← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

وهذه رسالة من ولي العهد في البلاد وهو الأمير سعود بن عبد العزيز الذي صار ملكًا على المملكة بعد وفاة والده الملك عبد العزيز ﵀. ولكن الملك عبد العزيز كان قد أهل ابنه وولي عهده الملك سعود قبل أن يتولى الملك لتحمل المسؤولية ولمشاركة الوالد الإهتمام بشؤون البلاد. لذلك صارت للرسائل التي يبعث بها الآخرين أهمية الرسائل التي كان يبعث بها والده في القديم أو قريبًا من ذلك، وهي واضحة لأنها مكتوبة على الآلة الكاتبة. وقد اتبعها ولي العهد بملحق في ورقة ثانية رغم اتساع المجال في الكتاب الأساسي لبيان أن الكتاب الأساسي مهم لدرجة لا يكون معه في ورقته غيره.

стр. 9627

وهذه رسالة أخرى من ولي العهد الأمير سعود (الملك بعد ذلك) إلى عبد العزيز بن حمود المشيقح مؤرخة في ٢٠ شوال من عام ١٣٤٧ هـ وهي مبسوطة لأنه تحدث فيها إليه عن موضوع خروج الأعراب المتدينين الذين يسمون الإخوان على الملك عبد العزيز، ويخبره بوقعة السبلة وانتصار الملك عبد العزيز وجنوده فيها عليهم. وهذه رسالة أخرى من ولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز إلى عبد العزيز الحمود المشيقح:

стр. 9628

ورسالة من الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي آل سعود مشتركة مرسلة إلى فهد آل علي الرشودي وعبد العزيز الحمود المشيقح بتاريخ ٣٠ محرم سنة ١٣٦٧ هـ:

стр. 9629

وهذا أنموذج من الرسائل التي كان (ابن مشيقح) يبعث بها إلى الملك عبد العزيز مكتوبًا بخط اليد كالعادة: ونتبع ذلك بملحق لكتاب مرسل من الزعيمين فهد العلي الرشودي وعبد العزيز بن حمود المشيقح إلى الملك عبد العزيز آل سعود وهما يمثلان جماعة أهل بريدة فيما يتعلق بما جاء في الكتاب. وهو مكتوب بالخط نفسه الذي كتبت به رسالة ابن مشيقح السابقة المؤرخة في ٢٢ رمضان عام ١٣٤٧ هـ مما يدل على أن كاتبها واحد. والكتاب المشترك أو هو الملحق بالكتاب فيه أشياء مهمة ولكن قد يصعب على بعض القراء قراءته وفهم معانيه لأنه مكتوب بخط اليد، ولأن به من المعاني والمصطلحات ما يصعب على القارئ المعتاد فهمه، لذلك رأيت أن أنقله إلى حروف الطباعة ثم أتكلم على ما يحتاج فيه إلى الكلام.

стр. 9630

بسم الله الرحمن الرحيم، لاحق خير إن شاء الله. بعد، أدام الله وجودك، ورد على الجماعة مكتوبك ها الأيام، وفيه أنك ملحقنا مشروه من طرف أخبار ابن رشيد يوم وردت، ولك علينا الشره ولكن يا

стр. 9631

بو تركي نبدي لك بعض الحال أن الأمير فهد ابن معمر الله يسلمه من نكوفكم العام وهو متغيرة أطباعه والجماعة صاغرين في عينه الله أيهدينا وإياه، والجماعة فيما مضى ما لهم لزوم ولله الحمد فيوم صار كون ابن رشيد والطروش الذي جوكم منه ما راجع الجماعة لا في قليل ولا في كثير والمذكور الله يسلمه مستبد ولا له التفات ونحن ما قصدنا بيان حاله نميمة ولا هوب رخيص علينا فلكن الإنسان يعجب بنفسه إذا دبر دبرة. وجيناه أو وريناه أن الأمر خلاف رأيه عمد على رأيه وفعل نرجو أن الله يهدينا وإياه. والناس يا طويل العمر صاروا من مناصيبك وأنت مشركهم بالرأي، وأيضًا واجب عليهم النصح للولاية لأن ما لهم صلاح عاجل وأجل إلا بالنصح لها باطن وظاهر لأنه فرض عين. وحنا أشكل علينا في آخر الأمر فعل فهد ومنها السبب قصرنا أنفسنا والأمر ولله الحمد ما حدث الا الخير، وأيضًا المكاتيب الذي تصدر منكم لنا ومنا لجنابكم تجي مفتوحة ولا تخفاكم الحال وإلَّا ندري ولله الحمد أن كل خير مدرك منك وأن القصور يجي من غيرك. بعده، سلمك الله يوم اركب ابن معمر لكم بخبر الكون اقتضى نظره ومنع الناس عن المحدار للكويت وعن العربان وجيناه وقلنا له المنع ولله الحمد ما له موجب لأن المسلمين ولله الحمد في سعة والعدو إن شاء الله هو المحصور. الموجب يا طويل العمر ما تخفاك أحوال أهل القصيم وكثرة أسبابهم ونشباتهم مع أهل الكويت والعراق وجملة حلالهم مع العربان ومصالحهم ظاهرة للمسلمين. وأيضًا الوارد عن الدَّيَر أكثر من الرايح، وثانيًا ما فيها محاذرة على الولاية، فلكن لابد من بعض المقاصد، بعدما هرجنا عليه أرخص لأهل الكويت حال التاريخ وهم منحدرين وظاهر منه أن منعه يبي يستمر إلا في أمر يجيه

стр. 9632

منكم وأنتم أعلم منه بمصالح الناس والأمر لمن له الأمر. وفي يوم تاريخه طب علينا من الجبل ناس من الجماعة جماميل يذكرون ابن رشيد ابديرته والعربان الفرم وابن مضيان وجملة الحروب والحسين من شمر على العدوه، ومنحصرين ومتحيرين عقب نبة ابن معمر عليهم وعقب نكوفة ابن رشيد ما ظهر للناس امنه شيء وغيبه عنده الله يذله وينصر عليه ويعلي كلمته. كذلك سلمكم الله ها الأيام اشترى ابن مقبل رجال من جماعتنا ذلول بمئة وعشرة من رجَّال جلبها من أهل عنيزة حرج عليها بالسوق واشتراه ابن مقبل وشريك له بحضرة من الجماعة وهو حضري ما برق فيه المشتري ثم بعد ذلك عرفها عليهم القرعاوي راعي عنيزة وقال مسروقة لي من البدائع واستلحقهم ابن معمر وأخذ الذلول عطاه القرعاوي واطلبوه يمشي لهم السلم نصف السلفة الذي أنت امشي لأهل نجد وعيا. وقلنا له مش لهم السَّلم هذي مسئلة مجريها عبد العزيز لأهل نجد وذولي فقراء بذمتك، وعيا عذره يقول وراهم ما اعرفوه وحلفوا له اننا ما نعرفه الموجب أنه حضري ولا قبل وفلسهم منها وسلمها القرعاوي وقلنا له ما تبري ذممنا لما نعرف الإمام وقال عرفوه واستحبينا نعرفك أن سَلْم هالفقرا من سَلْم المسلمين. وقلنا له تراك إذا مشيت لهم نصف السلفة الذي أجروا الشيوخ فيها سبب عقلان للجميع يحرص القرعاوي على دورة راعي عنيزة السارق لكن عيا إلا أن القرعاوي يأخذ، وهم يفلسون، هذا لزم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ٢٢ ذي سنة ١٣٣٧ هـ فهد العلي الرشودي - عبد العزيز الحمود ابن مشيقح. وكان إلى ذلك مع الوجيه الزعيم فهد بن علي الرشودي وأخيه إبراهيم كبار جماعة أهل بريدة الكبار ولا رابع لهم، فكانوا ينظرون في شئون البلاد ويطلبون من الملك عبد العزيز ما تحتاج إليه البلاد ويخاطبون أمير بريدة بذلك، وأمير بريدة ينظر إلى ما يقولونه بعين الاعتبار لأنه يعرف منزلتهم عند الملك

