← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المبحث الثالث: قص ما انكسر من الظفر: إِنِ انكسر ظفره فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه. قال ابن المُنذِر: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُزِيلَ ظُفْرَهُ بِنَفْسِهِ إِذَا انْكَسَرَ؛ لأَنَّ بَقَاءَهُ يُؤْلِمُهُ، أَشْبَهَ الشَّعَرَ النّابِتَ فِي عَيْنِهِ (١). المبحث الرابع: في كَمْ ظفر يُقَلَّم تجب به الفدية؟ اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى، فعليه الفدية. وهذا مذهب المالكية (٢). الثاني: أن مَنْ قَلَّم ثلاثة أظفار فعليه دم. وبه قال الشافعية والحنابلة (٣). الثالث: أن مَنْ قَلَّم خمسة أظفار فعليه دم. وهو مذهب الحنفية (٤). والراجح: أن مَنْ قَلَّم ظفرًا لإماطة الأذى فعليه الفدية، فالمُحْرِم ممنوع من الأخذ من الأظفار؛ لأن هذا ينافي الإحرام لكون المُحْرِم أشعث؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ولأنه إزالة جزء ينمو من بدنه، يَقضي به تفثه، ويترفه بإزالته، أَشْبَه الشَّعر. المحظور الثالث: الطِّيب للمُحْرِم: وفيه عَشَرة مباحث: المبحث الأول: حُكْم الطِّيب للمُحْرِم: الطِّيب من محظورات الإحرام في البدن والثوب، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فعن يعلى بن أُمية ﵁ قال: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ (٥) وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ (٦) فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟»

стр. 177

فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ» (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا» (٢). وَجْه الدلالة: ما قاله ابن قُدامة: فَلَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ لِإِحْرَامِهِ، فَالْحَيُّ أَوْلَى (٣). وأما الإجماع، فنَقَل غير واحد الإجماع على أن المُحْرِم ممنوع من الطِّيب (٤). المبحث الثاني: الحِكَم من تحريم الطِّيب على المُحْرِم: الحكمة الأولى: كَوْنه من أسباب دواعي الوَطْء، فتحريمه مِنْ سد باب الذريعة، فإن الطِّيب يُعطِي الإنسان نشوة، وربما يُحَرِّك شهوته ويُلهِب غريزته، ويَحصل بذلك فتنة له، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٥). الحكمة الثانية: أنه يُنَافِي تَذَلُّل الحاج، فإن الحاج أشعث أَغْبَر. وقد ينسيه ما هو فيه من العبادة؛ لِما فيه من الترفه، وهذا يخالف مقصود الحج من التجرد عن زينة الدنيا ومَلاذها، ويَجتمع همه للآخرة؛ فلذلك نُهِيَ عنه المُحْرِم. المبحث الثالث: ضابط الطِّيب المحظور على المُحْرِم. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الطِّيب المتفق على تحريمه على المُحْرِم: اتَّفَق العلماء على أن كل ما كان معروفًا عند الناس بأنه طِيب لطِيب رائحته ويُتَّخَذ للشَّم، فهو محظور على المُحْرِم، مِثل المِسك والكافور والزعفران والعُود والعنبر (٦). المطلب الثاني: اتَّفَق العلماء على جواز شم المُحْرِم نبات الصحراء، مما له رائحة

стр. 178

زكية، كالإِذْخِر والفواكه طيبة الرائحة. المطلب الثالث: حُكم شم الرياحين للمُحْرِم: اختَلف العلماء على قولين فيما يُنبته الآدميون للطِّيب ولا يُتخَذ منه الطِّيب، كالرياحين والنرجس، فهل يَجوز للمُحْرِم شمها؟ وهل هو موجب للفدية؟ القول الأول: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول الشافعية والحنابلة (١). فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمُحْرِمِ يَدْخُلُ الْبُسْتَانَ، قَالَ: «نَعَمْ، وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ» (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَا بَأْسَ أَنْ يَشُمَّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ» (٣). القول الآخَر: أن الفدية تجب على المُحْرِم بشم الرياحين. وهو الصحيح عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٤). والراجح: أنه لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين؛ لأن المحظور على المُحْرِم هو وضع الطِّيب على الثوب أو البدن، وليس مجرد الشم، والأحوط للدِّين والأبرأ للذمة ألا يتقصد شم الرياحين. المطلب الرابع: حُكْم استعمال البخور للمُحْرِم: يَحرم استعمال البخور على المُحْرِم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٥).

стр. 179

واستدلوا بعمومات الأدلة من السُّنة والإجماع على منع المُحْرِم من الطِّيب، والبخور من جملة أنواع الطِّيب الذي حُظر على المُحْرِم استعماله، وأنه يَصدق على مَنْ تَبَخَّر أنه تَطيَّب. وإذا كان المقصود من الطِّيب هو الاستمتاع برائحته، فالبخور أَوْلَى بالتحريم. المبحث الخامس: بقاء الطِّيب بعد الإحرام: وفيه مطلبان: أَجْمَع العلماء على تحريم وضع الطِّيب في الثوب والبدن بعد الإحرام، وتجب به الفدية، واختلفوا فيمن تَطَيَّب قبل إحرامه ثم بقي الطِّيب واستدام، ولا يخلو من أن يكون بالبدن أو الثوب. المطلب الأول: حُكْم استدامة الطِّيب في البدن الذي كان قبل الإحرام: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: استحباب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا لذلك بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ» (٢). وَجْه الدلالة: (كُنْتُ أُطَيِّبُ .... لِإِحْرَامِهِ) أي: بعد اغتسال النبي ﷺ تضع الطِّيب على بدنه، قبل أن يَلبس ملابس الإحرام. وَعَنْها أَيْضًا قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ» (٣). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يضع الطِّيب في مَفْرِق رأسه قبل الإحرام، وعائشة كانت تَرى بريق الطِّيب في مَفْرِق رأسه وهو مُحْرِم ﷺ . فهذا دليل على جواز استدامة الطِّيب في البدن إذا كان قبل الإحرام.

стр. 180

واعتُرض على هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: حَمْل تَطَيُّبِ النَّبِيِّ لِإِحْرَامِهِ عَلَى الخُصُوصِ لَهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِإِرْبِهِ. وَلِأَنَّ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ فِي الْإِحْرَامِ- مَأْمُونٌ مِنْهُ ﷺ (١). ونوقش بقول عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ … » أي: بيدها، ولم يُحْفَظ عنه أنه أَمَرها بغسلها. والخصوصية لا تَثبت إلا بدليل. وقالت عائشة: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ الْمُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا يَنْهَاهَا» (٢). الوجه الثاني: حَمْل الطِّيب الذي تَطَيَّبَ به النبي ﷺ على نوع لا لون ولا ريح له، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ النَّبيَّ ﷺ لإِحْلَالِهِ، وَطَيَّبْتُهُ لإِحْرَامِهِ، طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» (٣) تَعْنِي: لَيْسَ لَهُ بَقَاءٌ. ونوقش بأن لفظة (لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا) ضعيفة، ولو صحت فمعناها أنه أطيب من طِيبكم، فعن عُروة قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ

стр. 181

حُرْمِهِ؟ قَالَتْ: بِأَطْيَبِ الطِّيبِ. وفي رواية: بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ (١). والمسك له رائحة تفوح. الوجه الثالث: أن تَطيُّب النبي ﷺ أعقبه اغتسال؛ لقول عائشة: «أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا» (٢). وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالطَّوَافِ الْجِمَاعُ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْقَى لِلطِّيبِ أَثَرٌ. ونوقش بقول عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَحُ طِيبًا» فهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ نَضْحَ الطِّيبِ وَظُهُورَ رَائِحَتِهِ كَانَ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ. وأما استدلالهم بالمعقول، فهو أن الطِّيب معنى يراد للاستدامة، فلم يَمنع الإحرام من استدامته كالنكاحِ (٣). القول الآخَر: خَالَف المالكيةُ الجمهور، فمنعوا من استدامة الطِّيب في البدن، ولكن دون لزوم الفدية (٤). واستدلوا بحديث يعلى بن أُمية، وفيه قول النبي ﷺ للرجل: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ … » (٥). وَجْه الدلالة: في أمر النبي ﷺ للرجل بغَسْل أثر الطِّيب الذي ببدنه، وبنزع الجبة التي عليها الطِّيب- دليل على منع المُحْرِم من استدامة الطِّيب بعد الإحرام في بدنه وثوبه، ولم يُلزِمه بالفدية. ونوقش هذا الاستدلال من أربعة أوجه: الوجه الأول: حَمْل الأمر بغَسْل الطِّيب في حديث يعلى على نوع مخصوص من الطِّيب، وهو الخَلوق، كما صَرَّحَتْ به بعض روايات الحديث (٦).

стр. 182

ونوقش بأن الخَلوق طِيب فيه زعفران، وقد نُهي عنه الرجال مطلقًا، مُحْرِمين وغير مُحْرِمين؛ لأجل التزعفر لا لأجل الإحرام. ولا يَخْفَى تكلفه (١). الوجه الثاني: أن هذا الخَلوق كان في الجُبة لا في البدن. ونوقش بأنه لو كان الطِّيب في الثياب دون البدن، لكان في الأمر بنزع الجبة كفاية، ولم يكن لقول النبي ﷺ : «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ» فائدة. الوجه الثالث: ما قاله النووي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ بَعْدَ إحْرَامِهِ فَأَمَرَ بِإِزَالَتِهِ. وَفِي هَذَا الْجَوَابِ جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ (٢). ونوقش بأن لفظ الحديث يُفْهَم منه أن الرجل استَعمل الطِّيب قبل إحرامه، ولفظ مسلم: قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ وَعَلَيَّ هَذَا، وَأَنَا مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ (٣). الوجه الرابع: أن حديث عائشة في تطيبب النبي ﷺ في حجة الوداعِ- ناسخ لحديث يعلى بن أُمية المتضمن أمره ﷺ بغَسْل الطِّيب من بدن الرجل وثيابه؛ لأنه كان عَقِب فتح مكة سَنة ثمانٍ، بالإجماع (٤). فحاصل هذا الوجه أن حديث يعلى بن أُمية منسوخ بحديث عائشة، والله أعلم. المطلب الثاني: حُكْم بقاء الطِّيب واستدامته بثوب الإحرام بعد الإحرام: أَجْمَع العلماء على تحريم لُبس ما مسه الطِّيب حال الإحرام (٥). واختلفوا في جواز وضع الطِّيب على الرداء قبل الإحرام واستدامته، على قولين: القول الأول: يُمنَع الحاج من تطييب ثوب الإحرام قبل إحرامه؛ لعدم جواز استدامة

стр. 183

اللُّبس المُطيَّب بعد الإحرام. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية (١). واستدلوا بالسُّنة: واستدلوا بأنه لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام قبل أن يُحْرِم فيه؛ لنهي النبي ﷺ عن لُبس المُحْرِم الثوب المُطيَّب، وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يُغيِّرها؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» (٢). واستدلوا بأمر النبي ﷺ للرجل بنزع الجُبة التي فيها طِيب، بقوله: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ». القول الآخَر: جواز استدامة اللُّبس المُطيَّب ولا فدية عليه، ولكن بشرط ألا ينزعه ثم يعود للبسه مرة أخرى، وإلا لزمت الفدية. وهو المشهور عند الشافعية (٣). واستدلوا بحديث عائشة: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ». وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يتطيب قبل الإحرام، واستدامة الطِّيب بعد إحرامه دليل على أن الممنوع هو ابتداء التطيب بعد لبس الإحرام وليس استدامته. واعتُرض عليه من وجهين: الأول: أن الرخصة إنما جاءت في البدن وليس الثياب؛ لأن الطِّيب في الثوب يبقى لا يُستهلك، بخلاف البدن فإن الطِّيب يُستهلك سريعًا ولا يبقى؛ فلا يصح القياس. الثاني: أن أَمْر النبي ﷺ للرجل بنزع الجُبة دليل على تحريم استدامته. والراجح: أنه لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام (الإزار والرداء) وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها؛ لنَهْي النبي ﷺ المُحْرِم عن لُبس الثوب المُطيَّب بقوله: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وإنما السُّنة تطييب البدن، كرأسه ولحيته وإبطيه وجسده قبل الإحرام، والله أعلم.

стр. 184

المبحث السادس: إذا خُلِط الطِّيب بطعام، فهل تجب فيه الفدية؟ اتفق عامة أهل العلم على أن الزعفران وغيره من الطِّيب إذا خُلط بطعام، ثم طُبخ على النار، فذهب طعمه ولونه وريحه، فإنه يَجوز للمُحْرِم أكله، ولا فدية في ذلك (١). واختلفوا على ثلاثة أقوال في الطعام إذا خُلط بطِيب، ثم طُبخ على النار، وبقيت صفاته أو شيء منها، فهل يَجوز للمُحْرِم تناوله أم لا؟ الأول: إذا خُلط الطِّيب بطعام، فظهرت الرائحة، فإن عليه الفدية. بخلاف ما لو ذهبت الرائحة بالطبخ، فيَجوز أكله ولا فدية عليه؛ لأن الحُكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). الثاني: أن خلط الطِّيب بطعام له حالتان: الأولى: أن يُخلَط الطِّيب بطعام مطبوخ، فلا شيء عليه؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ. الثانية: أن يُخلَط الطِّيب بطعام غير مطبوخ، فإن كان الطعام أكثر فلا شيء عليه، وإن كان الطِّيب أكثر وجب في أكله الدمُ. وهذا مذهب الحنفية (٣). القول الثالث: أن كل طعام خُلط بطِيب من غير أن يُطبَخ فيه، فهو محظور وتجب فيه الفدية. وبه قال المالكية (٤). والراجح: أنه إذا خُلط الطِّيب كالزعفران بطعام، فذهبت الرائحة بالطبخ، جاز أكله ولا فدية عليه؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ. وكذا ملونات الطعام ومنكهاته، لا فدية على المُحْرِم في استعمالها.

