← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

واستدلوا بدليلين من السُّنة: الدليل الأول: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ». دل الحديث على وجوب إحرام مَنْ مَرَّ بهذه المواقيت. وعدم جواز تأخير الإحرام إلى جدة من أربعة أوجه: الأول: قوله: «وَقَّتَ» معناه أنه لا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا كان أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزها من غير إحرام. الثاني: في قوله: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» أن مَنْ كان دون المواقيت لا يَجوز أن يجاوز مكانه دون إحرام، فكيف بمن هو قبل المواقيت؟! الثالث: أن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم من جميع الجهات، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر عليها أو حاذاها بَرًّا أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر لبَيَّنه النبي ﷺ ؛ إذ لم يَمُتْ حتى اكتمل الدين وتَمَّتِ النعمة. الرابع: أن اللغة والعُرْف يُقِران أن مَنْ مَر بطائرة أو سفينة فهو قد مر بالميقات؛ لأنه لا يخلو أن يُسامته ويحاذيه من الأعلى أو يمر فوقه، ومن المعلوم أن الهواء تابع للقرار. الدليل الثاني: ما رواه ابن عُمَر ﵄ قال: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. وَجْه الدلالة: «فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ» فهذا يدل على أن المار بالطائرة والسفينة يُحْرِم إذا حاذى الميقات، وجدة ليست ميقاتًا، وليست محاذية لأحد المواقيت (١). القول الثاني: تُعَد جدة ميقاتًا مكانيًّا لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر، من طريق اليمن خاصة، كأهل الهند وباكستان، فيَجوز لهم تأخير الإحرام حتى يصلوا إليها. وبه قال

стр. 107

ابن حجر الهيتمي، وبعض أهل العلم (١). واستدلوا بالقياس، فالمسافة بين يَلَمْلَم ومكة تساوي المسافة من جدة إلى مكة. واعتُرض عليه بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن المسافة من مكة إلى يَلَمْلَم أبعد من المسافة التي بين جدة ومكة. ولو صح فليس بدليل؛ لأنه ليس بُعد مسافات جميع المواقيت واحدًا. ولو صح هذا القياس، فلا قياس مع النص، والمواقيت توقيفية (٢). القول الثالث: أن جدة ميقات مكاني لمن وصل إليها بطريق الجو أو البحر (٣). واستدلوا بأن النبي ﷺ عَيَّن المواقيت المذكورة؛ لأنها كانت طريق الحُجاج القادمين من جهات شتى، ولو كان الرسول ﷺ حيًّا لجَعَل جدة ميقاتًا لكثرة القادمين إليها. ونوقش بأن هذه المواقيت محيطة بالحَرَم، وكان الناس في عهده ﷺ يَسلكون طريق البحر بالسفن، فدل على أن ذلك يشمل كل مَنْ مر بها أو حاذاها، بَرًّا كان أو بحرًا أو جوًّا. ولو كان هناك ميقات آخَر كجدة، لبَيَّنه النبي ﷺ إذ لم يَمُت حتى اكتمل الدين. واستدلوا بأن عمر ﵁ لما رأى مشقة ذَهاب أهل العراق إلى قَرْن المنازل، حَدَّد (ذات عِرق) وكذلك الآن، لو رأى عمر جدة وقد صارت طريقًا لركاب الجو والبحر، لجَعَلها ميقاتًا مكانيًّا. واعتُرض عليه بأن عمر ﵁ لم يُحْدِث ميقاتًا جديدًا، بل إن قوله بيان للمحاذاة ولذا قال: «انظروا حذوها من طريقكم. فحَدَّ لهم ذات عِرق» وهذا يدل على أنه لا يَجوز لمن حاذى ميقاتًا - جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام. ثم ما المشقة في الاستعداد للإحرام قبل الإقلاع، بلُبس الإحرام قبل ركوب الطائرة في المطار، مع ما حصل في عصرنا من ضبط دقيق لأماكن المواقيت ومواضع محاذاتها،

стр. 108

والإعلان عنها بمكبرات الصوت، فيَسمعها كل حاج، فيقول عند ذلك: لبيك حجًّا. القول الرابع: إن كان القادم إلى جدة جوًّا أو بحرًا لا يمر بميقات قبلها ولا يحاذيه، جاز له أن يُحْرِم من جدة، كالقادم من سواكن وبُور سودان من بلاد السودان. وهو قول بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وابن باز (١). والراجح: هو ما ذهب إليه جماهير العلماء، من أن جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها، جوًّا أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزه من غير إحرام، كما تَشهد لذلك الأدلة، وكما قرره أهل العلم. المطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فليس له أن يؤخر إحرامه إلى جدة، بل الواجب عليه أن يُحْرِم من الميقات في قميصه الذي عليه، أو يُحْرِم في السراويل، وعليه كشف رأسه. فإذا وصل إلى جدة اشترى إحرامًا ولَبِسه، وعليه بسبب لُبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام أو ذَبْح شاة. وهذا قرار المَجْمَع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢). المطلب الرابع: الحيض والنفاس لا يَمنعان إحرام المرأة من الميقات: لا يَجوز للنُّفَسَاء التي تريد الحج أو العمرة مجاوزة الميقات بلا إحرام، فتُحْرِم بالحج والعمرة من الميقات، وتَفعل ما تفعله الطاهرات، سوى الطواف. وذلك بالسُّنة والإجماع. قال جابر: «فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ، وَأَحْرِمِي» (٣). قال ابن رجب: وَفِيهِ صِحَّةُ إِحْرَامِ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ، وَاسْتِحْبَابُ اغْتِسَالِهِمَا لِلْإِحْرَامِ،

стр. 109

وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ (١). المبحث الثالث: حُكْم التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية جائز بالإجماع (٢). وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه جائز مع الكراهة (٣). واستدلوا للكراهة بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة، فإن النبي ﷺ أحرم من الميقات، ولم يُحْرِم من دويرة أهله، وقد تَرَك النبي ﷺ الإحرام من مسجده، مع كمال شرفه ومضاعفة الصلاة فيه، ولا يَفعل ﷺ إلا الأفضل (٤). وأما المأثور، فإنكار عمر وعثمان ﵄ الإحرام قبل المواقيت. فَعَنِ الحَسَنِ، أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَأَغْلَظَ لَهُ وَقَالَ: يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ؟! (٥). وَعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيهِ عُثْمَانُ (٦). وأما المعقول، فلعدم أمنه من محظور، وأن يَتعرض لِما لا يُؤْمَن أن يَحْدُث في إحرامه.

