مابين الأسباب والمسيبات من ارتباط، وفهم الإنسان نفسه وفهم ما بين الأسباب والمسببات من ارتباط، وفهم صلات الإنسان بالإنسان وصلاته بالوجود، وفهم كل ما يقع تحت الحس والوجدان، وإن الحواجز والعوائق التي وقفت في سبيل المسلمين لا تخرج عن أن تكون عوائق معنوية نفسية اعتقادية حملوها أنفسهم فرهنت ووضعوها في طريقهم فحادوا عن الطريق، وجللوا بها الوجود فلم يفهموه ولم يعرفوا حدوده وأرجاءه وقوانينه، فتاهوا فيه وذهبوا إلى غير مذهب وسلكوا غير سبيل فاعترض طريقهم من عرفوا الطريق وأخذهم بقوة سنن الحياة من علموا سننها" (١).
أما بالنسبة للعرب فقد كان يعتقد في المرحلة السابقة " ... أن الأمة العربية في عصرها التي عرفت الجاهلية كانت أمة ذات قوي كامنة هائلة كمون كنوزها الطبيعية في أرضها، وكانت عوامل هذا الكمون وأسبابه معروفة أو على الأقل موجودة، فلما زالت هذه العوامل والأسباب برسالة محمد ﵊ وجاء ما بعث الكامن منها وثبت تلك الوثبة التي حار في تعليلها وفهمها الباحثون ... " (٢).
ولكنه ما لبث أن تحول الإيمان بطاقة العرب وتاريخهم إلى الكفر بهم وبطاقتهم وتاريخهم وإن حاول أن يتنصل في بعض الأحيان من هذا الاتهام، وفي ذلك يقول:
"لم يكن العرب أسوأ الشعوب ظروفًا ولا أحسنها ظروفًا، بل وجد من هم أفضل منهم ومن هم أسوأ في طريقهم، وقد تغلب كل أولئك - أو هم في سبيل التغلب على جميع المعوقات، فلماذا لم يتغلب العرب؟ لماذا ظل العقل العربي حتى اليوم يرفض أن يكون حرًّا - يرفض أن يكون خالقا يخلق نفسه وحياته وأوضاعه؟ ولماذا يريد دائما أن يظل عبدا مأمورا مخلوقا يتلقى ذاته من وراء
стр. 8682
ذاته، ويتلقى الأوامر التي تشعره بأنه مخلوق لا خالق؟ هل النقص في الطاقة أم في الظروف؟ أحب أن أذهب دائما إلى القول بالاحتمال الأخير وإن كنت الآن عاجزًا عن التدليل عليه .. " (١).
هذا كلام القصيمي ورد عليه الأستاذ عبد الله عبد الجبار بإيراد أمثلة تبطله نقلًا عن عقلاء من الإفرنج.
قال: يقول المستشرق دوزي في كتابه (تاريخ المسلمين في أسبانيا): "لقد كان الفتح العربي نعمة بالنسبة لأسبانيا لأنه أدى إلى ثورة اجتماعية مهمة، وأزال قسما كبيرًا من المساوئ التي كانت تئن تحت عبئها منذ عصور طوال، وقد خففوا عبء الضرائب، وانتزعوا من أيدي الأغنياء الأرض التي كان يتقاسمها الإقطاعيون ويزرعها الفلاحون الأقنان، أو العبيد الناقمون، ووزعوها بالتساوي على من كانوا يشتغلون فيها، فعكف الملاك الجدد على استثمار الأرض التي كان يتقاسمها الإقطاعيون، ويزرعها الفلاحون الأقيان، أو العبيد الناقمون بحماسة شديدة واستخرجوا منها محصولا أوفر من قبل.
أما التجارة فقد تحررت من قيود الحدود والمكوس الفادحة التي كانت ترهقها، وتطورت تطورا ملحوظا، وكان القرآن يسمح للعبيد بالتحرر نظير تعويض نصف فبرزت من جراء ذلك قوى اجتماعية جديدة.
وقد أفضت هذه التدابير كلها إلى حالة من الرخاء العام، كانت الحافز الأول للترحاب الذي استقبل به الحكم العربي في عهده الأول".
وإن أمثال هذه الشهادات الناصعة من الغربيين هي التي حملت بعض المنصفين منهم أن يعتبروا معركة (بواتييه) التي انهزم فيها العرب نذير شؤم
стр. 8683
على أوروبا والإنسانية عامة، ولقد أضاعت فرنسا فرصة تاريخية للاشتراك في الحضارة العربية التي ازدهرت بعد ذلك بزمن وجيز، أي أنها فقدت فرصة عظيمة لاختصار عهد الفوضى الإقطاعية وتكوين وحدتها القومية.
ويقول أناتول فرانس بظرفه البارع في الحياة المزهرة): "سأل السيد دوبوا - مرة - السيدة نوزبية، ما هو أكثر أيام التاريخ شؤمًا؟ فلم تستطع السيدة نوزبية الإجابة على هذا السؤال، وحينئذ قال السيد دوبوا: إن أكثر أيام التاريخ شؤمًا هو اليوم الذي جرت فيه معركة (بواتييه) في سنة ٧٣٣ حين تراجع العلم والفن العربيان والحضارة العربية أمام البربرية الفرنجية" (١).
ونجمل القول بشهادة أحد كتاب الفرنجة عن أثر الحضارة العربية في الحضارة الغربية حيث يقول: "إن العلوم والفنون والآداب العربية قد كونت حلقة اتصال بين الحضارات القديمة والحضارات الحديثة والثقافة، وإن الحضارة التي قدمها العرب للأقطار التي فتحوها قد بقيت مدة أطول من سلطان الفاتحين أنفسهم.
ونحن ندين لهم - بطريق مباشر أو غير مباشر - بإحياء العلوم والفلسفة في أوروبا والغرب حيث كانوا أول الموقظين والباعثين لروح النقد والبحث والاستقصاء التي كان لها أثر كبير في إنقاذ أوروبا من سبات جهالة الرهبنة وضلالة التعصب الديني، ويعزى إليهم أخيرًا بطريق غير مباشر معظم تلك الفنون المفيدة والاختراعات العملية التي بلغت حدا من الكمال بجهود الأمم في العصور الحديثة، ومهما اتسعت دولة السيف العربية عن طريق القوة فإنها أضيق مدى واتساعًا، وأقل خلودًا وبقاء من دولة الفكر العربي" (٢).
стр. 8684
ملامح وسمات وتأثرات:
الجدل والحجاج المفحم:
إذا كان القصيمي في منتدى أو مجلس خاص سيطر على الحاضرين بحديثه العذب ولغته الفصحى وبشخصيته القوية وذكائه الوقاد، وعارضته الكاسرة، وحجاجه المفحم.
تراه يأخذ موقف المعلم فيسهب في الحديث لتوضيح فكرته الجديدة أو الموضوع الذي يطرحه للبحث حتى إذا اعترضته بسؤال أخذ يداورك وبدلًا من أن تكون سائلا تصبح مسئولا ويمطرك بالأسئلة المتلاحقة ولا تكاد تبدأ في الإجابة عن السؤال حتى يفاجئك بسؤال ثان فثالث فرابع، وهكذا يفحمكم ويسكتك، وهو دائما بلد المشاكل، ويثير المشكلة تلو المشكلة بأسلوب سقراطي ويلذ له أن يكون مسيطرًا على النقاش دائما، وبين حين وآخر يشد سامعيه بعبارة من عباراته القوية المركزة التي تجري مجرى الحكم والأمثال فيؤخذون ببلاغتها أكثر مما يفكرون بحقيقتها (١).
