اللَّاحِم:
بكسر الحاء.
أسرة صغيرة من أهل بريدة متفرعة من (اللاحم) أهل الشماسية.
جاء بهم جدهم إلى بريدة وبقوا في بريدة، كنت أعرف منهم عبد الله بن عبد الرحمن اللاحم كان يبيع العيش كما يسمى وهو القمح، ويشمل ذلك أيضًا أنواع القمح والحبوب الأخرى، وهو ثقة صدوق معروف بذلك لاسيما أنه طالب علم يلازم حلق الذكر في المساجد.
ثم ترك بيع العيش وفتح له دكانًا آخر، وأخيرا تفرغ لطلب العلم.
كتب لي ابنة الدكتور صالح بن عبد الله اللاحم بما يلي عن أسرته وبخاصة حياة والده الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن اللاحم.
فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد اللاحم، ولد في الشماسية في سنة ١٣٢٨ هـ، وارتحل به والده مع أخويه محمد وعلي إلى بريدة، واستقروا بها، وقد عمل في صغره بعد وفاة أبيه مع أخيه محمد في تجارة الحبوب، وقد اشتهرا في الصدق في المعاملة، حتى صارا محل ثقة القادمين من خارج بريدة للتبضع، واستمرا في ذلك مدة، حتى توفي محمد بعد قدومه من الحج ولم يجاوز الأربعين، انتقل عبد الله إلى الرياض بعد وفاة أخيه لطلب الرزق، وترك أبناءه في بريدة، وكان مدة بقائه في الرياض يحضر كثيرًا لاستماع دروس الشيخ محمد بن إبراهيم، وإن لم تكن له ملازمة بحيث يعد من الطلاب، ثم رجع إلى بريدة بمحبة للعلم وأهله، فكانت له رغبة في الحصول على الكتب واقتنائها، فكان من أوائل من اقتني المغني، وتفسير
стр. 8822
ابن كثير وتاريخه، وفتح الباري، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام، وكانت أجزاؤها تأتي تباعًا بعد خروج كل جزء من المطبعة، ومع حبه لاقتناء الكتب كان عنده نهم للقراءة والاطلاع، وتحصّل له من ذلك حصيلة علمية جيدة ساعده في ذلك رفقته الخاصة مع الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد، وكذا رفقة الشيخ محمد بن رشيد الربيش إمام جامع أبابطين، وكانت هذه الرفقه تجتمع بعد صلاة المغرب من كل يوم في بيت الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد، والحديث في المجلس غالبًا ما يكون في المسائل العلمية، انقطع في العشر الأواخر من عمره للعبادة وتلاوة القرآن، وتوفي في ١٢ شعبان من سنة ١٤١٨ هـ.
وقد خَلَّف ستة من الأبناء نالوا تعليمًا عاليًا، متنوعًا أكبرهم محمد خريج الزراعة ثم إبراهيم الذي حصل على الدكتوراه من قسم السنة وعلومها، ويرأس حاليا قسم السنة في جامعة القصيم، ويعد متخصصًا في السنة، ودراسة الأسانيد، وتخرج على طريقته في ذلك عدد من النابهين وحملة الدكتوراه، ثم صالح الذي حصل على الدكتوراه في الفقه من كلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود، أستاذًا في جامعة القصيم في قسم الفقه، ثم عبد اللطيف خريج الاقتصاد، ثم لاحم خريج اللغة، ثم سليمان خريج الهندسة.
للدكتور إبراهيم مجموعة من المؤلفات منها:
- الجرح والتعديل.
- الاتصال والانقطاع.
- مقارنة المرويات وهي في علوم السنة ودراسة الإسناد.
كما للدكتور صالح مجموعة من المؤلفات في الفقه منها:
- أحكام الغائب في الفقه.
стр. 8823
- إثبات القتل.
- الجناية على مادون النفس.
- الأحكام المترتبة على الحيض والنفاس.
- مناسك الصبيان.
- سجود التلاوة.
- الهبة للأولاد والأقارب.
- الزكاة في الديون.
- زكاة العقار.
ومنهم المحامي القدير عبد الرحمن بن محمد اللاحم، ولد في مدينة بريدة وترقى في التعليم إلى أن اشتغل بالمحاماة، وقد اشتهر أكثر عند الناس بتبينه قضية التفريق بين رجل وزوجته بحكم قاض زعم أن الزوج نسبه دون نسب الزوجة مع أن الذي زوجها والدها سليمان العزاز من زوجها منصور بن عطية التيماني.
وبعد أن رزقا أطفالًا تقدم أخوة لها كبار يطالبون بفسخ النكاح والتفريق بين الزوجين بحجة أن الزوجة أعلى نسبة من الزوج نسبًا، وقد حكم قاض بالتفريق بينهما فحكمت محكمة التمييز مؤيدة ذلك، وفرقت بينهما، ولكن الزوجين لم يعترفا بحكم القاضي بالتفريق فسجنت الشرطة الزوجة لئلا تتصل بزوجها، وبحثت عن الزوج لتسجنه في سجن آخر فاختفى، وبقي الأولاد لا راعي لهم، وهم صغار فعطفت إحدى الجمعيات الخيرية عليهم بإيوائهم وقد حصلت تشوشات فكرية ونزاعات من أجل هذا الحكم، وبخاصة أن محكمة التمييز أيدت حكم القاضي في التفريق بين الزوجين المسلمين.
وهذه مرافعة المحامي عبد الرحمن بن محمد اللاحم آثرت نقلها هنا، لأنها معللة مدللة، وهي تبين مقدرة المحامي عبد الرحمن اللاحم قال:
стр. 8824
مرافعة اللاحم عن منصور التيمائي
صاحب الفضيلة رئيس وأعضاء محكمة التمييز بالرياض
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إشارة إلى الحكم القضائي رقم (٣١٧٨) وتاريخ (١٦/ ٧/ ١٤٢٦ هـ) الصادر من مكتب فضيلة الشيخ إبراهيم بن فراج الفراج القاضي بالمحكمة العامة بالجوف.
واستنادًا لنظام المرافعات الشرعية ولائحته التنفيذية.
وحيث أن موكلي لم يحضر جلسة النطق بالحكم، ولم يقرر القناعة بالمحكمة من عدمها، وحيث إن هناك جملة من المسائل الجوهرية لم ترد أثناء المرافعة ولها تأثير على سير الدعوى، لذا فإنني أتقدم بهذه اللائحة الاعتراضية ملتمسًا إعادة النظر بالحكم المذكور، وذلك بالوكالة عن السيدة/ فاطمة بنت سليمان العزاز (رقم الوكالة: ٩ وتاريخ ٢٨/ ٨/ ١٤٢٧ هـ مرفق صورة منها) والسيد/ منصور بن عطيه التيماني (رقم الوكالة: ٢٢٥٢٦ وتاريخ ٩/ ٨/ ١٤٢٧ هـ مرفق صورة منها).
أولا:
إنه من الناحية الإجرائية فإنه من الثابت في الإجراءات القضائية (أن البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر) كما هو ثابت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ ، وبالتالي فإن المدعي هو من يلزم بتقديم البينة على دعواه، ومتى ما عجز عنها فإنه ينتقل إلى المدعى عليه لتقديم اليمين كما هو متعارف عليه قضائيًا، وعليه فإنه كان يجب أن يلزم المدعون في هذه القضية تقديم البينة على دعواهم، وإحضار ما يثبت نسب المدعى عليه الذي يزعمون في دعواهم أنه لا ينتسب إلى قبيلة، وأنه ينتسب إلى الصناع على حد
стр. 8825
قولهم إلا أن الذي عمله فضيلة القاضي أن يقلب المعادلة القضائية وألزم المدعى عليه بإحضار البينة وهذه مخالفة صريحة لمبدأ مستقر عليه وثابت بحديث نبوي صحيح، ولاسيما وأن المدعين يَّدعون خلاف الأصل كما سيأتي بيانه.
