يتفقد الجماعة في العدد، وقد فكرنا فلم نجد سواك ففرح بذلك الرجل وتلقى ذلك العمل برحابة صدر وسرور فرحًا بهذه الثقة فكان أول من يدخل المسجد ويأتي قبل الآذان يوقد السرج ويهيئ موضع الصلاة حتى كان أعظم المبادرين للصلاة، ومن سياسته أنه يذهب إلى المدينين لهم بنفسه فيدرك ما تيسر (١).
ترجمة الشيخ عبد الله بن مشيقح بقلم ابنه:
قبل الانتهاء من ترجمة الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح وقعت على ترجمة له كتبها ابنه البارز الدكتور عبد الرحمن عضو مجلس الشورى في المملكة فرأيت نقل المهم منها هنا.
قال:
الشيخ عبد الله بن عبد العزيز ﵀:
ولادته ونشأته:
ولد عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح في مدينة بريدة ونشأ في بيت والده نشأة حسنة فكان تقيًا صالحًا، ولازم والده منذ صغره في البيت والمسجد، واشتغل بجانب والده في التجارة، وكان والده يعتمد عليه بتولي أعماله، وهو في سن مبكرة، والدته هي نورة بنت رشيد العبد الله المشيقح وخاله هو محمد بن رشيد العبد الله المشيقح
طلبه للعلم:
جاء في تذكرة أول النهى والعرفان "أن والده أدخله إحدى المدارس الأهلية عند مؤدب يتعلم القرآن والكتابة، وله من العمر ثمان سنوات، وكان ذكيًّا حفظ القرآن الكريم وحسن خطه ولازم والده منذ صغره في البيت
стр. 9662
والمسجد وعند القراءة في مجالس الذكر وحينما بلغ عمره العشرين أخذ في طلب العلم على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه تفسير القرآن وعلم التوحيد والفقه والفرائض والنحو التاريخ، كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ودرس عليه في الصحاح والسنن كما درس على الشيخ عبد العزيز العبادي وكان مولعًا باستماع القراءة في البيت والمسجد في الكتب الدينية والتاريخ وغيرها طيلة حياته وعنده قوة ذاكرة".
وفي كتاب الشيخ صالح العمري علماء آل سليم جاء "أنه تعلم القراءة والكتابة أجادهما وكان يعمل مع والده في التجارة، ولكن ذلك لم يمنعه من تلقي العلم ومجالسة العلماء والأخذ عنهم في جميع أوقات جلساتهم، وكان والده عبد العزيز أغنى أهل زمانه في بريدة وربما في سائر بلدان نجد، ومع ذلك كله فقد كان نشاطه نشاط أولاده العلمي والديني واسعًا".
ويقول الشيخ إبراهيم بن عبيد" "لقد تأثر بحب العلم والعلماء وحب الخير وأهله ومناصرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكان يؤيدهم ويساعدهم ويقف في صفهم".
إخوانه وأخواته:
له ستة إخوان وثلاث أخوات.
وهم: صالح وحمود ومحمد وعبد الرحمن وعبد المحسن، وإبراهيم، ولولوة وحصة ﵏ جميعًا) ونورة (بارك الله فيها).
أولاده وبناته:
له أربعة عشر من الأبناء وست بنات: رحم الله الميتين وبارك في أعمار الأحياء.
مرتبين حسب السن وهم: سليمان ﵀، ومحمد، وإبراهيم ﵀ وعبد الكريم، وعلي وفهد ﵀، وأحمد، وعبد الرحمن، وناصر،
стр. 9663
وعبد العزيز، وصالح، وعبد القادر، وعبد الواحد، وعبد الغني، ونورة (رحمها الله) وهيلة، وحصة، وفاطمة، وبدرية ولولوة.
زوجاته:
كان له أربع زوجات وهن:
حصة بنت جاسر بن إبراهيم الجاسر (رحمها الله).
لولوة بنت محمد الضويان، توفيت عام ١٣٨٨ هـ.
ثاقبة بنت مبارك بن ناصر المبيريك ﵀.
منيرة بنت سليمان بن محمد العمري (بارك الله في عمرها).
صفاته البدنية:
متوسط الطول كما أن بقية جسمه في عرض بين كتفيه وأطرافه ووزن جسمه إلى التوسط ولون بشرته يميل إلى البياض، وشعر لحيته في حجم قبضة اليد.
كف بصره في كبره بدرجة كبيرة فصار يستخدم النظارات والعصا، صحته العامة جيدة إلى قبل مرضه الأخير بقليل، بشوش مشرق الوجه.
مظهره العام:
كان ﵀ يعني بنظافة جسمه وتصفيف شعر لحيته وتقليم أظافره والسواك والتطيب، كما كان يعتني بمظهره العام فله ملابس للبيت وملابس المقابلة الناس، ولديه عدة مشالح بعضها فاخر جدا يلبسه لمقابلة الأمراء والمشائخ والمناسبات.
برنامجه اليومي:
للشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح برنامج يومي حافل نوجزه فيما يلي:
стр. 9664
يستيقظ قبل صلاة الفجر بوقت يقدر بأكثر من الساعة يتعبد فيه ويتلو القرآن بعد ذلك يبدأ في إيقاظ النائمين من أبنائه وأبناء إخوانه كما ذكر الشيخ إبراهيم بن عبيد "يربي أبناء الأسرة ويامرهم بالصلاة ويوقظهم لها ليلًا ونهارًا مع كثرتهم وسعة بيتهم، وتعدد محلاتهم"، ثم يتجمعون قبل صلاة الفجر لتناول القهوة والشاي وتفقدهم حيث يذهبون جميعًا إلى المسجد، وبعد صلاة الفجر يجلس في المسجد في أغلب الأحيان إلى طلوع الشمس وقد ينام قليلًا بعد خروجه من المسجد.
لم يكن هناك وجبة فطور معينة وليست رئيسية في ذلك الوقت فيكون الرطب في فصل الصيف والحنيني والقشد والعصيد وقت الشتاء، يذهب الشيخ عبد الله مع إخوانه إلى الدكان وهو أشبه ما يكون بمكتب ليس فيه بضائع لكن فيه دفاتر وأوراق، ويأتي الناس للسلام والمشورة في مختلف الأمور.
يذهب الشيخ عبد الله إلى الغداء مع إخوانه في المنزل قبل الظهر بساعة وقد يكون هناك قيلولة قصيرة في فصل الصيف، يكون التجمع للقهوة مستمرًا طوال فترة الظهر وعادة ما يقدم الرُطب مع القهوة وُيسمى الهجور يكون جلسة في الدكان بعد صلاة العصر ثم وجبة العشاء في المنزل الساعة الحادية عشر والسدس (أي الحادية عشر وعشر دقائق) بالتوقيت الغروبي حيث تغرب الشمس يوميًا عند الساعة الثانية عشر يتخلل هذا البرنامج اليومي زيارات إلى كبار السن من المشائخ والأقارب، رجالًا ونساءً وكذلك زيارات من الأقارب رجالًا ونساءًا وصغارًا وكبارًا للسلام على والد الجميع، كما يتخلله شؤون الأهل وإجابة كل على مسألته.
بعد المغرب ليست جلسة رئيسية فقد يجلس في المسجد يستمع إلى القراءة وقد يجلس في مجلس الرجال مع الإخوان وخاصة أخيه حمود الذي
стр. 9665
يكون موجودًا في المجلس بعد المغرب، وقد يذهب الشيخ عبد الله للراحة قليلًا، يتخلل هذا البرنامج تفاصيل عديدة وتغيرات حسب الليالي والأيام.
بعد صلاة العشاء الآخرة تكون الجلسة المعروفة للجميع والتي يحضرها الشيخ عبد الله مع إخوانه وبعض أبنائهم ومن يأتي من الضيوف من خارج الأسرة من أجل السلام والاستماع إلى القراءة التي استمرت من عهد والدهم عبد العزيز المشيقح إلى اليوم يقرأ فيها بالتفسير أو السيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين، وبعد الانتهاء من القراءة يقدم ما تيسر من الخضار والفواكه أو الأكلات التي تتوفر حسب فصول السنة والمواسم وينتهي المجلس في الغالب قبل الساعة الرابعة بالتوقيت الغروبي أي بعد صلاة العشاء الآخرة بساعتين حيث يكون الانتهاء من صلاة العشاء هو الساعة الثانية بالتوقيت الغروبي وهكذا ينتهي البرنامج اليومي باختصار.
ويقول الشيخ عبد الكريم المشيقح لمجلة صلة: "كان عارفًا حاذقًا بأعمال التجارة حسن الأخلاق والسماحة في التعامل مع الناس ويبذل جهده وجاهه في الإصلاح بينهم، والشفاعة لهم عند الأمراء لمن حصل منه ما يستوجب ذلك، كان ﵀ يتمتع بذكاء وحكمة وبشاشة وسياسة وحسن منطق، لا تمل مجلسه وحديثه سريع البديهة تسعفه الذاكرة في ضرب الأمثال والأوصاف المرحة".