стр. 110

وفيه مشقة، كوصال الصوم، ويُكْرَه أن يُضَيِّق المرءُ على نفسه ما قد وَسَّع الله عليه. فالحاصل: أن التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية لا يخلو من حالين: الأول: إن لم يَعْرِف حَذْو الميقات المُقارِب لطريقه احتاط، فأَحْرَم مِنْ بُعْد، بحيث يَتيقن أنه لم يُجاوِز الميقات إلا مُحْرِمًا؛ لأن الإحرام قبل الميقات جائز، وتأخيره عنه لا يَجوز، فالاحتياط فِعْلُ ما لا شك فيه. فإن كان في الطائرة ويَعسر عليه محاذاة الميقات، فيَجوز له التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية. الثاني: إن كان لا يَعسر عليه محاذاة الميقات، ويستطيع أن يَنزل فيُحْرِم من مسجد الميقات، أو يُحْرِم في محاذاة الميقات؛ كُرِه له التقدم بالإحرام قبل الميقات. المطلب الثاني: مَنْ سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعيَّن، برًّا كان أو بحرًا أو جوًّا، فاشتبه عليه ما يحاذي المواقيت، ولم يجد مَنْ يرشده إلى المحاذاة؛ وجب عليه أن يحتاط ويُحْرِم قبل ذلك بوقت يَغلب على ظنه أنه أَحْرَم فيه قبل المحاذاة. وليس له أن يؤخر الإحرام؛ فالإحرام قبل الميقات جائز ومنعقد، ولا سيما إذا خاف مِنْ تجاوز الميقات. وبهذا صَدَر قرار مَجْمَع الفقه الإسلامي (١). المبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مَنْ تَجاوَز الميقات بغير إحرام، ولم يرجع للإحرام من الميقات: اتفقت المذاهب الفقهية الأربعة على أن مَنْ كان مريدًا لنسك الحج أو العمرة، وتَجاوَز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب العَوْد إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم ووجب عليه الدم، وحجه صحيح (٢). واستدلوا لوجوب الإحرام من الميقات، والإثم بتعمد تركه بما رواه ابن عباس قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ … هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟

стр. 111

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ» (١). فهذه الألفاظ تفيد وجوب الإحرام من هذه المواقيت، لمن مر عليها مريدًا النسك. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا (٢). وأن مَنْ ترك الإحرام من الميقات، فقد تَرَك شيئًا مِنْ نُسكه، فيَلزمه دم. قال ابن عبد البر: في هذه المسألة أقاويل: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْمِيقَاتَ. هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ. وَقَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ إِذَا تَرَكَهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، فَلَا حَجَّ لَهُ. هَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمِيقَاتِ كُلُّ مَنْ تَرَكَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَمَّ حَجُّهُ، رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ. رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. فَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شُذُوذٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْآثَارِ، وَلَا تَصِحُّ فِي النَّظَرِ (٣). والراجح: ما اتَّفق الأئمة الأربعة عليه، أن مَنْ تجاوز الميقات دون إحرام، ممن يريد النسك، فأَحْرَم من موضعه، ولم يَرجع إلى الميقات، أن حجه صحيح، وعليه دم. وبه قال ابن عباس ﵄، ولا يُعْلَم له مُخالِف من الصحابة. وقد تَلَقَّى الأئمة قول ابن عباس بالقَبول، وله أصل في الشريعة، حيث أُلْزِمَ المُحصَر بالدم، وأُلْزِمَ مرتكب المحظور بالفدية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 112

المطلب الثاني: مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأحرم منه: أجمعوا على أن مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأَحْرَم منه، فحجه صحيح ولا دم عليه (١). المطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلى الميقات، فهل يَسقط عنه الدم؟ إِنْ تَجاوَز الميقات ثم عَقَد النية والإحرام بعد مجاوزته، فهل رجوعه للميقات بعد ذلك يُسْقِط عنه الفدية أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إليه؛ فإنه لا يَسقط عنه الدم، وأن الفدية تَلزمه؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته. وبه قال زُفَر من الحنفية، والمالكية، وهو وجه عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بحديث ابن عباس قال: «إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ» فهذا يدل على أنه يجب ابتداء الإحرام من الميقات، فإذا تجاوزه وأَحْرَم بعده فقد هَتَك حرمة الميقات، فوجب عليه الدم. القول الثاني: أن مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ثم رجع إلى الميقات بعد الإحرام، سقط عنه الدم؛ لأنه رجع إلى الميقات وأَحْرَم منه وهو الواجب، قبل التلبس بأفعال الحج، فلا يَلزمه دم. وبه قال صاحبا أبي حنيفة، وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٣).

стр. 113

والراجح: أن مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إلاه؛ فإنه لا يَسقط عنه الدم، وأن الفدية تَلزمه؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته؛ لأنه يجب ابتداء الإحرام من الميقات، فإذا تجاوزه وأَحْرَم بعده فقد هَتَك حرمة الميقات، فوجب عليه الدم. وهذا لا يمكنه تداركه بالرجوع؛ لأنه قد حَصَل الإحرام، فلا يَقدر على حَله بعد عَقْده، وأن الدم ثَبَت عليه وإن رجع إلى الميقات، كمَن لَبِس المَخيط وهو مُحْرِم، فلا تَسقط عنه الفدية بنزعه. المطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، ولم يَرجع لأنه لم يَحمل تصريحًا: ذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ تجاوز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم. يَعْمِد بعض الحُجاج إلى لُبس المَخيط عند إحرامهم من الميقات؛ لعدم حَمْلهم التصريح الخاص بالحج، ويَظن بعضهم أن الإحرام هو لباس الإحرام؛ لعدم تفريقهم بين لبس ملابس الإحرام وعَقْد النية بالإحرام. فإذا تَجاوَز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم؛ لأنه تَرَك واجبًا من واجبات الحج، وهو الإحرام من الميقات. والصحيح أن يَنوي عند محاذاة الميقات، ولو كان لابسًا المَخيط، فإذا قال في الميقات: (لبيك حجًّا، وإِنْ حَبَسني حابس فمَحِلي حيث حَبَسْتَني) فقد أَحْرَم من الميقات، ويُخيَّر بين ثلاثة أمور: إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام، أو ذَبْح نَسيكة. لأنه تَلبَّس بارتكاب محظور، وهو لُبس المَخيط. المبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك: إذا جاوز الميقاتَ غير مريد للنسك، فله ثلاث حالات: الأولى: إذا جاوز الميقات غير مريد نسكًا ثم أراده: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن مَنْ جاوز الميقاتَ غير مريد للنسك، ثم أراده، فإنه يُحْرِم من موضعه.

