أبناء عم للمشيقح وهو أستاذ في الجامعة ومن المهتمين بهذه الأمور أن أوائل آل أبو عزام كان يقال لهم آل ابن عرفة ويسمون آل أبو عزام بن عرفة.
وإن سليمان بن عرفة هو جد آل أبو عزام الذين في القصب، ومحمد بن إبراهيم بن عزام هو جد آل أبو عزام أهل أشيقر الذين تفرع منهم المشيقح.
وتعليقا على ما نقل إلينا عن الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى من أن آل أبو عزام في أوشيقر أصلهم رجلان جاءا إلى الوشم في القرن السادس الهجري.
أقول: إني سمعت من أكثر من مصدر شفهي عن الشيخ إبراهيم بن عيسى المذكور، أن الرجلين قدما من مكان اسمه (الملقي) أحدهما نزل القصب والثاني وهو جد المشيقح نزل في أشيقر.
ونحن لا نعرف مكانا يقال له في القرن السادس الهجري (الملقي لذلك تبادر إلى ذهني أنّه قد يكون (البلقا) فالبلقا في أطراف الشام، وهي مكان فيه قرى ومواضع معمورة.
أول من جاء منهم إلى عنيزة:
استخلصنا من المعلومات العامة الموجودة عند آل عزام من أهل أشيقر وشقراء، ومن الأحاديث الشفهية أن أول من جاء من آل عزام إلى عنيزة من أوشيقر وصار جد المبيريك الذين منهم المشيقح وجد أبناء عمهم الحلوة هو (محمد بن إبراهيم بن عزام) وأنه قدم إلى عنيزة وحده، فلم يكن قد وفد مع جماعة من أسرته، أو من أبناء عمه كما كان قدومهم إلى بريدة من عنيزة عندما قدموا وهم جماعة كبيرة.
وإن (محمد بن إبراهيم بن عزام) كثرت ذريته في عنيزة وتفرقوا إلى فرعين هما المبيريك الذي منهم (المشيقح) والحلوة الذين عمروا خب الحلوة، ونسب إليهم.
стр. 9557
وقد وجدت ورقة من الأوراق القديمة لأهل أشيقر فيها ذكر ذلك الرجل الذي هو (محمد بن إبراهيم بن عزام) جد المشيقح وأبناء عمهم من المبيريك، والحلوة وغيرهم، والورقة تظهر من عباراتها والكلام الذي فيها أنها من مكتوبات أول القرن العاشر أو آخر القرن التاسع، وتاريخها ساقط، لكن يفهم ذلك من عباراتها ومن ذكر اسر معروف أنها قديمة السكني في أوشيقر، بل أن بعضها كآل عقبة معروفون، وأنها كانت تعيش في أوشيقر في القرن الثامن الهجري وما بعده، وهي الأسرة التي منها مولي (صبيح) صاحب وصية صبيح التي فيها تاريخها واضحا في القرن الثامن الهجري.
وقد أشارت الورقة المذكورة عدة إشارات إلى أسرة (آل عزام) في أوشيقر.
والورقة تتضمن قسمة أملاك، ونصيب مسايل وهي جمع مسيل بمعني الوادي، أو المجرى المائي الذي يسيل بماء المطر، فمن ذلك ما جاء فيها:
(لمحمد بن إبراهيم بن عزام) أيضًا عشرة أسهم، وهذه في ورقة رديفة، وفي الورقة الأصلية ما يلي، مما يتعلق بآل عزام وأبناء عمهم آل عرفة.
وبجفرة بن غضنفر أحد عشر وربع (سهم) وهن لشعابي (آل عزام) والظاهر أن المراد بالشعابي: جمع شعبة وهو الفرع الصغير للوادي الذي يجري من السيل.
ثم قالت:
(ولشعبي آل ابن عرفة) وهم أبناء عم لآل عزام وهو الشرقي أثنا عشر وربع (سهم) منها أربعة شاريهن تليعة من أحمد بن سليمان من سقي الجفرة.
والتليعة: تصغير تلعة وهي مجرى السيل الصغير الذي يصب في الوادي الذي أكبر منه.
стр. 9558
ثم قالت: ولحايط راشد الأسفل منها خمسة عشر (سهما) فهن عشرة لابن عزام.
وقالت: ولحايط راشد الأسفل ثلاثون سهما الحريملي أحمد بن محمد خمسة عشر سهما، عشرة: أصله، وخمسة من سقي جفرة (آل عزام)، ابن عرفة.
وهذا يدل على قرابة (العزام) أصل المشيقح وأبناء عمهم وأنهم أبناء عم لآل عرفة وأنهم متفرعون منهم.
وقالت: ولحايط جميلة خمسة عشرة سهما، ولجفرة (آل ابن عرفة) عشرة أسهم، إلى أن قالت:
ولشعبي آل ابن عرفة أحد عشر سهمًا وله أيضًا من سقي حويط آل الخرافي سهم واحد.
وقالت بعد ذلك:
وللعويقيل أربعة أسهم لتليعة: ثلثها وهو لجفرة (لآل عرفة).
ثم ذكرت مكانًا مهمًا اسمه الحوطة، وقالت فيما هو ظاهر أن المراد به سقي هذه الحوطة، والأماكن المذكورة معها.
و(السليمان بن عرفة) منها ثمانية أسهم.
هذا وقد احتفى كاتب هذه الورقة بها فذكر اسمه مسلسلا ولكن آخره الذي يه اسم أسرته وهو المهم قد أصابته أرضة أو رطوبة، فقال:
شهد على ذلك حجي بن عقبة، وكتب ذلك كله علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله.
стр. 9559
وهذه صورة الورقتين المهمتين ومعهما ثالثة هي جزء منهما أو مماثلة لذلك، وظني أنهما منقولتان من أصل لم نقف عليه.
стр. 9560
انتقال الأسرة إلى بريدة:
قلت فيما سبق: إنّ أوائل المشيقح كانوا قدموا من أشيقر إلى عنيزة في القرن العاشر الهجري أي سنة تسعمائة ونيف على الرأي الأخير، واستقروا في عنيزة زمنًا، وربما أزمانًا حتى صاروا فيها من ذوي الأملاك والعقارات، ولذا صبروها صبرة طويلة الأمد، وأنهم بعد ذلك انتقلوا إلى بريدة.