وإذا صمدت له بحجج قوية تشبث بأضعفها في تقديره وجملها مدار النقاش وترك باقيها، فهو جدلي بارع يعرف كيف يروغ ويزوغ، حتى إذا شعر بضعف موقفه - وقلما يحدث هذا - انصرف عن المجلس (٢).
القلق والإقلاق:
وكثيرًا ما يستعمل النقاش ويحتدم ساعات متتاليات دون أن يصل إلى نتيجة فكأن مهمته أن يحرك العقول الراكدة للتفكير ولتقليب وجهات النظر ولو لم تعثر على الحقيقة.
стр. 8685
الإقلاق الفكري أحد أهدافه الكبرى سواء في أحاديثه ومناقشاته الكلامية، أم في مقالاته في الصحف والمجلات، يقول في تمهيده لمقالته عن "طاقة الحياة أم إرادة البقاء" (١).
القلم الذي نحتاج إليه هو الذي يثيرنا ويتعبنا، وليس الذي يتحول إلى هتاف في الأسواق وإلى تشجيع متكرر للانفعالات الحانقة الضاربة في الفراغ كما تصنع أقلام كثيرة.
لا يحتاج القارئ العربي إلى أن تثار مشاعره فحسب، بل هو محتاج إلى أكثر من ذلك، محتاج إلى تعقيل هذه المشاعر وإلى تشييد خزانات ضخمة لها التحفظها من التبخر والتسرب والفيضان في شكل سباب وادعاء وصياح وتفاؤل بليد يصنعه العجز واليأس من مجاراة الأقوياء.
أفضل ما يجب على كتابنا اليوم أن يخرجوا بفكرة عن الراحة والاستقرار إلى مخاطر التعب والقلق - أن يثيروا أشواقه إلى المجهول، وإلى الأسفار البعيدة، ويعلموه القفز فوق الحواجز وعرض اللجج، ويشككوه في قيمة الإعجاب بالنفس والوقوف عندها.
لقد آن لوعينا أن يمل الإقامة الدائمة في مكان واحد، إنه من غير تحرك زماني لا حياة ومن غير تحرك فكري لا حضارة، استراحة الفكر آفة تتصيد الهاربين من التعامل مع الأحداث إذا استراح فكر أمة انتهى تأثيرها في التاريخ، الفكر كائن يعيش بالاحتمال، فهو ينمو بالارتحال والمغامرة ويضمر بالوقوف والخوف.
نحن الآن نعاني قلقا انفعاليًا خطيرًا ولكننا لا نعاني مثله في تفكيرنا، وإذا لم تتناسب الانطلاقات الفكرية والعملية لمجتمع من المجتمعات مع انطلاقاته العاطفية أصبح كالجيش الذي يفجر أسلحته في معسكراته ولا يصوبها إلى الأهداف الخارجية.
стр. 8686
اللاهدفية:
وما يؤخذ على القصيمي في كثير من مناقشاته في المجالس الخاصة أنه لا يرمي إلَّا إلى إثارة القلق، ومع أن إثارة القلق مطلب محبب لإحياء القوى الراكدة وتنبيه العقول الجامدة، إلَّا أنه إذا كان حركة بلا هدف كان ضئيل الجدوى إن لم يكن عقيمها.
وهذه اللاهدفية تتبين لنا حين يبسط القصيمي رأيه في العمل وعلاقته بالسعادة، فالناس - كما يرى - يحطمون سعادتهم التي بلغوها بالعمل، إن لم يجدوا ما يعملون، لأنه قد ركب في فطرتهم أن يعملوا من أجل العمل وحسب "إن الذكورة تلتقي بالأنوثة كما يلتقي النهر العاشق بالحقول المنبسطة، والناس من أجل هذا لا يعملون ليحققوا السعادة التي لا يتخيلون وإنما يعملون من أجل العمل، ولو أنهم بلغوا السعادة ولم يجدوا ما يعملون لراحوا يدمرون سعادتهم ليعودوا مرة أخرى يعملون لتحصيلها، فالسعادة ليست محصولًا بل فكرة تتحول إلى محاولة، السعادة هي العمل للسعادة حيثما تكون مفقودة والعمل ضدها لو كانت موجودة ... ".
إن القصيمي بهذا ينكر أنبل ما في الإنسانية، وهو الهدفية (١).
أسلوبه التعبيري:
واصل الأستاذ عبد الله عبد الجبار كلامه عن القصيمي فذكر كلامًا تركناه، لأننا لا نرى ضرورة لنقله، ثم قال:
أما أسلوبه في هذه المرحلة، فقد بلغ أعلا ذروة وصل إليها فن هندسة الكلام على الأنماط العربية الرصينة التي تؤدي بدقة ووضوح وجمال.
وإذا كانت شخصية القصيمي الفكرية والفنية قد بدت بوضوح في كتابه
стр. 8687
(هذي هي الأغلال) فإنها في هذه المرحلة الثالثة أكثر تميزًا ووضوحًا، والذين قرءوا كثيرًا للقصيمي في هذا الطور، وعرفوا طريقته في التعبير والتصوير، خليقون أن يميزوا آثاره الكتابية من آثار غيره حتى ولو لم يذيلها بتوقيعه.
ثم قال الأستاذ عبد الله عبد الجبار:
لقد أصبحت القصيمي شخصيته الفنية في الكتابة لها طابعها الفريد، والنصوص التي عرضناها له خلال دراستنا لأفكاره في طور الانفجار تكشف عن ملامح هذا الطابع.
وأولى مميزات هذه الشخصية هي (الكمالوفية) من الأفكار، وهذه الميزة استتبعت ميزة أخرى هي: (اللامالوف) من التعبيرات، مثل قوله: ليس الحكام المتسلطون إلَّا قومًا من القناصة، تهاوت نبالهم السعيدة على قطعان الخنازير الذليلة! ، وقوله: "إن شر الحكام هو المستبد المصلح، فإصلاح المستبد ليس إلَّا عملية تسويغ للاستبداد، فهو كوضع الموت في (برشامة) " وقوله: "هل رأيت من يعطي الخنجر لقاتله، ومن يحني هامته لكي يتسلق عليها اللص إلى منزله؟ ! لقد رأينا كلنا ذلك، فالشعب الذي يقيم فوقه حاكما طاغية هو ذلك القتيل الذي يعطي قاتله الخنجر، ويطأطئ هامته كي يتسلق من فوقها اللص! ! والقاتل الذي هو الحاكم - لا حول له لولا المقتول - الذي هو الشعب -! ! ".
ومن هذه المميزات أيضًا: اختياره للعناوين الغريبة لمقالاته مثل: (مقتبسات من الجيل لم تعرفه المجامع)، و (مصارعة الثيران في السياسة الدولية)، و (أفكار ضد التفكير) (١).
وأسلوبه الفني يمتاز بقوة التأثير، وإذا كان الدكتور طه حسين يرى أن خير الأدب هو ما يثير في النفس الخواطر، فإن أدب القصيمي لا يثير الخواطر
стр. 8688
فحسب، وإنما يزلزل الأفكار والنفوس، ويجعل قارئه إما معه في أقصى اليسار، وإما ضده في أقصى اليمين، ولا وسط إلَّا نادرًا.