стр. 185

المبحث السابع: مس طِيب الكعبة: مَسُّ طِيب الكعبة لا يخلو من حالين: الأول: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة قاصدًا التلذذ به، فتجب عليه الفدية؛ لقوله ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» فالمُحْرِم ممنوع من مس الطِّيب. الثاني: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة من غير قصد، فهذا لا شيء عليه. تنبيه: إن من الإساءة العظيمة وَضْع الطِّيب على الحَجَر الأسود؛ لأنه سوف يَحْرِم المُحْرِمَ من استلام الحجر الأسود؛ لوجود الطِّيب. ولأنه لو استلمه لوقع في محظور من محظورات الإحرام، وهو مس الطِّيب. وكلاهما عُدْوان على الطائفين المُحْرِمين (١). المبحث الثامن: حُكم شم الطِّيب للمُحْرِم: ذهب جماهير العلماء إلى أن شم الطِّيب كالمسك والكافور والعنبر والعود، بغير قصد- لا يوجب الفدية. واختلفوا على قولين في شم المسك والعود قصدًا دون استعماله: الأول: أنه يُكْرَه تَعمُّد شم الطِّيب، كالمسك والكافور والعنبر والعود؛ لأن الأدلة مَنَعَتْ المُحْرِم من استعمال الطِّيب في البدن والثوب، وليس مجرد الشم. وهو مذهب الحنفية، وظاهر مذهب المالكية، وقول للشافعية، وقول ابن حامد من الحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ للصحابة عند تغسيل مُحْرِم: « … وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا» فالمراد بالمنع عدم وضع الطِّيب في الثوب والبدن وليس الشم؛ إذ الميت لن يشم الطِّيب. القول الآخَر: أنه يَحرم تَعمُّد شم الطِّيب، وتجب فيه الفدية. وهو قول للمالكية، وقول للشافعية، ومذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بأن القصد من منع المُحْرِم من الطِّيب هو ترك الترفه والتلذذ، والتلذذ يكون

стр. 186

بالشم كما يكون بالاستعمال، بل إن المراد من الاستعمال هو الشم. واعتُرض عليه بأن قياس الاستعمال على الشم قياس مع الفارق؛ لأن الشم عارض والامتناع عنه فيه مشقة، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والاستعمال يكون فيه استدامة؛ ولذا مُنِع المُحْرِم من استعمال الطِّيب وليس الشم. الراجح: أن شم الطِّيب كالمسك والكافور والعود مكروه، و لا يوجب الفدية. والحاصل أن شم الطِّيب على قسمين: الأول: أن يَشم المُحْرِم الطِّيب من غير قصد، كَمَنْ مر بالكعبة وهي تُطيَّب فوَجَد رائحة الطِّيب، أو مر بعطار فوَجَد الرائحة. فهذا لا شيء عليه. الثاني: أن يَشم المُحْرِم الطِّيب بقصد التلذذ به؛ فهذا مكروه لأن شمه يترفه به كما يترفه بوضعه، ولا يوجب الفدية. المبحث التاسع: الصابون المُطيَّب، وما في حكمه من المُنظِّفات: اختَلف العلماء على ثلاثة أقوال في ذلك: الأول: لا يَجوز استعماله. وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعية والحنابلة (١). الثاني- أن الصابون المُطيَّب يَجوز استعماله. وهو مذهب الحنفية (٢). واستدلوا بأن الصابون هو الغالب، والعبرة بالغالب، والمقصود منه التنظيف، ولا يُسمَّى مَنْ اغتَسل بالصابون مُتطيِّبًا. القول الثالث: التفصيل: فيَجوز استعمال الصابون المُطيَّب بالرياحين؛ لأنه إذا كان شم المُحْرِم للرياحين لا يوجب الفدية، فمِن باب أَوْلَى المخلوط بغيره. وأما إذا كان مُطيَّبًا بما يُتخذ للتطيب كالمسك ونحوه، فلا يَجوز استعماله لعموم الأدلة التي تَنهى المُحْرِم عن استعمال الطِّيب. وهذا مذهب المالكية (٣).

стр. 187

المبحث العاشر: الفدية في الطِّيب: إذا تَطَيَّب المُحْرِم عمدًا فعليه الفدية. وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة؛ قياسًا على الفدية في حلق الرأس، بجامع أنه تَرفُّه باستعمال محظور (١). * * *

стр. 188

الأصل الثاني: ما يتعلق بالمَخيط وهو قسمان: القسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان: المحظور الأول المختص بالرجال: لبس المَخيط: وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف المَخيط المَخيط: هو المُفصَّل على قدر البدن أو العضو، بحيث يحيط به، ويَستمسك عليه بنفسه، سواء كان بخياطة أو غيرها، مثل: القميص، والسراويل، ونحو ذلك (١). المبحث الثاني: لُبْس المَخيط للذَّكَر المُحْرِم: وهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: يُحْظَر لُبْس المَخيط للمُحْرِم: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: يُحْظَر لبس المَخيط للذَّكَر المُحْرِم: لُبس المَخيط للذَّكَر من محظورات الإحرام بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ» (٢). قال ابن تيمية: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ اللِّبَاسِ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَحْرُمُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللِّبَاسَ إِمَّا أَنْ يُصْنَعَ لِلْبَدَنِ فَقَطْ فَهُوَ الْقَمِيصُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجُبَّةِ وَالْفَرُّوجِ وَنَحْوِهِمَا. أَوْ لِلرَّأْسِ فَقَطْ، وَهُوَ الْعِمَامَةُ وَمَا فِي مَعْنَاها. أَوْ لَهُمَا وَهُوَ الْبُرْنُسُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ. أَوْ لِلْفَخِذَيْنِ وَالسَّاقِ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ تُبَّانٍ

стр. 189

وَنَحْوِهِ. أَوْ لِلرِّجْلَيْنِ وَهُوَ الْخُفُّ وَنَحْوُهُ (١). وأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على عدم جواز لُبس المُحْرِم للمَخيط (٢). المطلب الثاني: مَنْ أَحْرَم بالمَخيط ؛ لعَدَم حمله التصريح بالحج، فحجه صحيح لكنه يأثم بارتدائه المَخيط إن كان من غير عذر، وتجب عليه الفدية. المطلب الثالث: حُكْم لبس المُحْرِم التُّبَّان (السروال القصير) لسَتْر العورة: فإذا كان المُحْرِم يَعمل ويُكْثِر من التنقل ويَخشى من انكشاف عورته، فهل يَجوز له أن يَستر عورته بسروال قصير تحت الإزار أم لا؟ في هذا قولان للعلماء: القول الأول: ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يَجوز لبس التُّبَّان تحت الإزار (٣). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ». القول الآخَر: ذهب المالكية في رواية إلى جواز لبس السروال القصير إذا احتيج إليه. واستدلوا بما ورد: عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَجَّتْ وَمَعَهَا غِلْمَانٌ لَهَا، وَكَانُوا إِذَا شَدُّوا رَحْلَهَا يَبْدُو مِنْهُمُ الشَّيْءُ، فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا التَّبَابِينَ فَيَلْبَسُونَهَا، وَهُمْ مُحْرِمُونَ (٤). وَجْه الدلالة: أن عائشة ترى جواز لباس سروال قصير تحت الإزار عند الحاجة.