ونحن كما أنّه ليس بأيدينا نصوص مكتوبة عن تاريخ محدد بالسنة الوصول أولهم إلى عنيزة فقد قدرنا أنهم بقوا فيها ما بين ١٣٠ إلى ١٥٠ سنة، فإننا نعرف من كلام الإخباريين وهم جمع إخباري بكسر الهمزة الذين ينقلون الروايات شفهيًا أنّه كان لأوائل المشيقح وهم في عنيزة أعداء كانوا قد اختلفوا معهم وأنه بلغ من عمل أولئك الأعداء أن وضعوا نجاسة في المكان الذي كان يسجد فيه شيخ كبير هو والد أسرة منهم، وأنه تلوث بتلك النجاسة، فلم يسع أولاده وأسرته أن يسكتوا على ذلك، ولكنهم أضمروا أمرًا نفذوه بدقة وهو أن يسعوا خفية في تصفية أعمالهم في عنيزة وبيع ما يستطيعون بيعه وإيجار مالًا يستطيعون بيعه من أملاكهم ثم يرسلون نساءهم سرا إلى بريدة وإذا عرف أحد بأمرهم ذكروا له أنهم ذهبوا لزيارة بريدة وإلَّا يبقوا إلَّا رجالا من الأسرة، وفي ليلة ظلماء يذهبون إلى الشخصين الذين وضعا النجاسة في المكان الذي يصلي فيه والدهم فينتقمون منهما ثم يلحقون ببقية الأسرة في بريدة.
وهكذا كان فقد قتلوهما كما قيل، ولم يبق من أسلاف المشيقح أحد في عنيزة من ذلك التاريخ، وإننا لا نعرف بالضبط تاريخ ذلك، ولكننا نظن أنّه في القرن الحادي عشر أي سنة ألف ونيف من الهجرة.
ودليلنا على ذلك أمور أولها أن أملاكهم التي في عنيزة هي مشتركة مع أسر من المعروفين بأنهم أبناء عم للمشيقح مثل الهاشل والحلوة والقريعان والمبيريك والشريما والزايد وقد أخبرني الشاعر عبد العزيز ابن هاشل وهو ابن
стр. 9561
عم لهم أن عبد العزيز بن حمود آل مشيقح كان يوزع ما يحصل عليه من صبرة تلك الأملاك في عنيزة على أبناء عمومة المشيقح من الأسر الأخرى الذين افترقوا عن المشيقح قبل أن يحملوا لقب المشيقح.
ولا شك أن تفرع الفروع من الأسرة واكتسابها ألقابًا جديدة يحتاج إلى وقت.
ثانيها: أن جد المشيقح القريب وهو مشيقح بن عبد الله المبيريك كان عاش في القرن الثاني عشر بدليل أن وثائق ذكرت ذلك عنه من ذلك ما حدّثني به شقيقي القاضي سليمان بن ناصر العبودي أنّه عندما كان قاضيًا في محكمة بريدة تنازع عنده الجربوع (آل جربوع) والمشيقح في إحدى رياض البطين الواقعة شمال مدينة بريدة، قال: فأحضر آل مشيقح وثيقة تفيد تملك جدهم مشيقح بن عبد الله المبيريك لتلك الروضة والوثيقة المذكورة مؤرخة في عام ١١٩١ هـ.
قال: ولكن الجربوع أبرزوا وثيقة تملكهم لها في وقت أقرب من تلك إلى جانب أدلة أخرى أنها لهم دون المشيقح فحكمت أنها للجربوع.
ومن المعلوم أن عبد الله بن مبيريك والد مشيقح كان من أهل بريدة بل وجده كان ساكنًا في بريدة، وإذا اعتبرنا المعروف عن آل مشيقح الأولين وطول أعمارهم قدرنا أن جد مشيقح كان موجودًا في بريدة في القرن الحادي عشر ولا شك أن العقل لا يمنع أن نفترض أنهم كانوا في بريدة حتى قبل ذلك، إلَّا أنهم كان اسمهم آنذاك (المبيريك).
ولكن ما ينبغي التنبه له أن المشيقح لم يكتسبوا هذا اللقب إلَّا من جدهم مشيقح الذي عاش يقينًا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر والنصف الأول من الثالث عشر، وأن لقب الأسرة قبل ذلك هو (المبيريك) وهو لقب لا يزال بعض أبناء عمومة المشيقح يلقبون به، بل هو اللقب الوحيد لأسرة أولئك حتى الآن.
стр. 9562
غير أن هذا يجرنا إلى السؤال المهم، وهو السؤال عن اللقب الذي كان الأسرة أسلاف المشيقح قبل أن يسموا (المبيريك)؟
أهو اللقب القديم للأسرة (آل أبو عزام) أم هل هو (العزام) فقط؟ أم غير ذلك؟
لا شك عندي في أنهم كانوا يلقبون باللقب الأصيل الذي كان لهم قبل أن يصلوا إلى القصيم، وهو (آل أبو عزام) وسوف نأخذ بهذا حتى يصل علمنا إلى شيء آخر بدليل جديد أو قرينة تدل على ذلك، فذلك كان اسمهم عندما وصلوا إلى عنيزة من أشيقر.
وبعد كتابة ما سبق بسنوات وصل إلى علمي الخبر شبه اليقين بأن اسمهم عندما وصلوا إلى عنيزة هو (العزام) بحذف (آل أبو) وأنه تغير إلى المبيريك بعد ذلك في آخر عهدهم بعنيزة، وتغير اسم أبناء عمهم إلى الحلوة فأصبح العزام في عنيزة فريقين: فريق اسمه (المبيريك) وهم الذين تسلسل منهم المشيقح، وأبناء عمهم الأدنين وهم الشريما والقريعان والحبيتر والشريدة بتشديد الياء، وفريق صار اسمه (الحلوة) وهم الذين تسلسل منهم الحلوة والزايد والحفير والهاشل والأردح والنمر.
ونسوا جميعًا لقب (العزام).
أصل المشيقح:
المشيقح: أسرة غنية وجيهة رزقت من المال والوجاهة ما لم ترزق أكثر الأسر غيرها في زمنها في منطقتها، ولذلك صار العلم بأحوالها الظاهرة أمرًا يفرض نفسه، ولكن بقدر ما كان النّاس يهتمون به وما كانوا يبحثون عنه اختلفت آراء بعضهم عن بعض.
وقد زاد الأمر غموضا أن (المشيقح) قوم عمليون لا يبالون إلَّا بما يفيد عملهم وتجارتهم ومكانتهم الحاضرة.
стр. 9563
لذلك لم نجد عندهم عناية بالأصل القديم الذي تفرعوا منه، ولا البلد الذي جاءوا منه إلى منطقة القصيم، والمراد كيفية مجيئهم وسببه، وتاريخه، إلا ما رووه متفقًا مع ما يعرفه أهل الوشم الذي كانوا فيه قبل مجيئهم إلى القصيم وهو أنهم كانوا في (أشيقر في منطقة الوشم، وأنهم من (آل أبو عزام) وهذه أيضًا أول ما سمعت بها من أناس من أهل الوشم ثم صدقها المهتمون بذلك من (المشيقح) وأبناء عمهم.