وبين حين وآخر تصافح أعين القراء صورة فنية رسمتها ريشته المبدعة بدقة وعناية وقصد فيها إلى الجمال الفني قصدا، ومن هذه الصور قوله:
"كان الإنسان خاما إنسانيا يضارب في مناجم التاريخ لا يعرف نفسه ولا يعرفه أحد، فمن هو المارد العظيم الذي جعله يتسلق الفراغ الرهيب ليملأه بوجوده الكبير الحديث؟ " - من مقال (طاقة الحياة أم إرادة البقاء).
وقوله: "إن الذكورة تلتقي بالأنوثة كما يلتقي النهر العاشق - بالحقول المنبسطة ... " من المقال نفسه.
وقوله: "إن علينا أن نطلق مارد الفكر ليلتحم بملاك الاعتقاد، ومن التحامهما ستبرز الحقيقة الكبيرة التي لا تزال تبحث عنا، بينما نحن نبحث عن غيرها .. " من مقال (اقتباسات من الجيل لم تعرفه المجامع! ).
وقوله: " ... جميع الناس يحترقون ليكونوا شيئًا، والذي لا يحترق ليكون لهبًا وضوءا، فسيحترق ليكون دخانا ... " من مقال: (عذاب الصمت - عدد ١٨٥) ((١).
ويطيب للقصيمي أحيانًا أن يبلور أفكاره في كلمات قصار تشبه أن تكون حكمًا وأمثالًا خالدة يبثها خلال مقالاته، أو يذيلها بها، وتطالعنا منها لوحات فكرية حية، منها هذه الروائع:
- الحرية الموهوبة كالحرية المسلوبة كلتاهما عبودية .. !
- الحرية المطلقة للحاكم عبودية مطلقة للشعب .. !
стр. 8689
- إن خير الشعوب هم الذين يحكمون حكامهم، وخير الحكام هم الذين تحكمهم شعوبهم.
- إن أسوأ انتصار في هذه الدنيا هو انتصار حاكم على شعبه، وإن أنبل انتصار هو انتصار شعب على حكامه.
الناس شعوب لها حكومات، أما العرب فحكومات لها شعوب.
- لا يأكل على موائد الطغاة إلا صغار الحشرات.
- العدل والحق: كلمتان يتحدث عنهما الأقوياء، ويطالب بهما الضعفاء، ويجدهما الأغنياء.
- إن الظالم يضرب بيد المظلوم لا بيده هو.
- الحركة القوية أجدى من الفكرة الصحيحة.
- العاجزون هم الذين يبحثون عن الفكرة الصائبة خوفًا من الوقوع في الخطأ المقدام!
- أعمال القادة تتحول إلى تفكير ولكن أفكار المفكرين لا تتحول إلى قادة!
- الجماهير قوة ضاربة، لا قوة داعية.
- القائد الموهوب هو الذي يجيد أن يفعل لا الذي يجيد أن يفكر، والتفكير الرحب العميق يبدد الإرادة ويخيفها.
- العقيدة التي تعيش في معركة أقوى من التي تعيش في سلام.
- إن الأفكار الصحيحة تقوى وتنتشر كلما هوجمت وخوصمت.
ولا يكفي في تقدير هذه اللوحات الفكرية البليغة أن نقول: "إنه جمع بين الضدين في حكم واحد في اللوحة الأولى، ورتب قضية سلبية على قضية إيجابية في الثانية، واستعان بالمطابقة والمقابلة في الثالثة، أو ما أروع هذا التشبيه أو الاستعارة أو الكناية في هذه أو تلك كما تفعل الدراسات البلاغية القديمة، فهذه الملاحظات الشكلية ربما كان لها أثر في جمال هذه اللوحات، ولكنه أثر ضئيل لا
стр. 8690
يمكن أن يعبر عن سر جمالها، وحسبنا أن نقول إنها نتاج تجربة كبيرة وثقافة واسعة وتأمل عميق وذوق مهذب مستنير.
وحسبنا أن نشير إلى أن (أميل الخوري) الذي رشح لرئاسة الجمهورية اللبنانية في يوم من الأيام، قال - إثر اطلاعه على بعض مقالات القصيمي التي نشرت في (الجريدة) وبها كثير من أقواله البليغة الموجزة -: "إن أعظم مفكر عالمي ليضع اسمه تحت هذه المقالات بافتخار .. " (١).
انتهى ما نقلته من بحث (التيارات الأدبية الحديثة) الذي ألقاه الأستاذ عبد الله عبد الجبار على طلبة (معهد الدراسات العربية العالية) وقد حذفت جملًا ومقادير من كلامه مما أرى أنه لا حاجة إليه هنا.
مؤلفات القصيمي:
وهذا بيان بكتب (القصيمي) حصلت عليه مناولة من أحد المهتمين به، وليس من كتاب مطبوع أو مخطوط، قال:
كتب أصدرها أبرز مفكري العصر عبد الله القصيمي (٩٥ سنة) في مختلف مراحل حياته.
عندما أصدر كتاب (الصراع بين الإسلام والوثنية) قال بعض شيوخ السعودية: لقد ضمن الجنة القصيمي، بينما جاءت وفود من كربلاء والنجف للرياض تشكو القصيمي للملك عبد العزيز، وعندما أصدر القصيمي في المرحلة الثانية من حياته كتاب (هذي هي الأغلال) جاء وفد للطائف برئاسة الشيخ حسن البنا عام ١٩٤٨ هـ يشكو القصيمي للملك عبد العزيز، كما تعرض القصيمي على مدار العقود للمؤامرات، وإلى هجوم مختلف الجهات من شيوعيين وبعثيين وأصوليين وغيرهم الذين كانوا
стр. 8691
يترددون بقبول المناظرة العلنية، وقالوا عنه: إنه مفكر غربي يغترف من بحر نيتشه، ولكنه ظل متحديا هؤلاء وأولئك حتى وفاته عام ١٩٩٦ م.
كتب المرحلة الأولى:
- البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية (نسبة إلى الشيخ الدجوي)، القاهرة، مطبعة المنار، ١٩٣١، عدد الصفحات ٢٠٣.
- شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام، القاهرة، مطبعة المنار، ١٩٣١، عدد الصفحات ٩٦.
- الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم، القاهرة، مطبعة التضامن الأخوي، ١٩٣٤ م، عدد الصفحات ٢٨٤.
- مشكلات الأحاديث النبوية وبيانها، القاهرة، المطبعة الرحمانية، ١٩٣٤، عدد الصفحات ٣١٠.
- نقد كتاب حياة محمد - لمحمد حسين هيكل، القاهرة، ١٩٣٥، عدد الصفحات ٩٠.
- الثورة الوهابية، القاهرة، مطبعة مصر، ١٩٣٦، عدد الصفحات ٣٩٦.
- الصراع بين الإسلام والوثنية، (جزءان كبيران) الجزء الأول، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٩٣٧، عدد الصفحات ٧١٥، الجزء الثاني، مطبعة السعادة، القاهرة، ١٩٣٩، عدد الصفحات ٨٩٥.
كتب المرحلة الثانية:
- كيف ذلَّ المسلمون؟ القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية ١٩٣٨، عدد الصفحات ٢٧٣، طبعة ثانية ١٩٨٤ م.
- هذي هي الأغلال، القاهرة، (مما استدعى إهدار دمه)، مطبعة مصر، ١٩٤٦، عدد الصفحات ٣٢٩ - طبعة ثانية ١٩٩٦ دار الجمل - كولون.
