صالح بن عبد العزيز المشيقح هو ثالث الثلاثة الكبار من أبناء الزعيم الوجيه عبد العزيز بن حمود المشيقح وهم عبد الله وحمود وصالح وكانوا أصَّلوا وتحروا ثروة المشيقح الكبيرة.
ومع أن صالحًا ليس في درجة أخويه عبد الله وحمود في طلبة العلم وحفظ القرآن الكريم، ولكنه طالب علم عاش المحيط العلمي الذي يعيش فيه المشيقح من أبناء عبد العزيز الحمود وأبنائهم.
وقد وكلت الأسرة إليه العناية خاصة بالعقارات والأملاك الزراعية التي لهم وهي كثيرة وتحتاج إلى عناية وصبر.
ولكن المشيقح لا ينقصهم الصبر، والحكمة في الهدف الذي إذا سعوا إليه حققوه.
وقفت على ترجمته لصالح بن عبد العزيز بن حمود المشيقح بقلم ابنه الأستاذ عبد الرحمن نشرها في (مجلة صلة) التي تصدرها أسرة المشيقح، فلخصتها فيما يلي:
الشيخ صالح بن عبد العزيز:
التقت رجل الثراء والشهرة في زمانه جدنا الوجيه الشيخ عبد العزيز بن حمود آل مشيقح رحمه الله تعالى يرصد ما حوله من مهام بعدما اتسعت دائرة شهرته وتجاوزت حدود منطقته وازدادت وتنوعت آفاق تجارته ليجد جملة من المسؤوليات والأعمال التي تتعاظم في حياته العملية يومًا بعد يوم مع ثروته الطائلة والمتميزة، فأدرك أن ذلك جميعه يتطلب عددًا من الكوادر البشرية القادرة والمخلصة لإدارة تلك الأعمال والإشراف عليها وتغطية احتياجاتها المتزايدة، فالبيت الكبير الذي يقطنه قرابة المائة والعشرين فردًا معًا يمثلون مجموعة أسر في أسرة واحدة له احتياجاتها اليومية ومتطلباته المتعددة، والتجارة المتفرعة المتزايدة في حجمها تقتضي التواصل مع التجار والتمويل والتدقيق في الحسابات لإبراء
стр. 9697
الذمة وحفظ الحق، كما أن العلاقة المتأصلة مع وجهاء وأعيان المجتمع في المنطقة جميعهم وفي خارجها ومع رجال الدولة الناشئة الفتية الذين يكن لهم كل حب واحترام وتقدير ويربطه بهم علاقة وفاء وصداقة متأصلة لها ترتيباتها وإجتماعياتها، والمزارع ذات المساحات والمواقع المتعددة تتطلب إدارة خبيرة وأمينة وإشراف وتواجد ومتواصل مع كل موسم زراعي.
وفق جدنا عبد العزيز ﵀ في توزيع تلك المهام والمسؤوليات على أولاده الشباب المحيطين به وذلك وفقًا لقدراتهم واستعداداتهم، فمنحهم مطلق الصلاحيات والاستقلالية في مهامهم، كما ترك لهم فرصة التقييم والمعالجة والتطوير في المنهج والأساليب، فانطلق كل واحد فيهم يدير العمل وكأنه تحت ملكيته الخاصة مع التأكيد والتشديد على عامل الإلفة والترابط والإحترام المتبادل بين الإخوة جميعًا.
فالوالد صالح بن عبد العزيز ﵀ على سبيل المثال - قد تولى عدة مهام، وتحمل جملة من المسؤوليات في حياة والده ومن بعد وفاة والده يمكن وصفها بالمهام الصعبة، فقبلها بكل رضا وبقدرة وتحمل لتبعاتها دون تذمر أو تقصير في أداء تلك المهام.
حتى أن هذه المهام بمجموعها قد أثرت على طبيعة حياته العامة وصبغت سيرته بنوع من الجدية قضت على كل عناصر التسلية والفراغ لديه.
بالوقوف على بعض من معالم سيرة الوالد الشيخ صالح بن عبد العزيز بن حمود المشيقح رحمه الله تعالى نجد أن حياته كانت حافلة بالعطاء المتميز وبالخبرة الثرية لحب العمل المتواصل، حتى أن تلك المهام والمسؤوليات قد أخذت من كل ركن في حياة الأسرة الكبيرة بطرف بارز.
стр. 9698
يعتبر الوالد صالح بن عبد العزيز رحمه الله تعالى الإبن الثاني في الترتيب بين إخوته، ولد في عام ألف وثلاثمائة وخمسة من الهجرة النبوية الشريفة، وعاش ثلاثًا وسبعين سنة، حيث توفي عام ألف وثلاثمائة وثمان وسبعين بعد صراع ومعاناة مع المرض.
وفي آخر أيام مرضه جاء الأمر السامي من الملك سعود بن عبد العزيز بعلاجه في خارج المملكة العربية السعودية فتوجه فريق طبي من العاصمة الرياض لمنزل آل مشيقح ببريدة ورافقه الفريق الطبي في نقله بطائرة إلى الرياض وبقي فيها أيامًا في مستشفى الشميسي لاستكمال الفحوصات الطبية له وكان أكبر مستشفى في الرياض، وتواجد معه في المستشفى أبناه عبد الكريم ومحمد ثم سافر بعد ذلك إلى مصر رافقه في سفره لمصر أكبر أولاده علي فبقي بها مدة غير طويلة حتى توفاه الله تعالى وفن فيها وجاء خبر وفاته في إذاعة صوت العرب بالقاهرة.
لقد نشأ الوالد صالح بن عبد العزيز ﵀ في بيت يقدر العلم وأهله فتتلمذ على عدد من المشائخ المشهورين في عصره، وكان من أبرز هؤلاء المشائخ والعلماء من تتلمذ عليهم الشيخ عبد الله بن محمد آل سليم وأخوه الشيخ عمر بن محمد آل سليم وكذا الشيخ عبد العزيز العبادي ﵏ جميعًا، فقرأ عليهم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وبعض الأحكام الشرعية وقواعد اللغة العربية إضافة إلى حضوره حلقات الدروس العلمية التي كانت تعقد في منزل والدم مساءً.
وبعد انتهاء مرحلة التتلمذ الأساسية انتقل لميدان العمل بكل رغبة وحماس، حيث بدأ العمل.
كانت المهام التي مارسها الوالد ﵀ في حياته العملية متعددة المجالات فهي تجمع في طبيعتها بين أسلوب التعامل والتواصل مع أعيان
стр. 9699
المجتمع، حيث أوكل إليه مهمة فض المنازات في ممتلكات والده من الأراضي الشاسعة مع الغير وفي استخراج حجج الاستحكام لكافة العقارات المتشعبة بكافة المواقع وبكل ما فيها من مشاكل وخصومات متعددة وتجهيز للأوراق، وسلك في تعامله مع الخصوم أسلوبًا موضوعيًا ومعتدلا يقوم على التوجه الموضوعي في العرض، يحاكم نفسه قبل محاكمة الغير ويستقبل في الجلسة تجاوزات وأخطاء بعض الخصومة فيفرغها دون انفعال.
بل كان يحرص على استقطاب بعض إخوته الصغار وكذا أبناء إخوته ممن يتوسم فيهم القدرة والتمكن على المحاماة ويحثهم على حضور الجلسات وعلى متابعة المنازعات وتدريبهم على منهج المرافعات وعلى التحكم بالمشاعر أثناء المنازعات مع الخصوم.
ولعل أشهر القضايا التي خاضها بنجاح وتوفيق تصفية جميع أراضي الخبيب من المشاكل والتعديلات رغم كثرة عددها وكذا كافة قطع الأراضي الواسعة والمتعددة المواقع واستخراج حجج الاستحكام لها رغم كثرة الخصوم الذين ينازعون عليها، كما أنه يعتبر المسؤول الأول عن تجهيز قافلة الحج التي يرسلها جدنا عبد العزيز ﵀ كل عام والتي كانت تجهز بالجمال وتدعم بالرجال وتزود بالمؤن والأطعمة وتستقبل كافة الراغبين من أفراد الأسرة ومن خارجها، ذلك أنه كان صاحب خبرة بأنواع الجمال وكافة أنماط السلع التموينية. كما أنه المسؤول ﵀ عن تزويد المنزل الكبير للأسرة بكل متطلباته من المؤن بدءًا بمواد الغذاء ولوازم الطبخ وكذا كسوة الموسم من الملابس للصغير والكبير وانتهاء بالإشراف على أعمال الصيانة لمرافق المنزل.
ولأن المزارع كانت تمثل آنذاك مصدر التمويل الرئيسي للحياة من غذاء وسلع تجارية ومواد بناء وأجهزة تدفئة وقود ومراكز للتسلية والراحة وجلب الماء
стр. 9700
وغيرها من مستلزمات الحياة فقد أوكل إليه مهمة الإشراف على جميع المزارع الخاصة بوالده وإدارتها لوحده وتوفير كافة متطلبات الزراعة وتزويد التجار المتعاملين مع الوالد من خارج المنطقة بالمنتجات الزراعية.
قابلت أحدهم في أحد الأيام وكان شيخًا هرمًا وبتعريف نفسي له أخذ يبكي بحرقة حتى أشفقت عليه، وسألته عن سبب بكاءه فقال لي ما مفاده: لن أنسى الأيام السعيدة التي قضيتها مع والدك صالح العبد العزيز ﵀، لقد كان صاحب خلق عال وعواطف نبيلة وسرد جملة من القصص والمواقف التي تؤكد معايشته له عن قرب ومدى ارتباطه الوثيق بحياة العمال ومساعدته لهم وتفريجه لهمومهم وقضاياهم.
لقد كان ﵀ يمتاز بالحلم والأناة والصبر والقدرة على التحمل والإيثار على الذات، والبعد عن الثأر للنفس كما كان متواضعًا في حياته الخاصة لأقص درجات التواضع.
