← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال النووي: يَحتاج إلى نية التمتع؛ لأنه جَمَع بين العبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجَمْع، كالجَمْع بين الصلاتين (١). المطلب الثاني: لا يُشترَط كون الحج والعمرة عن شخص واحد: فلو اعتَمَر لنفسه، ثم حج من عامه لغَيْره، أو فَعَل ذلك عن اثنين، فاعتَمر لشخص، ثم حَجّ مِنْ عامه عن آخَر، كان عليه دم التمتع. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن مُؤدِّي النُّسكين شخص واحد في سفرة واحدة، فتَمتَّع بإسقاط أحد السفرين، فدَخَل في عموم الآية. المطلب الثالث: لا يُشترط أن يكون من أهل الحَرَم: وفيه مسألتان: الأولى: اختَلف العلماء في مشروعية القِران والتمتع للمقيم في حرم مكة، على قولين: القول الأول: جواز التمتع والقِران لحاضري المسجد الحرام (للمقيمين في حرم مكة) إلا أنه لا هَدْي عليهم. وهو مذهب المالكية والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والمعقول: أما الكتاب، فبعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ فعليه الهَدْي إذا لم يكن مِنْ حاضري المسجد. فإن كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم، فهذا ظاهر الآية، فلا يُعْدَل عنه، فدلت الآية على

стр. 142

أن التمتع والقِران مشروعان لأهل حرم مكة كغيرهم، إلا أنهم لا هَدْي عليهم، ولا صوم. واعتُرض عليه بأنه لو كان المراد إسقاط الدم عن أهل مكة، لقال: (ذلك على مَنْ لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) لأن الدم عليهم لا لهم. وأجيب عنه من وجهين: الأول: بأن (اللام) بمعنى (عَلَى) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] أي: فعليها. وقولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [الرعد: ٢٥] أي: عليهم؛ لأن حروف الجر تتناوب (١). الثاني: ما قاله ابن حزم: إِنَّ الْهَدْيَ أَوِ الصَّوْمَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ- تَعَالَى- فِي التَّمَتُّعِ إنَّمَا هُوَ نُسُكٌ زَائِدٌ وَفَضِيلَةٌ، وَلَيْسَ جَبْرًا لِنَقْصٍ كَمَا ظَنَّ مَنْ لَا يُحَقِّقُ؛ فَهُوَ لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ (٢). وأما المعقول، فإن ما كان مِنْ النُّسك قُرْبة وطاعة في حق غَيْر المكي، كان قُرْبة وطاعة في حق المكي، كالإفراد (٣). القول الثاني: أن المكي الذي يريد الحج ممنوع من العمرة في أشهر الحج؛ لأنه ممنوع من التمتع والقِران. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بأن الله تعالى أباح التمتع إلا لمن كان أهله حاضري المسجد الحرام خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومفهوم الآية أن مَنْ كان أهله حاضري المسجد الحرام، فالتمتع والقِران منفيان في حقه، والأصل في النفي أن يكون للوجود، ونَفْي الوجود نفي للصحة، فالتمتع والقِران لا يصحان من أهل الحرم (٥).

стр. 143

ونوقش بأن الإشارة في الآية (ذلك) ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الصوم والهَدْي. وقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ [البقرة: ١٩٦] هذا عامّ في أهل مكة وغيرهم ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالهَدْي يجب على كل متمتع، إلا مَنْ تمتع أو قَرَن من أهل مكة. واستدلوا بما رُوي عن ابن عباس، أنه سُئِلَ عن متعة الحج، فقال: أَبَاحَ الله مُتْعَةَ الحَجِّ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١). وقد سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ امْرَأَةٍ: أَتَعْتَمِرُ فِي حَجَّتِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ جَعَلَهَا رُخْصَةً لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (٢). والراجح: هو جواز التمتع والقِران لأهل مكة إلا أنهم لا هَدْي عليهم؛ لعموم الآية. ولأن حقيقة التمتع والقِران موجودة في حاضري المسجد الحرام، كالآفاقيين، ولا فرق. وإنما يقع الخلاف بينهم في وجوب الدم على الآفاقيين دون حاضري المسجد الحرام؛ بسبب ما حصل للآفاقيين من الترفه بسقوط أحد السفرين عنهم، والله أعلم. المسألة الثانية: مَنْ هم حاضرو المسجد الحرام؟ اختَلف الفقهاء على أربعة أقوال في المراد بحاضري المسجد الحرام: القول الأول: هم أهل الحَرَم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وطاوس (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فلم يختلفوا في أنه تعالى أراد الحَرَم كله (٤).

стр. 144

القول الثاني: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة. وبه قال المالكية (١). القول الثالث: ما كان دون مسافة القَصْر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). القول الرابع: أنهم أهل المواقيت ومَن بينها وبين مكة. وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (٣). والراجح: أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحَرَم (٤). المبحث السادس: أعمال التمتع: وفيه مطلبان: المطلب الأول: طواف المتمتع: حُكي الإجماع على أن المتمتع عليه طوافان: طواف لعمرته، وطواف لحجه (٥). المطلب الثاني: الهَدْي: يجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. المبحث السابع: إجزاء التمتع عن الحج والعمرة: قال ابن قُدامة: وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْمُتَمَتِّعِ وَعُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ- عَنِ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ التَّمَتُّعِ خِلَافًا (٦).

стр. 145

الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة: وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: تمهيد: تعريف الاشتراط وفائدته: قال ابن قُدامة: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، فَيَقُولَ: (إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي). وَيُفِيدُ هَذَا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَنَّ لَهُ التَّحَلُّلَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَتَى حَلَّ بِذَلِكَ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا صَوْمَ (١). المبحث الأول: حُكْم الاشتراط في الحج والعمرة: اختَلف أهل العلم على قولين في صحة الاشتراط في الحج والعمرة: القول الأول: يصح الاشتراط. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً! فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (٣). وأما المأثور، فعن سُوَيْد بن غَفَلة قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أبا أُمية، حُج واشتَرِط؛ فإن لك ما اشترطتَ، ولله عليك ما اشترطتَ (٤).

стр. 146

وعن ابن مسعود ﵁ قال: إِذَا حَجَجْتَ فَاشْتَرِطْ (١). وعن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة: هَلْ تَسْتَثْنِي إِذَا حَجَجْتَ؟ فَقُلْتُ لَهَا: مَاذَا أَقُولُ؟ فَقَالَتْ: قُلْ: اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْتُ وَلَهُ عَمَدْتُ، فَإِنْ يَسَّرْتَهُ فَهُوَ الْحَجُّ، وَإِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَهِيَ عُمْرَةٌ (٢). القول الثاني: لا يصح الاشتراط. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (٣). واستدلوا بالقرآن والمأثور: أما القرآن، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالاشتراط يخالف هذه الآية، فيَجوز عدم الإتمام فهو باطل. وأما المأثور، فاستدلوا بما ورد عن ابن عمر، أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الاِشْتِرَاطَ فِي الحَجِّ، وَيَقُولُ: حَسْبُكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ ، إِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ حَبَسَ أَحَدَكُمْ حَابِسٌ، فَلْيَأْتِ البَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ ليُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُحْلِلْ، وَعَلَيهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (٤). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما قاله ابن قُدامة: وَلَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ؟! وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَدِيثٌ لَكَانَ قَوْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مَعَ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ- أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ (٥). الثاني: ما قاله البيهقي: عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ، لَمْ يُنْكِرْهُ كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ السُّنَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ (٦).