ثانيًا:
أما عن النواحي الموضوعية في الحكم محل هذه اللائحة فقد خالف الحكم مبادئ شرعية راسخة في ديننا الإسلامي اتفقت عليها كافة المذاهب الإسلامية المعتبرة حيث جاءت الشريعة بالمساواة بين الناس بعد أن كانت العنصرية المقيتة ضاربة بأطنابها زمن الجاهلية، وفيما يلي نذكر ببعض النصوص الشرعية في هذا الباب مع ما تيسر من بعض النقولات من أهل العلم.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ففي هذه الآية تقرير أن الناس متساوون في الخلق، وفي القيمة الإنسانية، وأنه لا أحد أكرم من أحد إلا من حيث تقوى الله بأداء حق الله وحق الناس.
وروى الترمذي بإسناد حسن عن أبي حاتم المزني أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .. قالوا يا رسول الله وإن كان فيه، قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات).
ففي هذا الحديث توجيه الخطاب إلى الأولياء أن يزوجوا مولياتهم من يخطبهن من ذوي الدين والأمانة والخلق، وإن لم يفعلوا ذلك بعدم تزويج صاحب الخلق الحسن، ورغبوا في الحسب، والنسب، والجاه، والمال - كانت الفتنة والفساد الذي لا آخر له.
стр. 8826
وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يا بني بياضة أنكحوا أبا هند، وانكحوا إليه" (وكان حجامًا) قال في معالم السنن: "في هذا الحديث حجة لمالك ومن ذهب مذهبه في الكفاءة بالدين وحده دون غيره .. وأبو هند مولى بني بياضة، ليس من أنفسهم. والبياضة قبيلة من الأنصار.
وخطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فامتنعت، وامتنع أخوها عبد الله، لنسبها في قريش، وأنها كانت بنت عمة النبي ﷺ أمها أميمة بنت عبد المطلب - وأن زيدا كان عبدًا، فنزل قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾، فقال أخوها لرسول الله ﷺ : مرني بما شئت، فزوجها من زيد.
وزوج أبو حذيفة سالمًا مولاه من هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة.
وتزويج بلال بن رباح بأخت عبد الرحمن بن عوف.
وسئل الإمام علي ﵁ عن حكم زواج الأكفاء، فقال الناس بعضهم أكفاء لبعض، عريهم وعجميهم، قرشيهم وهاشميهم إذا أسلموا وآمنوا.
وقد ورد في هذا الباب حديث بالغ الأهمية إذ روي عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت فتاة إلى رسول الله ﷺ فقالت: (إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء)، رواه ابن ماجه، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة.
فكل ما سبق نصوص شرعية صريحة صحيحة في هذا الباب لا يمكن أن تسند ما ذهب إليه فضيلة القاضي حيث أن مؤدى الحكم محل اللائحة يؤكد على أن
стр. 8827
هناك طبقات متفاوتة في مجتمعنا المسلم وأن المسلم ليس كفأ للمسلم إلا باعتبار أمور أخرى لم يأت بها الله ولا رسوله ﵊ مع أن القاضي أشار في معرض نقله عن صاحب الإقناع قوله ﷺ المسلمون تكافأ دماؤهم) فإذا كانت دماؤهم تتكافأ فمن باب أولى أن تكون أنسابهم متكافئة.
أما ما نقل عن العلماء في هذا الباب فنسوق منه ما يلي:
يقول الشيخ محمد بن إبراهيم عليه رحمة الله، في كلام له في هذا الباب "تزويج القرشية والفاطمية من غير الفاطميين والقرشيين، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (العرب بعضهم أكفاء بعض .. الخ) فيه فوائد: أحدها - أن العرب بعضهم لبعض أكفاء من جهة النسب، فلا فرق بين القرشي، بل الفاطمي وغيره، وبهذا يعرف ما وقع فيه كثير أو كلهم إلا من شاء الله من هو متمسك بنسبه وأنه فاطمي، وهذا وقع به من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، وكم تأيمت فاطمية فذهب شبابها وربما يسبب فسادها.
ثم منهم من يفاوت بين بطون من الفاطمية هذا أزيد من الأول، ثم في هذه الأزمان الأخيرة أعظمهم لم يزوجوا بعضهم بعضًا بالفعل، ولاسيما أرحامهم الأدنيين من أجل الأوقاف لا يزوجها غير فاطمي أبدًا، ولا يزوجها من كثير من الفاطميين مخافة أن يشاركه في الوقف فينازعه، وهذا كله من العدوان.
والشعوب في غير العرب لا أنساب لهم، ومن الناس من فضلهم على العرب وهو مذهب الشعوبية، وهو غلط، العرب أفضل، إلا أن الفضل الحقيقي بالتقوى".
ويقول في موضع آخر عليه رحمة الله: "مسألة الكفاءة فيها خلاف، والشيء المجزوم به أنها بالدين، وفي الآية: (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن).
ثم أيضًا فساد الأخلاق خبيث المسعى من المسلمين ليس كفوءًا للعفيفة، لما تقدم، (الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله).
стр. 8828
ويقول بن القيم ﵀:
"فصل في حكمه ﷺ في الكفاءة في النكاح:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال ﷺ (لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا الأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى الناس من آدم وآدم من تراب) وقال ﷺ : (إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا) وفي الترمذي عنه ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير قالوا يا رسول الله وإن كان فيه فقال إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات) وقال النبي ﷺ لبني بياضة أنكحوا أبا هند وأنحكوا إليه وكان حجامًا، وزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش القرشية من زيد بن حارثة مولاه وزوج فاطمة بنت قيس الفهرية القرشية من أسامة ابنه وتزوج بلال بن رباح باخت عبد الرحمن بن عوف، وقد قال الله تعالى (والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) (النور: ٢٦)، وقد قال تعالى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
فالذي يقتضيه حكمه ﷺ اعتبار الدين في الكفاءة أصلًا وكمالًا فلا تزوج مسلمة بكافر ولا عفيفة بفاجر، ولم يعتبر القرآن لا السنة في الكفاءة أمرًا وراء ذلك فإنه حرم على المسلمة نكاح الزاني الخبيث ولم يعتبر
стр. 8829
نسبًا ولا صناعة ولا غنى ولا حرية فجوز للعبد القن نكاح الحرة النسيبة الغنية إذا كان عفيفًا مسلمًا وجوز لغير القرشيين نكاح القرشيات ولغير الهاشميين نكاح الهاشميات وللفقراء نكاح الموسرات (انظر زاد المعاد، ج ٥، ص ١٥٨).
ويقول صديق حسن خان صاحب كتاب الروضة الندية ﵀:
"بيان اعتبار الكفاءة في النكاح:
أقول استدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن فتاة جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء وأخرجه أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة عن عائشة ومحل الحجة منه قولها ليرفع بي خسيسته فإن ذلك مشعر بأنه غير كفؤ لها ولا يخفى أن هذا إنما هو من كلامها وإنما جعل كفؤًا أو غير كفؤ أيضًا هو زوجها بابن أخيه وابن عم المرأة كفؤ لها واستدل على اعتبار الكفاءة في النسب بما أخرجه أحمد والنسائي - وصححه - وابن حبان والحاكم من حديث بريدة مرفوعًا إن أحساب أهل الدنيا الذين يهبون إليه المال وبما أخرجه أحمد والترمذي - وصححه هو والحاكم - من حديث سمرة مرفوعًا الحسب المال والكرم التقوى، ويحتمل أن يكون المراد أن هذا هو الذي يعتبره أهل الدنيا - كما صرح به في حديث بريدة - وأن هذا حكاية عن صنيعهم واغترارهم بالمال وعدم اعتدادهم بالدين فيكون في حكم التوبيخ لهم والتقريع وقد ثبت أنه ﷺ زوج مولاه زيد بن حارثة بزينب بنت جحش القرشية وزوج أسامة بن زيد بفاطمة بت قيس القرشية وزوج عبد الرحمن بن عوف بلال بأخته وأخرج أبو داود أن أبا هند حجم النبي ﷺ فقال يا بني بياضة
стр. 8830
أنحكوا أبا هند وانكحوا إليه أخرجه أيضًا الحاكم وحسنه ابن حجر في التلخيص وأخرج البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - وكان ممن شهد بدرًا مع النبي ﷺ تبنى سالمًا وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار قال رسول الله ﷺ إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة "الروضة الندية ج ٢ ص ١٤٢ وما بعدها".