ويقول الشيخ إبراهيم بن عبيد: "أنه كان يتمتع بالأخلاق الفاضلة ولأسيرة الحميدة مع أدب جم وسعة رأي، باسم الوجه مقنعًا بحديثه، سريع البديهة، محترم الشخصية بارًا بوالديه ولاسيما لما أسن والده فإنه يجلس بين يديه متواضعًا متقيدًا بتوجيهاته خاضعًا لأوامره، وكان موفقًا لحل المشاكل وإنهاء الخصومات إذا وجهت إليه وفيه سياسة حتى إنه يسحر السامع في كلامه وكان وجيهًا عند الأمراء والحكام والقضاة وترجع الأمة إلى رأيه ومشورته
стр. 9666
ويستأنسون برأيه ويقربون مجلسه لما يعرفون من نصحه وإخلاصه، وكان إلى ذلك صاحب عبادة وله حظ من قيام الليل ومحسنًا إلى الفقراء والمساكين ويعطف على المستضعفين ويصل رحمه ويؤثر على نفسه في أمر أسرته مما يجعلهم يميلون إليه ويقدرونه ويحترمونه ويربي أبناء الأسرة ويأمرهم بالصلاة ويوقظهم لها ليلًا ونهارًا مع كثرتهم وسعة بيتهم وتعدد محلاتهم، فرغم لين جانبه وتواضعه الشديد كان مهيب الجانب.
دوره في المجتمع:
يقول الشيخ إسماعيل بن عتيق في كتابه أعلام علماء عايشتهم: "عبد الله المشيقح أحد أعيان الجماعة وهم مجموعة من كبار السن وأعيان أهل بريدة هم أصحاب الكلمة والقائلون في البلد فلا مناص ولا خروج لأحد عن رأيهم يرأس هذه الفئة عبد الله بن عبد العزيز المشيقح فهو الذي يحمل صفة العلم والتجارة وهو المبدع في بيانه المفصح في كلامه صاحب الرأي والمشورة".
ويقول الشيخ إبراهيم المعارك في كتابه أعلام القصيم: "كان يصلح بين الناس ويحل مشاكلهم ويخلص الناس من السجون بجاهه وماله فقد كان الأمراء والقضاء ورؤساء الدوائر يجلونه ويحترمونه".
علاقته بولاة الأمر:
يذكر الشيخ عبد الكريم بن عبد الله المشيقح لمجلة صلة فيقول: "عاش الوالد عبد الله ربيع عمره في ظل القلاقل والفتن الساخنة في جميع بلاد نجد حاضرها وباديتها بجانب والده يشد أزره وينوب عنه في بعض الأمور والمقابلات لجلالة الملك عبد العزيز وسمو ولي عهده وأصحاب السمو الأمراء ومنهم الذين تعاقبوا على أمراء على منطقة القصيم وقد أثنى عليه الملك عبد العزيز في مجلسه بالقصر الملكي في مكة المكرمة (المعروف بقصر
стр. 9667
السقاف) بحضور حشد كبير من أهل نجد والحجاز وذلك في عام ١٣٦٣ هـ قال فيه: "إن التاجر الذي بلغني عنه بأنه يؤدي زكاة ماله كل سنة هو عبد العزيز بن مشيقح في بريدة وابنه عبد الله رجل سلفي"، يروي لنا هذا الكلام فضيلة قاضي الدمام سابقًا الشيخ عبد الله بن عودة السعوي الذي تولى مناصب مهمة في سلك القضاء ثم رئيسًا لتعليم البنات حيث كانوا من الحاضرين في مجلس الملك عبد العزيز.
كما يذكر الشيخ عبد الكريم فيقول: "أثناء زيارة جلالة الملك عبد العزيز القصيم اجتمع به الوالد عبد الله في المخيم الملكي الخاص بشمالي بريدة وكان عنده سمو الأمير سعود بن محمد الكبير يداعبه الملك ويمزح معه ويلتفت على الوالد وش تقول يا عبد الله فأطلق الوالد وصفًا يناسب كلامهما المرح فضحك الملك معجبًا وقال أذكر الله يا عبد الله، والملك يعلم أنه ليس بعيان من الأوصاف وضرب الأمثال عنده نوع من المداعبة المجردة من الحسد".
كما يذكر الشيخ علي بن عبد الله المشيقح بأنه عند زيارة الملك عبد العزيز إلى بريدة عام ١٣٦٦ هـ دخل الوالد عبد الله بن مشيقح قصر الإمارة وكان في المجلس الأمير محمد بن عبد العزيز والأمير عبد الله الفيصل الفرحان أمير القصيم، وكان النقاش يدور حول الحافظ ابن كثير المفسر والمؤرخ هل هو حنبلي أو شافعي المذهب فبدخوله قالوا هذا عبد الله نسأله فأجابهم بأن ابن كثير شافعي يميل إلى الحنابلة.
لقد كان الأمراء والقضاة ورؤساء الدوائر يجلونه ويحترمونه، وكان كثيرًا ما يطلق الناس من السجون بجاهه وماله، وكان يحل مشاكل الناس فيما بينهم وبين الجهات الرسمية كالإمارة والقضاة والبلدية وهيئات النظر.
стр. 9668
لقد كان يقوم بقراءة الكتب الواردة من الملك عبد العزيز على الناس وقت الحروب التوجيه الشعب وإبلاغه الأوامر الرسمية فكان الأمراء والحكام والقضاة يستأنسون برأيه ويقربون مجلسه لما يعرفون من نصحه وإخلاصه ورجاحة رأيه ويرجعون إلى رأيه ومشورته.
وقال الشيخ إسماعيل بن عتيق:
أعيان الجماعة يدعون (الجماعة) وهم مجموعة من كبار السن وأعيان أهل بريدة هم أصحاب الكلمة والقائلون في البلد رأيهم فلا مناص ولا خروج الأحد عن رأيهم، يرأس هذه الفئة عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح، فهو المسن فيهم، وهو ابن الوجيه عبد العزيز الحمود المشيقح، وهو الذي يحمل صفة العلم والتجارة وهو المبدع في بيانه المفصح في كلامه، صاحب الرأي والمشورة، حصل شوشرة من الشباب في عام ١٣٧٦ هـ فأحاطوا بالقصر في عهد الأمير ابن بتال، فكانت أزمة شبابية كادت أن تحصد رؤوسهم غير أن الجماعة وفي مقدمتهم عبد الله المشيقح عالجوا الموضوع بما يستحق حين التقوا بالملك سعود، وأوضحوا له الواقع من طيش الشباب، وعدم رؤية الأمر فانحلت الأزمة وانتهت المشكلة.
زار الملك سعود بريدة في جولاته التفقدية فكان أول بيت يدخله هو بيت المشيقح فدعى عبد الله المشيقح وأسرته الملك سعود على قهوة تكون في النخل غرب بريدة (الموطأ) فاستجاب الملك سعود للدعوة، وحضر بعد العصر وكنت يومها في بريدة قد حضرت زيارة الملك سعود في بيت المشيقح، كما كنت معهم في الاحتفاء بالملك سعود في النخل (المعروف بالغاف) وعندما استقر الملك سعود وهو يتحدث بكل انبساط ويسأل عن أسماء النخيل وعن أعمارها،
стр. 9669
كأني به يرفع رأسه إلى طول النخلة فتكاثر مجئ الناس عليه، وكان الملك سعود يتعجب من كثرتهم، فكان الملك يتحدث إلى من بجانبه، وعبد الله ابن مشيقح يسمع كلام الملك فقال عبد الله: (جراد على عين شمس) أي أن الملك أشبه بالشمس والجراد يحوم حولها، فقال الملك سعود: حسبي الله عليك يا ابن مشيقح، قل ما شاء الله، فقال عبد الله: ما شاء الله أكل طويل العمر تمرة والتمر عادة لا يتأتى إليه للأحوس فلا يتسمم، فقال الملك سعود، هذه أخرى. انتهى.
في عام ١٣٨٤ هـ قام الوالد بزيارة إلى الملك فيصل رحمهما الله وبعد السلام قال الملك فيصل: أينا أكبر يا عبد الله؟ قال الوالد: عبد الله أنت أكبر مني يا طويل العمر وأنا أسن منك.
إمامته للمسجد:
جاء في كتاب تاريخ مساجد بريدة القديمة وتراجم أئمتها للدكتور عبد الله بن محمد الرميان بأن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح تولى إمامة مسجد المشيقح بعد وفاة الشيخ محمد العجاجي سنة ١٣٤٤ هـ واستمر فيه قرابة خمسين سنة حيث بقي في الإمامة حتى وفاته سنة ١٣٩١ هـ.
وجاء في تذكرة أولي النهى والعرفان: ولما أن كان صوته جهوريًا صدق عليه اسم البلبل المغرد ذلك لما كان حسن الصوت جهوريًا مرتلًا محبرًا فهو وحيد زمانه في علو الصوت ولاسيما ليالي الختم في شهر رمضان فإن المسجد يمتلئ بالمصلين رجالًا ونساءًا ويختصونه لقراءة الكتب الواردة من الملك عبد العزيز في وقت الحروب التوجيه الشعب وإبلاغه الأوامر الرسمية فكان صوته يسمع من مسافة بعيدة.
стр. 9670
وقال الشيخ إبراهيم بن عبيد: "لقد كان أول من يدخل المسجد ويأتي قبل الآذان يوقد السرج ويهئ موضع الصلاة حتى كان أعظم المبادرين للصلاة".
وفاته:
عندما علم الملك فيصل ﵀ بمرضه بعث له طائرة خاصة أقلته إلى الرياض وأدخل المستشفى وكان موضع العناية والرعاية فبقي فترة في الرياض حيث توفي في المستشفي ودفن في مقبرة المطا بمدينة بريدة عن عمر يقدر بواحد وثمانين عامًا.