وقد رجعت إلى بقايا (آل أبو عزام) الذين بقوا في الوشم ومن أهمهم بالنسبة إلي الشيخ عبد الله بن إبراهيم العبودي - هكذا اسمه مطابق لاسم أسرتنا - ولكنه من (آل أبو عزام) الذين منهم المشيقح يقينا وهو شيخ كبير القدر آخر ما عرفت عنه أنّه يشغل المرتبة الرابعة عشرة، وهي مرتبة وكيل الوزارة المساعد، ويعمل باحثا في رئاسة الإفتاء والدعوة والإرشاد التي كان يرأسها الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀.
فلم أجد عندهم إلَّا ما ذكرته فيما سبق.
رحيل أوائل (المشيقح) من أشيقر إلى عنيزة:
يجب الانتباه إلى أننا نقول هنا (المشيقح) للتعريف وإلا فإنهم عندما رحلوا لم يكونوا يسمون المشيقح، وإنما كانوا يقال لهم (آل أبو عزام).
رحلوا إلى عنيزة، وليس لدينا تاريخ موثوق به يحدد تاريخ رحيلهم مثل غيرهم من الأسر التي لا يكون بين أبنائها مؤرخون أو كتبة مهتمون بتسجيل أخبارهم، ولكننا نفترض من القرائن وما لدينا من المعلومات الصحيحة فنقول إنّ هجرتهم من أشيقر إلى عنيزة كانت في القرن العاشر أي في عام ٩٥٠ هـ على وجه التقرير.
وقد سلكوا في الهجرة إلى عنيزة مسلك كثير من أهل الوشم الذين يهاجرون من أشيقر إلى عنيزة في ذلك الوقت كأسرة آل بسام والقاضي.
стр. 9564
وقد بقوا في منطقة عنيزة نحوا مائة وخمسين سنة أو نحو ذلك كما سبق توجيهه.
وقد حصلوا أثناء ذلك على ثروة مكنتهم من شراء أملاك وعقارات كانوا أجروها أو صبروها بعد ذلك، وبقيت معروفة إلى عهد قريب، حتى بعد أن صار المشيقح أغنى أغنياء القصيم.
وكانوا يعتبرون ريع تلك العقارات وهو ربع قليل للأسرة كلها أي للمشيقح وللأسر المتفرعة معها أو التي هي من أبناء عمهم التي تفرعت مثلها منهم عندما كانوا في عنيزة.
حدّثني عبد الكريم بن عبد الله ابن التاجر الثري عبد العزيز المشيقح أن محمد الحميّد - بتشديد الياء - عندما كان تاجرًا جمالًا بين بريدة وعنيزة كان يأتي إلينا بصبرة أملاكنا في عنيزة.
أقول أنا كاتبه محمد العبودي: لقد عرفت محمد بن حميد السعد المذكور وهو من آل خويطر جَمَّالًا لديه إبل يتنقل بين بريدة وعنيزة ولكنه كان تاجرًا أيضًا يبيع لنفسه ويشتري.
وذلك في حدود سنة ستين وثلثمائة وما قبلها وما بعدها بقليل، وهذا أمر ثابت حتى إنّ واحدًا من (المبيريك) وهم الملقب (أبو نصرة) أخذ وكالة من المشيقح ليطالب بتلك الأملاك ليستعيدها وقد أصبحت ذات قيمة، ولكنه لم يستطع، ربما لكونه لم يستطع تحديدها أو لم يستطع أن يجد الأوراق التي تحددها، أو لم تكن مدة الصبرة فيها قد انتهت.
ولا يزال المشيقح يذكرون أبنية عديدة في عنيزة واقعة في أرضهم القديمة حتى قالوا لي: إنّ جامع عنيزة الكبير كانت أرضه من أملاكهم، أو قالوا من أوقافهم، قدموها للذين بنوا المسجد.
стр. 9565
وهذا يدل مع ما عرفناه بالاستفاضة على أن المشيقح صاروا أهل ثراء في عنيزة فيما كانت أجورها أي صبرتها معروفة إلى عهدنا.
والصبرة هي الأجرة القليلة العقار لمدة طويلة، وأهل عنيزة بالذات معروفون من بين مدن القصيم وقراه بطول مدة الصبرة المذكورة عندهم حتى وقفت على صبرة مدتها ألف سنة، في مقابل أجرة تدفع سنويًا، إمّا أن تكون نقدية، أو بعروض كالقمح والشعير.
أما الإيجارات لمدة خمسمائة سنة ومائتي سنة فإنها شائعة وهي الصبرة.
وأخبرني أحد آل مشيقح أن أحد العقارات انتهت (صبرته) وهي مدة إجارته الطويلة، وأن المشيقح أجروه أيضًا مدة طويلة لمدة مائة سنة، أو أكثر من ذلك قليلًا، وقد أفادتني هذه العقارات فوائد منها أن إقامة أوائل المشيقح الذي يجب أن نعود ونذكر بأنهم لم يكونوا يسمون المشيقح في ذلك الزمان قد أقاموا في عنيزة طويلًا حتى أثروا وتملكوا عقارات فيها، لأن طبيعة الاقتصاد وضيق المعيشة، وقلة الثروة لم تكن تسمح بأن يتملك المرء العقارات من الأراضي الزراعية والنخيل وحتى البيوت وغيرها بسرعة.
ولكن الفائدة الكبيرة لها بالنسبة إلينا من الناحية العلمية التاريخية أنهم كانوا ملكوها قبل أن يتفرعوا إلى تلك الأسر العديدة التي نعرفها الآن، لأن عبد العزيز بن حمود المشيقح ﵀ وهو الذي ولد في عام ١٢٩٠ هـ؛ وتوفي في عام ١٣٧٢ هـ. كان يقسمها بين المشيقح وبين الأسر التي هي أبناء عم لهم كما سبق نقل ذلك عن (الهاشل) فدل ذلك على أن تلك الأسر الكثيرة كان أصلها واحدًا في عنيزة أي عندما كان أوائلهم في عنيزة، وأنهم تفرعوا بأكثريتهم في بريدة، وأن قليلًا منهم وجدوا في عنيزة.
ولكن الوثائق المكتوبة فضلًا عن الروايات الشفهية وما يتبادر إلى الذهن أن
стр. 9566
المشيقح عندما هاجروا من عنيزة إلى بريدة كانوا أسرة يتقدمها المبيريك والحلوة، فقط مما يقوي القول بأنهم تفرعوا إلى أسر عديدة في بريدة.
وإن ذلك تم بطريقة مشابهة لما نراه اليوم من كثرة نسل المشيقح، وتفرعهم إلى فروع عديدة.
حدّثني سليمان بن عبد الله بن مشيقح قال: حدثنا أهلنا عن جدنا مشيقح بن عبد الله المبيريك الذي هو جد المشيقح قوله: إنّ عدد أسرتنا أسرة المبيريك وأبناء عمهم (الحلوة) يبلغ ستمائة شخص.
وهذا أمر لا يكاد يصدق في ذلك الوقت، ولكن المشيقح مثلهم في ذلك مثل (التواجر) - التويجري - كثيرو النسل سريعو التفرع.
