في مقابلة سابقة مع الشيخ أحمد بن علي بن عبد اللطيف المبارك السفير السابق بصحبة الشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان، أوضح أنَّ خلاف الشيخ عبد الله بن علي اليابس مع زميله عبد الله الصعيدي يتلخص فيما يلي:
حينما وصل الشيخ عبد الله بن علي اليابس إلى القاهرة في أول عام ١٣٤٥ هـ سكن مع زميله عبد الله الصعيدي (المعروف بعبد الله القصيمي) في غرفة واحدة في رواق الحرمين، فكان نعم الصديق والزميل، ولم يلاحظ عليه شيء في العقيدة، بل كان جرئيًا في الدفاع عنها جرأة نادرة، بل كان يشتبك مع بعض علماء الأزهر حول هذا الموضوع، ثم حمله العراك في المحاورات والمداورات إلى أن ألف كتابًا سماه (البروق النجدية) وكتاب (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام).
وكتاب (الفرق الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم) وكتاب (الثورة الوهابية) كل هذه الكتب طبعها الشيخ فوزان السابق السفير السعودي في القاهرة على حسابه الخاص، ونشرتها جمعية أنصار السنة المحمدية، ثم بدأ يفكر في مقاومة بعض الطوائف الذي بهره وأزعجه كثيرًا ما يرى من انتشارهم وأنهم اتخذوا التقيّة سلاحًا لإخفاء مقاصدهم، وبناء على هذه التقيّة التي كانوا ينهجونها كان أمرهم يخفى على الناس، فكان كثير من الناس ينساقون وراءهم، فإذا تورطوا ووقعوا، غالبًا ما يقع إلا من كان على جهل، وهذا مكمن الخطورة، فأحب أن يبين حقيقتهم، فألّف كتابه (الصراع بين الوثنية والإسلام)، وفي أثناء ما هو يكتب الجزء الأول والثاني أخذ يقرأ بعض كتب (غوستاف لوبون) وهو رجل فرنسي من رجال الثورة الفرنسية، وهذا الرجل معروف عنه عداوته للإسلام منذ رضع من لبن أمه، وعند قراءة عبد الله الصعيدي لهذه الكتب تأثر بها وجعله يتجه هذا الاتجاه، وأكثر ما وجد عليه المسلمون من خذلان وذلّه، هو تحكم الغربيين فيهم، فكتب مقدمة ليجعلها مقدمة الكتاب (الصراع) وهي كيف ذل المسلمون؟ بعض الشطحات الكتاب الصراع، هو (كيف ذل المسلمون؟ )، فرد عليه الشيخ حامد
стр. 8647
الفقي، وكذلك بعض الإخوان فنبهوه ظنًّا منهم أن الرجل قريب العودة إليهم، ولكن الرجل لم يكن قريب العودة إليهم، فعمد إلى تأليف كتاب آخر وترك موضوعه الأول، ثم ألّف كتاب (هذه هي الأغلال) فكان أشد وطأة على المسلمين، فأخذ يتكلم بكلام مؤلم، ولكنه لم يتضح اتضاحًا كافيًا بالنسبة لمقاصده، اللهم إلا الفصل الأخير الذي تحت عنوان (المشكلة التي لم تُحل) فهذه هي أخطر ما كتبه.
ثم بعد ذلك بدأ العلماء يردون عليه، منهم الشيخ إبراهيم السويح، والشيخ حامد الفقي، والشيخ عبدالرزاق حمزة الإمام في الحرم المكي الشريف، والشيخ الدكتور محمد الغمراوي الذي رد على الدكتور طه حسين، وخلق كثير.
وكذلك رد عليه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وغيره من العلماء السعوديين، وممن كان يعرفه ويقرأ مؤلفاته القديمة والحديثة، ولكن سبحان الله كان يزداد عتوًا ونفورًا، بعد ذلك تكلم عدد من المشايخ عند الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى، فقالوا له إن هذا الرجل كتب كذا وكذا، فقال لهم الملك عبد العزيز أحسن شيء نكتب له ونقول له رد على نفسك، إن كان قريبًا من الخير فالله يزيده وإن كان يعصي الله على بصيرة فإنا لله وإنا إليه راجعون ..... انتهى كلام علي بن يابس (١).
مقابلة القصيمي:
كنت مثل غيري من أهل القصيم، بل من سكان المملكة العربية السعودية أتمنى أن تتاح لي فرصة اللقاء بالقصيمي، وذلك قبل أن يصدر كتابه: (هذه هي الأغلال) لإعجابنا به ولكن أني لنا ذلك.
وقد انتهت رحلة الطلب بالنسبة إليَّ وأصدر القصيمي ما أصدر من مؤلفات
стр. 8648
بعد الكتاب المذكور، وكلها مما كان العلماء عندنا ينتقدونه ففترت تلك الرغبة.
حتى جاء عام ١٣٨٩ هـ وسافرت إلى مصر لطباعة كتابي الأول في الأمثال، وعنوانه: (الأمثال العامية في نجد) وقد طبعته في مطبعة الحلبي في مصر لأنه لم تكن لدينا في المملكة مطابع تطبع الكتب بإمكانات جيدة، وإخراج متقن.
وكان الأستاذ حمد الجاسر آنذاك في مصر نازلًا في شقة كان استأجرها في وقت قديم، وكان قال لي: إنه لا مانع لديه من تقديم كتابي الأول، إضافة إلى أنه كانت له معرفة، بل خبرة في طبع الكتب وتصحيحها لم تكن متوفرة عندي في ذلك الوقت.
وهذا كله إلى كون الأستاذ حمد الجاسر كان يعتبر قدوة لنا نحن الباحثين في الأدب والتاريخ.
ذهبت مرة إلى حمد الجاسر في شقته في القاهرة، فوجدت عنده رجلًا ليست عليه سمة أهل مصر من ضخامة في الجسم أو حتى تقاسيم وسمات معروفة عن الإخوة المصريين، فهو يبدو صحيح الجسم، ومع ذلك هو رشيق خفيف الجسم، مع أن علامات حصوله على الكفاية من الغذاء ظاهرة عليه.
قال لي الأستاذ حمد الجاسر - يعرفني به - هذا هو الأستاذ عبد الله بن علي القصيمي، وقال له يعرفه بي: هذا محمد العبودي من القصيم أيضًا جاء هنا ليطبع كتابًا ألفه.
فسألني القصيمي عن عنوان كتابي فقلت هو: (الأمثال العامية في نجد)، فالتفت إلى الأستاذ حمد الجاسر، وقال: هذا تجديد في التأليف، فقال حمد الجاسر، الأستاذ العبودي باحث ومؤلف في أبحاث جديدة.
ثم تطرق الحديث بين الأستاذ حمد الجاسر وبين عبد الله القصيمي إلى أمور عديدة ليس منها أمور علمية أو أمور تتعلق بنشأة القصيمي أو حتى ما أثاره
стр. 8649
ضده المشايخ وطلبة العلم، ولم أتدخل إلَّا بكلام قليل منه أن زميله في مصر الأستاذ عبد الله بن يابس قابلني في الرياض وأنه ذكر عنه أشياء ولم أقل له: إنه رد عليك، لأنه يعرف ذلك، فقال القصيمي من دون مبالاة: هو رجل متدين وأنا - على زعمه - غير متدين، والمتدين متعصب وغير المتدين متسامح، لذلك لم أرد عليه ولم أهاجمه مثلما هاجمني.
كنت أشعر وأنا أراه جالسًا أنني قد ارتكبت إثمًا بالجلوس إليه، وذلك من واقع ما كان في ذهني عنه، وعن هجوم المشايخ وطلبة العلم عليه، ورميه بالمروق من الدين، وقد تبخر ما في ذهني عما كتبه من الكتب والبحوث دفاعًا عن العقيدة وانتصارًا للحق بما لم يستطع غيره أن يفعله.
وافترقنا ولم أره بعد ذلك.
أما علاقته بالأستاذ حمد الجاسر فإنها علاقة صداقة وزمالة قديمة عندما كان الأستاذ حمد الجاسر يدرس في مصر، ثم بجامع أن كل واحد منهما كان من طلبة العلم ولكنه مال إلى الثقافة الحديثة وصار من أهلها.
إضافة إلى أن الأستاذ حمد الجاسر لم يكن شديد التدين بحيث يقيس صحبته لشخص بمدى تدينه وإنما كان باحثًا، والقصيمي كان مفكرًا كبيرًا.
وقد استمرت صحبتهما بعد ذلك وانتقلت من مصر أيضًا إلى لبنان عندما كان الأستاذ حمد الجاسر في لبنان، وكان القصيمي سكن فيه مدة منفيًا عن مصر.
قال الأستاذ علي بن يابس في كتابه الذي كتبه في ترجمة والده الشيخ عبد الله بن علي بن يابس:
كذلك حينما ألف عبد الله الصعيدي كتابه الذي سماه (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام) ثار الخلاف والجدل وكثرت المشاكل بينه وبين شيوخ الأزهر، حيث طلب الأزهر من الحكومة المصرية التي كان يرأسها في ذلك الوقت (صدقي باشا) طرد
стр. 8650
هذا الرجل الذي هو عبد الله الصعيدي، فاستدعى رئيس الحكومة المصرية بعض المسئولين في الأزهر قائلًا لهم على أي أساس تريدون أن نطرده، قالوا بسبب قيامه بتأليف هذا الكتاب (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام) ومثل هذا وجوده خطر علينا وعلى الإسلام، فقال لهم رئيس الوزراء: أنا لا أرى هذا، وأرى أنه حينما تكلم عليكم فيجب أن تردوا عليه، أما أن نلجأ إلى أن نستعمل معه الشدة والقوة لنقوم بطرده، فيمكن غدًا يؤلف كتابًا يسميه كيف طردت من مصر، فيزيد عليكم الأمر وتصبحون في مأزق ليس لديكم ما تردون عليه ولذا فإني أرى عدم طرده.
نفيه إلى لبنان:
بقي عبد الله بن علي القصيمي بعد ذلك في مصر سنوات، حتى سعى عدد من الناس لدى الحكومة المصرية بأن تبعده عن مصر، فأبعد بالفعل إلى لبنان.
وبقي في منفاه سنتين أو نحوهما عاد بعد ذلك إلى مصر، بإذن من الحكومة المصرية التي عدلت عن رأيها في نفيه.
ولم يقلّ نشاطه الثقافي واتصاله بأهل الفكر، بل شغله لأهل الفكر في لبنان عنه في مصر، فألف مقالات عديدة، والتف عليه عدد من المثقفين العرب الموجودين في لبنان، حتى زاد ذلك من شهرته، وضاعف من انتشار سمعته في الأوساط الأدبية الثقافية في العالم العربي.