ويذكر الشيخ إبراهيم بن عبيد: "أنه توفي في الساعة الخامسة والنصف بالتوقيت الغروبي من ليلة الثلاثاء الموافق ٢٥ من ذي القعدة عام ١٣٩١ هـ فنقل جثمانه إلى مدينة بريدة ليسهل زيارته على كل من أهله ومحبيه، وصلي عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الكبير في بريدة.
ويقول إبراهيم المعارك: "بوفاته فقدت بريدة رجلًا من الرجال الصالحين وممن عملوا على رفعة وطنهم يرحمه الله".
стр. 9671
حمود بن عبد العزيز بن مشيقح
стр. 9672
ومنهم حمود بن عبد العزيز المشيقح ابن الثري المشهور عبد العزيز المشيقح.
من طلبة العلم الذين يقرءون على المشايخ ومن أهل الديانة مثل أكثر أسرة المشيقح.
ولد في عام ١٣١٦ هـ وقابلته في هذا اليوم ١٦/ ١٢/ ١٤٠٦ هـ في بريدة وقد مضى له من العمر تسعون سنة فلم أجد ذهنه قد تغير عما عهدته عليه منذ أربعين سنة عندما كان أكبر شخص في بريدة، بل ربما في نجد كلها على الإطلاق يحفظ أسماء المدينين والمتعاملين بالتجارة إذ كانت دفاتر والده تحت يده.
وكان نبيهًا ذكيًّا مهيبًا.
وهو الآن بعد أن بلغ التسعين قد ذهب بصره منذ ثلاثين سنة أو تزيد، وكذلك أقعد ربما كان ذلك من ثقل وزنه وفرط بدانته، ومع ذلك صحته جيدة، وذهنه ثاقب رغم هذه السن.
وحمود بن عبد العزيز أيضًا طالب علم رغم انشغاله بدفاتر الأسرة والمداينات والاستحقاقات لهم، وقد عرف بأنه يستحضر ذلك حفظًا، ويعرف الأسر لذلك.
وكان لا يبالي في سبيل حفظ مال المشيقح وسيره على الطريقة التي ساروا عليها بأي شيء يراه من التثبت في معاملة الشخص الذي لا يعرف أنه سيكون عنده ما يوفي به دينه عندما يحل أجله.
وقد لا يتسامح في انقضاء الدين بعد حلوله، إلا إذا كان المدين ليس عنده شيء.
حدثني والدي ﵀ قال: أنت تعلم أننا نصنع البارود في القيظ وأن عمادة هو الملح الأبيض المسمى (الشورة)، ومرة جاء رجل من أهل شقراء بأكياس من الشورة إلى بريدة، ولا يشتريها في العادة إلا نحن وأمثالنا أو تاجر
стр. 9673
يريد أن يخزنها فعرضها بثمن رخيص لم يكن لديَّ فذهبت إلى المشيقح في دكانهم في غرب سوق بريدة وكان فيه عبد الله المشيقح وأخوه حمود الذي كان عنده الدفاتر، فتكلمت معهم بأنني أحتاج إلى أن أستدين منهم قيمة ملح البارود الأبيض الذي هو الشوره فرحبوا بذلك وعرضوا ثمنًا رخيصًا أظنه العشر أحد عشر أي الفائدة هي ١٠% ولكنهم لا يغرضون نقودًا ولا يأخذون نقودًا وإنما يعطون المدين طوائق خام أو سكر أو نحو ذلك بقيمته في السوق زائدًا ١٠% فلما أراد حمود أن يكتب وثيقة المداينة التفت إليَّ وقال: والرهانة؟ وش عندك من الرهن، نبي نرهن بيتك.
قال والدي: فلم أتحمل ذلك وإنما قلت له بغضب: يا حمود، تبي ترهن بيتي حتى ينقطع لك بالرهن، تراي ما أبي هالدين كله، ثم نهضت مسرعًا، فقال لي عبد الله: استرح، يا أبو محمد، والتفت إلى حمود، وقال: ناصر العبودي ما يحتاج رهن.
وهكذا أخذ منهم النقود بدون رهن وأوفاهم إياها في وقته، وما ذكره والده من احتمال أنه لا يستطيع أن يوفي الدين، وأن يملك آل مشيقح بيته بموجب عقد الرهن إذا لم يوفهم دينهم أمر شائع عند الناس ويعللون ذلك بأن حظ المشيقح يغلب حظوظ الآخرين ممن يدينونهم ويرهنون بيتوتهم، أو فلاحتهم لا يستطيع في الغالب أن يوفي الدين فيصبح بيته وفلاحته للمشيقح ويذكر الناس لذلك عشرات الأسماء للناس الذين انقطعت بيوتهم بالرهن للمشيقح حسب تعبيرهم.
أقول هذا الذي حدث لوالدي معهم خلاف ما حدث لي، ذلك بأنني لم أستدن دينًا إلى أجل في حياتي كلها إلا مرة واحدة كنت آنذاك في الثامنة عشرة من عمري وكان ذلك في عام ١٣٦٣ هـ - وكنت مستغرقًا في طلب العلم متفرغًا له لا أكاد أخرج من المسجد ومن الزم اللوازم لطالب العلم أن يتمسك بزيه، وذلك أن يكون له مشلح (عباءة)
стр. 9674
مناسبة، وكان ابن عمتي عبد الله بن محمد العبدان قد أهدى إليَّ مشلحًا ولوالدي مشلحًا منه منذ ٤ سنين، ولكن مشلحي قد صار قديمًا قد فسد زريه.
ولم أكن أملك آنذاك شيئًا عدا قطعة أرض في نفود الخبيب الشرقي، كان الأمير ابن فيصل قد أقطعني إياها قبل سنتين.
فذهبت إلى المشيقح في دكانهم وطلبت منهم أن يدينونني طاقة خام ثمنها في السوق نحو أربعين ريالًا، مع فائدتها التي هي ١٠% يصبح نحو ٤٤ ريالًا على أن أرهن عندهم الأرض التي أملكها، فامتنعوا من قبول ذلك.
وقال لي عبد الله المشيقح: الأرض ما نبيها ولا ندينك إلَّا إذا كفلك أبوك إنك إذا ما دفعت المال بعدما يحل عقب سنة يدفعه هو.
فأخبرت والدي بذلك فكفلني واستدنت منهم طاقة الخام وبعتها واشتريت بثمنها مشلحًا.
وبعد فترة قصيرة جاءني من شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد ريالات ستة، وهي مخصص شهري من الملك عبد العزيز لطلبة العلم، ثم عرض عليَّ أستاذنا عبد الله بن إبراهيم بن سليم وظيفة مدرس في بريدة فأوفيت المشيقح دينهم القليل، ولم أستدن غيره بعد ذلك ولله الحمد.
حديث صحفي:
أجرت مجلة الدارة حديثًا شيقًا مع حمود بن عبد العزيز المشيقح، بل هو مفيد لأنه يذكر أمورًا لم تسجل ولا يعرفها إلَّا مثل حمود بن عبد العزيز المشيقح هذا.
ومما يجدر ذكره أن (آل مشيقح) يعتبرون من أقرب المقربين للملك عبد العزيز من أهالي نجد لأن الجميع كانوا مع المشايخ ضد ابن رشيد، وكان (آل مشيقح) أثرياء فكانوا يقرضون الملك عبد العزيز كلما احتاج إلى دراهم ويعوضهم عنها، من ذلك صارت لهم معرفة به خاصة.
стр. 9675
ويوم أن خرج أمير بريدة محمد بن عبد الله المهنا عن طاعة الملك عبد العزيز في عام ١٣٢٦ هـ. وأعلن أنه سوف يستقل بالقصيم وحارب الملك عبد العزيز كان الأمر مشكلًا على ابن مشيقح، فلا يمكن أن يحارب عبد العزيز بن سعود ولا يمكن أن يحارب جماعته أهل بريدة، قال لي ابنه عبد الله: اختار أبي البعد عن هذه الفتنة فانتقل إلى عنيزة طيلة الحرب، واعتزل فيها حتى انتهت وعادت بريدة إلى الملك عبد العزيز بمساعي جماعة أهل بريدة المخلصين له مثل الشريدة والجربوع، وكان قائد ذلك كله الزعيم محمد بن عبد الرحمن الشريدة ﵀، كما تقدم.
وقد رأيت أن اللقاء الذي أجرته مجلة (الدارة) دارة الملك عبد العزيز جدير بأن يذكر ملخصه هنا:
قال حمود بن عبد العزيز المشيقح:
عندكم تمر؟
جاءنا الملك عبد العزيز سنة ١٣٢٢ هـ، ونزل في هذا البيت الذي نحن الآن فيه، جاء من ناحية الصباخ لأنه ما كان يقدر أن يجيء من شرق القصر ومن جهة رجال ابن رشيد وابن رفعه، وكان الرجال هنا ينتظرونه للغداء، ولما جاء وصل متأخرًا وإذا الناس قد تغدوا.
قال له الحاضرون: يا طويل العمر نحن، والله، قد تغدينا.
فقال عبد العزيز: عندكم تمر؟ نحن منذ طلعنا ما شبعنا تمرًا.
قالوا: عندنا تمر.
وجلس هنا، وابتاعه، كان كلامه يوسع الصدر، وبعد هذه الزيارة توطدت معرفتنا معه.
стр. 9676
لا يبتغي شيئًا:
معاملة الملك عبد العزيز هي الدافع وراء المساعدات التي قدمها له بعض الناس، فنحن قد أعطينا بعض بني أخيه وأخاه محمدًا غفر الله له وغيره، ومنهم من كان يتأخر، أما الملك عبد العزيز فيسدد ويسوق السداد عنهم، وكان يقول: كل ما تعطونه لهم فهو علي، إن معاملته طيبة فهو ما يبتغي شيئًا من أحد.