ونختم بقول نفيس للإمام الشوكاني ﵀ إذ يقول:
وأخرج البخاري وغيره عن عائشة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وكان ممن شهد بدرًا مع النبي تبنى سالمًا وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة بن ربيعة وهو مولى امرأة من الأنصار وإذا تقرر لك هذا عرفت أن المعتبر هو الكفاءة في الدين والخلق لا في النسب لكن لما أخبر بأن حسب أهل الدنيا المال وأخبر كما ثبت في الصحيح عنه أن في أمته ثلاثًا من أهل الجاهلية الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة، كان تزويج غير كفء في النسب والمال من أصعب ما ينزل بمن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ومن هذا القبيل استثناء الفاطمية من قوله ويغتفر برضا الأعلى والولي وجعل بنات فاطمة ﵂ أعظم شرفًا وأرفع قدرًا من بنات النبي ﷺ الصلبه فيا عجبًا كل العجب من هذه التعصبات الغريبة والتصلبات على أمر الجاهلية وأعجب من هذا كله ما وقع للجلال من نقل الأكاذيب المفتراة في شرحه لهذا الموضع وهو مصداق ما أخبر به رسول الله من أن تلك الخصال المذكورة في الحديث السابق كائنة في أمته وإنها لا تدعها أمته في جاهلية ولا إسلام كما وقع في الصحيح وإذا لم يتركها من عرف أنها من أمور الجاهلية من أهل العلم
стр. 8831
فكيف يتركها من لم يعرف ذلك والخير كل الخير في الإنصاف والانقياد لما جاء به الشرع ولهذا أخرج الحاكم في المستدرك وصححه عن رسول الله أنه قال أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس "انظر السيل الجرار ج ٢، ص ٢٩٥.
ثالثًا:
إن الحكم محل هذه اللائحة قد اعتمد في تسبيبه على (العرف) وأن هناك عرفًا بعدم التزاوج بين المتفاوتين نسبًا دون ذكر: هل هذا العرف؛ عرف صحيح معتبر أم أنه عرف فاسد لا يعتد به؟ فكما هو مقرر في مدونات الأصول بأن العرف ينقسم من حيث الصحة والفساد إلى صحيح وفاسد، فالعرف الصحيح هو (ما تعارفه الناس وليست فيه مخالفة لنص ولا تفويت مصلحة ولا جلب مفسدة، كتعارفهم إطلاق لفظ على معني عرفي له غير معناه اللغوي، وتعارفهم وقف بعض المنقولات، وتعارفهم تقديم بعض المهر وتأجيل بعضه، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من ثياب وحلوى ونحوها يعتبر هدية وليس من المهر والعرف الفاسد هو (الذي يتعارف بين قسم من الناس، وفيه مخالفة للشرع كتعارفهم بعض العقود الربوية أو ارتياد الملاهي، وغيرها مما علم من الشارع المقدس الردع منه) ويتبين مما سبق أن سقناه من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة بأن ذلك العرف يخالف قواطع الشريعة ومقاصدها العظيمة وبالتالي فإنه عرف فاسد لا يلتفت إليه شرعًا لأننا متى ما التزمنا به وأقره القضاء الشرعي المعتمد على الشريعة فإنا بذلك نُشر عن عرفًا فاسدًا مخالفًا لقواطع الشريعة الإسلامية السمحة، فلو افترضنا أن قومًا من الناس في بلد ما قد تعارفوا على أمر قد يعد مخالفًا للشريعة لدى البعض مثل اختلاط الرجال بالنساء أو بعض المعاملات الربوية أو كشف النساء لأبناء أعمامهن - كما هو شائع في بعض مناطق المملكة - فهل يقال بأن ذلك يعد أمرًا شرعيًّا - في نظر من يرى حرمته -
стр. 8832
ما دام قد تعارف عليه الناس وبالتالي يصبغ القضاء عليه الشرعية؟
رابعًا:
جاء الضرر كأحد الحيثيات التي اعتمد عليه فضيلته في إصدار حكمه محل هذا الاعتراض حيث قال في نص الحكم: "ولأن فسخ نكاحهما ضرر عليهما إلا أنه أقل من الضرر الحاصل للمدعيين ومولياتهم إذ الفسخ ضرر على اثنين وعدمه ضرر على كثر وغير محصور" فهو أعتمد على زعم المدعيين بالضرر دون الالتفات إلى الضرر الواقع على أسرة بكاملها مع أن الضرر المزعوم من الأولياء ضررٌ مظنون والضرر الواقع على الأسرة ضررٌ محقق نظر العين فكيف يتمسك فضيلته بالضرر مظنون الذي لا يمكن إثباته وطرح الضرر المحقق أمام فضيلته ولاسيما وأن القاضي قد سأل الزوجة عن رغبتها في إمضاء عقد نكاحها وأجابته بأنهه متمسكة بزوجها وهو ثابت بضبط القضية.
كما أن الضرر العام الذي ذكره فضيلته في تسبب الحكم والذي بيّن بأنه يلحق الأولياء واستشهد بالقاعدة الأصولية التي تنص على أن دفع المفاسد أولى من تحصيل المصالح ولأن الواجب دفع المفسدة والأعلى والأعظم بالأدنى والأقل مع عدم إمكان دفعهما مع أننا إذا أعملنا تلك القاعدتين فإن فسخ النكاح بهذه الصفة وتلك الحيثيات يعود بالضرر على الوطن بأكمله وعلى تلاحم المجتمع الذي أسس على الوحدة وقام الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ بصهر كل القبائل في هذا الكيان العظيم (المملكة العربية السعودية) وجعل المواطنين على قدم المساواة فلا فرق بين أحد منهم بأي صفة وبالتالي فإن أحياء نعرات اندثرت بعد ضررًا لا يقل وجاهة عن الضرر المزعوم الذي يدعيه الأولياء فلماذا أخذ القاضي بأحدهما وطرح الآخر مع أن كليهما يُعد ضررًا بالمفهوم المتعارف عليه شرعًا.
стр. 8833
خامسًا:
مع أن المدعى عليه غير ملزم بتقديم البينة كما أسلفنا إلا أنه وبعد طلب فضيلة القاضي منه بينة تثبت نسبه قدم شاهدين هما (هزاع بن خلف بن هزاع السويدي الشمري) و (علي رشيد بن زايد الخمسان) وضبطت شهادتهما التي أكدا فيها إنتساب المدعى عليه إلى قبيلة شمر إلا أن القاضي ضرب صفحًا عن تلك البينة ولم يفندها أو يذكر سب الأعراض عنها في الحكم مما يعد قصورًا في التسبيب ويخل في الحكم محل هذه اللائحة.
كما أن المدعى عليه كان يستصحب الأصل وهو أنه ينتمي إلى قبيلة، والتي بناء عليه تم القبول به من قبل ولي الزوجة ومع هذا فإن المدعى عليه أحضر بينة تؤكد استصحاب ذلك الأصل ومع هذا عدل صاحب الفضيلة عن تلك البينة وحكم بخلافها ولم يورد لها ذكرًا في حكمه مع أن المدعي وكما أشرنا كان يفترض أن يلزم - وهو يدعي خلاف الأصل - أن يحضر البينة القاطعة على دعواه وخصوصًا في مثل هذه القضية بالغة الحساسية والتي يتعلق بها مستقبل أسرة أمنة مستقرة وأطفال من حقهم الشرعي أن يعيشوا مع والديهم كبقية أطفال الأرض.
إضافة إلى ما سبق فإن استقرار الحياة الزوجية وديمومتها أمرٌ مطلوب شرعًا لذا سمي الزواج بالسكن لأنه سكن للزوجين وأولادهم وما الطلاق إلا أمر طارئ وصفه ﵊ بأنه أبغض الحلال عند الله إلا أننا نجد أن فضيلة القاضي قد عدل عن ذلك كله وفرّق زوجين متألفين بينهما أطفال بلا تأسيس متين يقوى على سند ذلك التوجه.