ومعلوم لنا أن (مشيقحًا) المذكور عاش في النصف الثاني من القرن الثاني عشر والنصف الأول من القرن الثالث عشر.
وقد وقفنا لحسن الحظ على وثائق توضح أن أوائل المشيقح الذين هم آل أبو عزام عندما وصلوا إلى عنيزة كانوا تفرعوا عندما غادروها إلى بريدة إلى فرعين اثنين كبيرين أحدهما فرع المبيريك الذين تفرع منهم المشيقح والثاني فرع الحلوة الذي تفرعت منهم عدة أسر، فصاروا يقال لهم (الحلوة) و (المبيريك) ونسي اسمهم القديم (العزام) أو (آل أبو عزام).
لذلك تنازعوا في مقدار نصيب كل فرع من الفرعين المذكورين في أجرة العقار أو الفلاحة المسماة (أم حمار) التي كانت لأسلافهم في بريدة وتخاصموا في ذلك إبان حكم حجيلان بن حمد عند قاضي بريدة الشيخ عبد العزيز بن سويلم، وذلك يكون في العشر الثالثة من القرن الثالث عشر.
وقد خلصوا أي انتهت الخصومة بينهم على أن تكون بين الفرعين أنصافًا، نصفها لآل مبيريك الذين منهم المشيقح، ونصفها الثاني للحلوة.
стр. 9567
وهذا يدل على قدم عهدهم في عنيزة، إذ صاروا في ذلك الزمن البعيد بالنسبة إلينا الآن لا يعرفون أي أجدادهم أقرب أو أحق بتسلم القسم الأكبر من الصبرة، وهي الأجرة من النقود على العقار.
وذلك التنازع في عقار لهم واحد هو المسمى (أم حمار) وإلَّا فقد ثبت لنا بوثائق عديدة أنّه كانت لهم عقارات عديدة غيره.
وقد ثبت هذا بوثيقة تضمنت شهادة محمد الإبراهيم الضبيعي على شيء حدث قبل زمن شهادته بسنوات كثيرة، ولكنه يعرفه وهو ثقة حسبما جاء في الوثيقة.
وهذا صورة الوثيقة ثم نقلها بحروف الطباعة لتسهيل قراءتها على من لم يعتد على قراءة المخطوطات القديمة.
стр. 9568
"بسم الله الرحمن الرحيم
شهد عندي محمد الإبراهيم الضبيعي بأن الحلوة والمبيريك تخاصموا عند عبد العزيز السويلم من جهة صبرة أم حمار المعلومة الكائنة في بلد عنيزة وخلصوا على أنها بين المبيريك وبين الحلوة أنصاف، وفي حال شهادة محمد
стр. 9569
أنّه صحيح العقل والبدن ظاهره عندي العدالة، وذلك في شهر جمادى الأول من سنة ١٢٨٣ هـ كتب شهادة محمد عن أمره عبد الله بن شومر ومن المذكورين المتخاصمين زايد ونمر، وحاضرهم من المبيريك هاشل ومشيقح وحمد وناصر هؤلاء الذي حصل على إيدهم المخلاص هكذا لفظ محمد المذكور لتعيينهم كتب شهادته عن أمره عبد الله بن شومر.
أيضًا شهد عندي حمد العبد الله الضبيعي بأن الحلوة هم والمبيريك تخاصموا عند عبد العزيز بن سويلم من جهة صبرة أم حمار معلومة الكاينة في بلد عنيزة وخلصوا شرعًا لا فصيلة أنها بينهم أنصاف والظاهر لي من شهادة المذكور أنها عن معرفة من عقله وذلك في شهر جمادى أول سنة ١٢٨٣ هـ. كتب شهادة حمد عن أمره عبد الله بن شومر، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم".
وهذه الوثيقة تضم شهادتين لرجلين من أسرة الضبيعي التي اشتهر رجال منها بطول العمر، الأولى: شهادة من محمد بن إبراهيم الضبيعي، وقد عدله كاتب الوثيقة بأنه كان في حال شهادته صحيح العقل والبدن وظاهره عنده العدالة، وهذا يستدل به على أن الرجل حال إدلائه بشهادته كان كبير السن لما ذكره الذي لا يكون في الغالب إلَّا إذا كان في سن أو هيئة تخالف ذلك، كما ذكر علماء الأصول أن الإطلاق في عباراتهم لا يأتي إلَّا في مقابل تقييد موجود في الذهن أو في الورق.
وتاريخ كتابة شهادته في شهر جمادى الأولى من عام ١٢٨٣ هـ ولكنه مسن بلا شك عندنا.
ومن اللطيف الطريف المفيد أن كاتب الشهادة أفاد بأنه كتب شهادة محمد بن إبراهيم الضبيعي أمام المذكورين المتخاصمين، وقد حضر من (الحلوة) زيد ونمر وظني أنّه يريد (زايد) لأنه المعروف لنا أنّه من الحلوة، وأما نمر فإنه
стр. 9570
منهم بلا شك وقد صار والد أسرة منهم سيأتي ذكرها في حرف النون، مثلما صار زايد رأس أسرة من الحلوة تقدم ذكرها في حرف الزاي.
وحضر من (المبيريك) وهم الفرع الثاني: هاشل الذي هو جد الهاشل ومشيقح وهو مشيقح بن عبد الله المبيريك رأس أسرة المشيقح كلهم، ثم قال: (وحمد وناصر) هؤلاء الذين حصل على أيديهم المخلاص.
ثم قال الكاتب وهو عبد الله بن شومر ﵀: هكذا لفظ محمد المذكور لتعيينهم، كتب شهادته عن أمره عبد الله الشومر.
وتحت هذه الوثيقة وثيقة أخرى تثبت شهادة رجل آخر من أسرة (الضبيعي) نفسها والشاهد هو حمد الضبيعي، وهو معروف لنا حقّ المعرفة، فهو شخص مهم عارف بالأمور المتعلقة بالعقارات والأراضي وقسمتها، وقد وصل إلينا من ذلك عدة مخالصات، ومصالحات بخطه الرديء، وهو يتكلم عن أشياء حصلت له في زمن إمارة حجيلان بن حمد وزمن قضاء الشيخ عبد العزيز بن سويلم الذي مضى عليه عندما أدلى بشهادته هذه عام ١٢٨٣ هـ خمسون سنة.
وزادنا بأن الفرعين المتخاصمين خلصوا شرعًا لا فصيلة، وأنها بينهم أنصافًا ثم قال الكاتب: والظاهر لي من شهادة حمد المذكور أنها عن معرفة من عقله وذلك في شهر جماد أول سنة ١٢٨٣ هـ كتب شهادته عن أمره عبد الله بن شومر.
أقول: لم يتضح لي كون الفرعين المتنازعين خلصوا أي انهوا الخصومة بينهم شرعًا لا فصيلة، والفصيلة هي الصلح، إذ كيف للحاكم الشرعي معرفة أمور مضت عليها مئات من السنين إلَّا إذا كان بلغه ببينة واضحة من شهود عدول أن القوم كان أجدادهم يأخذونها أنصافًا في القديم.