وفي سنة من السنين جاءنا راعي أبها من آل عايض سنة ١٣٣٨ هـ. وجاء الملك عبد العزيز وقال للوالد: سلفونا ثلاثة آلاف (٣٠٠٠) ليرة وأحولكم على الكويت.
قال الوالد: وايش تبغي بها؟
قال عبد العزيز: ألف ابتغيها للعائض، وألف أعطيها لشلهوب لينقضي (١) بها حاجاتنا، وألف أعطيها لابن رميح ثمن أباعر اشتريتها منه.
قال الوالد: من جهة منصور الرميح فهو قد يمم الكويت، ومن جهة الألفين الأخرين فسأعطيك إياهما.
وقال أبي: عندما جئت بها له أخذها وحطها تحت مركاة (٢)، ويقول صالح بن عذل راعي الرس - وهو رجل طيب: عندما دخلت على عبد العزيز رفع عن المبلغ وقال: شف اليوم أنا تاجر.
يستأنس في بريدة:
كان الملك عبد العزيز يتردد على بريدة، ويبطئ فيها لأنه يستأنس في بريدة، ثم إنه تزوج عدة زوجات، ناسب ابن دخيل، ثم ناسب الربدي، وناسب الخيلة (أبا الخيل) في مرة كان يحكي عند الشيخ عمر مع الجماعة، والتفت فإذا
стр. 9677
ابنه سعود يحكي مع أحد الصغار، فقال الملك عبد العزيز لسعود: أنا الآن أحكي عليكم، والذي أحكي عليهم معي يعرفون الذي أحكي به، فأنا وهم واحد لكن أبغى منكم أنتم أن تفهموا.
تركي:
وأول ما جاءنا تركي بن عبد العزيز جاء ومعه مكتوب لوالدي من الملك عبد العزيز، يقول فيه: يا أبا حمود انظر سيرة الابن تركي، وأبغي منك ألا تخفي علي شيئًا، فإن كانت سيرته زينة فهي لنا، وإن كانت شينة فهي علينا.
وقد كتبنا له أن سيرة تركي طيبة وما مثلها سيرة، ثم إن تركي تزوج في بريدة ثم جاءنا ثانية وتزوج أي أنه تزوج مرتين.
نسيبي أزين من نسيبك:
ناسب عبد الله بن جلوي ابن عيدان إذ تزوج ابنته، وأما الملك عبد العزيز فكان قد ناسب ابن دخيل، والطرفان أجاود أخيار.
وفي مرة قال الملك: نسيبي ازين من نسيبك؟
فرد عبد الله بن جلوي: لا، لا، نسيبي أنا أزين من نسيبك.
قال الملك: لا، لا، نسيبي أزين من نسيبك.
وفي أثناء هذا الكلام دخل عليهم سليمان بن عيسى وهو مدفع (١)، وحديثه جذاب، فقالوا: هذا ابن عيسى رجل سوي (٢)، فليكن واسطة بيننا، ثم سألوه وقالوا: يا سليمان: أيهما أطيب ابن عيدان أم ابن دخيل؟
стр. 9678
فقال سليمان: أي صالح الدخيل وعبد الله العيدان، لسان واقف (١)، الله ( .... ) الطرفين، كانوا يستأنسون ويتحدثون دائمًا.
كفرنا بك وآمنا بالله:
كان الملك عبد العزيز ﵀ يميل إلى الكلام الحسن الزين والسيرة الزينة، ومع ذلك فينبغي لك إذا تكلم أن تنتبه فهو دائمًا يصول (٢)، والكمال لله.
في مرة جاء له واحد من العراق بثلاث من الخيل فقال له مشاري بن بصيص: يا طويل العمر ترى هذه الفرس الصفراء فيها جفلة (٣) فرد عبد العزيز: كفرنا بك وآمنا بالله، ولما جاء الصباح من بكرة قال الملك: خل الخيل تلعب، ثم قال: أعطونا الصفراء، فركبها وأخذ الشلفا (٤)، وعندا سارت بالشلفا نكست عليه وضربته فبقي ١٥ يومًا في الخيمة، وكما هو معلوم فإن للبدو معرفة بالخيل.
متوكل على الله في الأرض والسماء:
وفي سنة ١٣٦٦ هـ جاءنا الملك عبد العزيز بالطائرات، وهي ست طائرات، فقلنا له: يا طويل العمر ما كان بودنا أن تجيء إلا بالسيارات، فقال الملك: لا، أنا متوكل على الله في الأرض ومتوكل على الله في السماء، وكانت طائرته هي أول طائرة تجيء إلى القصيم، وقد أرسل طائرة إلى ابن مساعد تجيء به من حائل، ولما جاء ظل يدور فوق بريدة، فقال الملك: أين ابن مساعد الآن! إنه فوق رؤوسنا! وجاء ابن مساعد ليسلم على الملك فقال: أنا آذاني توجعني، فقال له الملك: وأنا آذاني توجعني قبلك.
стр. 9679
الحمار والسيارة:
لما جاءت السيارات قال الإخوان (١): إنها من السحر، وقد ذهبوا إلى الشيخ أبي السمح في مكة وقالوا: وايش تقول يا شيخ من جهة السيارة؟ .
قال: أقول هذه السيارات أزين من الحمار، لأن الحمار يبول وهذه السيارات ما تبول.
قالوا: أليس فيها سحر أو شيء، قال الشيخ: إن الله تعالى يقول: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذا مما لا نعلم، هذا ما قاله لهم أبو السمح، وفي تلك الأيام - كما هو معلوم - جددوا تجديدًا في الأشياء، وهذا مما لا نعلم.
شورى في بريدة:
تكررت زيارات الملك عبد العزيز لبريدة، وفي إحدى المرات نادي الملك عبد العزيز الجماعة وكان ذلك في سنة ١٣٤٦ هـ. وقال أنا جئت لأشاوركم.
والله إني كنت أحسن أني لا أنصرف من جدة إلا وقد وقعت بيني وبينهم يعني الأعراب الذين يسمون الإخوان، وإن ٤ سنوات قد مرت الآن وأنا أعدَّها عدًا، لقد عجزت معهم، ووصلت الأمور إلى حد لم يبق معه إلا أن أقوم عليهم بالحرب.
وكان الدويش وابن حميد في تلك الأيام لا يواجهونه أما البقية فنعم، وقال الملك لأهل بريدة أنا جئت لأشاوركم ولكن لا أريد أن تتشاوروا عندي، روحوا واطلعوا وتشاوروا ولا تجيئوا لي بالكلام شفاها، بل أعطوني الكلام مكتوبًا في كتاب.
قال والدي فطلعت أنا واثنين من الرشودي عند دروازة (بوابة) السليمي وكتبنا له مكتوبًا قلنا فيه يا طويل العمر:
стр. 9680
المسألة الأولى: نرى أن تؤخر الحرب من هذه السنة إلى السنة القادمة.
والمسألة الثانية: أن تغير أميرنا.
والمسألة الثالثة: أنه ما هنا حرب إلا ببريدة في القصيم.
وذلك لأنه من هنا إلى الحسا عليك من العجمان، والغطغاط (١)، ومن بريدة إلى المدينة تجيء الأرزاق من المدينة، وهنا بنو سالم، حرب، ساحتهم آمنة، بنو سالم كلهم ساحتهم آمنة بإذن الله، وعندما قرأ المكتوب قال: توكلنا على الله.
ما من علم:
بعد المشورة ببريدة راح الملك عبد العزيز، ولكن الإخوان عقب شهر من ذلك صاروا يشملون (٢) - كما هو معروف في قصتهم - فروح لهم سعود - وهو أحد أبناء عمومة الملك عبد العزيز - وطب (٣) بهم بالأرطاوية وجاء بهم، ونزلوا بالصريف في هذا وجاءنا الملك عبد العزيز، وروح لهم الشيوخ (أي المشايخ العلماء)، وحكى عليهم الشيخ عبد الله ونصحهم، فقام الدويش في ذلك اليوم وقال: يا إخوان ما من علم، ولم يتم أي اتفاق ثم إنهم أجنبوا (٤)، فروح لهم ابن مساعد وردهم، وقال الدويش وابن حميد: ما نحن بمواجهين، وجاءوا هنا ببيارقهم ونزلوا عندنا وقام الملك عبد العزيز وقط (٥) عليهم، وأخذ منا ذاك اليوم القهوة والسكر والهيل والشاهي والتمر والأرزاق والخيل وأعطاهم وأكرمهم جدًّا، وكان منهم عزيز ولد الدويش.
стр. 9681
ما يسدون:
لما جاءت السنة الثانية وصرنا في شهر رمضان أجنبوا، وقال الملك لأميرنا مشاري بن جلوي أعلمني كل يوم بمشيتهم، ثم إنهم ساروا على ابن دهيش وابن شديد وأخذوهما، ثم جاء الملك ونزل عندنا في هذا وجاء في رمضان وتجهز، وعندا انتهى كل شيء ومشت البيارق وكلها تروح إلى الزلفي، وجاءنا المشايخ وقالوا إن الملك عبد العزيز حسب قول الجماعة، لا يكلمه إلا أنتم، وبودنا أن تقولوا له عساه ألا يطلع ويكتفي بسعود.
