← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

واستدلوا بما رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (١). ونوقش هذا الاستدلال بأنه قد اختَلفت الروايات في نكاح ميمونة، فقد رَوى مسلم: عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢). وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ فِيمَا بَيْنَهُمَا (٣).

стр. 212

الحاصل: أن أصح ما ورد في هذا الباب حديثان: الأول: في مَعْرِض النهي، وهو حديث عثمان: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ … ». الثاني: في مَعْرِض الإباحة، وهو حديث ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ورَجَّح الجمهور حديث عثمان لستة أمور: الأول: أن حديث عثمان ناقل عن الأصل الذي هو الإباحة؛ فيُقَدَّم على حديث ابن عباس؛ لأنه مُبْقٍ على الأصل. الثاني: أَنَّ تَزَوُّجَهُ ﷺ فِعْلٌ مِنْهُ، وَالْفِعْلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِهِ، وَحَدِيثُ عُثْمَانَ نَهْيٌ لِأُمَّتِهِ، وَالْمَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِهِ، وَمَنْ رَدَّ نَصَّ قَوْلِهِ وَعَارَضَهُ بِفَعْلِهِ، فَقَدْ أَخْطَأَ. الثالث: أَنَّ حَدِيثَ عُثْمَانَ حَاظِرٌ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مُبِيحٌ، وَالْأَخْذُ بِالْحَاظِرِ أَحْوَطُ مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُبِيحِ. الرابع: أَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ قَدْ عَمِلُوا بِمُوجِبِ حَدِيثِ عُثْمَانَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ. وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيمَا بَلَغَنَا إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ عُلِمَ مُسْتَنَدُ فَتْوَاهُ (١). الخامس: أن حديث عثمان تقعيدُ قاعدة، وحديث ابن عباس واقعةُ عَيْن تحتمل أنواعًا من الاحتمالات، فكان حديث عثمان أَوْلَى. السادس: أن العمل بحديث عثمان هو الأحوط للدين. وبه قال جماهير العلماء.

стр. 213

المحظور الثالث: المباشرة فيما دون الفَرْج للمُحْرِم: وفيه مبحثان: المبحث الأول: حُكم مباشرة النساء في النسك: تَحرم مباشرة النساء في النسك. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث يراد به الجماع ومقدماته. ولأنه إذا حَرُم عليه عقد النكاح فلأن تَحرم المباشرة- وهي أدعى إلى الوَطْء- أَوْلَى (٢). المبحث الثاني: المباشرة وفساد النسك: اتَّفق العلماء على أن مَنْ باشر فيما دون الفَرْج، فلم يُنْزِل، لا يَفسد حجه (٣). وحَكى النووي الإجماع على أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، لم يَفسد نسكه (٤). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد خالف المالكية فقالوا: إن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، فَسَد نسكه كالجماع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ونوقش بأن المراد بالرفث الذي يَفسد به الحج هو الجماع.

стр. 214

المحظور الرابع: الجماع في النسك: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكم الجماع للمُحْرِم في النسك: الوَطْء في الفرج حرام على المُحْرِم، ومُفسِد لنسكه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. والرفث المنهي عنه الحاج يَدخل فيه الجماع. فقد نَقَل غير واحدٍ الإجماع على تحريم الوطء حال الإحرام وفساد النسك بالوطء (١). المبحث الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟ لا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال: الأولى- إذا جامع المُحْرِم امرأته قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه. نَقَل ابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر وغيرهم الإجماع على ذلك (٢). الثانية: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول.

стр. 215

اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: الأول: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فسد حجه. وهو المشهور عند المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالمأثور والقياس: أما المأثور، فَعَنْ شُعَيْبٍ قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَمْرِو، فَسَأَلَهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ، فَأَشَارَ لَهُ إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: بَطَلَ حَجُّهُ. قَالَ: فَيَقْعُدُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ يَخْرُجُ مَعَ النَّاسِ فَيَصْنَعُ مَا يَصْنَعُونَ، فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَابِلٌ حَجَّ وَأَهْدَى. فَرَجَعَا إِلَى ابْنِ عَمْرِو فَأَخْبَرَاهُ، فَأَرْسَلَنَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ ابنُ عُمْر، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا» (٢). وَجْه الدلالة: أنهم لم يستفصلوا السائل، ولم يُفرقوا بين ما قبل الوقوف وبعده. وأما القياس، فإذا جامع المُحْرِم قبل الوقوف فسد حجه، فكذا بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول؛ لأنه جماع صَادَف إحرامًا تامًّا، فأَفْسَدَه، كما قَبْل الوقوف (٣). القول الآخَر: لا يَفسد حجه. وهو مذهب الحنفية (٤). قال الماوردي: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ» وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَأْمَنُ بِهِ الْفَوَاتَ، فَأَمِنَ بِهِ الْفَسَادَ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ» فَلِأَنَّ بِإِدْرَاكِ عَرَفَةَ يَكُونُ مُدْرِكًا لِرُكْنٍ يَأْمَنُ بِهِ فَوَاتَ الْحَجِّ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ (٥).