стр. 190

واعتُرض عليه بأنه إذا تعارض الموقوف والمرفوع، قُدِّم المرفوع، الذي فيه نهي المُحْرِم عن لُبس السراويلات. والتُّبَّان سروال قصير، فيَدخل في عموم النهي. والراجح: أنه لا يَجوز لُبس السروال القصير تحت الإزار، وقد يكون ظهور العورة بسبب عدم تعلم كيفية إحكام لباس الإحرام، فينبغي تعليم الحُجاج كيفية إحكام لباس الإحرام حتى لا تظهر العورة؛ لأن ما لا يَتم الواجب إلا به فهو واجب. المطلب الرابع: مدة اللبس الموجبة للفدية: اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أن قليل اللبس وكثيره سواء في إيجاب الفدية؛ لأن ظواهر النصوص مَنَعَتِ المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). الثاني: أن المُحْرِم إذا لبس المَخيط، ثم نزعه في الحال، فلا فدية عليه؛ لعموم قول النبي ﷺ لمُحْرِم: «اخلع عنك هذه الجُبة» ولم يأمره بالفدية. وهو قول للمالكية (٢). الثالث: أن الفدية لا تجب إلا بلباس يوم كامل. وهو مذهب الحنفية (٣). ونوقش بأنه قد تُؤدَّى العمرة في أقل من يوم، ومعنى ذلك أن المعتمر قد يؤدي عمرته ولا فدية عليه؛ لأن التأقيت بيوم لا يَثبت إلا بدليل. والراجح: أن ظواهر نصوص الكتاب والسُّنة مَنَعَتِ المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد، فدل ذلك على أن مطلق اللبس يوجب الفدية، وأن قليله وكثيره سواء. والله أعلم. القسم الثاني: الحالات المستثناة من لُبس المَخيط: وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: لُبس السراويل لمن لم يجد الإزار: إن لم يجد المُحْرِم إزارًا، لبس السراويل، دل على ذلك السُّنة والإجماع. أما السُّنة، فما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: «مَنْ

стр. 191

لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ» (١). وأَجْمَع العلماء على أن للمُحْرِم أن يَلبس السراويل إذا لم يجد الإزار (٢). المطلب الثاني: عَقْد الإزار للمُحْرِم: اختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: يَجوز عقد الإزار للمُحْرِم إذا لم يَثبت ويَستمسك إلا بذلك. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم، والظاهرية (٣). قال طاوس: رأيتُ ابن عمر يَطوف بالبيت، وعليه عمامة قد شَدَّها على وَسَطه (٤). الثاني: يُكْرَه للمُحْرِم عقد الإزار. وهو مذهب الحنفية (٥). الثالث: يَحرم عقد الإزار؛ لأنه في معنى المَخيط. وهو مذهب المالكية (٦). والراجح: أن عقد الإزار يُفْعَل إذا احتيج إليه؛ لأن فيه مصلحة، وهو أن يَثبت به، وقد تنكشف العورة بدون عقده، ويُحتاج إليه لسَترها. المطلب الثالث: حُكْم تشبيك الرداء بمشبك: يَجوز للمُحْرِم تشبيك ردائه بمشبك ونحوه؛ لأنه لا يُعَد لُبسًا. قال ابن عثيمين: لو شَبَّك رداءه بمشبك فإنه لا يُعَد لُبسًا، بل هو رداءٌ مُشَبَّك، لكن بعض الناس توسعوا في هذه المسألة، وصار الرجل يشبك رداءه من رقبته إلى عانته، فيبقى كأنه قميص ليس له أكمام، وهذا لا ينبغي (٧).

стр. 192

المطلب الرابع: حُكْم لُبس المُحْرِم الإزار المَخيط: ذهب جماهير العلماء إلى عدم جواز لبس الإزار المَخيط؛ لأنه يحيط بالبدن بخياطة، فهو لباس مصنوع على قدر البدن، كالسراويل (١). وذهب الشيخ ابن عثيمين إلى أن الإحرام بالإزار المَخيط جائز، ولا يوجب الفدية (٢). واستَدل بظاهر قول النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ». وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أطلق لفظ الإزار، ولم يقل: (إزارًا لم يُخَط أو ليس فيه خياطة) فدل على أن المَخيط داخل في عموم النص، ومَن أخرجه فعليه الدليل. واعتُرض على هذا الاستدلال بأن الإزار في اللغة والشرع غير مَخيط، وأما الإزار المَخيط فيُسمَّى نُقْبَة، وعلى هذا فالإزار المَخيط لا يَدخل في مُسمَّى الإزار، وقد بَوَّب البخاري: بَابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ» (٣). فهذا يدل على أن الإزار غير مَخيط؛ لأن الإزار المَخيط لا يُعْقَد على العاتق. واستَدل بأن كلمة (مَخيط) لم تَرِد في السُّنة، بينما الذي ورد: «لا يَلبس المُحْرِم … ». ونوقش بأن الفقهاء يقولون: (يَحرم على المُحْرِم المَخيط) بِناء على الغالب؛ ولذا فقد اتفقوا على أن ما وُضِع على قدر البدن أو جزء منه بدون خياطة- داخل في التحريم، سواء كان ذلك بنسج أو بلصق أو غير ذلك. المطلب الخامس: حُكْم لبس قطعة ثالثة مع الإحرام تَستر العورة: لا يجوز للمُحْرِم لبس قطعة ثالثة على الفرج لتَستر العورة؛ لأمرين: الأول: أنها تحيط بالبدن بكبسات معدنية، فتَدخل في معنى المنصوص، كالسروال.

стр. 193

الثاني: أن هَدْي النبي ﷺ أن الإحرام في إزار ورداء، ولو كانت هذه الصفة جائزة لكان رسول الله ﷺ أول المسارعين إليها، وكيف لا، وهو الذي أُنْزِل عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وهو الذي نَهَى عن بعض الجلسات خَشية ظهور العورة (١). المطلب السادس: حُكم لبس المُحْرِم الحزام ليضع فيه النفقة ونحوها: يَجوز لبس الحزام الذي يُشَد على وسط المحرم الآن، ويوضع فيه المال والمحمول والجواز؛ لأن الحاجة داعية إلى لبسه؛ إذ إن ترك لبسه مع وجود النفقة فيه مما يُعَرِّض النفقة للسرقة والضياع. وهذا قول جماهير العلماء قديمًا وحديثًا (٢). المطلب السابع: لُبْس المُحْرِم للخاتم: نُقِل الإجماع على جواز لبس الخاتم للمُحْرِم (٣). المطلب الثامن: لُبْس المُحْرِم للساعة أو النظارة أو سماعة الأذن أو تركيبة الأسنان: يَجوز للمُحْرِم لبس الساعة، أو النظارة؛ وذلك لأنها كلها ليست في معنى ما نهى النبي ﷺ المُحْرِم عن لبسه من أنواع الألبسة (٤). القسم الثالث: لُبْس النعلين للمُحْرِم: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: لُبْس الخفين لمن لم يجد النعلين: إن لم يجد المُحْرِم نعلين لبس الخفين بالإجماع (٥).