سادسًا:
أن فضيلة القاضي ساق نصًّا طويلًا من كتاب كشاف القناع واعتمد عليه
стр. 8834
بشكل أساسي في الحكم وبعد تتبع ذلك النص وجدنا أنه بتر جزءا مهمًا من ذلك النص وفيما يلي نورد النص المبتور الذي لم يورده فضيلة القاضي في الحكم إذا يقول ﵀:
" (ولو زالت الكفاءة بعد العقد فلها) أي الزوجة (الفسخ فقط) دون أوليائها كعتقها تحت عبد ولأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدمته" (انظر كشاف القناع ج ٥، ص ٦٧) فذلك النص تم تجاوزه في الحكم حيث ذكر ما قبله وما بعده وتم إسقاطه من النقل مع أهميته، وهو نص يؤكد أن للزوجة وحدها حق الفسخ في حالة زوال الكفاءة بعد العقد دون الأولياء وعليه فلو فرضنا أن الزوج منصور التيماني (المدعى عليه) قد زالت كفاءته لأي سبب بعد العقد فإن الفسخ يكون من حق الزوجة وحدها دون الأولياء، وعليه فإنه من باب أولى أن يكون للزوجة الحق وحدها في حالة الزوجين هذه دون الأولياء بعد هذه المدة الطويلة من إبرام عقد النكاح، وبعد إنجاب الأطفال مع أن الضرر المزعوم موجود في الحالتين كلتيهما فإذا كان صاحب الإقناع ﵀ والذي استدل القاضي بكلامه نص على أن الاستدامة من حق الزوجة وحدها فلم يطبقه على الحالة الزوجية التي أمامه؟ وخصوصًا وأن الزوجين كليهما متمسك بالآخر وبينهما أطفال قد بلغ أكبرهم الرابعة من عمره؟ ولم تجاوز فضيلة القاضي ذلك المقطع المهم من كلام البهوتي ﵀؟
سابعًا:
يعتمد الحكم على مسلمة انطلق منها فضيلة القاضي لتأسيس حكمه فهو اعتمد على فكرة كانت سائدة فيما مضى وهي وجود (طبقة الرقيق) وهذه الفرضية لا تنطبق على الواقع فنحن في هذه الدولة نقف على قدم المساواة فيما يتعلق بالحرية فلا يوجد رقيق بالمفهوم المتعارف عليه في تاريخنا الإسلامي وبالتالي فلا يمكن أن نبني عليه أحكامًا، ونقسم الناس على تلك الفرضية فلا
стр. 8835
يمكن الاعتماد على نقولات فقهية تعتمد على وضع اجتماعي موجود في تلك الفترة لكنه غير موجود الآن فكل النقول تتكلم عن (العتق) و (الرق) و (المبعض) و (الحرية) و (الموالي) وكلها مفردات لها أحكام محددة في الفقه لا يمكن اجتزاء بعضها أو الاعتماد على كلام الفقهاء فيها لأنهم يتحدثون من واقع اجتماعي معين لا يمكن تطبيق الكثير من أحكامها في وقتنا الحاضر.
ثامنًا:
نص القاضي في تسبب الحكم بأن المدعى عليه قد غرر بالمدعي عندما تقدم لخطبة موليتهم وقد أخذ بقول المدعين دون إلزامهم بتقديم البينة فهو ادعاءٌ مرسل لا يسنده دليل مادي قدم للمحكمة ومع هذا كله اعتمد عليه القاضي وأخذ به وساقه من ضمن حيثيات الحكم محل الطعن.
لذا وبناءً على ما سبق وحيث أن الحكم المذكور قد خالف نصوصًا شرعية راسخة ومبادئ قضائية مستقرة وحيث أن موكلي لم يحضر جلسة النطق بالحكم وبالتالي لم يقرر القناعة من عدمها بهذا الحكم فإنني أطالب إعادة النظر بالحكم رقم (٣١٧٨) وتاريخ (١٦/ ٧/ ١٤٢٦ هـ).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تقدم به إلى فضيلتكم
المحامي / عبد الرحمن بن محمد اللاحم
بالوكالة عن: فاطمة بنت سليمان العزاز
منصور بن عطيه التيماني
انتهى.
стр. 8836
اللَّافي:
أسرة صغيرة من أهل بريدة واللافي - بكسر الفاء - القادم الواصل من مكان آخر، جاءوا إليها من الزلفي.
منهم الشيخ لافي بن إبراهيم اللافي تخرج من كلية الشريعة بالرياض عام ١٣٨١ هـ ويقوم الآن بالتدريس في مدرسة متوسطة في بريدة.
جاء ذكر إبراهيم بن محمد بن لافي في وثيقة مبايعة مؤرخة في ١٣ ربيع الأول سنة ١٣٠٤ هـ بخط عبد العزيز بن محمد بن سليم، والشاهدان فيها من فطاحل الرجال فهما الشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم والعالم الثقة المعروف بل المشهور في وقته ناصر بن سليمان بن سيف.
والمبيع حوش اشتراه إبراهيم بن محمد اللافي من ناصر بن حسن وهو من آل هويمل الذين منهم الدكتور حسن بن فهد بن هويمل.
والحوش في شمال بريدة ذكروا أنه يحده من قبلة السور والمراد به سور بريدة الذي أقامه عليها الأمير حسن بن مهنا بعد أن تولى الإمارة فيها وتوليه الإمارة كان في عام ١٢٩٢ هـ بعد مقتل والده مهنا الصالح.
وأما الحدود فإن أكثرها غير واضح لنا مثل قوله: من شمال بيت ابن قربان و (القربان) المعروفون الآن جاء أوائلهم إلى بريدة من سدير، وكانوا ذهبوا من منطقة بريدة إلى سدير من قبل، وقيل إن جدهم عاد من سدير بعد هذا التاريخ إلَّا إذا كانوا يسمون (القربان) قبل ذهابهم إلى سدير فهذا جائز.
ويقولون: وهم من آل أبو عليان، كذلك دار الجربان، فالذي يظهر أنهم جمع (الأجرب) والأجرب: لقب وليس اسم أسرة.
стр. 8837
وأما الواضح فهو أن المبيع أيضًا دار شما الحمد الجطيلي التي فيها صبرة وهي الإجارة لمدة طويلة، وهذه مدتها مائتا سنة ومقدار الصبرة أي هذه الأجرة الطويلة: هي ستة أرباع وهي جمع ربع وهو عملة نحاسية كانت معروفة، فالأرباع الستة هذه تساوي في ذلك الزمن نضف ريال فرانسي تقريبًا، لأن الربع هو ربع ثلث الريال.
قال: وتسلم هذه الصبرة في شهر ذي القعدة من كل سنة.
стр. 8838
كما جاء اسم إبراهيم اللافي شاهدًا في ورقة مداينة بين عبد العزيز العويِّد الفويس وبين محمد السليمان الذي هو العمري: والدين ثلاثة أريل إلَّا ربع ريال، يحل أجل وفائه في عام ١٣٠٢ هـ وبين أن هذا الدين هو ثمن بندق وهي التفق، ومع ذلك اشترط الدائن على المستدين الذي هو مشتري البندق بأنه صابر على ما بها من العيوب شهد على ذلك (إبراهيم اللافي) وكاتبه عيد بن عبد الرحمن.
وهذه وثيقة مداينة مختصرة بين إبراهيم اللافي وبين حمد الخضير، والدين فيها عشرة أريل، مؤجلة إلى انسلاخ ذي القعدة سنة ١٢٩٧ هـ.
والشاهد هو الكاتب عيد بن عبد الرحمن (الشارخ).
стр. 8839
اللَّافي:
أسرة أخرى صغيرة من أهل بريدة، يرجع نسبهم إلى مطير، وأظنهم من الجغاوين من مطير وأنهم لا يبعدون في النسب عن (الجغواني) أهل بريدة.
اللبيدان:
على لفظ تصغير اللبدان، واللبدان هو الذي لصق بالأرض ملبدًا فيها ومن المادة (ليد) الإناءَ ماءً أو لبنًا بمعنى ملأه منه حتى افعمه.
ولا أدري من أي المعنيين أخذ هذا الاسم، وأما مادة (ل ب د) فقد ذكرتها بتوسع في معجم: (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة) الذي يقع في ١٣ جزءًا.
ومثلما أنني لم أتمكن من معرفة اشتقاق هذا الاسم (لبيدان) فإنني لم أصل إلى معرفة هذه الأسرة.
