعدة من هذه السنة وكان ذا أصل عظيم ولازم خاله الشيخ عبد الله بن محمد بن فدا العالم المشهور بالزهد، فقد أخذ عنه واستمسك بغرزه وناهيك به من إمام زاهد، رحل المترجم إلى مدينة الرياض للأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف فتعلم بين يديه وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان لهؤلاء العلماء في عقيدته الصالحة أحسن تأثير، وكان يلهج بعقيدة السلف الصالح ومولعا بذكر الصالحين يحن
стр. 8416
إليهم ويبكي عند ذكرهم، ويحث على التمسك بهدي الصالحين وبكل حال فإنه من أولياء الله الذين ترجى لهم النجاة (١).
ومنهم فوزان بن المحسن الشهير صالح الفوزان، دخل الوظيفة عام ١٩٧٢ م، عضوًا بهيئة الأمر بالمعروف في خب القبر والصوير، وبعد ذلك كان أميرًا لخب القبر وخضيرا عام ١٣٩٠ هـ تقاعد عام ١٤٠٦ هـ من الإمارة وبعدها صار عضوًا في هيئة الأراضي في بريدة وما يتبعها، استقال عام ١٤١٨ هـ واشترط في استقالته أنه في حال رغبة أحد من المحتاجين أو القضاة في أن ينظر هو فيها فلا مانع وهكذا كان.
وأمه لؤلؤة بنت إبراهيم بن عبد العزيز أبابطين ابن الشيخ عبد الله أبابطين أي بين أمه والشيخ أبابطين رجلان، فهو عالي النسب من أبيه وأمه.
وفوزان الصالح معاصر لنا إذ ولد في عام ١٣٤٢ هـ وهو يقتدي بوالده صالح الفوزان في مساعدة الناس على قضاء حوائجهم وفي معاونة من يحتاج إلى معاونة.
ولذلك مدحه عدد من شعراء العامية منهم (سلامة بن عبد الله بن خضير الودينة) قال فيه هذه القصيدة:
حمام يا اللي ناعم الصوت جَرّه ... فوق الجرايد صافي تقل مزمار
ذكرتني درب قديم نمره ... ودار ربينا به على وقت الإصغار
ترى الحظيظ اللي (اخضيرا) مقره ... وقت مضى ما كنه إلا بالأمصار
هي ديرة الفوزان مسكن وجره ... انشد هل الديرة، وتعطيك الأخبار
صالح ولد فوزان لله دره ... ما كنه الا العرب والدٍ بار
أبو علي من حده الوقت مره ... كم ليلة جنه من البعد عِبَّار
يجونه اللي يشتكون المضرة ... كم ليلة مقوين ما شبوا النار
стр. 8417
قال اقلطوا وأبدى الفرح والمسرة ... هلَّا ورحَّب قبل ما يشعل النار
جاب القدوع ودلة الهيل جره ... دايم معامله بهن بن وابهار
أرَّث لنا اللي تأمن الخلق شره ... ريف الضعيف ويكرم الضيف والجار
وإن عاضبت دولاب فكره يفره ... من عادته حل المشاكل بالأفكار
فوزان عز اللي نصاه ومبره ... دائيم معامله على واهج النار
ماهوب مثل اللي خياله مغره ... لي شاف زول مقبل هج للدار
ما ذاق ليعات الليالي ومُرَّه ... عن الهوى متذري عشبة الغار
بعض العرب ما غير زول وجرَّه ... يشبه لبيرٍ من علاويه منهار
احدِّر الخفرات تسعين مرة ... ترى الردي يقلي على الكبد الأمرار
الحر حر والعوالي مقره ... وطير العشا لو نَهَّض الريش ما طار
يقول اللي لي بغى القيل فره ... يبني المعاني بنية اللبن لجدار
صالة ربي عد نجم المجرة ... على النبي محمد سيد الأخيار
وقال سلامة الخضير أيضًا في فوزان الصالح الفوزان:
يالله يا مناع سو المقادير ... يا سامع يونس بغياب الأبحار
تفرج لمن ضاقت عليه المعابير ... والشيب بان بعارضه والقدم حار
البارحة يوم أدبحن الزواهير ... أو نام المريح اللي له الوقت مندار
دكَّت على قلبي هموم وتفاكير ... ونقيت من جزل التماثيل واختار
بيوت شعر مثل عد الدنانير ... من هاجس لو عاضب القاف مختار
وألفتهن من دون كلفة وتكدير ... للصاحب اللي حزة الضيق ما بار
مني لبو صالح سلام وتقدير ... سالم احلا من شهاليل الأمطار
والذمن در البكار المناكير ... اللي رعن زملوق نوار الأقفار
وضح وضيحيات عفر ومغاتير ... حليبهن يجلي عن الكبد الأمرار
عنوى بها فوزان قرم المناعير ... الله يعمي عنه الأعدا والأشرار
فوزان لا عدوا هل الفضل والخير ... فضله ومعروفه على الضيف والمار
стр. 8418
له مجلس تارد عليه المسابير ... ديوان للضيفان مارد ومصدار
على ادلال فوق ناره مباهير ... صفر وغير لونهن واهج النار
حرقهن البنّ اليماني ابتكرير ... وبهارهن هيل ومع الهيل مسمار
قدوعهن من طلع غرس أو مباكير ... غرسه ابكفه ما تحرى من الجار
وهي أطول من هذا.