стр. 216

الراجح: أنه إذا جامع المُحْرِم بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فَسَد حجه. الحال الثالثة: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد التحلل الأول: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: الأول: أن مَنْ جامع بعد التحلل الأول لا يَفسد نسكه. وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة، فعن عروة بن مُضَرِّس الطائي قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». وَجْه الدلالة: أنه إذا تم حجه يوم النحر، فلا وجه لإبطاله بعد ذلك. وأما المأثور، فعن ابن عباس ﵄، أن رجلًا أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر، فقال: «يَنحران جَزورًا بينهما، وليس عليهما الحج من قابل» (٢). وأما المعقول، فَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ لَهَا تَحَلُّلَانِ، فَوُجُودُ الْمُفْسِدِ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا الْأَوَّلِ لَا يُفْسِدُهَا، كَوُجُودِ المُفْسِدِ بَعْدَ التَّسْلِيمَةِ الْأَوْلَى فِي الصَّلَاةِ (٣). القول الآخَر: أن مَنْ جامع بعد الرمي والحلق وقبل طواف الإفاضة، فحجه فاسد وعليه الحج من قابل؛ لأن الوَطء صادف إحرامًا من الحج فأَفْسَده، كالوَطء قَبْل الرميِ. وهو مروي عن ابن عمر والنَّخَعي، وهو قول الظاهرية (٤).

стр. 217

المبحث الثالث: ما يترتب على الجماع في النسك: يترتب على الجماع في الحج خمسة أشياء: الأول: الإثم لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عبد البر: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ وَطْءَ النِّسَاءِ عَلَى الْحَاجِّ حَرَامٌ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ. الثاني: فساد النسك. فلا خلاف بين أهل العلم أن المُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات- أن حجه يَفسد بذلك (١). الثالث: وجوب المضي في الحج، وعلى ذلك جماهير العلماء (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أَمَر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة، والأمر يقتضي الوجوب، وهو أَمْر عام، لم يُفرِّق بين الصحيح والفاسد. وقد أفتى بذلك جَمْع من الصحابة ﵃، ولا يُعْرَف لهم مُخالِف. الرابع: وجوب القضاء، نُقِل الإجماع على وجوب القضاء للمُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة (٣). واختَلف العلماء على قولين في حكم افتراق الزوجين في حجة القضاء، ومعناه ألا يَنزل

стр. 218

معها في بيت أو خيمة، ولكن يكون قريبًا منها ليرعى حالها: الأول: أنه يُستحب أن يفترق الزوجان في الموضع الذي أصابها فيه، إلى أن يَحِلا من حجة القضاء. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١). القول الآخَر: أنه يجب الافتراق عليهما من وقت الإحرام. وبه قال زُفَر من الحنفية، وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية (٢). فعن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة، أنهم سُئلوا عن رجل أصاب أهله وهو مُحْرِم في الحج، فقالوا: «يَنفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، وعليهما الحج من قابل والهَدْي!». وقال علي: «إذا أَهَلَّا قابلًا، تَفَرَّقا حتى يقضيا حجهما!» (٣). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ: اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَارْجِعَا إِلَى بَلَدِكُمَا، فَإِذَا كَانَ عَامُ قَابِلٍ فَاخْرُجَا حَاجَّيْنِ، فَإِذَا أَحْرَمْتُمَا فَتَفَرَّقَا، وَلَا تَلْتَقِيَا حَتَّى تَقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأَهْدِيَا هَدْيًا (٤). واستدلوا بكون التفرق صيانة للمُحْرِم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه. الراجح: أن الافتراق ليس بواجب، وأكثر رحلات الحج لكثرة العدد قد لا يخلو الرجل بزوجته لوجود النساء في مكان، وكذا الرجال، ويُندَب الافتراق إن خافا على أنفسهما الفتنة. الخامس: الفدية أو ذَبْح الهَدْي. وسيأتي تفصيل ذلك في فصل الفدية.

стр. 219

الأصل الرابع: قَتْل الصيد البري وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: حُكْم قتل الصيد للمُحْرِم: قَتْل الصيد من محظورات الإحرام بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما السُّنة: فعَنِ الصَّعْبِ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (١).