ولعل أبرز خصلة كان يمتاز بها هي البر والوفاء المتناهي لمن حوله من أقاربه حيث كان بارًا بوالده بدرجة بنسي معها نفسه، يهجر النوم والفراش مع مرض والده ويباشر الإشراف عليه بتطبيبه وتقديم الخدمات العلاجية له رافضًا أن يتيح لنفسه حالة التقزز خاصة مع إصابة والده ﵀ ببعض الجروح المنتشرة في أغلب جسده نتيجة حساسية مفرطة في جلده، بل إنه كان يسعى لجلب الفرح والسعادة والسرور لوالده قدر استطاعته.
أما والدته رحمها الله فقد توفيت وهو صغير ولم يلحق بخدمتها، وبعد وفاة والده حزن عليه حزنًا شديدًا حتى أثر ذلك على صحته فيما بعد، على أنه لم يبق بعد وفاة والده سوى فترة قصيرة لا تتجاوز الست سنوات تقريبًا عاش معظمها مع مرضه الذي أصابه.
стр. 9701
يذكر لي أحد أبناء عمي أنه عند قرب زواجه ذهب لوالده ﵀ وطلب منه أن يساعده على تكاليف الزواج فقال له اذهب إلى عمك صالح يقول: ﵀ فذهبت إلى عمي صالح ولن أنسى الموقف الذي أخذ بيدي للسوق واشتري لي ملابس بما فيها المشلح وقال لي ارجع لوالدك وخذ منه ما وعدك به.
بل أن تلك المعونات تخرج عن إطار الأسرة لتساند جار للأسرة فقير أو عامل محتاج انقطعت به السبل.
يروى أن أحد جيران مزارع الصباخ جاءته زوجته لتخبره بأنه قد انقطع الماء الذي يغذي مزرعتهم من بئر المشيقح فقال لها، لقد توفي الشيخ صالح العبد العزيز وهو لم يعلم بوفاته بوفاته وإنما ربط ذلك بغياب اهتمام الوالد صالح ﵀.
أما عن أسلوبه في تربيته لأولاده وفن التعامل معهم فكان أسلوبًا فريدًا متميزًا ينم عن حكمة وعقلية واعية ومدركة لطبيعة الشباب وخصائصهم، فقد سلك أسلوبًا يقوم على مبدأ غرس الثقة واحترام الذات وعلى توجيههم على الاعتماد على النفس، فرغم أنه كان يملك القرار بمنحهم المبالغ والإمكانات بسهولة ورغم أنه كان يدعم المحتاج من أولاد إخوته كما سبق إلَّا أنه لم يمارس هذا الأسلوب مع أبنائه بسبب قوة الورع ومحاسبة الذات، بل كان يوجههم على الاعتماد على النفس في النفقة حتى أنه التحق في آخر حياته ثلاثة من أبنائه بالوظائف الحكومية وكان لا يتدخل في وظائفهم أو أنشطتهم أو صداقاتهم ولا يرض أن يتدخل أحد في قراراتهم وحياتهم العملية.
كان ﵀ صاحب رؤية سديدة بالرجال ومعرفة باتجاهاتهم وقدرة على استقراء بعض سلوكياتهم، كما جمع في سلوكه وشخصيته بين متفاوتين، فقد كان مهابًا إلى أقصى درجات الهيبة رغم رقة مشاعره وعاطفته الجياشة وتواضعه.
стр. 9702
كان رحمه الله تعالى شديد الزهد وكان متواضعًا بدرجة ملفتة يجالس الفلاحين في مواقع عملهم وأماكن استراحتهم ويمازحهم ويتتبع أحوالهم وأشعارهم وأمثالهم فمن الأقوال التي قالها: (اليوم الجمعة عيد الفلاليح).
لم يتزوج رحمه الله تعالى بالمرأة الثانية إلَّا في آخر عمره عندما اشتدت رغبته إلى الأولاد وقد توفي وله من أولاد عشرة، ستة أبناء هم علي وعبد الكريم وسلميان ومحمد وعبد الرحمن وإبراهيم، ومن البنات أربع
ورغم تواضعه وكثرة مشاغله وطبيعة مهامه التي تتطلب الجهد فقد كان ﵀ يحرص على النظافة في جسمه وملبسه يكتحل ويتطيب كل يوم ويلبس المشلح الرسمي في خروجه السوق خاصة في يوم الجمعة التي يخرج فيها للمسجد مبكرًا قبل النداء الأول بل كان شديد الكره للأطعمة والمشروبات التي تفتقر للنظافة ويعزف عن تناولها.
إن من علامات النجاح في حياة الرجل عامة ومن دعائم القوة في بناء وتجسيم شخصيته أن تأتيه المهابة دون تصنع لها.
وأحسب أن هذا جميعه قد تكامل في شخصية الوالد صالح بن عبد العزيز ﵀ وإن استعراض الأمثلة والشواهد التي يرويها محبوه ومعاصروه.
رغم ملازمة المرض له مدة طويلة إلَّا أنه لم ينقطع عن العمل أو ينعزل عن الناس بل غالب المرض واستمر في عمله وكان ﵀ يرفض مراجعة المستشفى لا خوفًا ولكنه الورع حتى قال لمن حوله ممن ألح عليه بدخول المستشفى إنه يكره أن تباشر متابعة علاجه ممرضة أجنبية عنه فقالوا له يمكن حل هذه المشكلة بأن يقوم البنك المرافق بإعطائك العلاج أما الإبر فيمكن تغطية وجهك عند أخذك إياها فقبل ذلك مكرها وتحت الضغوط خاصة عندما ازدادت حالته الصحية سوءًا.
стр. 9703
عندما توفي ﵀ بكاه الجميع بحرقة من داخل وخارج الأسرة.
رحمك الله يا والدي أبا علي رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته.
ومن المشيقح الشيخ القاضي: علي بن إبراهيم بن صالح المشيقح، تولى القضاء في بريدة، وشغل وظيفة مساعد رئيس محاكم القصيم حتى صدر الأمر بنقله على وظيفة خارج بريدة، ففضل التقاعد فيها على العمل خارجها.
كان فيه خصلة قلَّ أن توجد فيمن أدركته من طلبة العلم ومشايخه تلك بأنه كان في وقت الطلب وقبل أن يلي القضاء مولعا باقتناء الكتب المخطوطة، فإذا لم يتيسر له اقتناؤها نسخها بيديه وقد نسخ بيده على تلك الطريقة مجلدات كثيرة منها.
وهو أحد الأربعة الكبار من المشايخ في بريدة الذين رأيت أن نعينهم مدرسين في المعهد العلمي عندما كنت في عام ١٣٧٢ هـ أمهد لفتحه في عام ١٣٧٣ هـ وهم:
- الشيخ صالح بن أحمد الخريصي.
- الشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيتي.
- الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي.
- الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح
فأعددت لكل واحد منهم كتابًا وقعه صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس الكليات والمعاهد العلمية مضمونه الطلب إليه بأن يصبح أحد المدرسين في المعهد العلمي.
وقد تصورت من ذلك أن يكون ترغيبًا في المعهد وحافزًا لطلبة العلم المجيدين على الدخول فيه، لأننا سمعنا بل واجهنا من بعض الذين لا بصيرة لهم يسبون المعهد ويكرهون الدخول إليه، وقد أوضحت ذلك في كتاب (ستون سنة في الوظيفة الحكومية) وأقول هنا فيما يتعلق بالشيخ علي المشيقح إنني
стр. 9704
تكلمت معه في الموضوع، ورغبته فيه ولكنه قال: إنني أخشى أن تتغير عليَّ نفسي فلا أستطيع أن استمر في عبادتي وتفرغي لطلب العلم.
ولم يكن في شيء من الوظائف آنذاك، فقد كان ذلك قبل التحاقه بوظيفة مساعد رئيس محاكم القصيم.
لقاء مع الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح:
نشرت مجلة (صلة) التي تصدرها أسرة المشيقح هذه المقابلة المهمة مع الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح ذكر فيه مؤلفاته، وذلك بعنوان:
لقاء مع فضيلة الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح:
س ١: طلب العلم من أجل القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، متى بدأ الشيخ طلب العلم وعلى يد من تعلمت من المشايخ؟ وما هي الكتب التي كنتم تقرعونها في ذلك الوقت ومن هم زملاؤك - آنذاك؟
ج: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم.
بدأت طلب العلم وكان عمري في ذلك الوقت ثلاثة عشر سنة، حيث بدأت كما يبدأ به العلماء بحفظ كتاب الله على يد الشيخ صالح الصقعبي وعبد العزيز بن فرج رحمهما الله، وأنهيته بعد سنة على يد شيخي العلامة عمر بن محمد بن سليم تجويدًا وحفظا عن ظهر قلب.
وعندما كان عمري خمسة عشر سنة بدأت طلب العلم على يد الشيخ عبد العزيز العبادي حيث قرأت عليه ثلاثة الأصول، وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقرأت عليه الأجرومية في النحو وفي الحديث بلوغ المرام، ورتبتها على الشيخ عمر بن سليم ﵀، وقرأت عليه
стр. 9705
الفقه والحديث وأصول الفقه، وما زلت أتوسع خلال هذه الدراسة في الكتب المتنوعة من أحكام وتواريخ وغيرها.
وقرأت كذلك على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم ﵀ في المنتقي صحيح الترمذي، وأخص ما قرأت في الفرائض على يد الشيخ عمر بن سليم ﵀، حيث كنا نتوغل في مسائل المناسخات وقسمة التركات والحجب وغيرها حتى صار يحال إليَّ مسائل المناسخات في الفرائض فأحلها وأكثر من يحيلها على شيخي العلامة عبد الله بن محمد بن حميد ﵀.
أما طريقة تعلمي أنا وزملائي فهي أن نأخذ متن كل فن ثم نحفظه عن ظهر قلب، ثم نتوسع في شروحه مثل زاد المستنقع في الفقه، وبلوغ المرام في الحديث، وحفظت الألفية، ومتن الرحبيه كلها من أولها إلى آخرها، وفي المصطلح حفظنا البيقونية ثم توسعنا إلى ألفية العراقي ومقدمة ابن الصلاح، وفي أصول الفقه مختصر التحرير حيث توسعت في شرحه وخطيته بيدي، وفي علم المعاني والبيان ألفية السيوطي هذه مفاتيح العلوم، وبعدها حصل التوسع في شروحها وأخذت جملة أو غالب الفرائض من كتاب النظم لابن عبد البر وهي قرابة ستة عشر ألف بيت حيث حفظتها وعلقت على غالب متنها ثم عن لي شرحها.