стр. 114

وبه قال الحنفية والمالكية، والمشهور عن الشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بأن الإحرام يكون من المكان الذي طرأ له فيه قصد النسك؛ لقول النبي ﷺ في حديث المواقيت: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» وهذا أنشأ النية من دون المواقيت، فميقاته من حيث أنشأ (٢). وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَحْرَمَ مِنَ الْفُرُعِ (٣) و (الفُرُع) بلد بين ذي الحُليفة وبين مكة، فتكون دون ميقات المدني، وابن عمر ﵄ مدني. وتأويله أنه خرج من المدينة إلى الفُرُع لحاجة، ولم يَقصد مكة، ثم أراد النسك، فكان ميقاته مكانه. القول الآخَر: أنه يَلزمه الرجوع إلى منزله. وهو قول للشافعية ورواية عند الحنابلة. والراجح: أنه يُحْرِم من حيث طرأت له نية الإحرام، ولا يَلزمه الرجوع إلى محله. الحالة الثانية: المرور بالميقات لدخول مكة لحاجة متكررة غير النسك، فلا يَلزمه الإحرام بالإجماع (٤). الحالة الثالثة: المرور من الميقات لدخول مكة من غير قصد النسك، وليس ممن يتكرر دخوله: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: مَنْ جاوز الميقات ممن لا يجب عليه النسك بقصد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، فإنه لا يجب عليه الإحرام. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٥).

стр. 115

واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فاستدلوا بما رواه ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال في شأن المواقيت: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ». قوله ﷺ : «مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ» مفهومه يدل على أن مَنْ لم يُرِد الحج أو العمرة يَجوز له أن يتجاوز الميقات بغير إحرام، ولو وجب بمجرد الدخول لَمَا عَلَّقه على الإرادة. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ (١). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح حلالًا غير مُحْرِم، وكذا أصحابه؛ لأنه لم يُرِد النسك، فدل على عدم لزوم الإحرام لمن دخل مكة. وأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِقَدِيدٍ بَلَغَهُ أَنَّ جَيْشًا مِنْ جُيُوشِ الْفِتْنَةِ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَكَرِهَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ (٢). القول الثاني: عدم جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يَقصد النسك، وليس ممن يتكرر دخوله. وبه قال المالكية، والحنابلة في المشهور عنهم (٣). القول الثالث: أنه لا يَجوز للآفاقي دخول مكة بلا إحرام، ويَجوز لمن كان دون المواقيت. وبه قال الحنفية (٤). والراجح: جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يَقصد النسك؛ لعموم قول النبي ﷺ : «مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ» مِمَّا يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ إلَّا مَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ لِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إنَّمَا تَجِب مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَهَا أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ، لَوَجَبَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ (٥).

стр. 116

الحاصل في باب مواقيت الحج الزمانية والمكانية الفصل الأول: مواقيت الحج الزمانية، وفيه تمهيد ومبحثان. التمهيد: تعريف المواقيت، هي مواضع وأزمنة مُعيَّنة لعبادة مخصوصة. المبحث الأول:. لابد أن يُفَرَّق بين أمرين في أشهر الحج: الأول: أنه لا يمكن الإحرام بالحج بعد فجر يوم النحر، بالإجماع. الثاني: أن أشهر الحج هي شَوَّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فعموم هذا اللفظ يَشمل الأشهر الثلاثة. المبحث الثاني: حُكْم الإحرام قبل أشهر الحج: لا يَنعقد الإحرام بالحج قبل أَشهُره. فإِنْ أَحْرَم بالحج انعقد إحرامه عُمْرَة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقياس وقت الحج على وقت الصلاة، فكما أنها لا تجزئ قبل وقتها، فكذا الحج. الفصل الثاني: المواقيت المكانية: أصناف الناس باعتبار موضع الإحرام ثلاثة: الصنف الأول: مواقيت الآفاقي. والآفاقي: هو مَنْ كان منزله خارج منطقة المواقيت. الميقات الأول: ذو الحُليفة، ويُسَمَّى الآن (أبيار علي) وهو ميقات أهل المدينة ومَن مر بها من غير أهلها. وبينه وبين مكة (٤٢٠) كيلو مترًا تقريبًا. الميقات الثاني: الجُحْفة، وبها مسجد (ميقات الجُحفة) بَنَتْه الحكومة السعودية عام (١٤٠٦ هـ) ويقع بين مدينتي ينبع وجدة. ويَبعد عن المسجد الحرام (١٨٧) كيلو مترًا. الميقات الثالث: قَرْن المنازل، وهو أقرب المواقيت إلى مكة، ويُحْرِم الناس من مسجد ميقات السيل، وبينه وبين مكة (٧٨) كيلو مترًا تقريبًا، وهو ميقات لأهل الطائف. الميقات الرابع: وهناك مسجدان لميقات يلملم: الأول: مسجد للميقات بالسعدية، وتَبعد عن مكة المكرمة (٩٢) كيلو مترًا. الثاني: لما سَفلتت الحكومة الطريق الجديد بين مكة وجازان، وَضَعَتْ مكانًا للإحرام

стр. 117

من الطريق الجديد. وبينه وبين المسجد الحرام (١٣٠) كيلو مترًا تقريبًا. الميقات الخامس: ذات عِرْق، وهو المُسَمَّى الآن (الضريبة) وهو ميقات أهل العراق وسائر أهل المشرق. ويَبعد عن مكة المكرمة نحو (١٠٠) كيلو متر تقريبًا. وقد خربت. وعُمَر ﵁ هو الذي وَقَّت ذات عِرْق لأهل العراق. المرور بميقاتين، لا يَجوز لمريد النسك أن يتجاوز أول ميقات يمر به إلى ميقات آخَر؛ لعموم قول النبي ﷺ : «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ». الصنف الثاني: الميقاتي، وهو مَنْ كان بين المواقيت والحَرَم من أهل الحِل، كأهل جَدة، فإن ميقاته من منزله، عند عامة أهل العلم، فإن جاوزه أَثِم ووجب عليه الدم. الصنف الثالث: المكي: ميقات المكي للعمرة هو الحِل. الفصل الثالث: الإحرام من الميقات، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: يجب الإحرام من الميقات لمن مر منه قاصدًا أحد النُّسكين. المبحث الثاني: محاذاة الميقات، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الإحرام لركاب الأتوبيسات أو السفن أو الطائرات، فمَن سَلَك طريقًا ليس فيه ميقات مُعيَّن، بَرًّا كان أو جوًّا، اجتهد وأَحْرَم إذا حاذى ميقاتًا من المواقيت. المطلب الثاني: جدة ليست ميقاتًا مكانيًّا، ولا يَجوز لمن مر بميقات من المواقيت أو حاذى واحدًا منها، جوًّا كان أو برًّا أو بحرًا- أن يتجاوزها من غير إحرام، ويُحْرِم من جدة. المطلب الثالث: مَنْ لم يَحمل معه ملابس الإحرام في الطائرة، فالواجب عليه أن يُحْرِم من الميقات في قميصه الذي عليه، أو يُحْرِم في السراويل، وعليه كشف رأسه. فإذا وصل إلى جدة اشترى إحرامًا ولَبِسه. وعليه عن لبسه القميص كفارة، وهي إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، أو ذَبْح شاة. المطلب الرابع: لا يَجوز للمرأة الحائض أو النُّفَسَاء مجاوزة الميقات بلا إحرام،