стр. 8692
كتب المرحلة الثالثة:
- العالم ليس عقلًا، الطبعة الأولى، بيروت ١٩٦٣، مطبعة دار الغد ٥٧٠، صفحة، الطبعة الثانية في ثلاثة أجزاء.
- الجزء الأول: عاشق لعار التاريخ، بيروت ١٩٦٧، مطبعة دار الغد ٢٨٢، صفحة، الطبعة الثانية، منشورات دار الجمل بكولون، ١٩٩٩ م.
- الجزء الثاني: صحراء بلا أبعاد، بيروت ١٩٦٧، مطبعة دار الغد، ٤٢٣، صفحة.
- الجزء الثالث: أيها العقل من رآك، بيروت ١٩٦٧ م، مطبعة دار الغد، ٤٧٧ صفحة.
- كبرياء التاريخ في مأزق، بيروت ١٩٦٦، مطبعة معتوق إخوان، ٥٢٠ صفحة.
هذا الكون ما ضميره، بيروت ١٩٦٦ مطبعة معتوق إخوان، ٥٦٠ صفحة.
- أيها العار إن المجد لك، بيروت ١٩٧١ م، ٦٠٠ صفحة.
- فرعون يكتب سفر الخروج، بيروت، ١٩٧١ م، ٦٦٣ صفحة، طبعة ثانية ٢٠٠١.
- الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات، ١٩٧١ م، ٤٣١ صفحة.
- العرب ظاهرة صوتية، باريس ١٩٨١ م، مطابع موغارتر، ٨٠٠ صفحة.
- الكون يحاكم الإله، باريس ١٩٨١ م، ٧١٩ صفحة.
- يا كل العالم لماذا أتيت، باريس ١٩٨٦ م، مطابع تيب، ٦٠٠ صفحة.
- الرسائل المتفجرة، بيروت، ٢٠٠٠ م، الانتشار العربي، ٢٨٦ صفحة.
- لئلا يعود هارون الرشيد، دار الجمل كولون.
- يكذبون كي يروا الإله جميلًا، بيروت، ١٩٦٦ م.
- فقهاء النفط، أو مطايا السلطان، باريس، مطابع تيب، ١٩٧٧ م.
- الصوفية سيريالية دينية، بيروت ١٩٦٦ م.
- نظرات بالدين والدولة، بيروت ١٩٦٨ م.
стр. 8693
دراسات صدرت عن القصيمي:
- فكر عبد الله القصيمي لأحمد السباعي، رسالة دكتوراه، بيروت ١٩٧٩ م.
- القصيمي بين الأصولية والانشقاق، ليورجن فازيلا، رسالة دكتوراه، طبعت في ألمانيا ١٩٧٧ م، وترجمت إلى العربية وصدرت في بيروت ٢٠٠١ م، الصفحات ٢٥٦.
أقوال عن القصيمي:
- القصيمي من أئمة اللغة وفوارس الكلم - العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، بيروت.
- العقاد وطه حسين والزيات وآخرون انتصروا للقصيمي أثناء فصله من الأزهر.
- أشيخ من نجد أم عملاق من عمالقة الفكر؟ ميخائيل نعيمة - بيروت.
- القصيمي بدوي الأسلوب غربي التفكير، كمال جنبلاط، بيروت.
- القصيمي سبق عصره، قدري قلعجي، بيروت.
- ونشرت مجلة المقتطف القاهرية في ١٠/ ٢/ ١٩٤٧ م مقالًا جاء فيه: معسكر الإصلاح طليعته ابن خلدون وجناحاه الأفغاني وتلميذاه محمد عبده والكواكبي أما قلبه النابض فهو القصيمي، نجدي في جبته وعقاله .. !
شبه القصيمي:
القصيمي رجل ذكي متمكن من اللغة، وهو مفكر عميق التفكير، بل هو لمَّاح في تفكيره لا يحتاج إلى كثير وقت لكي يتذكر ما يريده، بل هو سريع البديهة، ولذلك كان يسهل عليه أن يورد الشبه التي يريد إيرادها على من يتحدث إليه.
حدثني الشيخ عبد الله بن علي بن يابس زميله في الدراسة في مصر، قال: جاء إلى مصر فلان من أهل الأحساء وهو شاب مثقف وبينما كنا جالسين مع القصيمي ومعه قال له عبد الله القصيمي:
أبوك ويش اسمه؟
стр. 8694
فقال: فلان.
فقال: أنت متأكد إنه أبوك؟
فقال الرجل بكل ثقة، نعم، نعم.
فقال القصيمي: ألا يمكن - عقلًا - أن تكون أمك قاربت غيره فولدتك؟
فأجفل الرجل، وقال: لا، أبدًا.
فقال القصيمي: ايش يدريك عن هذا وأنت ما بعد خلقت ولا تعرف شيء حتى بعد هذا الأمر بسنين؟
فتحير الرجل، وقال:
أمي تقوله أي تقول: إن والده فلان.
فقال القصيمي: إذًا لا تتأكد من ذلك، وإنما تعول على شهادة امرأة والمرأة شهادتها بنصف شهادة الرجل.
فتحير الرجل ولم يستطع التعليق على ذلك.
فقال القصمي: هذي عادة بعض الناس، إذا قيل له شي صدقه ولو كان مصدر الخبر غير سليم.
قال: وما زال يشككه في كونه ابن والده حتى بكى الرجل، لأنه لم يستطع أن يرد على القصيمي شبهاته التي أوردها.
وتحدث إبراهيم الحسون من أهل عنيزة فقال:
كنت في البنان أتعالج من مرض في الصدر فوجدت القصيمي مرة في السفارة السعودية فتحدثت معه من دون أن أعرفه فوجدته ذكيًّا منطقيًا، مليئًا بالمعلومات العامة، حتى إذا تحدث في أي موضوع أفاض فيه إفاضة ما بعدها
стр. 8695
مزيد، وهو إلى ذلك عنده ذوق رفيع في معاملة الناس.
قال: واستمر إعجابي به وحرصي على التحدث إليه، وكنا نجمع لإحدى النساء الفقيرات المسلمات شيئًا من المال مساعدة لها.
فطلبت منه أن يسهم معنا بدفع ما يريد، قلت له ما قلته لغيره: إن ذلك سيكون في ميزان حسناته، وتلوت الآية الكريمة ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. فقال لي: أليس الله غني عن خلقه؟
أليست الآية القرآنية تقول: (والله هو الغني وأنتم الفقراء)، قلت: بلي، قال: فكيف إذا يقرض الفقير الغني، الله يقول: (والله هو الغني الحميد).
قال: فلم يزل يورد عليّ من هذه الأمور ويشككني في هذا العمل الخيري حتى كرهته وعزمت على مقاطعته.
أقول: هذه الشبهة التي أوردها القصيمي وردت على ذهن بعض الصحابة، وسأل عنها رسول الله ﷺ ، كما ذكر ذلك الحافظ الأصبهاني في كتابه (الترغيب والترهيب، ج ٢، ص ٩٣٨)، وهو غير كتاب (الترغيب والتهريب) للحافظ المنذري، فقد روى الحافظ الإصبهاني الجوزي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قام رجل من الأنصار فقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله، الله سبحانه يحتاج إلى القرض وهو عن القرض غني؟ قال: "يريد أن يدخلكم بذاك الجنة" (١).
وبهذا انتهى الكلام على عبد الله بن علي القصيمي من أهل خب الحلوة.
стр. 8696
القضيبي:
بكسر القاف والضاد بعدها ثم ياء بعدها باء مكسورة أيضًا.