أما زملائي فهم أخوالي عبد الله وصالح وحمود ومحمد أبناء عبد العزيز المشيقح، والشيخ عبد الله الرشيد، وفهد العيسى، وعلي العجاجي، والشيخ علي الضالع وصالح الرسيني وغيرهم، وقبلهم محمد بن عبد العزيز العجاجي وأخوه صالح وعلي الوقيصي، وعبد العزيز الدخيل كلهم من تلاميذ شيخي عمر بن سليم رحمة الله عليه.
س: ما هي مؤلفات الشيخ علي حفظه الله؟
ج: استعنت بالله فألفت الكتاب المسمى (عقد الدراري في كواكب الساري) وهو العقيدة الجامعة لمذهب أهل السنة والجماعة، تم الجزء الأول منه
стр. 9706
نظم من الطويل في قافية العين عام ١٤١٠ هـ يشمل ٦٦٦٢ بيتًا وتم طباعة ألف نسخة حيث وزعت غالب النسخ على كل من يرغب هذا العلم أما الجزء الثاني فيقارب ٩٠٠٠ بيت يبدأ من ذكر الصراط وينتهي بذكر الجنة، نسأل الله أن ييسر طباعته، ويليه كتاب نظم من الطويل يشرح أسماء الله الحسنى يقارب ١٠٠٠ بيت وكتاب (الانتصار بفوقية الله وعلوه واستوائه على عرشه)، ويليه كتاب (المقنع في علم البروج السماوية والفلك والأوقات إلى عام ١٩٥٥ م)، وكتاب في المناسك نظم جديد (أسميته بإسعاف من ينتسب لإفتاء الحجاج) غير أنه حتى الآن لم يتم وهناك أيضًا عدة رسائل، وآخر ما ألفت رسالة اسمها (صلة الأرحام ودفع الارتياب عن أفخر الأحساب والأنساب).
س ٣: هل كان والدك يعلمك العلم الشرعي؟
ج: كان والدي إبراهيم الصالح طالب علم ومحقق في العقيدة، وكذلك جدي صالح الحمود المشيقح طالب علم مدرك وكان له مخطوطات في العلم، وكان فقيهًا.
س ٤: كم كان عمرك عندما تزوجت؟
ج: تزوجت وعمري ستة عشر سنة.
س ٥: نلاحظ عدم وجود مؤلفات الشيخ علي في المكتبات العلمية؟
ج: لأنه لم يتيسر لي طبعها، والذي طبعته منها أهديه وأوزعه بالمجان، والبقية كلها مخطوطة.
س ٦: كيف كانت مجالس الأسرة في السابق؟
ج: كانت مجالسنا في حياة جدي عبد العزيز الحمود المشيقح أنه في آخر الليل يوقظ بعضهم بعضا ويأخذون من القهوة والشاي ما سهل الله لهم ثم يخرجون إلى صلاة الفجر مع الجماعة، وبعد صلاة الفجر طالب العلم منهم يلبث في المسجد ثم يعودون إلى المجلس ليتفقدوا أمورهم وأحوالهم، فإذا انتهى المجلس وحضر عندهم
стр. 9707
من يحضر من المشايخ وطلبة العلم كالشيخ عبد العزيز العبادي ﵀، وإذا ارتفعت الشمس أتوا إليهم ليأخذوا القهوة والشاي وإذا قربت القراءة على الشيخ عمر بن سليم ﵀ في المسجد الجامع خرجوا جميعًا - الجد عبد العزيز وأولاده ومن معه، ثم جلسوا في الحلقة وقرؤوا ما سهل الله، وبعد ذلك يذهبون إلى الدكان في السوق التجارة ما عدا جدي عبد العزيز الحمود فإنه يبقى حتى تنتهي القراءة ومن في الدكان يبيعون على الناس ويقرضونهم.
ثم بعد ساعتين يذهبون إلى البيت ويتناولون الغداء ثم يرجعون إلى الدكان فإذا بقي على آذان الظهر ساعة أغلقوا الدكان واجتمعوا عند أحد "طوارفهم" لشرب القهوة والشاي ويأتيهم من يأتيهم من الجماعة والأعيان وغيرهم، فإذا أذن الظهر خرجوا إلى الصلاة، وبعد الظهر يجلسون في مجلس البيت ويوقدون النار في "الوجار" وعليه القهوة والشاي ويأتيهم من يأتيهم من الأعيان حتى صلاة العصر ثم يخرجون إلى صلاة العصر وبعد صلاة العصر يذهبون إلى التجارة وطالب العلم منهم يذهب إلى طلبه، فإذا بقي على المغرب قرابة ساعة أغلقوا الدكان وأتوا إلى البيت وتناولوا العشاء، ثم يخرجون إلى المسجد، وبعد المغرب يعودون إلى المجلس، ويذهب من يذهب منهم لطلب العلم ثم يذهبون مع الآذان إلى المسجد يكون أحدهم "مرتب" للجماعة في المسجد يقرأ على الجماعة.
وبعد صلاة العشاء الآخرة يرجعون إلى المجلس وتقام فيه قراءة وطلب علم على الشيخ عمر بن سليم ﵀ وهكذا.
س ٧: كيف ومتى توليتم القضاء؟
ج: كان عرض علي قبل القضاء عدة مرات التدريس في المعهد العلمي، وكانت تصلني خطابات ورسائل بهذا الخصوص من المشايخ ولكني أرفض لعدم تفرغي، وعدم رغبتي لأني متفرغ لطلب العلم والقراءة، حيث كنا نقرأ في اليوم قرابة إحدى عشر ساعة في اليوم.
стр. 9708
فلما صار عام ١٣٧٨ هـ فتحت المحاكم في القصيم وتنازل الشيخ عبد الله بن حميد عن القضاء في القصيم وتعذر الشيخ صالح الخريصي عن دخول المحكمة، فكان خالي عبد الله العبد العزيز المشيقح سياسيًا فأتي إلى الشيخ صالح فقال له: أدخل المحكمة كاسم، ويكون الشيخ علي البراهيم مساعد لك ويتولى عنك أمور المحكمة، فقال: إذا التزم الشيخ علي فلا مانع عندي فعند ذلك لم يسعني إلَّا الموافقة، وقلت للشيخ صالح: نعتبر المحكمة (محل) فإن كان طريقها على ما ذكر في كتاب المغني والشرح الكبير في سلك القضاء من ضبط القضايا والسجلات وأنها لضبط أحوال الناس فلا مانع لدينا، وإذا رأينا شيئًا يخالف ذلك فبالإمكان أن نعتذر عن هذا، فقال: هذا هو الصحيح، ومن ذلك الوقت توليت القضاء.
س ٨: ما رأيك في ظاهرة كثرة الكتب في الساحة؟
ج: رأيي أن كثيرًا مما يطبع من الرسائل ونحوه مشغلة وتصد عن كتب أهل السنة والجماعة.
س ٩: هل يستطيع الإنسان أن يوفق بين طلب العلم والتجارة؟
ج: إن طلب العلم الحقيقي لا يتفق مع التجارة كما قال بعض الأدباء من العلماء الأقدمين: لا يطلب العلم إلَّا من أغلق دكانه وخرب بستانه، لأن طلب العلم الذي هو خشية الله يملأ قلب صاحبه فلا يتسع لغيره، أما الجمع بينهما فقد كثر في عصرنا هذا، وهو في الحقيقة في غالب ما شاهدنا تعلم بدون تطبيق.
س ١٠: ما الفرق بين خطباء الماضي وخطباء الحاضر؟
ج: خطباء الماضي يخطبون على الوجه المقصود الذي عليه النبي ﷺ وأصحابه وسلف هذه الأمة وهو الوعظ والتذكير بالجنة والنار وهذا الواجب، أما خطباء هذا العصر فإنهم يخطبون عن المناسبات وتكاد الخطبة لا تؤثر.
стр. 9709
س ١١: ما الذي يرغب أن يراه الشيخ علي في الأسرة؟
ج: أرغب وجود التألف والتواصل وتفقد بعضنا بعض ويمكنك الرجوع إلى مقدمة رسالة صلة الأرحام.
وفاة الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح:
هذا وقد توفي الشيخ علي بن إبراهيم بن صالح المشيقح في أول رجب عام ١٤٢٨ هـ.
ونشر خبر وفاته ﵀ في جريدة الرياض يوم الجمعة السادس من رجب سنة ١٤٢٨ هـ على الوجه التالي:
الشيخ المشيقح إلى رحمة الله:
انتق إلى رحمة الله تعالى الشيخ علي بن إبراهيم بن صالح المشيقح فجر أمس الخميس عن عمر يناهز الخامسة والتسعين، والفقيد عمل في سلك القضاء كما كان مساعدًا لرئيس محاكم منطقة القصيم سابقًا الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رحمهما الله.
وقد أديت صلاة الجنازة عليه ظهر أمس بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب ببريدة وقد وري جثمانه الثرى في مقبرة الموطأ.
الرياض تتقدم إلى أبناء الشيخ فهد وسليمان وعبد العزيز وإبراهيم وإلى حفيده الداعية المعروف الشيخ عبد الكريم المشيقح وإلى كافة أسرة المشيقح بمنطقة القصيم بخالص العزاء والمواساة وللفقيد بالمغفرة والرحمة والرضوان.
стр. 9710
محمد بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح:
стр. 9711
محمد بن عبد العزيز بن حمود بن مشيقح هو أصغر الأبناء للوجيه الثري عبد العزيز بن حمود المشيقح.
فأبناءه الكبار هم عبد الله وحمود وصالح ثم محمد هذا.
ولد في عام ١٣٢٦ هـ سمعت هذا في مجلس أخيه حمود وهو يسمع بل هو قرر ذلك وقال: أخوي محمد وابن أخي سليمان العبد الله ولدا في عام واحد وهو عام ١٣٢٦ هـ.