стр. 220

وأما الإجماع، فنَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر، وابن رُشْد … وغيرهما (١). المبحث الثاني: حُكْم قتل المحرم للحيوان غير مأكول اللحم: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يَجوز للمُحْرِم قتل الحيوان غير مأكول اللحم، ولا جزاء عليه. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). القول الآخَر: لا يَقتل المُحْرِم شيئًا من صيد البر، سواء ما يُؤكَل لحمه أم لا يؤكل، إلا الفواسق الخمس التي أباح رسول الله ﷺ قَتْلها. وهو مذهب الحنفية والمالكية (٣).

стр. 221

والحاصل: أن الحيوان غير مأكول اللحم على ثلاثة أضرب: الأول: الحيوان الوحشي كالحية والعقرب، والحشرات كالدود، فيَجوز للمُحْرِم قتله، ولا جزاء عليه (١). الثاني: سباع البهائم وجوارح الطير، إِنْ قَتَلها المُحْرِم، فلا جزاء فيه. الثالث: المتولد بين مأكول وغير مأكول، كالمتولد بين حمار وحشي وحمار أهلي، فهذا فيه الجزاء. المبحث الثالث: صفات الصيد المُحرَّم على المُحْرِم: يَحرم على المُحْرِم أن يصيد ما جَمَع ثلاث صفات: الأول: أن يكون صيد بَر؛ لأن صيد البحر حلال لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. الثاني: أن يكون وحشيًّا، كالظباء والأرانب والحَمَام. أما ما ليس وحشيًّا فلا يَحرم على المُحْرِم أكله، كبهيمة الأنعام والدجاج ونحوها، بالإجماع. واستدل على أن المحظور على المُحْرِم من الصيد- هو ما كان وحشيًّا مأكولًا- بعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]. ومَعْنَى ذَلِكَ: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ مِنَ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ: غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيَادِهَا، وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (٢) فدل على أن المحظور على المُحْرِم من الصيد هو ما كان وحشيًّا مأكولًا. الثالث: أن يكون مأكولًا، باتفاق المذاهب الأربعة (٣). فالحاصل: أن الصيد الذي يُحْظَر على المُحْرِم هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم، كالظباء والأرانب والحَمَام. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤).

стр. 222

المبحث الرابع: أحكام الأكل من الصيد والدلالة عليه: وفيه مطلبان: المطلب الأول: مَنْ صِيد لأجله: مَنْ صِيد لأجله فإنه يَحرم عليه أكله. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١). عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (٢). وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟! فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي» (٣). المطلب الثاني: إذا صاد المُحِل صيدًا وأطعمه المُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟ إذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِم دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله. وهذا باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. فكلمة: (صَيْد) مَصْدَر، أي: حُرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر. وليس بمعنى مَصِيد. واستدلوا بما رُوي: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالقَاحَةِ، وَمِنَّا المُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ المُحْرِمِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ، يَعْنِي وَقَعَ سَوْطُهُ، فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ. فَتَنَاوَلْتُهُ، فَأَخَذْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْكُلُوا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ أَمَامَنَا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «كُلُوهُ، حَلَالٌ» (٥).

стр. 223

وَجْه الدلالة: أن المُحْرِم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة ولا إعانة، ولا مشاركة ولا استقلالًا، ولا صِيد من أجله؛ فلم يُمنع منه. المبحث الخامس: صيد الحَرَم: يَحرم الصيد في الحَرَم على المُحْرِم وعلى الحلال، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَ ٠ اتِ وَالأَرْضَ … لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهُ» (١). وأما الإجماع، فنُقِل الإجماع على أن صيد الحرم حرام على الحلال والمُحْرِم (٢). المبحث السادس: ما لا يَدخل في الصيد: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الهوام والحشرات: لا تَدخل الهوام والحشرات في تحريم الصيد عند الحنفية والشافعية والحنابلة (٣). المطلب الثاني: قَتْل الفواسق الخمس: للمُحْرِم قتل الفواسق الخمس: الفأرة، والعقرب، والكلب العَقور، والغراب، والحِدَأة، في الحِل والحَرَم، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ» (٤). وأما الإجماع، فنُقل الإجماع على أنه يَجوز للمُحْرِم قتل الفواسق الخمس (٥). ونُقل الإجماع على جواز قتل المُحْرِم للحية (٦).

стр. 224

المطلب الثالث: قتل المؤذيات: للمُحْرِم قتل كل ما آذاه، سواء كان من طبعه الأذى أو لم يكن، بالإجماع (١). وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحُدَيَّا، وَالغُرَابُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». المبحث السابع: ما يباح للمُحْرِم: وفيه مطلبان: المطلب الأول: ذَبْح وأكل بهيمة الأنعام ونحوها: يَجوز للمُحْرِم بالإجماع ذبح وأكل بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها. قال ابن حزم: اتفقوا أن له أن يَذبح من الأنعام والدجاج الإنسي ما أَحَب، مما يَملك، أو يأمر مالكه، وهو مُحْرِم في الحَرَم (٢). المطلب الثاني: صيد البحر: يَجُوز للمُحْرِم اصطياد الحيوان البحري وأَكْله، بالإجماع (٣). وقد قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦].