стр. 147

المبحث الثاني: متى يُشْرَع الاشتراط؟ يُستحَب الاشتراط إذا خاف المانعَ من إتمام النسك. فإن خاف المُحْرِم ألا يتمكن من أداء نسكه؛ لكونه مريضًا أو خائفًا من عدو ونحوه، استُحب له أن يقول عند إحرامه: (فإن حبسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني) لِما ورد عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ، وَأَنَا شَاكِيَةٌ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «حُجِّي، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (١). قال ابن عثيمين: فالاشتراط سُنة لمَن كان يَخاف المانع من إتمام النسك، غير سُنة لمَن لم يَخَفْ. وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي تجتمع به الأدلة؛ فإن الرسول ﷺ أَحْرَم بعُمَره كلها، ولم يقل: (إِنْ حَبَسني حابس)، بل أَمَر به مَنْ جاءت تستفتي؛ لأنها مريضة، وتَخشى أن يشتد بها المرض فلا تُكمل النُّسك (٢). المبحث الثالث: صيغة الاشتراط: صيغة الاشتراط أن يُهِل بالنسك الذي يريده من عمرة أو حجة، فيقول: (لبيك اللهم عمرة، أو حجة)، ثم يقول: (إِنْ حَبَسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني) (٣). قال ابن قُدامة: وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى، وَالْعِبَارَةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى (٤).

стр. 148

الحاصل في الباب الخامس: أنواع الأنساك الثلاثة، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول، وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: أنساك الحج ثلاثة: الأول: الإفراد، وهو أن يُحْرِم بالحج مُفرِدًا وحده، بأن يقول: (لبيك حجًّا). الثاني: القِران، وهو أن يُحْرِم بالعمرة والحج معًا في نُسك واحد، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا) أو يُحْرِم بالعمرة، ثم يُدْخِل عليها الحج قبل الطواف. الثالث: التمتع، وهو أن يُحْرِم بالعمرة مُفرَدة في أشهر الحج، أي: في شَوَّال، وذي القعدة، وذي الحجة، ويقول: (لبيك عمرة)، ثم يحل منها، ثم يُحْرِم بالحج من عامه. المبحث الثاني: نُقِل الإجماع على جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة. المبحث الثالث: الراجح أنه ﷺ حج قارنًا. المبحث الرابع: التمتع أفضل الأنساك الثلاثة لمَن لم يَسُق الهَدْي. المبحث الخامس: يُستحب أن يُعيِّن ما يُحْرِم به من الأنساك عند أول إهلاله. المبحث السادس: الإحرام المُبْهَم فإذا أَحْرَم ولم يُعيِّن نسكه، فإنه ينعقد إحرامه، ويصرفه إلى ما شاء من أنواع النسك قبل شروعه في أفعال النسك. المبحث السابع: مَنْ لَبَّى بغير ما نوى، كأن يَنوي التمتع، ويَجري على لسانه الإفراد، ونحو ذلك، فإنه يكون مُحْرِمًا بما نوى، لا بما جرى على لسانه. المبحث الثامن: نسيان ما أَحْرَم به، ذهب جمهور العلماء إلى مَنْ أَحْرَم بشيء معين، ثم نسي ما أَحْرَم به، فإنه يَلزمه حج وعمرة، ويَعمل عمل القارن. الفصل الثاني: الإفراد والقِران في الحج، وفيه مبحثان: المبحث الأول: الإفراد في الحج: أن يُحْرِم بالحج مُفْرَدًا، فيقول: (لبيك اللهم حجًّا) المبحث الثاني: القِران في الحج، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تعريف القِران: المطلب الثاني: صور القران: للقِران ثلاث صور:

стр. 149

الصورة الأولى: صورة القِران الأصلية: أن يُحْرِم في الميقات بالعمرة والحج معًا، فيقول: (لبيك عمرة وحجًّا). الصورة الثانية: إدخال الحج على العمرة، وفيها مطلبان: المطلب الأول: لو نَوَى الحاج التمتع، فأَحْرَم بعمرة مُفرَدة، فيَجوز له أن يُدخِل عليها الحج قبل الشروع في الطواف. وهذا جائز مطلقًا. وقد يُضطر إلى ذلك، مِثل مَنْ خَرَجَتْ متمتعة من الميقات فقالت: (لبيك عمرة) فأتاها الحيض قبل أن تطوف، فلها أن تَقرن. المطلب الثاني: متى يَجوز إدخال الحج على العمرة؟ نُقل الإجماع على جواز إدخال الحج على العمرة، ما لم يَفتتح الطواف. الصورة الثالثة: إدخال العمرة على الحج، أن يُحْرِم بالحج مُفرِدًا، ثم يُدخِل عليه العمرة، فيكون قارنًا. الفصل الثالث: التمتع في الحج، وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف التمتع: التَّمَتُّعُ: هُوَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ مِنَ الْمِيقَاتِ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ. المبحث الثاني: سبب تسمية هذا النسك بالتمتع: ورد في ذلك سببان: الأول: أن المتمتع يتمتع بإسقاط أحد السفرين عنه، فهو مُتمتع بترك النَّصَب في السفر إلى العُمْرة مَرَّة وإلى الحج أُخرى، وتَمَتَّعَ بجَمْعهما في سَفْرة واحدة. الثاني: أن المتمتع يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام. المبحث الثالث: صور التمتع. للتمتع صورتان: الأولى: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، فإذا فَرَغ منها أَحْرَمَ بالحج مِنْ عامه. الثانية: يُستحب فسخ إحرام الحج إلى عمرة التمتع لمن لم يَسُق الهَدْي، فإذا فَرَغ من العمرة وحَلّ منها، أَحْرَم بالحج من مكة فيصير متمتعًا.