فرحنا إلى الملك أنا والرشودي وقلنا: يا طويل العمر بودنا ألا تحضر أنت هذه الوقعة، وبودنا أن تجلس في بريدة وتخلي سعودًا بإمرته، فقال: معي علم بذلك، والله ما بودي أن أطلع ولكن لا يصلح لها إلا أنا، لا يصلح إلا أن أحضر، لا يصلح، ما يسدون (١).
دقائق حاسمة:
وفعلًا لما نشرت البنادق أرسل الملك للإخوان يدعوهم للصلح وللجماعة، وقال: لا أحد يتعرض لهم أو يثور عليهم بندقًا حتى يكونوا هم البادئين، وأراد الله ما كان من القتل والأمور التي جاءتهم، أما جيش الملك عبد العزيز فلم يقتل منهم إلا حوالي العشرة، وهي كلها عشر دقائق، ثم ذهب إلى شقراء وجاء راعي عتيبة وأدخلهم في الحبس وانتهى الموضوع، وبعد ذلك جاءنا الملك إلى القصيم وجاءت حرب في هذا وقال الملك: أبغي معجب الغذاري، فلنا يا طويل العمر: خل معجب ذا.
قال: أبدًا، أنا البيارق معي إلى الرس فإن جئتم به وإلا ... فجاءوا به للملك.
стр. 9682
وقال الملك: أنا سأحج، فقال له الجماعة: يا طويل العمر نأمل أنك تؤجل ولا تحج هذا الموسم.
قال: لا، أنا ملزوم أن أذهب إلى جدة، وأربط معهم ربطًا بأن يردوا عليّ كل من يجيئهم من رعيني، أنا ملزم أن أحضر هذا الموسم، وفعلًا جاءوا له بالدويش من البصرة.
مع روزفلت:
الملك عبد العزيز مسدد وموفق في أفعاله مثل روحته أيام الحرب العالمية الثانية سنة ١٣٦٤ هـ من جدة، ما درى أحد بسفره لا صغير ولا كبير، ركب بالمركب والطائرة فوقهم تحرسهم، بإذن الله، وعندما توسط البحر إذا رئيس أمريكا (روزفلت) ينتظره، فقابله وجلس معه وأجريا محادثات، ثم بعد ذلك صارت تستورد الأرزاق من أمريكا مثل السكر والشاهي والقهاوي والخامات وغير ذلك من الأرزاق.
ويقول الملك عبد العزيز إن روزفلت كان ينشده، أي يسأله ويقول: كيف تفعل؟ فكنت أقول: نحن نفعل فالذي يزني والذي يسرق والذي يخالف الدين ما عندي إلا أن أقيم عليه الحد، فكان ذلك يقول: هذا والله الحكم، هذا والله الحكم.
الجهاد والمالية:
من جهة الجهاد مع الملك عبد العزيز فإن الناس كل الناس كانت معه، أما من جهة المالية فأكثر الناس كما هو معروف، لم يكن عندهم ذاك اليوم مالية كثيرة، ولكن أكثر من كان عندهم المال هم نحن، وكان الملك عبد العزيز يمون علينا (١) وكنا إذا أعطيناه يخصنا، وقد قال مرة: ما هي بعادة أن أعطيكم، أنتم أحوَّلكم على ابن سليمان، فقلنا: ابن سليمان لا يعطينا وهو يبطئ، قال الملك: لا، ما يخالف أبدًا وسيعطيكم.
стр. 9683
مرة قال: إنه سيحج بالعوائل سنة ٤٤ هـ ويبغي له ٣ رعايا أي أباعر، فاشتروا له، وقال: الناس تبيع لكم أحد عشر عشرة فبيعوا علي مثله وأزيد، قلنا: لا، ما نبيع بهذه الطريقة ولكن نعطيك سلفة.
واشترينا له الأباعر، ولكن عندما يممت نحوه ومررنا عنده في مكة بالجبرة وجئته وسلمت عليه وأعطيته مكاتيب من الوالد وإذا عنده ٥٠ رعية (١)، هذا الذي قابلته، فهو لم يتكل على ما جاءه منا بل كان عنده ٥٠ رعية تمشي بإذن الله، إنه فعلًا موفق.
المكائن:
ومرة جاءنا ابن سليمان سنة ١٣٥٨ هـ، وقال: الملك عبد العزيز يسلم عليكم ويقول: بلغنا أن ولد يتيم بالبحرين - وهم مقاولون - يريدون أن يشتروا للناس مكائن، وأنا على استعداد أن أجيء لهم بمكائن ولكن أبغى ثلث نخيل الفلاحين، فماذا تقولون؟
قال له الجماعة: من جهة ولد يتيم فنحن ما قلنا له شيئًا وليس بيننا وبينه شيء لا قليل ولا كثير ولا طرًا (٢) علينا، وأما من جهة الملك عسى الله يسلمه، فالذي منه مقبول، ولكن مسألة ثلث النخيل أو غيره فهذه سبيل (٣)، ونحن ما نقدر أن نتقاول على أسبلة أهل نجد، ثم راح ابن سليمان وكان قد قيل له في ذلك اليوم إن نارًا قد ولعت (٤) في الديرة الحدرية (٥) في أحد المزارع، ثم إن الله تعالى وفق الملك عبد العزيز وجاء بالمكائن للناس كلهم، ولما جاء بالمكائن فلحت الناس وبقي لكل نخيله وزراعاته ولم يقصر رحمة الله عليه.
стр. 9684
البرقية والقرش والريال:
إذا بغي الملك عبد العزيز شيئًا فهو ذو رأي، ورأيه ليس كرأي الناس بإذن الله، بل هو يعيد النظر، في موضوع البرقية تسأل الناس وقالوا: البرقية! وما البرقية! وقال الشيخ عبد الله بن سليم يا ناس خلوا ابن سعود على حاله واتركوا له موضوع البرقية.
ثم إن الملك عبد العزيز فهقها (١) سنة وحطها في السنة الثانية، وليس هذا الموضوع فقط، بل إنه بدل القرش ثم بدل الريال، وما كنا نحسب أن يجيء الريال على هذا الشكل، وكنا نقول إن ما لديه من المال لا يكفي لتغيير الفرنسي كله، ومن أين له المال الذي يقابله، ولكن ولله الحمد جاء الريال العربي وساد بإذن الله لأن الملك عبد العزيز مبروك ونيته طيبة، فكان موفقًا في الدين ونشر الأمن والعلم والمعلمين والمكائن، كل أعماله طيبة.
خاتمة:
وفي نهاية الحديث علقت مجلة الدارة عليه بما يلي:
عندما وقفنا لوداع المتحدث الكريم حمود بن مشيقح كانت قلوبنا ما تزال تحبذ أن يطول بنا الجلوس لنستزيد من حديثه اللطيف، فقد كان كالذي يقطف وردة من هنا وأخرى من هناك من حديقة كبيرة غنية نبتت منذ مطلع القرن، واستمرت تعطي من كل لون بهيج.
والمتحدث الكريم عافاه الله ومتعه بالصحة أفاض علينا من وقته وفضله رغم وطأة السنين ودبيب العمر المديد في الأوصال، وطبع في نفوسنا عميق الأحاسيس المتوهجة بالشكر والامتنان له ولجيله من الرجال الأفذاذ الذين بذلوا،
стр. 9685
وبنوا بلادنا لتنعم الأجيال القادمة بالخير والرخاء، فهل نفي لهؤلاء الرجال بحقهم فنسير على خطاهم ونترسم أفعالهم الحميدة ونتشبع بسيرتهم الطيبة ونجعل من ذكرياتهم وذكراهم الحذاء الذي تسير على إيقاعه قوافلنا، والقصيد الذي يطربنا ويهزنا إلى جلائل الأعمال، كم نأمل ذلك ونرجوه.
انتهى كلام المجلة.
قال ابن عبيد في حوادث سنة ١٤٠٩ هـ:
وممن توفي فيها من الأعيان في مدينة بريدة الشيخ حمود المشيقح ﵀ وعفا عنه وهذه ترجمته هو أبو سليمان حمود بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح بن عبد الله، ولد في عام (١٣١٦ هـ) في مدينة بريدة عاصمة القصيم فنشأ في بيت والده فأدخله والده إحدى المدارس الأهلية في مدينة بريدة ورباه والده تربية حسنة وكان محبوبًا لديه ثم أنه بعدما نجح من المدرسة وحفظ القرآن، وأخذ نصيبًا من تعلم الحظ والحساب أخذ في الدراسة على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعلى الشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمها وأكثر الأخذ عنهما ومن جملة ما درس على الشيخ عمر فتح الباري شرح صحيح البخاري إذا أخذ في القراءة فإنها خفيفة على لسانه لأن له سليقة قوية كأنما تخرج الكلمات من أكبر نحوي، وإن كان قليل الأخذ من علم النحو ولكنها بديهة فقليل لحنه وأخذ عن الشيخ عبد العزيز العبادي لما أن جلس للتدريس في مسجدهم عام (١٣٥٥ هـ) في كتب الفقه والحديث إضافة إلى مجالسة الأولى في بكرات الأيام لأن الشيخ عبد العزيز جعل يدرس ضحى وظهرًا في ذلك المسجد الذي ضم جموعًا كثيرة من الطلاب وأصبح إذ ذاك كزهرة البلاد، وذلك قبل وفاة الشيخ ينتابه طلاب العلم ويترددون إليه.