وقال سلامة بن عبد الله الخضير في مدح فوزان بن صالح الفوزان أمير خضيرا لما دفع عنه الذي يطالبه بدين وهو أربعة آلاف ريال ونصف وقد ذكرت قصته في ترجمة سلامة الخضير - حرف الخاء - أما القصيدة فهي هذه:
البارحه سهران همي مجزين ... ألوج واهجل ما صفا لي زماني
هيضني الهوجاس والهم والدين ... الله لا يبلاك باللي بلاني
الحمد للي بدل العسر يسرين ... يوم أن أبو صالح من الما سقاني
يوم راع الدين لأصبحت يشكين ... وكُلّ علي أو عيفوني مكاني
عله لبوصالح نهور وبساتين ... الله يوسع منزله بالجنان
عله يفوز عند عدّ الموازين ... يوم الجوارح ينطقن واللسان
أبوه وأجداده على الطيب ماشين ... سلم لهم طول الدهر والزمان
إلى أن قال:
صالح ولد فوزان ريف المقلين ... يلقى لي صَدّ الردى والهداني
ناره لهتاش الخلا والمقيمين ... والبدو واللي يسكنون المباني
حاش الشرف والعز والعقل والدين ... متوفرات به جميع المعاني
قلته وأنا عندي شهود وبراهين ... محاسنه عيا يجيده لساني
ارث لنا فوزان عدل الموازيين ... كم قالة حله بدون امتحان
قالات عسر حلها بين الاثنين ... حله وحاول حلها لين زان
نصر من الله والكبد للمعادين ... ومن زل عن درب الشريعة يهان
فوزان مثل الجدي والناس دارين ... ماله حليّ الا سهيل اليماني
والله دين القطع دين بعد دين ... ما قلت غير اللي يشوفن عياني
стр. 8419
كل يبي مثله والانذال عجزين ... والطيب ما حدٍّ حصله بالتماني
كثر التمني والبكا يعمي العين ... من جاد ساد وخيرة العمر فاني
من وسط غين مستريح وبساتين ... من طلعهن ياكل بعيد وداني
في مجلسه تلفي شيوخ ومساكين ... كلٍّ الياجا له محل ومكاني
الله يكافيه العدا والشياطين ... هل النمايم متعبين اللسان
عسى الردي يفداه حين بعد حين ... من لا يكمل واجبات المعاني
العمر يفنى ما تفيد الملايين ... يبقى الثنا ومسجلات الحساني
من لامني لمت عليه أم نابين ... بأرض خلا ما حوله المودماني
لو صاح ما يسمع نداه المنادين ... تنصك عن صوته سموع الأذاني
الشرى ما يوصف على قِرِّيَّ التين ... والدوم دوم ولا ربح منه جاني
يقوله اللي يفهم الزين والشين ... من عادته يبدع جزيل المعاني
صلاة ربي عد ما جوا ملبين ... على نبي للفرائض هداني
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ... ١٩/ ٢/ ١٤١٥ هـ.
وقال سلامة بن عبد الله الخضير أيضًا في فوزان الصالح:
سلام مني عد الأشهر والأيام ... وعداد ما يركز على البير قامه
وعداد من صلى الفرايض ومن صام ... وعداد من زار الحرم في حرامه
سلامًا أحلى من لبن در الأنعام ... وُضْح رعن زملوق نبت العدامه
مني لأبو صالح تراه أبو الأيتام ... ذا سلم أبوه وسلم جملة عمامه
أبوه غاب والفتي جوَّد الزام ... حاش المراجل كلها بالتزامه
شال الحمول اللي نقيلات ووهام ... يخاف من هرجة خطاة الفدامه
هيس ولد هيس إلى من شبع نام ... ماله جدًّا كود الخزي والنمامه
فوزان عدٍّ صافي ماه وجمام ... حلياه سيل نازل من غمامه
لعل من لامن بفوزان للهام ... حضف بنيبانه يجوَّد ابهامه
يأخذ ثمان سنين بالبيت ما نام ... مما جرى ينحب نحيب الحمامه
стр. 8420
ما طاب لك يا كامل العقل ما دام ... ولا كل من يركض يحصل مرامه
عساه بالدنيا بلذات وانعام ... وبالآخرة ربي يعزز مقامه
ثم الجواب وكلِّ ما قلت أنا تام ... عيب على اللي ما يصدق كلامه
صلاة ربي عد ما تحصي الأقلام ... على شفيع الخلق يوم القيامه
١٩/ ٥/ ١٤١٨ هـ
وقال فيه ابن عمه محمد بن سليمان الفوزان يمدحه أي يمدح فوزان الصالح الفوزان:
من شوق من ردت ثمانين خطاب ... مع كثرهم من مدعين القرابه
غرو لطيف ينقش الكف بخضاب ... ناعم وترف كل ملح الملا به
العنق عنق الريم لي خاف وارتاب ... يخشى من الصياد يقصف شبابه
نجلا العيون، وعيبها سود الأهداب ... والخد نوره بارق من سحابه
غرو صغير السن للعقل نهاب ... ينهب فؤاد اللي يشوفه نهابه
والنهد رمان على الصدر جذاب ... به حسرة المشتاق لوآ عذابه
حمر الشفايا والعسل به إلى ذاب ... بين الشفايا لامعات عذابه
شعره كثيف وأشقر فوق الأصلاب ... يشبه الشرطان الذهب بانسيابه
ردف وخصر ما تمدد ولا أنساب ... هو غاية المطلوب في كل ما به
دمه خفيف وهرجها يعجب اعجاب ... كلامها فيه الحلي والطرابه
وجهه بشوش وهرجها عد واحساب ... كل كلمة معناه تحسب أحسابه
ما له شبيه بالعروبة والأجناب ... بين الرشاقة والحلي والحبابه
من خف دمه واللطافة والأطراب ... ترد للى شاب غاية شبابه
عشر وثمان عمرها عد واحساب ... واللي حسب له سنها ما غوى به
مشي الحمامة مشيها مشي الآداب ... سبحان رب صوره واعتنى به
إلى مشت له قامة فوق الأعجاب ... من حسنها تفقد لبيب صوابه
عذرا نفسها صابغ زين الأسلاب ... مسك مع الريحان ريحة أثيابه
стр. 8421
ذاله ثمان سنين ما فاضت الباب ... ولو تبين قام عنده احرابه
لي جاه زوجه متعبه كل نصاب ... شالت اهمومه والزعل والكتابه
في منطق زي العسل خص لي ذاب ... إلى صفي لونه ابلذة شرابه
عنده فنون التسلية غيب واكتاب ... أسئل وتعطيك الخبر والأجابه
تنسي حزين القلب حزنه إلى انصاب ... من هرجه المعسول ينسى صوابه
زوجه إلى جا مرقده مزح والعاب ... وامداعبه والصبح باد سرابه
* * * *
قلت أنت يا هاف الحشى أي الأنساب ... اللي تريد انمكنك من جنابه
شفك إيشيخ الروم أو شيخ الأعراب ... أو واحد تخفيه ما يندري به
يا بنت بارت بك كثيرات الأطباب ... قولي هواي فلان ما به معابه
قال هواي بواحد حسن الآداب ... شخص جمع بين الكرم والذرابه
عقله ثقيل لو رأي العيب ما عاب ... لو شاف شي قاصر ما حكى به
رجل صدوق القول ما هوب كذاب ... إلى عطا وعد بشي وفى به
رأيه سديد ولفظة النطق مهذاب ... كل كلمة عقباه يحسب حسابه
له ميزة بين الأخلا والأصحاب ... واهل المناصب والقضا والرقابه
كل الملا مالي بهم شف واعجاب ... إلا إن حصل فوزان يا مرحبا به
أفديه في نفسي ونذلين الأقراب ... واللي يلومن فيه يلهم اترابه
عليه من وال القدر ستر واحجاب ... من أي مكروه يلسم ايجنابه
إن قبل بشرني بحظي إلى طاب ... وان ما قبل ما بحظي إطلابه
فوزان أبو صالح تري بوه ما خاب ... ارث كريم فوق ما ينهقي به
ابوه مقدام ولا هوب هياب ... قصره مضيف والخدم به ابثابه
قال المثل من قبلنا يوم هو صاب ... من جث من خو لقي طلع ما به
حدّثني الأخ فوزان بن صالح الفوزان أمير خب القبر، قال: اشتريت وأنا
стр. 8422
صغير من والدك ناصر العبودي ملح بارود بريال فرانسي، وكان الريال آنذاك له قيمة كبيرة عند النّاس، فقال لي: من أنت ولده؟ .