стр. 150

المبحث الرابع: شروط المتمتع: للتمتع خمسة شروط: الأول: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج. الثاني: أن يُقَدِّم العُمْرة على الحج. الثالث: أن يَحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج. الرابع: أن يُؤدِّي العمرة والحج في عام واحد. الخامس: أن لا يسافر إلى بلده بين العمرة والحج، فمَن اعتمر في أشهر الحج ورجع لأهله، ثم إذا أَحْرَم بالحج مُفرِدًا؛ فقد انقطع التمتع، ولا يجب عليه الهَدْي، ويكون مُفرِدًا بالحج؛ لأن الأصل في السفر مفارقة الوطن. المبحث الخامس: ما لا يُشترَط للتمتع: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: لا يُشترَط أن يَنوي التمتع في ابتداء العمرة أو في أثنائها، فمَن اعتَمر في أشهر الحج ثم حل، ثم أقام بمكة ثم حج من عامه، فعليه الهَدْي. المطلب الثاني: لا يُشترَط كون الحج والعمرة عن شخص واحد، فلو اعتَمَر لنفسه، ثم حج مِنْ عامه لغيره، كان عليه دم التمتع لعموم الآية. المطلب الثالث: لا يُشترَط ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، فيَجوز التمتع والقِران لأهل مكة إلا أنهم لا هَدْي عليهم. الفصل الرابع: الاشتراط في الحج والعمرة: يُستحَب الاشتراط إذا خاف المانعَ من إتمام النسك. فالحاصل في هذا الفصل: أن المُحْرِم إذا خاف ألا يتمكن من أداء نسكه لكَوْنه مريضًا أو خائفًا من عدو ونحوه- استُحب له أن يقول عند إحرامه بعد قوله: (لبيك اللهم عمرة، أو حجًّا، مُفرِدًا أو قارنًا أو متمتعًا): (فإِنْ حَبَسني حابس، فمَحِلي حيث حبستَني). فائدة الاشتراط: أنه إذا حُبِس عن النسك بعذر، فإنه يَحل منه، وليس عليه هَدْي ولا صوم ولا قضاء ولا غيره. * * *

стр. 151

الباب السادس الإحرام وفيه تمهيد وثلاثة فصول: التمهيد، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف الإحرام. المبحث الثاني: حُكْم الإحرام. المبحث الثالث: مِنْ حِكَم تشريع الإحرام. الفصل الأول: سُنن الإحرام. الفصل الثاني: محظورات الإحرام. الفصل الثالث: الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام.

стр. 152

تمهيد، بين يدي الإحرام، وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول: تعريف الإحرام: الإحرام في اللغة: الدخول في الحرمة، وأَحْرَم بالحج والعمرة لأنه يَحرم عليه ما كان حلالًا من قبل، كالصيد والنِّساء، كتكبيرة الإحرام للمصلي (١). والإحرام في الشرع: هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو كليهما (٢). المبحث الثاني: حُكْم الإحرام: انعقد الاجماع على فرضية الإحرام (٣). واختَلف العلماء على قولين في حُكم الإحرام، هل هو ركن أم شرط؟ القول الأول: أن الإحرام ركن، ولا يَتم الحج إلا به؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». وبه قال المالكية والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (٤). القول الآخَر: أن الإحرام شرط من شروط الحج وليس ركنًا، وأن الإحرام لا يَتم إلا بالتلبية. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٥). والراجح: أن الإحرام أول ركن من أركان الحج، كتكبيرة الإحرام أول ركن من أركان الصلاة؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» فلا يصح حج إلا بنية، والإحرام هو نية الدخول في النسك.

стр. 153

المبحث الثالث: مِنْ حِكَم تشريع الإحرام: الأولى: إِنَّ مِنْ أعظم فوائد العبادات التي شَرَعها الله لعباده- أنها تَغرس في نفوسهم الطاعة والاستسلام لله، واستشعار تعظيم الله ، والنظام وحُسْن الترتيب في شئون الحياة، والمحافظة على الوقت وعلى المواعيد والدقة في الوفاء بها. يَظهر ذلك واضحًا في توقيت الصلاة، والصيام إمساكًا وإفطارًا، وكذا جَعَل الله للحج والعمرة والإحرام بهما أوقاتًا موقوتة وأماكن مُعيَّنة، يجب ألا يتعداها المسلم، ومَن تعداها كان مُخالِفًا ومتعديًا، وتَلزمه كفارة تذكيرًا له لئلا يتكرر ذلك منه. الثانية: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ: الْبُعْدُ عَنِ التَّرَفُّهِ، وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ، فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ (١). الثالثة: مِنْ حِكَم عدم حصر الإحرام في مكان واحدٍ رَفْع الحرج عن المكلفين، فقد جَعَل الله للحج خمسة أماكن متفرقة من كل جهات الحَرَم، ولم يَحصرها في مكان واحد؛ إذ لو حَصَرها في مكان واحد لوقع الناس في حرج عند الاجتماع إلى هذا الميقات وفي تَحَمُّل المشاق، والله قد رفع عن عباده الضِّيق والحرج.

стр. 154

الفصل الأول: سُنن الإحرام: الأولى: النزول في المواقيت المكانية. الثانية: الاغتسال. الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين. الرابعة: التطيب في البدن. الخامسة: الإحرام عقب صلاة. السادسة: يبتدئ بالإحرام والتلبية إذا ركب السيارة وابتدأ المسير من الميقات. السابعة: الإكثار من التلبية. السُّنة الأولى: النزول في المواقيت المكانية: يُستحَب النزول في المواقيت المكانية للإحرام منها؛ فعن ابن عمر ﵄ قال: «مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ» يَعْنِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ (١). السُّنة الثانية: الاغتسال: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الاغتسال للمُحْرِم: يُستحب الاغتسال عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة من الميقات، ولا يجب هذا الاغتسال، وإنما هو سُنة مُتأكَّدة بالإجماع (٢).

стр. 155

وعن ابن عمر ﵄ قال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ (١). واستدل بأن النبي ﷺ أَمَر أسماء بنت عُمَيْس بالاغتسال لما وَلَدَتْ، وإذا كانت النُّفَساء لا تنتفع من غسلها في استباحة العبادة كالصلاة، ومع ذلك أَمَرها النبي ﷺ بالاغتسال؛ فاغتسال المُحْرِم الطاهر من باب أَوْلَى. ويُستحب للمُحْرِم حَلْق العانة ونَتْف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار؛ لأنه إذا كان يُستحب الغُسل للتنظف فهذا يَدخل في عموم التنظف للإحرام. ولأن الإحرام يَمنع قص الشَّعر وقَلْم الأظفار، فاستُحب فعله قبله؛ لئلا يَحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكن منه. المطلب الثاني: يُسَن اغتسال الحائض والنُّفَساء للإحرام: يُسَن بالإجماع للحائض والنُّفَساء الغُسل للإحرام (٢). وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: « … فَخَرَجْنَا مَعَهُ، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: «اغْتَسِلِي، وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي». المطلب الثالث: استحباب تلبيد الرأس: يُستحَب للمُحْرِم بعد غُسْل الإحرام أن يُلبِّد رأسه (٣).