ويؤيد ما قلناه من عراقة وجود أسلاف المشيقح في عنيزة وأنه مضت عليه مئات السنين أن بعض الأملاك التي لهم عندما كانوا في عنيزة سواء
стр. 9571
أكانت أوقافًا أم أملاكا شخصية، والظاهر الأول، كانت انتهت صبرتها الأولى التي يحكم العقل والمعرفة بطبيعة تأجير أمثالها وتصبيرها أنا لمدة مائة سنة على الأقل، وربما تكون أكثر، فقد انتهت مدة إجارتها وصارت مطلقة غير مؤجرة حتى استأجرها منهم علي الصالح بن قدهي في وثيقة كتبها قاضي القصيم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إبان أن كان موجودًا في عنيزة، وقبل أن يصبح قاضيًا رسميًا.
وذلك بتاريخ ١٢٨٩ هـ.
ويجب أن ننقل هذه الوثيقة إلى حروف الطباعة ثم نتكلم على ما يحتاج منها إلى كلام، وربط ذلك بصورة لها نفسها كما كتبها كاتبها ﵀.
стр. 9572
وهذا نقلها بحروف الطباعة:
"الحمد لله
استأجر علي الصالح بن قدهي من حفر بن محمد بن حلوة وحمد الحفير بن مبيريك وحفير وحمد بن حفير يومئذ وكيلان على أسبال أجدادهما فأجَّرا عليًّا سبيل أجدادهم المعروف الكاين بام حمار المسمى الصبيحي أرضه وبيره وشجره المغارس عليه، المعروف مدة معلومة قدرها مائة سنة مبتداها في شوال سنة ١٢٧٩ هـ ومنتهاها يعلم من ذلك بأجرة معلومة قدرها ثمانمائة ريال كل سنة في شوال ثمانية أريل كذلك أجَّراه الملك المسمى الصخيرات المعروفة الكائنة في أم حمار مدة معلومة بأجرة معلومة قدر المدة مائة سنة مبتداها في شوال سنة ١٢٨٩ هـ ومنتهاها يعلم من ذلك، بمائتين ريال كل سنة ريالين والأملاك المؤجرة معروفة بين المؤجر والمستأجر، فأجر حمد وحفير علية هذا السبيل المعروف من الجميع توابعه من أبيار وشجر وأرض وغيرها هذه المدة المعلومة بهذه الأجرة المعلومة قدرها ألف ريال كل سنة في شوال يحل عشرة أريل، واستأجر علي هذا السبيل هذه المدة بهذا الأجر، وذلك في شوال سنة ١٢٨٩ هـ شهد على ذلك محمد البراهيم بن سلمان المسمى أبو ماجد وشهد به كاتبه محمد بن عبد الله بن سليم.
أبناء عم المشيقح:
استطعنا أن نعرف أن أسلاف المشيقح عندما قدموا إلى بريدة كانوا يؤلفون فرعين أحدهما فرع (المبيريك) الذي منهم آل مشيقح والثاني: فرع الحلوة.
وعرفنا بطريق السماع الشفهي أن مبيريك أخو لحلوة وأنه هو جد الحلوة الذين أسسوا أحد خبوب بريدة فسمي باسمهم (خب الحلوة) وما زال من الحلوة أناس محتفظين باسم (الحلوة) ذكرت بعضهم في رسم الحلوة من كتابنا هذا.
стр. 9573
فالمبيريك صاروا عدة أسر منهم أناس لا يزالون يسمون المبيريك كالمشيقح الذين كان يقال لجدهم الذي خرجوا بسببه من اسم (المبيريك) إلى اسم المشيقح هو مشيقح بن عبد الله المبيريك.
وكالشريما والقريعان والشريدة - بتشديد الياء - والحبيتر.
والحلوة تفرعت منهم عدة أسر مثل الزايد والأردح والحفير.
علاقتهم بأم حمار:
طالما كنا نسمع ونحن صغار بعض الأشخاص من آل مشيقح إذا أرادوا أن يسبوا أحدًا منهم بتقصير اعتقدوه منه، أو لحثه على السرعة في العمل وإنجازه قالوا: (يا طُبَل أم حمار) والطَّبَل: الشخص غير الخفيف الحركة، غير السريع في العمل تشبيهًا له بالطبل الذي يضرب عليه.
وهي من الجمل التي يقولونها حثًّا لأبنائهم على السرعة في العمل، فهي تعني أن أصل وجودك في (أم حمار) وأم حمار بمعنى ذات الحمار هي بستان بعينه سمي به أيضًا مكان بعينه، ولما كان يوجد في عنيزة مكان اسمه (أم حمار) والمشيقح جاء أوائلهم من عنيزة إلى بريدة ظن بعض النّاس أن المراد بها (أم حمار) التي في عنيزة وأن بداية المشيقح المعروفة هي من أم حمار هذه.
ولكنه غاب عن بالهم أنهم جاءوا إلى عنيزة من أشيقر، وأنهم كانوا فرعًا من أسرة كبيرة عريقة قبل وصولهم إلى عنيزة هي أسرة (آل أبوعزام) فكيف تكون بدايتهم في عنيزة وبالذات في أم حمار؟
وقد حملني ذلك على أن سألت النابهين من أسرة آل أبو عزام في أشيقر عن ذلك، فأخبروني أن (أم حمار) هي ملك من نخل كان مزدهرًا لآل أبو عزام في أشيقر، وأخبرني بعض المشيقح أنهم أسموا (أم حمار) في عنيزة على اسم أم حمار التي في أشيقر.
стр. 9574
وأن المراد بذلك حائط نخل في (أشيقر لآل أبو عزام) عندما كان أوائل المشيقح هناك، وقال أحدهم إنّه لا يزال معروفًا هناك، ولكنهم لا يجرؤن على تملكه، لأنهم لا يعرفون الموجودين من آل أبو عزام الذين لو لم يكن منهم من الكثرة إلَّا آل المشيقح لكفي.
وإذًا اتضح لنا أن مراد المشيقح بقولهم لبعضهم: يا طُبَل أم حمار، يا أيها الذي قدم من أم حمار في أشيقر، أو ياذا الذي كان أصل نشأته في تلك الفلاحة هناك التي لا تساوي شيئًا لما يملكونه الآن من نخيل وعقارات وبيوت وأموال منقولة في بريدة.
فإنهم يقولون ذلك للمقابلة بما كانوا عليه وما صاروا إليه الآن.
بقي اتفاق المكانين في أشيقر وأم حمار في عنيزة و (أم حمار) في أشيقر.