على صيغة النسبة إلى قضيب أو القضيب، وقضيب بهذا اللفظ اسم قديم من أسماء أهل نجد ولكن لا نستطيع أن نقول، إن اسمهم له علاقة نسب بأهل ذلك الاسم القديم إلَّا بدليل ولا يوجد لدينا ذلك الدليل.
وهم أسرة صغيرة من أهل الخبوب العليا.
منهم علي ... القضيبي كان مدير مستودع في إدارة البنات في بريدة، توفي عام ١٤١٧ هـ.
ومنهم عبد العزيز بن دخيل القصيبي مؤذن في جامع اللسيب في سنة ١٣٧٣ هـ جاء من اللسيب لأن والده سافر من اللسيب إلى الكويت، وبعد ذلك عين عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اللسيب، واستمر مؤذنًا، وقد توفي ﵀.
ورد اسم صالح القضيبي منهم في وثيقة مبايعة بينه وبين عمر بن سليم الثري المعروف، والمبيع نخيلات لصالح القضيبي كان اشتراها في تاريخ سابق من آل جليدان، وقد باع صالح القصيمي تلك النخيلات كما ورد وصفها في الوثيقة بالتصغير على عمر بن سليم بجميع حقوقهن من بئر وأرض حيها وميتها وأثل وهن معروفات بينهم، واشتراها عمر بأربعمائة وزنة تمر حالات بذمة صالح.
وبعد فراغ البيع أثناه عمر الخيار سنتين كل سنة مائتين وزنة أول سنة بشهر شعبان سنة سبع وخمسين بعد المائتين والألف، والسنة الثانية بشهر رمضان سنة ١٢٥٨ إن أعطاه التمر بالأجل المذكور سقط البيع، وإلَّا تم المبيع المذكور بنصيب عمر وشاهدها عبد الله القاضي، وظني أنه من أسرة القاضي المعروفة في
стр. 8697
عنيزة لأنه كانت لأفراد منهم معاملات مع بعض أهل خبوب بريدة الجنوبية الغربية كالقصيعة، وهي بخط سليمان بن سيف الذي قال: إنه حررها لعشر خلت من شوال سنة ست وخمسين بعد المائتين والألف.
стр. 8698
تعليق على الوثيقة:
الوثيقة بخط سليمان بن سيف وخطه جيد تمكن قراءته دون أن ينقل إلى حروف الطباعة وإنما يحتاج الأمر إلى بعض الملاحظات والتعليق القصير على الوثيقة، من التعليق إيضاح عبارة (بجميع حقوقهن من بئر وأرض حيها وميتها) فالحي من الأرض هو ما كان معمورًا بالزراعة كالبرسيم والخضروات ونحو ذلك، والميت ما كان مهملالا زرع فيه.
وكلمة (أثناء) الخيار تعني جعل له الخيار في أن يمضي البيع أو لا يمضيه، ولكن ذلك في حدود ما ذكر في الورقة.
فتلك النخيلات على نفاسة النخل عندهم قد اضطر أو اختار صالح القضيبي أن يبيعها لعمر بن سليم سدادا لدين من التمر في ذمته لعمر، ولذلك لن يقبض من ثمنها شيئًا، وإنما يكفيه أن يخلص ذمته من الدين الذي لعمر عليه.
وعمر بن سليم لم يضطر المدين إلى أن يبيع عليه نخيلاته بيعًا باتًا قاطعًا لا رجعة فيه، ولا ثنيًا، وإنما كان ذلك رغبة في تحصيل حقه، لذلك جعل لصالح القضيبي الخيار لمدة سنتين، إن جاء خلالها بالتمر الذي في ذمته لعمر فسخ البيع وبقيت تلك النخيلات لمالكها (صالح القضيبي) وإن لم يرغب صالح القصيبي في ذلك أو لم يستطعه كان البيع تامًا وانتقلت ملكية النخيلات لعمر، وبرئت ذمة صالح من الدين المذكور.
وفي الوثيقة نقص من جهتين، أولاهما أنها لم تذكر عدد تلك النخيلات، وإنما جاء ذكرها بصيغة الجمع: نخيلات والجمع عندهم أقله اثنان غير أن الكتبة من طلبة العلم قد ينصون على أنها اثنتان، والنقص الثاني أنه لم يذكر مكان تلك النخيلات، وإلَّا كنا استدللنا على المكان أو الخب الذي كان صالح القضيبي ساكنًا فيه.
стр. 8699
كما ورد اسم صالح القضيبي في وثيقة أخرى تتضمن مداينة بينه وبين عمر بن سليم وكاتبها هو نفسه كاتب الأولى وهو سليمان بن سيف ويظهر أن الدين المذكور فيها هو الذي جعل صالح القضيبي يبيع نخيلاته التي سبق ذكرها على عمر بن سليم.
وقد تبين من هذه الوثيقة مكان عمل صالح القصيبي وهو أنه كان فلاحًا في ملك السويلم، وملك السويلم المعروف واقع في الصباخ) إلى الجنوب من مدينة بريدة، إلَّا إذا كان للسويلم ملك آخر غيره فإنني لا أعرف ذلك.
والدين ٤٧٧ وزنة تمر أجلهن عمر عليه سنتين يحل منهن سنة سبع وخمسين بعد المائتين والألف مائتان وسبع وسبعون وزنة وآخر نجم أي آخر موعد هو لمائتي وزنة يحل أجلهن سنة ثمان وخمسين بعد المائتين والألف.
والتمر كما قالوا: قادم بعمارة صالح بملك السويلم، والعمارة سبق تعريفها وأنها نصيب الفلاح في النخل الذي يفلحه أو الأرض التي يزرعها وليست مملوكة له.
ثم ذكر دينًا آخر هو سبعون صاع حب أي قمح قادمات بزرعه سنة سبع وخمسين بعد المائتين والألف، ثم أوضحت الوثيقة أن التمر المذكور ليس هو الذي اشتري به عمر النخيلات من صالح بل هو غيره أي مضاف إليه وقد أرخ الكاتب الوثيقة في العشر من شوال سنة ست وخمسين بعد المائتين والألف.
وهذه صورتها:
стр. 8700
والورقة التالية مدينة بين (عبد العزيز بن دخيل القضيبي) وبين سلمى بنت رشيد بن محيميد.
والدين عشرة أريل، وربع ريال قرض أي إنه ليس دينًا مؤجلا إلى أجل، ويتقاضى صاحبه عليه فائدة.
والشاهد صالح بن عبد العزيز بن حامد وكاتبه عبد الكريم بن عودة المحيميد.
والتاريخ في غرة ربيع الثاني - أي أوله - عام ١٣٣٤ هـ.
стр. 8701
وجاء ذكر سليمان الدخيل القضيبي شاهدًا في وثيقة مداينة بين محمد اليوسف بن براك، وهو من أسرة التويجري، وبين عبد العزيز بن عبد الله بن رميان، والدين سبعمائة وستة عشر وزنة تمر يحل أجل وفائه في عاشورا، أي محرم فاتح عام ١٣٣٩ هـ.
وهي بخط مطوع اللسيب الشيخ عبد الكريم بن عودة بن محيميد وقد تقدم ذكرها في ترجمة (الرميان) في حرف الراء.
стр. 8702
وقبل ذلك وثيقة مؤرخة في ٢٢ عاشور وهو المحرم من عام ١٢٩٥ هـ. وهي وثيقة مداينة بين دخيل القضيبي ومزيد السليمان المزيد (من المزيد أهل الدعيسة).