стр. 9686
وكان والد الأسرة عبد العزيز بن حمود بن مشيقح يبذل مساعدات للأجانب الذين في ذلك المسجد وكان من جملة الذين يدرسون على الشيخ عمر بن سليم بعد صلاة العشاء الآخرة في بيتهم وجد واجتهد حتى نال الثقة من والده وإخوانه بحيث كان هو صاحب الدفاتر والصندوق المالي وقبيل وفاة والده فقد بصره وأسف والده لذلك أسفًا شديدًا، ولكنه موضع التقدير من أهله ومن أمته وأهل بلده، ولما أقعد كانت الملوك من آل سعود كالملك فيصل والملك خالد والملك فهد يتناوبون في بيته للسلام وزيارته إذا ما قدموا إلى القصيم، وكان بالرغم من كونه محمولًا في محمل ويسعى بين المروة والصفا راكبًا عربة ولم يمنعه أن أسن وكبر وثقل عن حضور الجمع والجماعات فكانوا يذهبون به إلى المساجد على عربة وكان صابرًا ومحتسبًا.
ولما أن علم الله حسن نيته رزقه من إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه حسن عناية فكانوا ينتابون زيارته كل ليلة بعد العشاء الآخرة ويجتمعون به ويتبادلون الحديث معه، وكان راوية للقصص وذا خبرة بالتاريخ عن وعي ومعرفة أضف إلى ذلك أنه كان بصيرًا في أمور دينه ومواليًا لأولياء الله ومعاديًا أعداءه في حسن معتقد ولين معركة مع الكبير والصغير وما زال على الاستقامة حتى وفاه أجله المحتوم في يوم الجمعة ١٣/ ٦/ ١٤٠٩ هـ فصلى عليه المسلمون بعد صلاة العصر وحضر للصلاة عليه خلق كثير وجمع غفير في الجامع الكبير ببريدة وشيعة إلى قبره ومثواه الأخير (١).
كتاب عن حمود بن عبد العزيز المشيقح:
ألف ابن حمود المشيقح وهو عبد العزيز بن حمود المشيقح كتابًا ترجم فيه والده عنوانه: (الشيخ حمود بن عبد العزيز المشيقح) ﵀ طبعه في عام ١٤١٢ هـ في ٣٣ صفحة، على الآلة الناسخة.
стр. 9687
صدره بقوله: إهداء:
إلى أجيال الشباب ورجال الغد، لعلهم يجدون في سيرة الآباء القدوة لمواصلة السير على الدرب نفسه والحفاظ على منجزات جيل الجهاد والكفاح والعلم، وقفة وفاء من الخلف إلى السلف.
والكتاب يحتوي على معلومات قيمة، إضافة إلى كونه من النوادر أن يؤلف أحد ترجمة في حياة والده، إلا أن فيه هنات لغوية من لحن ونحوه.
وفي آخره ص ٣٠ و ٣١ ما سمي بقصيدتي رثاء فيهما اختلال في الوزن ولحن في اللغة.
وذكر مشايخه الذين طلب العلم عليهم، لأنه مثل أبناء عبد العزيز المشيقح كلهم طالب علم.
وقد ذكر المؤلف أن (حمود المشيقح) تزوج خمس نساء في أوقات متفرقة وخلف ثمانية أبناء وست بنات.
كما ألف الشيخ عبد العزيز بن حمود بن عبد العزيز المشيقح كتابًا مختصرًا في ٦٤ صفحة طبع عام ١٤١٤ هـ (لم يذكر اسم المطبعة) وعنوانه: (دليل أسرة المشيقح) ذكر الإهداء في أوله: إلى من دفعني لحب رحمي، ووصلهم، إلى والدتي الغالية أهدي هذا الكتاب.
وإليك أنت يا من قدر لك أن تحمل كتابي هذا بين يديك الكريمتين، إني لأرجو أن تجد فيه ما ينفعك، فإن أصبت خيرًا فلا تبخل عليَّ بدعوة في ظهر الغيب، وإن وجدت غير ذلك فاستغفر لي الله العظيم، إنه هو الغفور الرحيم.
وقال في المقدمة: (لما كانت أسرتي: أسرة المشيقح ذات أعداد كبيرة يلقى صاحب المناسبات العناء في الإتصال بهم، ومعرفة أعمالهم، وأرقام
стр. 9688
هواتفهم لذا رأيت عليَّ لزامًا أن أمضي في هذا الجهد الذي بين يديك - أخي القارئ - لتخفيف ذلك العناء، وربط الصلة إنْ أمكن.
وذكر بعد ذلك في هذا الكتاب أشياء لم نعرفها، ولا هي متفقة مع ما كنا عرفناه، منها أنه ذكر أن (مشيقح) جد الأسرة هو مشيقح بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عزام بن شعلان بن زبن بن صبيح بن حفير الخالدي الخ.
وهذا يسقط (مبيريك) الذي ينتمي إليه مشيقح حتى في الوثائق الموجودة فهو فيها (مشيقح بن عبد الله المبيريك) وبعضهم يقول ابن مبيريك.
ويتفق الناس الذين عرفناهم من المشيقح وغيرهم أنهم من المبيريك، وأن هذا اللقب العائلي يجمعهم بعدة أسر أخرى منها واحدة باقية على اسم (المبيريك) وهي أسرة كبيرة ذات ماض عريق ذكرتها في حرف الميم.
كما أنه جعل (عزام) جدًّا لمشيقح ليس بينه وبينه إلَّا ثلاثة أجداد.
مع إن (عزام) جد (آل أبو عزام) أي الذين يجمعهم كلهم في أوشيقر في القصيم كان موجودًا قبل أن ينتقل أسلاف آل مشيقح من أوشيقر إلى عنيزة، وكان انتقالهم حسبما يقول المؤلف إلى عنيزة في القرن التاسع الهجري ولذا ينبغي أن يكون بينه وبين مشيقح أربعة عشر جدًّا، وليس ثلاثة، لأن العلماء ذكروا أن كل قرن من الزمان له ثلاثة أجداد في المتوسط، ومشيقح من أهل القرن الثالث عشر وعزام من أهل القرن الثامن أو التاسع كما هو مذكور هنا وإلا فإنني أعتقد أنه قبل ذلك.
وإن قيل إن (عزام) القريب هذا هو (عزام) آخر وليس الجد البعيد للأسرة فأين (عزام) البعيد؟ ولم لم يذكر في عمود نسب الأسرة، والصحيح عندي عن أصل الأسرة هو ما ذكرته في الكلام عليها في أول المادة.
стр. 9689
ولقد أحسن الأخ الكريم في ذكر الشخصيات من المشيقح الذين تلوا مشيقح مباشرة، لمن لا يعرفهم من أهل هذا الزمان وذكر وفياتهم.
وذلك مثل الذين سماهم الجيل الأول وهم مشيقح بن عبد الله وأولاده والجيل الثاني وهم أحفاد مشيقح.
ومجموع الكل ١٣ شخصًا ثم ترجم لكل واحد منهم وهذا مفيد، وبدأ بذكر مشيقح رأس الأسرة فذكر أنه ولد في بريدة عام ١١٥٠ وأنه توفي بالحُمُر (من قرى بريدة) عام ١٢٥٠ هـ أي إنه عمر مائة سنة وهذا ليس ببعيد، إذا عرفنا أن عددًا من المشيقح الذين عرفناهم قد تجاوزوا التسعين، ومنهم الوجيه الثري عبد العزيز بن حمود بن مشيقح الذي عمر ٩٢ سنة، ولا يزال ابنه محمد بن عبد العزيز حيًّا بل هو إمام مسجد حتى الآن ١٤٢٣ هـ وكان أخوه الشيخ حمود ﵀ قد أخبرني أن ولادة محمد هذا كانت في عام ١٣٢٦ هـ فهو الآن قد ناهز المائة سنة من عمره ولا يزال إمامًا لمسجد.
إلا أن الذي يسترعي الانتباه ما ذكره عن مشيقح بأن حالته المادية جيدة ونحن نعرف مما وصل إلينا من أوراق أنه فوق ذلك، وأنه كان يملك عقارات وأشياء ذات قيمة.
ثم توسع الأستاذ عبد العزيز بن حمود المشيقح في كتابه فطبعه بعنوان: (أسرة آل مشيقح في الماضي والحاضر) ١١٨٠ - ١٤٢٠ هـ. وطبع بمطابع السلمان للأوفست ببريدة، وذلك في عام ١٤٢١ هـ في ١٣٨ صفحة ووضع ترجمته أي ترجمة المؤلف على الغلاف الخارجي الأخير للكتاب، ولم يزد في مقدمته كثيرًا وإنما زاد بأن وسع قوائم تتضمن معلومات سريعة وعناوين لرجال الأسرة ووضع لكل شخص منهم رقمًا معينًا، وهذا عمل جيد، لأن الأسماء تتكرر وتتشابه وأحيانًا تتماثل فلا يعرف صاحب الإسم الصحيح إذا ترك بدون إيضاح.
стр. 9690
وقد ترجم ابنه الدكتور إبراهيم بن حمود بن عبد العزيز المشيقح له، فقال:
للحديث عن سير الرجال المتميزين والذين سطروا أروع المثل في أخلاقهم وأدائهم وحسن تعاملهم لذة لدى الكتاب والمؤلفون إلا أن ذلك يجبرهم أن يقفوا حائرين في كتاباتهم أيتناولون شخصية أولئك الرجال بتعاملهم وأخلاقهم الرائعة أم يتناولون سلوكهم الديني وتبتلهم لربهم أم يتناولون تصدرهم للثقافة والأدب والسير أم يتناولون نجاحاتهم التجارية والحسابية أم يتناولون تعاملهم الأسري، ومن أولئك الرجال الشيخ الوجيه والعالم حمود بن عبد العزيز المشيقح ﵀ والتي تحققت فيه كل هذه الصفات أحد أبرز وجهاء مدينة بريدة وأعيانها في زمانه.