وليس عندنا في ذلك إلا ما قاله الشيخ القاضي علي بن إبراهيم المشيقح من أنهم سموا أم حمار في عنيزة على (أم حمار) في أشيقر، وأن أم حمار سميت بذلك لأنها كانت نخيلًا واسعة ملتفة حتى إنّ الحمار يضيع فيها، أو قال: إنّ حمارًا ضاع فيها، وذلك يقتضي أن يكون المشيقح هم الذين سموا (أم حمار) في عنيزة بهذا الاسم وهذا هو المعروف لنا.
معنى اسم (مشيقح):
ذكر بعض النّاس أن معنى (مشيقح) الأشقح وهو الأبيض بياضًا مشربًا بحمرة، وأصل لفظها (أوْشَيْقح): تصغير أشقح، والأشقح في اللغة الفصحى وفي العامية هو من يكون كذلك أبيض بياضا يميل إلى الحمرة.
وهذه صفة مدح في الآدميين.
стр. 9575
لذلك سمي بعض الرجال (الشَقحَا) من هذا المعنى، ولكن اللفظ فيه الميم في أوله ودخولها هكذا على هذا اللفظ غير معتاد، ولكن هذه هي اللغة العامية، وقد يكون أصلها (أشيقح) بدون ميم ثم صارت مشيقح بالميم على لسان العامة.
وقد زعم بعض النّاس أن جدهم سمي (مشيقح) بمعنى أشيقح لأن أخوته أو أسرته كانوا سمرًا وهو أبيض وهذا غير صحيح لأمور:
الأول: أن المشيقح فرع من أسرة أكبر كلهم بيض، بل إنهم من أسرة مشهورة ببياض اللون حتى في الوشم قبل قدومهم إلى عنيزة، ومن ثم إلى بريدة وقد سجل ذلك الإخباريون وهو الذي وردت فيه قصة مطوع أشيقر الذي يقال له المطوع التميمي: وهي أن بنتًا جميلة من (آل أبوعزام) كان أبوها صديقًا لذلك المطوع ففتن بجمالها، وطلب من والدها أن يزوجه فتزوجها بالفعل.
وقد نظم عدة قصائد شعرية يتناقلها أهل نجد حتى الآن في مدح زوجته تلك، والتغزل بها.
وقد ذكر صديقنا الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل روايات لأبيات قاله المطوع المذكور في حبيبته في كتابه: (كيف يموت العشاق) ولكن الذي يهمنا منها أنّه ذكر أن الفتاة التي عشقها المطوع وهو من بني تميم وتزوجها هي من أسرة (العزام) الذين تفرعت منهم أسرة المشيقح.
ولا يمكن أن يقدم على الزواج بها إلَّا إذا كانت جميلة، ومن أهم شروط الجمال في المرأة كما هو معروف أن تكون بيضاء.
ولابد من أن نعرف عصر مطوع أشيقر هذا اسمه ابن عبدالرحيم وقد وجدت سنة وفاته في تاريخ صالح القاضي الذي طبعه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام ﵀، فذكر القاضي وفاته بقوله: وفاة أبو عبد الرحيم
стр. 9576
راعي أشيقر سنة ١٠١٥ تقريبًا (١).
وإذا تركنا (آل أبو عزام) الذي تفرعت منهم المشيقح وشأنهم فإننا نعلم أن أسرة المشيقح أستمر ذكر نسائها بالجمال إلى الزمن الحاضر، وقد نوه الشيخ فهد بن عبيد بن عبد المحسن في أحد دروسه بذلك وهو يصف الحور العين في الجنّة.
ونعود إلى ذكر معنى اسم (مشيقح) فنقول: إنني سمعت قولًا غريبًا من أحد أسرة المشيقح وهو حمود بن علي بن مشيقح وقد أدركته على كبره وحفيده علي بن محمد بن حمود الذي عمل في محكمة بريدة سنوات طوالًا، وكان من زملائي في المدرسة وهو في نحو سني أو أقل بسنة أو سنتين.
ذكر حمود بن علي المشيقح أن السبب في ذلك أن والد مشيقح وهو عبد الله المبيريك كان في جهة من شمال نجد فتصارع هو وعدد من الأعراب الأقوياء فغلبهم ولم يستطع أي واحد منهم أن يغلبه حتى جاء منهم شاب ليس كبير الحجم، ولكنه قوي الجسم فصارعه فغلبه أي أن الشاب غلب ابن مبيريك في المصارعة وهو الذي لم يقو غيره على ذلك، فأعجب عبد الله بن مبيريك بقوته وسأله عن اسمه فذكر أنّه (مشيقح) وتأكد بعد ذلك منهم أن اسمه (مشيقح) فقال: والله إن جاني ولد إني لاسمية على اسمه (مشيقح) وبالفعل ولد له ولد فسماه مشيقح واسمه الكامل كما في الوثائق (مشيقح بن عبد الله المبيريك) وهو جد المشيقح كلهم.
شخصيات المشيقح:
تكلمنا على أسرة المشيقح عمومًا وبقي أن نتكلم على بعض الأشخاص منهم الذين وجدوا قبل عهد التجارة الأخيرة: عهد عبد العزيز بن حمود المشيقح الذي لم يسبقه عهد آخر مثيل له عند هذه الأسرة من قبل.
стр. 9577
وأول ما يتبادر إلى الذهن جدهم الذي سموا باسمه (المشيقح) وهو مشيقح بن عبد الله المبيريك.
وقد عرفنا من الوثائق وغيرها أنّه ثري وأن له عقارًا كثيرًا.
ولن نفعل هنا ما فعلناه ببعض الأسر من استقصاء الشخصيات والكلام عليها لأن ذلك يطول لكثرة البارزين وكثرة الذين يستحقون أن يكتب عن حيواتهم منهم.
ويكفي أن نتذكر اسم (حمود) مثل حمود الصالح الذي صار جدًّا للحمود الصالح من المشيقح وهم فرع كثير الأفراد، وحمود العلي الذي كان من تجار عقيل وعاش في مصر سنين عديدة، ولما عاد إلى بريدة صار يتكلم باللهجة المصرية لاعتياده عليها وقد رزق بأبناء وأحفاد نجباء.
стр. 9578
حمود بن مشيقح الأول
стр. 9579
حمود بن مشيقح الأول:
وقلنا الأول حتى يخرج بذلك من اسمه (حمود) ممن أتوا بعده من ذريته ولأن أول من عرفناه سمي (حمود المشيقح) من أسرة المبيريك هو هذا.
ووالده هو رأس الأسرة (مشيقح) الذي لا مشيقح غيره في القديم فهو حمود بن مشيقح بن عبد الله المبيريك.
وهو والد الثري الزعيم الذي سيأتي ذكره عبد العزيز بن حمود المشيقح.
مات حمود الأول هذا ١٢٨٩ هـ وهو تاجر وصاحب عقار، أقام مدة في التجارة بين بغداد إلى دير الزور وعاد إلى بريدة ومعه خمسون حملًا من البضائع واشترى بيتًا في غرب بريدة.