стр. 9633

ويعرف وقع ما يقولونه عنده. وكان الملك عبد العزيز يخاطبهم بذلك نيابة عن أهل بريدة أي لا يخاطب غيرهم في الأمور العامة التي تخص البلاد. وإذا خالف أحد من الأمراء ذلك شكوه إلى الملك عبد العزيز فأصدر أمره بما يلزم إليه، أو عزله واستبدل به غيره أميرًا في بريدة. لقد ذكرت في ترجمة (الرشودي) كيف كان الملك عبد العزيز آل سعود يخاطب جماعة أهل بريدة في عهد تأسيس المملكة فكانت رسائله تأتي باسم فهد بن علي الرشودي مع عبد العزيز بن مشيقح أو باسم فهد العلي وأخيه إبراهيم وعبد العزيز الحمود المشيقح، وقد يرسل رسالة أو رسائل باسم عبد العزيز بن حمود المشيقح وحده. ونقول هنا: إن رسالة جاءت من الملك عبد العزيز آل سعود باسم أمير بريدة آنذاك عبد العزيز بن مساعد وكافة جماعة أهل بريدة من غير تعيين أحد منهم. وذلك لكونها تتحدث عن تأسيس شركة لاستخراج النفط والغاز وتسويقه ويطلب من الناس في بريدة أن يسهموا بشركة تحت التأسيس لهذا الأمر. والغريب العجيب أن الملك عبد العزيز يتكلم في رسالته على تأسيس الشركة وإسهامهما والأمل المنتظر من الربح العظيم فيها، وعن حال تلك الأسهم وأنها كالنقد لا تفسد ولا تضيع فائدتها وكأنما الملك عبد العزيز في تلك الحقبة المظلمة من التاريخ بالنسبة إلى العلوم العصرية والإقتصادية السائدة في العالم التي لا يكاد الناس في بلادنا يعرفون عنها شيئًا في ذلك العصر كأنما كان الملك عبد العزيز يتكلم بلسان خبير اقتصادي معاصر. والرسالة مؤرخة في ٢٨ محرم سنة ١٣٦٢ هـ. والأمير عبد العزيز بن مساعد كان في ذلك التاريخ هو أمير بريدة.

стр. 9634

وتقدم الكلام على تلك الرسالة ونقلها لحروف الطباعة في ترجمة الرشودي (حرف الراء). رسالة أخرى: (١)

стр. 9635

وهذه كتابتها بحروف الطباعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب الأخ المكرم عبد العزيز بن مساعد وكافة جماعة أهل بريدة سلمهم الله تعالى آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام - بعد ذلك تدرون بحالتنا وأمور خارجنا وقل الواردولاهوب من فقر بلادنا بل هي أغنى من غيرها وإنما لعدم إخراج ما فيها من المصالح ولابد جنابكم خبر اتفاقنا مع الشركة لأجل استخراج المعادن الغازية والاستفادة من معادن ومصالح بلادنا المكنوزة، وسوف يبتدئ العمل بها قريبًا إن شاء الله تعالى فهذه الشركة خصص من خصاصها مائة وعشرين ألف سهم (بقبضتنا) منها ستين ألف سهم هذه لنا خاصة وستين ألف سهم نخرجها على رعايانا والقصد أن تكون مصالحها للرعية أحسن من أن تكون للغير مع أن كلًّا من الأجانب يحب أخذ هذه الحصص حتى ويدفعون لنا زيادة على قيمتها المعينة ولكن حنا نحب أنها تكون المصلحة للرعية حيث أن مصالحها مع توفيق الله ما هي هينة ولا يقدر أحد يقيسها، فإذا سهل الله وجود معدن غاز أو نفط والكل لا شك موجود ومعروف فالحصة التي قيمتها جنية واحد ربما تبلغ الخمسين جنية أو ربما تزيد والله أعلم، المقصود أن هذه الستين ألف حصة التي لأج تخريجها على رعايانا (وردت) أوراقها مع وكيل الشركة في البحرين وكل حصة قيمتها جنية واحد، وأنا مثل ما ذكرت لكم أود أن هذه الحصص تكون بيد الرعية ومصلحتها لها، وأنتم هنا أنتم تعطون البضايع تدورون بعض المصلحة التي ربما يحصل فيها بعض العراش أو ربما خسرت وهو الأكثر الشركة أسهمها مثل ما ذكرت لكم مصالحها مع توفيق الله ما تحصل في غيرها وأوراقها خزن متى شاء الذي هي بيده باعها ولابد فيكم ناس يعرفون كيف أحوال الشركات ومصالحها

стр. 9636

والحمد لله ما فيها شيء من أمور الحرام، عاد يكون معلومكم أنني أحب أنكم تجتمعون وتأخذون من هذه الأسهم كلًا على قدر رغبته فإذا عرفتو مقدار رغبة الواحد منكم سوى أن يأخذ سهم أو عشرة أو عشرين أو مائة وإذا اجتمع المجموع عندكم وعرفتموه فأرسلوه لمن تعتمدون عليه في البحرين وعرفوه يراجع وكيلنا القصيبي ويروح معه إلى وكيل الشركة ويسلمون له المبلغ ويأخذون منه أوراق أسهمهم بمقدار المبلغ المستلم كل سهم عن جنيه واحد ولكن احرصوا على هذا الأمر لا يفوتكم تراه ما يحصل لكم فيما بعد لا تخلون المصلحة تروح لغيركم بادرونا بالجواب عن مقدار ما يجتمع عندكم من الجماعة حتى نكون على معلومية منه، ومثل ما عرفناكم أرسلوه لمن تحبون من أهل نجد في البحرين يدفعه لوكيل الشركة ويأخذ لكم به أوراق أسهم يرسلها إليكم وأنتم تدرون أن لنا أصحاب من العرب وكلًا منهم يطلب منا أن نعطيه من هذه الأسهم وننتظر ردكم لمعرفة مقدار الذي تأخذون حتى نكون على معلومية من ذلك ولكن بادرونا بالجواب حيث أن الوقت ضيق والعمل قريبًا إن شاء الله يبتدئ هذا ما لزم تعريفه والسلام. ٢٨ محرم ١٣٢٢ هـ. ونذكر هنا أنه مثلما كان الملك عبد العزيز آل سعود يبعث رسائل إلى عبد العزيز بن حمود المشيقح وفهد بن علي الرشودي كان الزعيمان يبعثان إليه رسائل أما أن تكون جوابًا على رسائل بعثها إليهما أو استئنافًا لرسائل جديدة منها هذه المهمة التي كانت (لاحق خير) أي قد سبقتها ورقة موجهة إلى الملك. وهي طويلة ومهمة ينبغي أن نورد نصها هنا ثم نورد نصها بحروف الطباعة، ثم نعلق على ما فيها مما يحتاج إلى تعليق.

стр. 9637

ونعود إلى ما يتعلق بعبد العزيز بن حمود بن مشيقح بالذات فنقول: حدثني عثمان بن عبد الله الدبيخي، قال: أصاب الناس جدب ومحل في عشر الستين، أو قال عشر الخمسين من القرن الرابع عشر فغلا السعر وزاد ثمن القمح والتمر حتى أرهق الفقراء. فجمع عبد العزيز بن حمود المشيقح طائفة من التجار المعروفين بأن عندهم طعامًا من التمر والحبوب للتجارة وقال لهم: لقد تضرر الناس بالغلاء، وبعضهم صار لا يستطيع شراء حاجة عياله منه فنريد أن نخفض أسعاره فنبيع عليهم مثلما كان عليه السعر قبل الغلاء. قال: وأنا أول من يطبق ذلك بنفسه. قال عثمان: ولقد رأيته أمام دكانه في أسفل سوق بريدة القديم تأتيه أكياس العيش الكبيرة فيبيع على الفقراء والمحتاجين بنصف السعر وأقل من ذلك وكان ابنه محمد هو الذي يكيل للناس، ولا يبيع على الغني أو ميسور الحال، وكان جالسًا عنده رغم شيخوخته، ولم يعتمد في هذا الأمر على أولاده الذين كانوا أطوع الناس له وأسرعهم إلى خدمته. قال عثمان الدبيخي: فتأثرت من ذلك وجلست بجانبه أدعو له، فقال: يا عثمان يا ولدي: أنت تعرف الرزق اللي رزقنا الله إياه، والله إني وأنا شاب أروح لعنيزة على رجلي أدور الربح في التجارة حتى فتح الله عليَّ. وحدثني عثمان الدبيخي أيضًا قال: عندما توقفت تجارة عقيل الذين هم تجار المواشي الذين يذهبون بها إلى الشام أصاب الضرر المالي أكثرهم لأنهم لم تكن لهم وسيلة رزق إلَّا هي فذهب اثنان من أعيانهم إلى المشيقح ليستدينا منهم لحاجتهم إلى النقود.