стр. 194

وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ» (١). المطلب الثاني: حُكْم قَطْع الخف أسفل من الكعبين لمن لم يجد النعلين: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خفين، ويقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، ورواية عن الحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: « … فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ» (٣). القول الآخَر: أن مَنْ لم يجد النعلين فليَلبس الخفين من غير قطعهما. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٤). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ» (٥).

стр. 195

وَجْه الدلالة: أن هذا الحديث كان متأخرًا في حجة الوداع بعرفة، والنبي ﷺ أطلق أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ولو كان قَطْع الخفين شرطًا لبَيَّنه النبي ﷺ . والراجح: أن لم يجد النعلين فليلبس الخفين من غير قطعهما؛ لأسباب أربعة: الأول: أن حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ» منسوخ بحديث ابن عباس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ». الثاني: موافقة حديث جابر لحديث ابن عباس. الثالث: عَمَل الصحابة بمقتضى حديث ابن عباس، فقد ذَكَر ابن تيمية: أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ، مِثْلَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ- رَخَّصُوا فِي لُبْسِ الْخُفَّيْنِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ، وَتَرْكِ قَطْعِهِمَا (١). الرابع: موافقة القياس الصحيح لحديث ابن عباس، فكما أن مَنْ لم يجد إزارًا فليَلبس السروال بغير قطع، فكذا مَنْ لم يجد النعلين فليلبس الخفين من غير قطع. ولأن الخف متى قُطِع حتى يكون أسفل من الكعبين ويصير كالحذاء- لا يسمى خفًّا ولا يُمسَح عليه. المطلب الثالث: حُكْم لبس الخفين المقطوعين، مع وجود النعلين: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (٢): الأول: يَجوز لبس الخفين المقطوعين، مع وجود النعلين؛ لأن الخف المقطوع

стр. 196

كالنعل. وبه قال الحنفية، وهو قول للشافعية ورواية للحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : « … فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ». القول الآخَر: أنه لا يَجوز لبس الخفين إذا قُطِعا من الأسفل، إلا إذا عدم النعلين. وبه قال المالكية، وهو قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ : «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْقَمِيصَ … وَلَا الْخُفَّيْنِ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ». وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يُرخِّص في لبس الخف المقطوع إلا إذا عدم النعل. واعتُرض عليه بأن قطع الخف أسفل من الكعب دليل على قطع الخف ليشبه النعل؛ ولذا ما الفارق بين الخف والنعل؟ ولذا لا يَجوز المسح على الخف وهو على هذا الحال. والراجح: أن الخف إذا قُطِع أسفل من الكعبين، جاز لبسه للمُحْرِم لأنه كالنعل. المطلب الرابع: حُكم الفدية عند لبس السراويل والخفين: مع اتفاق العلماء على جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار، ولبس الخفين لمن لم يجد النعلين، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الفدية لذلك على قولين: الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ لم يجد الإزار، فله أن يَلبس السراويل، ولا فدية عليه. وبه قال الشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بأن النبي ﷺ أَمَر مَنْ لم يجد الإزار بلبس السراويل، ولم يَذكر فدية. ولو كانت الفدية تجب مع لبس السراويل عند فقد الإزار، لبَيَّن ذلك النبي ﷺ ، لاسيما وقد جاء التصريح في حديث ابن عباس بأنه قد قال ذلك بعرفات، والناس محتاجون إلى البيان في ذلك الموضع أكثر من غيره؛ لأنه قد اجتمع بعرفات في ذلك الوقت خَلْق عظيم؛ ليقتدوا

стр. 197

بالنبي ﷺ ويتعلموا منه أمور حجهم. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يَجوز (١). القول الآخَر: ذهب الحنفية إلى أن مَنْ لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومَن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل، وعليه الفدية (٢). واستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ لم يجد رداء فلبس بدله قميصًا، فتجب عليه الفدية، فكذا مَنْ لم يجد إزارًا فلبس سراويل فعليه فدية. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإزار يَستر العورة بخلاف الرداء. فالراجح: عدم وجوب الفدية على مَنْ لم يجد نعلين فلبس خفين، أو لم يجد إزارًا فلبس سراويل. والله أعلم. المحظور الرابع: تغطية الرأس للمُحْرِم الذَّكَر: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكم تغطية الرأس للمُحْرِم الذَّكَر: تغطية الرأس للذَّكَر من محظورات الإحرام، مثل الطاقية والعمامة، بالإجماع (٣) ولعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ العِمَامَةَ وَلَا البُرْنُسَ» (٤). المبحث الثاني: أقسام سَتر الرأس: أقسام سَتر الرأس أربعة، وهي: القسم الأول: ما كان متصلًا وقُصِد به تغطية الرأس بمُلاصِق، كالطاقية والعمامة والقبعة. فهذا مُحَرَّم؛ لعموم نهي النبي ﷺ بقوله: «لَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ العِمَامَةَ، وَلَا البُرْنُسَ … » ولقوله ﷺ عند تغسيل مُحْرِم: «لا تُخمِّروا رأسه». وقد نَقَل الإجماع على ذلك: ابن حزم، والنووي، وابن القيم … وغيرهم (٥).

стр. 198

القسم الثاني: ما كان متصلًا ولم يُقصَد به الاستظلال، مثل أن يغطي المُحْرِم رأسه بما يَحمله عليها، كحَمْل الطعام والعفش والمتاع على الرأس، لا يُعَد من التغطية الممنوعة إذا لم يَفعل ذلك حيلة؛ وذلك لأنه لا يُقصَد به السَّتر، على قول جماهير العلماء (١). القسم الثالث: أن يَستظل بمنفصل عنه غير تابع، كالاستظلال بالخيمة، والبيت والمسجد والحائط والشجرة والسيارة، فهذا جائز بالسُّنة والإجماع. فعن جابر ﵁ في حديثه الطويل: «وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا … » (٢). قال النووي: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ، جَازَ (٣). القسم الرابع: أن يُظلِّل رأسه بتابع له منفصل، كالشمسية، ومَحْمَل البعير والهودج، مما هو ساتر بغير ملاصق. اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: جواز الاستظلال بما ليس بملاصق، كالمَحْمَل والهودج. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (٥). وفي هذا دليل على جواز استظلال المُحْرِم بالمَحْمَل ونحوه، إن كانت قصة هذا الإظلال يوم النحر ثابتة. وإن كانت بعده في أيام مِنًى، فلا حُجة فيها، وليس في الحديث

стр. 199

بيان في أي زمن كانت. القول الآخَر: عدم جواز أن يُظلِّل المُحْرِم رأسه بتابع له منفصل، كالمَحْمَل والهودج. وهو مذهب المالكية، ورواية عند الحنابلة (١). والراجح: جواز استظلال المُحْرِم بسقف السيارة أو الشمسية أو نحوهما؛ لِما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ ظُلل عليه بثوب. وصح عنه ﷺ أنه ضُرِبَتْ له قُبة بنَمِرة، فنَزَل تحتها حتى زالت الشمس يوم عرفة. المبحث الثالث: حُكْم تغطية الوجه للمُحْرِم: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: أن المُحْرِم يَجوز له أن يغطي وجهه. وهو مذهب الشافعية، والصحيح عند الحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ … وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ». وَجْه الدلالة: أن النص خص الرأس بالنهي عن التغطية بقوله: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» فمفهومه يقتضي جواز تغطية الوجه وغيره للمُحْرِم. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ» (٣). فالمُحْرِم لا يغطي رأسه، فمفهومه يقتضي جواز تغطية الوجه للمُحْرِم.