стр. 225

الحاصل في محظورات الإحرام: محظورات الإحرام: هي الممنوعات التي يجب على المُحْرِم اجتنابها؛ بسبب إحرامه ودخوله في النسك. والمحظورات ترجع إلى أربعة أصول: الأصل الأول: ما يتعلق بترفيه البدن. وفيه ثلاثة محظورات: (حَلْق الشَّعْر، وتقليم الأظفار، والطِّيب). المحظور الأول: حَلْق الشَّعْر: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: حَلْق شَعْر الرأس من محظورات الإحرام، وتجب به الفدية. المبحث الثاني: هل تجب الفدية بإزالة شعر بقية البدن؟ لا يَجوز للمُحْرِم أَخْذ شيء مِنْ شَعْر رأسه وجسده، كقص شاربه، ونَتْف إبطه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] وللقياس على شعر الرأس. المبحث الثالث: مقدار الحَلْق الذي تجب به الفدية لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يأخذ شعرات، فلا يُعَد حلقًا، فليس عليه شيء. الثانية: إذا حَلَق بعض الرأس لعُذر، كالحجامة أو مداواة جرح، فإنه يَحلق ما يَحتاج إليه، ولا شيء عليه؛ لأن رسول الله ﷺ احتجم وهو مُحْرِم، في رأسه. ولم يُنقَل أنه فدى. الثالثة: أنه تجب الفدية في حلق أكثر شعر المُحْرِم، أما إذا أَخَذ شعرات من رأسه فإنه يَحرم عليه؛ لأن المُحْرِم نُهي عن حلق شعر رأسه، وهو يشمل القليل والكثير، والقاعدة أن امتثال الأمر لا يَتم إلا بفعل جميعه، وامتثال النهي لا يَتم إلا بترك جميعه، لكن الفدية لا تجب إلا بحلق ما يَحصل به الترفه وزوال الأذى. المبحث الرابع: لا بأس بغَسْل المُحْرِم رأسه وتسريحه؛ لأن أبا أيوب اغتسل وهو مُحْرِم، وقال: هكذا رأيته ﷺ يَفعل. المحظور الثاني: تقليم الأظفار: وفيه مباحث: المبحث الأول: أَجْمَع أهل العلم على أن المُحْرِم ممنوع من قَلْم أظفاره.

стр. 226

المبحث الثاني: إن انكسر ظفره، فله قص ما انكسر منه، ولا شيء عليه. المبحث الثالث: مَنْ قلم ظفرًا لإماطة الأذى، فعليه الفدية؛ فالمُحْرِم ممنوع من الأخذ من الأظفار؛ لأن هذا ينافي الإحرام لكَوْن المُحْرِم أشعث أغبر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] لأنه إزالة جزء يَقضي به تَفَثه ويترفه بإزالته، كالشَّعْر. المحظور الثالث: الطِّيب: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: الطِّيب من محظورات الإحرام. المبحث الثاني: الحِكْمَةُ مِنْ تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْجِمَاعِ، وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ؛ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ. المبحث الثالث: ضابط الطِّيب المحظور على المُحْرِم: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الطِّيب المتفق على تحريمه للمُحْرِم: هُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ بِأَنَّهُ طِيبٌ لِطِيبِ رَائِحَتِهِ، وَيُتَّخَذُ لِلشَّمِّ، فَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى المُحْرِمِ، مِثْلُ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَالعُودِ وَالعَنْبَرِ. المطلب الثاني: جواز شم المُحْرِم النبات ذي الرائحة الزكية، والفواكه طيبة الرائحة. المطلب الثالث: لا فدية على المُحْرِم إذا شم الرياحين؛ لأن المحظور على المُحْرِم هو وَضْع الطِّيب على الثوب أو البدن، وليس مجرد الشم. المطلب الرابع: حُكْم البخور هو حُكم استعمال الطِّيب؛ لأنه من جملة أنواع الطِّيب الذي حُظِر على المُحْرِم استعماله، وأنه يَصْدُق على مَنْ تَبَخَّر أنه تَطيَّب، وإذا كان المقصود من الطِّيب هو الاستمتاع برائحة الطِّيب، فالبخور أَوْلَى بالتحريم. المبحث الرابع: بقاء الطِّيب بعد الإحرام: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: يُستحَب التطيب في البدن لا في الثياب، قبل الدخول في الإحرام؛ استعدادًا له، ولو بقي جِرمه بعد الإحرام. المطلب الثاني: لا يَجوز للمُحْرِم أن يضع الطِّيب على ملابس الإحرام (الإزار والرداء) وإذا طَيَّبها لا يلبسها حتى يغسلها أو يغيرها؛ لنَهْي النبي ﷺ المُحْرِمَ عن لبس الثوب المُطيَّب بقوله: «لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زَعْفَرَانٌ» وإنما السُّنة تطييب