стр. 9638

والدين الشائع آنذاك هو البيع إلى أجل بجملة التورق كان يبيع الدائن عليك سلعة تساوي في السوق مائة ريال في الدفع الحاضر أو الفوري بمائة وعشرين ريالًا إلى أجل معين، أكثر ما يكون السنة واحدة فيكسب التاجر الدائن فيها ذلك الفرق الذي هو (٢٠) ريالًا. قال: وكانا يفاوضان أبناء عبد العزيز المشيقح، وهو ليس حاضرًا في المجلس، ولكنه لمح أحدهما، فنادى أحد أبنائه وسأله عن الرجلين وماذا يريدان؟ فأخبره فقال لأبنائه: هذا ولا لهم حق، ومنقوصين من توقف التجارة بالبعير للخارج عطوهم اللي يبون سلف، وكان أحدهما طلب ألفي ريال والآخر طلب ألفًا وخمسمائة ريال، وتلك ثروة كبيرة في ذلك الوقت فسلفهم دون فائدة مالية. وهذا يعتبر نادرًا من أفعال التجار في ذلك الوقت. قيل عنه: قال الشيخ إبراهيم بن عبيد: ولادته ونشأته: أما ولادة المترجم فقد ولد في مدينة بريدة عاصمة القصيم في زمننا هذا وذلك في سنة ١٢٨٠ هـ وتوفي والده وله من العمر تسع سنين أعني سنة ١٢٨٩ هـ فنشأ في التجارة سنة ١٣٠٠ هـ وأخذ يطلب العلم ويدرس على خاله الشيخ الفاضل محمد بن عمر بن سليم علامة القصيم ذي الفضائل الجلية والمواهب الربانية، وما زال المترجم يجد في طلب العلم حتى أصبح منتظمًا في سلك أهل الدين ومنتمية إليهم ومحبًا لهم ومقدرًا ذلك المكارم أخلاقه وعلو همته ونبل معرفته، وكم لهذا الرجل العظيم من مآثر في الإسلام ودفاع عن الوطن وجهاد في تقدمه ونجاحه بما كان به موضع الإعجاب من بين سائر

стр. 9639

البلدان، وإن بلادًا يقوم بها رجال الدين والبصيرة والعلم والمعرفة الجديرة بالنجاح والتقدم والرقي وبلوغ شأو العلى والمفاخر. ذكر شيء من مقالاته التي بذل مهجته فيها لصالح الأمة: لقد قام ابن مشيقح هذا وزميله الرجل العظيم فهد بن علي الرشودي بأمور هامة، وكان له رأي ومعرفة وتجربة وله جاه عند الملوك والأمراء فيسمع له ويطاع ويتمشى على ضوء آرائه وأفكاره، وبلغت به همته أن كان من أكبر الزعماء في القصيم. فمن ذلك أنه لما كان قبيل واقعة السبلة المتقدمة بين صاحب الجلالة وبين البغاة من البدو أصحاب الدويش وابن حميد أبدى حكمًا وآراء جميلة فإنه خرج هو وفهد بن علي الرشودي واتفقا بصاحب الجلالة فطلبا أن تكون الواقعة مؤجلة بعد ما عزم صاحب الجلالة على القتال سنة ١٣٤٦ هـ فأجلت إلى السنة القادمة وطلبا أن يكون ميدان القتال حوالي القصيم وذلك لإمداده بالمياه وخشية أن يقطع عليه العدو خط الرجعة فنزولًا على الرغبة وافق على هذا الرأي وبذلا مهجهما لطلبه، فكان لا ينساها لهما وجعل الله في ذلك النصرة وحسن العاقبة، وكان الملك الراحل يستأنس بآرائه ويميل إليها لنصحه ومعرفته، ولقد قام على أنجاله فهذبهم وثقفهم ورباهم أحسن تربية. ثم ذكر رثاء له، وقال بعد ذلك: مات المترجم عن سبعة بنين ولكل ابن نسل كثير وعن بنتين، ومن أشهر أبنائه عبد الله وحمود وغالب أبنائه وأحفاده وأسباطه تلامذة لآل سليم وقد مر ذكر بعضهم ولا نطيل هنا لأننا نؤثر الاختصار. ولما مات صلى عليه المسلمون وحمل إلى المقبرة الجنوبية في بريدة (فلاجه) ولا يزال قبره يزار ويتردد إليه كل جمعة وأصيبت به الأمة وفقده

стр. 9640

أهل الإسلام واتفق على تعظيمه والدعاء له الخاص والعام، فنسأل الله تعالى أن يجبر المصاب بفقده ويرفع منازله في دار كرامته (١). وقال الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀: الشيخ عبد العزيز الحمود المشيقح: ولد بمدينة بريدة عام ١٢٨٠ هـ وتعلم القراءة والكتابة وأجادهما، ثم قرأ على خاله الشيخ محمد بن عمر بن سليم، وعلى ابن عم والدته الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، واستمر في القراءة على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم حتى توفي، وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب، وله صوت رنان إذا قرأ وهو شيخ كبير أطرب السامع بصوته وقراءته. وكان يشتغل بالتجارة وتطورت تجارته حتى صار أغنى أهل نجد على الإطلاق، وأكثرهم تعاملًا بالتجارة والمداينة، وكان يتعامل مع المزارعين والتجار بالمداينة، كما كان يتعامل مع الخارج بواسطة تجار البحرين، ولذا غلبت شهرته في التجارة على شهرته في العلم، ولكن لم أر ولم أطلع على أحد أعطاه الله من المال والتجارة مثل ما أعطي هذا الرجل وتفرغ تفرغه للعلم والعبادة. فلقد كان له برنامج يومي أدركته قرابة عشرين سنة لا يخلفه، فإنه يستيقظ قبل صلاة الفجر ويوتر ثم يتناول القهوة والشاي في منزله، ثم يذهب للمسجد فيصلي ركعتي الفجر وينتظر الإقامة ويظل يذكر الله حتى تقام الصلاة، وبعد صلاة الصبح يحضر الدرس في مسجده، وكان المدرس فيه سابقًا الأستاذ محمد العجاجي وخلفه على ذلك الشيخ عبد العزيز العبادي وخلفه على ذلك الشيخ محمد بن صالح بن سليم ثم الشيخ عبد الله العبد العزيز المشيقح.

стр. 9641

وعند طلوع الشمس يذهب إلى منزله حيث يبدأ الناس بالمجيء إليهم فمنهم المسلم كالقادم من السفر والقري، ومنهم من يطلب حاجة أو صدقة، ومنهم الزائر العادي وطالب العلم المحب، ومنهم من يطلب دينًا فيعطى، ومنهم من يسدد شيئًا من دينه، ومنهم من يريد شراء شيء من المال، ومنهم من يطلب جاهًا لدى الإمارة أو غيرها، ومنهم من يطلب وساطة في أمر من الأمور وهو لا يبخل بجاهه إلى غير ذلك. وتستمر هذه الجلسة قرابة ساعة ونصف إلى ساعتين، ثم يذهب لحضور مجلس المشايخ الشيخ عبد الله بن سليم أو الشيخ عمر بن سليم فيبقى يستمع القراءة حتى تنتهي. وقد يبقى ساعة أو أكثر عند هذه القراءة التي تستمر عادة ثلاث أو أربع ساعات، فإذا انتهت القراءة ذهب إلى دكانه وبقي فيه، وليس في دكانه شيء غير السجلات، فيأتي الناس إليه فيبيع عليهم بالحاضر وبالدين. ثم بعد ساعة أو نحوها يهذب إلى منزله فيتناول الغداء هو وأولاده ومن قد دعي لهذا الطعام، وكثيرًا ما يحضر بعض أقاربه طعامه، وقل أن يمر به يوم ليس عنده ضيوف أو مدعوون. ومن عادته أن يدعو ضيوف الإمارة لتناول الطعام يومًا كاملًا عنده الغداء قبل الظهر والعشاء بعد العصر إذ لم يكونوا يكتفون بالدعوة لوجبة واحدة. وبعد أن يتناول الغداء في منزله يذهب إلى منزل الشيخ إبراهيم الصالح المشيقح والد الشيخ علي البراهيم، فتكون القهوة والشاي قد أعدا، فيتناولها هو وأولاده وأحفاده وأسباطه وكثير من أقاربه، ومثل هذه الجلسة أشبه ما تكون بندوة يتذاكرون فيها ويعرفون أخبار القادم والمسافر وأحوال الناس، ثم يذهبون إلى منازلهم للراحة قبل الظهر، فإذا أذن الظهر حضر للمسجد وكان يتفقد أولاده