ولد الشيخ حمود عام ١٣١٦ هـ في مدينة بريدة ونشأ في بيت والده عبد العزيز، وكان محبوبًا لديه، حفظ القرآن الكريم في صغره وتعلم القراءة والكتابة والحساب وأجادهما ودرس على يد الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم والشيخ عمر بن محمد بن سليم ولازمهما.
يقول الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن ﵀ في كتابه تذكرة أولي الله والعرفان، الجزء السابع صفحة ٣٧٦: (من جملة ما درس على الشيخ عمر بن سليم فتح الباري شرح صحيح البخاري وإذا أخذ بالقراءة فإنها خفيفة على لسانه لأن سليقته قوية كأنما تخرج الكلمات من أكبر نحوي فهو صاحب بديهة وقليل لحنه وأخذ عن الشيخ العبادي في كتب الفقه والحديث.
نال الشيخ حمود ثقة والده وإخوانه بحيث فكان هو المؤتمن على الدفاتر والصندوق المالي لتجارة الأسرة.
يقول الشيخ إبراهيم العبيد كان الشيخ حمود موضع التقدير من أهله ومن أمته وأهل بلده فتناوبت عليه ملوك آل سعود بالسلام عليه إبان زياراتهم للقصيم
стр. 9691
فزاره الملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبد الله وولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز وبقية أبناء الملك عبد العزيز وأمراء المنطقة.
وفي لقائه مع الملك خالد طيب الله ثراه وبحضور الملك فهد بن عبد العزيز غفر الله له وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله وولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبد العزيز حفظه الله والأمراء والوزراء فقال: (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عقاب) وأنتم حققتم التوحيد ونصرتم الدين وأهله).
ثم دار حديث ودي مع ولاة الأمر أمر الملك خالد مباشرة وزير الإعلام بإجراء لقاء تلفزيوني مطول مع الشيخ حمود والموثق لدى وزارة الإعلام.
تمتع الشيخ حمود بعاطفة جياشة تمثلت بمحبته الشديدة لأسرته وأخوانه إغمي عليه حين تبلغ أثر وفاة أخيه ورفيق دربه الشيخ عبد الله بن عبد العزيز ﵀.
وقصة حدثت في مقتبل عمره عندما حفظ القرآن عملوا له زفة ليحمل على أعناق وهي عادة عند أهل بريدة قديمًا رفض أن يزف وطلب تقديم أخيه صالح ... عنه حبًّا وتقديرًا له وما عرف عن المحبة الخاصة بأخيه محمد بن عبد العزيز ﵀ والتي تمثلت بأروع المثل.
بل الأعجب من ذلك حينما يروي أبنائه قصص إخوته ووالده تنهال دموعه توقف عن الحديث لما يكن لهم من وفاء وإخلاص.
لازم الاعتكاف كعادة اشتهر بها والحج والعمرة سنويًا مع كبر سنه ولم يثقل عن حضور الجمع والجماعات ولم تفته تكبيرة حرام على الرغم من كونه آخر عمره محمولًا على عربة وكان صابرًا محتسبًا.
стр. 9692
لما علم الله حسن نيته رزقه الله من إخوانه وأبناءه وأبناء إخوانه حسن عناية، وكانوا يتناوبون زيارته كل ليلة بعد العشاء يجتمعون به ويتبادلون الحديث معه حيث كان راوية للقصص وذا خبرة واسعة تاريخ عن وعي ومعرفة.
وأن من الصفات التي تميز بها الشيخ حمود إدراكه ومعرفته بأنساب أسر مدينة بريدة فما زاره أحد إلا تبادل معه سيرة أهله وأنسابهم وتاريخهم حتى كأنه منهم.
كان حاسمًا في كثير من الأمور فقد كان له تأثير كبير على المشايخ في السمع والطاعة لولاة الأمر ومسموع الكلمة ومثال ذلك عندما تقاعد الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رئيس محاكم القصيم ﵀ عن العمل رفض الشيخ حمود واتصل شخصيًا بوزير العدل وطلب رفض ذلك فوافق الوزير مباشرة وأعيد الشيخ إلى عمله.
قال عنه سماحة الشيخ عبد الله بن حميد ﵀: (لو لم يدخل الشيخ حمود المشيقح عالم التجارة لفاق زمانه في العلم وأصبح علامة هذه البلاد).
لدى الشيخ حمود يد سخية في البذل والعطاء تمثلت في الصدقات وإهداء من يزوره من أبناء أسرته وبناتهم مالا كعادة غلبت عليه بما تجود به نفسه.
هذا ولنعرض بعض من مقتطفات سيرة هذا الشيخ الجليل:
أولًا: ذكاءه وسرعة بديهته وملكة حفظه.
ثانيًا: إجادته لعلوم الحديث والفقه وحفظه للقرآن والنحو.
ثالثًا: كان مرجعًا أساسيًا لجميع مؤرخي المنطقة فنقل عنه العلامة محمد بن ناصر العبودي والشيخ إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن والشيخ صالح العمري.
رابعًا: حفظ التاريخ وسيره خاصة البداية والنهاية وتاريخ الصحابة.
خامسًا: أجاد المعاملات الحسابية حتى أصبح مرجعًا مهمًا في حسابات والده.
стр. 9693
سادسًا: تعلم الفرائض وأجادها.
سابعًا: تميز بدماثة خلقه وتواضعه حتى أصبح مصدر ربط للصلات بين أسرته وإخوانه فكم من إشكالات كان هو أحد أسباب حلها.
ثامنًا: اعتمد عليه والده بجميع معاملاته التجارية لدقته وأمانته.
تاسعًا: ثقافته الواسعة جعلته يأخذ من الصغير والكبير.
عاشرًا: أحبه الناس فزاره الملوك والأمراء والوزراء والأعيان والمشايخ، وعامة الناس تابعًا إلى مجلسه.
أحد عشر: تعامله مع أسرته وأبناءه مثالًا يحتذى به مما انعكس على أبناءه لتواصلهم وتوددهم فيما بينهم.
إثنا عشر: تعامله مع نسائه وتودده لهن أحد وأبرز أخلاقياته ﵀.
ثلاثة عشر: حبه لأهل الخير ومناصرتهم فكان أهم أعوان المشايخ وطلبة العلم.
أربعة عشر: قيامه وتهجده في آخر الليل فله شجون غريب في مناجاته.
خمسة عشر: تعلمه آداب المجالس باستماعه للمتحدث وعدم مقاطعته، حتى لو أن القصة يعرفها احترامًا للمتحدث مما حبب الناس في مجالسته.
ستة عشر: كتب عنه المؤرخون وتناولوا سيرته ومنهم:
- معالي الشيخ العلامة محمد بن ناصر العبودي في معجمه الجغرافي (بلاد القصيم).
- الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن في كتابه تذكرة أولي النهى والعرفان.
- معالي الدكتور عبد الرحمن السبيت في كتابه كنت مع عبد العزيز الحرس الوطني.
- الشيخ صالح بن سليمان العمري في كتابه علماء آل سليم وتلامذتهم.
стр. 9694
- الأستاذ عبد العزيز بن حمود المشيقح في كتابه أسرة آل مشيقح الماضي والحاضر.
- والأستاذ عبد العزيز بن حمود المشيقح في كتابه من وجهاء وأعيان القصيم الشيخ حمود بن عبد العزيز المشيقح.
- توفي الشيخ حمود ﵀ صبيحة يوم الجمعة الموافق ١٣/ ٦/ ١٤٠٩ هـ، وصلي عليه العصر جمع عظيم وجم غفير في الجامع الكبير ببريدة عن عمر يناهز ٩٣ عامًا.
- فرحم الله الشيخ حمود بن عبد العزيز رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وجزاه الله عنا خير الجزاء.
стр. 9695
صالح بن عبد العزيز بن حمود المشيقح
стр. 9696
صالح بن عبد العزيز المشيقح هو ثالث الثلاثة الكبار من أبناء الزعيم الوجيه عبد العزيز بن حمود المشيقح وهم عبد الله وحمود وصالح وكانوا أصَّلوا وتحروا ثروة المشيقح الكبيرة.
ومع أن صالحًا ليس في درجة أخويه عبد الله وحمود في طلبة العلم وحفظ القرآن الكريم، ولكنه طالب علم عاش المحيط العلمي الذي يعيش فيه المشيقح من أبناء عبد العزيز الحمود وأبنائهم.
وقد وكلت الأسرة إليه العناية خاصة بالعقارات والأملاك الزراعية التي لهم وهي كثيرة وتحتاج إلى عناية وصبر.
ولكن المشيقح لا ينقصهم الصبر، والحكمة في الهدف الذي إذا سعوا إليه حققوه.