وقد ذكر الأستاذ عبد الله عبد الجبار ظروف نفيه من مصر إلى لبنان وسبب عودته إلى مصر، فقال:
في سنة ١٩٥١ هـ آثر القصيمي السكني بحلوان التماسًا للهدوء، وفرارًا من صخب المدينة الكبيرة (القاهرة)، وهنا اتصل به بعض الطلاب اليمنيين، وأعجبوا بآرائه الجريئة واتخذوه رائدًا فكريًا لهم، حتى إذا كانت سنة ١٩٥٤ هـ وشي به إلى
стр. 8651
الإمام أحمد ملك اليمن واتهموه بإفساد عقائد الشباب اليمني الذين يدرسون بمصر وحثهم على التمرد، وقال الإمام أحمد لصلاح سالم: (إننا لن نتفاوض حتى تعطيني وعدًا أكيدًا بأن يخرج القصيمي من مصر)، واضطرت حكومة الثورة تحت الضغط الشديد وتثبيتًا للتضامن العربي أن تخرجه إلى لبنان وهي كارهة لذلك.
ومكث هناك نحو سنة ونصف يعاني فيها أشد ألوان القلق النفسي لاغترابه وبعده عن أهله وأطفاله، وحاجته وحاجتهم الماسة إلى ما يقيم أود حياتهم، وإن وجد من رجال الفكر الحر بلبنان ومن الصحافة اللبنانية كثيرًا من التشجيع الأدبي، والتأييد المعنوي، ولم يعدم من ذوي الشهامة من يقدم له بعض العون المادي، وفتحت الصحف والمجلات صدرها له ونشر هناك آراءه الخطيرة في الحياة والمجتمع والحاكمين والمحكومين والطغاة ورجال الدين والعقائد والديانات جميعًا.
وخلعوا عليه النعوت والألقاب ما يدل على عظيم تقديرهم له، فهو فيلسوف السعودية، وهو المارد الفكري الجبار، وهو المفكر العملاق الذي يقف فوق قمة العقل كأنه آلهة من آلهة العقل عند الإغريق، بل قالوا عنه: (لو أردنا أن نعد أعظم حدثين، فكري ومادي وقعا للجزيرة العربية في عهدها الحديث لكان هذان الحادثان هما البترول والقصيمي).
وخلال إقامته بلبنان أقام بعض أصدقائه قضية باسمه أمام مجلس الدولة المصرية، وتطوع فيها بعض المحامين مطالبين بإلغاء قرار الإبعاد، وقد حكم مجلس الدولة بإلغاء هذا القرار بعد عدة أشهر.
وقد كان هذا الحكم منتظرًا ولم يكن محتملًا أن يحدث سواه، وقد دل الحكم على شيين: على أن ضمير القضاء المصري سليم، وعلى أن العهد الجديد - عهد الثورة - يحترم استقلاله.
وعاد القصيمي إلى مصر.
стр. 8652
وفاته:
توفي عبد الله بن علي القصيمي في مصر عام ١٤١٧ هـ عن ٩٤ سنة وقد بقي ذهنه صافيًا حتى وفاته، فلم يصب بخرف أو اختلاط ذهني في كبره، وذلك بعد أن شغل العالم المثقف سواء أكان مثقفًا ثقافة دينية أم أدبية فكرية بما نشره من كتب وبما بدا أنه يعتنقه من مبادئ وأفكار.
ولذلك عندما توفي نشرت جريدة (الشرق الأوسط) مع خبر وفاته مقالًا لمحرريها، عن القصيمي ومقالة بقلم الأستاذ جاسر الجاسر، وليست له علاقة نسب بالأستاذ المؤرخ حمد الجاسر، بل هذا من أهل بريدة، والأستاذ حمد الجاسر من (البرود).
ويجدر أن أنقل ما جاء في المقالتين كلتيهما عن القصيمي، وأن أكتفي بذلك عن عشرات المقالات، والقصائد التي ترجمت له أو تكلمت على أحواله بعد وفاته إلا ما كان من البحث الذي قدمته.
قالت الجريدة في عددها (٦٢٥٣) الصادر بتاريخ الخميس ١١/ ١/ ١٩٩٦ م:
شلل جزئي أعاقه عن الحركة في أيامه الأخيرة:
مات القصيمي فيلسوف العبث المتمرد:
يقف المفكر السعودي الراحل الشيخ عبد الله القصيمي في طليعة حملة لواء الفكر الليبرالي العربي.
ورغم تناحر التيارات الفكرية وتنوعها فإن ذلك المفكر الكبير كان على خلاف مع معظمها بسبب عقله النقدي الحاد وشخصيته المستقلة التي دفعته إلى أن يختط لنفسه طريقًا أثار عليه نقمة البعض، وتأييد البعض الآخر، فلم يأبه واستمر يغذي مسيرته الفكرية الخصبة بالعديد من الكتب التي أثار ظهورها ضجة في حينها نظرًا لجراءة ذلك الفكر.
стр. 8653
ويشكل كتاب (العرب ظاهرة صوتية) نموذجًا مثاليًا لأسلوب ذلك الكاتب الذي انتقد دون رحمة، وطعم نقده بالكثير من السخرية العميقة والمبطنة، فهو يقول في مقدمة ذلك الكتاب (إن العربي ليرفض الصعود إلى الشمس ممتلكًا لها إذا كان ذلك بصمت).
فالضجيج والإدعاء والخطابية من أخطر أمراض الشخصية العربية التي شرحها عبد الله القصيمي في ذلك الكتاب.
وقبل ذلك الكتاب الذي كان له وقع الصاعقة في السبعينات سبق ذلك المفكر أن بدأ معركته التي كانت صاخبة في معظم فصولها بكتاب (الصراع بين الإسلام والوثنية) والذي هاجم فيه البدع والخرافات، وكذلك كتاب (هذه هي الأغلال) الذي تابع فيه ذلك النهج، وكان له الوقع الطيب على العلماء والعامة الذين لم يسبق لهم سماع آراء صريحة من ذلك الوزن الذي دخل به القصيمي إلى الحياة الثقافية والفكرية في وقت شهد الكثير من الهدوء واللامبالاة بطرح تلك الأسئلة العميقة والمحيرة.
وفي مصر فتح القصيمي معركة أخرى مع الكاتب محمد حسين هيكل حين أصدر كتابًا انتقد فيه منهجه في كتابة حياة الرسول ﷺ ، وقد انضم عباس محمود العقاد إلى القصيمي وآزره في معركته ثم كتب يثني على أفكاره الجريئة وكذلك فعل طه حسين، وكان الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل قد أشار إلى حواراته العديدة مع الراحل حول تلك القضايا في كتاب (ليلة في جاردن ستي).
ونظرًا للمشاغبات والمعارك الثقافية التي أثارها القصيمي أطلقوا عليه لقب فيلسوف العبث المتمرد لأنه كان يرفض المهادنة، ويواصل تدعيم آرائه بكتاب تلو كتاب فقد صدر له بعد ذلك (أيها العقل .. من راك) كتاب (كبرياء التاريخ في مأزق)، ثم (هذا الكون ما ضميره) و (فرعون يكتب سفر الخروج).
стр. 8654
ولم تنسحب المواقف الحادة على الكتابة وحدها بل على الحياة أيضًا فقد وقف القصيمي معارضا لعبد الناصر أثناء حرب اليمن، فطرده عبد الناصر من مصر، حيث ذهب إلى لبنان وبقي فيه إلى ما بعد وفاة الرئيس المصري الأسبق.
وكان ذلك القصيمي الذي وافته المنية بالقاهرة أمس الأول قد بدأ مسيرته في السعودية حيث ولد في قرية (خب الحلوة) في القصيم عام ١٩٠٥ م ثم غادرها بعد دراسته الأولية فيها لطلب العلم في الهند والعراق إلى أن استقر به المطاف في الأزهر الذي أخذ عليه علماؤه آنذاك، تطرفه في الدعوة إلى تحرر المرأة.
والمعروف أن الراحل قد دأب في السنوات الأخيرة على عقد ندوة فكرية في منزله بالقاهرة كل يوم جمعة يتردد عليها مجايلوه من المفكرين كرئيس وزراء اليمن السابق أحمد محمد نعمان، والكاتب الإسلامي خالد محمد خالد، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد أنعم غالب وغيرهم.
وفي حديث خاص لـ (الشرق الأوسط) مع محمد القصيمي قال ابن المفكر الراحل الذي شكر حكومة خادم الحرمين الشريفين على إرسال مندوب لحضور مراسم الدفن: إنه يفخر بالتراث الذي تركه الأب المفكر وبالآراء التي قرأها عنه في المصادر والمراجع الغربية والعربية، وأكد أن والده كان يقرض الشعر وله العديد من القصائد غير المنشورة.
أما ليلى القصيمي ابنة عبد الله القصيمي، والتي كانت آخر من يلقي عليه نظرة الوداع، فقد قالت إنه كان سعيدًا وهو يموت، وكانت علائم الارتياح تبدو على وجهه الأبيض الطري والجليل، ويؤكد محمد وليلى أن القصيمي كان أبًا مثاليًا وقد عني بتعليمهم العربية وتراثها وحثهم على التمسك بالأخلاق الإسلامية الصحيحة، وكان دمثًا وصبورًا في كافة المواقف الصعبة.
وتضيف الممرضة التي أشرفت على علاجه في الدور الثالث بمستشفى
стр. 8655
فلسطين بمصر الجديدة بالقاهرة أنه كان لطيفًا مع الجميع حتى آخر لحظة في حياته، وكانت الالتهابات التي تعرض لها قد تسببت في شلل ذراعه ثم منعته القدرة على الحركة في الأيام الأخيرة من حياته.
هذا وقد تم دفن عبد الله القصيمي بناء على طلبه في مقابر باب الوزير بالقاهرة إلى جانب زوجته وابنه فيصل الذي كان أكبر أولاده وتوفاه الله مبكرًا.
وبالرغم من آراء عبد الله القصيمي التي كانت موضع تساؤلات ونقد من قبل بعض المفكرين الإسلاميين، فإن موقعه كمفكر متمرد سيستمر وسيظل مثار جدل كبير.
أبرز مؤلفات القصيمي:
- (البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية)، القاهرة - مطبعة المنار، ١٣٥٠ هـ/ ١٩٣١ م.
- (شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام)، القاهرة - مطبعة المنار، ١٣٥١ هـ/ ١٩٣١ م.
- (الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم) القاهرة - مطبعة التضامن الأخوي، ١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٤ م.
- (مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها) القاهرة المطبعة الرحمانية، ١٤٥٣ هـ/ ١٩٣٥ م.