والدين: ستون حب والمراد القمح، ولم تعرف الوثيقة وحدة الحب ولكنها معروفة بأنها الصاع، فالدين إذًا ستون صاع قمح وخمسة وخمسون (صاع) شعير عوض أي ثمنها خمسة ريالات، والعيش أي القمح مؤجل يجل أجله في ربيع الثاني عام ١٢٩٥ هـ.
وأيضًا ثلاثة ريالات ونصف يحل أجل الوفاء بها في جمادي سنة ١٢٩٥ هـ.
والشاهد إبراهيم العبد العزيز المحمود.
والكاتب عبد الرحمن الربعي.
والتاريخ: ٢٢ عاشور - محرم - سنة ١٢٩٥ هـ.
стр. 8703
القِطن:
بكسر القاف وفتح الطاء وآخره نون.
أسرة من أهل المريدسية، قال بعضهم: ربما سموا بالقطن لكونهم جاءوا في الأصل من جبل (قطن) أي من جهته.
وقال لي بعض أهل المريدسية: هذا رجم بالغيب، فهم متفرعون من أسرة الهبوب أهل حويلان.
قال الشيخ صالح بن محمد السعوي في كتابه عن المريدسية:
وممن عُدَّ من أهل هذه البلدة وغنمت من مبراته الخيرية: الرجل الراغب في الخير المذكور عنه فعله/ محمد بن سالم القطن.
﵀، وأجزل له الأجر والمثوبة.
فمن مكتسبات هذه البلدة من حصيلته المالية بناء المسجد المنشأ في المرتفع بالحي الجديد الكائن موقعه بالجهة الشمالية الشرقية من المريدسية في وسط الأرض التي اشتراها مجموعة من الأهالي، وتوزعوها فيما بينهم، وعرف هذا الموقع بمخطط أرض السلمان.
وهذا المسجد الذي أقيم بذلك الحي مسجد كبير، ومقام على حسب تصاميم العمارة الجيدة الحديثة، ويعلو سقفه في الارتفاع، وفي مؤخر المسقوف منه قد جعل من دورين الأعلى منهما مصلى للنساء، والأسفل تابع لمصلى الرجال، وفيه محراب ومنبر وباب في مقدمة المسجد، وبابان في مؤخر المسقوف منه، وباب في الجهة الجنوبية، وبابان في مؤخره من الشرق، واحد منهما يختص بدخول وخروج الرجال والثاني يختص بدخول وخروج النساء، كما لهن باب من الجهة
стр. 8704
الشمالية، وممر ساتر عن رؤية الرجال، أو الاختلاط بهم، ودورة مياه خاصة بهن، ودرج يؤدي لمصلاهن، ودورة مياه للرجال، وخزانان أرضيان للماء داخل سور المسجد، وخزان علوي، وحجرتان لحفظ ما يتوافر من أثاث وأشياء أخرى تخص المسجد، وفيه منارة عالية في الارتفاع.
وكان تنفيذ هذه المبرة الخيرية عن طريق الرجل المعروف والأخ المحب في الله، الباذل للإحسان والمحتسب فيه / سليمان بن محمد بن عبد الله الهويري.
أجزل الله له المثوبة، وضاعف الأجر للمتبرع، وجعل سعيهما مشكورًا.
توفي هذا المعرف عنه، محمد القطن في عام ١٤١٦ هـ، رحمه الله تعالى (١).
ووجدت ذكر (قليب القطن) في وثيقة مؤرخة في ٢ ربيع الأول عام ١٢٨٣ هـ، قد حددتها الوثيقة بأنها الواقعة بين أمهات النيابة والبكيرية ولا أدري من المراد بالقطن، أو بلفظها، أهي مضافة إلى أحد من هذه الأسرة أو غير ذلك.
والوثيقة مداينة بين ناصر العلي السديس ومحمد المحسن التويجري، والكاتب الشيخ المعروف في وقته إبراهيم بن عجلان من أهل بريدة.
стр. 8705
القْطَيشي:
بقاف ساكنة في أوله ثم طاء مفتوحة فياء ساكنة فشين مكسورة ثم ياء نسبة على لفظ تصغير القطشي المنسوب إلى قطش أو القطش، ولا أدري ما هو.
أسرة صغيرة من أهل بريدة.
اشتهر منها عبد الله القطيشي كان رجلًا أعجوبة في قوة التحمل من أجل إعالة أسرته، فقد كان له حمار يروي عليه، أي يجلب الماء من آبار عذبة خارج بريدة القديمة مثل الصقعاء، وكان مكفوفا فكان يعاني كثيرًا من جعل الحمار يذهب إلى الجهة التي يريدها، ثم رأيته يستعين ببنية صغيرة تدله على الطريق وهي لا تمسك بيده، فليس بحاجة إلى ذلك، وإنما يقول لها: نبي نروح لبيت الفلان فتقول له يمين فينهر حماره ويجعله يذهب إلى ذلك البيت، ثم كبر له ابن صار يساعده.
وكان من البيوت التي يروي لها بيتنا استمر فترة يفعل ذلك لقاء أجر شهري كان نصف ريال في الشهر ثم صار ريالًا.
ومن العجيب أنه إذًا جاء يتقاضى أجرته من والدي أو من غيره لبس ثوبًا نظيفًا وجاء به ابنه يمسك بيده وكأنه ليس روايًا قد تمتلئ ثيابه بالماء في الشتاء ويكون معه ما يلصق بالقربة من تراب أو طين أو حتى شوائب أخرى.
كان (القطاشَى) كما كنا نسميهم، ونعرفهم ثلاثة إخوة هم عبد الله هذا أشهرهم وأعقلهم ويوسف وعلي، أما علي فقد انقطع نسله إذ لم يخلف ذكورًا.
وأما عبد الله فرغم كثرة ما ولد له من الأبناء لم يبق له الآن إلَّا عبد العزيز
وكان بيتهم في غربي بريدة القديمة.
стр. 8706
القِعَّدي:
بكسر القاف فعين مشددة مفتوحة فدال مكسورة فياء على صيغة النسبة إلى (قعَّد) أو القعَّد ولا أدري ما هو.
من أهل خب القبر، أصلهم من أهل القرعاء.
منهم سالم القدي فلاح في الصباخ مات في آخر عام ١٣٩٧ هـ.
كان سالم القعدي يداين الفلاحين، ولم يكن يضيق عليهم في التقاضي، حدثني سلامة الخضير الشاعر قال: حلت على نقود السالم القعدي وهي تسعة آلاف ريال، فلم أستطع أن أعطيه إياها، ومضت ستة شهور ثم سنة على حلول أجلها ولم أستطع أن أعطيه منها شيئًا، وكان لي صديقا، وكان يأتي إليَّ يجلس معي ويتحدث، وقد نتناول القهوة فانقطع عني، ولم أجرؤ على أن أذهب إليه حياء منه لتأخر نقوده عندي.
وفي مرة من المرات صادفته في الطريق، فقلت له: لم لم تأت إليَّ على عادتك؟ فقال: أخاف إنك تظن إني جاي من أجل الدراهم اللي عندك.
قال: وبعد سنتين حصلت على بعض النقود فأحضرتها إليه فأبى أن يأخذها حتى حلفت له أنها ليست دينًا من غيره، استدنته من أجل إيفائه، قال سلامة: وقال سالم القِعّدي: عساك بحرج إن كان أنت جايبها من غير يسر أنا أصبر عليك أكثر من الناس، قال فشكرته ودعوت له وأوفيته نقوده بعد ذلك.