فقلت له: أنا ولد صالح الفوزان.
فقال: صالح الفوزان راعي خضيرا؟
قلت: نعم.
فأخذ يثني عليه ويذكره بخير حتى بكى وهو يدعو له، وأظنه قال: فقبل جبهتي، وقال: قل: آمين، فقلت: آمين، فقال: عساك تصير مثله، أي أسأل الله أن يجعلك مثله.
قال: فقلت له يا عم، أنا أكون مثل أبوي؟ قلت ذلك مستبعدا له، فقال: يا ولدي، الله اللي عطاه، قادر يعطيك مثل ما عطاه.
قال: وما أزال أذكر كلام والدك حتى الآن، وأنا أحاول أن أساعد كل من كان بحاجة إلى مساعدتي.
في آخر جمادى الأولى ١٤٣٩ هـ توفي فوزان الصالح الفوزان، وكان يعاني من السكر وارتفاع الضغط وعمره ٨٣ سنة، توفي عطشان تعبان لأنه ذهب بسيارته إلى نفود جنوب خضيرا فغرزت في الرمل، وهو وحده فتعب وعطش وذهب وتركها فوجدوه ميتا في النفود ﵀.
ومنهم الأستاذ محمد بن سليمان الفوزان شاعر باللغتين الفصحى والعامية نشر ديوانًا من نظمه باللغتين أسماه (حكم وأشعار، ليس فيها شيء مستعار)، أي إنّها كلها من نظمه، وله مؤلف آخر، ويلقب (أبو خديجة).
وقد توفي محمد بن سليمان الفوزان (أبو خديجة) هذا في عيد الأضحى من عام ١٤٢٥ هـ.
стр. 8423
أعاد الأستاذ محمد بن سليمان الفوزان طبع كتابه الذي سماه (حكم وأشعار ليس فيها شيء مستعار) في عام ١٤٠٥ هـ وجعله ثلاثة أقسام، الأول: شعر عربي في سطور وطبق العروض من سائر البحور.
والثاني: أمثال على السجع هادفة، في حكم متوالية مترادفة.
والثالث: خصومات وهمية حادة جرت بين أشياء متضادة، في قصائد ترفيهية، ليس فيها جهل ولا أذية.
هكذا لفظه في تقسيم كتابه أو ديوانه.
وقد جعل عناوين الكتاب بأقسامه الثلاثة فقرات مسجوعة وهذا تجديد في الكتابة.
ومن قصائد هذا الشعر الفصيح قوله يحكي عن نفسه:
من جدّ في الأعمال. تحققت له الآمال:
تعلمت في بيتي بدون معلم ... كتابي إمامي خير هاد ومرشد
لقد كنت منساقا إلى العلم رغبة ... لذا رُمتُ أن أقضي دوامي بمفردي
موازين شعر في العروض درستها ... بشهر مع الشهرين والبيت معهدي
وما الشعر إلَّا من كلام منسَّقٍ ... بوزن دقيق صيغ يومًا لمقصد
إذا كان قلب المرء للدرس واعيًا ... وعزم الفتى يمضي بدون تردد
فما شقَّ من درس سيلقاه هينًا ... إذا كان ذا حزم كثير التأكد
حريصًا على فهم الدروس بوقتها ... ولم يترك الباقي من الدرس للغد
فهذا بلا شي من الشك ناجحٌ ... إذا صار منقادًا لأمر محمدِ
سيحظى بفوز حين يجري سباقه ... على كل كسلان جهولر مُعقدِ
وما غير صبر المرء شيء بنافع ... ومن دام في وهن سيردي مع الردي
وقصيدة أخرى تحكي قصة الحياة قبل التطور الأخير جعل عنوانها ذكر
стр. 8424
الماضي من الحياة، في مجموعة من الأبيات.
وهذا نصها:
بعون الله هانحن .. بدأنا في قوافينا
وبعد الحمد لله ... على توفيق بارينا
فهاكم نبذة صغرى ... لماضينا وتالينا
تُوفي والدٌ برُ ... ولا شيء بأيدينا
سعينا نطلب المولى ... بعزم ما تأنينا
ففي طعميَّة نحن ... زرعنا في اراضينا
إذا غيث السما جاء ... شعيب العود يروينا
فعشنا عيشة العز ... وبذل الجهد معيينا
وقبل اليوم قد كانوا ... ذوي حرثٍ أهالينا
وبعد الحرث سافرنا ... لكسب الرزق ساعينا
تركناامسقط الرأس ... وفارقنا أهالينا
تركنا الموطن الغالي ... وما غالٍ يجافينا
تركنا دار اجداد ... وجيران محبينا
فكم فج قطعناه ... على الأقدام ماشينا
نسير الليل في برٍ ... علي عيسٍ مسارينا
تعرضنا لأخطار ... ورب الكون واقينا
وحتى البحر خضناه ... لِذا كُنَّ مفادينا
ونحو الشام سافرنا ... وفي قدس تمادينا
مصر تجولنا ... بما يقضي ويدنينا
بهذا نسأل الباري ... لعلَّ الله يغنينا
وبعد البعدذا عدنا ... إلى نجدٍ لِتئوينا
رياضٌ كلها خيّر ... سكناها مقيمنا
стр. 8425
بسطنا نبتغي ربحًا ... فأدركنا أمانينا
رغبنا مهنة البزَّ ... فما خابت مساعينا
* * * *
وبعد العيش في يُسرٍ ... وأمن في أراضينا
الفنا نزهة البرِّ ... وماكنا ملومينا
ربيع كلما حلَّ ... خرجنا في أهالينا
خيام قد نصبناها ... عن الأمطار تحمين
علي روض أقمناها ... فرشناها رياحينا
وفي الماضي بلا شكٍ ... هنا كانت مراعينا
فذقنا سلسلًا عذبًا ... وذقنا علقما شينا
وذا ماضٍ نسيناه ... فلا رحنا ولا جينا
* * * *
شبابٌ زال في سهوٍ ... بشدِّ العزم مغرينا
وما صعبٌ ... بذاك الوقت يثنينا
وهذا اليوم يا صاح ... شراك النَّعل يُعيينا
قوانا قد فقدناها ... ووهن العظم مزرينا
فبعد الطب في النّاس ... طلبنا من يداوينا
توالينا إلى ضعفٍ ... ومن ضعفٍ مبادينا
بذلنا الجهد في الماضي ... وربي عالمٌ فينا
وما حرص الفتى يجدي ... ولو كنا حريصينا
فرزق العبد مضمونٌ ... بدون الحرص يأتينا
وكون المرء كسلانًا ... فماذا من مبادينا