стр. 9642

وأحفاده الصغار في الحضور إلى المسجد، أما الكبار فكلهم طلبة علم لا يحتاجون إلى تفقد وتراهم جميعًا يحفون به من كل جانب، وينظرون إلى حركاته. وإذا كان في المسجد يتفقد الفقراء والمعوزين من أهل المسجد ومن غيرهم ممن يصلي معه رجاء عطفه، فقل أن يفوت وقت من أوقات الصلاة دون أن يكون له فيه بر وإحسان إلى أحد المستضعفين وهو يكرم طلبة العلم ويخصهم بالإحسان إليهم ولو أقسم إنسان أنه لا يوجد طالب علم محتاج في بريدة وضواحيها لا يصله بر هذا الرجل فإني أعتقد أنه لا يحنث. كما أنه لا يوجد أسرة من الأسر المحتاجة في بريدة لا تصل إليها صدقة هذا الرجل، وله معرفة دقيقة بأحوال الناس، كما أنه قد رزق بأولاد نجباء ساروا على نهجه وخدموه مدة حياته، وساعدوه على تنمية ثروته، وأشهرهم عبد الله ثم صالح ثم حمود ثم محمد ثم عبد الرحمن ثم عبد المحسن ثم إبراهيم، وكلهم طلبة علم، ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأحفاد أدركوا جدهم وخدموه وساعدوا على خدمته. وكان يسكن هو وأولاده في بيوت متجاورة، يدخل بعضها على بعض، أما بعد صلاة الظهر فإنه يستمع للقراءة التي تكون في مسجده عند أحد العلماء الذين أسلفنا ذكرهم، ثم يذهب إلى منزله فتدار القهوة والشاي إلى قرب أذان العصر، فهذا داخل وهذا خارج، وقد يمتلئ مجلسه من الناس، فهذا يباع عليه وهذا يدين، وهذا يسدد ما عليه، إلى غير ذلك، وهذا يطلب جاهها أو وساطة. ولم أر إنسانًا في بريدة يبذل نفسه للناس مثل ذلك الرجل وأولاده، وقد عمر أكثر من مسجد في بريدة، ولا يعمر في بريدة مسجد في زمنه إلا ويساعد على عمارته. وكان الشيخ عبد العزيز المشيقح من أكبر المؤيدين للمشايخ آل سليم، وله تأثير على بعض الأعيان بتأييدهم.

стр. 9643

ولما توفي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم اهتم بشأن ابنيه الشيخ عبد الله والشيخ عمر بن سليم، فقرر مجلس القراءة بعد العشاء للشيخ عمر بمنزل الشيخ عبد العزيز، فيحضرون السرج والأتاريك قبل الكهرباء، والقهوة والشاي والماء البارد في الصيف للقراء، ويحضر الناس لاستماع الدرس، وقد استمر هذا أكثر من ثلاثين سنة، وكان المترجم له يجلس إلى جنب الشيخ عمر ويستمع لقراءة الجميع فلا يفوته شيء منها خلال ثلاثين سنة، وهذه الجلسة مخصصة للكبار من طلبة العلم، فرحمه الله وعفا عنه. وكان إذا دخل رمضان أو قرب أحضر دفاتره وأحصى ما له وما عليه، ثم عزل الزكاة فأخرجها كاملة، وكان دقيقًا في ذلك. وكان ﵀ يوسع على المعسر، حدثني الشيخ سليمان العلي المقبل قال: اشترى رجل من تجار الحبوب كمية كبيرة من الحبوب من الشيخ عبد العزيز المشيقح، فرخصت الحبوب وكسدت إلى النصف من ثمنها الذي اشترى به الرجل، فباع ما قدر على بيعه وسدد لآل مشيقح وبقي مطالبًا بالباقي، ولم يكن لديه ما يسدد، ولكن آل مشيقح لم يعلموا بما حصل على الرجل، ولما طالبوه بالتسديد ذهب صباحًا إلى الشيخ عبد العزيز المشيقح، وجلس عنده دون أن يشعره بشيء، ولما شرب الرجل الشاي والقهوة وأراد الانصراف سلم مفاتيح دكانه للشيخ عبد العزيز، فقال: ما هذا؟ قال: مفاتيح الدكان، قال عبد العزيز: لماذا جئت بها؟ قال استلموا ما فيه وليس لدي شيء غيره. فقال له: أبلغ بك الأمر هكذا دون أن تخبرنا! ! قال الرجل: نعم، قال: خذ مفاتيحك واذهب إلى دكانك، ثم دعى أولاده الكبار فقال: أحضروا الدفاتر فأحضروها، ثم وضعها في صندوق فأمرهم بإدخالها في مستودع وقال اقفلوه ثم حلف أن لا يفتح مدة سنة لا يطالب الناس بشيء مما عليهم إلا من أتي من نفسه بشيء أخذ منه وأعطى وصلًا بذلك.

стр. 9644

وقد أوردنا هذه القصة لتعرف منزلة الرجل. كان ﵀ كثير التهجد تاليًا للقرآن ليلًا ونهارًا، كثير أنواع العبادة كثير الصدقات، عطوفًا على الأقارب والفقراء والمحتاجين، يبقى دينه عشرات السنين عند الناس لا يشكوهم، وعلى كثرة ما له ومعاملته مع الناس فإني لم أطلع أنه شكا أحدًا عند حقه. وكان يخلص مع الناس دون ضجة أو مشاكل، وقد بلغ الثانية والتسعين دون أن يفقد حواسه عدا النظر فإنه قد ضعف في آخر حياته، ولما توفي حضر للصلاة عليه جميع أهل بريدة فرحمه الله رحمة الأبرار، توفي ﵀ عام ١٣٧٢ هـ في بريدة ودفن في مقبرة فلاجة جنوبي بريدة، وخلف سبعة أولاد هم: - عبد الله وهو أكبرهم وله أولاد وأحفاد. - صالح وله أولاد وأحفاد. - حمود وله أولاد وأحفاد. - عبد الرحمن وله أولاد وأحفاد. - عبد المحسن وله أولاد وأحفاد. - إبراهيم وله أولاد وأحفاد. وكلهم طلبة علم مر ذكرهم في تلامذة مشايخهم، ولما توفي والدهم وفقهم الله إلى شطب ديونه على الناس، وكانت كثيرة جدًّا فرحمه الله ووفق بنيه. وإياه وأبناءه قصد الشيخ عمر الوسيدي بقوله في قصيدة طويلة في الحث على العلم: كمثل همام جاد نسل مشيقح ... وأبناؤه جادوا على نهج فاعل خصوصًا مع الطلاب جادوا بمالهم ... وجاه لمن يحتاجهم في النوازل وقد عمروا بعض المساجد طاعة ... صلاة وتسبيحًا وبذلًا لفاعل

стр. 9645

جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وضاعف من مبذولهم كل حاصل يكون ظلالًا يوم يفصل بالقضا ... وقاية حر الشمس يوم الزلازل وقال الأستاذ ناصر بن سليمان العمري: دائن يتنازل عن دينه: عبد العزيز الحمود المشيقح أحد أعيان مدينة بريدة وأحد تجارها وهو يهتم بأداء شعائر الدين وتعليم أولاده وأحفاده العلم، وذهب يومًا يزور مريضًا من سكان بريدة، وبينما كان عند المريض سأله عبد العزيز الحمود المشيقح عن سبب بكائه، فقال: دَينك عليَّ أخشى أن يباع بيتي لوفاء دينك بعد وفاتي، ويبقى أطفالي الصغار بدون بيت فرد عليه الدائن عبد العزيز الحمود المشيقح بقوله لقد تنازلت عن ديني فكن مطمئنًا وسوف أذهب إلى الدكان وأخذ سند دينك وأشطب عليه، ويعتبر الموضوع منتهيا. فشكره المدين ودعا له وعبد العزيز الحمود المشيقح والدته هي بنت عمر بن سليم أخت الشيخ محمد بن عمر بن سليم المتوفى عام ١٣٠٨ هـ قبل وقعة المليدا الأولى (١). انتهى كلامه. وأقول توفي الشيخ عبد العزيز بن حمود المشيقح في عام ١٣٧٢ هـ ونحن في مكة المكرمة مع شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد للعمل في إنهاء القضايا المتأخرة في محاكمها، وأرسل أبناؤه برقية بوفاته إلى الشيخ مثلما أرسلوا برقيات لذوي الشأن في الدولة لأهمية والدهم التي يعرفونها.

стр. 9646

وبالنسبة لشيخنا الشيخ ابن حميد فإنه كان يجل عبد العزيز المشيقح ويحترمه لأمور: أولها: أنه طالب علم محب للمشايخ ولطلبة العلم حتى إنه اعتاد على أن يجلس المشايخ من قضاة بريدة في بيته بعد صلاة العشاء ويكون باب قهوته وهي غرفة تناول القهوة للضيوف - مفتوحًا لكل من أراد أن يدخل فيستمع إلى الدرس الديني العلمي، ويجد مع ذلك القهوة والشاي والحليب. وثانيها: أنني رأيت الشيخ عبد الله بن حميد يسأله كثيرًا عن أشياء قديمة أو سابقة في بريدة فيسمع من أمرها ما يريده، وكذلك كان يسأله عن طلبة العلم الذين توفوا قبل أن يصل الشيخ ابن حميد إلى بريدة. ثالثها: أن ابن مشيقح من زعماء بريدة ومن المقربين جدًّا من الملك عبد العزيز، بل ربما كان أقربهم إلى نفسه. وصية الشيخ عبد العزيز بن حمود المشيقح: أوصى عبد العزيز بن حمود المشيقح بوصية متبسوطة نسبيًا، ولكنها أقل بسطًا وإيضاحًا مما كنا نتوقع مع أنها أوضحت المطلوب، وتقع في صفحة ونصف من خط الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم الواضح، أرخها في ٢٣ شوال سنة ١٣٥٢ هـ. وخطه واضح وما في الوثيقة أكثره لا يحتاج إلى شرح، ولكن عبد العزيز بن حمود المشيقح لم يقتصر على ما ذكره من الأوقاف على ما في وصيته، بل أوقف أوقافًا أخرى موضحة بالأوراق التي أتبعناها بالوصية، وهي أربع وثائق.