كانت أسرة (القِعَّدي) تسكن في ضراس وكان عدد من أفرادها فلاحين يستدينون من التجار على غلات نخيلهم وفلاحتهم، كما كان يفعل عامة الفلاحين في القديم، وقد أفادنا ذلك معرفة شخصيات منهم ذكروا في وثائق مداينات.
стр. 8707
مثل عبد الله بن سالم القعدي، وإبراهيم بن سالم القعدي ونورة بنت سالم القعدي وفهيد بن عبد الله بن سالم القعدي.
من ذلك هذه الوثيقة التي كتبها الثقة العدل راشد بن سليمان ابن سبيهين المعروف براشد أبو رقيبة، وجميع الرقيبة أهل بريدة هم من ذريته وتاريخها في سات من شوال عام ١٢٨٧ هـ.
وتتضمن استدانة عبد الله السالم القعدي نزيل ضراس من محمد السليمان العمري ستمائة وزنة تمر جديد عوض خمسة عشر ريالًا يحل أجلهن في موسم سنة ١٢٨٨ هـ أيضًا أربعة عشر ريالًا يحل أجلهن في موسم ١٢٨٨ هـ وأرهنه في ذلك الدين المذكور نصيبه من ملك أبيه بضراس: جذعه وفرعه أصله وعمارته.
وخط الوثيقة واضح ولكن فيها كلمات قليلة غير مألوفة الآن مثل قولها في (سات) من شوال والمراد: السادس من شوال وهو تعبير عربي فصيح صحيح، حققت ذلك في كتاب: (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) الذي يقع في ثلاثة عشر مجلدًا.
وقولها عن التمر: إنه جديد يراد به ليس من محصول التمر في العام الماضي لأن ذلك أقل قيمة من التمر الجديد، لأن التمر القديم يصبح أسود وربما تعرض للسوس أو الدود، أما جذع الملك وفرعه فالمراد بالملك النخل وواضح أن النخل لها جذع وفرع.
стр. 8708
ووثيقة أخرى بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم والمدين والدائن فيها هما المذكوران في الوثيقة قبلها، وإن كان الدائن قد ذكر اسمه بلفظ مختلف، إذ كتب أنه محمد السليمان آل مبارك فهو العمري ولكنه نسب في الوثيقة إلى جده مبارك العمري.
والوثيقة مؤرخة في ١٣ ذي الحجة سنة ١٢٨٦ هـ. والشاهد فيها هو عبد العزيز بن حنيشل.
стр. 8709
والدَّين المذكور فيها هو ثمانية أريل (فرانسه).
ووجدت ورقة فيها ثلاث وثائق تتضمن مداينة بين إبراهيم بن سالم القعدي وبين محمد بن سليمان العمري الذي ذكر اسمه في الأولى منها: محمد السليمان المبارك وفي الثانية محمد السليمان فقط، وفي الثالثة محمد السليمان العمري.
الأولى بخط ناصر بن سليمان بن سيف وشهادة كاتب معروف بحسن الخط هو عيد بن عبد الرحمن الشارخ) وهي مؤرخة في ١٧ رجب سنة ١٢٩٧ هـ.
والثانية بخط راشد بن سليمان بن سبيهين المعروف بأبو رقيبة كتبها في ٧ شعبان سنة ١٢٩٧ هـ.
فتواريخها متقاربة.
ونلاحظ أنه كتب اسم الشاهد في هذه الوثيقة الثالثة (عبد الرحمن أبو عيد) ويوهم ذلك أن الشاهد اسمه عبد الرحمن وأن لقب أسرته (أبو عيد) وهذا غير صحيح، بل الصحيح المراد أن اسمه عبد الرحمن وأنه هو أبو عيد بن عبد الرحمن
стр. 8710
الكاتب الذي كتب الوثيقة الثانية وهو من الشارخ.
стр. 8711
والوثيقة التالية بخط كاتب حسن الخط هو مطلق آل عقيل وهي أيضًا تتضمن مداينة بين عبد الله السالم القِعَّدي ومحمد السليمان العمري، وتذكر دينًا سابقًا على المذكور وهي بشهادة صلطان الشماسي وتاريخها ٢١ من ذي الحجة عام ١٢٨٧ هـ.
وهاتان وثيقتان تتعلقان بعبد الله السالم القعدي إحداهما وثيقة مداينة مؤرخة في ٣ من ذي القعدة سنة ١٢٨٨ هـ بخط راشد السليمان بن سبيهين المعروف (بأبو رقيبة) وهو رأس أسرة الرقيبة كلهم.
والشاهد فيها عودة الحمد المحيميد والد الشيخ عبد الكريم المحيميد المشهور بمطوع اللسيب.
стр. 8712
والثانية محاسبة بين عبد الله السالم القعدي نزيل ضراس وبين محمد السليمان المبارك (العمري) وهي مؤرخة في ٦ من ربيع الأول سنة ١٢٩٠ هـ بخط راشد السليمان بن سبيهين أيضًا.
والشاهد فيها محمد آل علي الصانع ومعنى (آل) هنا ابن.
стр. 8713
ويسترعي الانتباه أن امرأة من أسرة القعدي هي نورة بنت سالم القعدي التي وصفت بأنها زوجة عثمان السديري وأنها نزيلة ضراس لها معاملات استدانة ورهن كما في هذه الوثيقة التي كتبها راشد بن سليمان بن سبيهين المعروف بـ (أبو رقيبة) وهي مكتوبة في غرة ذي القعدة سنة ١٢٨٧ هـ.
ونصها بحروف الطباعة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"الحمد لله وحده
حضرت عندي نورة السالم القِعَّدي زوجة عثمان السديري نزيلة ضراس وأقرت بأن عندها وفي ذمتها لمحمد السليمان العمري مائتين وزنة تمر عوض خمسة أريل يحل أجلهن في رجب سنة ١٢٨٨ هـ. وأرهنت محمد في ذلك الدين المذكور إرثها من نخل أبوها سالم في ضراس جذع وفرع وأيضًا ثلاث نخلات الذي عطاه أبوها عن ثلاثين ريال جذعهن وفرعهن، وذلك معروف بينهم يغني عرفه عن تحديده، وذلك في جميع توابعه من أرض وبير وحي وميت تحريره في غرة ذي القعدة سنة ١٢٨٧ هـ شهد على إقرارها ومعرفتها عبد الله السليمان العمري وأختها منيرة وشهد به كاتبه راشد السليمان بن سبيهين وصلى الله على محمد وسلم.
وصل من نوره أربعين وزنة في رجب سنة ١٢٨٨ هـ وصل ثلاثين وزنة سنة ١٢٨٩ هـ وصل أربعين وزنة عام ١٢٩٠ هـ.
стр. 8714
وأحدث الوثائق القديمة التي لدينا عن أسرة القعدي، تتضمن مداينة بين أبني المتعاملين قبل ذلك وهما سليمان بن محمد العمري، وفهيد بن عبد الله السالم القعدي وهو يومئذ وكيل أي وصي لعمه إبراهيم السالم القعدي ﵀.
والوثيقة بخط الكاتب المعروف بل المكثر من الكتابة عبد الرحمن بن محمد الحميضي، والشاهد محمد بن حمود التويجري، وتاريخ الوثيقة في ١٦ رجب سنة ١٣١٨ هـ.