وتوفي في عام ١٤٢٨ هـ كما سيأتي ذكره فعلى هذا يكون عمره مائة سنة واثنتين.
ومع هذا سمعت من يقول: إن ولادته كانت في عام ١٤٢٨ هـ وعلى هذا يكون قد عمر مائة سنة إلَّا أن كاتبًا في إحدى الجرائد سيأتي نقل كلامه ذكر أنه عمر ٩٨ سنة.
وعرفته معرفة حقيقية لأنه كان ميالًا إلى طلب العلم وعدم الانغماس في أمور التجارة وتصريف المال، بل كل همه في العبادة وطلب العلم إلى ما يقرب من الدخول في اللحد.
كان طيب القلب، سليم القصد، بعيدًا عن الغيبة والوقوع في أعراض الناس، بل إنه كان معرضًا عن كثير من فضول القول، ومن نوافل الأعمال الدنيوية.
ولذلك أحبه الناس وأثنوا على دينه وورعه وعبادته.
ورغم كونه من الجيل الذي قبلنا فقد ولد قبل ولادتي بتسع عشرة سنة، فإنه كان يطلب العلم مثلنا على الشيخ صالح الخريصي والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، مع العلم بأنه متمكن من العلوم الإسلامية، ولكن كان هذا هو خلق العلماء الأوائل أن يطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.
стр. 9712
وعندما توفي نشرت الجرائد وفاته بمكان بارز ورثاه عدد من الأشخاص بكلمات ومقالات عديدة من ذلك ما نشرته جريدة الرياض في عددها الصادر يوم ١٥/ ٣ / ١٤٢٨ هـ بعنوان:
عميد أسرة المشيقح إلى رحمة الله:
انتقل إلى رحمة الله تعالى عميد أسرة المشيقح الشيخ محمد بن عبد العزيز بن حمود المشيقح عن عمر يناهز (٩٨) عامًا بعد معاناة طويلة مع المرض حيث فارق الحياة على السرير الأبيض بمستشفى الملك فهد التخصصي ببريدة، وسوف تؤدي الصلاة على الميت ظهر اليوم في مسجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحي الخليج ببريدة، تعازينا لابنائه إبراهيم، وعبد العزيز، وعبد المحسن، ولكافة أسرة المشيقح.
الفقيد كان إمامًا لمسجد المشيقح الواقع بسوق خضار بريدة طيلة (٥٠ عامًا) تغمد الله الفقيد بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته (إنا لله وإنا إليه راجعون).
ونشرت جريدة الجزيرة التي تصدر في الرياض مقالًا في صفحة الرأي لصالح الصقعبي المقال التالي بعنوان: (الشيخ المشيقح، نجم أنطفأ من سماء بريدة) وذلك في ٢٧/ ٤ / ٢٠٠٧ م.
الشيخ المشيقح نجم انطفأ من سماء بريدة:
النجوم تسكن السماء ولا يستطيع رؤيتها وتقدير مكامن الجمال فيها ودرجة إشعاع نورها وارتباط هذا النور في إنارة العديد من الأحجام المنظمة المحيطة بها إلَّا من اعتاد على تأمل السماء ورصد حركة كواكبها ومستوى إنارتها.
وفائدة ذلك للمتأمل وللمتعلم وللمراقب في أبسط صورها هي علامة يهتدي بها لتحديد الاتجاه، ومن ثم مواصلة المسير.
стр. 9713
ومثل هذا بلا شك لا يستطيع أن يميز بين نجم وآخر، بل قد يجهل مضمونها قبل مدلولها، إن كان هذا يحصل مع النجوم التي منحها الخالق نورًا ظاهرًا فما بالكم بالبشر الذين وإن حظوا من خالقهم بمكامن مضيئة يتم التعبير عنها بالأقوال والأفعال عبر مسيرة الحياة، إلَّا أن من يتابع مثل ذلك من المحيطين بهم أقل بكثير من الناظرين إلى السماء.
ولعل مشهد الوادع الأخير الذي حظي به هذا النجم الذي انطفأ من سماء بريدة وأعني به الشيخ الزاهد العالم الخطيب محمد بن عبد العزيز بن حمود المشيقح ﵀ وأسكنه فسيح جناته، وقد شيعته بريدة يوم الأحد الموافق ١٣/ ٣ / ١٤٢٨ هـ في مشهد مهيب، كان لي شرف القرب من المرحوم بحكم النسب والجيرة وهذا جعلني أرصد بعض إضاءته الإنسانية والإيمانية، وهنا أقدم الشكر للكاتب عبد الله بن عبد الوهاب البريدي على ما خطه قلمه في الجزيرة الغراء عن هذا العالم العابد من حفظه للقرآن وحرصه على التدريس في مسجد المشيقح وغيره مما ورد في مقال الكاتب البريدي.
وبدوري أقول: كان الشيخ المشيقح ﵀ يقوم بزيارة خاله الشيخ عبد الله المحمد الصقعبي بعد صلاة كل يوم جمعة، وقد تتكرر هذه الزيارة لأكثر من ثلاث مرات مساء في الأسبوع الواحد.
واعتدنا على رؤيته - رحمة الله عليه - ونحن نلهو بالعابنا بالحارة، يحمل العديد من أكياس الفاكهة ويقوم بتوزيعها بعناية، وكانت الفاكهة في أواخر الثمانينيات الهجرية وأوائل التسعينات نادرة الوجود لدى الأسر المتوسطة في بريدة، فما بالك بالأرامل والأسر المحتاجة، وكان يوزع هذه الفاكهة على الأسر الأكثر حاجة في الحارة.
стр. 9714
كنت أرقب تحركاته ﵀ لإعجابي الشديد لسيرته ومسيرته، وكان هو أيضًا من يستقبلني صوته وهو يؤم المصلين في مسجد المشيقح، كما أسميه أنا ومن هم في جيلي أو مسجد (عيسى) كما يسميه جدي، وكان الشيخ محمد إمام المسجد بعد وفاة أخيه الشيخ عبد الله، واستمر إمام وخطيب المسجد طيلة أربعين عامًا.
كان يؤم المصلين الفروض الخمسة بالإضافة لصلاة التراويح والقيام في رمضان، وقد اشتهر بالورع والخشوع حيث كان الكثير من الناس يحرصون على الصلاة خلفه، وحضور ختم القرآن في ليلة خمس وعشرين من رمضان.
حيث ظل يقرأ طيلة هذه السنين في ختم القرآن الدعاء الذي كتبه له خاله الشيخ محمد بن عبد الله الصقعبي، ولكون العم محمد إمامًا للمسجد ومعلمًا ومربيًا فقد كان يتعامل معنا نحن فئة (العيال) باللين والأبوة الصادقة، فقد صادف في مرات عديدة خروجه من المسجد ورؤيته لي ولعدد من أبناء الحارة نلعب كرة الطائرة أو ألعاب أخرى ولم نشهد الصلاة معه.
كان يلاطفنا ويعطينا الحلوى كعادته وقبل أن ينصرف يأخذ وعدًا منا جميعًا بأن نشهد الصلاة في الصف الأول، وكنا نفي بوعدنا أحيانًا.
وحول الاستشراقات الأولى لهذا النجم المليء بالروح الإيمانية الصادقة البعيدة عن حب الدنيا وهواها ذكر الأخ البريدي في مقالته التي نشرت في الجزيرة أن والدة العم محمد رأته في المنام وهي حامل به وهي تلبس عقدا متميزًا وفسَّر في حينه أنها سوف ترزق بمولود ذكر يعمر طويلًا، وفي هذا السياق ذكرت لي جدتي خديجة الصالح الصقعبي وهي ابنة عم والده الشيخ محمد وزوجة خاله عبد الله أنها كانت تذهب بصحبة ابنة عمها وابنها الوحيد محمد، وكان رضيعًا إلى مشارف مدينة بريدة من جهة الخبوب الغربية فوق حارة العجيبة بالقرب من أثل هناك،
стр. 9715
وكانت أم محمد تدعو وتقول (بالله جاك محمد وأمه، وخديجة بنت عمه ... ) وتكمل أهزوجتها بالدعاء له بطول العمر والإمامة والتمكين.
وقد حقق الله دعاءها فعاش ﵀ أكثر من مئة عام حافلة بالبر والخير والعطاء، وكان وفيًا لمن حوله، فقد كان يضحي لخاله عبد الله كل عام منذ وفاته في عام ١٤٠٢ هـ، وحتى العام الماضي، وكان منارة تبعث في جنباتها خيوط النور والإيمان والإخلاص للمحيطين به، ينطلق كل هذا من الزهد في الدنيا والبعد عن سلوكيات المصالح لألوانها وتشابكاتها المريبة والغريبة.
كما نشرت الجزيرة أيضًا مقالًا بعنوان: (الشيخ محمد المشيقح كما عرفته عابدا زاهدا) بقلم مشيقح بن حمود بن عبد العزيز المشيقح المشرف على مكتب مكافحة السحر والشعوذة بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنطقة القصيم، وذلك بتاريخ ٤/ ٢٧ / ٢٠٠٧ م هذا نصه:
الشيخ محمد المشيقح كما عرفته عابدًا زاهدًا:
هو الورع الفقيه الزاهد محمد بن عبد العزيز بن حمود المشيقح كبير أسرة آل مشيقح، ولد في بريدة عام ١٣٢٨ هـ، نشأ بين أحضان والديه وإخوانه الكبار عبد الله وصالح وحمود - رحمة الله عليهم وتربى تربية صالحة، وفي سن التمييز تلقى القرآن الكريم وجوده على يد الشيخ صالح بن محمد الصقعبي والشيخ عبد العزيز بن صالح الفرج - رحمهما الله - وقد منَّ الله عليه بحفظه، ولما شب شرع في طلب العلم، فكان من أبرز مشايخه الشيخ عبد الله بن سليم، والشيخ عمر بن سليم والشيخ عبد العزيز العبادي، ثم الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد - رحمة الله عليهم أجمعين.