- (الثورة الوهابية) القاهرة - المطبعة الرحمانية، (١٤٥٤ هـ/ ١٩٣٦ م.
- (الصراع بين الإسلام والوثنية - ج ١) القاهرة المطبعة السلفية ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٧ م.
- (الصراع بين الإسلام والوثنية - ج ٢)، القاهرة - مطبعة السعادة، ١٣٥٧ هـ/ ١٩٣٨ م.
стр. 8656
- (كيف ذل المسلمون؟ ) القاهرة - مطبعة أنصار السنة المحمدية، ١٣٥٩ هـ/ ١٩٤٠ م.
- (هذي هي الأغلال)، القاهرة - مطبعة مصر، ١٣٦٥ هـ/ ١٩٤٦ م.
- (العالم ليس عقلًا) بيروت - دار الكتاب العربي، ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٤ م.
- (كبرياء التاريخ في مأزق)، بيروت - دار الكتاب العربي، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م.
- (هذا الكون ما ضميره) بيروت - دار الكتاب العربي، ١٤٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م.
وكتب الأستاذ جاسر الجاسر في الجريدة نفسها يقول:
أسرار المفكر الغامض:
عبد الله القصمي حالة نادرة في الثقافة العربية والسعودية خصوصًا، فهو من الجيل الأول المتعلم في السعودية ومن بلدة قرب مدينة بريدة، تحديدًا حيث يبرز هناك التعليم الديني، ويتخذ مساحة واسعة من الاهتمام والصبغة الدينية لبريدة، لم تكن هي الوحيدة آنذاك، ففي الخمسينات الميلادية كان بإمكان المرء أن يجد مختلف أنواع الكتب المتضمنة لكافة الاتجاهات الفكرية والسياسية، والقصيمي كان ولا شك نتاج هذه المرحلة الصاخبة التي كانت فيها كل القيم والثقافات توضع على المحك على الأقل بين النخبة المثقفة وهو أمر لم يكن ليتحقق في مجتمع أمي بالكامل تقريبًا معزول داخل بيئة صحراوية مغلقة لو لم يكن أهل بريدة ميالين للتجارة والتنقل بين البلدان للبيع والشراء، وبذلك كانت هناك متابعة مستمرة لكل النتاج الثقافي الجديد في العالم العربي، وكانت النخبة المثقفة محصنة ضد الاحتياطات الرقابية لغلبة الأمية على المجتمع، ولعدم شيوع التخوف من الكتاب.
وهكذا حظي القصيمي ومجابلوه بفرصة الحصول على طروحات جديدة أثرت لغتهم وطورت آليات تفكيرهم ومن ثم أدت ببعضهم إلى أمور شتى منها الثورة العارمة.
стр. 8657
كان القصيمي ظاهرة لافتة آنذاك، وكانت طروحاته تتميز بالقوة والجدة، ومن كتبه التي تفاخر بها عدد من علماء السلف في السعودية وتأسفوا كثيرًا على عدم استمراره في كتابة أمثالها (الصراع بين الإسلام والوثنية)، الذي اعتبر آنذاك من أقوى الكتب التي الفت للدفاع عن الإسلام كما أن كتبه الأخرى غلبت عليها النزعة السجالية، ويبدو أن القصيمي كان جادا في طروحاته، فإذا ما تبين موقفا فإنه يدافع عنه بقوة ويهاجم مناويه بعنف وشراسة، ومع أن أفكاره كانت تتسم ببعض الثراء والتنوع إلَّا أن لغته ظلت استطرادية، وكان مثل أبناء جيله يرى أن الكتب لا تصبح ذات قيمة ما لم تكن ضخمة توحي بمقدار ما بذل فيها من جهد وجد، وهي نقطة أسلوبية غلبت على كتاباته بحيث كان يكثر من الإعادة والتكرار والهوامش.
لقد كانت بشائر هذا الرجل توحي بمستقبل العالم ديني قوي ومتمكن وصاحب حجة منطقية، ولو استمر على منواله لأصبح عالمًا بارزًا في ذلك التيار، ولعل بعض لداته تأسفوا على عدم استمراره وبعضهم فرح بغياب منافس قوي، ولكن المؤكد أن القصيمي يشكل ظاهرة عجيبة تثير التساؤل والحيرة، خاصة أن الذين كتبوا عنه لم يشيروا إلى أسباب تبدل طريقه، بل تجاهلوا هذا الأمر كلية، ويحق لنا أن نتعجب من رجل يكتب في عام ١٩٣١ م كتابًا بعنوان (البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية) يجيء بعد خمسة عشر عامًا بكتاب يحمل عنوان (هذي هي الأغلال) ولا شك أن بدايات انحرافه بدأت قبل ظهور هذا الكتاب فهو نتيجة لها وثمرة شكلها.
ويبدو أن طبيعة القصيمي الحادة هي التي تدفع به نحو أقصى الحدود، فهو لا يعرف إلَّا الأشياء وأضدادها وقد غاب اسمه في الفترة الأخيرة، ولم يعد في العقدين الأخيرين يذكره أحد تقريبًا، رغم أن القاهرة مزار المثقفين السعوديين وغيرهم، ثم تكالبت عليه الأمراض حتى قضى نحبه مغلقًا بذلك صفحة لا يعرفها إلَّا من عايشوا بداياته وتابعوا تبدلاته ومنهم حمد الجاسر وعبد الكريم الجهيمان وعبد العزيز التويجري الذي
стр. 8658
اعترف في لقاء سابق معه بأنه كان له صديقًا، كما أجرى أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري لقاء مطولًا معه قبل بضع سنوات نشر في مجلة الحرس الوطني، أما ما عدا ذلك فإن الكل يتجنب ذكر القصيمي، إما نفورًا أو خوفًا أو تجاهلًا.
لقد مات هذا الرجل الذي امتد عمره لما يقارب عقد كامل وانصرف خلالها للتأليف والكتابة ولكنه لا يزال غامضًا ومجهولًا، وهكذا يجيء موته ليحمل معه الباقي من الأسرار.
انتهى كلامه.
فكر القصيمي وكيفية تطوره:
عبد الله القصيمي كاتب قدير، ومفكر سريع التفكير، لذلك كتب مؤلفات ومقالات كثيرة وأنتج فكرًا مختلفًا حسب مراحل حياته، وتطور الفكر عنده.
وآخر أمره أن صار المشايخ وطلبة العلم من السلفيين الذين كانوا في السابق يعتبرونه منهم، ويفخرون بوجوده بين صفوفهم يتبرءون منه، بل لا يجري ذكره على ألسنتهم أو حتى أذهانهم إلَّا استعاذوا بالله من الشيطان الرجيم، وكانوا نعوت الضلال والزيغ له.
ولا أشك في أن بعض القراء الكرام يتوقع من المؤلف أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كلما ورد ذكر القصيمي على قلمه أو لسانه، ونحن نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في كل وقت، سواء ورد ذكر القصيمي أم لم يرد.
أما كيل نعوت السوء وإزجاء اللعنات له فنحن لسنا باللعانين.
وقد كفانا المشايخ الكبار الذين ردوا على القصيمي ذلك، إذ ردوا عليه ردودا كثيرة متعددة، ونعتوه بأقبح النعوت الفكرية التي هي نعوت الزيغ والضلال والكفر والزندقة، حتى لم يبق لمن يأتي بعدهم نعت لم يستعملوه من هذا القبيل يريد أن يستعمله.
стр. 8659
وكتابنا هذا ليس كتاب عقيدة، حتى يرد على كل انحراف عن العقيدة ولكنه كتاب عرض لحال الأسر والأشخاص البارزين الذين يشار إليهم بالبنان.
وقد تجاوز فكر القصيمي حدود العالم العربي إلى النطاق العالمي وتناوله الدارسون والباحثون في أماكن عديدة من العالم، وألفت فيه رسائل جامعية، ومتابعة ذلك كله وتمحيصه شيء صعب، بل ربما دخل في التكليف بما لا يطاق، بالنسبة إلى أعمال مؤلف هذا الكتاب وكتاباته.
لذا بحثت عن رسالة أو كتاب استعرض حال القصيمي، وما طرأ على فكره من تطور سواء أكان انحرافا أو انجرافا إلى مذهب يخرج به عن المألوف والمقبول المعروف عن دين الإسلام حتى وقفت على ضالتي المنشودة في بحث للأستاذ عبد الله بن عبد الجبار تحت عنوان (التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية) محاضرات ألقاها على طلبة شعبة الدراسات الأدبية واللغوية سنة ١٩٥٩ - ١٩٦٠ م.
وذلك في (معهد الدراسات العربية العالمية) الذي يتبع جامعة الدول العربية، ولكن ذلك البحث طويل يقع في ٥١ صفحة من القطع الكبير وهو بمجموعه ما لا يحتمله هذا الكتاب، إضافة إلى أن فيه أشياء قليلة لا يقرها المؤلف.
لذا لخصته بحذف جمل أو أسطر وأحيانًا عبارات من عبارته.
وذلك كله لكي أقدم بين يدي القارئ الكريم شيئًا واضحًا شاملًا أو كالشامل في هذا الموضوع.
قال الأستاذ عبد الله بن عبد الجبار من بين ما قاله عن عبد الله بن علي القصيمي:
أطوار حياته الفكرية:
يمكننا أن نقسم حياة القصيمي الفكرية إلى ثلاث مراحل أو ثلاثة أطوار:
стр. 8660
١ - الطور الأول: طور الثقافة الأزهرية والعقيدة السلفية وينتهي عام ١٩٤١ م.
٢ - الطور الثاني: طور التحرر الفكري - ١٩٤١ - ١٩٤٦ م.
٣ - الطور الثالث: طور الانفجار بعد سنة ١٩٤٦ م.
الطور الأول طور الثقافة الأزهرية والعقيدة الوهابية:
في هذا الطور كان القصيمي ينافح عن سلفية الفكر والعقيدة والحياة والشعور، ويكتب كما يكتب السلفيون وبالأسلوب الذي يرتضونه، وكان يقدس الصحابة ورجال الدين - ويضع نبينا محمدًا ﷺ في المقام الأعلى من مراتب البشر والمرسلين، ويصفه بالطهر والنقاء والصدق والأمانة، إذ لم يستطع التاريخ أن يحفظ عليه غلطة أو كذبة أو جريمة، حتى ضرب به المثل في الطيب والصلاح والاستقامة، وحتى سماه قومه بحق (الأمين) وكان يشيد بقوة عزيمته وثباته وتحمله الأذى في سبيل أداء رسالته وعفوه عن المسيء حتى ضرب للإنسانية أروع الأمثال في التسامح والعفو - في الثبات على العقيدة والمبدأ الحق في مناهضة الباطل والضلال ثابتا أمام هذا البلاء المستطير العنيف، ثبوت الإيمان القوي أمام الكفر، فلا أثبت من الإيمان القوي ولا أقوى منه على منازعة الشر والاضطهاد وأثبت له المعجزات التي بلغ عددها ألفين على بعض الروايات - وثلاثة آلاف في رواية أخرى.