стр. 8715
وهذه صورتها:
وأيضًا هذه ورقة مداينة بين شخص آخر من أسرة القعدي وبين محمد السليمان المبارك (العمري).
стр. 8716
والدين: مائة وستون وزنة تمر يحل منها ثمانون وزنة في ذي القعدة سنة ١٢٩٨ هـ.
والشاهد على ذلك عيد بن عبد الرحمن الشارخ.
والكاتب ناصر السليمان بن سيف.
والتاريخ ١٧ رجب سنة ١٢٩٧ هـ.
стр. 8717
القْعَيِّد:
على لفظ تصغير القعود، والقعود هو الصغير من ذكور الإبل.
أسرة صغيرة من أهل بريدة.
منهم .... القعيِّد يعمل في بيع الأخشاب.
القْعَير:
بإسكان القاف وفتح العين وإسكان الياء وآخره راء على لفظ تصغير القعر.
من (آل أبو عليان) حكام بريدة السابقين، وهم متفرعون من أسرة الدخيل أهل السادة.
منهم صالح القعير مات عام ١٣٧٤ هـ عن عمر ناهز ٨٦ سنة، وهو صاحب دكان في قبة رشيد، ومن الثقات في البيع والشراء.
وابنه سليمان سافر للتجارة وغاب غيبة طويلة منها ثمان سنوات قضاها في الهند وحدها ولذا صار يعرف اللغة الأوردية جيدا، ثم عاد ومعه مال فتح له به حانوتًا وصار تاجر يبيع الأقمشة.
وسليمان الآن ١٤١٤ هـ هو أكبر أسرة القعير سنًّا، مولده في عام ١٣٣٥ هـ وهو سليمان بن صالح بن عثمان بن محمد بن عثمان آل أبو عليان، وعثمان هذا أي الأخير هو الذي سُمِّي القعير.
وسبب تسميتهم أن أعرابيا كان يسأل عن جدهم في مكان له في السادة، ويقول: من شاف راع القعير، وهو المكان المنخفض، وذلك أنه كان في نخل منخفض عما تحيط به الرمال.
فسمي القعير.
стр. 8718
وهي بإسكان القاف وفتح العين، ثم ياء ساكنة على لفظ تصغير القِعْر بكسر القاف وإسكان العين، بمعنى العميق أو المنخفض.
وقيل: إن سبب التسمية أن أناسًا من كبار شمر قدموا إلى بريدة ليلًا وكان الوقت وقت خوف وقد أغلقت أسوارها وكان للقعير ملك من النخل في وسط السادة التي كان يفصل بينها وبين بريدة مسافات من الفراغ فطرقوا بابه ففتح لهم واستضافهم، وفي الصباح ذكروا للأمير أن صاحب (القعير) أي الملك المنخفض أضافهم ثم ذهب للأمير فقالوا له: هذا هو راع القعير.
وجدت شهادة لإبراهيم بن عثمان القعير على ورقة إقرار بقبض نقود وهي أن عبد اللطيف بن سعيد قبض من (الشيخ العلامة) محمد العمر (السليم) عشر الغازيات التي ناقلهن عبد الله، محمد السليمان أبو عبيد صارت في ذمة سليمان المحمد المذكورات بخطه في قفا الورقة، (أقول لم أقف على ما في قفا الورقة المذكورة)، والشاهد إبراهيم بن عثمان القعير.
والكاتب محمد السليمان آل مبارك (العمري).
والتاريخ جمادى الأولى من عام ١٢٨٩ هـ.
стр. 8719
وجاء ذكر صالح بن سالم القعير راع السادة أي صاحب النخل الموجود في السادة وهي التي كانت قرية تقع إلى الجنوب الشرقي من بريدة القديمة وأصبحت الآن حيًّا من أحيائها إذ لحقت بها عمارة مدينة بريدة فاحتوتها وجاوزتها، وقد ذكرت السادة في (معجم بلاد القصيم).
وصالح بن سالم القعير ورد ذكره صاحب نخل ثمين لأنه كان يستدين عليه من التجار المشهورين الذين لولا ثقتهم به وأهمية ما يملكه لما أعطوه مالهم، دينًا عليه.
ولا يستغرب هذا من كان مثلنا عاش في زمن الفقر والفاقة، حيث كان من أوصاف الفلاح الناجح الجيد أنه لو أراد أي دين لقي من يداينه إياه، لأن الفقير العاجز لا يجد من يداينه، ولو طلب ذلك وألحف بالطلب، لأن التجار المداينين لا يعطون المال دينًا إلَّا لمن يرجون وفاءه منه.
ولقد كان ما يحز في نفسي - كما ذكرت ذلك في المقدمة - ألا يجد بعض بني قومنا ذكرا لآبائهم، وأجدادهم إلَّا في كونهم استدانوا من فلان كذا أو أقروا بأن عندهم لفلان كذا.
فتلك عادة الفلاحين إذ الثمرة المهمة عندهم هي التمر والقمح وكلاهما له موسم، والفلاح يحتاج إلى أشياء تتعلق بحاجات أسرته، أو حاجات فلاحته، وليس لديه ما يبيعه حتى يحصل من ثمنه دراهم، لذلك يستدين على الثمرة المذكورة، وهذا أمر شائع لا ينبغي أن يجزع منه أحد في الحاضر كما كان شائعا لا يحرج منه أحد في الماضي.
بل إن الذي يستدين يحمد الله على أنه وجد من يداينه كما سبق، ولنا أن نتصور حالة أحد من الناس الذين لهم أسرة حتى وإن لم تكن كبيرة، وليس عنده مورد عيش في تلك العصور فماذا يصنع؟ إلَّا أن يفلح أي يعمل في الفلاحة ويستدين من أجل البداية بعمله
стр. 8720
ثم يوفي دينه أو بعضه من ثمرة النخل أو من محصول القمح.
وذلك أن جميع الأسرة كانت تعمل في الفلاحة من أجل كسب لقمة العيش الشريف.
ولقد قارنا بين فلاح مثل صالح بن سالم القعير هذا وهو مثل ينطبق على مئات الفلاحين أو آلاف الفلاحين فوجدنا أوراق مداينته وذكرناه، بل نوهنا بذكره، وبين شخص آخر في مثل مكانته الاجتماعية ولكنه لم يجد من يداينه أو حتى لم يبحث عمن يداينه، وإنما اكتفى بعيشه القليل الذي لا يزيد عن الكفاف، وأحيانًا لا يصل إلى الكفاف، ثم مات، فنسي ذكره، وعمي أثره وصار أهله لا يعرفون عنه شيئًا، ولم يخط عنه حرف في ورقة لوجدنا المستدين أحسن حالًا، وذكره صار حيا بسبب ذلك الدين الذي استدانه.
ونعود إلى ذكر صالح بن سالم القعير فنقول: إننا وجدنا ورقة مداينة بينه وبين محمد الرشيد الحميضي، والدين أربعة وأربعون ريالًا فرانسه مؤجلات يحل أجل وفاء ١٤ منها انسلاخ ربيع الثاني من عام ١٣٠٩ هـ. ويحل أجل وفاء ثلاثين منها في عام ١٣٠٨ هـ والرهن على ذلك الدين بكرة وهي الناقة الشابة شقحا أي بيضاء وناقة ملحاء أي سوداء سوادا غير حالك، وحمارة بيضاء.
والشاهد على ذلك مبارك العليان، وهو من (العليان) أهل خب البريدي أما الكاتب فإنه الشيخ عبد العزيز بن الشيخ الكاتب العالم صعب بن عبد الله التويجري.