أما فيما يتعلق ببرنامج الشيخ اليومي فقد كان ﵀ يبدأ يومه من بعد صلاة الفجر، حيث كان يجلس لتدريس الطلبة إلى ما بعد طلوع الشمس، ثم
стр. 9716
يصلي ما كتب له ويعود لمنزله ويتناول الإفطار، ثم يرقد إلى الساعة الحادية عشرة تقريبًا، ثم ينشغل بالإطلاع بمكتبته إلى صلاة الظهر، وبعد صلاة العصر يحدث الشيخ جماعته في المسجد بما تيسر من أحاديث كتاب رياض الصالحين، ثم يذهب لمجلسه بمنزله لتبدأ القراءة عليه بأمهات الكتب، فقد لازمته بهذا الدرس قرابة الخمسة عشر عامًا حفظت عليه من خلالها القرآن الكريم، وقرأت عليه تفسير ابن كثير ﵀ وكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتابي زاد المعاد والجواب الكافي لابن القيم ﵀ والبداية والنهاية لابن كثير ﵀ وذلك إلى قبيل آذان المغرب.
ثم يذهب الشيخ للصلاة وقبيل صلاة العشاء يحدث الناس كعادته في المسجد إلى أن تقام الصلاة، ثم يذهب لمجلسه ويستقبل زائريه لتبدأ القراءة في السيرة النبوية العطرة من قبل ابن أخيه الشيخ المعروف علي بن عبد الله المشيقح إمام وخطيب جامع السادة، وكان ﵀ يتأثر كثيرًا بسيرة النبي ﷺ وصحابته والسلف الصالح، علما أن هذه القراءة مستمرة ومألوفة بمنزل الأسرة منذ أكثر من خمسين عامًا.
وكان الشيخ ﵀ تهجد في كل ليلة منذ أن بلغ الحلم إلى أن مات ﵀ فقد لازمته بالحضر والسفر ما رأيت مثله، كان مدرسة في الزهد، وكان ﵀ مشتاقًا للقاء ربه عازفا عن الدنيا، مداومًا علي طاعة الله، جل همه العبادة لا يفتر لسانه عن ذكر الله، إمامًا لمسجد المشيقح بعد أخيه عبد الله منذ عام ١٣٩١ هـ - أي قرابة سبع وثلاثين سنة، قلبه معلق بالمساجد، يفكر في أوقات الصلوات الخمس، لا يكاد ينتهي من فرض إلَّا ويستعد للفرض الآخر، يختم القرآن بأكمله كل ثلاثة أيام، مجالسه عامرة بالذكر والقراءة والعلم، يكره الغيبة والنميمة في مجلسه.
стр. 9717
يصوم الاثنين والخميس وأيام البيض، ولم يسافر إلَّا لحج أو عمرة وللرياض فقط لزيارة مشايخ أو أقارب، أو علاج، محبًا لولاة أمره ويدعو لهم كثيرًا ويقول: بصلاحهم تصلح البلاد والعباد.
وكان ﵀ صاحب الكرم المعروف والباب المفتوح، يقدم إليه الزائر من الأسرة وغيرها، يأتي إليه بمجلسه أعيان ومشايخ المنطقة كما يستضيف الفقراء والمساكين وذوي الحاجة، قال عنه الأمير ممدوح بن عبد العزيز أثناء زيارة سموه له بمنزله: (لا أصدق أنه يوجد في هذا العصر مثل هؤلاء) - يقصد الشيخ محمد المشيقح والشيخ عبد الله الحسين.
وكان سماحة الوالد عبد العزيز بن باز ﵀ أثناء زيارته لمدينة بريدة يصلي خلفه ويسمع لحديثه ويثني عليه كثيرًا، وقد أحبه فضيلة الشيخ صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى كثيرًا وزاره في منزله، وكان من المتابعين لصحته أثناء مرضه، وأنس بزيارته الشيخ عائض القرني وأهدى له كتبه.
وقد أثنى الشيخ سلمان العودة على زهده وورعه، وزاره الشيخ سعود الشريم إمام الحرم ودعا له، وتوفي ﵀ بعد صراع مع المرض دام قرابة العام، وتوفي مساء يوم الأحد الساعة السادسة والنصف، وصلي عليه ظهر يوم الاثنين ربيع الأول بجامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليدفن بمقبرة الموطأ ببريدة، وحضر جنازته جمع غفير من أهل الخير ومحبيه، فرحم الله الجميع.
وقد رثاه الشيخ محمد بن حمد بن إبراهيم العويد بمرثية مطولة، قال:
فهذه مرثية في الشيخ: محمد بن عبد العزيز بن حمود المشيقح، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، أنشأها الفقير إلى الله تعالى، محمد بن حمد بن إبراهيم بن محمد العويد، غفر الله له ولوالديه ولمشائخه ولجميع المسلمين .. آمين.
стр. 9718
وفقت في طلل جنب الأثيلات ... أكفكف الدمع من وجد ولوعات
عهدت في الحي آراما لعبن به ... والخود تسحب ذيلا في مسرات
واليوم أضحت يبابًا في مساكنها ... يصوت البوم في تلك البنايات
دع ذكر دعد وميّ والتي ذكروا ... خود برهومة تلك النسيبات
واذكر فراق أولي التحقيق من فقدوا ... فينا تباعًا فيا عظيم المصيبات
واذكر مصاب أولي التحقيق في ... رجل نال المكانة فينا والمودات
أذري الدموع على الخدين من لهف ... لحادث هالني وقت العشيَّات
فالدمع يجري على خدي من وله ... والقلب مضطرم يُكوى بجمرات
أبيت في الليل في هم وفي حزن ... على فقيد كريم في المهمات
سهرت في سهد وقمت في فزع ... مسترجعًا قائلًا نص الدلالات
إنا إلى الله إنا راجعون له ... في كل أمر وذا نص السنيات
يا رب فاجبر مصابًا في محبته ... قال الرثاء بمأمون السريرات
محمد مات نرجو الله يرحمه ... يا رب بوئه في الجنات غرفات
شيخ مضى طاهر الأخلاق متبهلًا ... يدعو إله الوري دوم الضراعات
لا تعذلن محبًا في مودته ... بكى عويلًا على أهل الكرامات
فالخطب جل ورب الناس يجبرنا ... على فراق الذي حاز الدرايات
رزءٌ عظيم هوت كل القلوب له ... يا رب فالطف بنا في جمع أشتات
قلبي يذوب ونفس الصبّ يا أسفي ... على رحيل الذي يروي الروايات
فاسمع قراءته إن كنت جاهلة ... فالقلب يخشع في تلك التلاوات
وطاهر الثوب فيه عفة وتقي ... لم ينتظر مدحة من ذي الخليقات
يا رب أنزله في الفردوس منزلة ... أكرمه أسكنه في أعلى المقامات
قد كان صابر للرحمن محتسبًا ... يردد الحمد في كل المجالات
يبشّ عند اللقا تلقاه متبهجًا ... أصفى لأهل الهدى من دون إعنات
وهيّن لين لا الغش يعزفه ... والمكر يبغضه حسن السجيات
ومن قروم لهم في الخير منزلة ... بالأصل قد عرفوا أهل الديانات
فيا سليل العُلا نسل الهمام فما ... يخفى على الكل وقاب الجزيلات
стр. 9719
عبد العزيز الذي فاقت خلائقه ... نسل المشيقح معروفًا بهمّات
فكان للعلما ردءًا وللأمرا ... نصحا ويدعو لأرباب الولايات
وكان للفقراء عونًا وللغربا ... أنسًا وكان وصولًا للقرابات
بمجلس الشيخ تلقاه يؤنسهم ... فمن حديث وأوصاف حميدات
مواليا لأهيل الحق قاطبة ... يا رب أعقبه دومًا بالمسرَّات
بني لكم طود مجد شاده سلفًا ... تعاهدوه بأعمال جليلات
آل المشيقح قد كانت أوائلكم ... يولون أهل التقى من كل خيرات
سيروا على نهجهم أحيوا لدرسهم ... توجهوا نحو علم الشرع نجدات
لا ترغبوا عنه إن العلم أشرف ما ... سعى له المرء في كل المجالات
فيه النجاة وفيه العز مرتهنّ ... فاطلبه مجتهدًا دع البطالات
آل المشيقح إن الله خصكموا ... بالفضل دوموا على خير وطاعات
الدين قدمكم والله سائلكم ... عن كل أمر فقوموا بالمشورات
بالله فاعتصموا لله فاجتمعوا عليه ... فاتكلوا أهل الإرادات
أما الفقيد فإن الله سلمّه ... من كل سوء نراه رهن أوقات
قد كان بدرًا منيرًا في مساجدنا ... فالله يسكنه في وسط جنَّات
إن شئت أن تلقه في وسط مسجده ... عمارة الوقت في ذكر وطاعات
ابكي على الذاكر القوام في سحر ... أبكي على القارئ التالي لآيات
أبكي على القانت الصوام مجتهدًا ... يبادر الوقت من قبل المنيّات
ومن تلاميذ أعلام النا سلفوا ... آل سليم لهم أعلى المقامات
فشيخه الشيخ عبد الله من شهدت ... له الخليقة في علم وإخبات
وشيخه عمرٌ من كسان ذا ورع ... وفي فصاحته علم بإثبات
ملازمًا لدروس العلم يعمرها ... لم تلهة الدار عن ذكر المنيَّات
قد كان بالعلم موصوفًا ومتصفًا ... دون ادعاء ودعوى للجهالات
العلم مع عمل والزهد مع ورع ... والحلم مع فطن في كل ساعات
كذا العبادي من كانت بصيرته ... أربى على كل أرباب الفصاحات
شهم سُميدع لم يحفل بطائلها ... وهمه العلم تحصيل الإفادات
стр. 9720
يا شيخ أثكلتنا من ذا يؤنسنا ... ومن يسائل عنا في المغيبات
تلقى التواضع مع لين لجانبه ... لا الكبر يعرفه ولا الممارات
يا شيخ إني لأبكي حين أفقدكم ... وأنت في رحلة تبقى سويعات
فكيف لما رحلتم مثل سابقكم ... أبقيتموني رهينًا وسط حسراتي
أبكي عليك ودمع العين يغلبني ... والهم يحرق قلبي مع حشاشاتي
أبكي عليك وكل الصحب قد نشجوا ... دمع المحاجر مشفوعًا بآهاتي
كانت مجالسنا بالأنس عامرة ... واليوم أضحت خلاءً من قراءات