стр. 118

فتُحْرِم بالحج أو العمرة من الميقات، وتفعل ما تفعله الطاهرات سوى الطواف. المبحث الثالث: التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية لا يخلو من حالين: الأول: إن لم يَعْرِف حَذْو الميقات المُقارِب لطريقه، احتاط. فإن كان في الطائرة ويَعسر عليه محاذاة الميقات، فيَجوز له التقدم بالإحرام قبل المواقيت المكانية. الثاني: إن كان لا يَعسر عليه محاذاة الميقات، ويستطيع أن يَنزل فيُحْرِم من مسجد الميقات، أو يُحْرِم في محاذاة الميقات؛ يُكْرَه له التقدم بالإحرام قبل الميقات. المبحث الرابع: مجاوزة الميقات، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: مَنْ كان مريدًا لنسك الحج، وتَجاوَز الميقات بغير إحرام، فإنه يجب عليه العَوْد إليه والإحرام منه، فإن لم يرجع أَثِم ووجب عليه الدم، وحَجُّه صحيح. المطلب الثاني: أجمعوا على أن مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم رجع إلى الميقات فأَحْرَم منه، أن حجه صحيح ولا دم عليه. المطلب الثالث: مَنْ أَحْرَم بعد الميقات، ثم رجع إليه، لا يَسقط عنه الدم؛ لأنه رجع بعدما استقر الدم في ذمته. كمَن لَبِس المَخيط وهو مُحْرِم، فلا تَسقط عنه الفدية بنزعه. المطلب الرابع: مَنْ تجاوز الميقات وأحرم بعده ولم يرجع؛ لأنه لم يَحمل تصريحًا: الصحيح أنه يَنوي عند محاذاة الميقات، ولو كان لابسًا المَخيط، فإذا قال في الميقات: (لبيك حجًّا، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستَني) فقد أَحْرَم من الميقات، ويُخَيَّر بين ثلاثة أمور: الإطعام أو الصيام أو ذَبْح نَسيكة؛ لأنه تَلبَّس بارتكاب محظور، وهو لُبس المَخيط. فإذا تَجاوَز الميقات وأَحْرَم بعده، فإن إحرامه صحيح ويَلزمه دم؛ لأنه تَرَك واجبًا من واجبات الحج، وهو الإحرام من الميقات.

стр. 119

المبحث الخامس: حُكْم الإحرام لمن جاوز الميقات إلى مكة لحاجة غير النسك: إذا جاوز الميقات غير مريد للنسك، فله ثلاث حالات: الحالة الأولى: إذا جاوز الميقات غير مريدٍ نسكًا ثم أراده، فإنه يُحْرِم من موضعه. الحالة الثانية: المرور بالميقات لدخول مكة لحاجة متكررة غير النسك، فلا يَلزمه الإحرام بالإجماع. الحالة الثالثة: المرور من الميقات لدخول مكة لحاجة غير النسك، وليس ممن يتكرر دخوله، فلا يَلزمه الإحرام. * * *

стр. 120

الباب الخامس أنواع الأنساك الثلاثة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: الأنساك الثلاثة. الفصل الثاني: الإفراد والقِران في الحج. الفصل الثالث: التمتع في الحج. الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة.

стр. 121

الفصل الأول الأنساك الثلاثة وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: أنواع الأنساك الثلاثة. المبحث الثاني: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة. المبحث الثالث: ما نوع النسك الذي أَهَل به النبي ﷺ ؟ المبحث الرابع: أفضل الأنساك. المبحث الخامس: تعيين أحد الأنساك. المبحث السادس: الإحرام المُبْهَم. المبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى. المبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به.

стр. 122

المبحث الأول: أنساك الحج ثلاثة: الأول: الإفراد: وهو أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا وحده، بأن يقول: (لبيك حجًّا). الثاني: القِران: وهو أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا)، أو يُحْرِم بالعمرة ثم يُدْخِل عليها الحج قبل الطواف. الثالث: التمتع: وهو أن يُحْرِم بالعمرة مُفْرَدة في أَشْهُر الحج، أي: في شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة، فيقول: (لبيك عُمْرة) ثم يحل منها، ثم يُحْرِم بالحج من عامه. المبحث الثاني: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة: نُقِل الإجماع على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة (١). ولكن هذا الإجماع منخرم، فقد اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: جواز الأنساك الثلاثة: الإفراد، والقِران، والتمتع. واستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» (٢). فهذا صريح في جواز الأنساك الثلاثة: الإفراد، والقِران، والتمتع. القول الثاني: أن مَنْ لم يَسُق الهَدْي فليس بمُخيَّر بين الأنساك الثلاثة، بل يتعين عليه أن يحج متمتعًا. وقد ورد هذا القول عن ابن عباس، وأهل الظاهر، وابن القيم. القول الثالث: جواز الإفراد والقِران دون التمتع. وبه قال أبو بكر وعمر وعثمان. واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً» (٣).

стр. 123

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما ورد عن عِمران قال: «أُنْزِلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ» (١). والثاني: ما قاله ابن قُدامة: وَقَدْ خَالَفَ أَبَا ذَرٍّ: عَلِيٌّ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ (٢). وأما المأثور، فقد ورد النهي عن متعة الحج عن أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية (٣). ونوقش هذا من وجهين: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ تَنْزِيهًا، وَحَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنِ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ فَسْخُ الحَجِّ إِلَى العُمْرَةِ (٤). والراجح: جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة؛ لدلالة السُّنة على ذلك. المبحث الثالث: ما نوع النسك الذي أَهَل به النبي ﷺ -؟ اختَلف أهل العلم في نوع النُّسك الذي أَهَل به النبي ﷺ ، على أربعة أقوال: القول الأول: النُّسك الذي أَحْرَم به النبي ﷺ هو القِران. وبه قال الحنفية وأحمد (٥). روى مسلم عَنْ أَنَسٌ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» (٦). ورَوَى البخاري: عن عُمَر ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي

стр. 124

اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» (١). والأحاديث التي تدل على أن رسول الله ﷺ حج قارنًا- متوافرة. القول الثاني: ذهب مالك والشافعي في أحد قوليه إلى أن النبي ﷺ حج مُفْرِدًا (٢). ففي «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ (٣). وروى مسلم: عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ (٤). ونوقش هذا الاستدلال بأن الصحابة الذين رَوَوْا أن النبي ﷺ حج مُفْرِدًا- وهم أربعة: عائشة وابن عمر وابن عباس وجابر- قد اختُلف عليهم، فهؤلاء الأربعة رَوَوْا أن النبي ﷺ حج قارنًا، فإذا أسقطنا روايتهم فقد رَوَى غيرهم من الصحابة كعمر وأنس وعمران وغيرهم أن رسول الله ﷺ حج قارنًا. وقولهم: «أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ» لا يَمنع أن يكون أَهَل معه بعمرة، فإنه لا يَلزم من إهلاله بالحج أَلَّا يكون أَدْخَل عليه العمرة. أو المراد من الإفراد بالحج: أنه ﷺ اقتَصر على أعمال الحج، ودخلت عمرته في حجه؛ لأن القارن يَكتفي بطواف وسَعْي وحَلْق. القول الثالث: أن النبي ﷺ كان متمتعًا. وهو قول للشافعي وبعض الحنابلة (٥). فَعَنْ عِمْرَانَ ﵁ قَالَ: تَمَتَّعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ (٦). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (٧).

стр. 125

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: قال ابن عبد البر: وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقِرَانُ مِنْ بَابِ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ مُتَمَتِّعٌ بِتَرْكِ النَّصَبِ فِي السَّفَرِ إِلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً وَإِلَى الْحَجِّ أُخْرَى، وَتَمَتَّعَ بِجَمْعِهِمَا فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، لَمْ يُحْرِمْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ (١). الثاني: أن القارن يتمتع بالجَمْع بين النُّسكين في نُسك واحد؛ لأن الحج والعمرة كلاهما يَحتاج إلى طواف وسَعْي وحَلْق. فالقارن يكفيه طواف واحد وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد وحَلْق واحد، كالمُفرِد. القول الرابع: أن النبي ﷺ أَحْرَم إحرامًا مطلقًا، ثم عَيَّنه بالإفراد (٢). واستدل بقول عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُلَبِّي، لَا نَذْكُرُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً (٣). والراجح: هو القول الأول، أي أن النبي ﷺ حج قارنًا. قال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: «لو استقبلتُ من أمري ما

стр. 126

استدبرتُ، ما سُقْتُ الهَدْي، ولجَعلتُها عُمرة» ولا كان مُفرِدًا؛ لأن الهَدْي كان معه واجبًا، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قَرَنهما جميعًا (١). المبحث الرابع: أفضل الأنساك: التمتع أفضل الأنساك لمَن لم يَسُق الهَدْي. وهو قول للشافعي، وبه قال الحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن التمتع منصوص عليه في كتاب الله تعالى دون سائر الأنساك. واستدلوا بأن التمتع أفضل لكَوْنه ﷺ تَمَنَّاهُ. عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلَحَلَلْتُ مَعَ النَّاسِ حِينَ حَلُّوا» (٣). واستدلوا بأن المتمتع يَجتمع له الحج والعمرة، على وجه اليسر والسهولة، فهو أفضل من الإفراد، وأن التمتع أسهل من القِران لِما فيه من التحلل بين العمرة والحج. وقد تضافرت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أَمَر أصحابه في حجة الوداع، لما طافوا بالبيت وبالصفا، أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، إلا مَنْ ساق الهَدْي. وهو ﷺ لا يَنقلهم إلا لِما هو أفضل لهم، ولولا أن التمتع هو الأفضل لَمَا تَأسَّف عليه النبي ﷺ ، ولَمَا تمنى أنه لم يَسُق الهدي حتى يحل مع الناس متمتعًا. المبحث الخامس: تعيين أحد الأنساك: يُستحَب أن يُعيِّن ما يُحْرِم به من الأنساك عند أول إهلاله؛ لأن الحج عبادة، والتعيين هو الأصل في العبادات. وبه قال المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم، والحنابلة (٤). واستدلوا بأن النبي ﷺ أُمِرَ أن يُعيِّن نُسكه، فقال النبي ﷺ بوادي العقيق: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (٥).

стр. 127

والنبي ﷺ أَمَرَ أصحابه بالإحرام بنُسك مُعيَّن، فقال: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ؛ فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ» (١). المبحث السادس: الإحرام المُبْهَم: إذا أَحْرَم ولم يُعيِّن نُسكه، فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النُّسك قبل شروعه في أفعال النُّسك. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). وذلك لِما رَوَى جابر ﵄ قال: فَقَدِمَ عَلِيٌّ ﵁، بِسِعَايَتِهِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «بِمَ أَهْلَلْتَ يَا عَلِيُّ؟» قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . قَالَ: «فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ» (٣). المبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى، كأن يَنوي التمتع، ويَجري على لسانه الإفراد، فإنه يكون مُحْرِمًا بما نوى، لا بما جرى على لسانه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنه إذا أراد أن يُهِلّ بحج، فأَهَلّ بعمرة، أو أراد أن يُهِلّ بعمرة فلَبَّى بحج، أن اللازم ما عَقَد عليه قلبه، لا ما نَطَق به لسانه (٤). المبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به: ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ أَحْرَم بشيء مُعيَّن، ثم نسي ما أَحْرَم به، فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية (٥). واستدلوا بأنه تَلبَّس بالإحرام يقينًا بأحد الأنساك بالإفراد بالحج أو القِران بين الحج والعمرة؛ ولذا فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن؛ فهذا أحوط لاشتماله على النُّسكين، فتَبْرأ ذمته (٦).

стр. 128

الفصل الثاني الإفراد والقِران في الحج، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإفراد في الحج: الإفراد بالحج: أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا، فيقول: (لبيك اللهم حجًّا) فليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة، وسَعْي واحد للحج، ولا يحل إلا يوم النحر، وليس عليه دم (١). المبحث الثاني: القِران في الحج، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف القِران: أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نُسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا). المطلب الثاني: صور القِران: للقِران ثلاث صور: الصورة الأولى: صورة القِران الأصلية: أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا) فيَجمع بينهما في إحرامه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، وَهُوَ بِالعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» (٢). أو يقول: (لبيك حجًّا وعمرة) لِما روت عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» (٣). قال المباركفوري: الإهلال بالحج والعمرة معًا متفق على جوازه (٤). الصورة الثانية: إدخال الحج على العمرة، وفيها مطلبان: المطلب الأول: لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفْرَدة، فهل يَجوز له إدخال الحج على العمرة، فيَصير قارنًا؟