стр. 227

البدن، كرأسه ولحيته وإبطيه وجسده قبل الإحرام، والله أعلم. المطلب الثالث: أنه إذا خلط الطِّيب كالزعفران بطعام، فذهبت الرائحة بالطبخ، فيَجوز أكله ولا فدية؛ لأن الطِّيب صار مستهلكًا في الطعام بالطبخ. المطلب الرابع: مس طِيب الكعبة: مس طِيب الكعبة لا يخلو من حالين: الأول: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة قاصدًا التلذذ به، فتجب عليه الفدية. الثاني: أن المُحْرِم إذا مس طِيب الكعبة من غير قصد، فلا شيء عليه. المطلب الخامس: شم الطِّيب كالمِسك والكافور والعنبر والعود- لا يوجب الفدية. المطلب السادس: الصابون المُطيَّب، وما في حكمه من المنظفات: يَجوز استعمال الصابون المُطيَّب بالرياحين ونحوها مما لم يُتخذ للتطيب؛ لأنه إذا كان شم المُحْرِم للرياحين لا يوجب الفدية، فمن باب أَوْلَى المخلوط بغيره. وأما إذا كان مُطيَّبًا بما يُتخذ للتطيب كالمسك ونحوه، فلا يَجوز استعماله؛ لعموم الأدلة التي تَنهى المُحْرِم عن استعمال الطِّيب. الأصل الثاني- ما يتعلق بالمَخيط، وهو قسمان: القسم الأول: المحظورات التي تختص بالرجال اثنتان: المَخيط، وتغطية الرأس. القسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: النقاب والقُفازان. القسم الأول: يُحْظَر لبس المَخيط على المُحْرِم: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: يُحْظَر لبس المَخيط على الذَّكَر المُحْرِم. والمَخيط: هو اللباس المصنوع على قدر البدن، كالسراويل أو الخُف. المطلب الثاني: مَنْ أَحْرَم بالمَخيط أو لَبِسه بعد إحرامه؛ ليَدخل به مكة لعدم حمله التصريح، فحجه صحيح، لكنه يأثم بارتدائه إن كان من غير عذر، وتجب عليه الفدية. المطلب الثالث: لا يَجوز لبس السروال القصير تحت الإزار، وقد يكون ظهور العورة بسبب عدم تَعَلُّم كيفية إحكام لباس الإحرام، فينبغي تعليم الحُجاج كيفية إحكام لباس الإحرام حتى لا تَظهر العورة، وهذا يجب تعلمه؛ لأن ما لا يَتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 228

المطلب الرابع: مدة اللبس الموجبة للفدية: ظواهر النصوص مَنعت المُحْرِم من لبس المَخيط دون تقييد، فمطلق اللُّبس يوجب الفدية، وقليله وكثيره سواء، فلُبْس بعض الحُجاج من الجنود والأطباء زيهم موجب للفدية بكل حال، طال زمن اللُّبس أم قَصُر. القسم الثاني: الحالات المستثناة من لبس المَخيط: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: جواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزار. المطلب الثاني: يَجوز للمُحْرِم تشبيك ردائه بمشبك ونحوه؛ لأنه لا يُعَد لُبسًا. المطلب الثالث: حُكْم لبس المُحْرِم الحزام ليضع فيه النفقة ونحوها: الحزام الذي يُشَد على وسط المُحْرِم الآن ويوضع فيه المال والجواز والمحمول- يَجوز لبسه؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ إذ إن ترك لبسه مما يُعَرِّض النفقة للسرقة والضياع. المطلب الرابع: حُكْم لبس قطعة ثالثة مع الإحرام تَستر العورة. لُبْس قطعة ثالثة تحت الفرج لتَستر العورة، وتُربَط بالإحرام بكبسات معدنية- مُحَرَّم. المطلب الخامس: نُقل الإجماع على جواز لبس الخاتم للمُحْرِم. المطلب السادس: يَجوز للمُحْرِم لبس الساعة، أو النظارة، أو سماعة الأذن، أو تركيبة الأسنان؛ وذلك لأنها كلها ليست في معنى ما نَهَى النبي ﷺ المُحْرِم عن لبسه. القسم الثالث: لُبْس النعلين للمُحْرِم: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: يَجوز لُبْس الخفين لمن لم يجد النعلين. المطلب الثاني: مَنْ لم يجد النعلين فليَلبس الخفين من غير قطعهما؛ لأن الخف متى قُطِع حتى يَكُون أسفل من الكعبين فهو كالحذاء- لا يسمى خفًّا ولا يُمسَح عليه. المطلب الثالث: يَجوز لبس الخفين المقطوعين مع وجود النعلين؛ لأن الخف إذا قُطِع أسفل من الكعبين يَجوز لبسه للمُحْرِم؛ لأنه كالنعل. المطلب الرابع: الراجح عدم وجوب الفدية على مَنْ لم يجد خفين فلبس نعلين، أو لم يجد إزارًا فلبس سراويل.