والذي لدينا عنها أن كاتبا من أهل بريدة جميل الخط بالنسبة إلى خطوط الناس فيها اسمه البيدان بن محمد كان يكتب الوثائق وبخاصة وثائق المداينات الشخصين ثريين في بريدة هما علي بن ناصر السالم الذي قتل في وقعة اليتيمة في عام ١٢٦٥ هـ والثاني محمد بن عبد الرحمن الربدي رأس أسرة الربدي.
وما أبعد أن يكون لبيدان حضريا كان لأسرته لقب مالوف أو معروف مثله ولكنه كان يقتصر على كتابة اسمه واسم أبيه، اعتقادا منه أنه غريب لا يلتبس بغيره، إذ لا يوجد أو لا يكون يوجد حسبما اطلعنا عليه في أهل بريدة من اسمه (لبيدان) غيره.
وكتابة الكاتب (لبيدان) هذا لا يقتصر جمالها أو مزيتها على جمال خطها، وإنما أيضًا حسن إملائها مع اختصارها.
وهذه نماذج مما كتبه:
стр. 8840
ومنه وثيقة بخط (لبيدان بن محمد) مؤرخة في ١٠ شعبان من عام ١٢٦٤ هـ أي قبل مقتل الدائن فيها وهو علي الناصر (السالم) بسنة واحدة.
وقد صورها بإثبات شهادة فهد الحوشان، وقال: شهد عندي، والعادة ألا يقول مثل هذه العبارة إلَّا شيخ، أو طالب علم أو قاض أو نحوه.
والمستدين هو صالح آل غدير وذكر أنه من أهل النصية والذي نعرفه أن (الغدير) هؤلاء هم من أهل النبقية، ومنهم أناس معاصرون، والنصية روضة في شرق القصم تزرع قمحًا، وقد يبذر فيها القمح بعلًا أي على السيل من دون سقيه من بئر أو نحوها.
والدين في الوثيقة نوعان فهو ثلاثة أريل وستة عشر صاع ذرة عوض ريال، أي يكون مجموع الدين أربعة أريل، ومع قلة الريال في عرفنا الآن فإنه كانت له أهمية عندهم حتى إن الدائن وهو علي الناصر جعل للمدين الخيار بشأن هذا الريال الذي ساوت قيمته ستة عشر صاع ذرة، ويساوي ذلك بالوزن ٤٨ كيلوقرام من الذرة وذلك مبلغ له اعتباره في ذلك الزمن الذي كانت الحالة الاقتصادية متدنية فيه، فأعطاه الخيار إلى دخول رمضان من عام ١٢٦٤ هـ إن كان جاب الريال أي أحضر الريال للدائن سقط عنه أي يزال من ذمته ثمنه من الذرة وهو ستة عشر صاعا من الذرة وإلَّا لزمت ذمته.
أما الريالات الثلاثة فإنها لازمة، ولكنها مؤجلة يحل أجلها في شهر ذي القعدة من عام ١٢٦٤ هـ.
وقد أوضح لبيدان الكاتب بأن شهادة فهد بن حوشان كانت بحضور أو بشهادة شاهد آخر هو (محمد المطوع) ولا أعرفه بالضبط.
стр. 8841
ومن كتابات البيدان وثيقتان في ورقة واحدة، لأن الدائن فيهما هو الثري المشهور محمد بن عبد الرحمن الربدي رأس أسرة الربدي، وكان في آخر القرن الثالث عشر أغنى أعنياء بريدة على الإطلاق.
والمستدين واحد هو علي بن محمد المسعود و (المسعود) سيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله.
стр. 8842
والوثيقة الأولى مؤرخة في ٧ ربيع الأول سنة ١٢٦٩ هـ والشاهد فيها معروف لنا هو حمد بن سويلم، من أسرة السويلم الذين قدم أولهم وهو الشيخ القاضي عبد العزيز بن سويلم من أهل الدرعية أرسله الإمام عبد العزيز آل سعود قاضيًا من جهته على القصيم، وتقدم ذكره مبسوطا في حرف السين عند الكلام على أسرة السويلم.
والدين في هذه الوثيقة هو ستة عشر ريالًا يحل أجل وفائها طلوع ذي الحجة نهاية عام ١٢٦٩ هـ والمراد بطلوع ذي الحجة انقضاء شهر ذي الحجة.
والرهن لهذا الدين جريرته في ملك عمر السلمي وعمارته فيه، والجريرة هي العمارة وهو ما يكون للفلاح الذي يتفق مع صاحب نخل على أن يفلحه بجزء من ثمرته كأن يكون لصاحب الملك ثلث ثمرة النخل أو ربعها، ويكون الباقي للفلاح.
وهذا الباقي الذي يخص الفلاح هو العمارة، وأما الجريرة فقد تقدم ذكرها ولكننا نقول هنا باختصار: إنها ما يملكه الفلاح في مثل هذا النخل من حيوان أو برسيم حتى الحبال والأرشية والحمار أو الحمارة ما عدا أصل النخل فهذه تسمى عمارة.
وأما السلمي الذين يملكون النخل الذي فيه هذا الدين فهو غير مرهون للربدي لأن الفلاح المستدين لا يستطيع أن يرهنه فهو لعمر السلمي، والسلمي أسرة مشهورة.
والوثيقة الثانية مؤرخة أيضًا في ٧ ربيع الأول عام ١٢٦٩ هـ والشاهد فيها جد المستدين واسمه مسعود وشاهد آخر من أسرة الهديب المعروفة وهو (حسين الهديب).
стр. 8843
وهذه الوثيقة التي كتبها لبيدان بن محمد في عام ١٢٦٨ هـ وأشهد عليها ناصر بن وادي وحسين الهديب.
стр. 8844
ثم وجدت وثيقة فيها ذكر لعبد الله بن لبيدان - مما يدل على وجود أسرة اللبيدان - كما تخيلته من قبل، وأن لبيدان بن محمد اسم أسرته اللبيدان، وتلك الوثيقة مكتوبة في ٣ رجب من عام ١٣٠١ هـ بخط ناصر السليمان بن سيف.
وتتضمن أن ورثة عبد الله بن لبيدان حضروا عند الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وأن الشيخ قسم بينهم أمانة من النقود كانت عند محمد بن سليمان المبارك (العمري).
стр. 8845
اللحيدان:
من أهل البصر جاءوا إليها من البكيرية أبناء عم للحيدان أهل البكيرية.
منهم عبد الله اللحيدان فلاح بالمنسي وأخوه محمد فلاح بالبصر.
وعبد الرحمن بن محمد اللحيدان صاحب مؤسسة مقاولات في البصر - ١٤٢٨ هـ.
وعلي بن محمد الحواس كان مدير تعليم البنات في عفيف ثم تقاعد في عام ١٤٢٥ هـ.
стр. 8846
اللمَيْع:
أسرة صغيرة من أهل بريدة.
من الدهامشة من عنزة.
أول من سكن منهم بريدة محمد بن مكازي بن أحمد بن مكازي بن فهد بن ناصر.
جاء في العقد الثامن من القرن الثالث عشر، وتزوج في بريدة ورزق أولاد عدة.
مات محمد عام ١٣٤٧ هـ بعد أن عمر دهرًا.
ومن أولاده الشاعر المعروف غانم اللميع.
ولد في بريدة وأمه من (الماضي) الذين نسب (مسجد ماضي) إليهم لأن جدهم (ماضي) كان مؤذنًا فيه.
وله من الأبناء غانم وصالح وعبد الله وإبراهيم.
وكلهم شعراء.
ومنهم محمد بن عبد الله بن محمد اللميع شاعر إخباري معروف جلست معه في عام ١٣٢٤ هـ.
أكبر الأسرة الآن أخوه أحمد في عمر التسعين - ١٤٢٣ هـ ويعيش الآن في قرية قرب القريات في شمال المملكة.
واسمه يعني أنه من (اللِّمعان) من عنزة، واللمعان جمع لميع: تصغير لامع.
أصل اشتقاقها من اللمعان بفتح اللام والعين.
ومنهم غانم اللميع من الشعراء المجيدين.