هذا وحدثني شيخ له قدم ... عنه باول عمر في الهدايات
أيضًا وأثنى عليه الشيخ عالمنا ... فهد العبيد بأخلاق مضيئات
شيخي وحبي الذي لازمت حضرته ... عقدين زادت بخير في الزيادات
يحب أهل التقى يبغض لضدّهم ... فمن ظلوم جهول مجرم عاتي
سليم قلب من الأضغان أو حَقد ... يدعو لمن ندّ دومًا بابتهالات
إني لأذكره دومًا فاشكره ... أفادني عن شيوخ العلم مرَّات
معمر في التقى لا الهزل يملكه ... بالجد عاش ولا يرضى الإهانات
وخاشعًا ضارعًا تجري مدامعه ... من خشية الله في وقت المناجاة
وطاهر القلب من غش ومن دغل ... سلامة عرفت منذ البدايات
إذا ذكرت له في العلم فائدة ... تلقي حريصًا على كل الإفادات
سبحان من خصَّه بالفضل في زمن ... تكالبت فيه أرواح المجارات
شيخ بهيّ وقور في تقشفه ... تري به القوم من أهل الحكايات
زهد وعلم وتوحيد ومعرفة ... ودعوة وهدى تلقى البصيرات
فيه التقى والصفا مع حسن معتقد ... مع الوفاء وأخلاق بهيّات
لهفي على الشيخ من وجد ومن كمد ... لهف المحب على أهل الكمالات
فشيخنا الشيخ من كانت مودته ... لله أعني به بدر الدجنَّات
فهد العبيد الذي ما كنت أذكره ... حتى تسيل دموعي من صباباتي
فشيخنا عجب في كل سيرته ... في الصبر يحنو على كل القرابات
يملي المواعظ عن علم ومعرفة ... يمضي بحدث عن أهل المصافات
стр. 9721
أما إذا ذكر الأشياخ من سلفوا ... تراه ينشج شوقًا للمنيرات
يا لوعتي من فراق الصحب كلهم ... أبكي على طلل دون الثنيات
أبكي على زمن كنا نسامرهم ... في العلم والذكر تارات وتارات
إني لأذكرهم جمعا فأندبهم ... لما رأيت سواهم في البطالات
فليلهم مشرق في حسن بهجتهم ... لما خلوا فيه حقًّا بالمناجاة
أما النهار تراهم في تعاملهم ... في الصوم والوعظ حقًّا والزيارات
فكلهم قد مضى والعلم ديدنه ... ما كان يشغل إلَّا بالعبادات
يا لهف نفسي عليهم قمت أندبهم ... أمسي وحيدًا أنادي باستغاثاتي
يا رب ألحق محبًا في محبتهم ... يرجوك ترحمه عند الموافاة
وأن تمتعه دهرًا تثبَّته ... على الصراط إلهي بالمعافاة
يا رب أسكنهم الفردوس عاليهُ ... وارفع منازلهم في وسط روضات
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... محمد المصطفى من ذي البرايات
والآل الصحب ما ناحت مطوقة ... تبكي على الإلف في أفنان إيكات
ومنهم الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح، إمام مسجد السليم في بريدة.
ولد في عام ١٣٢٦ هـ.
وطلب العلم في أول عهده كما هي حال أكثر أبناء المشيقح، ثم سافر إلى البحرين وعاد إلى المملكة فصار من كبار رجال المال والأعمال الذين يتلقون البضائع من خارج بريدة فيبيعونها، وبالعكس فصار عنده عمل تجاري كبير، وصاهر أسرة القصيبي.
وكان مترفًا متمتعًا بالحياة.
стр. 9722
حدثني أحمد بن محمد العبدان، قال: كنت كاتبا في أول أمري وأنا صغير عند سليمان بن عبد الله المشيقح فكنت أكل معه من أجل كتابة ما يحتاج إلى كتابة في تعامله وتجارته، ومراسلاته التجارية في مدن المملكة الأخرى.
ولم يكن بيني وبينه عقد أو ما يشبه العقد كالمعتاد، وإنما كان عيشه عيشًا رخيًا فكان غداؤه الذي أتناوله معه رزًا وسمكًا وعشاؤه مطازيز علي لحم غنم، وفقع.
ولكن الذي أقلقني أنني ليس لي راتب معروف، وقد فاتحته بالأمر، فقال لي: هذا الذي عندي، إذا لم يعجبك هذا تقدر تترك العمل عندي.
قال: فلم أستطع أن أترك هذا العيش الرغيد عنده، حتى سافرت إلى الرياض.
قال: كان ذلك في حدود عام ١٣٥٧ هـ.
وكان سليمان بن عبد الله المشيقح كريمًا لا يستطيع أن يمسك النقود، لذلك تفرقت تجارته، فالتحق موظفًا بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برئاسة الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ في الرياض وقد توفي في ٢٩ من شعبان عام ١٤١٩ هـ.
قال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه:
وممن توفي فيها الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد العزيز المشيقح وعمره حين وفاته ٨٧ عامًا في مدينة بريدة، أخذ عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وكان تأليا لكتاب الله، جهوري الصوت، ونال وظائف في خدمة الدولة آخرها إمامة مسجد ابن سليم في جنوبي بريدة، وكان شجاعا كريمًا، غفر الله له وعفا عنه.
стр. 9723
ومن الظاهر الواضح في تضامن المشيقح وتعاونهم فيما بينهم أنهم أنشأوا مجلة فصلية عنوانها (الصلة) ومهمتها الحديث عن الأسرة وبيان أحوالها والتعريف برجالها البارزين.
وقد اطلعت عليها مطبوعة طباعة ملونة مكلفة على أغلى ما تكون عليه طباعة المجلات المحلية وبنوع غال سميك من الورق الصقيل.
والمشيقح من الأسر المتميزة بالزيادة في أفرادها زيادة مطردة، بمعنى أنهم لم يأت عليهم زمن يقلون فيه ثم يكثرون بعد ذلك كما هي عادة بعض الأسر.
وكثير منهم لهم رغبة في الزواج بأكثر من واحدة.
ففي عام ١٤٢١ هـ حسبوا الزوجات السوريات اللاتي مع المشيقح فبلغن واحدة وخمسين زوجة سورية ولا يشمل هذا أبناء عمهم من المبيريك.
وهذا غير الزوجات السعوديات الكثيرات ومن الأمثلة على محبة آل مشيقح للنسل وعلى كثرة زوجاتهم حال الشيخ علي بن عبد الله بن عبد العزيز المشيقح، وهو مولود في عام ١٣٤٣ هـ.
كان طالبًا عندنا في المعهد العلمي ولم يكمل دراسته الجامعية رغم كونه طالب علم لا تصعب عليه الدراسة في كلية الشريعة أو كلية أصول الدين.
وقد تزوج بزوجات كثيرة وبلغ عدد أولاده من بنين وبنات هذا العام ١٤٢٤ هـ ٢٨، ولا يزال حيًّا يرزق.
تأثير المال والجاه:
والمشيقح أصحاب أموال طائلة، وجاه عريض وكبارهم من طلبة العلم وحفظة القرآن الكريم، ولذلك لم يتأثروا من ذلك غير أن بعض أولادهم الذين نشأوا في النعمة والتقدير من الناس، كانوا على غير ذلك ففي عهد تولي شيخنا
стр. 9724
الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد القضاء في بريدة كان قد عين عبد الله بن صالح الضبيعي نائبًا وهو المحتسب الذي من عمله أن يلاحظ الذين لا يصلون في المسجد فيأمرهم بالصلاة فيه.
ومرة رأى عددًا من أبناء المشيقح في الموطأ غرب بريدة، وكانت آنذاك فضاء خاليًا من الينبان، ليس فيه إلَّا بعض أشجار الأثل في حواشيه، فأمرهم بالصلاة، فلم يبالوا به فأراد أن يضربهم بعصاه فأخذوا عصاه منه وضربوه فيما يقال، وقيل: إنهم لم يضربوه وإنما كسروا العصا فقط.
فذهب يشكوهم إلى الشيخ عبد الله بن حميد الذي طلب من أمير بريدة آنذاك عبد الله الفيصل أن يسجنهم وهذا أمر لا يستطيع الإقدام عليه أحد غير الشيخ ابن حميد لما للمشيقح من مكانة ومنزلة عند الحكومة وعند أكثر الناس.
فحبسهم الأمير ويقال: إنه ضرب كل واحد منهم بعصا أو أكثر ثم أطلقهم.
وقد أثلج هذا قلوب بعض الناس الذين لم يكونوا يعجبهم مظهر الاستعلاء من بعض أبناء المشيقح الأغرار.
ومن الطرائف التي يعتقد بها العوام من أهل بريدة أن المشيقح ما (تنحت) بقرهم.
ومعنى - تنحت بالبناء للمجهول - لا تصاب بالعين ويعتقد العوام أن البقرة الحلوب تصاب بالعين أكثر من غيرها، وذلك لمحبة الناس للبن وحرمان أكثرهم منه لكونهم لا يستطيعون أن يشتروا البقرة التي على وشك الولادة، أو اللبون بمعنى ذات اللبن الكثير لذلك تجدهم - كما يقول العوام - يشتاقون كثيرًا للبن، ولذلك يصيبونها بأعينهم.
стр. 9725
أما المشيقح فإنه رغم كون بقرهم حافل الأثداء باللبن وبعضهم يفاحج - كما قالوا - من كبر ثديها فإن بقرهم لا تصاب بالعين والسبب في ذلك - حسب تعليل العامة - أن حظ المشيقح يغلب حظوظ الآخرين.
جوار المشيقح:
حدثني عدد من جيران المشيقح عن جوارهم بأنه أحسن جوار فمسجدهم عامر بالقراء وطلبة العلم وبالدروس العلمية التي يستفيد منها المستمع إليها.
وهم أهل علاقات قوية كثيرة بالشخصيات الكبيرة من داخل بريدة وخارجها، لذلك كثيرًا ما يقيمون المآدب الكبيرة فيدعون إليها جيرانهم وفي تلك العصور كانت للوجبة أي الأكلة من مثل هذه مقام كبير في نفوس الناس.