стр. 229

الحاصل في تغطية الرأس: سَتْر الرأس على أربعة أقسام: القسم الأول: ما كان متصلًا وقُصِد به سَتْر الرأس، كالطاقية والعمامة والقبعة والخوذة، هذا مُحَرَّم بالسُّنة والإجماع. القسم الثاني: ما كان متصلًا ولم يُقصَد به الاستظلال، مِثل أن يُغطِّي المُحْرِم رأسه بما يَحمله عليها، كحَمْل الطعام والعفش والمتاع على الرأس، لا يُعَد من التغطية الممنوعة. القسم الثالث: أن يَستظل بمنفصل عنه، غير تابع، كالاستظلال بالخيمة، والبيت والمسجد والحائط والشجرة والسيارة، فهذا جائز بالسُّنة والإجماع. القسم الرابع: أن يُظلِّل رأسه بمنفصل عنه تابع له، كالشمسية والسيارة، ومَحْمَل البعير، وما أشبهها، فهذا جائز على قول جمهور العلماء. يَجوز للمُحْرِم تغطية وجهه، ويَحرم عليه تغطية رأسه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «لا تُخَمِّروا رأسه» أما زيادة «ولا وجهه» فهي شاذة ولا تصح عن رسول الله ﷺ . وعلى هذا، فلُبْس المُحْرِم للكمامات الطبية للوقاية من العدوى والغبار- لا بأس به؛ لجواز تغطية وجه المُحْرِم، وكذا يَجوز للمُحْرِمة لبس الكمامات الطبية؛ فالمرأة منهية عن تغطية وجهها بالنقاب، ويجوز تغطيته بغير النقاب، كالسدل والكمامة الطبية. القسم الثاني: المحظورات التي تختص بالنساء اثنتان: فالمرأة لا يَحرم عليها من لبس المخيط إلا النقاب والقفازان. المحظور الأول: لبس النقاب: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف النقاب: النقاب هو: لباس الوجه، وهو ما فُصِّل وقُطِّع وخِيط لأجل الوجه. فتَستر المرأة وجهها، وتَفتح لعينيها بقدر ما تَنظر منه. المطلب الثاني: النقاب من محظورات الإحرام على المرأة، بالسُّنة والإجماع. المطلب الثالث: يَجوز للمُحْرِمة سَتْر وجهها بغير النقاب؛ لأن النهي إنما جاء عن النقاب؛ لأنه لبس مُفصَّلًا على العضو، صُنع لسَتْر الوجه، كالقفاز المصنوع لسَتر اليد،

стр. 230

والقميص المصنوع لسَتر البدن، وقد اتَّفق الأئمة على أن للمُحْرِم أن يَستر يديه ورجليه مع أنه نُهي عن لبس القميص والخف. المطلب الرابع: يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُغَطِّيَ وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، لَكِنْ بِغَيْرِ اللِّبَاسِ الْمَصْنُوعِ بِقَدْرِ الْعُضْوِ، كَالنِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَيَلْبَسُ الْإِزَارَ، مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُجَافَاةِ السَّاتِرِ المُسْدَلِ عَنْ وَجْهِ المَرْأَةِ المُحْرِمَةِ. المحظور الثاني المختص بالمحرمة: لُبْس القفازين: القفازان: شيء يُعْمَل لليدين يُغطِّي الأصابع مع الكف. يَجوز للمحرمة لبس القفازين. الأصل الثالث: ما يتعلق بنكاح المُحْرِم. ويشتمل على أربعة محظورات: المحظور الأول: تحرم الخِطبة للمُحْرِم، فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ». المحظور الثاني: لا يحل للمُحْرِم أن يتزوج، ولا أن يُزوِّج غيره، ولا فدية فيه. المحظور الثالث: مَنْ باشر فيما دون الفرج، فلم يُنْزِل، لا يَفسد حجه بالإجماع. المحظور الرابع: الجماع. وفيه مبحثان: المبحث الأول: الوَطْء في الفرج حرام على المُحْرِم، ومُفسِد لنسكه. المبحث الثاني: متى يَفسد الحج بالجماع؟ لا يخلو الجماع في الحج من ثلاث أحوال: الحال الأولى: إذا جامع المُحْرِم امرأته قبل الوقوف بعرفة، فَسَد حجه بالإجماع. الحال الثانية: إذا جامع امرأته بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فَسَد حجه. الحال الثالثة: إذا جامع المُحْرِم امرأته بعد التحلل الأول، لا يَفسد نسكه. يترتب على الجماع في الحج خمسة أشياء: الأول: الإثم، بالكتاب والسُّنة والإجماع. الثاني: لا خلاف أن المُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، فسد حجه.