стр. 9647

المشيقح وطلبة العلم: المشيقح أنفسهم من طلبة العلم وبعضهم يحفظ القرآن وفي عهده طائفة منهم يقرؤون على المشايخ من كبارهم وصغارهم. وعند ما كبرت سن عميدهم الشهير عبد العزيز بن حمود المشيقح وثقل عن الحركة كان يحمل معه نقودًا أو حلوى يعطيها للأطفال الذين يدرسون عليه أو على غيره من طلبة العلم في مسجد المشيقح ترغيبًا لهم بذلك. وهم من المشايعين لآل سليم المشايخ وذلك لكونهم طلبة علم على المشايخ، ولذلك يعتبرهم جماعة الشيخ إبراهيم بن جاسر من أنصار آل سليم الأقوياء. مسجد المشيقح: وقد عمروا مسجد عيسى الذي كان أنشأه أولا الأمر عيسى بن عبد الكريم العيسى، ثم هدمه آل مشيقح، وأعادوا عمارته ووسعوه فصار إمامه منهم وصارت لهم حلقات ذكر فيه. والأهم من ذلك أنهم جعلوا فيه غرفًا ليست كثيرة، ولكن طائفة من طلبة العلم الغرباء يسكنون فيها ليطلبوا العلم على المشايخ في بريدة ولكن المشايخ كانوا يبرونهم بالطعام. ومن أولئك الشيخ حمد الجاسر المؤرخ المشهور، فقد حدثني أكثر من مرة بأنه كان عندما أفلس والده من فلاحته في البرود في السر جاء وحده إلى بريدة وسكن في غرفة في مسجد المشيقح قال: فكنت أدرس في مدرسة صالح الصقعبي وأقرأ العلم لأنني صغير في مسجد المشيقح، وكانوا يتعهدوننا بالطعام والبر مثل غيري من الذين كانوا فيه من الغرباء، ولم يذكر عدد الذين كانوا معه، ولكنني أعرف أن الغرف التي في مسجد المشيقح ليست كثيرة.

стр. 9648

ومسجد المشيقح ابتدأ فيه عدد من طلبة العلم ثم التحقوا بالدراسة على المشايخ، ومنهم الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح الذي تدرج في وظائف القضاء حتى صار (نائب رئيس محاكم القصيم). وكذلك صارت عادة لمشايخ بريدة وقضاتها أن يحضر القاضي بعد صلاة العشاء إلى بيت المشيقح فيقرأ عليه واحد منهم أو أكثر في بعض الكتب ويقرر الشيخ على قراءته أي يشرحها ويستطرد في الإفادة. وكان عدة من المشايخ يقومون بهذه الجلسة المتكررة أي التي تتكرر في ليلة من الأسبوع ويقدم (المشيقح) القهوة والشاي والحليب الساخن المحلى بالسكر ويدعون بابهم مفتوحًا يدخل منه كل من أراد الاستفادة من الدرس أو التمتع بالقهوة والشاي والحليب. وقد عهدت الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة يواظب على هذه العادة ويذهب إلى بيت المسجد كل ليلة ثلاثاء، كما كان شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد يفعل ذلك كل ثلاثاء ويطلب مني أن أصحبه إليهم لأنني أكون عنده بالمغرب حتى أصلي العشاء في الجامع فيطلب مني أن أذهب معه إلى المشيقح فنذهب معًا ويفعل كما كان يفعله الشيخ عمر بن سليم إلى أن انقطع ذلك بسبب مشاغل الشيخ، ولأن والدهم توفي في عام ١٣٧٢ هـ وكان المشايخ يشعرون أن لهم حقًّا على الجميع.

стр. 9649

عبد الله بن عبد العزيز بن مشيقح:

стр. 9650

عبد الله بن عبد العزيز بن مشيقح: هو أكبر أبناء عبد العزيز بن حمود المشيقح، وهو أكثرهم فهما، بل هو نادر بين الرجال فهمًا وعقلًا ودهاء. قال لي شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد ﵀: إنني لم أر في بريدة كلها رجلًا ذا دهاء وذكاء خارق مثل عبد الله المشيقح وكان عبد الله المشيقح إلى جانب ذلك طالب علم حافظًا للقرآن الكريم يصلي إمامًا في مسجد المشيقح الذي كان يسمى في القديم مسجد عيسى في بريدة. وعبد الله المشيقح في الوقت نفسه يكاد يعتبر مديرًا لأعمال والده وأسرته التجارية الكبيرة. كان لعبد الله بن عبد العزيز المشيقح كلمات موجزة مشهورة يتناقلها الناس وتروي في المجالس من ذلك قوله عندما كان يسير في المريدسية ويسأل عن هذا الحائط؟ فكانوا يجيبونه قائلين لفلان السعوي ثم بعد حائط آخر أو حايطين يمر بآخر فيقولون لفلان السعوي، غير الأول، وبعد ذلك يمر بحائط آخر لشخص من أسرة أخرى ثم يمر بآخر بعده فيقولون: هذا لفلان السعوي، وكان مع بعض (السعاوي) وهم أسرة السعوي فقال: أنتم يا (السعاوي) في المريدسية مثل آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في سورة الرحمن. وذكر عنده رجل كان عنده شيء من المال ولكنه يخفيه لسبب من الأسباب ويظهر بمظهر الفقير، فقال: فلان مثل عود التينه لونه أشهب كأنه يابس لكنه إذا قشرته بطرف أصبعك لقيت خضرته. وكان رجل من أسرة معروفة وأعرف الرجل ولكنني لم أرد ذكر اسمه يكثر من الأنين والتشكي من المرض مثل المبالغة بالسعال وإظهار الضجر من المرض،

стр. 9651

وقد بقي على ذلك مدة طويلة، فقال له عبد الله المشيقح: أأنت - يا فلان - مثل خرزة الحصا تعيب، أو قال: تصير عايبة وتبقى خمسين سنة ما طاحت. والخرزة هي واحدة الخرز وهي حصاة قوية كبيرة تهذب لتوضع مع غيرها على هيئة عمود من الحجارة يحمل ثقل البيت، وقد جربنا أنها قد تميل ولكنها لا تسقط لأن استنادها إلى ما تحتها ولو كان استنادًا ضعيفًا يمنعها من السقوط. ومرة كانوا في سفر حج وكانوا جائعين فطلب ومن معه من الخدام والشباب الذين معه شيئًا يأكلونه فأبطأوا عليهم ثم أحضروا لهم خبزًا ما أن بدءوا يأكلون منه حتى أحضر الأرز واللحم فرمى الناس ما بأيديهم من الخبز وأقبلوا عليه. فقال عبد الله المشيقح: أنتم مثل الجنود الذين معهم بنادقهم إلى وصلوا مدافعهم رموا البنادق. وعندما عهد إليَّ فتح المعهد العلمي في بريدة وعينت مديرًا له سعيت في أخذ أرض له هي التي هو عليها الآن فاعترض أناس من كبار الجماعة على ذلك بحجة أنها ينبغي أن تبقى من أجل الإبل التي تأتي إلى بريدة وتخرج منها، وليس عبد الله المشيقح من المعترضين، وقد أصررت على أخذها لأنها حكومية ولا يمكن أن تبقى إذا حرمنا المعهد منها، فعجب أناس مني كيف أستطيع أن أقف في وجوههم فقال عبد الله المشيقح: محمد العبودي ضعيف المغزى، قوي الأهل. وكان ذلك في عام ١٣٧٤ هـ. ومن أخبار دهاء عبد الله المشيقح ودقة تدبيره أن رجلًا كان من عقيل الذين يذهبون من القصيم إلى الشام في تجارة المواشي كان مشهورًا بأنة (كسِّيب) وهو الذي يحسن أن يستغل النقود التي يعطيه الناس إياها للتكسب قد تضعضعت حاله لأنه باع ما معه من الإبل بثمن قليل، ثم سرقت منه نقوده