стр. 156

ودل على ذلك السُّنة والإجماع والمعقول: أما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يَحْلِلْنَ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ- يَعْنِي لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَمَا يَمْنَعُكَ؟ فَقَالَ: «لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَسْتُ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ هَدْيِي» (١). وأما الإجماع فقال النووي: في الحديث استحباب التلبيد وتقليد الهَدْي، وهما سُنتان بالاتفاق (٢). وأما المعقول، فلأن ذلك أرفق به؛ لكَوْنه يُسَكِّن شعره ويَجمعه، فلا يتولد فيه القمل، ولا يتخلله الغبار، ولا يتشعث، ولا ينتفش في مدة الإحرام. السُّنة الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يُستحب الإحرام في إزار ورداء ونعلين. لِما رَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ (٣). قال النووي: السُّنَّةُ أَنْ يُحْرِمَ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، هَذَا مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ (٤). المطلب الثاني: ويُستحب أن يكون الإزار والرداء نظيفين. فإذا كان يُستحب للمُحْرِم أن يتنظف في بدنه بالاغتسال، فكذا في ثياب إحرامه. المطلب الثالث: يُستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ؛ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ

стр. 157

ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (١). السُّنة الرابعة: التطيب: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام؛ لقول عائشة ﵂، زَوْج النبي ﷺ : «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». السُّنة الخامسة: الإحرام عقب صلاة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: هل تُسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام؟ قال النووي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ، بِالإِجْمَاعِ (٢). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: يُسن صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، باتفاق المذاهب الأربعة (٣). روى البخاري: عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ» (٤). القول الآخَر: ليس للإحرام صلاة تخصه، فإن كان في وقتِ فريضة استُحب أن يُحْرِم عقيب الصلاة المكتوبة. وهو رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية (٥). والراجح: أنه يُستحَب أن يُحْرِم عقيب صلاة: إما بعد صلاة فرض؛ لِما رَوَى ابن عباس ﵄ قال: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ».

стр. 158

وإن كان وقت تطوع، فإن كان في الميقات مسجد استُحب أن يصليهما فيه؛ لِما رَوَى البخاري: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُ (١). السُّنة السادسة: أن يبتدئ بالإحرام والتلبية إذا ركب السيارة أو غيرها، وابتدأ المسير من الميقات: اختَلف أهل العلم على قولين في تحديد الموضع الذي يبتدئ بالإحرام منه: القول الأول: يُستحب أن يبتدئ بالإحرام أو بالإهلال (لبيك حجًّا) والتلبية (لبيك اللهم لبيك) إذا رَكِب الدابة أو السيارة أو غيرهما، في ابتداء سيره من الميقات. وهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم، ورواية عند الحنابلة (٢). فعن أنس ﵁ قال: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ» (٣).

стр. 159

_________ = الطريق الثاني: رواه إبراهيم بن ميسرة، ومحمد بن المُنكدِر- جميعًا- عن أنس بن مالك بهذا الحديث دون آخره، ولفظه: «صليتُ مع النبي ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحُليفة العصر ركعتين» فرواه الثوري عند البخاري (١٠٨٩)، وابن عُيينة عند مسلم (٦٩٠). الطريق الثالث: عن محمد بن المُنكدِر وحده، عن أنس به مختصرًا، بنحو الرواية السابقة. فرواه ابن إسحاق عند أحمد (١٣٤٨٨)، وعبد العزيز الماجشون عند أبي يعلى (٣٦٣٤)، وعمرو بن الحارث، وأسامة بن زيد، كلاهما عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٤)، ومرزوق مولى طلحة الباهلي، وشُعبة، وعبد الحميد بن جعفر، والمنكدر بن محمد، كلهم عند الدارقطني في «العلل» جميعًا- عن ابن المُنكدِر وحده، عن أنس به مختصرًا. الطريق الرابع: عن الزُّهْري، عن أنس، وذِكْر الزُّهْري في هذا الحديث وهم. ومدار هذا الطريق على ابن جُريج، واختُلف عليه من وجهين: الوجه الأول: عن ابن جُريج، عن الزُّهْري، عن أنس، من طريق عيسى بن يونس عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣٥٤٧)، وتابع ابنَ جُريج أسامة بن زيد الليثي، عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر، ح ٣٤٨) وقد اقتَصر على أول الحديث. وأسامة بن زيد صدوق يهم، وقد تركه القطان، وذَكَر أحمد أن في أحاديثه نكارة، ومحمد بن عجلان عند ابن عَدِيّ (٦/ ٤٤٠)، وقد اقتَصر على آخره. وابن عجلان روايته منكرة؛ حيث تَفَرَّد عنه المُؤمَّل. وقد ساق ابن عَدي هذه الرواية في ترجمته، واستنكرها عليه بقوله: لا أعلم روى عن ابن عجلان غير مؤمل. ثم ذَكَر أن عامة أحاديثه غير محفوظة. الوجه الثاني: عن ابن جُريج، عن محمد بن المُنكدِر، عن أنس بن مالك. وهذه رواية الجماعة، وهم: هشام بن يوسف عند البخاري (١٥٤٦)، ومحمد بن بكرٍ البُرْسَانِيّ عند أحمد (١٥٠٤٠)، كلاهما، وفيه زيادة وهي قوله: «ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ». ورواه عبد الرزاق (٤٣٢٠)، وعبد الله بن وهب عند الطبري في «تهذيب الآثار» (مسند عمر، ح ٣٤٣)، ووُهَيْب، ومكي بن إبراهيم، عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢٤٠٣) (٣٥٤٦) بدون الزيادة. وقد أشار الدارقطني إلى هذا الاختلاف على ابن جُريج، فسُئِل الدارقطني عن حديث محمد بن المُنكدِر، عن أَنس: صليتُ مع النبي ﷺ بالمدينة الظُّهْر أَربعًا، وبِذي الحُلَيْفة ركعتين. فقال: اختُلف فيه على ابن المُنكدِر، فرواه الثوري، وابن عُيينة، ومحمد بن إسحاق، وعبد العزيز الماجِشُون، ومرزوق مَوْلَى طَلحة بن عبد الرحمن الباهلي، وشُعبة، وعبد الحميد بن جعفر، والمُنكدِر بن محمد، وأُسامة بن زيد، وعمرو بن الحارث. واختُلف عن ابن جُرَيجٍ، فرواه عثمان بن الهيثم المُؤذِّن، عن ابن جُريج قال: حُدِّثْتُ عن أَنس. ورواه هِشام بن سليمان بن عِكرمة بن خالد المَخزومي، وعبد المجيد، ومَكِّي بن إبراهيم، عن ابن جُريجٍ، وزادوا فيه أَلفاظًا، ذَكَرَها ابن جُريج، في كتاب «المناسك» عنه، وهي قوله: (ثم بات بِذي الحُلَيْفة، فأَصْبَح، فلما أَصْبَح رَكَب راحلته، فلما استوت به أَهَلَّ) وهذه الزيادة ليست بمحفوظة عن ابن المُنكدِر، ولم يَذكرها غير ابن جُريج، وقال يحيى القطان: إنه وهم. ورواه أَبو عاصم، عن ابن جُريج، بهذا الإسناد، مِثل ما رواه الثوري، ولم يأت بهذه الزيادة. ورواه عيسى بن يونس، عن ابن جُريج، عن الزُّهْري، عن أَنس، ووَهِم في ذكر الزُّهْري، وإِنما رواه ابن

стр. 160

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً» (١). قال النووي: فَهَذِهِ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ قَاطِعَةٌ بِتَرَجُّحِ الْإِحْرَامِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ السَّيْرِ (٢). القول الآخَر: أن النبي ﷺ كان إحرامه في دُبُر صلاته، وأنه أَهَلَّ في مجلسه بعد فراغه من الركعتين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في القديم، وهو رواية عن الحنابلة (٣). واستدلوا بما رواه ابن عباس، أن النبي ﷺ أَهَلَّ في دُبُر الصلاة (٤). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ». وَجْه الدلالة: أنه ﷺ لم يَجعل بين الصلاة والإحرام فَصْلًا، فدل ذلك على أن النبي ﷺ كان إحرامه في دُبُر صلاته. ونوقش بأن معنى (وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ): بعد الانتهاء من الصلاة وركوب الراحلة يُحْرِم في بداية سيره. ودل على ذلك أن جماعة الصحابة حَكَوْا ذلك عن رسول الله ﷺ (٥).