стр. 231

الثالث: وجوب المُضي في الحج؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. الرابع: لا يجب القضاء للمُحْرِم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفة، بالإجماع. الخامس: الفدية أو ذَبْح الهَدْي. الأصل الرابع: قَتْل الصيد البري، وفيه مباحث: المبحث الأول: قَتْل الصيد من محظورات الإحرام، بالكتاب والسُّنة والإجماع. المبحث الثاني: يَحرم على المُحْرِم أن يصيد ما جَمَع ثلاث صفات: فالصيد الذي يُحظر على المُحرِم هو الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم، كالظباء والأرانب والحَمَام. المبحث الثالث: أحكام الأكل من الصيد، والدلالة عليه. وفيه مطلبان: المطلب الأول: مَنْ صِيد لأجله، فإنه يَحرم عليه أكله. المطلب الثاني: إذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِمَ دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله. المبحث الرابع: يَحرم الصيد في الحرم على المُحْرِم والحلال. المبحث الخامس: ما لا يَدخل في الصيد: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الهوام والحشرات، لا تَدخل الهوام والحشرات في تحريم الصيد. المطلب الثاني: للمُحْرِم قتل الفواسق الخمس: الفأرة، والعقرب، والكلب العَقور، والغراب، والحِدَأة، في الحِل والحَرَم، بالسُّنة والإجماع. المطلب الثالث: يَجوز للمُحْرِم قتل المؤذيات. المبحث السادس: ما يباح للمُحْرِم: وفيه مطلبان: المطلب الأول: يَجوز للمُحْرِم ذبح وأكل بهيمة الأنعام والدجاج ونحوها، بالإجماع. المطلب الثاني: يَجوز للمُحْرِم اصطياد الحيوان البحري وأَكْله.

стр. 232

الفصل الثالث الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام أقسام محظورات الإحرام باعتبار الفدية- أربعة: القسم الأول: ما فِديته فدية أذى. (فدية الأذى هي الدم أو الإطعام أو الصيام). القسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح. القسم الثالث: ما فِديته مُغلَّظة، وهو الجماع. القسم الرابع: ما فديته الجزاء بمثله، وهو الصيد.

стр. 233

تمهيد: معنى الفدية الفدية لغة: تُطْلَق على الجزاء والبدل، أن يُجْعَل شيء مكان شيء حِمًى له، ومنه فدية الأسير واستنقاذه بمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: جزيناه بأن جعلنا مكان ذبحه ذبح كبش عظيم، وأنقذناه من الذبح (١). وشرعًا: هي ما وجب بسبب فعل محظور كلُبس المَخيط، أو تَرْك واجب كَمَنْ جَاوَز الميقات بغير نية إحرام، مع أنه ينوي الحج. وسُميت فدية لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. القسم الأول: ما فِديته فدية أذى (هي الدم أو الإطعام أو الصيام) وهي محظورات الترفه وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: المحظورات التي يجب على مَنْ ارتَكب شيئًا منها تجب عليه فدية الأذى: المحظور الأول: حَلْق الشَّعْر أو تقصيره. الثاني: تقليم الأظفار. الثالث: الطِّيب. الرابع: تغطية الرأس. الخامس: لُبس المَخيط. مَنْ فعل شيئًا مما سبق، فإنه يجب عليه في كل ذلك فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة.