стр. 8847
قال هذه القصيدة في الشيخ محروث الهذال شيخ قبيلة عنزة في الحرب التي جرت بين الدهامشة والعمارات من ... بسبب قصيد اللميع:
ساهر بالليل ما جاني نوادِ (١) ... من ظلايم شيخنا جره علينا
يا بو زين اخطيت عن درب القوادي ... لك سنين مرمسات مشتهينا
ندري انك شيخ وعلومك بعادِ ... مير حنا ما نبيك ولا تبينا
تبي (حامر) (٢) لك على حد الحمادِ ... تبي سيله لك وحنا ما يجينا
مرتع الفطر عريضات الثنادي ... يرتعنه وابو ما يزعل علينا
صبرنا ما يصبره كود المهادي ... رافي حملة قصيره له سنينا
يوم جار بالنسوان عادي ... حدّر النسوان عن علم يبينا
والقصيدة طويلة ..
وله قصيدة في الشاعر محمد الأحمد السديري.
وقال غانم اللميع أيضًا:
وهو الشاعر معروف بجودة شعره .. وحسن تعبيره، وها هو في هذه القصيدة يثني فيها على جلالة المغفور له الملك عبد العزيز ﵀:
يا الله يا منشي ثقيل الهمايل ... اللي بعث خدٍ مْحِيْلِهْ بالامطار
قال المعرف فصل الهرج تفصيل ... قرائض ما قالها كل بيطار
يا عيال عقب السولفه والتعاليل ... اللي أبا لي طقة النجر له كار
طب القلوب اللي يجيها الولاويل ... شيرب من البن الحمر حامي حار
وادغث لها قيمة سناف من الهيل ... ويجوز كان انك ذعرته بمسمار
واناسة لافات ثلث من الليل ... لا نام خطوى الثور مع بنت الأثوار
стр. 8848
اللي أيديهم للمراجل مساهيل ... لا ونسوا ضيف ولا دلهوا جار
وعندي لكم شور بالأشوار تفصيل ... ترى الهدا نوبات يلقي بالأشوار
دنوا ركاب معفيات عن الشيل ... اهن من الفطر ولا هن الأبكار
اختر من الجلِّس ولا هن مواحيل ... حالات حاصلهن على وقع الأكوار
عقب السري حيل يجفلن تجفيل ... لا جا نهار به تبي البيت والغار
حمر العيون امداحمات المخاليل ... اكواعهن ما قربن حول الأزوار
لي صار جيش السيره له جواديل ... متغبشات المطرق قطم الأظفار
نبغي الإمام اللي تجيه المراميل ... هو منوة اللي ينحرونه بمسيار
(عبد العزيز) الشيخ ماله تماثيل ... لا حاكم مثله ولا ظنتي صار
ولا له شبيه في وصوف الرجاجيل ... مثل (المحيط) اللي ورا سبع الإبحار
نطلب من الباري بعمره تماهيل ... فقده على العالم مصيبات وكبار
هو الذي ينقل هموم المعاليل ... كفيل كافلهم تَبَيَّن ولا نار
يا حاكم نجد حكمته بتذليل ... وشيمتها شيمة معزب لخطار
ونظفتها من ديرات الشفاديل ... بالسيف الأملح لين هديت الأشرار
وأغنيت ناس يا خو (الأنور) مساهيل ... واشبعتهم جعله حجاب عن النار
عقب الكسافة والعزر والغرابيل ... خليتها (وامر) ويأمر على (امار)
يا ستر (الأنور) زابنينك عن الميل ... حق غدا ولا تفقاه دوار
الحق ضاع وضيعته البراطيل ... حق غدا ما بين مشرك وكفار
واللي غدا حقه تجيه الهرافيل ... عليه من هرب العرج كصم تعبار
حنا عيالك ما بنا قول ما قيل ... لا شك تنحانا مكاييل الاسعار
وانتم لنا مثل الجبال المثاقيل ... نرجع لكم لو ناصل الغور وانشار
حنا كثير وراهمين على السيل ... جهام اجهم وانت تدري بالأخبار
واهل الوطن ما دوروا به تباديل ... واوثيثيا ما دوروا به هله دار
وصلوا على محمد خيار المراسيل ... نزل القرآن من والي الأقدار
стр. 8849
وللشاعر غانم اللميع أيضًا:
قال زين المثايل من كلام له ... جايز للقريب والبعيدين
عيت العين لا تقبل منامٍ له ... لا حكى القلب بشي تسهر العين
ولا ينام اللي ما حصَّل لزومٍ له ... تالي وقته يصير من المساكين
ومن لا يميز صديقه من عدوٍ له ... ثور ولا تشبهونه للبعارين
يا عشير النشامى بهّر الدلة ... إذغث الهيل من المسمار عشرين
حط له نار واحظبها على الملة ... لاجل شرب الثلاثة منها يكفيني
مار يا لابتي خوذوا قضىً له ... بالمشوك علاج للمجانين
رفضوا ضربهن هذا محل له ... بالمواريت والربع المسمين
(ويل قلب) يخاف وهو يخاف الله ... جعل من يهزم يو في به الدِّين
ناحرين الإمام ومن قعد خَلَّه ... اللي يقعد وربعه عنه مقفين
زبن من محنى الاسياف نهض له ... شوفه يبعد وراي ولا يخليني
وله ظلال مهيل وضافي ظله ... وكل الإسلام من عزه عزيزين
ما هو خطو الولد همه بنفس له ... غير مصلوح نفسه ما يبي شيني
ناقل هَمَّ نجد مع حجازٍ له ... بدوها عمها هي والبلادين
ويوم حد الجمل وادنوا له الظله ... تركبه بنت عيال قديمين
ما بهم واد كنعش من الذلة ... ولا ذكروا قبل باهلهم رديّيين
كل ما أشبت نارهم وقود له ... لين يصفي قراح الماعن الطين
عثرت على وثيقة مؤرخة في ٥ صفر عام ١٣٤٨ هـ بخط عبد الرحمن بن محمد الحميضي فيها شهادة لمحمد اللميع بالاشتراك مع محمد الحمد الجنيدلي بأن فهاد بن صامل أوصى بثلث ما وراءه بعد موته الخ.
وهذه صورتها:
стр. 8850
اللُّويث:
بضم اللام في أوله تليها واو مكسورة فياء ساكنة وآخره ثاء.
من قولهم لاث الحبل الذي يريد أن يعقده، فلم يحكم عقده فهو عقد مليوث وهو لويث.
ومن هذا العملُ (لويث) أي غير متقن العمل.
وأسرة اللويث من أهل بريدة كان يقال لهم السعد وقد برز منهم أشخاص في مجالات عدة.
منهم سليمان بن عثمان السعد الملقب اللويث، كان بينه وبين الشاعر الشهير سليمان بن شريم مساجلات شعرية، وكان صديقًا لعدد من الشعراء وأرباب الكلام المتميز.
مما قال عبد الله اللويحان في سليمان وعثمان السعد الملقب الأسود في قهوة سلطان المواش بريدة:
أوي والله خطية ظاهرة يا أبو عليَّان ... وقفت بشتي وأنا أحسب أنك رفيقٍ لي ووْالى
عند المداخيل حلوك تشعشع يا كحيلان ... وصلت منه أربعة مير الفخر عند التوالي
فقال سليمان السعد:
يا كيف أبي أوفيك ومحمد يبات الليل جوعان ... زعلت ورضاك با الممدوح ما جا على فكري وبالي
стр. 8851
دينتني بشت سمط بايد مع كل ما كان ... لو هو عطا منك يا عيد النضا ما هو غالي
فرد عليه اللويحان:
برقت وإلين قليل المال للطلَّاب صلطان ... لي قلت ابي أشكي قال: شف باب القصر قبالي
يا ليت باقي الطلب يرجع لابو ناصر سليمان (١) ... اللي لي قلَّ ما بيدي ما يكشف حوالي
فقال ابن شريم:
ابشر برفقة عميل لو يشين الوقت ما شان ... والله ما أجزي رفيقي بالردى من كان حال
فقال لويحان:
ورا يوم التزم لك بالوفا عمك سليمان ... ما قلت سَلَّم عند حضرات الرحال
مير ما انيب من ينكر المعروف ويجازي بجحدان ... ابتل على عشرتي وارسي كما رسي النجم الشمالي
فقال ابن حصيص:
يكفيك ذكر الرجال مع الرجال بكل الأوطان ... ترى الرجل ينقد مثل تنقيد الريال
стр. 8852
فقال لويحان:
أنا أشهد أن ( ... ) مثل الربا وزود الربا بنقصان ... هو مثل اللي ما يشوف الشمس ويشوف الهلال
وقال ابن شريم في سليمان بن عثمان السعد اللويث:
يا أبو علي يا مسندي قم غلِّق الباب ... قسم غلق الباب عن رودٍ يجينا
عن واحدٍ ما قرا بكتاب الآداب ... يدخل علينا وهو ماخش فينا
ومنهم سعد بن عثمان اللويث كان سائق سيارة الأمير عبد الله بن فيصل الفرحان أمير منطقة القصيم في وقت كان السائقون المجيدون قليلًا.