стр. 9652

وأصاب الجرب بعض إبله، فلم يبق معه شيء ولكن لم يعرف أحد حاله على حقيقتها فذهب من الشام إلى العراق عسى أن يجد فيها ما يعمله، فلم يجد. فأزمع السفر إلى نجد وكان أحد المتعاملين مع (المشيقح) في الكويت لديه ألف ريال فرانسي فضية وهي مبلغ كبير في ذلك الوقت يريد إرسالها إلى المشيقح في بريدة فأعطاها إياه، ولكن الرجل كان مُفلسًا وهو معروف قبل ذلك بالكرم وحسن الحال قال يحكي عن نفسه: ففرحت بهذه الدراهم، وقلت: هذي جابها الله، واشتريت ببعضها كسوة لأهلي وبعضها هيل وقهوة وعود بخور. ولما وصلت إلى بريدة لم أذهب للمشيقح ولم أذكر لهم ذلك ظنًّا مني أنهم لم يعلموا حتى الآن بأن الدراهم أرسلت معي. قال: ولكن تبين أن الأمر ليس على ما ذكرت وأن صاحب الكويت قد أرسل للمشيقح كتابًا مع رجل آخر يخبرهم فيه أنه أرسل الدراهم معي إليهم. وقد صادفت عبد الله العبد العزيز المشيقح في السوق فقال لي: يا فلان: ما شفناك ولا جبت الدراهم اللي معك لنا. قال: فقلت له: يا عم عبد الله الدراهم أنا أكلتها وأنا منكسر ولا عندي ولا ريال. قال: فسكت عبد الله المشيقح كالمفكر قليلًا ثم قال لي: اسمع إلى صار باكر تراي أبي ادخل على عبد الله العلي القفاري في دكانه، فإذا شفت إني بقيت عنده ربع ساعة تقريبًا ادخل علي بدكانه وسلِّم عليَّ كأنك ما شفتني قبل هالساعة، وبعدين تراي أبي أطلع من دكانه فإذا طلعت قل له: يا عم، أنا أبي أروح للشام أترزَّق الله، إن كان عندك دراهم دين وبضاعة فأنا على عازة دراهم. قال الرجل وأنا أعرف اسمه ولكنني لم أذكره.

стр. 9653

قال: وبالفعل دخلت على عبد الله المشيقح وهو جالس عند عبد الله القفاري فسلت عليه فتلقاني هاشًا باشًا ورحب بي، وقال: ورا ما شفناك ما أخذت منا بضاعة أنت رجال كسيب، قال: وذكرني بشيء جيد لم يخالف الحقيقة، ولكنني كنت كذلك في الماضي. ثم خرج عبد الله المشيقح من دكان القفاري فقلت للقفاري ما كان عبد الله المشيقح قال لي: فقال: ابرك الساعات، وش كثر تبي؟ قلت: أبي ثلاثة ألاف ريال فرانسي، قال تبيهن بضاعة أو دين؟ قلت: أبيهن دين حتى مكسبهن إن شاء الله كله يصير لي، لأن البضاعة يكون نصف الربح فيها لصاحب النقود، وهو القفاري في مثل هذه الحالة. قال: وقد أخذت النقود من القفاري ثلاثة آلاف ريال، لكنها كانت أقل مما يسافر به أمثالي للتجارة، وكان محمد العلي الشويرخ صديقًا خاصًّا لي في الشام وفي بريدة وكنت اتقهوى عنده في الليل فذكرت له ذلك، فقال: إن شاء الله أنا باكر أكلم أبوي وعمي وكانا شريكين، وأذكرك لهم وأثني عليك، وبعدين رح لهم تراه ما يقصرن، يدينونك. قال: فأتيت والده (علي الشويرخ) وعمه صالح، وقلت لهما: أبي دين يا أبو محمد، فقال: ابرك الساعة كم تبي؟ قلت أبي فردتين، أو ثلاث فراد خام. والخام قماش أبيض يكون في الفردة منه وهي البالة أي الربطة الكبيرة عشرين طاقة خام، فقال ابن شويرخ: أنا عندي عشر رباط خام أبي أدينك إياهن كلهن العشر أحد عشر، لمدة سنة.

стр. 9654

أي بفائدة ١٠% أو بزيادة ١٠% عن السعر الذي يباع به الخام في السوق. قال: فشكرته وكتب عليَّ بذلك سندًا وطلبت من عبد الله الجار الله الحميد وكان يومئذ دلالًا معتبرًا في سوق بريدة أن يبيع الخام لي بعد أن قبضته فباعه بما يقرب من الثمن الذي اشتريت به من ابن شويرخ، فقد كان ابن شويرخ ذكر سعرًا للخام أقل مما يسوي لأنه لم يعلم أنه يسوي أكثر من ذلك. قال وكنت اشتريت من (ناصر القوسي) بعيرين، ولم أعطه ثمنهما، لأنه لم يبق معي شيء من الدراهم التي استدنتها من القفاري. فذهبت إليه أي ناصر القوسي وقلت له: أبيك تشتري لي رعيَّة غنم أنت تعرف الغنم الطيبة، فسخر مني وقال: أنت ما عندك دراهم توفيني ثمن بعيرين وتبين اشتري لك رعية غنم؟ فقلت له: لا، أنا عندي دراهم شفهن عند عبد الله الجار الله، رح له خذ دراهم بعارينك واشر لي رعيتين غنم، فقال: والله إن كان هذا (صحيح) إني لأشتري لك الغنم ولا أخذ منك دلاله. قال الرجل: فأخذ دراهمه من عبد الله الجار الله واشترى لي رعية غنم مجلوبة لبريدة معها حتى حمارها، فبعت الإبل التي اشتريتها وهي قليلة واشتريت بثمنها غنمًا، وسافرت بالغنم إلى حائل وبعتها هناك بمكسب طيب وصل إلى نحو العشر ثلاث طعشر يعني ٣٠ % بالمائة واشتريت بثمنها كلها بعارين من حايل، وذهبت بها للشام فوافقت سوق البعير في غزة بفلسطين عزيزًا، وبعت بنحو العشر ١٤ أي ٤٠% ربحًا. ثم بعت واشتريت لمدة قصيرة ورجعت إلى بريدة من أجل إيفاء ما عليَّ من الدين فذهبت أولًا إلى عبد الله العلي القفاري لأنه الأول ومعي الدراهم اللي يبي مني وهي ثلاثة آلاف ريال، فقال لي: ما هي الدراهم اللي معك؟

стр. 9655

قلت: الدَّين لك في ذمتي، الدراهم اللي لك عندي فقال: الدراهم ما بعد كلن بقي عليهم شهر ويحلن. قلت: نعم أعرف لكنهن معي الآن خذها، فقال القفاري: ما أناب أخذهن ما يحل لي أني أخذهن منك لما يحلن. قلت: ياعم، دراهمك معي قال الرجل: وكنت ظنيت أنه يبي يفرح ويأخذهن فامتنع من ذلك. فقلت له: خلهن عندك أمانة لما يحل الدين عقب شهر. فقال لي: لا هذا ما يجوز فأعدت الدراهم إلى بيتي، وذهبت لعلي الشويرخ، وقلت له: الله يسلمك ويكثر خيرك دراهمكم اللي تبون مني حاضرات، قال: وفي هذه المرة تركتها في البيت أخاف يسوي ابن شويرخ مثل ما سّوَّى القفاري. قال: فأخرج الدفتر الذي فيه مكتب الدين اللي عليَّ وقال: يا فلان الدراهم اللي عليك باقي عليهن شهر و ١٧ يوم ويحلن. قلت له: معي علم، لكن أنا أبي أعطيك إياهن أستريح خذ دراهمك هن جاهزات. قال: فاحتد، وقال: تبي تستريح أنت وتدخلني النار؟ تَوَكَّل على الله، ولا تجيبهن إلَّا إذا حل أجلهن إن كان أنت ما تعرف فأنا أعلمك إنه ما يحل لي أخذهن إلا بعد ما يحلن، يعني قبل ما يحل الأجل مالي عليك دراهم، لأن الدين إلى أجل، ما يملكه الدائن إلَّا عقب ما يحل الأجل. قال: وبعد ذلك أعطيت كل واحد حقه وكنت أعطيت المشيقح الألف ريال الذي أكلته لهم، وسارت أموري طيبة بعد ذلك. أقول: في هذا ملاحظة مهمة وهو أن عبد الله المشيقح بعقله ودهائه يعرف أنه لو فعل بالرجل كما قد يفعل سائر الناس بقوله: مثلا يا سروق، يا