стр. 161

والراجح: أنه يبتدئ بالإحرام (لبيك حجًّا) والتلبية (لبيك اللهم لبيك) بعد ركوبه، في ابتداء سيره من الميقات بعد خروجه من المسجد؛ لتضافر الأحاديث على ذلك. السُّنة السابعة: التلبية، وفيها تمهيد وسبعة مطالب: تمهيد: يجب على مريد الإحرام في الميقات أن ينويه بقلبه، ويُستحب له أن يُلبِّي بلسانه، فيقول: (لبيك حجًّا). (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك … ). المطلب الأول: تعريف التلبية: قال ابن تيمية: التَّلْبِيَةُ هِيَ إجَابَةُ دَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِخَلْقِهِ، حِينَ دَعَاهُمْ إلَى حَجِّ بَيْتِهِ، عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ ﷺ . وَالْمُلَبِّي هُوَ الْمُسْتَسْلِمُ الْمُنْقَادُ لِغَيْرِهِ، كَمَا يَنْقَادُ الَّذِي لُبِّبَ وَأُخِذَ بِلَبَّتِهِ. وَالْمَعْنَى: إنَّا مُجِيبُوكَ لِدَعْوَتِكَ، مُسْتَسْلِمُونَ لِحِكْمَتِكَ، مُطِيعُونَ لِأَمْرِكَ (١). والتلبية: هي قول المُحْرِم: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك … ). المطلب الثاني: حُكْم التلبية: قال ابن حزم: وأَجْمَعُوا على استحسان التلبية إلى دخول الحَرَم (٢). وقد اختَلف أهل العلم في وجوب التلبية على ثلاثة أقوال: القول الأول: التلبية سُنة في الإحرام. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بأنها ذِكر، فلم تجب كسائر الأذكار (٤). القول الثاني: أن التلبية واجبة في الإحرام. وهو مذهب المالكية (٥). واستدلوا بأن النبي ﷺ سُئِل: أَيُّ الحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «العَجُّ وَالثَّجُّ» (٦).

стр. 162

والعج: هو رفع الصوت بالتلبية، وهو شعار الحج، فكيف لا يكون واجبًا؟! القول الثالث: أن التلبية ركن في الإحرام، فلا يصح الإحرام بالنية فقط، بل لا بد مع النية من التلبية. وهو قول الحنفية، وابن حبيب من المالكية (١). واستدلوا بما رَوَى ابن عباس: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: التلبية (٢). ونوقش بأن المعنى: (فمَن فَرَض) الإحرام، وهو نية الدخول في النسك (٣). واستدلوا بقياس الحج على الصلاة، فستُفتح الصلاة بتكبيرة الإحرام فلا تكفي النية وحدها، فكذا الحج، لا تَكفي النية وحدها في الإحرام، ولا بد من التلبية معها. وأجيب بأن العبادات لا تقاس على بعضها، فقد صح أن النبي ﷺ جَهَر بالنية في بداية الحج، ولم يصح ذلك عنه في الصلاة (٤). والراجح: أن التلبية سُنة؛ لأن التلبية ذِكر فتُسَن ولا تجب كسائر الأذكار. المطلب الثالث: فَضْل التلبية: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلاَّ لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا» (٥). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلَا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٦).

стр. 163

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَضْحَى يَوْمًا مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (١). المطلب الرابع: لفظ التلبية: في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ (٢). ففي حديث ابن عمر وجابر، أن رسول الله ﷺ لم يَزد على تلبيته المشهورة، وأنه لزمها. قال ابن عمر: لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ. ولكن يُشكل على هذا ما رُوي: كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ» (٣). ورُوي عن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا قَالَ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»

стр. 164

قَالَ: «إِنَّمَا الخَيْرُ خَيْرُ الآخِرَةِ» (١). وفي الباب: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ : «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا» (٢). فالحاصل: أن تلبية رسول الله ﷺ : «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». ولم أقف على حديث يصح بغير هذه الصفة. المطلب الخامس: وقت التلبية: وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: ابتداء وقت التلبية: يُستحب أن يبتدئ المُحْرِم بالتلبية إذا ركب، وابتدأ السير من الميقات. المسألة الثانية: متى يَقطع المُعتمِر التلبية؟ اختَلف العلماء على قولين في وقت قطع المُعتمِر التلبية: القول الأول: يَقطع المُعتمِر التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم (٣). واستدلوا بما رُوي عن ابن عمر ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ … وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (٤).

стр. 165

القول الآخَر: أن المعتمر لا يَقطع التلبية إلا في بَدْء الطواف. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» (٢). والراجح: أن المعتمر يَقطع التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم؛ لحديث ابن عمر الدالّ على أن رسول الله ﷺ كان يُمسِك عن التلبية إذا دخل أدنى الحَرَم. المسألة الثالثة: وقت التلبية للحاج: لا بد أن نُفرِّق بين حالين للحاج في أمر التلبية: الأول: أن الحاج إذا أَحْرَم لَبَّى، فلا يَزال يلبي حتى يَدخل أول الحَرَم، فيَقطع التلبية ببلوغه أول حدود الحَرَم. الثاني: ثم يَعود الحاج إلى التلبية من خروجه من مكة إلى مِنًى في اليوم الثامن، ثم إلى عرفة في اليوم التاسع ثم مزدلفة، ولا ينقطع عن التلبية إلا في يوم النحر عند جمرة العقبة؛ لحديث الفضل، أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلبِّي حتى بَلَغ الجمرة (٣).

стр. 166

المسألة الرابعة: انتهاء وقت التلبية في الحج: اختَلف العلماء على قولين في ذلك: القول الأول: تنتهي التلبية في الحج عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر. وهذا مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في رواية (١). واستدلوا بحديث الفضل، أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلبِّي حتى بَلَغَ الجمرَة (٢). فالحديث نص في انتهاء التلبية عند ابتداء رمي جمرة العقبة، وقد جاء من رواية الفضل بن العباس ﵄، وقد كان رديفَه ﷺ يومئذٍ، وهو أعلم بحاله من غيره. القول الآخَر: لا يَقطع التلبية حتى يَرمي جَمْرة العَقَبة بأَسْرها. وهو قول لأحمد. واستَدل بظاهر حديث أن رسول الله ﷺ لم يَزَل يُلَبِّي حتى رَمى جَمْرة العَقَبة. ونوقش هذا الاستدلال بأن قوله: (لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) مُفسَّر برواية أخرى عن الفضل، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ (٣). ويؤيد ذلك ما رواه ابن مسعود قال: رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِأَوَّلِ حَصَاةٍ (٤). والراجح: أن التلبية تنتهي عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: (حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) فمفهومه أن النبي ﷺ لم يكن يلبي أثناء الرمي، بل كان يُكبِّر؛ لأن ظَرْف الرميِ