ومات حمود وعمر ابنه عبد العزيز الحمود ٩ سنين ابنه الذي هو الثري الكبير، فأوصى عليه خاله الشيخ محمد بن عمر بن سليم، لأن أمه هي لطيفة بنت عمر بن سليم أول من جاء من آل سليم إلى بريدة كما قدمت ذلك عند ذكر (السليم) في حرف السين.
هذه وثيقة مبايعة تخص (المشيقح) تتضمن أن مزنة الحمود بن جليدان زوجة مشيقح ولم تكمل الوثيقة اسمه لأنه معروف ولا يشتبه به مع غيره، وإلا فإن اسمه الكامل هو مشيقح بن عبد الله المبيريك، قد باعت علي حمود بن مشيقح وعبد الله بن مشيقح نصيبها لأبيها أي مما ورثته من أبيها، وقد يفهم من هذا أنها ليست أمًا لهما ونصيبها من ابنتها منه، والمبيع عشر ملك مشيقح إلا ثمن عشره مشاع، وثمن عشره هو نصف ربع عشره الذي هو جزء من عشرة أجزاء.
وهو ملكه المعروف الكاين في الحُمُر بأرضه وبئره وأثله، ومن الطريف تعريفه للحُمُر بأنها بليدة الحُمُر - تصغير بلدة - والثمن ريالان فرانسة إلَّا ربع ريال فرانسي.
стр. 9580
وتاريخها في ٢٥ رجب سنة ١٢٧٣ هـ.
والشاهد: هو الثري الشهير في وقته حمد آل محمد بن حُضير وعبد الله بن حمد بن سليم، وإبراهيم آل محمد بن مبيريك، وهذا من أبناء عم المشيقح.
الكاتب هو الشيخ القاضي الشهير محمد بن عبد الله بن سليم.
وأسفل منها مبايعة بين عائشة بنت مشيقح وبين أخويها عبد الله وحمود وهما المذكوران في المبايعة التي قبلها نصيبها من أبيها مشيقح أي مما ورثته من أبيها مشيقح، ويدل هذا على أن (مشيقح) كان قد مات قبل عقد هذه المبايعة كما في التي قبلها.
ونصيبها هو مما ورثته من أبيها من (هملان (الحُمُر).
والثمن ريالان فرانسة.
وخط الوثيقة غير واضح بسبب تقادم الحبر الذي كتبت به، وكاتبها هو كاتب التي قبلها وهو الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم.
стр. 9581
تدل الوثائق التي وصلت إلينا عن حمود بن مشيقح هذا وبخاصة وصيته أنّه ثري حقًّا وأنه يملك عقارات وأراضي زراعية عديدة لا يتخيل أن شخصًا واحدًا يملك مثلها، وبخاصة أنها كلها يشملها ثلث ماله الذي أوصى به، فما بالك بها إذا ضوعفت مرتين؟
стр. 9582
ووصيته حافلة وقد وصل إلي منها ثلاث نسخ، بل ثلاث صيغ لثلاثة من الكتاب.
أحدهم عبد الله بن شومر وقد ضرب على كلمات منها.
والثاني محمد آل مهيد وهو من (آل أبي عليان) ومن أسلاف أسرة الطرباق، وتاريخها في النصف من رجب سنة خمس وستين (بعد المائتين والألف).
والثالث: الشيخ العلامة الشهير القاضي إبراهيم بن حمد الجاسر، وتاريخها في ١٣ محرم من عام ١٣٣٠ هـ وهي نقل بلا شك عن النسخة التي كان كتبها عبد الله بن شومر أو قريبة من ذلك، وقد صرح الشيخ ابن جاسر بأنه كتبها من خط كاتبها عبد الله ولم يذكر اسم أسرته ولا أدري لم كتبت كل هذه المرات، وقد رأيت أن أصورها كلها أمام القارئ الكريم لأهمية الإطلاع عليها.
стр. 9583
وأما الاختلاف في صيغ الوصية، والتغيير فيها فهو أمر كثير عندهم، لأن الشخص قد يوصي ثم يبدو له تغيير وصيته فيفعل ذلك، وقد نقلنا نص الوصية المكتوبة بخط محمد آل مهيد.
وكتابة الكاتب جيدة وأظن أن القارئ يستطيع أن يقرأها من دون مشقة.
ولكن فيها عبارات أو كلمات قليلة تحتاج إلى أن توضح للقارئ العصري.
ذكرت الوصية أنّه أوصى بثلث ماله في أعمال البر له ولوالديه، فإن اعتازوا عيالي فهم أحق فيه، يعني إذا احتاج أولاده إلى شيء من ثلث ماله فهم أحق بذلك من غيرهم.
قال ذلك لأنه لم يعرف أن عياله وبخاصة ابنه عبد العزيز وأبناءه سيكونون أغنى أسرة في بريدة ثم قال:
وفيه ثلاث ضحايا الدوام له ولوالديه، ومعنى الدوام أنها تذبح في كل عيد الضحى مدى الدهر، وذكر أن تلك الضحايا له ولوالديه، ثم قال: وثلاث قرب يظهرن أربعة أشهر ومعنى القرب أن تملًا القربة بالماء في أشهر الحر الأربعة وتجهز ليشرب منها من يحتاج إلى الشرب بالمجان، وذكر أنهن أي القرب له ولوالديه بمعنى أن ثوابها له ولوالديه.
ثم قال: وأيضًا خمسين وزنة (تمر) من الثلث خمس وعشرين للسيال، وهم السائلون الذين كانوا يطرقون أبواب البيوت يسألون النّاس أن يعطوهم شيئًا من التمر، ولو ثلاث تمرات أو شيئًا من الطعام المطبوخ، مهمًا كان نوعه، وخمس وعشرين فطرات أي الإفطار الصائمين إنّ أراد عياله أن يضعوها في المسجد يفطر بها من يحضرون إلى المسجد من الغرباء أو الفقراء والمراد بذلك الفطور في رمضان بعد غروب الشمس وليس الفطور الذي هو الوجبة الأولى في اليوم.
стр. 9584
ثم قال: وإن أرادوا يحطونهن بالقهوة، أي في مكان الاستقبال من البيت، وكان من عادة بعض الأثرياء والوجهاء أن يجعلوا الإفطار بالتمر في رمضان في مكان القهوة من بيوتهم حتى يشرب الصائمون القهوة مع الفطور، وإذا كان الوقت باردا اصطلوا بالنار.
ثم تطرق إلى الدور والمخازن التي هي الدكاكين وأحدها: مخزن بمعني دكان، وسبق لنا شرح مثل هذه الكلمة، فقال: وهن البيتين القبليات وحقي من أربعة المخازن الدارجة وهنا اسقط الكاتب اسم الشخص الذي درجت عليه منه، يصرف كالثلث وهو وقف بأعمال البر.
ثم قال: وإن اعتاز من الذكر والأنثى من عيالي ينزل ولا حرج عليه أي ينزل بالمجان.