وهم أهل مال كثير تجب فيه الزكاة ومعروف عنهم أنهم يخرجون زكاة مالهم بشكل واسع، ويبدعون بجيرانهم من الفقراء الذين تصرف إليهم الزكاة فينال جارهم الفقير شيئًا من الزكاة لا ينال فقير مثله إذا لم يكن جارا للمشيقح.
أما الغني من الجيران عن الزكاة فإنه لا يعدم أن يبضعه المشيقح بأن يعطوه مالا يستثمره وبتقاسم معهم ما قد يحصل منه من ربح.
ولا يعدم جارهم هدايا منهم على الجيران وقد عرفت من أغربها أنهم في الخريف بعد جداد النخل يوزعون عسبانا يابسة أو فيها خضرة يقطعونها من نخيلهم الكثيرة ويستعملها الناس للوقود أو المقياس للوقود في الشتاء.
شعراء من المشيقح:
الشعر العامي الذي يسمى بالشعبي أو النبطي قليل في أسرة المشيقح، بل هو نادر وإن كان يوجد شاعر مغلق مكثر من شعراء العامية في أبناء عمهم الهاشل وهو عبد العزيز بن محمد الهاشل سيأتي شعره عند ذكر أسرته في حرف الهاء بإذن الله.
стр. 9726
أما الشعر الفصيح فإن في الأسرة شعراء.
منهم إبراهيم بن فهد المشيقح من شعره قصيدة بعنوان (أيا وطني) (١):
مهد لها بقوله: إن الكتابة عن الوطن تمثل الكتابة عن الذات وعن الروح وعندما يسمو الوطن تسمو روح المواطن فتسمو المشاعر:
أبادلك الغرام أيا بلادي ... فأنت لشعبنا جسد وروحُ
أيا وطني!
على كثبان رملك أستريحُ ... وتحت سمائنا فلٌّ وشيحُ
وفوق جبالك السمر التقينا ... وفي وطنيتي هاج القريحُ
أيا وطني .. وفي وطني امتزجنا ... وفوق جباهنا وشمٌ صريحُ
إذا انطلقت خيول المجد يومًا ... فإن خيولنا شهبٌ وريحٌ
يغالبني شعوري بانتمائي ... فيأخذني التملق والمديحُ
على وطني أرى الأمجاد تنمو ... وفي وطني لها عطرٌ وريحُ
وفي وطني يجول العزّ طولًا ... وعرضًا، رافعًا علمًا يلوحُ
وفي وطني ذراع الخوف غُلتْ ... ورجل الخوف شلَّت، لا تروحُ
وفي وطني لمعوزنا عطاءٌ ... فلا يبكي الفطيم ولا ينوحُ
وفي وطني أسود الغاب ثارت ... فولّى الذئبُ والتامتْ جروحُ
إذا زارت تداعي كل ظلم ... وإن سكنت تغشاها الوضوحُ
أهنيء شعبنا بولاة أمر ... يُشاور في أمورهمو النصوحُ
أبادلك الغرام أيا بلادي ... فأنت لشعبنا جسد وروحُ
أيا وطني .. وفي وطني قلوبٌ ... يجمعهابه الدين الصحيحُ
أيا وطني - وفي وطني عقولٌ ... يصالحها على المجد الطموحُ
ففي وطني لأهل الفكر حرثٌ ... ومضمارٌ لعالمنا فسيحُ
لأهل الزيف في وطني لجامٌ ... ويخطب فوق منبره الفصيحُ
стр. 9727
يصبحنا نداء الحق دومًا ... فيهرب نحو مخبئه القبيحُ
وتسمع في ظلام الليل همسًا ... فيعجبك التهجد والفحيحُ
ففي وطني رجالٌ أتقياءٌ ... وفي الهيجاء تعجبك الصفيحُ
أيا وطني إليك ربيع عمري ... فداء، ليس يعرفه الشحيحُ
ومن شعره قصيدة بعنوان:
يا سيد الشعر:
رسالة من شاعر ضاقت عليه الأرض بما رحبت:
كيف استعدت لهذا السهد عيناهُ ... طفل على وجهه تمتد بلواه
طفل أتي للأسى حبوًا وفي يده ... جرح الفطام .. وفي عينيه شكواه
نغاؤه آهة بالدمع قد مزجتْ ... أواه من دمعة المحروم أواه
يا أمهُ .. كفه كانت تداعبها ... وكفها خلف سور الموت ترعاه
ترعرع الطفل في أحضان محنته ... هم، وحزن وكيد الليل أعياه
* * * *
يا سيد الشعر لولا الله ما وقفتْ ... دموعنا، فالأسى جمرًا جرعناه
أما رأيت جراح الطفل نازفة ... حتى غدا الحزن من إحدى سجاياه
يا سيد الشعر لو شاهدت دمعته ... وقد تغشاه ما قد كان يخشاه
وقد تغشاه خوف لو ألم بنا ... الفارق النوم عينًا جد تهواه
يا سيد الشعر هذا الطفل يشبهني ... ما كان لي أن أقول الشعر لولاه
سقاني الحزن كأسًا من منابعه ... جفت ينابيع أحلامي لسقياه
مضى بي الزورق المخروق يلطمه ... موج الأسى وحمام الحزن يلقاه
حملت أحلامي الصغرى على كتفي ... بين الذئاب، وكل فاغرٍ فاه
ودعت أهلي وصحبي حين صافحني ... ليل الفطام، وكل الأهل أشباه
* * * *
стр. 9728
يا سيد الشعر شمسي عينها فقئت ... والبدر من حزنه غطى محياه
تبكي الثريا على طفل ملامحه ... منقوشة بالأسى، والليل مسراه
حرمانه اغتاله في مهده سلفًا ... والحزن في قادم الأيام حياه
مشيت والأرض لا تدري بما حملت ... فأثقل (الهم) طفلا خف ممشاه
* * * *
يا سيد الشعر حزني حين يعطف بي ... أصيح في هجعة الغافين: رباه
رباه .. والنجم يدري أنني رجل ... لولا اليقين لما جاءتك نجواه
عيني إليك بحر الليل سابحة ... والقلب والنور قد شَدَّت زواياه
إليك أرفع قلبا قد من ألم ... وأنت تعلم يا ربي خفاياه
رباه .. غيض دمي من هول ما عصفت ... بي الهموم، وقلبي فيك رجواه
إذا ذكرت إلهي هزني أمل ... فينتشي القلب إيمانا بمولاه
يا سيد الشعر إن تاهت مراكبنا ... فمركبي، شاطئ الرحمن مرساه
وقال إبراهيم بن فهد المشيقح أيضًا:
ما عاد ينفعني:
مضت .. وكم راحل تشقى به أمم ... وكم غريق بلا بحر ولا زبَد
تلك الليالي لأني أعشقها ... أسكنتها خاطري من خشية الحسد
وبعدما انفلتت مني ضفائرها ... تضافرت وطوت قيدًا على جسدي
وبعدما غيّبت وجهي بأمنية ... بيضاء سوداء حظت خنجرًا بيدي
الآن .. أقدر أن ألقى ضفائرها ... على التراب وأنساها إلى الأبدِ
كفي تماطلني .. نفسي توبخني ... هذا جنون ففي أحشائها كبدي
стр. 9729
- ٢ -
لأنني لم أجد في جعبتي قلمًا ... جرحتُ وجهي فسال الحرف منه دمًا
على لساني دم .. فوق التراب دم ... وكلما اقتربت منه الدموع نما
وأورقت منه أعشاب وجارية ... حسناء صورتها تستعبد الأمما
وهبتها صوت أيامي التي هربت ... مني .. وألبستها من ليلتي حلمًا
لكن عاصفة هبت لتسلبني ... عشقي القديم وتنسيني به الألما
هيهات .. معشوقة بيضاء ما رحلت ... عنا فقد تركت من نفسها صنمًا
- ٣ -
مسافر أينما يُلقى بي السفر ... وحيث يعرفني في رحلتي قمر
مسافر والهوى المغمور في جسدي ... ما عاد ينفع إذ لا تنفع الصور
ما عداد ينفعني وسوف يتبعني ... يا ليته تحت ضوء الشمس ينصهر
ليت المرايا إذا ما شاهدت قمرًا ... تنتابها غيرة أخرى .. فتنكسر
ظننتها درة ملساء فانطلقت ... مني يداي فادمي راحتي الحجر
مسافرون .. معًا .. ليلًا وصورتها ... وأمنيات وهذا العشق والحذر
ومن شعره في الرثاء قوله في رثاء الشيخ عبد العزيز بن باز:
يا شيخ ... عزِّ بنا أهل القبور؟ !