стр. 167

لا يَستغرق غير التكبير؛ لِتتابُع رَمْي الحصيات. المطلب السادس: رَفْع الصوت بالتلبية: يُسَن للرجل أن يَرفع صوته بالتلبية. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا» (١). وعن السائب بن خَلَّاد ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي- أَوْ: مَنْ مَعِيَ- أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ- أَوْ: بِالإِهْلَالِ، يُرِيدُ أَحَدَهُمَا-» (٢). أما المرأة، فتُكْثِر من التلبية، ولا تَرفع صوتها، وإنما تُلبي سرًّا بالقَدْر الذي تُسمِع به نفسها؛ وذلك لِما يُخشَى من رفع صوتها من الفتنة. وقد أَجْمَعَ العلماء على ذلك (٣). المطلب السابع: حُكم التلبية بغير اللغة العربية: لا تَجوز التلبية بغير العربية لمن يُحْسِنها؛ لأن التلبية ذِكر كالأذكار المشروعة للصلاة والنوم والأذان. أما إذا كان الملبي لا يُحْسِن اللغة العربية، فله أن يلبي بلغته، على قول جماهير العلماء (٤). وأما الصبي والأخرس فيُلبَّى عنهما؛ لحديث جابر قال: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَلَبَّيْنَا عَنِ الصِّبْيَانِ، وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ. * * *

стр. 168

الحاصل في سُنن الإحرام بين يدي الإحرام المبحث الأول: تعريف الإحرام: الإحرام في الشرع: هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو كليهما. المبحث الثاني: حُكْم الإحرام: الإحرام ركن من أركان الحج، كتكبيرة الإحرام. ولعموم قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» فلا يصح حج إلا بنية، والإحرام هو نية الدخول في النسك. المبحث الثالث: الحكمة من مواقيت الإحرام: الأولى: أنها تَغرس في نفس المُحْرِم الطاعة والاستسلام لله. الثانية: أن المُحْرِم يتذكر بالتجرد من ملابسه ولُبس الإحرام الكفن والقدوم على ربه. الثالثة: في عدم حصر الإحرام بمكان واحد رَفْع الحرج عن المُكلَّفين. الفصل الأول: سُنن الإحرام: السُّنة الأولى: يُستحب النزول في المواقيت المكانية؛ لفِعل الرسول ﷺ . السُّنة الثانية: يُستحب الاغتسال للمُحْرِم عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة، بالإجماع. وكذا الحائض والنُّفَساء. ويُستحَب له حلق العانة ونتف الإبط وقص الشارب وتقليم الأظفار؛ لأنه إذا كان يُستحب الغسل للتنظف، فهذا يَدخل في عموم التنظف للإحرام. السُّنة الثالثة: الإحرام في إزار ورداء ونعلين؛ لِما رَوَى ابن عباس قال: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ، بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ. السُّنة الرابعة: يُستحب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام. السُّنة الخامسة: يُستحب أن يُحْرِم عَقيب صلاةِ فرض أو تطوع إن كان وقت تطوع. فإن كان في الميقات مسجد، استُحب أن يصليهما فيه. السُّنة السادسة: يُستحب أن يبتدئ بالإحرام: (لبيك حجًّا) والتلبية: (لبيك اللهم لبيك) بعد ركوبه السيارة، في ابتداء سيره من الميقات، بعد خروجه من المسجد.

стр. 169

السُّنة السابعة: التلبية، وفيها سبعة مطالب: المطلب الأول: التلبية في الشرع هي قول المُحْرِم: (لبيك اللهم لبيك … ). المطلب الثاني: التلبية سُنة؛ لأنها ذِكر فتُسَن ولا تجب كسائر الأذكار. المطلب الثالث: فَضْل التلبية: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي، إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا». المطلب الرابع: لفظ التلبية: الصحيح أن تلبية رسول الله ﷺ هي: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) من حديث ابن عمر في «الصحيحين»، وحديث جابر عند مسلم، ولم أقف على حديث يصح بغير هذه الصفة. المطلب الخامس: وقت انقطاع التلبية: يَقطع المعتمر التلبية ببلوغه أول حدود الحرم؛ لحديث ابن عمر الدالّ على أن رسول الله ﷺ كان يُمسِك عن التلبية إذا دخل أدنى الحرم. وحديث ابن عباس: «يُلَبِّي الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ» حديث ضعيف، والصحيح فيه الوقف. وأما التلبية فتنتهي في الحج عند ابتداء رمي جمرة العقبة يوم النحر، فَعَنِ الفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الجَمْرَةَ. المطلب السادس: رَفْع الصوت بالتلبية: يُسَن للرجل أن يَرفع صوته بالتلبية؛ لِما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا». وأما المرأة فتُكْثِر من التلبية، ولكنها لا تَرفع صوتها، وإنما تلبي سرًّا بالقَدْر الذي تُسْمِع به نفسها؛ وذلك لِما يُخشَى من رفع صوتها من الفتنة. المطلب السابع: حُكْم التلبية بغير اللغة العربية: لا تَجوز التلبية بغير العربية لمن يُحْسِنها؛ لأن التلبية ذِكر كالأذكار المشروعة للصلاة والنوم والأذان، وأما إذا كان الملبي لا يُحْسِن اللغة العربية، فله أن يلبي بِلُغته، على قول جماهير العلماء. وأما الصبي والأخرس فيُلبَّى عنهما.

стр. 170

الفصل الثاني: محظورات الإحرام: وهذه المحظورات ترجع إلى أربعة أصول: الأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن. وفيه ثلاثة محظورات: المحظور الأول: حَلْق الشَّعْر أو تقصيره. المحظور الثاني: تقليم الأظفار. المحظور الثالث: الطِّيب. الأصل الثاني: ما يتعلق بالمَخيط. وهو قسمان: القسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان: المحظور الأول: لُبس المَخيط. المحظور الثاني: تغطية الرأس. القسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: المحظور الأول: النقاب. المحظور الثاني: القُفازان. الأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم. ويشتمل على أربعة محظورات: المحظور الأول: الخِطبة للمُحْرِم. المحظور الثاني: عَقْد النكاح. المحظور الثالث: مباشرة النساء. المحظور الرابع: الجماع. الأصل الرابع: قتل الصيد البري.

стр. 171

تمهيد معنى محظورات الإحرام المحظورات: جَمْع محظور، وهو الممنوع، وهو من مرادفات الحرام، وهو ما يُمْنَع منه المُحْرِم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. ومحظورات الإحرام: هي الممنوعات التي يجب على المُحْرِم اجتنابها؛ بسبب إحرامه ودخوله في النسك (١). والمحظورات ترجع إلى أربعة أصول: الأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن. وفيه ثلاثة محظورات، وهي: حَلْق الشَّعْر، وتقليم الأظفار، والطِّيب. المحظور الأول: حَلْق الشَّعْر: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: حَلْق شَعْر الرأس أو تقصيره: حَلْق شَعر الرأس أو تقصيره من محظورات الإحرام، بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وتجب الفدية بحلق الرأس؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السُّنة، فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً» (٢).