الكسب الرزق أسبابٌ ... لمن يبدون واعينا
стр. 8426
كذا الأيام لم تَبْقَ ... علي غلظٍ ولا لينا
فدنيانا بأحيانِ ... تصافينا وتعطينا
وأحيان تجافينا ... وتخلي ما بأيدينا
وهذي سنة الباري ... وتصريف القضا فينا
* * * *
فليت اليوم من يدري ... بماض هل سينئينا
فنفسي ترغب الماضي ... ولو ذا غير مرضينا
لقد كنا كما قلنا ... بماض الوقت ساهينا
وبالتالي تفرَّغنا ... لما بالعلم يجدينا
فمن عام الثمانينا ... لِعام إحدى وتسعينا
ونحن ندرس العلم ... بصدق العزم جدينا
دواوينٌ درسناها ... وقلب البيت نادينا
وكنا نأخذ دوما ... على الفصحى تمارينا
كذا التفسير موجودٌ ... لدينا يا محبينا
إذا نحن قرأناه ... بحسن اللفظ ينبينا
وهذي منحة الباري ... فقد يرضى ويعطينا
وفن الشعر أوزان ... حسبناها بأيدينا
بإتقان عرفناها ... وما كانت لِتعيينا
عروض قد فهمناه ... ونحوٌ ليس خافينا
فصرنا ننظم الشعر ... بلا جهدٍ يلاقينا
فلسنا أمة عجمّا ... ولا بلهًا بليدينا
وشعر المرء توفيقٌ ... ودرسٌ زاد تمكين
فكم علَّامةٍ بحرٍ ... بشأن الدين يفتينا
محالٌ نظمه بيتا ... بلا أكفا معينينا
стр. 8427
حروف ربطها سهلٌ ... تفاعيل توافينا
ولكن وزنها صعبٌ ... على ناسَ كثيرينا
لجرفٍ ساكن مثلٌ ... ولِلثَّاني موازينا
حدودٌ نقتدي فيها ... لكي تحلو قوافينا
أخيرا نحن صلينا ... على المختار هادينا
وآلٍ بعدهم صحبُ ... لمولانا منيبينا
وأهل السلم إن داموا ... على الغرَّاء ماشينا
وهذي دعوة منا ... فقولو الآن آمينًا
وقال في القصيم أبياتا عنوانها: (دعاء من الصميم بالرجع لأراضي القصيم).
و(الرَّجع) هو المطر والربيع بعده:
سَقى الله وديان القصيم وروضه ... وأروى ثراها من ثقيل السحائِبِ
فتلك الأراضي في صباي ألفثها ... ففيها مُنى نفسي وفيها أقاربي
فيا لائمي كُفَّ الملام وجافني ... فأنت جهولٌ في جميع مَشاربي
إذا كنت من ضمن الجفاةِ بأرضهم ... فسيِر أنت في هذا ودَعني بجانبي
فلا يُرخِصُ الأوطان في النّاس عاقلُ ... وقد عاش مسرورًا بقرب الحبائب
إذا كان من يأتي لأرض يُحبُّها ... يُعابُ ففي هذا تناهت معائبي
ألا إن عيب المرء في طاعة الهوى ... وإعراضيه والبعد عن كسل واجب
أما القسم الثاني من الكتاب، وهو الأمثال المسجوعة، فإنه نفيس إلى درجة أنّه لو كان عند قوم من مقدري الآداب حقّ قدرها لحصل على جائزة أدبية، لأنه حكم وأمثال مسجوعة مبتكرة ليس فيها ما هو منقول، إلَّا إذا كان المعنى مطروق ولكن بغير لفظه، وعلى غير طريقة سجعه.
وهذا أنموذج منها:
стр. 8428
- الدَّين على رأس الأمين كالحبل المعلق، وعلى رأس المحتال كالكوكب المتألق.
- من تهاون في أموال النّاس فليتوقع الإفلاس.
- خير المال ما كان من كسب حلال وأراح البال وأغني عن السؤال تَسُد به الحاجات بعد أداء الواجبات.
- وخير الأولاد من سلم من الفساد، وكان فيه السداد لتحقيق المراد وتَرَك الفخر بالأنساب والأجداد، وكان عن الشر في ابتعاد وأعدَّ الزاد ليوم المعاد فمن نوع البذر يكونُ الحصاد، هذا ولكل قوم هاد.
- إذا لم يرث الأبناء المجد من الأجداد فمجد الأباء وبالٌ على الأولاد، ولا يفتخر على النّاس، سوى فاقد الشعور والإحساس، الأولاد فلذات الأكباد لهم منا التوجيه والإرشاد وعلى الله التوفيق والسداد.
- وخير الزوجات من تُجيب سؤالك وتحفظ عرضها ومالك، إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن تحدثت إليك أعجبتك، تلزم الأدب ولا تُلُّح في الطلب ترضى باليسير وتَتَحمَّل التقصير، قصيرة الطرف واللسان، نقية العرض والجنان تعطف على الملهوف وتكرمُ الأقارب والضيوف، إن صنعت طعامًا أتقنته وإن زاد عن الحاجة شيئًا وفرته، لا يكشف سيرُّها ولا يخشى شَرُّها تُؤدي الفرائض والنوافل وتراقب من ليس عن الخلق غافل، قامتُها لطيفة لا بدينة ولا نحيفة، وروحها خفيفة وفي كلامها ظريفة، ليست كلَّة ولا سخيفة وكلّ أعمالها نظيفة، شعرها كثيف وخصرها نحيف نجلاء العينين حمراء الوجنتين، عودها ريان ترفة الكفين صغيرة الثديين والأسنان، بهرَجها ليان وبسرِّها كتمان، طيِّبة النَّفس والرَّائحة، طروبٌ عجوب معاشرة مازحة، ليست مكفهرة ولا كالحة، سلبت من الحمام مشيتها ومن الغزال لفتتها ومن العصافير خِقَّتها.
- وخير المركب ليس ما اشتهر وأعجب، ولكن ما بلغك المأرب وأراح ولا
стр. 8429
أتعب، راكب الخير سره يسر، وراكب الشر سيره بطر.
- وخير الجيران من كفَّ عنك شر اليد واللسان وكنت من بواقه في أمان، فالعار كلَّ العار في الأذى والتعدي على الجار.
- وخير الطعام سريع الانهضام والمفيد للأجسام والناضج في القدر أو في الأكمام، تأكله في هدوء وقنع لا في سرعة وجشع ولا على أكل وشبع.