ولم تكن لهجته في تمجيد الصحابة تقل عن لهجته في تمجيده النبي الكريم، وقد تصورهم ملائكة في صور البشر يقول: (خرج محمد عن الدنيا مخلفًا وراءه أولئك الجنود - أولئك الملائكة في صور الناس، لا أقول الملائكة، فليس هناك أفضل من أن أقول: مخلفا أولئك الصحابة، فما في الألفاظ لفظ يشرف على لفظ الصحابة بعد الله ورسله، خلف وراءه الصحابة الأبرار بعد أن هذبهم بمدرسة السماء بمدرسة النبوة
стр. 8661
الخاتمة - مدرسة مادتها كلام الله ومدرسها ورئيسها محمد، عبد الله ورسوله).
وكان القصيمي في هذه الفترة يشعر بغبطة روحية لا مثيل لها كلما ألف كتابًا في الدين وتناقلته أيدي المسلمين، يقول: (وكم يفرح المؤمنون برواج كتب الدين وكم يعجبهم انتشارها وكثرة قراءتها، فإنها في ذلك من القضاء على الإلحاد والتنفير عنه ما فيه، كما أن فيه ترغيبا وحفظا لكتابنا الأعلام العصريين أن يواصلوا الكتابة في الدين وفي الدفاع عنه وأن يرغبوا في ذلك - لهذا اغتبط برواج كتاب حياة محمد اغتباطًا كثيرًا).
وفي هذا الطور ألف الكتب الآتية التي تدل باسمها ومادتها على ثقافته الأزهرية وعقيدته الوهابية:
- مشكلات الأحاديث:
وقد درس في الأحاديث التي استشكلتها العلوم الحديثة من طبية وجغرافية وفلكية عقلية.
- شيوخ الأزهر:
وفيه يقيم الأدلة العقلية والنقلية على أن الدين كامل لا يحتمل أي تزيد أو ابتداع.
- الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم:
وقد درس فيه النقاط الجوهرية المختلف عليها قديمًا وحديثا بين السلف الذين يمثلهم اليوم الوهابيون - وبين الخلف.
- البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية:
يبحث في عقائد السلف التي حددها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتناول فيه موضوع التوحيد والتوسل والوسيلة والبدع الشائعة - وما في هذا الموضوع من
стр. 8662
آيات وآحاديث وآراء، وقد ألف هذا الكتاب ردًّا على الشيخ الدجوي .. الذي كان يهاجم العقيدة الوهابية والمذهب الوهابي.
- نقد كتاب (حياة محمد):
وقد ضمنه المأخذ التي زل فيها قلم الدكتور محمد حسين هيكل - حسب تعبيره - وقد نشر أكثر فصوله بجريدة (الكواكب).
- الصراع بين الإسلام والوثنية:
ألفه ردًّا على كتاب لأحد علماء الشيعة عنوانه (كشف الارتياب في إتباع محمد بن عبد الوهاب) وقد ألف علماء النجف ضد القصيمي كتابًا ضخمًا يقع في اثني عشر مجلدًا - كما روى لي - ولما صدر كتاب (الصراع) قال مشايخ نجد للملك عبد العزيز (إن القصيمي دفع مهر الجنة وإنه لن يضيره ما يعمل بعد هذا .. ولا نجد رأسا يطاول رأسه إلَّا رأس (ابن تيمية).
وكان السبب المباشر في تأليفه كتاب (الصراع) أنه في ربيع الأول سنة ١٣٥٥ هجرية بعث إليه العالم السلفي والوجيه الحجازي المعروف محمد أفندي نصيف بكتاب (كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب) وقد كتب فضيلته على طرته العبارة الآتية: (إن مؤلف هذا الكتاب قد أتي بأشياء لم يأت بها أحد قبله من أعداء الدعوة الإسلامية، فأرسلته لكم لإبداء رأيكم فيه وللرد عليه).
فانبرى القصيمي للرد عليه في ثلاث مجلدات ضخام منددا بالشيعة الذين شبههم باليهود ومدافعا عن النجديين الوهابيين مما نسب إليهم من اتهامات) (١).
وقد ندد القصيمي بكتاب (أصول الكافي) تأليف محمد بن يعقوب المعروف بالكليني - وهذا الكتاب ومؤلفه محسوبان عند الشيعة كصحيح البخاري ومؤلفه
стр. 8663
عند أهل السنة - وهو مطبوع في فارس (١).
أسلوبه التعبيري:
أما طريقته في التعبير - في هذا الطور - فتجري على أساليب العرب الرصينة وهو بحكم ثقافته وأرومته العربية الأصيلة، لا معدي له أن يجري على هذه السنن، تراه يميل إلى التقرير حينًا وإلى الجدل حينا وإلى الخطابة حينا ثالثا، حسبما يقتضيه المقام، وربما استخدم جملًا مترادفة وكرر بعض الألفاظ إذًا ما أخذه الحماس، وربما سجع وزاوج، أما جمله فتارة تقصر وتارة تطول وربما وجدنا في أسلوبه شيئًا من الخفة والعذوبة إلَّا أنه بحكم الموضوعات الكلاسيكية الدينية التي يتناولها، لا يجد المجال الفني، وأيا كان الأمر فعبارته لم تبلغ من الدقة والقوة والرصانة وفن هندسة الكلام ما بلغه في الأطوار التالية.
وإليك مثلًا من إحدى طرائفه في التعبير:
"ظل (محمد ﷺ يضرب لهم هذه الأمثال حتى خرج من الدنيا، والدنيا لا تعرف غير محمد وأمثال محمد، وحتى خرج من الدنيا والناس لا يعرفون غير محمد وغير فضل محمد، وحتى ظل العربي الذي يحب الحياة يعانق الموت الزؤام باسم الثغر راضي النفس يحفزه ما يتصوره في مخيلته من جهاد محمد وشجاعة محمد، وحتى ظل العربي يدخل على أعظم ملوك الأرض جبروتًا وسلطانًا وفتكًا غير حاسب إلَّا أنه رجل من سائر خلق الله، وذلك لما بقي في رأسه من أمثال محمد في عزة النفس وفي إباء الضيم وفي تعظيم الله وحده، وحتى ظلت الفئة القليلة من المؤمنين تناجز الجموع المعدودة بمئات الألوف غير حاسبة إلَّا أنها في قبضتها وغير حاسبة إلَّا أنها آخذة بناصيتها، وذلك لأن محمد ضرب لها المثل
стр. 8664
الأعلى في الإعتداد بالنفس اعتمادًا على الله، فقاوم أهل الأرض كافة وهو موقن بالنصر، موقن بأن العاقبة له، فكان له ما أيقن وكان له ما قدر، وحتى كان الأعرابي الفظ يسمع الآية الزاجرة فيصعق فرقًا من النار ويسمع الآية في الرحمة فيطير لبه شوقًا إلى الجنة.
وفي حجاجه لمنكري الخوارق والمعجزات يقول: هم ينكرون الخوارق والمعجزات فيهم الخوارق والمعجزات، وفي خلقهم وموتهم وحياتهم الخوارق والمعجزات، وفي أحقر عضو فيها وأبسط تكوين في أجسامهم توجد الخوارق والمعجزات (١).
وفي هذا النص من تكرار كلمتي (الخوارق والمعجزات) ما يفقد العبارة كل مزايا التكرار وجماله.
الطور الثاني: طور التحرر الفكري:
في هذه المرحلة انتقل القصيمي من طور الجمود إلى طور التحرر ومن الإيمان الأعمى بالمقدسات والموروثات إلى الشك فيها، وتمحيص الصحيح من الزائف منها، ومن الاتباعية السلفية وتقديس النصوص إلى تحكيم العقل والمنطق، ومن الإيمان بالمعجزات والدفاع عنها إلى إنكارها والكفر بها، ومن الكفر بالإنسانية وبالعلم والتطور إلى الإيمان بها جميعًا.
إيمانه بالتطور:
في الطور الماضي كان جامدًا وقافًا ورجعيًا متخلفًا، ولكنه في هذا الطور أصبح مفكرًا حرًّا يؤمن بالعلم وبالتطور، فكل شيء في نظره - دائب في طريقه الطويل بلا حيدة أو وقوف، والعالم كله حيوانه ونباته وجماده لم يزل دارجًا في
стр. 8665
طريق التطور متنقلًا من طور إلى طور أفضل ومن حالة إلى حالة هي أدنى إلى الكمال، بطريقة منظمة دائبة لا يحررها توقف، وعند العلماء أن شيئًا من هذا العالم لم يوجد بحالة ثابتة ولا بحالة فيها الاستعداد للرجوع إلى الوراء، ولا للانتقال من الكمال إلى النقص، بل ثبت لديهم ثبوت الحقائق أن هذا الوجود قد وجد وجودا بدائيا، وأنه قد ظل في جملته هذا التنقل ملايين الملايين من الأعوام حتى بلغ الحالة التي تصلح لوجود الحياة فيه.
وبعد أن يستعرض الحقائق الجيولوجية المعروفة من انتقال الكون من حالة الغازية أو السديمية إلى حالة التكتل والتقلص ثم إلى حالة الانفجار حيث تحرق كتلًا غازية مازالت تتفاعل حتى أصبحت نجومًا وشموسًا درجت هي بدورها في طريق التطور، ثم انقسمت على نفسها فكان منها النجوم والسيارات والتوابع.
بعد أن يستعرض ذلك يقول: فما من شيء في هذا الوجود وصل إلى حالته التي هو عليها إلَّا بعد أن سلك هذه السبيل سبيل التطور المنظم البطيء، فما جاءت الشموس ولا السيارات ولا الأقمار ولا النجمات، ولا كل هذه العوالم إلَّا من هذا الطريق.
وهذه الأرض التي نعيش عليها ونجد فيها كل ما نحتاجه وكل ما يلزم الحياتنا ولسعادتنا ماذا فعل بها هذا التطور؟
إنه لولاه لما وجدت ولما وجد فيها ما وجد، ولما صلحت لظهور الحياة عليها، ولما وجدنا فيها، ولو وجدنا لما بقينا أحياء، ولو بقينا أحياء لما وجدنا ما نحتاج إليه وما يلزم لوجودنا ولصناعاتنا ولزراعاتنا.