стр. 9656

كذاب هات الدراهم وإلَّا شكيناك على الأمير ثم شكاه بالفعل فإن دراهمه وهي ألف ريال ولها اعتبار عظيم عند الناس في ذلك الوقت، ربما تساوي مائة ألف ريال في الوقت الحاضر لن يستطيع الحصول عليها. إضافة إلى كونه سوف يجني على الرجل لأن الأمير سيحبسه، وبذلك يشتهر أمره، ويعتبر مفلسًا، أو على حد تعبيرهم (ينكسر) فلا يجد من يدينه، ولا من يعطيه نقودًا يتاجر بها، وبذلك يقضي على مستقبله وعلى أسرته، ولا تعود نقود ابن مشيقح إليه. فسلك عبد الله المشيقح هذا المسلك الطيب. أما الغريب في رفض القفاري وابن شويرخ أخذ الدراهم قبل موعد حلولها فإن ذلك ناشئ عن كونهما يعتقدان أنهما لا يستحقان المال إلَّا بعد أن يحل أجله، لأن الزيادة فيه هي في مقابل التأجيل. وهذا صحيح في كون المدين لا يلزمه دفع المال إلا بعد حلول أجله، أما إذا طلب المدين أن يؤدي الدين إلى صاحبه راضيًا مختارًا فإنه لا يوجد ما يمنع من ذلك شرعًا، ولكن الرجلين تركاه تورعًا، إضافة إلى ما يعتقدان في الرجل من أنه سوف يؤدي الدين بعد حلول أجله، وقد فعل. هذا ويلاحظ أنني لم أذكر اسم الرجل الذي حصلت منه القصة مع أنني أعرفه لكونه اعترف بالتصرف في نقود ابن مشيقح وهي أمانة وإن كان برر ذلك بغير مبرر وهو حاجته الشديدة. وقد كان عبد الله بن عبد العزيز المشيقح كوالده وكيلًا في المال لعدد من مشاهير البلاد السعودية وأعيانها كالشيخ فوزان السابق في مصر وآل الخريجي في المدينة المنورة، والأمير عبد العزيز بن مساعد في حائل.

стр. 9657

إضافة إلى المراسلات التجارية ما بينه وبين كبار التجار في الكويت والبحرين والإحساء. ولذلك كان يتلقى رسائل من أشخاص بارزين منها هذه الرسالة التي أرسلها إليه الأمير (سعود بن عبد الله بن جلوي) أمير منطقة الظهران والحدود الشمالية آنذاك.

стр. 9658

أنموذج من خط الشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح: وقال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه في حوادث سنة ١٣٩١ هـ: وممن توفي فيها من الأعيان الشيخ عبد الله بن مشيقح، وهذه ترجمته: هو أحد زعماء مدينة بريدة عبد الله بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله آل مشيقح، ولد في مدينة بريدة سنة (١٣١٠ هـ) ونشأ في بيت والده نشأة حسنة فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية عند مؤدِّب يتعلم القرآن والكتابة وله من العمر ثمان سنوات، وكان ذكيًّا حفظ القرآن الكريم وحسن خطه ولازم والده منذ صغره في البيت والمسجد، وعند سماع القراءة في مجالس الذكر في

стр. 9659

المساجد واشتغل بجانب والده في التجارة وحينما بلغ عمره العشرين أخذ في طلب العلم على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه تفسير القرآن وعلم التوحيد والفقه والفرائض والنحو والتاريخ كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ودرس عليه في الصحاح والسنن، وكان مولعًا باستماع القراءة في البيت والمسجد في الكتب الدينية والتاريخ وغيرها طيلة حياته، وعنده قوة ذاكرة واختير إمامًا لمسجدهم الذي كان يدعى مسجد عيسى في غربي مدينة بريدة، وذلك في عام (١٣٤٠ هـ) وبصفتهم الذين أقاموا عمارته مرتين كان يعرف بمسجد الشيخ واستمر في إمامته إحدى وخمسين سنة تقريبًا حتى توفاه الله تعالى، ولما أن كان صوته جهوريًا صدق عليه اسم البلبل المغرد ذلك لما كان حسن الصوت جهوريًا مرتلًا محبرًا فهو وحيد زمانه في علو الصوت ولا سيما ليالي الختم في شهر رمضان فإن المسجد يمتلئ بالمصلين رجالًا ونساءًا ويختصونه لقراءة الكتب الواردة من الملك عبد العزيز في وقت الحروب لتوجيه الشعب وإبلاغه الأوامر الرسمية، فكان صوته يسمع من مسافة بعيدة، وقد تأثر بحب العلم والعلماء وحب الخير وأهله ومناصرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان يؤيدهم ويساعدهم ويقف في صفهم ويتمتع بالأخلاق الفاضلة والسيرة الحميدة مع أدب واسع رأي، باسم الوجه مقنعًا بحديثه سريع البديهة محترم الشخصية بارًا بوالديه ولاسيما لما أسن والده فإنه يجلس بين يديه متواضعًا متقيدًا بتوجيهاته خاضعًا لأوامره، وكان موفقًا لحل المشاكل وإنهاء الخصومات إذا وجهت إليه، وفيه سياسة حتى أنه يسحر السامع في كلامه، وكان وجيهًا عند الأمراء والحكام والقضاة وترجع الأمة إلى رأيه ومشورته ويستأنسون برأيه ويقربون مجلسه لما يعرفون من نصحه وإخلاصه، وكان إلى ذلك صاحب عبادة وله حظ من قيام الليل ومحسنًا إلى الفقراء والمساكين ويعطف على المستضعفين ويصل رحمه ويؤثر على نفسه في أمر أسرته مما جعلهم يميلون إليه ويقدرونه ويحترمونه ويربي أبناء الأسرة ويأمرهم بالصلاة

стр. 9660

ويوقظهم لها ليلًا ونهارًا مع كثرتهم وسعة بيتهم وتعدد محلاتهم، وله أخوة كانوا يسيرون على تعليماته في خدمة مسجدهم وبذل الطعام والشراب فيه للمحتاجين والمصلين، ولما أن كان في آخر السنة التي توفي فيها أحس بمرض قلبي فقام الأطباء في ليلة الجمعة ٢٩ من شوال من هذه السنة لعلاجه في مستشفيات بريدة غير أن كان مرضه يشتد ويزداد فبعث إليه جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز بطائرة لحمله إلى الرياض وعلاجه فيها فاستمر بمستشفى الرياض حتى توفاه الله تعالى في الساعة الخامسة والنصف بالغروبي من ليلة الثلاثاء الموافق ٢٥ من ذي القعدة فنقل جثمانه إلى مدينة بريدة لتسهل زيارته على كل من أهله ومحبيه وصلي عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الكبير في بريدة وشيعه إلى قبره خلق كثير وجمع غفير ﵀ وعفا عنه، وكان لدى هذه الأسرة وهم أبناء عبد العزيز بن حمود بن مشيقح عبد الله وصالح وحمود وإخوانهم ثروة عظيمة، وإذا كان في دخول شعبان ألزمهم باعث الإيمان على أن يقوموا بإحصاء المال وإخراج زكاته حسب إرشادات والد الأسرة فيفرقون الزكاة على الفقراء ويتفقدون طالب العلم لذلك امتدحهم عمر الوسيدي بأبيات من قصيدة تقدمت وقال في معرض المديح والثناء. جزاهم إله العرش عنا بفضله ... وضاعف من مبذولهم كل حاصل يكون ظلالًا يوم يفصل بالقضا ... وقاية حر الشمس يوم الزلازل ذكر شيء من نباهة المترجم وسياسته: كان حبرًا من الأحبار عاقلًا وداهية من دهاة الرجال ونحريرًا مقولًا فصيحًا سياسيًا ويدرك بذوقه وسياسته ما يقصر عنه بنو جنسه، فكان من الأسرة البعيدين من تفوته صلاة الفجر مع الجماعة فأسف إخوانه ووالده لذلك وجعلوا يقلبون النظر في أطره على الصلاة مع الجماعة فأحضر عبد الله الرجل وقال له إننا نريد من

стр. 9661

يتفقد الجماعة في العدد، وقد فكرنا فلم نجد سواك ففرح بذلك الرجل وتلقى ذلك العمل برحابة صدر وسرور فرحًا بهذه الثقة فكان أول من يدخل المسجد ويأتي قبل الآذان يوقد السرج ويهيئ موضع الصلاة حتى كان أعظم المبادرين للصلاة، ومن سياسته أنه يذهب إلى المدينين لهم بنفسه فيدرك ما تيسر (١). ترجمة الشيخ عبد الله بن مشيقح بقلم ابنه: قبل الانتهاء من ترجمة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح وقعت على ترجمة له كتبها ابنه البارز الدكتور عبد الرحمن عضو مجلس الشورى في المملكة فرأيت نقل المهم منها هنا. قال: الشيخ عبد الله بن عبد العزيز ﵀: ولادته ونشأته: ولد عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح في مدينة بريدة ونشأ في بيت والده نشأة حسنة فكان تقيًا صالحًا، ولازم والده منذ صغره في البيت والمسجد، واشتغل بجانب والده في التجارة، وكان والده يعتمد عليه بتولي أعماله، وهو في سن مبكرة، والدته هي نورة بنت رشيد العبد الله المشيقح وخاله هو محمد بن رشيد العبد الله المشيقح طلبه للعلم: جاء في تذكرة أول النهى والعرفان "أن والده أدخله إحدى المدارس الأهلية عند مؤدب يتعلم القرآن والكتابة، وله من العمر ثمان سنوات، وكان ذكيًّا حفظ القرآن الكريم وحسن خطه ولازم والده منذ صغره في البيت