- وشر الطعام، طعام الولائم فإن دعيت إليه فقل إني صائم يدعى إليه الكبير ويحرم منه الفقير.
- بشاشة الوجه وطيب الكلام أحب على الضيف من شهي الطعام.
- إن كنت ذا رأي سديد فاجعل لأكلك أوقاتًا ومواعيد.
- خُذِ العِظَة من أهل الموعظة، برَّ الوالد ولا تعقه وآتِ الفقير والمسكين حقه، ولا تعص والديك فطاعتهما فرض عليك، وإن أخرجاك من أرضك ووطنك وجراداك من مالك وولدك.
- صل رحمك، ولا تظلم من ظلمك.
- أعط المسنين والكبار ما يستحقونه من القدر والوقار، وعَوِّد الطفل على الخير من الصغر يعتد ذلك في الكبر، ولولا العادات لما استمرت الحياة.
- ثلاثة أحذر أن يكن فيك فتكون قاصر عقل بلا تشكيك، الالتفات بدون طلب، والضحك بدون عجب والكلام بدون سبب.
- من ضعفت إرادته غلبت عليه عادته، ومن غلبت عليه عادته قلت سعادته.
- ومن قويت عزيمته صعبت على الغير هزيمته.
- كل يخطئ ويصيب والموفَّقُ من حالفه النصيب.
- لا داعي للعجلة والاستخفاف إلَّا عند الضرورة والاسعاف.
- من تمنى الشر لأخيه الإنسان، دارت عليه دوائر الزمان، ومن دبَّر لأخيه
стр. 8430
المكيدة وقع بلا شك في المصيده.
انتهى.
أما القسم الثالث: فإنه أنفس الأقسام لأنه شعر عامي ليس فيه أثر للتقليد حتى التقليد شعراء العامية القدماء الذين يبدعون قصائدهم بوصف الإبل أو الفلاة، وإنما بعضه على هيئة محاورات على ألسنة حيوانات، أو على هيئة مناظرات بين أشياء متضادة كالليل والنهار، والصدق والكذب، والقهوة والشاي، والفقر والغنى.
وما أورده على ألسنة الحيوان والطيور هو فن جديد في الأدب في بلادنا سار عليه عدد من شعراء العامية في بريدة مثل عبد الله العلي الجديعي وعبد العزيز الهاشل، وسلامة بن عبد الله الخضير.
وهذا أنموذج من شعر محمد بن سليمان الفوزان منه:
أم سالم تتبجح بالمكارم:
جيت أم سالم تمترغ بالعثامير ... ضافٍ على وجهه غبار الترابِ
تقفز على ذيك العثامير واتزير ... واتقول وآويلي تشَدُّد عذابي
تصرخ بصوتٍ فجَّر الراس تفجير ... تهجل كما تهجل خلوج الركابِ
صوته وحيش ونقَّر النّاس تنفير ... يفزع ويرعب وأعطاه الرعابِ
قلت: أخبريني وش جرى من محاذير ... حتى تنوحي وأعطاك الذهابِ
عندك حريقه نتصل بالمناعير ... يُطفونها من قبل تَحْدِثْ خرابِ
قالت: إسويلم مِفختٍ فارسه طير ... أو ضايع وسط الخلا ما دري بي
أتلى الخبر به طلعة الشمس بُوكير ... رَوَّحْت أدوُرْ له طعام وشرابِ
جبت الطعام وجبت مِيَّة إمْنَ البير ... من ما قليب الشمّري عند بابي
وردَّيت قلبي مُوجعَنْ يوم انا طير ... وطلَّيت في وكرِهْ وبان الردي بي
стр. 8431
يا الله يا مَنَّاع سُوَّ المقادير ... تَرُدْ سالم يا جزيل الثوابِ
قلت:
الطير ما يسوى إصياح وهو طير ... حتى ولو هو من إفروخ العُقابِ
لا تتعبك هلحوقله بالمشاوير ... طيرٍ هزيلٍ ضاع بين الشعابِ
لا تندمي ولليْ وخلِّيه للقير ... ترى الندم يُحدِث إبقلبك صوابِ
قالت:
حولين حَنَّت خلفةٍ فارقت ظير ... ولا شال من يبكي إعياله عتابِ
وِش عَودَّك حُبَّ العيال المصاغير ... ما قد بدا قلبك يزيد إلتهابِ
لكن تحسبه جمع عشبٍ وتنشر ... ما هو قشيع إربيلةٍ بالصلابِ
هذا إسْويلم به سجايا هَلَ الخير ... أبيه ينفعني إلى اقفى شبابي
وابغيه يقضب مهنتي بالمشاجير ... يُسْجعْ إيلحن مُعْجبٍ بالطرابِ
يَطْربْ له اللي ما لقي له معابير ... ضاقت عليه الواسعة والرِّحابِ
يُنسيه سالم كل هَمٍ وتكدير ... بالحانه اللي مثل حِسَّ الرَّبابِ
قلت إصبري والله يُعينَ الصبابير ... واللي صبر عند المصيبه يثابِ
قالت ذبحك الطوع خَلَّ الجماهير ... هاذاك تقصد وانت تقرا الكتابِ
قلت إسكتي نركب إعيال مداوير ... من فوق حِيلٍ ينهبن السَّرابِ
قصَّاصةٍ نعم القروم المناعير ... يلقون جرَّة سالمٍ بالترابِ
يُمْسَكْ إيهونٍ ما يجي فيه تعزير ... ولا ينتف ريشه إيشيل العذابِ
قالت:
ضَحْكتني يا شوق زين الغنادير ... اللي ثِمانَه مثل ضيق السحابِ
عذرًا نظيرٍ مثل زين التصاوير ... بكفوفها تلمع إنقوش الخضابِ
ضافٍ على مَتنَه إتلول الدَّعاثير ... مثل السفايف فوق بعضَ الركابِ
من روس قوم ووجهها يدعي الخير ... مُطوعَتَه للزَّوج شي إعجاب
تِستاهِله يا اللي إتجهز مداوير ... تدور سالم والعرب بالوثابِ
стр. 8432
قلت أبشري وأبغي جَزا ذا التباشير ... سالم يجيك اليوم قبل الغيابِ
وابغي جزا شدِّي إركاب مضامير ... من زين ما تلقين ياقصى المغابي
قالت:
أنا أم سالم انثر المال تنشير ... أنثر حلال مثل نثر الترابِ
ليتكْ تشوفنْ لي لفون المسايير ... أصب من سمن جديدٍ إعرابي
وأبعث إسويلم صوب بعض الجزازير ... يعطيه من كومًا إشطوطهْ نوابي
وسالم يقول إمكرمينَنْ إبتوقير ... كلٍ إيقدِّرني ويكرم جنابي
حيثه عزيز ما ايجالس مجاعير ... حمدت رب ما يحب الخرابِ
ولا قد عزم غير الكبار الموامير ... وإلَّا إشيوخ يتعبون الركابِ
أميركم صوبه طلع بالحناتير ... سَيَّر على سالم مسير الطرابِ