стр. 129

لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفرَدة، فيَجوز له أن يُدخِل عليها الحج قبل الشروع في الطواف. وهذا جائز مطلقًا، وقد يُضطر إلى ذلك، مِثل مَنْ خَرَجَتْ متمتعة من الميقات، فقالت: (لبيك عمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، فلها أن تَقرن. أو بسبب عدم قدرة الحاج على إتمام نسك العمرة قبل دخول الحج، فحينئذٍ يَقرن بين الحج والعمرة. ودل على جواز ذلك السُّنة والإجماع: أما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عن ابن عمر قال: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (١). ولأن النبي ﷺ جَوَّز لعائشة ﵂ إدخال الحج على العمرة، لَمَّا أتاها الحيض. وأما الإجماع، فنَقَل غير واحدٍ الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة (٢). المطلب الثاني: متى يَجوز إدخال الحج على العمرة؟ نُقِل الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، ما لم يُفتتح الطواف (٣). واختَلف العلماء في جواز إدخال الحج على العمرة أثناء الطواف، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يُشترَط في إدخال الحج على العمرة أن يكون قبل الطواف. وهو رواية عند المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ،

стр. 130

فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ … » (١). وقال ابن عمر: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجًّا مَعَ عُمْرَتِي، كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . القول الثاني: له أن يُدخِل الحج على العمرة وإن كان قد طاف، ما لم يركع ركعتي الطواف؛ لأن طواف القدوم سُنة، والسعي ركن، فإذا أَدْخَل الحج على العمرة قبل التلبس بالسعي، لم يَفُته شيء من الأركان، فجاز إدخال الحج عليها. وهو مذهب المالكية (٢). ونوقش بأنه إذا ابتدأ طواف العمرة، لم يَجُز له إدخال الحج عليها؛ لأن الطواف الذي نواه ينصرف إلى العمرة التي ابتدأها، وهو ركن من أركانها، ومَن أَحْرَم بعمرة فليس له أن يرفضها؛ لقوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. القول الثالث: له أن يُدخِل الحج على العمرة ما لم يَطُف أربعة أشواط،؛ لأن الطواف سبعة أشواط، وأكثره أربعة، والعبرة بالغالب، فإذا أَدْخَل الحج على العمرة قبل ذلك صار قارنًا. وهو مذهب الحنفية (٣). والراجح: القول الأول، أي: جواز إدخال الحج على العمرة ما لم يُفتتح الطواف. الصورة الثالثة: إدخال العمرة على الحج: اختَلف العلماء فيمن أَحْرَم من الميقات بالحج مُفْرَدًا، فهل يَجوز له إدخال العمرة على الحج ليكون قارنًا؟ وذلك على قولين: القول الأول: يَجوز إدخال العمرة على الحج، ويكون قارنًا. وهذا مذهب الحنفية، واللَّخْمي من المالكية، والشافعي في القديم (٤). واستدلوا بما ورد عن ابن عمر قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا (٥) وعن عمر ﵁ قال: حَدَّثَنِي النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي- وَهُوَ

стр. 131

بِالعَقِيقِ- أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ». وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَهَلَّ بالحج مُفْردًا أولًا، ثم أُمِرَ أن يُدخِل العمرة على الحج، فصار قارنًا، وهذا يدل على جواز إدخال العمرة على الحج (١). واستدلوا بأنه إذا كان يَجوز إدخال الحج على العمرة، فيَجوز إدخال العمرة على الحج؛ لأنه أحد النُّسكين. القول الآخَر: لا يصح إدخال العمرة على الحج، فإِنْ فَعَل لم يَلزمه، ويتمادى على حجه مُفرَدًا. وبه قال المالكية، والشافعي في الجديد، والحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ البَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً» (٣). فَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَفْسَخُوا حَجَّهُمْ فِي عُمْرَةٍ- أَوْضَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ (٤). واستدلوا بأن العُمْرة أَضْعَفُ مِنْ الحج، ولا يصح إدخال الأصغر على الأكبر (٥). واعتُرض عليه بأن قولهم: (لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر) مجرد قياس، وفيه نظر؛ فإن النبي ﷺ قال «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» فلا مانع من ذلك، والله أعلم. المطلب الثالث: ما يجب على القارن من الطواف والسعي: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن عَمَل القارن والمُفرِد واحد، والفارق بينهما أن القارن يَلزمه الهَدْي مع نية القِران، فالقارن يكفيه طواف واحد، وهو طواف الإفاضة، وسَعْي واحد لعمرته

стр. 132

وحجته كالمُفرِد، ولا يَحل إلا يوم النحر، ويَقتصر على أفعال الحج، وتندرج أفعال العمرة كلها في أفعال الحج. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح عنهم (١). واستدلوا بأن القارن يكفيه طواف واحد بعموم قول النبي ﷺ لعائشة يوم النَّفْر: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٢). واستدلوا بأن القارن يكفيه سعي واحد بما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ يقول: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» (٣). القول الآخَر: أنه يَلزم القارن طوافان وسعيان: طواف وسعي للحج، وطواف وسعي للعمرة. وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في رواية (٤). واستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ مَعًا، وَقَالَ: «سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ» قَالَ: فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَيْنِ وَسَعَى لَهُمَا سَعْيَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ (٥). والراجح: أنه لا يَلزم القارن بين الحج والعمرة إلا طواف واحد وسَعْي واحد لحجه وعمرته؛ لعموم قول النبي ﷺ لعائشة: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ». ولِما رواه جابر ﵁: «لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إِلَّا طَوَافًا وَاحِدًا».

стр. 133

الفصل الثالث التمتع في الحج وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف التمتع. المبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع. المبحث الثالث: صور التمتع. المبحث الرابع: شروط المتمتع. المبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع. المبحث السادس: أعمال المتمتع. المبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة.

стр. 134

المبحث الأول: تعريف التمتع: التَّمَتُّعُ: هُوَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ (١). المبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع: ورد في ذلك سببان: الأول: أن المتمتع يتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتِّع بترك النَّصَب في السَّفَر إلى العُمرة مَرَّة وإلى الحج أخرى، وتَمَتَّعَ بجمعهما في سَفْرة واحدة، لم يُحْرِم لكل واحدة من ميقاته، وضَمَّ العُمرة إلى الحج، فجَعَل الشرعُ الدم جابرًا لِما فاته، فدَخَل تحت قول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). الثاني: سُمي متمتعًا لاستمتاعه بين الحج والعمرة بمحظورات الإحرام، كالنساء والطِّيب ولُبْس المَخيط … وغير ذلك. المبحث الثالث: صور التمتع: للتمتع صورتان: الأولى: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا فَرَغ منها أَحْرَم بالحج مِنْ عامه. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن مَنْ أَهَلّ بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات، وقَدِم مكة، ففَرَغ منها وأقام بها، وحج مِنْ عامه- أنه متمتع (٣). الصورة الثانية: فَسْخ الحج إلى عمرة: أَجْمَع العلماء على أنه لا يَجوز فسخ الحج إلى عمرة مُفرَدة لا يأتي بعدها بالحج (٤).