لا الشعر يجدي .. ولن تجديك أوزان ... مات الفقيه فللأحزان ميدانُ
من أين لي أن أصوغ الشعر يا أبتي ... وفي فؤادي من الأحزان نيرانُ
مات الذي كان يمشي في بصيرته ... بين الجموع .. وجلُّ الناس عميان
стр. 9730
مات الذي كان التقوى بضاعتهُ ... مات الفريد الذي في الناس إنسانُ
مات الفقيه أبو الفتوى وحارسها ... يا بؤسها بعده .. يتمٌ وحرمانُ
يا شيخ بعدك أحلامي مفزّعة ... أخاف أن يغرق الباقين طوفانُ
قد كنت يا شيخ سدّا في عقيدتنا ... وأنت في لجة الأحداث ربانُ
شيّدت بالسنة الغراء منهجها ... وكم تهدَّم بالتزييف بنيانُ
رحلت كالطير في الآفاق مبتغيًا ... وصلاح أمتنا .. والزاد قرآنُ
تهفو إليك قلوب المسلمين كما ... يهفو إلى الكعبة الغراء وجدانُ
أبا اليتامى أرى الأطفال قد فُطموا ... أما الأرامل فالأحزان ألوانُ
أنت الرغيف الطفل هدَّه سغبٌ ... وفي بحار الأسى للكهل شطآنُ
من للدعاة وقد شدت رحالهمُ ... من بعد شيخ له في العزم عنوانُ
من بعد شيخ لأهل الدين طيبته ... ودون أهل الهوى سجنٌ وسجَّانُ
стр. 9731
يبكون من ألم .. والخوف يملاني ... يبكون من جزع والقلب حيرانُ
تثلَّم الدين والأحداث محدقة ... تكور النور والتاريخ سهرانُ
صهيلث محنتنا دوًى فأفزعنا ... وللأسى في عيون الناس أغصانُ
يا بحّة الشيخ فينا بلسم عطرٌ ... وقلبه لاتحاد الصف برهانُ
أنا الذي جئت أنعاكم لروضته ... فكلكم لرياض العلم ظمآنُ
يا من حملتم على الأعناق مهجتنا ... بالله لا تبطؤوا فالشيخ ولهانُ
هناك في القبر آمالٌ يؤملها ... من النعيم .. قرب الشيخ رحمانُ
النور .. والحور .. والتقوى تؤانسهُ ... واللحد في الغيب جنات وبستان
يا شيخ .. عزِّ بنا أهل القبور فكم ... يميل بالحي بعد الميت ميزانُ
وله قصيدة موجهة إلى صقر الجزيرة الملك عبد العزيز آل سعود ﵀:
سأل الزناد فجاوبته النارُ ... إن الكرامة .. مصلتٌ وقرارُ
سأل الزناد فحدثته نفوسنا ... إن الرجال .. سحائبٌ وشرارُ
سأل الزناد فجاوبته سيوفنا ... إن الحقيقة في (الرياض) تدارُ
стр. 9732
سأل الكبير فجاوبته صغارنا ... إن الجسام أمامنا لصغارُ
إن الأسود إذا أبيح عرينها ... فاعلم بأن زئيرها إنذارُ
زارت فما صمدت أما زئيرها ... إلَّا ذئابٌ غرَّها مكارٌ
فتدافعت نحو المنية .. إنها ... قد أنذرتُ ولأسدنا الإعذارُ
أسد يقود جموعها صقر إذا ... أهوى .. فكل عزيمة تنهارُ
ردَّ الكرامة للكرامة إنه ... حرٌّ ويأبى أن يباح وقارُ
حمل السلاح بكفه .. وبصدره ... حمل الكتاب وزاده الأذكارُ
قصد (الرياض) وقد أتاه عبيرها ... إن المحب يقوده التذكارُ
حمل السلاح وروحه في كفه ... إن الكريم يثور حين يثارُ
دخل (الرياض) فبادلته حنانها ... وتعانقت بلقائه الأسوارُ
فكَّ القيود عن الحبيبة شامخًا ... وبمعصم الغيداء شعَ سوارُ
يا أيها الصقر الذي في أرضنا - ... أحيا الشريعة فانثنى الأشرارُ
أشعلت نهجا للنبوة قد خبا ... وهدمت قبرًا يرتجي ويزارُ
ووضعت كفك في أكف دعاتنا ... صدقًا وحفّ مكانك الأخيارُ
طهَّرت أرضًا كان يشرب أهلها ... كدرًا وينهش عرضها غدَّارُ
وجمعت شمل بناتها من حولها ... وتباشرت بقدومك الأخبارُ
يا أيها الصقر المحلق في العلا ... أتراك تبصر كيف تبدو الدارُ
في كل شبر بصمة من كفكم ... هب النسيمُ توقف الإعصارُ
نبت الكلا .. وتسامقت أحلامنا ... شب الصغيرُ وأشعلت أنوارُ
يا أيها الصقر المحلق في العلا ... عجز الكلام وأخرس الشعَّارُ
* * * *
مائة من الأعوام ترفل عندنا ... جعلت عقول الحاسدين تحارُ
سمراؤكم لبست جميع حليها ... وتزينت وتجمع السمارُ
تاج الرخاء، وحمرة الدين اعتلت ... خد المليحة، والأمان خمارُ
стр. 9733
والله لولا حشمتي وحياؤها ... قد قلت شيئًا لم يقله (نزارُ)
وطنيتي جعلت فؤادي خافقًا ... فإلى متى تتجهم الأبصارُ
* * * *
مائة من الأعوام صاغ جمالها ... صقر الجزيرة إنه المغوارُ
وطنيتي إني رأيت جدارنا ... لبناته شرف سما وفخارُ
وطنيتي إني رأيت سماءنا ... كنفوسنا تصفو فلا اكدارُ
وطنيتي هي مصحفي وعقيدتي ... هي قبلتي يهفو لها المحتارُ
وطنيتي هذا مدار قصيدتي ... تزهو بها الخطرات والأفكارُ
وطني أحب سماءه وترابه ... فلكم أقيلت في ذراه عثارُ
وأحب فيه الشمس تلهب مهجتي ... وتَشُّدنَا نحو العلا الأقمارُ
* * * *
يا بقعة الأرض الشريفة غرِّدي ... فبمكة اشتاقت لنا الآثارُ
من نخل يثرب قررت وطنيتي ... فشربتها ودعاني الأبرارُ
عيناك يا صقر الجزيرة فيهما ... تاريخ أجيال لها أسرارُ
يوم التئام الشمل صار حكاية ... شهدت على تأليفها الأقدارُ
سبكت مداك قلوبنا فتألفت ... لولا الهدي ما زالت الأخطارُ
إني أقول على مشارف قرننا ... من يتق الرحمن سوف يجارُ
غنت لكم فوق الغصون بلابلٌ ... وتراقصت لغنائها الأشجارُ
أبناؤكم حملوا على أعناقهم ... مجدًا له في العالمين شعارُ
حملوا السلام إلى الوري بخصالكم ... ولهم من الدين القويم ستارُ
(صقر الجزيرة) تلك بعضَ مشاعري ... فبقيتي أزرى بها استعبارُ
وطني له من كل عرق نابض ... ديوان شعر ما نَمَتْ أزهارُ
وطني أحبك من صميم عقيدتي ... فبها يزول عن الوجوه غبارُ
стр. 9734
من شعراء المشيقح أيضًا عبد الله بن حمد بن عبد الله المشيقح.
من شعره قصيدة بعنوان:
ألحان المحبة:
سِرُّ الجَمال بصبُح العيدِ ينكَشِفُ ... والشاعرُ الحَقُّ مَنْ بالحُسن يَعترفُ
تنسابُ من خلجَاتِ القلبِ قافيَتي ... ففي اللقاء جَمالٌ عَندهُ أقفُ
فها هيَّ الآن أبياتي مُرتلةٌ ... تزفُها الروح والأسماعُ ترتشفُ
أمدَّ من وقفات النخل أغنيتي ... فأنفث اللحن حتى يطرب السعفُ
يَسَّاقطُ الرُطبُ المجنيُ من عَذقي ... فتضحك الأرضُ جَذلي حينَ تلتقفُ
عيدان في اليوم يشدو فيهما خلدي ... تورَّدت بهما الأقلامُ والصُحفُ
أرى الوجوه كأن البدر ساكنُها ... على بساط سَلامٍ ماله طرفُ
من الشفاه تراءى الدُرُّ مبتسمًا ... كما تَبسَّمَ عن مكنونِهِ الصَدفُ
أهلي وإن تقفِ الأميالُ دونَهُمُ ... مِنْ أجلِ عَين صِلاتِ الرَّحْمِ يأتلفوا
مَنازلُ برحابِ القلب قد سُكنت ... فالقارعُون على باب الهوى دلفوا
دم اليراع غدا كالمسك إذ نفحت ... وشائجُ الأهل بالأفراح تلتحفُ
للرِّيح وقفةُ إجلالٍ إذا لمحَتْ ... بين الأكفِ رسيسَ الودِ يعتكفُ
يا حُسنَ ما نسجَ الأسلافُ من سُننٍ ... تُحيي بنبض وفاء الوصل مَنْ خلفوا
آل المُشيقح يزدان الوجود بهم ... أكرم بهم شرَفًا ما بعده شَرفُ
عزمٌ إذا عَقدوا بحرٌ إذا وهبوا ... شمسٌ إذا بزغوا طودٌ إذا وقفوا
تغفو على سُررِ الأمجاد أعينهم ... فليصمت الزمن المُمتدُ إن هَتفوا
تبارك الله ربِّي في شمائِلهمْ ... مَهما وصفت أراهم فوق ما أصِفُ
ومن أعيان المشيقح أيضًا عبد العزيز بن حمود المشيقح، وهو عبد العزيز بن حمود بن عبد العزيز المشيقح مدير إدارة المعلومات والمتابعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (فرع القصيم).
стр. 9735
ورأيت للدكتور عبد العزيز بن حمود بن عبد العزيز بن حمود المشيقح رسالة لنيل الماجستير فيها تجديد في البحث، بل ربما قيل أن فيها ناحية من البحث لم تطرق من قبل، عنوانها: (تأثير التغير الأيكولوجي على الخصائص الاجتماعية والثقافية بمدينة بريدة: دراسة تطبيقية) إشراف الدكتور خالد بن عبد العزيز الشريدة.
ومنهم عبد العزيز بن عبد الله المشيقح المدير العام لشركة الوسائل الزراعية.
ومنهم نبيل بن محمد المشيقح الكتاب العدل في كتابة العدل الأولى في مدينة جدة.
ومنهم الأستاذ أحمد بن عبد الله المشيقح مدير شئون الموظفين بإدارة تعليم القصيم سابقًا.
ومنهم الأستاذ ناصر بن عبد الله المشيقح مدير مصنع خيبر للتجهيزات الطبية وعضو مجلس إدارة شركة الوسائل الزراعية.
ومنهم الأستاذ عبد القادر بن عبد الله المشيقح مدير مصنع الوسائل الأنظمة الري وعضو مجلس إدارة شركة الوسائل الزراعية، وعضو مجلس المدينة الصناعية بالقصيم، وعضو صندوق المدينة الصناعية بالقصيم والشيخ رضوان بن عبد الكريم بن عبد الله المشيقح رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بريدة.
والشيخ محمد بن علي بن عبد الله المشيقح، إمام وخطيب جامع الصفراء في بريدة.
ومنهم العقيد المتقاعد محمد بن عبد المحسن بن عبد العزيز المشيقح.