стр. 9662

والمسجد وعند القراءة في مجالس الذكر وحينما بلغ عمره العشرين أخذ في طلب العلم على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه تفسير القرآن وعلم التوحيد والفقه والفرائض والنحو التاريخ، كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ودرس عليه في الصحاح والسنن كما درس على الشيخ عبد العزيز العبادي وكان مولعًا باستماع القراءة في البيت والمسجد في الكتب الدينية والتاريخ وغيرها طيلة حياته وعنده قوة ذاكرة". وفي كتاب الشيخ صالح العمري علماء آل سليم جاء "أنه تعلم القراءة والكتابة أجادهما وكان يعمل مع والده في التجارة، ولكن ذلك لم يمنعه من تلقي العلم ومجالسة العلماء والأخذ عنهم في جميع أوقات جلساتهم، وكان والده عبد العزيز أغنى أهل زمانه في بريدة وربما في سائر بلدان نجد، ومع ذلك كله فقد كان نشاطه نشاط أولاده العلمي والديني واسعًا". ويقول الشيخ إبراهيم بن عبيد" "لقد تأثر بحب العلم والعلماء وحب الخير وأهله ومناصرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكان يؤيدهم ويساعدهم ويقف في صفهم". إخوانه وأخواته: له ستة إخوان وثلاث أخوات. وهم: صالح وحمود ومحمد وعبد الرحمن وعبد المحسن، وإبراهيم، ولولوة وحصة ﵏ جميعًا) ونورة (بارك الله فيها). أولاده وبناته: له أربعة عشر من الأبناء وست بنات: رحم الله الميتين وبارك في أعمار الأحياء. مرتبين حسب السن وهم: سليمان ﵀، ومحمد، وإبراهيم ﵀ وعبد الكريم، وعلي وفهد ﵀، وأحمد، وعبد الرحمن، وناصر،

стр. 9663

وعبد العزيز، وصالح، وعبد القادر، وعبد الواحد، وعبد الغني، ونورة (رحمها الله) وهيلة، وحصة، وفاطمة، وبدرية ولولوة. زوجاته: كان له أربع زوجات وهن: حصة بنت جاسر بن إبراهيم الجاسر (رحمها الله). لولوة بنت محمد الضويان، توفيت عام ١٣٨٨ هـ. ثاقبة بنت مبارك بن ناصر المبيريك ﵀. منيرة بنت سليمان بن محمد العمري (بارك الله في عمرها). صفاته البدنية: متوسط الطول كما أن بقية جسمه في عرض بين كتفيه وأطرافه ووزن جسمه إلى التوسط ولون بشرته يميل إلى البياض، وشعر لحيته في حجم قبضة اليد. كف بصره في كبره بدرجة كبيرة فصار يستخدم النظارات والعصا، صحته العامة جيدة إلى قبل مرضه الأخير بقليل، بشوش مشرق الوجه. مظهره العام: كان ﵀ يعني بنظافة جسمه وتصفيف شعر لحيته وتقليم أظافره والسواك والتطيب، كما كان يعتني بمظهره العام فله ملابس للبيت وملابس المقابلة الناس، ولديه عدة مشالح بعضها فاخر جدا يلبسه لمقابلة الأمراء والمشائخ والمناسبات. برنامجه اليومي: للشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح برنامج يومي حافل نوجزه فيما يلي:

стр. 9664

يستيقظ قبل صلاة الفجر بوقت يقدر بأكثر من الساعة يتعبد فيه ويتلو القرآن بعد ذلك يبدأ في إيقاظ النائمين من أبنائه وأبناء إخوانه كما ذكر الشيخ إبراهيم بن عبيد "يربي أبناء الأسرة ويامرهم بالصلاة ويوقظهم لها ليلًا ونهارًا مع كثرتهم وسعة بيتهم، وتعدد محلاتهم"، ثم يتجمعون قبل صلاة الفجر لتناول القهوة والشاي وتفقدهم حيث يذهبون جميعًا إلى المسجد، وبعد صلاة الفجر يجلس في المسجد في أغلب الأحيان إلى طلوع الشمس وقد ينام قليلًا بعد خروجه من المسجد. لم يكن هناك وجبة فطور معينة وليست رئيسية في ذلك الوقت فيكون الرطب في فصل الصيف والحنيني والقشد والعصيد وقت الشتاء، يذهب الشيخ عبد الله مع إخوانه إلى الدكان وهو أشبه ما يكون بمكتب ليس فيه بضائع لكن فيه دفاتر وأوراق، ويأتي الناس للسلام والمشورة في مختلف الأمور. يذهب الشيخ عبد الله إلى الغداء مع إخوانه في المنزل قبل الظهر بساعة وقد يكون هناك قيلولة قصيرة في فصل الصيف، يكون التجمع للقهوة مستمرًا طوال فترة الظهر وعادة ما يقدم الرُطب مع القهوة وُيسمى الهجور يكون جلسة في الدكان بعد صلاة العصر ثم وجبة العشاء في المنزل الساعة الحادية عشر والسدس (أي الحادية عشر وعشر دقائق) بالتوقيت الغروبي حيث تغرب الشمس يوميًا عند الساعة الثانية عشر يتخلل هذا البرنامج اليومي زيارات إلى كبار السن من المشائخ والأقارب، رجالًا ونساءً وكذلك زيارات من الأقارب رجالًا ونساءًا وصغارًا وكبارًا للسلام على والد الجميع، كما يتخلله شؤون الأهل وإجابة كل على مسألته. بعد المغرب ليست جلسة رئيسية فقد يجلس في المسجد يستمع إلى القراءة وقد يجلس في مجلس الرجال مع الإخوان وخاصة أخيه حمود الذي

стр. 9665

يكون موجودًا في المجلس بعد المغرب، وقد يذهب الشيخ عبد الله للراحة قليلًا، يتخلل هذا البرنامج تفاصيل عديدة وتغيرات حسب الليالي والأيام. بعد صلاة العشاء الآخرة تكون الجلسة المعروفة للجميع والتي يحضرها الشيخ عبد الله مع إخوانه وبعض أبنائهم ومن يأتي من الضيوف من خارج الأسرة من أجل السلام والاستماع إلى القراءة التي استمرت من عهد والدهم عبد العزيز المشيقح إلى اليوم يقرأ فيها بالتفسير أو السيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين، وبعد الانتهاء من القراءة يقدم ما تيسر من الخضار والفواكه أو الأكلات التي تتوفر حسب فصول السنة والمواسم وينتهي المجلس في الغالب قبل الساعة الرابعة بالتوقيت الغروبي أي بعد صلاة العشاء الآخرة بساعتين حيث يكون الانتهاء من صلاة العشاء هو الساعة الثانية بالتوقيت الغروبي وهكذا ينتهي البرنامج اليومي باختصار. ويقول الشيخ عبد الكريم المشيقح لمجلة صلة: "كان عارفًا حاذقًا بأعمال التجارة حسن الأخلاق والسماحة في التعامل مع الناس ويبذل جهده وجاهه في الإصلاح بينهم، والشفاعة لهم عند الأمراء لمن حصل منه ما يستوجب ذلك، كان ﵀ يتمتع بذكاء وحكمة وبشاشة وسياسة وحسن منطق، لا تمل مجلسه وحديثه سريع البديهة تسعفه الذاكرة في ضرب الأمثال والأوصاف المرحة". ويقول الشيخ إبراهيم بن عبيد: "أنه كان يتمتع بالأخلاق الفاضلة ولأسيرة الحميدة مع أدب جم وسعة رأي، باسم الوجه مقنعًا بحديثه، سريع البديهة، محترم الشخصية بارًا بوالديه ولاسيما لما أسن والده فإنه يجلس بين يديه متواضعًا متقيدًا بتوجيهاته خاضعًا لأوامره، وكان موفقًا لحل المشاكل وإنهاء الخصومات إذا وجهت إليه وفيه سياسة حتى إنه يسحر السامع في كلامه وكان وجيهًا عند الأمراء والحكام والقضاة وترجع الأمة إلى رأيه ومشورته
следующие страницы →