ترى العشا عندي إلى جيتوا إعصير ... تلقون زين الحوف هو والذرابِ
تلقون زاد فوقه السمن والخير .. .عليه لحم الصيد مثل الهضابِ
تري وَعَدْكم فوق ذيك المشاجير ... بالصيهد اللي عند مجمع زهابِ
جبنا إسويلم عقب جهدٍ وتدوير ... ورجع على أمه عقب طول الغيابِ
جبنا ولدها ثم جابت معاذير ... تقول هرج ما قرب للصَّوابِ
تقول سَوَّيت العشا للمداوير ... ومن يوم ما جوا له كَلتَه الذيابِ
ومَرٍّ تقول إصخونة بي وتفتير ... وازريت أسوِّي من إفتار لجي بي
ثم ادّعت بالفقر من عقب تبذير ... تقول أبو موسى وقف لي ببْابي
أنا وسالم معوزين مفاقير ... والله ماجَدْ وجبتين حظابي
النملة اللي دايم عندها الخير ... تجبي مْنَ الحب الحمر بالطِّيابِ
أنت وجزيتك بنت والربع القير ... ما احدٍ إيطالبني إبعمري احسابِ
إن كان ترضيهم كثير المعاذير ... وإلَّا دخلت ودونهم حال بابي
يا ناس شوفو كذب ممهونة الصير ... تاعد وتكذب ما تهاب العيابِ
وتثني على نَفسَهُ وهي ما بها خير ... واصدق وعودَهْ مثل لمع السرابِ
وأكبر إهمُومَه ما يبي عاد تفسير ... سجع الغواني بالسهل والشعابِ
стр. 8433
ما له من الشغلات غير التزاعير ... وشيل الهجيني وأعطاه الذهابِ
طربانةٍ بالعمر ما جاه تكدير ... ما نَغَّصوا عَيشه وجيه الذيابِ
ما دَيَّنه بعض الطماميع بالغير ... واثقل ظهرها واسود الرَّاس شابِ
ولا وراها عيلة تبي تدبير ... زودٍ على المصرف اهموم وعذابِ
لي صار باله ما يجي فيه تفكير ... والرّزق صَبَّه له إمثير السحابِ
فلا عليها بالغواني معايير ... ولا يلومَه لايم بالعتابِ
وأسعد عَيْنَه بالفضا والمسافير ... وشمِّ الرَّوايح من إزهور الرَّوابي
ما تاقع إلّا بأرض خصبٍ معاطير ... في ماقع شرح فسيح الرحابِ
ولو تَقلت عِشَّه إطبول ومزامير ... يوم القيامة ما عليها حسابِ
ومن الفوزان الشيخ عبد الله بن صالح الفوزان أستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (فرع القصيم).
رأيت له كتابين مطبوعين أحدهما في النحو وهو: (تعجيل الندى، بشرح قطر الندى) لابن هشام، الطبعة الأولى عام ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.
الناشر مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، في الرياض وفرعها في بريدة.
ذكر في مقدمته أن هذا الشرح حصيلة معلومات عامة، إضافة إلى الرجوع إلى بعض كتب النحو، مثل أوضح المسالك وشرح ابن عقيل، والنحو الوافي وشرح الفاكهي على القطر وكتاب النحو الواضح.
وغيرها.
وذكر أنّه كتبه بعد تدريس (القطر) للطلاب في المسجد ابتداء من مساء الثلاثاء ١٣/ ١٠/ ١٤١٥ هـ إلى مساء الثلاثاء ١٦٦/ ١١/ ١٤١٧ هـ.
ويقع الكتاب في ٣٧٣ صفحة.
стр. 8434
والثاني: (أحكام حضور المساجد) طبع عام ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م، نشرته دار المسلم للنشر والتوزيع في الرياض، ويقع في ٢٣٨ صفحة.
ومنهم الدكتور محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان، أستاذ في جامعة الإمام في الرياض.
والدكتور عبد العزيز بن فوزان بن صالح الفوزان يعمل في جامعة الإمام في الرياض وهو رئيس قسم الفقة في الكلية، ولد في عام ١٣١٨ هـ.
والدكتور محمد بن سليمان بن عبد الله الفوزان دكتور الآن ١٤٢٣ هـ في جامعة الإمام في القصيم (تخصص حديث).
ومنهم محمد بن حمود بن صالح الفوزان يعمل في الكلية المتوسطة.
والدكتور إبراهيم بن فوزان بن صالح الفوزان يعمل في قسم اللغة العربية
في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وله مؤلفات عديدة.
ومنهم الشيخ عبد الله بن محمد الفوزان ترجم له الدكتور عبد الله الرميان، فقال:
تولى إمامة هذا المسجد بعد وفاة الشيخ محمد النجيدي، وبقي في إمامته ثلاث سنوات، حيث انتقل إلى القنفذة مدرسًا ومرشدًا فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٦٤ هـ - ١٣٦٧ هـ).
ولد في بريدة سنة ١٣٤٤ هـ وتلقى تعليمه على علماء بلده، فقرأ على عدد من المشايخ منهم: عبد الله بن حميد، وعلي الدغيشم، وعلي الغضية، وغيرهم، أم في الهدية سنوات ثم انتقل إلى هذا المسجد.
وفي عام ١٣٦٧ هـ عينه الشيخ عبد الله بن حميد قاضي بريدة إمامًا وخطيبًا لجامع القنفذة ومدرسا لأهلها، ولبث هناك ثلاث سنوات حيث عاد في عام ١٣٦٩ هـ، وأم في مسجد الصانع بشارع الخبيب حال تأسيسه، وبقي في
стр. 8435
إمامته حتى عام ١٣٧٦ هـ حيث انتقل إلى بلدة الدليمية إمامًا وخطيبًا لجامعها، ومدرسا ومرشدًا لأهلها.
وبقي هناك سنوات ثم عاد إلى بريدة عام ١٣٨٣ هـ، وتعين إمامًا في مسجد الرميخاني بشارع الصناعة، وفي عام ١٣٨٥ هـ طلب أهالي الدليمية عودته إليهم فتعين كاتبًا في محكمة الدليمية وإماما وخطيبًا لجامعها وبقي هناك حتى سنة ١٢٩٧ هـ، حيث انتقل إلى محكمة بريدة وتعين إمامًا وخطيبًا لجامع الطويان في شارع التغيرة، وبقي فيه مدة عشرين سنة حيث استقال عام ١٤١٧ هـ لظروفه الصحية (١).