ثم انتقل إلى ذكر النخل فقال: ومقطر الهاشل اللي على ساقي الطلاسي - بفتح السين: جمع طلاسي بكسرها.
والهاشل هم أبناء عمه الآتي ذكرهم في حرف الهاء إنّ شاء الله، حقّ منه يحسب من الثلث، ونخلتين على ساقي النصار، والنصار أسرة من آل أبو عليان يسكنون في الصباح في فلائح لهم فيود مبارك الهاشل، ومعنى فيود: أملاك حقّ منهم، وهذه معناها حقي منهن بأعمال البر.
وثلاث نخلات متواليات اللي جن من إبراهيم الروق يريد التي دخلت في ملكه من إبراهيم الروق بالبيع أو المبادلة، والأول أقرب يصيرن من ها الثلث المذكور بأعمال البر.
ثم أجمل الأمر فقال: وما ذكرنا بها الورقة فهو بأعمال البر وقف، والذي يعتاز من عيالي ذكر أو أنثى فأنا محلله يأكل منه، ومن طرف ثلاث الشقر وهي النخلات الشقر التي بفيد أي ملك محمد المبيريك عمي، التي قسم عبد الله فهي
стр. 9585
الأختي عايشة فهي سبيل له - لها - ولذريته - لذريتها - ووكيلي على ها الثلث المذكور أخوي عبد الله ينفذه على ما ذكرت ويفعل به فيما يشاء، فإلى أرشدوا العيال أي إذا بلغ العيال وهم أولاده سن الرشد فيفيض عبد الله على الصالح منهم الوكالة.
يفيض بمعنى يعطي ويسلم الصالح من عياله أي ينقل الوصاية على هذا الثلث إليه.
والشاهدان على هذه الوصية هما محمد الصالح البييبي وعبد الله بن شومر وكلاهما من أسرة معروفة، وعبد الله بن شومر هو إمام مسجد تقدم ذكره في حرف الشين.
ومن دراسة هذه الوصية المكتوبة بخط محمد آل مهيد تبين أنها مختصرة وأن في الوصية الأخرى أشياء كثيرة لم تذكر فيها، ولذا رأيت أنّه يتعين إيراد صورة الوصية التي كتبها الشيخ القاضي إبراهيم بن جاسر بخطه لأنها مبسوطة وواضحة.
وهذا نصها:
стр. 9586
ومع أنها مبسوطة فقد تبين من تأملها أنها مجرد ملحق لوصية مبسوطة أكثر منها بدليل قوله في أولها:
أيضًا، أوصي حمود وسَبّل وأبدَّ بيت طرباق الخ، ولكن الوصية الأساسية لم تصلنا.
стр. 9587
وقد رأيت إثبات صورة الوصية التي هي أصل المكتوبة بخط الشيخ ابن جاسر، وهي بخط عبد الله بن شومر.
стр. 9588
ولم يقتصر حمود بن مشيقح على ما أوقفه وسبَّله في وصيته تلك، وإنما وجدنا له أوقافًا وأسبالًا أخرى أهمها مذكورة في هاتين الوثيقتين، ومعظمها مؤرخ في عام ١٢٨٣ هـ.
стр. 9589
ونظرًا لوضوح الخط الذي كتبتا فيه وهو خط الشيخ عبد الله بن شومر لم أرني محتاجًا إلى نقلها لحروف الطباعة ولا حتى للكلام عليها اختصارًا.
وهاتان صورتهما:
стр. 9590
وهذه طائفة من مشتريات حمود بن مشيقح من العقارات اخترتها من بين وثائق لكونها مكتوبة بخط واضح أو لكون الذي كتبها عالم أو كاتب مشهور.
стр. 9591
وأولها هذه التي فيها دين لحمود المشيقح في ذمة عثمان بن حميدان كبير هو عشر آلاف وزنة تمر شقر ومكتومي مؤجلة عشرة آجال أول حلول الأجال في سنة ١٢٧٥ هـ.
стр. 9592
وهذه الوثيقة التي ذيل عليها أمير القصيم عبد العزيز آل محمد (آل أبو عليان) في عام ١٢٦٥ هـ بقوله:
"يعلم من يراه أني أنا يا عبد العزيز آل محمد أشرفت على مشترى حمود المشيقح المذكور بالورقة من ناصر العلي بن طويان، وأنا أمضيت لحمود وعبد الله ها المشتري المذكور المعلومة برواق شهد على ذلك عبد الله آل عبد العزيز آل أبو عليان) وسليمان الصقعبي وناصر الجربوع.
ويريد بقوله، وعبد الله، عبد الله بن مشيقح أخا حمود وهو الآتي ذكره.
стр. 9593
ومما يدل على ثروة حمود بن مشيقح أنّه لم يقتصر على المداينات أو شراء العقار، وإنما كان أيضًا يبضع غيره، بمعنى أن يعطيه مالًا على طريقة المضاربة وهي المسماة عندهم البضاعة.
وقد حكم الفقهاء عندنا أن حكمها حكم شركة المضاربة، أو قالوا: إنّها تلحق بشركة المضاربة يسمونها بضاعة جمعها بضائع.
ويعطي من عنده مال أشخاصًا ثقاة لديهم خبرة بتنمية المال، ولا يكون بينهما مكاتبة كما يكون بين المتداينين لأن البضاعة مبنية على الثقة.
هكذا أدركناهم وأدركنا القضاة يحكمون بأنها مثل الوديعة أو الأمانة التي إذا تلفت لم يضمنها من هي عنده.
ولذلك قالت العامة: (البضايع، مال ضايع) يعنون هذه، ولا يعنون البضائع التي تباع وتشترى.
وجدت في دفتر الثري المعروف في وقته سليمان بن صالح السالم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة بيانا بالبضائع التي عنده للناس في عام ١٢٦٠ هـ. وفي عام ١٢٦١ هـ.
وقد عنون ذلك بقوله:
(ثبات خير إن شاء الله البضاعة سنة ستين).
أي سنة ١٢٦٠ وثبات خير: إثبات خير وهو المحافظة على حقوق الآخرين في السطر الأول من ذلك البيان أن عنده لحمود المشيقح خمسين ريالًا، وبعده ذكر الذين لديه لهم بضائع ومنهم جد والدي عبد الكريم آل عبود وهو ثري معروف في وقته، والخمسون ريالًا ثروة كبيرة في تلك العصور، وهي تكفي ثمنًا لبيت متوسط.
стр. 9594
وفي الإثبات الثاني الذي كتبه بعد الأول بسنة يذكر في أول سطر أن الحمود المشيقح لديه ثلاثين ريالًا.
стр. 9595
أنموذج من مداينات حمود بن مشيقح الأول:
ونكرر ما قلنا فيما سبق من أن المراد به حمود الابن المباشر لمشيقح بن عبد الله المبيريك ولذلك أسميناه الأول.