стр. 135

واختلفوا في جواز فسخ الحج إلى عمرة التمتع لمن كان مُفْرِدًا أو قارنًا لمن لم يَسُق الهَدْي، على ثلاثة أقوال (١): القول الأول: يُستحب فسخ إحرام الحج إلى عمرة التمتع لمن لم يَسُق الهدي، فإذا فَرَغ من العمرة وحَل منها، أَحْرَم بالحج من مكة، فيصير متمتعًا. وهذا مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً» (٣). قال ابن عبد البر: تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أَنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فِي حَجَّتِهِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَلَمْ يَسُقْهُ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً (٤). القول الثاني: يجب فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُق الهَدْي؛ لأن الرَّسُولَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً» والأمر للوجوب (٥). ونوقش بأن هذا الأمر للاستحباب، والقول بالوجوب قول شاذ. القول الثالث: يَحرم فسخ وتحويلُ النية من الإحرام بالحج إلى العمرة لمن لم يَسُق الهَدْي. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (٦). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ : «وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» (٧) فهذا الحديث يُحَرِّم فسخ وتحويل النية من الإحرام بالحج إلى العمرة.

стр. 136

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: بِأَنَّ مَنِ اسْتَمَرَّ إِهْلَالُهُ بِالْحَجِّ، وَلَمْ يُحَوِّلْهُ إِلَى عُمْرَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. الثاني: بما قاله ابن القيم: بِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ غَلِطَ فِيهِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ، أَوْ أَبُوهُ شُعَيْبٌ، أَوْ جَدُّهُ اللَّيْثُ أَوْ شَيْخُهُ عَقِيلٌ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ رَوَاهُ مالك ومعمر وَالنَّاسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عروة عَنْهَا، وَبَيَّنُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَحِلَّ. وأما المأثور، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، أَوْ جَمَعَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فلم يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ (١). ونوقش: بأن هذا اللفظ مُعَلّ. والراجح: استحباب فسخ الحج إلى عمرة التمتع لمن كان مُفْرِدًا أو قارنًا، ولا هَدْي معه؛ لأن رسول الله ﷺ أَمَر أصحابه عَامَ حَجَّ بِفسخ الحج إلى العُمرة، وقال ﷺ : «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً».

стр. 137

المبحث الرابع: شروط التمتع: وهي قسمان: القسم الأول: ما يُشترط للتمتع: للتمتع خمسة شروط: الشرط الأول: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ اعتمر في غير أشهر الحج، وحَلَّ منها قبل أَشْهُر الحج ثم حج من عامه، فليس بمتمتع (١). الشرط الثاني: تقديم العمرة على الحج: يُشترط تقديم العُمرة على الحج؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فيجب أن يَكُون ما بعدها مُتأخِّرًا عما قبلها. الشرط الثالث: يُشترَط للتمتع أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج. فمَن خَرَجَتْ متمتعة من الميقات، فقالت: (لبيك عُمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، وجاء يوم عرفة، فليس لها أن تتمتع بسبب المشقة وعدم القدرة على إتمام نسك العمرة قبل دخول الحج، فحينئذٍ تَقرن بين الحج والعمرة (٢). الشرط الرابع: يُشترَط في التمتع أن تؤدى العمرة والحج في عام واحد: فإن اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام، بل حج في القابل، فليس بمتمتع (٣).

стр. 138

الشرط الخامس: عدم السفر بين العمرة والحج: يُشترَط للتمتع أن لا يسافر بين العمرة والحج. وهو قول عامة أهل العلم (١). واختَلف العلماء على أربعة أقوال في قَدْر المسافة، الذي يَحصل به انقطاع التمتع: القول الأول: إن عاد إلى بلده بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج، قبل الإحرام بالحج، انقطع التمتع، ويكون مُفرِدًا بالحج. وهو مذهب الحنفية والمالكية (٢). واستدلوا بالكتاب والمأثور والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بأن المتمتع يَتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتِّع بترك النَّصَب في السَّفَر إلى العُمْرة مَرَّة وإلى الحج أخرى، وتَمَتَّعَ بجَمْعهما، ولم يُحْرِم لكل واحدة من ميقاته، فَدَخَل تحت قول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فإذا أَنْشَأَ سفرًا لحجه بعد سفره لعمرته، ورَجَع إلى الميقات ولَزِمه الإحرام منه، فلم يتمتع بإسقاط أحد السفرين، فزال عنه اسم التمتع وسببه، فلم يَلزمه دم (٣). وأما المأثور، فقال عُمَر: «إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ» (٤). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، إِنْ حَجَّ، وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (٥). وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «مَنِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ،

стр. 139

فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، إِنَّمَا الْمُتَمَتِّعُ مَنْ أَقَامَ وَلَمْ يَرْجِعْ» (١). وأما المعقول، فاستدلوا بأمرين: الأول: ما قاله ابن المنذر: إذا رجع إلى بلده أو إلى مثله في البُعد، فليس بمتمتع إن حج من عامه. خلافًا لما يُحكى عن الحسن. ولأن ما قلنا مروي عن ابن عمر، ولا مُخالِف له. ولأن المتمتع مَنْ تَمتَّع بإسقاط أحد السفرين وجَمَع بين الحج والعمرة في سفر واحد، وهذا لم يَفعل ذلك، بل أتى بالسفرين على ما كان عليه في الأصل (٢). الثاني: ما قاله ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ إذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِأَنَّ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُفْرِدَ (٣). القول الثاني: إن سافر وتجاوز الميقات بعد أن حل من عمرته في أشهر الحج، قبل الإحرام بالحج، انقطع التمتع، وهذا قول عند الشافعية، ورواية للحنابلة (٤). القول الثالث: إن سافر بين العمرة والحج سفرًا بعيدًا تُقْصَر في مثله الصلاة، انقطع التمتع. وهذا قول عند الحنابلة في الراجح عنهم (٥). القول الرابع: إن اعتَمَر في أَشْهُر الحج، ثم رَجَع إلى بلده ومنزله، ثم حج مِنْ عامه ذلك، قال الحسن البصري: فإنه مُتَمَتِّع. والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بَعْد العُمرة، وقَبْل الإحرام بالحج- مُسْقِط لدم التمتعِ. إلا أنهم مختلفون في قَدْر المسافة: فمنهم مَنْ يقول: لا بد أن يَرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المَحَل الذي جاء منه، ثم يُنشِئ سفرًا لِلحج ويُحْرِم