стр. 172

وأما الإجماع، فنُقِل الإجماع على أن حلق شعر الرأس أو تقصيره من محظورات الإحرام، وتجب به الفدية (١). المبحث الثاني: هل تجب الفدية بإزالة شَعر بقية البدن؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: تجب، وهو مذهب الأئمة الأربعة. قال ابن عبد البر: لا خلاف أنه لا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء من شَعْر رأسه وجسده لضرورة ما دام مُحْرِمًا. ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف الظاهرية فقالوا: لا يُحْظَر حلق شعر غير شعر الرأس للمُحْرِم (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة القياس: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وَجْه الدلالة ما قاله البغوي: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ التَّفَثُ: الْوَسَخُ وَالقَذَارَةُ مِنْ طُولِ الشَّعْرِ وَالأَظْفَارِ وَالشَّعَثِ. تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ تَسْتَقْذِرُهُ: مَا أَتْفَثَكَ! أَيْ: مَا أوْسَخَكَ! وَالحَاجُّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، أيْ: لَمْ يَحْلِقْ شَعْرَهُ وَلَمْ يُقَلِّمْ ظُفْرَهُ، فَقَضَاءُ التَّفَثِ إِزَالَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ (٣). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «التَّفَثُ: الرَّمْيُ، وَالذَّبْحُ، وَالْحَلْقُ، وَالتَّقْصِيرُ، وَالْأَخْذُ مِنَ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَاللِّحْيَةِ» (٤). وأما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (٥).

стр. 173

وَجْه الدلالة: أن المضحي لم يُمْنَع من الأخذ من شعر رأسه فقط، بل مُنِع من الأخذ من شعر الشارب والإبط والعانة، فالمُحْرِم أَوْلَى بذلك منه. وأما القياس، فقاسوا شعر الجسد على شعر الرأس؛ بجامع أن الكل يَحصل بحلقه الترفه والتنظف، وهو ينافي الإحرام؛ لكَوْن المُحْرِم أشعث أغبر (١). القول الثاني: أنه لا فدية بإزالة شعر بقية البدن غير شعر الرأس. وبه قال الظاهرية (٢). واستدلوا بأن النص جاء بتحريم حلق الرأس فقط، ولا يصح قياسُ غيره عليه. ونوقش: فَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى شَعْرِ الرَّأْسِ؛ لأَنَّهُ الغَالِبُ، ولِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى شَعْرِ الْجَسَدِ؛ لِوُجُودِ مَعْنَى الرَّأْسِ فِيهِ وَزِيَادَةٍ (٣). والراجح: أنه لا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء مِنْ شعر رأسه وجسده، كقص شاربه ونَتْف إبْطه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾. وللقياس على شعر الرأس. وتجب الفدية بالأخذ من شعر الرأس أو الجسد. المبحث الثالث: مقدار الحلق الذي تجب به الفدية: اتَّفَق العلماء على أنه إذا سقط شعر المُحْرِم بنفسه، فلا فدية فيه. أما إذا كان بفعله، فقد اختلفوا في مقدار الحلق الذي تجب به الفدية على أربعة أقوال: القول الأول: تجب الفدية في حلق الشَّعر حلقًا يكاد أن يكون كاملًا. أما إذا أَخَذ شعرات فإنه يَحرم عليه، لكن الفدية لا تجب. وهو قول المالكية وابن حزم (٤). واستدلوا لهذا القول بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن مَنْ أَخَذ شعرات من رأسه لا يقال: إن هذا حالق الرأس. وأما السُّنة، فَعَنْ كَعْبِ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى

стр. 174

وَجْهِي، فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ! قَالَ: «فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ … ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ- وَهُوَ مُحْرِمٌ- فِي رَأْسِهِ» (١). وَجْه الدلالة: أن الحجامة في الرأس من ضرورتها أن يُحلَق الشَّعر من مكان المَحاجم، ولم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه افتدى؛ لأن الشَّعر الذي يُزال من أجل المَحاجم لا يماط به الأذى، فهو قليل بالنسبة لبقية الشَّعر. القول الثاني: تجب الفدية بحلق أكثر من عَشْر شعرات، وإِنْ أَخَذ عَشْرًا فأقل ولم يَقصد به إماطة الأذى، فيجب عليه أن يتصدق بحفنة من طعام. وهو قول للمالكية (٢). القول الثالث: تجب الفدية بحلق ثلاث شعرات فأكثر. وهو قول للشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). القول الرابع: تجب الفدية بحلق ربع الرأس. وهو قول الحنفية (٤). فالحاصل: أن حلق رأس المُحْرِم لا يخلو من أربع حالات: الأولى: إِنْ أَخَذ شعرات، فلا يُعَد حلقًا، وليس عليه شيء (٥). الثانية: إذا حَلَق بعض الرأس لعذر كالحجامة أو مداواة جرح، فإنه لا شيء عليه؛ لأن رسول الله ﷺ احتجم- وهو مُحْرِم- في رأسه، ولم يُنْقَل أنه فدى. الثالثة: تجب الفدية في حلق أكثر شَعْر المُحْرِم. الرابعة: إِذَا خَرَجَ في عَيْنَيْهِ شَعَرٌ، أَوِ اسْتَرْسَلَ شَعَرُ حَاجِبَيْهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، فَغَطَّاهُمَا، فَلَهُ إِزَالَتُهُ (٦).

стр. 175

المبحث الرابع: غَسْل رأس المُحْرِم وتسريحه: ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا بأس بَغسل المُحْرِم رأسه، وتسريحه (١). واستدلوا بأن أبا أيوب اغتسل وهو مُحْرِم، وقال: هكذا رأيتُه ﷺ يَفعل (٢). المحظور الثاني: تقليم الأظفار: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: حُكْم إزالة الأظفار للمُحْرِم: قال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ قَلْمِ أَظْفَارِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الْأَظْفَارِ إزَالَةُ جُزْءٍ يَتَرَفَّهُ بِهِ فَحُرِّمَ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ (٣). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف الظاهرية فقالوا: إن المُحْرِم غير ممنوع من أخذ أظفاره، والصحيح: أن هذا قول جماهير العلماء (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] أَيْ: لِيُزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِحْرَامِ بِالْحَلْقِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَقَلْمِ الْأَظْفَارِ. وَلِأَنَّ فِي قَصِّهِ لِلَأَظْفَارِ إِزَالَةَ جُزْءٍ يَنْمُو مِنْ بَدَنِهِ، يَقْضِي بِهِ تَفَثَهُ، وَيَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ، أَشْبَهَ الشَّعْرَ. المبحث الثاني: ما يجب من الفدية في تقليم الأظفار: يجب في تقليم الأظفار فدية: ذَبْح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين (٥). قال ابن قُدامة: فدَلَّتِ الآيَةُ والخَبَرُ على وُجُوبِ الفِدْيَةِ في حَلْقِ الشَّعَرِ، وَقِسْنَا عَلَيْهِ تَقْلِيمَ الأظْفارِ؛ لأنَّه حُرِّمَ في الإِحْرامِ لأجْلِ التَّرَفُّهِ، فَأَشْبَهَ حَلْقَ الشَّعَرِ (٦).