стр. 200

وأما المأثور، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ» (١). وأما المعقول، فقد يَصعب على أكثر الناس أن ينام ولا يغطي وجهه للبرد أو الذباب، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. القول الآخَر: يَحرم على المُحْرِم تغطية وجهه، وإذا غطاه وجبت عليه الفدية. وبه قال الحنفية والمالكية، وهو رواية عند الحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فروى ابن عباس ﵄ قال: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْسِلُوهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ» (٣).

стр. 201

_________ = الثاني: ما قاله الحاكم: ذِكْرُ الْوَجْهِ تَصْحِيفٌ مِنَ الرُّوَاةِ؛ لِإِجْمَاعِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْهُ: «وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ» وَهُوَ الْمَحْفُوظُ. «معرفة علوم الحديث» (ص: ١٤٨). الطريق الثاني: طريق أبي بِشر عن سعيد بن جُبير، واختُلف عنه: فرواه غُنْدَر، عند مسلم (١٢٠٦)، وأبو أسامة، عند ابن حِبان (٣٩٦٠)، عن شُعبة به، بذكر الوجه. وخالفهم: الطيالسي، في «مسنده» (٢٧٤٥)، ووَهْب بن جرير، ومسلم بن إبراهيم، كلاهما عند أبي عَوَانة (٣١٠٦، ٣١٠٨، ٣١١٠). وأبو نُعَيْم، عند أبي بكر الشافعي في «الغيلانيات» (٢٤٩) أربعتهم عن شُعبة، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم. ورواه خَلَف بذكر الوجه، عند النَّسَائي (٢٨٥٧) وخَلَف قد اختلط بأخرة، فلا يُعَوَّل عليه. وذِكر الوجه شاذ من طريق شُعبة لأمرين: الأول: أن شُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه، والحديث أورده ابن المظفر في «غرائب شُعبة»، وذَكَر تضعيف البخاري لذكر الوجه في رواية شُعبة، بقوله: والصحيح: «لا تُخَمِّروا رأسه» (ورقة/ ١٦). الثاني: قد خالف شُعبةَ: هُشَيْم بن بَشير، عند البخاري (١٨٥١)، ومسلم (١٢٠٦)، وأبو عَوَانة، عند البخاري (١٢٦٧)، ومسلم (١٢٠٦) فروياه عن أبي بِشر دون ذكر الوجه. ورواية هُشَيْم وأبي عَوَانة أصح من رواية شُعبة لأمور ثلاثة: فقد اتَّفَق عليها الشيخان، ولم يُختلَف عليهما، وشُعبة اختُلف عليه في ذكر الوجه، وهُشيم مِنْ أثبت الناس في حديث أبي بِشر. «تهذيب الكمال» (٣٠/ ٢٨٢). الطريق الثالث: طريق منصور بن المُعتمِر، واختُلف عليه في ذكر الوجه: فرواه عنه بلفظة: «ولا تُغَطُّوا وجهه» ثلاثة: عُبيدة بن حُميد، عند الدارقطني (٢٧٦٥)، وزائدة بن قُدامة عند الطبراني في «الأوسط» (٧٥٢٧)، وفي السند: إسماعيل بن عمرو البَجَلي، وهو ضعيف. وإسرائيل، واختُلف عنه: فرواه عُبيد الله، عن إسرائيل، عن منصور: «ولا تُغَطِّوا وجهه» فلم يَذكر الحَكَم في حديثه، أخرجه مسلم (١٢٠٦) وخالفه الأسود عنه عن منصور عن الحَكَم، عند أحمد (٢٣٩٥). وهذا الحديث انتَقده الدارقطني على مسلم، فقال: وإنما سَمِعه منصور من الحَكَم، وأخرجه البخاري عن قُتيبة عن جرير عن منصور عن الحَكَم عن سعيد. وهو الصواب. «التتبع» (ص: ٣٣٨). وقال البيهقي: رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ هَكَذَا، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ فِي الإِسْنَادِ وَالمَتْنِ جَمِيعًا. وَرِوَايَةُ الجَمَاعَةِ فِي الرَّأْسِ وَحْدَهُ، وَذِكْرُ الوَجْهِ فِيهِ غَرِيبٌ. «السُّنن» (٦٧٢٤). وخالفهم: جرير بن عبد الحميد، عند البخاري (١٨٣٩)، وعمرو بن أبي قيس، وشيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، عند أبي عَوَانة (٣١١٧) ثلاثتهم عن منصور، ولم يَذكروا الوجه في حديثهم. الطريق الرابع: رواه أبو الزبير المكي، عن سعيد بن جُبَيْر، وقال: فأَمَرهم رسول الله أن يَكشفوا وجهه - حَسِبتُه قال -: ورأسه. هكذا على الشك، كما عند مسلم (١٢٠٦). قال البيهقي: ورواه أبو الزبير عن سعيد بن جُبير، فذَكَر الوجه على شك منه في متنه، ورواية الجماعة الذين لم يَشُكوا وساقوا المتن أحسن سياقة- أَوْلَى بأن تكون محفوظة. «السُّنن الكبرى» (٧/ ٢٢٠). أَخْرَج أبو عَوَانة (٣١١٧) عن أبي الزبير، وفيه: فأَمَرهم رسول الله بأن يكشفوا وجهه.=

стр. 202

واعتُرض عليه بأن لفظة: «وَلَا تُغَطُّوا وَجْهَهُ» شاذة، ولا تصح عن رسول الله ﷺ . وأما المعقول، فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُغَطِّي وَجْهَهَا بِالْإِجْمَاعِ، مَعَ أَنَّهَا عَوْرَةٌ مَسْتُورَةٌ؛ فَإِنَّ فِي كَشْفِ الْوَجْهِ مِنْهَا خَوْفَ الْفِتْنَةِ، فَلَأَنْ لَا يُغَطِّيَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ أَوْلَى. واعتُرض عليه بأن هذا القياس مع الفارق؛ لأن الرجل مأمور بكشف رأسه، والمرأة مأمورة بتغطيته. والرجل مأمور بالتجرد من المَخيط، وهي لا تتجرد منه. والراجح: أنه يَجوز للمُحْرِم تغطية وجهه، ويَحرم عليه تغطية رأسه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «ولا تُخَمِّروا رأسه» أما رواية «ولا تغطوا وجهه» فهي شاذة. وعلى هذا، فلُبْس المُحْرِم للكمامات الطبية للوقاية من العدوى والغبار- لا بأس به؛ لجواز تغطية وجه المُحْرِم. وكذا يَجوز للمُحْرِمة لبس الكمامات الطبية؛ فالمرأة منهية عن تغطية وجهها بالنقاب، ويَجوز تغطيته بغير النقاب، كالسدل والكمامة الطبية، والله أعلم. * * *