إنه بهذا الناموس تخلت الأرض عن عهودها الجليدية، وعن عهودها النارية إلى عهد الاعتدال الذي تبقى معه حياة النبات والحيوان الذي منه الإنسان.
стр. 8666
وبهذا الناموس تمهدت الأرض وتهذبت وارتفعت فيها الجبال ونهضت الآكام، ووجدت السهول والسهوب والأودية، وانشقت الأنهار، وغاضت البحار وانحسرت عن الجزائر وعن هذه اليابسة التي عليها نحيا.
وبهذا التطور أيضًا وجدت أصناف النباتات والحيوانات والمعادن المختلفة، ووجدت التربة الخصبة التي تنبت لنا كل ما نشاء، ووجدت كل هذه العناصر التي لابد منها لبناء أجسامنا ولإخصاب أرضنا ولتركيب وتركب كل ما لابد لنا منه صناعيًا وطبيعيًا، إن أنفس شيء لدينا، كاللآلي مثلا، لا يمكن الحصول عليه لولا خضوعه لهذه العملية (١).
الإيمان بالإنسانية:
ودعا إلى الإيجابية والإيمان بالإنسان، وعزا فشل الفاشلين إلى شكهم في أنفسهم وكفرهم بالإنسانية، ونجاح الناجحين إلى إيمانهم بأنفسهم وبالكفايات الإنسانية:
"انظر إلى هؤلاء الواقعين صرعى في معركة الحياة الرهيبة، العاجزين عن النهوض وعن الحياة الصحيحة ثم سلهم فردا فردا: لماذا سقطوا ولماذا عجزوا؟ تعلم أنهم سقطوا، وأنهم عجزوا لأسباب، وأن أحد الأسباب هو شكهم في أنفسهم وكفرهم بكفاياتهم الذاتية، بل كفرهم بالكفايات الإنسانية، أما الآخرون المؤمنون بالإنسانية، وبأنفسهم فينبرون لعلاج كل مشكلة وينهضون لحمل كل عبء فيصيبون مرة ويفشلون أخرى، إلى أن يصيبوا في النهاية النجاح الحقيقي الأكبر.
وهنا تصبح الإنسانية إنسانيتين: إنسانية راقية ناجحة عالمة قوية وأخرى ذليلة فاشلة جاهلة ضعيفة، وقد أصبحنا - واأسفاه من الإنسانية الأخيرة" (٢).
стр. 8667
تعليم الفتاة:
ودافع عن تعليم الفتاة دفاعًا حارًا حتى لقد اعتبر تعليمها أوجب من تعليم الفتى، وإذا كانت المرأة مسؤولة عن كل ما في البيت، وعن كل ما يدخل فيه وما يخرج منه والأمة كلها لا تخرج في مجموعها عن أن تكون مما يدخل ويخرج من البيت وفي البيت، وأفراد الشعب قاطبة أبناء البيت، فهي مسئولة عنهم إذن جميعًا، هي مسئولة عن الأمة كلها، وعن استعدادها وتربيتها وتوجيهها وسوقها إلى الخير والكمال، وعن بناء أجسامها وتكوين أرواحها.
وإذا كان هذا كله حقًّا - وهو بلا ريب حق - قيل: كيف يمكن للمرأة الجاهلة المحرومة من كل تعليم ومن كل تهذيب، بل المحرومة من مبادئ الكتابة والقراءة أن تقوم بكل هذا؟ بل كيف يمكن للمرأة المتعلمة نصف تعليم أو بعض تعليم أن تقدر على القيام بهذه الأعمال الجليلة؟ بل لو قيل كيف تستطيع المرأة المتعلمة أفضل تعليم وأكمله أن تفي هذه الأغراض حقها؟ وقيل إن هذا غير مستطاع لكان قولًا حقًّا.
أليس معنى هذا أنه يجب أن تكون المرأة عالمة بكل علم إن كان ذلك مستطاعًا أو أن تكون ملمة بمبادئ العلوم كلها إلمامًا كافيًا، وأن تكون عارفة بأصول التربية، وأصول علم النفس، وأصول علم الاقتصاد والفلسفة والأدب، عارفة بطرق التغذية وأصناف الأغذية وبالصحة والتمريض، وبشيء كثير مما يسمى الفنون الجميلة، عارفة بالمحادثة وأصولها، عارفة بكل ما يلزم لصلات الناس بعضهم ببعض.
لو أن قائلًا قال: إن تعليم المرأة أوجب وأفضل من تعليم الرجل من أجل ما ذكرنا ومن أجل ما سواه لما كان قوله باطلًا، ولما كان قائلًا غير الحق، ولو أن قائلًا قال: إن الأمة التي لا تتعلم نساؤها لا أمل في نهوضها ووثوبها - أو قال: إن الأمة التي لا تتعلم نساؤها لا رجاء في أن يتعلم رجالها تعلمًا صحيحًا
стр. 8668
مجديًا - أو قال: إن الأمة التي تتعلم نساؤها ونقصد بلا شك التعليم الصحيح المثمر - فلا محالة أن تدفع رجالها إلى التعليم وأن تعد شعبا متعلما - أو قال إن من أظهر الأسباب في انحطاط المسلمين وتأخرهم عن الآخرين وعجزهم في كل الميادين هو المرأة - أو قال إن الأمة التي يتعلم نساؤها دون رجالها لأفضل من الأمة التي يتعلم رجالها دون نسائها - أو قال: علموا المرأة ثم أملأوا أنفسكم بالثقة والأمل ولا تخشوا بعد تعليمها شيئًا لو أن قائلًا قال: هذا كله أو قال بعضه لما قال له العاقلون: أخطأت، فهذا الذي ذكروه إذن هو برهان علي وجوب تعليمها لا على وجوب جهلها (١).
رأيه في الاختلاط:
وهو يحبذ الاختلاط ويرى له فعل السحر في الحياة العامة ووجود المرأة في المصانع والمتاجر والمعاهد والنوادي والمستشفيات يشيع النشاط الروحي والعقلي والقلبي لأنها تلهب أجهزة الحياة وتبعث فيها الحرارة والحركة والقوة وتزيل عنها السام والكسل والركود والجمود، "للمرأة حقيقة باطنة في ذهن الرجل وتصوره، وكذلك للرجل في ذهن المرأة وتصورها، وهنا توجد خصومة حادة قديمة مستمرة بين الجنسين لا تهدأ ولا تخف، فكل منهما يريد افتراس الآخر والإيقاع به قبل أن يصنع به خصمه ذلك، وكل منهما يواجه الآخر على هذا النحو من الخوف والحذر والريبة والتربص، وكل منهما يعمل على تعجيز الآخر وقهره وإضعافه، فما هي أسباب ذلك؟
إن أسبابه - أو من أعظم أسبابه - هو ما يوجد بينهما من تباعد وعدم اختلاط حقيقي صريح، من أجل الظن أن الاختلاط والتقارب يوقعان في الفساد والمنكر.
стр. 8669
قال القصيمي فيما نقله عنه الأستاذ عبد الله عبد الجبار:
وقد قامت البينة على أن وجود المرأة في المستشفيات بين المرضى والممرضين والأطباء أيضًا قوة لا تنكر، وأن الحياة في هذه المستشفيات تنشط جدًّا في الجميع: في الطبيب والمريض، والممرض وفي كل شيء حتى الصحة والعافية تنشطان فيها وتسيران سيرا فيه قوة وفيه سرعة، وأنه من المستحيل أن تحصل هذه النتيجة في المستشفى الذي يضم الرجال فقط أو يضم النساء فحسب، وكذلك الأمر في ميادين القتال والبطولة: فهي تعطي المقاتلين والزاحفين إلى الموت ما لا يوصف من الفتوة والصبر والاحتمال ... " (١).
مشكلة التوكل:
وعالج القصيمي مشكلة التوكل الخاطئ وضرب لنا هذا المثل ليبين لنا أي أثر سيء تركهـ سوء فهم الناس لمعنى التوكل في المجتمع الإسلامي: "أراد أحد سلاطين الأتراك في أواساط القرن الثالث عشر الهجري أن يدخل النظام الجديد الغربي على الجيوش العثمانية، فهاج الشعب - وهاج الانكشارية، يؤيدهم شيخ الإسلام والصدر الأعظم قائلين: إنه لا يجوز أن تكون عساكر الإسلام مشبهة بالكفار".
وقتلوا طائفة من عظماء الدولة الذين ينادون بالنظام الجديد، ثم خرجوا في الطرقات ينادون أيها السلطان المغشوش بهذه التعاليم، نسبت أنك أمير المؤمنين، وعوضًا عن اتكالك على الله القادر العظيم الذي يبدد في دقيقة واحدة الجيوش الكثيرة، أردت أن نشبه الإسلام بالكفار وأغضبت الله، فكيف يسوغ لك أن تكون أمير المؤمنين ومحاميا عن الدين؟
واستفتى العساكر في خلع السلطان فخلعوه "ثم قتلوه وألزموا من جاء بعده
стр. 8670
برد النظام الجديد الذي أريد إدخاله في جيوش الدولة".
وساق القصيمي هذه الحادثة "ليدل بها على الهوة السحيقة التي سقط فيها الناس من جراء فهمهم التوكل بحيث صار أحد الأمراض الاجتماعية النفسية الإعتقادية التي تألبت عليهم حتى سلبوا الحول والقوة".
ثم أبان تأثير الفهم الخاطئ للتوكل في العقلية الإسلامية والقوة الإسلامية عامة مؤكدا أن الأمم الجديرة بالكرامة هي التي توجد حياتها بنفسها وأن الإنسانية هي التي بنت الحياة والمجتمع وسخرت الطبيعة دون أن يعينها معين أو يشاركها مشارك، قال:
"تطايرت هذه الآراء والأقوال في الكتب التي خلفها هؤلاء تطايرًا لم يستطع وقفه ولا تحديد مداه، ثم فاضت من الكتب على الألسنة والعقول والأوهام وزخرت بها البيئات والمجتمعات الإسلامية وشدا بها كل لسان وأشربها كل قلب، فأفسدت روح العمل وحبه، والاعتداد بالنفس والتعويل عليها ثم انجلت في النهاية عن أمم اتكالية عاجزة لا تستطيع أن تستقل بأمر من أمورها الصغيرة أو الكبيرة، فهزمت هزائم ساحقة في كل الميادين، وصاروا أتباعا في كل شيء، محتاجين في أقل شئونهم إلى من يكون إليه القيام به وإلى من يتوكلون عليه، مستسلمين لما يقوله ذلك الغير ولما يفعله، معترفين له بالعجز والضعف.