ومنهم الأستاذ محمد بن عبد العزيز بن حمود بن صالح الفوزان من أهل خضيرا ولد في عام ١٣٨٢ هـ وله شعر منه قوله:
باسم الذي أوجد الأشياء من عدم ... وهو الذي علم الإنسان بالقلم
وهو الذي أرسل المبعوث داعية ... يدعو إلى البر والإحسان والكرم
أهدي إليك تحيات تفوح شذا ... ما لاح برق على الآفاق في الظلم
يا زائر الخير أهلا في زيارتكم ... ومرحبًا بذوي الهيئات والشيم
جئتم لمستودع زادت فضائله ... وعم بالفضل محتاجًا وذا ألم
يقوده شيخنا المحبوب في تقة ... مع نخبة فضَّلوا الأفعال في الظلم
محبة الخير تجري في عروقهم ... أكرم بهم نخبة يرجون ذا النعم
* * * *
يا شيخنا إنكم سرتم على ثقةٍ ... بهمة لا تقاس اليوم بالهمم
لما بدأتم وما هانت عزائمكم ... في حسن رأي وتدبير مع النظم
يا من بدأتم طريقا يستضاء به ... سيروا بعزم بلا ضعف ولا سام
стр. 8436
أعطى الأرامل والأيتام حاجتهم ... كذا المعوق والشاكي من الألم
فكم يتيم بكى من فقد والده ... ووالد يشتكي من قسوة العدم
أتى لمستودع الإحسان فاندملت ... منه الجراح وزال الفقر بالكرم
به نفاخر أهل الأرض قاطبة ... رمز الوفاء لأهل الفضل والشيم
هذا هو الصرح يا من كان يسألنا ... هذا الشعار الذي يعلو إلى النجم
* * * *
يا من تبرعت للأيتام في كرم ... الله يجزيك في الجنات بالنعم
هذا حصاد لما جدتم به سلفًا ... قد بين الدهر أهل الجود والكرم
قد كان بالأمس حلمًا لا وجود له ... واليوم من دعمكم يعلو إلى القمم
جدتم بفضل عسى المنان يخلفه ... فهو المجيب لمن يدعوه في الظلم
قد سجل النّاس والتاريخ فعلكم ... الذكر يبقى وكلِّ الخلق للعدم
والله يعلم ما سطرت من كلم ... إلا وشاهده في القلب نبض دمي
وقال في رثاء الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز المفتي العام للمملكة ورئيس هيئة كبار العلماء:
رضينا بما يقضي الإلهُ على الوري ... رضينا بحكم الله أحكم حاكم
فقد كتب الله الفناء على الورى ... فليس بباق غير أرحم راحم
ولو كانت الدنيا ستبقى لعالم ... لكان البقاء النبي ابن هاشم
فجعنا بموت الشيخ ذي العلم والتقى ... إمام الهدى البازي أفضل عالم؟
فقد هدَّ موت الشيخ من كان حاضرًا ... وزاد البكا في عربها والأعاجم
بكينا وهل يغني البكاء عن القضا؟ ... وهل تُرجعُ الأحزانُ فخرَ العوالم
وصرنا كمن في البحر فوق سفينة ... يعاني من الأمواج تحت الغمائم
فيا ربَ لطفًا قد تعاظم خطبنا ... فأفرغ علينا صبر أهل العزائم
فقدناك يا من كنت للناس رحمة ... ويا بحر علم زاخرًا بالمغانم
стр. 8437
سنعطيك من أعمارنا ما تريده ... وتبقى لنا درعًا قوي العزائم
فقد كنت للإسلام سورًا محصنًا ... وسيفًا على الفجار أهل الجرائم
فكم بدعة في الدين أغلقت بابَها ... وأظهرتَ نورَ الحق رغم الكواتم
وكم فتنة في النّاس أطفأت نارها ... وأحبطتَ كيدَ الغاشم المتغاشم
* * * *
آيا بازنا إن فرَّق الموتُ بينا ... فذكرك حيَ في قلوب العوالم
وذكرك بين النّاس عِطرُ حديثها ... ثناء وتمجيد لأفضل عالم
وموعدنا الجنات إن شاء ربنا ... بفضلك يا منانُ أفضلَ راحم
متى تُنجب الأرحام مثل إمامنا ... تقيًا نقيًا صادقًا بالعزائم
يصوم نهارَ الصيف خشية ربَه ... وبالليل قوَّامَ كثير المكارم
وأفنى حياةً بالجهاد مليَّة ... يصدْ عن الإسلام أهل الجرائم
هنيئًا لقبر ضمَ أعظُم شيخِنا ... سقاه إله النّاس وبل الغمائم
إلهَ الوري فاجبر عزانا بشيخنا ... وأنزل علينا الصبر يا خير راحم
وقيض لهذا الدين من ينصرونه ... على الحق لا يخشون لومة لائم
ويا ربَّنا اجز شيخنا أحسن الجزا ... وأسكنه بالفردوس بيت المكارم
ويا ربَّنا اجمعنا به مع نبيِّنا ... وبالآل والأصحاب أهل التراحم
وصلِّ إلى النّاس دومًا على الذي ... به عوض عن كل شيخ وعالم
وقال:
حرب الحجاب سري من بين أظهرنا ... أختاه فاستمسكي بالدين والشيم
ولا تغرنك الدنيا وزخرفها ... فكل حي إلى الأجداث والعدم
وكلّ نفس ستجزى بالذي عملت ... الشر بالشر والإحسان بالنعم
حجابك اليوم يا أختاه محتضر ... يصارع الموت من حرب على القيم
رأيته طاعنًا في السن مكتئبًا ... يئن من غُربةٍ يشكو من الألم
стр. 8438
فقلت: من أنت يا من جئت زائرنا ... أم أنت من شدة الإعياء في وجم
فقال: في لهفة حَرَّى وموجعةٍ ... أنا شعار لأهل الفضل والشيم
أنا الحجاب الذي باتت تطاردني ... وسائل الشر في قول وفي قلم
قد حاربوني في أهلي وفي سكني ... بل حاربوني في حل وفي حرم
فقلت: أبشر فإن الله ناصرنا ... مهما أدلهم سواد الليل والظلم
فإن فجرًا سريعًا سوف يعقبه ... النصر للدين ليس النصر للصنم
بناتنا اليوم في علم ومعرفةٍ ... وصحوةٍ نورها يعلو على النجم
وقد عهدتك ذا بأس وذا جلد ... وذا عقاب لمن يعدو على القيم
فقال: ذاك زمان فيه غيرتكم ... تحاربون لها بالسيف والقلم