стр. 203

القسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: ١ - النقاب. ٢ - القُفازان. المحظور الأول: سَتْر المُحْرِمة وجهها بالنقاب: وفيه تمهيد ومباحث: تمهيد: لُبْس المرأة المَخيط لغير الوجه والكفين. يَجوز للمُحْرِمة أن تَلبس المَخيط لغير الوجه والكفين بالإجماع. نَقَل ابن المنذر وابن عبد البر وابن رُشْد الإجماع على ذلك (١). فمحظورات الإحرام من اللبس في حق النساء أمران، هما الوجه واليدان. المبحث الأول: سَتْر المحرمة وجهها بالنقاب: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف النقاب: النقاب: هو لباس الوجه، وهو ما فُصِّل وقُطِّع وخِيط لأجل الوجه، فتَستر المرأة وجهها، وتَفتح لعينيها بقدر ما تَنظر منه (٢). المطلب الثاني: حُكم النقاب للمُحْرِمة: النقاب من محظورات الإحرام على المرأة، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ» (٣). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ،

стр. 204

فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ … وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (١). وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها، وهذا ما لم يَختلف فيه الفقهاء (٢). وأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على أنه يَحرم على المرأة المُحْرِمة أن تغطي وجهها بما يُعْمَل للوجه خاصة، كالنقاب والبرقع ونحوهما (٣). المطلب الثالث: سَتْر المُحْرِمة وجهها بغير النقاب: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: لا يَجوز تغطية المُحْرِمة وجهها إلا لحاجة، كمرور الأجانب. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (٤). واستدلوا بالسُّنة والإجماع والمأثور والقياس: أما السُّنة، فما رواه البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (٥).

стр. 205

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا، سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ (١). وأما الإجماع، فقد قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا، سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا (٢). وأما المأثور، فعن ابن عمر قال: «إحرام المرأة في وجهها» (٣). وأما القياس، فالوجه من المرأة يجب كشفه، كالرأس من الرَّجُل. ونوقش بأن القياس الصحيح أن وجه المرأة كبدن الرجل، يَجوز تغطيته، ولا يَجوز

стр. 206

لبس شيء مُفَصَّل عليه؛ لأن المرأة كلها عورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرَّجُل لا يَلبس السراويل ويَلبس الإزار. القول الثاني: يَجوز للمُحْرِمة تغطية وجهها بغير النقاب لغير حاجة. وهو قول في مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «لَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ». وَجْه الدلالة: أن النهي إنما جاء عن النقاب فقط؛ لأنه لُبس مُفصَّل على العضو، صُنِع لسَتْر الوجه، كالقفاز المصنوع لسَتر اليد، وكما يَجوز تغطية الكف من غير لبس القفازين، فيَجوز كذلك تغطية الوجه من غير لبس النقاب. قال صاحب «عون المعبود»: وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَوَّى بَيْنَ وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا، وَمَنَعَهَا مِنَ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ يَدَيْهَا، وَأَنَّهُمَا كَبَدَنِ الْمُحْرِمِ، يَحْرُمُ سَتْرُهُمَا بِالْمُفَصَّلِ عَلَى قَدْرِهِمَا، فَهَكَذَا الْوَجْهُ إِنَّمَا يَحْرُمُ سَتْرُهُ بِالنِّقَابِ (٢). وأما المأثور، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «الْمُحْرِمَةُ تَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ مَا شَاءَتْ، إِلَّا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ، وَلَا تَتَبَرْقَعُ وَلَا تَلَثَّمُ، وَتَسْدُلُ الثَّوْبَ عَلَى وَجْهِهَا إِنْ شَاءَتْ» (٣). وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: «كُنَّا نُغَطِّي وُجُوهَنَا مِنَ الرِّجَالِ، وَكُنَّا نَتَمَشَّطُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ» (٤). وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ، وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» (٥). والراجح: أنه كما يَجوز تغطية الكف من غير لبس القفازين، فيجوز كذلك تغطية الوجه من غير لبس النقاب، وقد قَرَن النبي ﷺ بينهما، وهما كبدن الرجل، يجوز تغطيته،

стр. 207

ولا يَجوز لبس شيء مُفصَّل عليه؛ لأن المرأة في حاجة إلى سَتر وجهها، فلم يَحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة، فلها أن تغطي وجهها ويديها، لكن بغير اللباس المصنوع بقدر العضو، كما أن الرجل لا يَلبس السراويل ويَلبس الإزار. المطلب الرابع: هل يُشترَط في تغطية المُحْرِمة وجهها ألا يمس الوجه؟ اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين: الأول: أنه لا يُشترَط مباعدة الساتر المسدل عن وجه المرأة المُحْرَمة، فلا تُكلَّف المُحْرِمة أن تجافي سترتها عن الوجه، لا بعُود ولا بغيره. وهذا مذهب المالكية، والحنابلة في الصحيح عنهم (١). واستدلوا بأن أزواج النبي ﷺ ونساء الصحابة كُنَّ يَسدلن على وجوههن، ولا شك أن الثوب المسدول لا يَسْلَم من إصابة البشرة، فلو كان هذا شرطًا لبَيَّن، وإنما مُنعت المرأة من البرقع والنقاب ونحوهما مما يُعَد لسَتْر الوجه (٢). القول الثاني: اشتراط مجافاة الساتر المسدول عن وجه المرأة بخشبة ونحوها، وتجب الفدية بملامسة الوجه لذلك الساتر. وبه قال الحنفية والشافعية، وقول للحنابلة (٣). واستدلوا بما رواه ابن عمر، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا». وَجْه الدلالة: أنه إذا كان لا يَجوز للرَّجُل المُحْرِم أن يضع على رأسه شيئًا ملاصقًا للرأس كالطاقية، ويَجوز له أن يستظل بالشمسية لأنها غير مُلاصِقة، فكذا يَجوز للمرأة ستر وجهها مع مجافاة الساتر المسدل عن وجهها بخشبة ونحوها؛ لتَستتر به عن نظر الرجال إليها كالشمسية. ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَى ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً قَدْ سَدَلَتْ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، فَقَالَ لَهَا: اكْشِفِي وَجْهَكِ؛ فَإِنَّمَا حُرْمَةُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا (٤). ونوقش بأنه ثَبَت أن نساءه ﷺ ونساء الصحابة كن يَسدلن على وجوههن، وهن أعلم

стр. 208

الأمة بهذه المسألة. وقد قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمَةِ أَنْ تَسْدِلَ ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا، سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ إِلَيْهَا. والراجح: أَنَّ وَجْهَ الْمَرْأَةِ لَا يُغَطَّى بِالنِّقَابِ وَالْبُرْقُعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا صُنِعَ عَلَى قَدْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ إلَّا عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُدْنِينَ عَلَى وُجُوهِهِنَّ مَا يَسْتُرُهَا مِنَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ وَضْعِ مَا يُجَافِيهَا عَنِ الْوَجْهِ. المحظور الثاني المختص بالمُحْرِمة: القُفازان: وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد: تعريف القُفازين: القُفازان: شيء يُعْمَل لليدين يُغطِّي الأصابع مع الكف (١). المبحث الأول: حُكْم لبس القُفازين للمُحْرِمة: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: يَحرم على المُحْرِمة لبس القُفازين. وهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح، والحنابلة (٢). القول الآخَر: يَجوز للمُحْرِمة لبس القُفازين. وهو مذهب الحنفية وقول للشافعية (٣). وهذا القول هو الراجح، أما حديث «لا تَنتقب المرأة المحرمة، ولا تَلبس القفازين» فالصحيح فيه الوقف عن ابن عمر، وقد سبق بيانه، والله أعلم. المبحث الثاني: حُكم لبس القفازين للمُحْرِم: نَقَل النووي وابن قُدامة الإجماع على منع المُحْرِم من لبس القفازين (٤).