وقفت على ترجمته لصالح بن عبد العزيز بن حمود المشيقح بقلم ابنه الأستاذ عبد الرحمن نشرها في (مجلة صلة) التي تصدرها أسرة المشيقح، فلخصتها فيما يلي:
الشيخ صالح بن عبد العزيز:
التقت رجل الثراء والشهرة في زمانه جدنا الوجيه الشيخ عبد العزيز بن حمود آل مشيقح رحمه الله تعالى يرصد ما حوله من مهام بعدما اتسعت دائرة شهرته وتجاوزت حدود منطقته وازدادت وتنوعت آفاق تجارته ليجد جملة من المسؤوليات والأعمال التي تتعاظم في حياته العملية يومًا بعد يوم مع ثروته الطائلة والمتميزة، فأدرك أن ذلك جميعه يتطلب عددًا من الكوادر البشرية القادرة والمخلصة لإدارة تلك الأعمال والإشراف عليها وتغطية احتياجاتها المتزايدة، فالبيت الكبير الذي يقطنه قرابة المائة والعشرين فردًا معًا يمثلون مجموعة أسر في أسرة واحدة له احتياجاتها اليومية ومتطلباته المتعددة، والتجارة المتفرعة المتزايدة في حجمها تقتضي التواصل مع التجار والتمويل والتدقيق في الحسابات لإبراء
стр. 9697
الذمة وحفظ الحق، كما أن العلاقة المتأصلة مع وجهاء وأعيان المجتمع في المنطقة جميعهم وفي خارجها ومع رجال الدولة الناشئة الفتية الذين يكن لهم كل حب واحترام وتقدير ويربطه بهم علاقة وفاء وصداقة متأصلة لها ترتيباتها وإجتماعياتها، والمزارع ذات المساحات والمواقع المتعددة تتطلب إدارة خبيرة وأمينة وإشراف وتواجد ومتواصل مع كل موسم زراعي.
وفق جدنا عبد العزيز ﵀ في توزيع تلك المهام والمسؤوليات على أولاده الشباب المحيطين به وذلك وفقًا لقدراتهم واستعداداتهم، فمنحهم مطلق الصلاحيات والاستقلالية في مهامهم، كما ترك لهم فرصة التقييم والمعالجة والتطوير في المنهج والأساليب، فانطلق كل واحد فيهم يدير العمل وكأنه تحت ملكيته الخاصة مع التأكيد والتشديد على عامل الإلفة والترابط والإحترام المتبادل بين الإخوة جميعًا.
فالوالد صالح بن عبد العزيز ﵀ على سبيل المثال - قد تولى عدة مهام، وتحمل جملة من المسؤوليات في حياة والده ومن بعد وفاة والده يمكن وصفها بالمهام الصعبة، فقبلها بكل رضا وبقدرة وتحمل لتبعاتها دون تذمر أو تقصير في أداء تلك المهام.
حتى أن هذه المهام بمجموعها قد أثرت على طبيعة حياته العامة وصبغت سيرته بنوع من الجدية قضت على كل عناصر التسلية والفراغ لديه.
بالوقوف على بعض من معالم سيرة الوالد الشيخ صالح بن عبد العزيز بن حمود المشيقح رحمه الله تعالى نجد أن حياته كانت حافلة بالعطاء المتميز وبالخبرة الثرية لحب العمل المتواصل، حتى أن تلك المهام والمسؤوليات قد أخذت من كل ركن في حياة الأسرة الكبيرة بطرف بارز.
стр. 9698
يعتبر الوالد صالح بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الإبن الثاني في الترتيب بين إخوته، ولد في عام ألف وثلاثمائة وخمسة من الهجرة النبوية الشريفة، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، حيث توفي عام ألف وثلاثمائة وثمان وسبعين بعد صراع ومعاناة مع المرض.
وفي آخر أيام مرضه جاء الأمر السامي من الملك سعود بن عبد العزيز بعلاجه في خارج المملكة العربية السعودية فتوجه فريق طبي من العاصمة الرياض لمنزل آل مشيقح ببريدة ورافقه الفريق الطبي في نقله بطائرة إلى الرياض وبقي فيها أيامًا في مستشفى الشميسي لاستكمال الفحوصات الطبية له وكان أكبر مستشفى في الرياض، وتواجد معه في المستشفى أبناه عبد الكريم ومحمد ثم سافر بعد ذلك إلى مصر رافقه في سفره لمصر أكبر أولاده علي فبقي بها مدة غير طويلة حتى توفاه الله تعالى وفن فيها وجاء خبر وفاته في إذاعة صوت العرب بالقاهرة.
لقد نشأ الوالد صالح بن عبد العزيز ﵀ في بيت يقدر العلم وأهله فتتلمذ على عدد من المشائخ المشهورين في عصره، وكان من أبرز هؤلاء المشائخ والعلماء من تتلمذ عليهم الشيخ عبد الله بن محمد آل سليم وأخوه الشيخ عمر بن محمد آل سليم وكذا الشيخ عبد العزيز العبادي ﵏ جميعًا، فقرأ عليهم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبعض الأحكام الشرعية وقواعد اللغة العربية إضافة إلى حضوره حلقات الدروس العلمية التي كانت تعقد في منزل والدم مساءً.
وبعد انتهاء مرحلة التتلمذ الأساسية انتقل لميدان العمل بكل رغبة وحماس، حيث بدأ العمل.
كانت المهام التي مارسها الوالد ﵀ في حياته العملية متعددة المجالات فهي تجمع في طبيعتها بين أسلوب التعامل والتواصل مع أعيان
стр. 9699
المجتمع، حيث أوكل إليه مهمة فض المنازات في ممتلكات والده من الأراضي الشاسعة مع الغير وفي استخراج حجج الاستحكام لكافة العقارات المتشعبة بكافة المواقع وبكل ما فيها من مشاكل وخصومات متعددة وتجهيز للأوراق، وسلك في تعامله مع الخصوم أسلوبًا موضوعيًا ومعتدلا يقوم على التوجه الموضوعي في العرض، يحاكم نفسه قبل محاكمة الغير ويستقبل في الجلسة تجاوزات وأخطاء بعض الخصومة فيفرغها دون انفعال.
بل كان يحرص على استقطاب بعض إخوته الصغار وكذا أبناء إخوته ممن يتوسم فيهم القدرة والتمكن على المحاماة ويحثهم على حضور الجلسات وعلى متابعة المنازعات وتدريبهم على منهج المرافعات وعلى التحكم بالمشاعر أثناء المنازعات مع الخصوم.
ولعل أشهر القضايا التي خاضها بنجاح وتوفيق تصفية جميع أراضي الخبيب من المشاكل والتعديلات رغم كثرة عددها وكذا كافة قطع الأراضي الواسعة والمتعددة المواقع واستخراج حجج الاستحكام لها رغم كثرة الخصوم الذين ينازعون عليها، كما أنه يعتبر المسؤول الأول عن تجهيز قافلة الحج التي يرسلها جدنا عبد العزيز ﵀ كل عام والتي كانت تجهز بالجمال وتدعم بالرجال وتزود بالمؤن والأطعمة وتستقبل كافة الراغبين من أفراد الأسرة ومن خارجها، ذلك أنه كان صاحب خبرة بأنواع الجمال وكافة أنماط السلع التموينية. كما أنه المسؤول ﵀ عن تزويد المنزل الكبير للأسرة بكل متطلباته من المؤن بدءًا بمواد الغذاء ولوازم الطبخ وكذا كسوة الموسم من الملابس للصغير والكبير وانتهاء بالإشراف على أعمال الصيانة لمرافق المنزل.
ولأن المزارع كانت تمثل آنذاك مصدر التمويل الرئيسي للحياة من غذاء وسلع تجارية ومواد بناء وأجهزة تدفئة وقود ومراكز للتسلية والراحة وجلب الماء
стр. 9700
وغيرها من مستلزمات الحياة فقد أوكل إليه مهمة الإشراف على جميع المزارع الخاصة بوالده وإدارتها لوحده وتوفير كافة متطلبات الزراعة وتزويد التجار المتعاملين مع الوالد من خارج المنطقة بالمنتجات الزراعية.
قابلت أحدهم في أحد الأيام وكان شيخًا هرمًا وبتعريف نفسي له أخذ يبكي بحرقة حتى أشفقت عليه، وسألته عن سبب بكاءه فقال لي ما مفاده: لن أنسى الأيام السعيدة التي قضيتها مع والدك صالح العبد العزيز ﵀، لقد كان صاحب خلق عال وعواطف نبيلة وسرد جملة من القصص والمواقف التي تؤكد معايشته له عن قرب ومدى ارتباطه الوثيق بحياة العمال ومساعدته لهم وتفريجه لهمومهم وقضاياهم.
لقد كان ﵀ يمتاز بالحلم والأناة والصبر والقدرة على التحمل والإيثار على الذات، والبعد عن الثأر للنفس كما كان متواضعًا في حياته الخاصة لأقص درجات التواضع.
ولعل أبرز خصلة كان يمتاز بها هي البر والوفاء المتناهي لمن حوله من أقاربه حيث كان بارًا بوالده بدرجة بنسي معها نفسه، يهجر النوم والفراش مع مرض والده ويباشر الإشراف عليه بتطبيبه وتقديم الخدمات العلاجية له رافضًا أن يتيح لنفسه حالة التقزز خاصة مع إصابة والده ﵀ ببعض الجروح المنتشرة في أغلب جسده نتيجة حساسية مفرطة في جلده، بل إنه كان يسعى لجلب الفرح والسعادة والسرور لوالده قدر استطاعته.
أما والدته رحمها الله فقد توفيت وهو صغير ولم يلحق بخدمتها، وبعد وفاة والده حزن عليه حزنًا شديدًا حتى أثر ذلك على صحته فيما بعد، على أنه لم يبق بعد وفاة والده سوى فترة قصيرة لا تتجاوز الست سنوات تقريبًا عاش معظمها مع مرضه الذي أصابه.