стр. 140

مِنْ الميقات. وقيل: إن سافر وتجاوز الميقات بين العمرة والحج، انقطع التمتع. وقيل: إن سافر بين العمرة والحج سفرًا تُقْصَر في مثله الصلاة. والراجح: يُشترَط للتمتع أن لا يسافر إلى بلده بين العمرة والحج، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله، ثم إذا أَحْرَم بالحج مُفردًا فقد انقطع التمتع، ولا يجب عليه الهَدْي، ويكون مُفرِدًا بالحج؛ لأن الأصل في السفر مفارقة الوطن، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله فقد انقطع التمتع. أما مَنْ اعتَمر في أشهر الحج، ثم سافر إلى غير بلده، كالمدينة أو جدة أو الطائف، ثم رجع مُحْرِمًا بالحج، فإن ذلك لا يُخرجه عن كونه متمتعًا؛ لأن سفره إلى البلد الآخَر استمرار لسفره الأول، وليس قاطعًا للسفر (١). المبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: لا يُشترَط أن ينوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها. اختَلف أهل العلم في اشتراط نية التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها على قولين: القول الأول: لا تُشترَط نية التمتع. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال الشنقيطي: الظاهر سقوط هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السَّنة، فعليه الهَدْي؛ لظاهر الآية فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن، بل دليل (٣). القول الثاني: يُشترَط نية التمتع. وهذا مذهب الشافعية في وجه، والحنابلة (٤).

стр. 141

قال النووي: يَحتاج إلى نية التمتع؛ لأنه جَمَع بين العبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجَمْع، كالجَمْع بين الصلاتين (١). المطلب الثاني: لا يُشترَط كون الحج والعمرة عن شخص واحد: فلو اعتَمَر لنفسه، ثم حج من عامه لغَيْره، أو فَعَل ذلك عن اثنين، فاعتَمر لشخص، ثم حَجّ مِنْ عامه عن آخَر، كان عليه دم التمتع. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن مُؤدِّي النُّسكين شخص واحد في سفرة واحدة، فتَمتَّع بإسقاط أحد السفرين، فدَخَل في عموم الآية. المطلب الثالث: لا يُشترط أن يكون من أهل الحَرَم: وفيه مسألتان: الأولى: اختَلف العلماء في مشروعية القِران والتمتع للمقيم في حرم مكة، على قولين: القول الأول: جواز التمتع والقِران لحاضري المسجد الحرام (للمقيمين في حرم مكة) إلا أنه لا هَدْي عليهم. وهو مذهب المالكية والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والمعقول: أما الكتاب، فبعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ فعليه الهَدْي إذا لم يكن مِنْ حاضري المسجد. فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم، فهذا ظاهر الآية، فلا يُعْدَل عنه، فدلت الآية على

стр. 142

أن التمتع والقِران مشروعان لأهل حرم مكة كغيرهم، إلا أنهم لا هَدْي عليهم، ولا صوم. واعتُرض عليه بأنه لو كان المراد إسقاط الدم عن أهل مكة، لقال: (ذلك على مَنْ لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) لأن الدم عليهم لا لهم. وأجيب عنه من وجهين: الأول: بأن (اللام) بمعنى (عَلَى) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها. وقولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم؛ لأن حروف الجر تتناوب (١). الثاني: ما قاله ابن حزم: إِنَّ الْهَدْيَ أَوِ الصَّوْمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ- تَعَالَى- فِي التَّمَتُّعِ إنَّمَا هُوَ نُسُكٌ زَائِدٌ وَفَضِيلَةٌ، وَلَيْسَ جَبْرًا لِنَقْصٍ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا يُحَقِّقُ؛ فَهُوَ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ (٢). وأما المعقول، فإن ما كان مِنْ النُّسك قُرْبة وطاعة في حق غَيْر المكي، كان قُرْبة وطاعة في حق المكي، كالإفراد (٣). القول الثاني: أن المكي الذي يريد الحج ممنوع من العمرة في أشهر الحج؛ لأنه ممنوع من التمتع والقِران. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بأن الله تعالى أباح التمتع إلا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومفهوم الآية أن مَنْ كان أهله حاضري المسجد الحرام، فالتمتع والقِران منفيان في حقه، والأصل في النفي أن يكون للوجود، ونَفْي الوجود نفي للصحة، فالتمتع والقِران لا يصحان من أهل الحرم (٥).

стр. 143

ونوقش بأن الإشارة في الآية (ذلك) ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الصوم والهَدْي. وقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] هذا عامّ في أهل مكة وغيرهم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالهَدْي يجب على كل متمتع، إلا مَنْ تمتع أو قَرَن من أهل مكة. واستدلوا بما رُوي عن ابن عباس، أنه سُئِلَ عن متعة الحج، فقال: أَبَاحَ الله مُتْعَةَ الحَجِّ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١). وقد سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ امْرَأَةٍ: أَتَعْتَمِرُ فِي حَجَّتِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا رُخْصَةً لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢). والراجح: هو جواز التمتع والقِران لأهل مكة إلا أنهم لا هَدْي عليهم؛ لعموم الآية. ولأن حقيقة التمتع والقِران موجودة في حاضري المسجد الحرام، كالآفاقيين، ولا فرق. وإنما يقع الخلاف بينهم في وجوب الدم على الآفاقيين دون حاضري المسجد الحرام؛ بسبب ما حصل للآفاقيين من الترفه بسقوط أحد السفرين عنهم، والله أعلم. المسألة الثانية: مَنْ هم حاضرو المسجد الحرام؟ اختَلف الفقهاء على أربعة أقوال في المراد بحاضري المسجد الحرام: القول الأول: هم أهل الحَرَم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وطاوس (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحَرَم كله (٤).

стр. 144

القول الثاني: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة. وبه قال المالكية (١). القول الثالث: ما كان دون مسافة القَصْر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). القول الرابع: أنهم أهل المواقيت ومَن بينها وبين مكة. وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (٣). والراجح: أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحَرَم (٤). المبحث السادس: أعمال التمتع: وفيه مطلبان: المطلب الأول: طواف المتمتع: حُكي الإجماع على أن المتمتع عليه طوافان: طواف لعمرته، وطواف لحجه (٥). المطلب الثاني: الهَدْي: يجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. المبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة: قال ابن قُدامة: وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ- عَنِ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا (٦).

стр. 145

الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة: وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف الاشتراط وفائدته: قال ابن قُدامة: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، فَيَقُولَ: (إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي). وَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ (١). المبحث الأول: حُكْم الاشتراط في الحج والعمرة: اختَلف أهل العلم على قولين في صحة الاشتراط في الحج والعمرة: القول الأول: يصح الاشتراط. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً! فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (٣). وأما المأثور، فعن سُوَيْد بن غَفَلة قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أبا أُمية، حُج واشتَرِط؛ فإن لك ما اشترطتَ، ولله عليك ما اشترطتَ (٤).
следующие страницы →