فقلت: إن الحجاب اليوم عزتنا ... بل فيه ميزتنا عن سائر الأمم
فقال: قد ضيعوا تاجًا يشرفهم ... واستبدلوه بثوب الكفر والعجم
قد ضيعوا أمر رب النّاس واتبعوا ... نواعق الغرب أهل الكفر واللؤم
أختاه فاستيقظي فالشر منتبه ... وأدركي خطط الأعداء من قدم
شنوا حروبًا بها تمزيق أمتنا ... واستخدموك سلاح الفتك بالأمم
حينًا يقولون تحريرًا وقد كذبوا ... سيخرجوك من الأعراف والقيم
ثم ادعوا بمساواة وقد كذبوا ... بل إنّه الرِّق ثم العيش بالوهم
أختاه دينك قد أعطاك منزلة ... فوق السحاب فصوني العرض واحتشمي
صوني الحجاب ففيه العز مرتبطٌ ... فما لسافرة في العز من سهم
لا تقبلي بأكاذيب يرددها ... أتباع كفر من العلمان والعجم
يعدون للفتك بالأعراض في نهم ... عدو الذئاب على مستصغر الغنم
حتى إذا استكملوا منها مآربهم ... رموا بها عنوة في موقع وخم
وأسلموها تقاسي الهمَّ في كبدٍ ... فريدةً تشتكي من شدة الألم
لما رأت نفسها في البحر غارقة ... عضت على كلّها من شدة الندم
لا ينظرون إلى دين ولا خلق ... شعارهم كثرة الإفساد في الأمم
حتى ولو أظهروا يومًا توددهم ... فالسَّمُّ عندهم قد دس في الدسم
стр. 8439
إليك ربي رفعت الكف مبتهلًا ... ترد كيد العدا يا خير منتقم
وقال في رثاء أمه:
الحمد لله ذي الإحسان والقدر ... وجاعل الموت مقدورًا على البشر
يومَ الثلاثا أتتْ أخبارُ مفزعةٌ ... يا بئسَ ما سمِعَتْ أذْناي من خَبَر
سمعتَ موتَ التي بالحب تجمعُنا ... أمي لها الفضلُ ذاتُ الخير والطُّهُر
في أول الصُبْح كانت بين أعْيُنِنا ... وفي المساء مع الأمواتِ في الحفر
أكذِبُ الموتَ في أمي وأرقبها ... وأوهمُ النفسَ أن الأمَ في سفر
وقد حملناكِ نحو القبر في ألم ... يسوقنا دافعُ الإيمان بالقدر
ثم انصرفنا وكلٌ فيه مُعظلةٌ ... جاء العزاءُ وكَسْري غيرُ منجبر
من موتها ازداد قلبي في تفطُّره ... الدمعُ منسكبٌ والقلبُ في سُعر
أمَّاهُ جسمُكِ غاب اليوم عن نظري ... وفضلكِ اليومَ فينا غيرُ مستتر
أماه يا شمعة كانت تُضيءُ لنا ... وتبعِدُ الهمَّ والأحزانَ بالنظر
أماه يا رحمة كانت تحلَّ بنا ... وتجمعُ الشملَ في الآصال والبُكر
أماهُ نفديك بالأرواح إن نَفَعتْ ... وبالبنينَ وبالأزواج والدُرر
يا موتُ بالله هل أبقيت لي أحدًا ... من بعدِ أمي فعيشي اليومَ في كَدَر؟
الله أكبرُ كمْ كانتْ مصيبَتُنا ... وكمْ بكينا من الآلام والكدرِ
وكم بكينا دموعًا لا انقطاعَ لها ... وهل تردُ دموعي نافذة القدر؟
والموت حقُّ وكلٌ سوف يُدْركُه ... فرضٌ على الخلق من أنثى ومن ذكر
وكل بيت له كاسَ سيشرَبُهُ ... من المصائب والأكدار والضرر
والحيُ لو غاب فالأيام تُرجعُه ... وغائبُ الموتِ لا يأتي من الحُفَر
قد ماتَ أفضلُ خلق الله كلِّهمُ ... الموتُ حقّ كما في سورة الزمَر
أحدِّثُ النفسَ أني سوف أنظرها ... فيضربُ القلبُ من شوق إلى النظر
وأغمضُ العينَ كي أحظى بنظرتها ... عسى خيالٌ يريحُ القلبَ عن فِكَر
إذا رأيتُ مكانًا فيه قد جلست ... تفطر القلبُ من ذكري ومن أثر
стр. 8440
وإن نظرتُ إلى أخت تجالسُها ... تساقط الدمعُ من عينيَّ كالمطر
ومنظَر لأخَيَّاتي يشيب له ... رأسُ الوليد من الآلام والضَّجَر
الله أكبرُ ما أقسى مصيبتَنَا ... مُصابُنا عبرةٌ من أعظم العبر
أقابلُ النّاس مسرورًا ومبتسمًا ... ويعلم الله ما أخفي من الكدر
أشكو إلى الله جُرحًا لا شفاءً لهُ ... في الصبح دمعٌ وأما الدمُّ في السحر
يُجددُ الجُرحَ أطفالي إذا سألوا ... عنها فأخبرُ أن الأمَ في سفر
فيذهبُ الطفلُ عند الباب منتظرًا ... وقت الرجوع ليحظى الطفلُ بالخبر
فيتعبُ الطفل من طول انتظار لها ... وهل يعودُ إلينا ميِّتُ البشر
يا رب لطفًا فما باقٍ لنا جلدٌ ... أستغفر الله لا أشكو من القدر
والصابرونَ لهم أجرٌ إذا صبروا ... عند المصاب كما قد جاءَ في الأثر
يا والدي فاحتسِبْ أمي فإن لنا ... ربًا يجازي جميلَ الصبر بالظفر
يا والدي إنّها الدنيا وكم غدَرتْ ... من قبلنا ببيوت العز والفخر
يا والدي ليستِ الدنيا بباقيةٍ ... من ماتَ فاتَ ومن يبقى على الأثر
يا إخوتي فاصبروا فالله يرحمها ... ويجعلُ القبرَ روضاتٍ من الزهر
وادعوا لها الله رب النّاس يُكْرمُها ... فإنه عالمٌ بالسر والجهر
ويستجيب لمن يدعوه في ثقةٍ ... وهو المجيبُ لمن يدعوه في السحر
يا رب فاغفر لها واقبلْ تَضرُعَنا ... وأجبرْ عزانا بها يا خيرَ مقتدر
ثم الصلاةُ على المختار سيدِنا ... محمدٍ صفوةِ الأعرابِ والحضرَ
والآل والصحبِ ثم التابعينَ لهم ... ما غرد الطيرُ فوق الماء والشجر
ومنهم أحمد بن فوزان السليمان الفوزان، كان يروي القصص والنوادر نقل عنه الشاعر عبد الله بن علي الجديعي بعض القصص منها الآتية، وهي قصة سعيدان قالها أحمد الفوزان:
كان رجل له ولد شرير وهذا الولد فيه لثغة أي لا ينطق بالراء أبدًا،