ومن ذلك أن الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ استدعى شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد لكي يحضر إلى الرياض لمقابلته وبحث بعض الأمور المهمة معه، وذلك في عام ١٣٦٧ هـ.
وقد أمر الملك عبد العزيز أمير القصيم عبد الله بن فيصل بأن يعطي الشيخ ابن حميد سيارته - أي سيارة الأمير - لأنه لم يكن لدى الشيخ عبد الله بن حميد آنذاك أية سيارة.
وقد أعطاه ابن فيصل سيارته بالفعل ومعها سائقها (سعد بن عثمان اللويث) وقد أمر عليَّ شيخنا الشيخ عبد الله بالذهاب معه إلى الرياض على سيارة الأمير وهي صغيرة من طراز (فورد) القديم، ولم يكن في السيارة إلَّا الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ علي العجاجي وأنا وابن أخ للشيخ صغير السن هو عبد العزيز بن عبد العزيز بن حميد.
стр. 8853
وقد رأينا من حسن تصرف (سعد اللويث) واختياره للكلمات وتقديره للشيخ ومن معه ما أعجبنا.
وبعد سنين ترك العمل الحكومي وتفرغ لتربية اللقطاء، وهم الأطفال الذين يكونون نتيجة لنزوة طائشة وتتخلص منهم أمهاتهم عن طريق تركهم أمام المساجد أو في مكان عام.
فكان سعد اللويث يربيهم بإذن من القاضي وينفق عليهم مما يأتي إليه من الحكومة أو من عامة الناس من مساعدات.
قال: إذا كبر الطفل منهم وبلغ الحلم زوجناه من جنسهم من القطاء الذين لا أهالي لهم.
مات سعد اللويث عام ١٤١٩ هـ عن نحو تسعين سنة.
اللويحان:
على لفظ مثني تصغير اللوح: مفرد الألواح في حالة الرفع.
أسرة صغيرة من أهل بريدة يرجع نسبها إلى العناقر.
جاءوا إلى بريدة من بلدة نفي شمال غربي القصيم.
أول من جاء منهم عبد الرحمن بن مانع ومانع هذا هو الذي لقب (لويحان) فغلب اللقب على ذريته ومعه ابنه الشاعر المشهور عبد الله بن عبد الرحمن اللويحان الذي اشتهر أيضًا باللوح تكبيرًا له عن اللويح.
وهو الشاعر العامي المجيد الذي طبع ديوانه أكثر من مرة، وكانت له منزلة عند الأمراء فكان يذهب إلى الرياض يكون في خدمة الملك عبد العزيز كما كان في صحبة الأمير محمد بن الملك عبد العزيز آل سعود فترة طويلة من الزمن
стр. 8854
وكان أيضًا في خدمة الملك فيصل وله معه مساجلات شعرية، واستمرت هذه الأسرة في بريدة وتوفي كبيرها فيها وهو عبد الرحمن والد الشاعر عام ١٣٥٦ هـ. ودفن في بريدة، وتوفي فيها ابنه الشاعر محمد.
وولد للشاعر عبد الله ابنه عبد الرحمن فيها عام ١٣٤٧ هـ ثم انتقلت الأسرة إلى مكة المكرمة.
أما الشاعر عبد الله اللويحان فقد توفي عام ١٤٠٢ هـ بعد أن جاوز المائة وقيل: إن عمره بلغ ١٠٥ سنين.
وقد تزوج عبد الله اللويحان من أهل بريدة امرأة من آل رميح الذين هم من باهلة فرزق منها بابنه عبد الرحمن.
حدثني عبد الرحمن بذلك بعد أن التقيته في مكة المكرمة، وقال: نشأت في بريدة لأن خوالي من أهل بريدة، والذي كان مقيما في بريدة، ولم نكن نعرف لنا بلدة غيرها، الآن والدي كان يسافر في طلب الرزق ثم يعود إلينا في بريدة.
ولعبد الله اللويحان شعر كثير وقد طبع ديوانه أكثر من مرة وفي أكثر المرات كان يشرف عليه ويدخل فيه أشعارا لغيره من الشعراء يستحسنها وينسبها إليهم.
ولكن حصل تحريف في بعض الأبيات ولست هنا في مجال إيضاح ذلك وتصحيحه لأن كتابنا هذا كتاب أسر يمكن أن يكتفي من شعر شاعر بما تيسر.
من شعر عبد الله اللويحان الذي كتبه محمد أبو طامي عنه من لفظه، وكان لويحان يسكن بيتًا في شمال بريدة قريبًا من باب السور الشمالي القديم ويقع إلى الشمال من مسجد عبد الرحمن بن شريدة المعروف الآن.
وكان أبو طامي جارًا له ويجلس معه.
стр. 8855
وكان بيتنا غير بعيد من بيتي الرجلين ولكنني كنت صغير السن لا أعقل من هذه الأمور شيئًا آنذاك.
وقد نقلت هذا الشعر من خط محمد أبو طامي الذي نقله عن الشاعر مباشرة.
مما قال لويحان بسته:
الغالي واكود فراقه ... على قلب ما يطاقه
خذا مني مهجة روحي ... وامسيت بسجنه مطروح
سهرت البارحه والليله ... وانا ما في يدي حيله
سبب ما بي من غندوره ... طرة خده مثل الصورة
كنه بدر الدجا كنه ... لكنه من حور الجنة
اللي لايمني ما يدري ... يحسب المرينه بدري
يسمع خلي ولا يسمع ... ولا يعطي ولا يمنع
والله ما اعرف وش مقصوده ... يكفيني نقصه عن زوده
من عاشر بيض الخدود ... يدري بالنقص وبالزود
يا عذالي لا تمحني ... افدني وش تطلب مني
إلى ذكرته ووصافه ... غزا قلبي عقب انكافه
لله يا عَدَّالي لله ... عاصك اولا فيه شكلَّه
لولاي امشي وادهج سوقه ... يكفيني شوفه عن ذوقه
فرقي من تهواه مصيبه ... صعيبه يا ناس صعيبه
غض غضيض مملوح ... عليه فوادي مجروح
احب الغالي وحضوره ... يا خذ شوري وآخذ شوره
عرض من دونه ساموح ... علي مراعاي مشفاقه
ما من صديق نشكي له ... غدا بالصغير، وساقه
стр. 8856
أصفى من ضوح البنوره ... يعجب باشكاله وارناقه
ما به هنه ولا ونّه كامل وا ... لكامل خلاقه
مالمس تفاح الصدر ... ما شرب الغرام أو ذاقه
يصنع بي سيدي ما يصنع ... صنع الهندازه بالطاقه
نبنوب ريان عوده ... لا عبجه ولا بدقاقه
ولا يلحقني منقود ... عنده برهان لعشاقه
برق بالحمام يغني ... ما ذراه رمي التفاقه
اللي لا يمني ما شافه ... لو انه قد شافه عاقه
اللي مجبور في خله ... يقوده سير الخناقه
يتل القلب ومعلوقه ... تل المشبوك لسباقه
اللي قد جرب يدري به ... مضمون الحظ بملحاقه
ينفعني يوم أسمع وأوحى ... رنت خلخاله في ساقه
لسان ابن ادم ماموره ... مفتاح القلب ومغلاقه
الغالي واكود فراقه ... على قلب ما يطاقه
ولعبد الله اللويحان أيضًا: في الغزل:
يا حمامة غريبة عند باب السلام ... شفت رسم الهوى باطراف جنحانها
ذكرتني طواريق الهوى والغرام ... حارت الرجل بالمسعى على شانها
رسمها رسم نجد اللي سقاه الغمام ... يا عرب كن زهر الورد باوجانها
ليتني طفت معها بالحرم والمقام ... أفهق الناس عنها وارفع اردانها
عقبها العين ما ذاقت لذيذ المنام ... من يلوم العيون بشوف خلانها