ويضرب لنا القصيمي مثلا علميًّا حيًّا لسوء فهم العامة لمعنى التوكل والأسباب والمسببات فيقول:
"يصادف وأنت تسير في الأحياء الوطنية، الحين بعد الحين، هذان البيتان من الشعر الركيك، مكتوبين على المتاجر والمصانع:
ملك الملوك إذا وهب ... لا تسألن عن السبب
стр. 8671
الله يعطي من يشاء ... فقف على حد الأدب
وهذا تعبير بليغ صادق عن الروح الشعبية العامة، ولكنهم يشتركون في هذه العقيدة من كتبوا ذلك على متاجرهم ومصانعهم ومن لم يكتبوه (١).
وقد رد عليه طائفة من العلماء والكتاب أقواله، وبينوا أن الأسباب ليس معناها عدم الحاجة إلى العناية الإلاهية، وهذا ظاهر.
قال الأستاذ عبد الله عبد الجبار:
الديانات وتعويق المجتمعات:
وفي هذا الطور تنوعت مطالعات القصيمي واتسعت حتى شملت دراسة آراء الفلاسفة والمفكرين الغربيين، ومما لا شك فيه أنه قد قرأ دارون ونيتشة، وغوستاف لوبون، وغيرهم وتأثر بآرائهم ونزعاتهم حتى إن الفكرة التي يلح عليها إلحاحا شديدًا في كتابه هذه هي الأغلال - وهي فكرة تعويق الديانات السماوية للحضارات وتقدم المجتمعات - قد اقتبسها من (غوستاف لوبون) وتطوع لشرحها وضرب الأمثال عليها "فالإغريق والرومان والمصريون القدماء وغيرهم من الشعوب القديمة أبدعوا لأنهم كانوا يبالغون جدًّا في حب مظاهر هذه الطبيعة حتى عهدوها وصيروها كل أملهم ورجائهم المنشود.
الإيمان بالآخرة وتعطيل الحياة:
ومن آراء القصيمي في هذه الفترة أن الإيمان بالحياة والآخرة تعطيل لحياة المؤمن بها عن العمل المنتج المثمر، فينصرف عن أمور الدنيا، لأن همه متعلق بالآخرة والاستعداد لقائها "لا خلاف في أن أسمى هذه الآمال وأقواها في الاجتذاب
стр. 8672
والتوجيه والسلطان هو ذلك الأمل الضخم الأبدي في تلك الحياة الضخمة الأبدية التي ينال فيها المرء الخلود وكل ما يرجي من حاجات الجسم والنفس بدون أن يكدر ذلك شيء من المكدرات المعروفة التي تشوب لذائذ هذه الحياة الأولى القصيرة، والتي نملؤها بالخوف والاكتئاب فإذا ما استطاع إنسان أن يتمثل هذا الأمل وأن يغني ويتغني به، وأن يصف تصوره والتفكير فيه وفي لذة الظفر به والوصول إليه والحصول عليه، فلا محالة من أن يشغله ذلك عن كل شيء في هذا الوجود، وقد يطغى عليه وعلى وجوده حتى لا يدع منه لهذه الحياة شيئًا، وقد يدع شيئًا قليلًا أو كثيرًا، والاختلاف في هذا راجع إلى الاختلاف في قوة اجتذاب هذا الأمل الأخروي وضعفه.
وقد يغني عن هذه الحياة ويغيب عنها مع أنه فيها، لأنه ليس من أهلها، لا ينافس ولا يغاضب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يحارب أو يسالم من أجل شي فيها، ويصير كذلك الرجل الورع الذي صرفه ورعه ودينه عن كل ما هنا حتى قال فيه معاوية بن أبي سفيان - وهو يضع خطوط الطريق لابنه يزيد: "أما فلان فقد أعجزه الورع، فدع له دينه يدع لك دنياك".
فإذا لاحظنا أن المتدينين - أفرادا وشعوبا - عجزوا عن إيجاد الحياة وعن التحليق - بالصناعة أو الزراعة أو التجارة أو العلوم المادية الإنسانية، أو عن شيء ما من وسائل الحياة وأسبابها، فلنعلم أن أحد أسباب هذا العجز هو هذا التصور لهذا الأمل العظيم والانصراف إليه بأكثر العقل وأكثر العمل وأعظم الاهتمام.
ومن المعلوم أن أوروبا يوم أن كانت مؤمنة بالكنيسة متدينة كانت في ذلك الهوان والضعف والعجز الذي نعرفه ونقرؤه، فلما أن مرقت من إيمانها وتنازلت عن ذلك الأمل الأخروي، وجعلت الصناعة والتجارة والحياة الكبيرة القوية هي آلهتها التي وحدتها وأبت الإشراك بها، صعدت بالحياة هذا الصعود الذي أعجز أبصارنا تصوره والنظر إليه، وقد قال أحد الفلاسفة الإنجليز المعاصرين المدرسين اليوم في
стр. 8673
إحدى الجامعات البريطانية - وهو ملحد كما هو ظاهر - "إن أوروبا لم تستطع أن تكون أوروبا إلَّا بعد أن اعتقت نفسها من رق الإيمان بالآخرة وبالله" (١).
ولكن خصوم القصيمي أنكروا عليه هذا الاتجاه وأخذوا عليه مدحه أوروبا وروسيا وأمريكا وتمجيده لإلحادهم.
وهذا أحدهم يحمل مقرعة ضخمة وينزل بها على أم رأس القصيمي فيقول في التعليق عليه: "هذا الكلام هجاء وذم للإيمان بالآخرة وذم لأتباع الأنبياء، فهو يذم أوروبا المتدينة المؤمنة بالآخرة، فالإيمان باليوم الآخر هو المغل الذي آخر القوم في نظره أيام أن كانوا متدينين به، ثم هو أيضًا يمدح أوروبا الملحدة التي لا تعترف بإله غير الدنيا والعمل فيها ثم إغراء على نبذ الإيمان بالآخرة وإعتاق للإلحاد، وهذا الملحد قد سبق القوم فإنهم بالرغم من تحللهم ونبذهم دينهم عملًا فلا تزال قلوبهم وألسنهم وتقاليدهم مسيحية نصرانية، أما تلميذهم وتابعهم - القصيمي - فقد سبقهم بمراحل بعيدة.
إن من يذهب إلى أوروبا وأمريكا يرى ذلك ويلمسه، بل ويرى التعصب المجسم ضد الإسلام، بل يرى البغضاء والعصبية بين البروتستانت والكاثوليك والأرثوذكس، وهذا الرجل من جهله بدين سادته الغربيين قد أبعد النجعة وأغرق في المرمى.
ثم تأمل قوله: وتنازلت عن ذلك الأمل الأخروي تلمس فيه عداوة للآخرة وأن التدين بها من الأمور المؤخرة الجالبة للعجز والهوان، ثم ما هذا التقدم الذي تتغنى به عن أوروبا؟ فأخلاقها فاسدة ودينها ضائع ونفوسها سبعية وقوانينها جائرة، ولكن الأعمى لا يبصر الدرك فلابد من سقوطه، ثم قوله: صعدت صعودًا أعجز أبصارنا تنوره فإنه إغراء النبذ الدين واللحاق بالقوم في فسادهم وإلحادهم ... " (٢).
стр. 8674
الكتب الموروثة وتقديس القدماء:
في الطور السابق كان القصيمي يهلل لكل كتاب في الدين تقذفه المطابع للأسواق ويتناوله بالتقديس والتقدير، ولكنه في هذا الطور ينظر إلى كثير من كتب الدين على أنها ميراث تقيل ملقى في طريق المسلمين يعوقهم عن التقدم، ولا سبيل للخلاص إلَّا بالشك والكفر بهذا الميراث كما قال:
"إن العاقل لتأخذه الحيرة البالغة متى أتيح له أن ينظر في هذه الكتب المسنة التي تخرجها المطابع تباعا ليلتهمها القراء بشره ولذة، وأتيح له أن يرى ما تحمل من جهالات، بل من جنون وخبل، ثم رأى كيف يقبل عليها ويقبلها قوم قيل: إنهم عقلاء، وقيل: إنهم مؤمنون، وقيل: إنهم خيرون بدون أن يجدوا فرصة للشك فيها، وبدون أن يجدوا أذانا تصغي لنقدها والإعتراض عليها، بل بدون أن يتركوا لغيرهم أن ينقد أو يعترض أو يشك".
ثم قال القصيمي:
"إني لأنظر إلى هذا الميراث الثقيل الباهظ الملقي في طريق المسلمين، وإلي هذه الأسفار التي تروع أعدادها ويعجز تحدادها - وما فيها مما لا يستقيم لأمة أمرها ووجودها معه - فأفزع وتذهب بي الأفكار في كل وجه، ثم تؤوب بي مجتمعة مجمعة على أنه لا خلاص إلَّا إذا استطعنا أن نكفر بهذا الميراث، وعلى أنه لا يمكن الكفر به إلَّا إذا عرفنا كيف ننزل مورثينا إياه عن هذه العروش السماوية التي صنعناها لهم على حساب قوانا العقلية والدينية ثم أجلسناهم عليها، ثم جثونا تحتهم نسبح بحمدهم ونقدسهم وننزههم عن كل ما يخطر بالبال من إثم أو نقص أو ضعف، فهل من سبيل إلى هذا؟ على أنه لا سبيل سواه؟ " (١).
стр. 8675
معجزات النبوة بين الإيمان والإنكار:
في مرحلة التدين كان القصيمي يؤمن بالمعجزة ويدافع عنها ويشير إلى كتبها المختلفة ككتاب دلائل النبوة للبيهقي، ودلائل النبوة لأبي نعيم، ويدخل في نقاش طويل مع الدكتور محمد حسين هيكل ليثبت المعجزات لا بصحة روايتها فحسب، وإنما بتعليلها تعليلا علميا أيضًا، ولنستمع إليه وهو يخاطب الدكتور هيكل، فيقول:
"هذه الكتب كلها تثبت أن الماء تارة ينبع من بين أصابعه ﵇ لما أن جهده والمسلمين العطش وكانوا سفرا حتى كاد الموت يدركهم، وقد روي هذه المعجزة ممن حضروها من لا نستطيع الآن إحصاءهم.
وتارة تجد الطعام يزيد بين يديه ﵇ بدعائه ورغبته إلى الله وقد صحت هذه المعجزة في أصح كتب الحديث عن رجال كثيرين ممن أكلوا منها وشهدوا ولا تتعاظمك أيها القارئ هذه المعجزة حتى تقع في إنكارها، فإن علماء الكيمياء الآن يستخلصون من الهواء والنبات ونحوه طعاما عند الحاجة والضرورة الحاكمة" (١).