стр. 176

المبحث الثالث: قص ما انكسر من الظفر: إِنِ انكسر ظفره فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه. قال ابن المُنذِر: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُزِيلَ ظُفْرَهُ بِنَفْسِهِ إِذَا انْكَسَرَ؛ لأَنَّ بَقَاءَهُ يُؤْلِمُهُ، أَشْبَهَ الشَّعَرَ النّابِتَ فِي عَيْنِهِ (١). المبحث الرابع: في كَمْ ظفر يُقَلَّم تجب به الفدية؟ اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى، فعليه الفدية. وهذا مذهب المالكية (٢). الثاني: أن مَنْ قَلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم. وبه قال الشافعية والحنابلة (٣). الثالث: أن مَنْ قَلَّم خمسة أظفار فعليه دم. وهو مذهب الحنفية (٤). والراجح: أن مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى فعليه الفدية، فالمُحْرِم ممنوع من الأخذ من الأظفار؛ لأن هذا ينافي الإحرام لكون المُحْرِم أشعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ولأنه إزالة جزء ينمو من بدنه، يَقضي به تفثه، ويترفه بإزالته، أَشْبَه الشَّعر. المحظور الثالث: الطِّيب للمُحْرِم: وفيه عَشَرة مباحث: المبحث الأول: حُكْم الطِّيب للمُحْرِم: الطِّيب من محظورات الإحرام في البدن والثوب، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فعن يعلى بن أُمية ﵁ قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ (٥) وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ (٦) فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟»

стр. 177

فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ» (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا» (٢). وَجْه الدلالة: ما قاله ابن قُدامة: فَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ، فَالْحَيُّ أَوْلَى (٣). وأما الإجماع، فنَقَل غير واحد الإجماع على أن المُحْرِم ممنوع من الطِّيب (٤). المبحث الثاني: الحِكَم من تحريم الطِّيب على المُحْرِم: الحكمة الأولى: كَوْنه من أسباب دواعي الوَطْء، فتحريمه مِنْ سد باب الذريعة، فإن الطِّيب يُعطِي الإنسان نشوة، وربما يُحَرِّك شهوته ويُلهِب غريزته، ويَحصل بذلك فتنة له، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٥). الحكمة الثانية: أنه يُنَافِي تَذَلُّل الحاج، فإن الحاج أشعث أَغْبَر. وقد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ لِما فيه من الترفه، وهذا يخالف مقصود الحج من التجرد عن زينة الدنيا ومَلاذها، ويَجتمع همه للآخرة؛ فلذلك نُهِيَ عنه المُحْرِم. المبحث الثالث: ضابط الطِّيب المحظور على المُحْرِم. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الطِّيب المتفق على تحريمه على المُحْرِم: اتَّفَق العلماء على أن كل ما كان معروفًا عند الناس بأنه طِيب لطِيب رائحته ويُتَّخَذ للشَّم، فهو محظور على المُحْرِم، مِثل المِسك والكافور والزعفران والعُود والعنبر (٦). المطلب الثاني: اتَّفَق العلماء على جواز شم المُحْرِم نبات الصحراء، مما له رائحة

стр. 178

زكية، كالإِذْخِر والفواكه طيبة الرائحة. المطلب الثالث: حُكم شم الرياحين للمُحْرِم: اختَلف العلماء على قولين فيما يُنبته الآدميون للطِّيب ولا يُتخَذ منه الطِّيب، كالرياحين والنرجس، فهل يَجوز للمُحْرِم شمها؟ وهل هو موجب للفدية؟ القول الأول: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول الشافعية والحنابلة (١). فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمُحْرِمِ يَدْخُلُ الْبُسْتَانَ، قَالَ: «نَعَمْ، وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ» (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَشُمَّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ» (٣). القول الآخَر: أن الفدية تجب على المُحْرِم بشم الرياحين. وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٤). والراجح: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين؛ لأن المحظور على المُحْرِم هو وضع الطِّيب على الثوب أو البدن، وليس مجرد الشم، والأحوط للدِّين والأبرأ للذمة ألا يتقصد شم الرياحين. المطلب الرابع: حُكْم استعمال البخور للمُحْرِم: يَحرم استعمال البخور على المُحْرِم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٥).

стр. 179

واستدلوا بعمومات الأدلة من السُّنة والإجماع على منع المُحْرِم من الطِّيب، والبخور من جملة أنواع الطِّيب الذي حُظر على المُحْرِم استعماله، وأنه يَصدق على مَنْ تَبَخَّر أنه تَطيَّب. وإذا كان المقصود من الطِّيب هو الاستمتاع برائحته، فالبخور أَوْلَى بالتحريم. المبحث الخامس: بقاء الطِّيب بعد الإحرام: وفيه مطلبان: أَجْمَع العلماء على تحريم وضع الطِّيب في الثوب والبدن بعد الإحرام، وتجب به الفدية، واختلفوا فيمن تَطَيَّب قبل إحرامه ثم بقي الطِّيب واستدام، ولا يخلو من أن يكون بالبدن أو الثوب. المطلب الأول: حُكْم استدامة الطِّيب في البدن الذي كان قبل الإحرام: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: استحباب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ» (٢). وَجْه الدلالة: (كُنْتُ أُطَيِّبُ .... لِإِحْرَامِهِ) أي: بعد اغتسال النبي ﷺ تضع الطِّيب على بدنه، قبل أن يَلبس ملابس الإحرام. وَعَنْها أَيْضًا قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٣). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يضع الطِّيب في مَفْرِق رأسه قبل الإحرام، وعائشة كانت تَرى بريق الطِّيب في مَفْرِق رأسه وهو مُحْرِم ﷺ . فهذا دليل على جواز استدامة الطِّيب في البدن إذا كان قبل الإحرام.

стр. 180

واعتُرض على هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: حَمْل تَطَيُّبِ النَّبِيِّ لِإِحْرَامِهِ عَلَى الخُصُوصِ لَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِإِرْبِهِ. وَلِأَنَّ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ فِي الْإِحْرَامِ- مَأْمُونٌ مِنْهُ ﷺ (١). ونوقش بقول عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ … » أي: بيدها، ولم يُحْفَظ عنه أنه أَمَرها بغسلها. والخصوصية لا تَثبت إلا بدليل. وقالت عائشة: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا يَنْهَاهَا» (٢). الوجه الثاني: حَمْل الطِّيب الذي تَطَيَّبَ به النبي ﷺ على نوع لا لون ولا ريح له، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ النَّبيَّ ﷺ لإِحْلَالِهِ، وَطَيَّبْتُهُ لإِحْرَامِهِ، طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» (٣) تَعْنِي: لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ. ونوقش بأن لفظة (لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا) ضعيفة، ولو صحت فمعناها أنه أطيب من طِيبكم، فعن عُروة قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ
следующие страницы →