أتنشد ولا جاني وكيد العلام ... عسكر القلب عقبه مات سلطانها
стр. 8857
وقال عبد الله اللويحان أيضًا:
ألا يا عين لدّى له ترا دنياك ختاله ... تمقل بالعشير الي صفالك قبل الإبعاد
إلى مدت مراحيله وكل راح في فاله ... تهلين العباير من نظيرك تن وافرادي
عزيل للقلب عزي له تراك أسباب غرباله ... وهو لولاك كان يضامري ماهوب نشاد
غزال نافل جيله رجس بالساق خلخاله ... أنا والنفس من دونه ماغير بحرب ولجهادِ
ماهوب بعيد أوصى له وأباسايل عن أحواله ... قريب بعيد مضنوني ولا قلقا ولا عادِ
أنا ما في يدي حيله وأنا أدري وين مدهاله ... ولا جاني من اللي تشتهيه النفس روادِ
حياة الرجل وش هي له إلى ما أدرك هوى باله ... يزل به الدهر ما ذاك حبة غض الأنهار
ولعبد الله اللويحان أيضًا على الطرق القصير:
يا سلام عليكم يا السَّعود ... عدَّ من طب مكه واشترى
يفرح القلب بأيام السّعود ... يا وسيع المعرفه وش تري
ما تحب الكمنجه بس عود ... نبنب القلب عقبه واشترى
ولعبد الله اللويحان أيضًا هذه القصيدة، وكان قصده أن يتزوج فطلب من الأمير محمد بن عبد العزيز المساعدة والرخصة فوعده، ولكنه ما أرخص له في الحال، فمن أجل ذلك قال هذه القصيدة، فلما سمعها الأمير محمد بن عبد العزيز أعطاه ما وعده وأحسن إليه وأذن له بالسفر إلى بلد الشعرى ليتزوج بها، فقال:
قضيت جمالة لازمي من هل السوق ... كله برجوى اللي عزيز جلاله
ثم انت ياللي بالملازيم ماثوق ... تزيد حبل اللى قصار حباله
ادري بنفعاتك تجيني بلا عوق ... متعود منك الوفا والجزاله
انتم ربيع اللي من الوقت ملحوق ... من ظامته دنياه شد وعني له
لو لازمي يا فرز الأبطال مفهوق ... صبرت مير العرس تدري بحاله
стр. 8858
راعيه ما يمرح ولو غَمَّض الموق ... دايم يزوَّل له عشيره قباله
يا سيدي شفق على وصلة الشوق ... بسعودكم جت منوتي بالسهاله
دوك المواتر كلها سنَّدت فوق ... واللوح قازى من منامه لحاله
القلب عند مورس الخد ماسوق ... هذا وانا ماشتفت لمحة خياله
لانيب لاسابق ولا نيب مسبوق ... من جاز له شيء برجله مشي له
وله أيضًا:
عز الله أني دالة القلب ومريح ... لين اعترض لي بالهوي مودماني
الصاحب اللى جرح القلب تجريح ... تجريح سيل في عروض المحاني
لولا الحيا لأطوح الصوت واصيح ... على عشير عنه شطني نحان
لو أعشيري قدهاك الحاليح ... يكسر عليه العصر فيّ ذهلان (١)
سقا دياره مرزمات المراويح ... آمين ياللي ترزق المودماني
وقال عبد الله اللويحان هذه القصيدة وسببها أنه في مصر خرج ذات يوم من الأيام هو وبعض أصدقائه إلى محل معروف عند أهل مصر باسم القناطر الخيرية، فلما وصلوها فإذا هي مزدهرة بالأشجار والماء العذب، فقال هذه الأبيات:
شعر مثل يا فاهمين التماثيل ... كل يجي شعره بحسب اقتداره
من عاش ينظر بالسنين المقابيل ... يذوق من عقب البروده حراره
الطيب يخلق مع قلوب الرجاجيل ... ماهوب في بنك التجاره تجاره
والرزق من عند الولي بالتساهيل ... ماهو بالقوه ولا بالشطاره
من عاش في حيله وكذب وتهاويل ... ياسرع من عقب الطلوع انحداره
стр. 8859
والشور ما ينفع قلوب المهابيل ... كالزند وان حرك تطاير شراره (١)
لو تامره بالعدل يعرض عن الميل ... بتل على رايه بربح وخساره (٢)
والطبع ما ينزال غيره بتبديل ... مثل الجدى مرساه ليله نهاره
والحنظله لو هي على شاطي النيل ... زادت مرارتها القديمه مراره
هذا مثل يا فاهمين التماثيل ... كل يجي شعره بحسب اقتداره
وله أيضًا وهو في مصر وكان يبحث عن مسكن فأشار عليه أصدقاؤه أن يسكن في فله فأبى وأعرض عنهم وأنشد يقول:
ماني على ما تكره النفس محدود ... خل السوالف يا عذولي قصيره
انا بمصر اللي به الخير ماجود ... إلى تصعب شي دورت غيره
انا بخير وعز من فضل ابا الجود ... يوم أن بعض الناس يرجف ضميره
لاهوب لا ناشد ولاهوب منشود ... حتيش لو صارت فلوسه كثيره
من الجهل ما يفهم البيض والسود ... العلم جاكم وافهموا لتعبيره
وله أيضًا في الأمير فيصل بن عبد العزيز (الملك فيصل بن عبد العزيز بعد ذلك ﵀ بمناسبة سفره إلى مصر عام ١٣٧٠ هـ:
يا سيدي جينا ديار الأجانيب ... اللى بها من كل شكل غريب
طبيت أنا مصر المسمى ولانيب ... بايع ولا شاري ولا لي نسيبِ
وأبديت ما كنيت غصب بلا طيب ... حيران بين الواردة والعزيبِ
يوم اشتعل وجهي وراسي من الشيب ... وصار البعيد اللي منول قريبِ
стр. 8860
فلا ذكرت إلَّا أنت يا ماقع الطيب ... حيثك نجيب من صلايب نجيب
يا سيدي فيصل مهدي الأصاعيب ... فرز الوغى لا طم شبات الحريب
بدر الدجا عنه الكواكب محاديب ... إلى بدي نجم المعادى يغيب
ما خبر فيك إلَّا ثلاثة عذاريب ... والكل منها في جنابك مصيب
تارد على حوض المنايا إلى هيب ... والفضل والرأي القوي الصليبي
والرابعة تأبا عن المكر والعيب ... وافي واعي وللمشاكل طبيب
حليم تنقض مبهمات اللواليب ... ولك بأكبر القالات حظ ونصيب
ثم الجواب اللي طوالي بترتيب ... والله على ما قلت فيكم حسيبي
طلابة المعروف من غيركم عيب ... مثل المدور بالنعامة حليبي
ولعبد الله اللويحان في الغزل:
البارحة ما هملج الطرف بنعاس ... ما فاض من نجم عيوني تخيله
لا بأس يا عيني على السهر لا باس ... على وليف فات وما لقينا مثيله
عنّا قطع شوف المواصل له امراس ... ولافي يدي من نابي الأرداف حيله
فيما مضى ياخذ جوابي من الرأس ... واليوم لاعاني وأنا ماعني له
العشرة اللي ما توثق علي ساس ... تطيح لو صارت حصون طويله
باونتي منها المعاليق يباس ... صبري قضى ما باقي إلَّا قليله
صبرت صبر صابني منه وسواس ... صبر له النفس العزيزة ذليله
على وليف حال من دونه الياس ... والياس طب للقلوب العليله
من يتبع المقفي مرده بالافلاس ... مثل الذي بالقيظ يدفق صميله
هدى دروب الحب جدد ودراس ... الله يمظيها بستر وجميله
موفق للخير يا ظبي الاطعاس ... لا تحسب الدنيا ياهلها طويله
الصاحب الغالي نحطه على الرأس ... واللي يودك لا تدور بديله
صلاة ربي عدّ ما هب نسناس ... على نبي وضح الله دليله