أما في هذا الطور: طور هذه هي الأغلال، فأصبح يؤمن بلزوم المسببات الأسبابها وعدم تخلفها أبدًا، وفي ذلك يقول: أما تخلف المسببات عن الأسباب فهذا ما لا يكون أبدًا وإذا تم السبب وجد المسبب لا محالة، ولا يقع شيء في هذه الدنيا إلَّا إذا اجتمعت أسبابه وإذا اجتمعت أسبابه فلابد من وقوعه على كل حال" (٢).
كل شيء - في نظره - قائم على أسبابه الطبيعية وعلله الحاكمة المحكومة، وطبيعي أن هذا الإيمان بالأسباب الطبيعية التي لا تتخلف يقتضي
стр. 8676
إنكار المعجزات التي لا تخضع لمنطق العلية أو المسببة.
المشكلة التي لم تحل:
وقد جعل القصيمي من فصول كتابه: "هذه هي الأغلال" روافد تصب في مجرى واحد، أو أفكار ومقدمات تفضي إلى نتيجة واحدة جد خطيرة هي: "أن أساس المزالق الفكرية - التي تؤخر المجتمعات وتعطل قوى الأفراد - قائم كله على التدين الباطل - أو على الفكرة الدينية من حيث هي.
أسلوبه التعبيري:
أما عبارته في هذا الطور، فعبارة قوية محكمة تدل على أن صاحبها قد تمرس بأقوى الأساليب العربية الرصينة، حتى دان له هذا الأسلوب المحكم الذي لا تنكره روح العصر الحديث، وإن كانت تميل إلى السهولة وقصر الجمل والفقرات، على عكس ما نجده عند القصيمي من ميل إلى المتانة وطول الجمل والعبارات.
والموضوعات التي تناولها القصيمي في هذه المرحلة - وإن اختلفت وجهاتها لأن بعضها يتناول النواحي الدينية، وبعضها المشاكل الاجتماعية وبعضها القضايا الجدلية وبعضها الأفكار العصرية - تتفق جميعًا في أنها تفضي الغرض واحد، وأنها تحتاج إلى دقة في التناول والعرض، وقدرة فائقة على الشرح والتفصيل، ولماحية شديدة في المناقشة والحجج، وقد استطاع القصيمي أن يصل إلى كل ذلك لا ببراهينه العقلية وقدرته الجدلية، وسعة اطلاعه فحسب، وإنما بمقدرته البيانية التي خففت من جفاف المنطق، وصرامة الجدل، وأضفت عليها جوا من الطلاوة والروعة والجمال في كثير من الأحيان، وقد ساعده على ذلك براعة في التصوير وضرب الأمثلة التي يرفدها رصيد ضخم من الألفاظ الدقيقة لكل معنى يريد.
стр. 8677
الطور الثالث: طور الانفجار:
ويتسم هذا الطور بتحطيم كل القيود، وإزاحة كل الأغلفة الرقيقة أو السميكة التي كان يغلف بها آراءه في الطور الماضي، إنه طور انفجار عام.
ونلاحظ على القصيمي في هذا، تطويرا لبعض آرائه، وكشف القناع عن بعضها الآخر وتنازلا عن بعضها الثالث ليحل محلها ما يناقضها تمامًا.
الثورة على العقيدة:
في المرحلة السابقة كان القصيمي ينعي على العرب والمسلمين ضعفهم وتخلفهم المشين عن ركب الحضارة والحياة الإنسانية التي تغذ السير إلى ما يشين الكمال.
ويعزو هذا التخلف إلى الفهم الخاطئ للدين الصحيح، ذلك الفهم الذي تتجلى بعض سماته في عدم إيمان المسلمين بالإنسان، وبقواه النفسية الدافعة.
وفي تمجيدهم للفقر، والحياة السلبية، وفهم التوكل على أنه العجز والانعزال عن الإنتاج والعمل، وتعطيل نصف الأمة وهو المرأة عن القيام بدورها الحيوي في البناء، والركون إلى الثقافة الجامدة الميتة المثبطة للهمم عن الحركة والحياة، وانتشار الدروشة والطرق الصوفية ... الخ.
وأبان أن هذه الصفات وأمثالها، إن هي إلَّا افتراء على الدين وأثبت ما يقوله بحجج عقلية ونصوص دينية، ومعنى هذا أن هجومه في تلك المرحلة في الغالب لم يكن منصبًا على الدين، وإنما على المشعوذين والمضللين والسلبيين من رجال الدين، ولكنه في هذه المرحلة الجديدة، انطلق انطلاقة أخرى، فإذا هو يهاجم العقائد والمعتقدين، فالعقيدة في رأيه ضعف وعبودية واستسلام والمعتقد جبان ضعيف وقاف، والسر في أن العرب ضعاف متخلفون هو أنهم ظلوا علي مدى التاريخ معتقدين لا مفكرين، وفي كل الأمم وجد العمالقة الذين تسميهم
стр. 8678
المجتمعات بالزنادقة - أولئك البناءون الهدامون على مدى التاريخ - إلَّا الأمة العربية، فإنها لم تلد واحدًا من هؤلا المردة.
ولما قلت: إن التاريخ العربي عرف كثيرًا من هؤلاء الزنادقة والملحدين، أجابني بقوله: لا، هؤلاء مساكين، إني أعتبرهم مؤمنين أما الملحدون الذين أعنيهم فلم يخلفهم العرب".
ويقارن بين التفكير والاعتقاد وأثر كل منهما في الشعوب فيقول: "التفكير والاعتقاد حقيقتان متعارضتان، فالذين يأخذون الأمور بالاعتقاد لا يفكرون، والذين يأخذونها بالتفكير لا يعتقدون، والتفكير صورة من صور الخلق والعطاء، أما الاعتقاد فأسلوب من أساليب الاستسلام والعبودية.
وهذا هو السبب في أن المفكرين دائما أقوياء غالبون، بينما المعتقدون دائما ضعفاء مغلوبون، إن الاعتقاد ضد التفكير بقدر ما أن التقهقر ضد التقدم.
لم يقفز التطور الفكري العربي في مداه كله إلى القمة التي ينطلق منها المفكرون الأحرار المردة الهدامون (أي الزنادقة) الذين يهدمون القديم ليقيموا مكانه طورًا جديدًا من أطوار التاريخ" (١).
ثم ينقل الأستاذ عبد الله عبد الجبار عن القصيمي من الخزعبلات والأفكار الفلسفية ما ينبغي أن يتنزه العاقل عن نقله (٢).
من القول بالتطور إلى القول بالطاقة:
في المرحلة السابقة كان القصيمي يؤمن بالتطور إلى الأكمل والأحسن ويفسر به كل شيء، وإذا وجدنا عجزا في الأحياء عن الامتداد في الحياة فمعنى
стр. 8679
هذا أن المادة التي تألفت منها أجسام هذه الأحياء وبنيت منها أعضاؤها وشيدت عليها دقائقها، مادة لم تكمل الكمال الذي يعطيها قوة البقاء في صورها ومظاهرها ولكن ليس معنى هذا أنها ليست سائرة إلى هذا الكمال وبالغته في وقت من الأوقات، ليس معنى هذا أن المادة التي صنعت منها آخذة في سبيل الانهيار أو سبيل العجز والتخلي عن حقيقتها وطاقتها.
ولكنه في هذه المرحلة اعترضته مشاكل جديدة فإن تفسير رقي البشرية بالتطور يحتاج بدوره إلى تفسير، لأن التطور حركة، من صاحب هذه الحركة؟
ثم إن مشكلة التفاوت في عمليات تطور الناس وتطور الأشياء لا يحلها القول بالتطور وإنما يزيدها تعقيدًا؟ وخرج من هذه الحيرة بالقول بالطاقة وفي توضيح هذه الفكرة يقول:
"كان الإنسان خامًا إنسانيًا يضطرب في مناجم التاريخ لا يعرف نفسه ولا يعرفه أحد ... فمن هو المارد العظيم الذي جعله يتسلق الفراغ الرهيب ليملأه بوجوده الكبير الحديث؟
لقد وجد أخيرا لنفسه تفسيرًا اطمأن إليه، قال: إنه هو التطور، ولكن التطور حركة فمن صاحبها؟ هو ظاهرة ورائها قوة تصنعها، والتطور في جميع صوره لا يعني أكثر من نشاط الطاقة.
فالحديث عن التطور مثل الحديث عن العمل لا يقصد به إلَّا أنه قوة مخلوقة لا خالقة ولهذا فإنه لا يجيء في درجة واحدة، وإنما يجيء متفاوتًا التفاوت الطاقات التي تحركه.
والقول بالطاقة يحل مشكلة التفاوت في عمليات تطور الناس وتطور الأشياء، أما القول بالتطور فإنه يؤكد هذه المشكلة، فالأشياء والناس يجب أن
стр. 8680
يعيشوا متساوين إذا كان التطور هو الذي يصنعهم، أما إذا كانوا يصنعون بالطاقة فكيف يتساوون ما لم تتساو طاقاتهم؟ ؟ (١).
العرب بين الطاقة والظروف:
في كتابه "هذه هي الأغلال" يبحث القصيمي سر التفاوت بين الشعوب الإسلامية المتأخرة بما فيها الأمة العربية وبين الأجناس والأمم الأخرى المتقدمة، وينتهي إلى أن "المسألة لها احتمالان أو فرضان من حيث النظر العام: أحدهما أن يقال: إن هذا التفاوت طبيعي في أصل التكوين وجبلة الفريقين، وثانيهما أن يقال: إنه تفاوت عارض له أسباب عارضة من الممكن علاجه ومن الممكن الشفاء منه.
أما الفرض الأول فليس من الممكن القول به ولا المصير إليه، وذلك أن تطور العقل البشري في جميع مراحله ومراحل وجوده، وأن تعاقب الأمم والشعوب علي عرش الحضارة وتداولها الآخذ بيد المدنية، وأن اختلاط العناصر وتمازجها، وأن ما ثبت ثبوتًا لا ينهض لهدمه شيء من استعداد كل إنسان - حسب ما يصادفه في طريقه وحياته - لأن يكون إنسانًا راقيًا مهذبًا أو إنسانًا منحطًا فاسدًا - إن ذلك كله - مضافًا إليَّ أشياء أخرى كثيرة لا يبقى لهذا الافتراض فرصة لان يكون مقبولًا قائمًا.
وهناك شيء آخر في هذه المسألة هو أعظم مما ذكرنا وأظهر: ذلك أن علماء التشريح قد أثبتوا أنه لا فرق يذكر بين جمجمة هذا الإنسان السيد الراقي اليوم وبين جماجم هذه الشعوب التي تشكو اليوم من ضعفها وهوانها، لا من ناحية الحجم ولا من ناحية التلافيف والتعقيد والوضع، فهذا الافتراض (الأول) مفروغ إذًا من بطلانه، وإذن فالافتراض الآخر هو الصحيح الواجب المصير إليه، وعليه بنينا بحثنا وكتابنا.