стр. 209

الأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم. ويشتمل على أربعة محظورات: المحظور الأول: الخِطبة للمُحْرِم: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: تُكره الخِطبة للمُحْرِم والمُحْرِمة. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ». القول الثاني: تَحرم خِطبة المُحْرِم. وهو مذهب المالكية، وابن حزم، وابن تيمية (٢). واستدلوا بأن النهي للتحريم. ولأن الخِطبة مُقدِّمة للنكاح وسبب إليه، فمُنعت لأن المُحْرِم قد يتعلق قلبه بالمخطوبة، ويَحصل فيه من الكلام في النكاح الذي يُمنع منه المُحْرِم، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. المحظور الثاني: حُكْم عقد النكاح للمُحْرِم: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: أنه لا يَحِل للمُحْرِم أن يتزوج، ولا أن يُزوِّج غيره، فإن فَعَل فالنكاح باطل، ولا فدية فيه. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بالسُّنة والمأثور، والمعقول: أما السُّنة: فعموم قول النبي ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ … » (٤).

стр. 210

قال الباجي: وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ عَقْدِ النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ، وَيَقْتَضِي مَنْعَ الْمُحْرِمِ مِنْ عَقْدِهِ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا اقْتَضَى النَّهْيُ الْمَنْعَ مِنْ عَقْدِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ، اقْتَضَى فَسَادَهُ إنْ عَقَدَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (١). ونوقش بأن المقصود بالنكاح في الحديث هو الوَطْء، ودل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وكذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ [النور: ٣]. وأجيب عنه من وجهين: الأول: أن المراد بالنكاح عند الإطلاق العقد، وقد دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ حُمل على الوطء، بدليل قوله ﷺ : «حتى تَذوقي عُسَيْلته»، وكذا سياق قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ على الوطء. وعن أبي غَطَفان: أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ (٢). وعن سعيد، أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ وَهُوُ مُحْرِمٌ، فَأَجْمَعَ أَهْلُ المَدِينَةِ عَلَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (٣). وأما المعقول: فإن الإحرام مَعْنًى يَمنع من الوطء ودواعيه، فوجب أن يُمنع من النكاح، كالطِّيب (٤). القول الآخَر: أنه يَجوز للمُحْرِم أن يتزوج، وأن يُزوِّج غيره، والمحظور على المُحْرِم هو الوطء ودواعيه. وهو مذهب الحنفية (٥).

стр. 211

واستدلوا بما رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (١). ونوقش هذا الاستدلال بأنه قد اختَلفت الروايات في نكاح ميمونة، فقد رَوى مسلم: عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢). وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا (٣).

стр. 212

الحاصل: أن أصح ما ورد في هذا الباب حديثان: الأول: في مَعْرِض النهي، وهو حديث عثمان: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ … ». الثاني: في مَعْرِض الإباحة، وهو حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ورَجَّح الجمهور حديث عثمان لستة أمور: الأول: أن حديث عثمان ناقل عن الأصل الذي هو الإباحة؛ فيُقَدَّم على حديث ابن عباس؛ لأنه مُبْقٍ على الأصل. الثاني: أَنَّ تَزَوُّجَهُ ﷺ فِعْلٌ مِنْهُ، وَالْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ نَهْيٌ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، وَمَنْ رَدَّ نَصَّ قَوْلِهِ وَعَارَضَهُ بِفَعْلِهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ. الثالث: أَنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ حَاظِرٌ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُبِيحٌ، وَالْأَخْذُ بِالْحَاظِرِ أَحْوَطُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُبِيحِ. الرابع: أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ قَدْ عَمِلُوا بِمُوجِبِ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا بَلَغَنَا إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ عُلِمَ مُسْتَنَدُ فَتْوَاهُ (١). الخامس: أن حديث عثمان تقعيدُ قاعدة، وحديث ابن عباس واقعةُ عَيْن تحتمل أنواعًا من الاحتمالات، فكان حديث عثمان أَوْلَى. السادس: أن العمل بحديث عثمان هو الأحوط للدين. وبه قال جماهير العلماء.

стр. 213

المحظور الثالث: المباشرة فيما دون الفَرْج للمُحْرِم: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حُكم مباشرة النساء في النسك: تَحرم مباشرة النساء في النسك. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث يراد به الجماع ومقدماته. ولأنه إذا حَرُم عليه عقد النكاح فلأن تَحرم المباشرة- وهي أدعى إلى الوَطْء- أَوْلَى (٢). المبحث الثاني: المباشرة وفساد النسك: اتَّفق العلماء على أن مَنْ باشر فيما دون الفَرْج، فلم يُنْزِل، لا يَفسد حجه (٣). وحَكى النووي الإجماع على أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، لم يَفسد نسكه (٤). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف المالكية فقالوا: إن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، فَسَد نسكه كالجماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ونوقش بأن المراد بالرفث الذي يَفسد به الحج هو الجماع.

стр. 214

المحظور الرابع: الجماع في النسك: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكم الجماع للمُحْرِم في النسك: الوَطْء في الفرج حرام على المُحْرِم، ومُفسِد لنسكه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث المنهي عنه الحاج يَدخل فيه الجماع. فقد نَقَل غير واحدٍ الإجماع على تحريم الوطء حال الإحرام وفساد النسك بالوطء (١). المبحث الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟ لا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال: الأولى- إذا جامع المُحْرِم امرأته قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه. نَقَل ابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر وغيرهم الإجماع على ذلك (٢). الثانية: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول.

стр. 215

اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فسد حجه. وهو المشهور عند المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالمأثور والقياس: أما المأثور، فَعَنْ شُعَيْبٍ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَمْرِو، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّهُ. قَالَ: فَيَقْعُدُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَابِلٌ حَجَّ وَأَهْدَى. فَرَجَعَا إِلَى ابْنِ عَمْرِو فَأَخْبَرَاهُ، فَأَرْسَلَنَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ ابنُ عُمْر، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا» (٢). وَجْه الدلالة: أنهم لم يستفصلوا السائل، ولم يُفرقوا بين ما قبل الوقوف وبعده. وأما القياس، فإذا جامع المُحْرِم قبل الوقوف فسد حجه، فكذا بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول؛ لأنه جماع صَادَف إحرامًا تامًّا، فأَفْسَدَه، كما قَبْل الوقوف (٣). القول الآخَر: لا يَفسد حجه. وهو مذهب الحنفية (٤). قال الماوردي: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ» وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَأْمَنُ بِهِ الْفَوَاتَ، فَأَمِنَ بِهِ الْفَسَادَ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ» فَلِأَنَّ بِإِدْرَاكِ عَرَفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِرُكْنٍ يَأْمَنُ بِهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ (٥).
следующие страницы →