إن المسألة لا تعدو أن تكون تفاوتا بعيدًا في فهم الحياة وفهم سنن الوجود وفهم
стр. 8681
مابين الأسباب والمسيبات من ارتباط، وفهم الإنسان نفسه وفهم ما بين الأسباب والمسببات من ارتباط، وفهم صلات الإنسان بالإنسان وصلاته بالوجود، وفهم كل ما يقع تحت الحس والوجدان، وإن الحواجز والعوائق التي وقفت في سبيل المسلمين لا تخرج عن أن تكون عوائق معنوية نفسية اعتقادية حملوها أنفسهم فرهنت ووضعوها في طريقهم فحادوا عن الطريق، وجللوا بها الوجود فلم يفهموه ولم يعرفوا حدوده وأرجاءه وقوانينه، فتاهوا فيه وذهبوا إلى غير مذهب وسلكوا غير سبيل فاعترض طريقهم من عرفوا الطريق وأخذهم بقوة سنن الحياة من علموا سننها" (١).
أما بالنسبة للعرب فقد كان يعتقد في المرحلة السابقة " ... أن الأمة العربية في عصرها التي عرفت الجاهلية كانت أمة ذات قوي كامنة هائلة كمون كنوزها الطبيعية في أرضها، وكانت عوامل هذا الكمون وأسبابه معروفة أو على الأقل موجودة، فلما زالت هذه العوامل والأسباب برسالة محمد ﵊ وجاء ما بعث الكامن منها وثبت تلك الوثبة التي حار في تعليلها وفهمها الباحثون ... " (٢).
ولكنه ما لبث أن تحول الإيمان بطاقة العرب وتاريخهم إلى الكفر بهم وبطاقتهم وتاريخهم وإن حاول أن يتنصل في بعض الأحيان من هذا الاتهام، وفي ذلك يقول:
"لم يكن العرب أسوأ الشعوب ظروفًا ولا أحسنها ظروفًا، بل وجد من هم أفضل منهم ومن هم أسوأ في طريقهم، وقد تغلب كل أولئك - أو هم في سبيل التغلب على جميع المعوقات، فلماذا لم يتغلب العرب؟ لماذا ظل العقل العربي حتى اليوم يرفض أن يكون حرًّا - يرفض أن يكون خالقا يخلق نفسه وحياته وأوضاعه؟ ولماذا يريد دائما أن يظل عبدا مأمورا مخلوقا يتلقى ذاته من وراء
стр. 8682
ذاته، ويتلقى الأوامر التي تشعره بأنه مخلوق لا خالق؟ هل النقص في الطاقة أم في الظروف؟ أحب أن أذهب دائما إلى القول بالاحتمال الأخير وإن كنت الآن عاجزًا عن التدليل عليه .. " (١).
هذا كلام القصيمي ورد عليه الأستاذ عبد الله عبد الجبار بإيراد أمثلة تبطله نقلًا عن عقلاء من الإفرنج.
قال: يقول المستشرق دوزي في كتابه (تاريخ المسلمين في أسبانيا): "لقد كان الفتح العربي نعمة بالنسبة لأسبانيا لأنه أدى إلى ثورة اجتماعية مهمة، وأزال قسما كبيرًا من المساوئ التي كانت تئن تحت عبئها منذ عصور طوال، وقد خففوا عبء الضرائب، وانتزعوا من أيدي الأغنياء الأرض التي كان يتقاسمها الإقطاعيون ويزرعها الفلاحون الأقنان، أو العبيد الناقمون، ووزعوها بالتساوي على من كانوا يشتغلون فيها، فعكف الملاك الجدد على استثمار الأرض التي كان يتقاسمها الإقطاعيون، ويزرعها الفلاحون الأقيان، أو العبيد الناقمون بحماسة شديدة واستخرجوا منها محصولا أوفر من قبل.
أما التجارة فقد تحررت من قيود الحدود والمكوس الفادحة التي كانت ترهقها، وتطورت تطورا ملحوظا، وكان القرآن يسمح للعبيد بالتحرر نظير تعويض نصف فبرزت من جراء ذلك قوى اجتماعية جديدة.
وقد أفضت هذه التدابير كلها إلى حالة من الرخاء العام، كانت الحافز الأول للترحاب الذي استقبل به الحكم العربي في عهده الأول".
وإن أمثال هذه الشهادات الناصعة من الغربيين هي التي حملت بعض المنصفين منهم أن يعتبروا معركة (بواتييه) التي انهزم فيها العرب نذير شؤم
стр. 8683
على أوروبا والإنسانية عامة، ولقد أضاعت فرنسا فرصة تاريخية للاشتراك في الحضارة العربية التي ازدهرت بعد ذلك بزمن وجيز، أي أنها فقدت فرصة عظيمة لاختصار عهد الفوضى الإقطاعية وتكوين وحدتها القومية.
ويقول أناتول فرانس بظرفه البارع في الحياة المزهرة): "سأل السيد دوبوا - مرة - السيدة نوزبية، ما هو أكثر أيام التاريخ شؤمًا؟ فلم تستطع السيدة نوزبية الإجابة على هذا السؤال، وحينئذ قال السيد دوبوا: إن أكثر أيام التاريخ شؤمًا هو اليوم الذي جرت فيه معركة (بواتييه) في سنة ٧٣٣ حين تراجع العلم والفن العربيان والحضارة العربية أمام البربرية الفرنجية" (١).
ونجمل القول بشهادة أحد كتاب الفرنجة عن أثر الحضارة العربية في الحضارة الغربية حيث يقول: "إن العلوم والفنون والآداب العربية قد كونت حلقة اتصال بين الحضارات القديمة والحضارات الحديثة والثقافة، وإن الحضارة التي قدمها العرب للأقطار التي فتحوها قد بقيت مدة أطول من سلطان الفاتحين أنفسهم.
ونحن ندين لهم - بطريق مباشر أو غير مباشر - بإحياء العلوم والفلسفة في أوروبا والغرب حيث كانوا أول الموقظين والباعثين لروح النقد والبحث والاستقصاء التي كان لها أثر كبير في إنقاذ أوروبا من سبات جهالة الرهبنة وضلالة التعصب الديني، ويعزى إليهم أخيرًا بطريق غير مباشر معظم تلك الفنون المفيدة والاختراعات العملية التي بلغت حدا من الكمال بجهود الأمم في العصور الحديثة، ومهما اتسعت دولة السيف العربية عن طريق القوة فإنها أضيق مدى واتساعًا، وأقل خلودًا وبقاء من دولة الفكر العربي" (٢).
стр. 8684
ملامح وسمات وتأثرات:
الجدل والحجاج المفحم:
إذا كان القصيمي في منتدى أو مجلس خاص سيطر على الحاضرين بحديثه العذب ولغته الفصحى وبشخصيته القوية وذكائه الوقاد، وعارضته الكاسرة، وحجاجه المفحم.
تراه يأخذ موقف المعلم فيسهب في الحديث لتوضيح فكرته الجديدة أو الموضوع الذي يطرحه للبحث حتى إذا اعترضته بسؤال أخذ يداورك وبدلًا من أن تكون سائلا تصبح مسئولا ويمطرك بالأسئلة المتلاحقة ولا تكاد تبدأ في الإجابة عن السؤال حتى يفاجئك بسؤال ثان فثالث فرابع، وهكذا يفحمكم ويسكتك، وهو دائما بلد المشاكل، ويثير المشكلة تلو المشكلة بأسلوب سقراطي ويلذ له أن يكون مسيطرًا على النقاش دائما، وبين حين وآخر يشد سامعيه بعبارة من عباراته القوية المركزة التي تجري مجرى الحكم والأمثال فيؤخذون ببلاغتها أكثر مما يفكرون بحقيقتها (١).
وإذا صمدت له بحجج قوية تشبث بأضعفها في تقديره وجملها مدار النقاش وترك باقيها، فهو جدلي بارع يعرف كيف يروغ ويزوغ، حتى إذا شعر بضعف موقفه - وقلما يحدث هذا - انصرف عن المجلس (٢).
القلق والإقلاق:
وكثيرًا ما يستعمل النقاش ويحتدم ساعات متتاليات دون أن يصل إلى نتيجة فكأن مهمته أن يحرك العقول الراكدة للتفكير ولتقليب وجهات النظر ولو لم تعثر على الحقيقة.
стр. 8685
الإقلاق الفكري أحد أهدافه الكبرى سواء في أحاديثه ومناقشاته الكلامية، أم في مقالاته في الصحف والمجلات، يقول في تمهيده لمقالته عن "طاقة الحياة أم إرادة البقاء" (١).
القلم الذي نحتاج إليه هو الذي يثيرنا ويتعبنا، وليس الذي يتحول إلى هتاف في الأسواق وإلى تشجيع متكرر للانفعالات الحانقة الضاربة في الفراغ كما تصنع أقلام كثيرة.
لا يحتاج القارئ العربي إلى أن تثار مشاعره فحسب، بل هو محتاج إلى أكثر من ذلك، محتاج إلى تعقيل هذه المشاعر وإلى تشييد خزانات ضخمة لها التحفظها من التبخر والتسرب والفيضان في شكل سباب وادعاء وصياح وتفاؤل بليد يصنعه العجز واليأس من مجاراة الأقوياء.
أفضل ما يجب على كتابنا اليوم أن يخرجوا بفكرة عن الراحة والاستقرار إلى مخاطر التعب والقلق - أن يثيروا أشواقه إلى المجهول، وإلى الأسفار البعيدة، ويعلموه القفز فوق الحواجز وعرض اللجج، ويشككوه في قيمة الإعجاب بالنفس والوقوف عندها.
لقد آن لوعينا أن يمل الإقامة الدائمة في مكان واحد، إنه من غير تحرك زماني لا حياة ومن غير تحرك فكري لا حضارة، استراحة الفكر آفة تتصيد الهاربين من التعامل مع الأحداث إذا استراح فكر أمة انتهى تأثيرها في التاريخ، الفكر كائن يعيش بالاحتمال، فهو ينمو بالارتحال والمغامرة ويضمر بالوقوف والخوف.
نحن الآن نعاني قلقا انفعاليًا خطيرًا ولكننا لا نعاني مثله في تفكيرنا، وإذا لم تتناسب الانطلاقات الفكرية والعملية لمجتمع من المجتمعات مع انطلاقاته العاطفية أصبح كالجيش الذي يفجر أسلحته في معسكراته ولا يصوبها إلى الأهداف الخارجية.