стр. 234

المبحث الثاني: فدية الأذى على التخيير أم على الترتيب؟ فدية الأذى على التخيير، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبهذا قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وفي «الصحيحين»: عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ» قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ» (٢). فهذه الرواية صريحة في التخيير بين أنواع الفدية الثلاثة. ويُشْكِل على الآية والحديث ما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ، وَفِيهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁: «تَجِدُ شَاةً؟» فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ» (٣). فظاهر هذه الرواية أن مَنْ وَجَد النسك، فلا يَجوز له الإطعام أو الصيام، وأن التخيير إنما هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، وهذا يخالف ظاهر الآية، ورواية ابن أبي ليلى عن كعب أن التخيير بين أنواع الفدية الثلاثة. وأقوى أوجه الجَمْع: أن الأفضل للفدية أن يَذبح نسيكة إن وَجَد سَعة، وإِنْ أَطْعَم أو صام وهو يجد الهَدْي فلا إثم عليه. وأما الترجيح، فتُرجَّح الرواية المُصرِّحة بالتخيير بين أنواع الفدية الثلاثة؛ وذلك لأمور: الأول: أن رواية التخيير مُوافِقة للقرآن. الثاني: أن أكثر الروايات عن كعب بن عُجْرة على التخيير. الثالث: أن جماهير العلماء على أن الفدية على التخيير (٤).

стр. 235

المبحث الثالث: ما نوع الإطعام الذي أَمَر به النبي ﷺ كعب بن عُجْرة؟ قد صح عن رسول الله ﷺ أنه خَيَّر كعبًا بين الذبح أو الصيام أو الإطعام. والإشكال هو في اختلاف الروايات في نوع الإطعام الذي خَيَّر فيه النبي ﷺ رجلًا واحدًا، هو كعب. ففي رواية: «أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ». وفي ثانية: «أَوْ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ نِصْفَ صَاعٍ، طَعَامًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ». وفي ثالثة: «نصف صاع من حنطة» (١). وفي رابعة: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ» (٢) وفَرَقًا، أي: اثْنَا عَشَرَ مُدًّا. ولا بد من الترجيح؛ لأن الروايات كلها في قضية واحدة، وفي رجل واحد. والراجح: أن رواية التمر هي المحفوظة، وهي التي رواها مسلم من طريق أبي قِلابة عن ابن أبي ليلى، ولم يقع اختلاف فيها على ابن أبي ليلى في تحديد نوع الإطعام.

стр. 236

أما رواية شُعبة فقد اختُلف عليه: فرواه جماعة بلفظ: «نصف صاع طعامًا» وجماعة: «نصف صاع حنطة» ولذا تُقَدَّم رواية التمر التي لا اختلاف فيها. وأما حديث: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ» فهذا حديث منكر (١). المبحث الرابع: ما نوع النسك الذي أَمَر النبي ﷺ به كعب بن عُجْرة؟ وَرَدَ أن النسك شاة، قال النبي ﷺ لكعب: «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا» (٢). وفي حديث عبد الله بن مَعْقِل: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لكَعْبِ: «تَجِدُ شَاةً؟» (٣). فالنبي ﷺ عَيَّن الشاة نسكًا لكعب، وأخبره كعب أنه لا يجدها. ولكن يُشْكِل عليهما حديث ابن عمر، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَفْتَدِيَ، فَافْتَدَى بِبَقَرَةٍ (٤).

стр. 237

وهذا يدل على أن كعبًا افتدى ببقرة، ولكن حديث ابن عمر منكر. القسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح القسم الثالث: ما فديته مُغلَّظة، وهو الجماع، وفيه مبحثان: المبحث الأول: تجب الفدية على مَنْ أفسد النسك بالجماع. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تجب الفدية على المُحْرِم المُجامِع قبل الوقوف بعرفة. تجب الفدية على مَنْ أفسد النسك بالجماع قبل الوقوف بعرفة، بالإجماع (١). واختلفوا: ممن تكون الفدية، أو نوع الهَدْي، على قولين: القول الأول: أن مَنْ أفسد حجه بالجماع في حالة الإحرام قبل الوقوف بعرفة، وجب الهَدْي ببدنة. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالمأثور والمعقول: أما المأثور، فعن عكرمة أن رجلًا قال لابن عباس: أَصَبْتُ أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا فَقَدْ بَطَلَ، فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلًّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا، فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الجَمْرَةَ، وَأَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِي نَاقَةً (٣). وأما المعقول، فَلِأَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا، فَأَوْجَبَ الْبَدَنَةَ، كَمَا بَعْدَ الْوُقُوفِ. وَلِأَنَّ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ الْجِنَايَةُ بِهِ أَعْظَمُ، فَكَفَّارَتُهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَغْلَظَ (٤). القول الآخَر: أن مَنْ جامع زوجته، وهما مُهِلان بالحج قبل أن يقفا بعرفة، وجب

стр. 238

الهَدْي بشاة. وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية (١). واستدلوا بما رواه: يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمٍ، أَوْ زَيْدُ بْنُ نُعَيْمٍ - شَكَّ أَبُو تَوْبَةَ - أَنَّ رَجُلًا مِنْ جُذَامٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ، وَهُمَا مُحْرِمَانِ، فَسَأَلَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا: «اقْضِيَا نُسُكَكُمَا، وَأهْدِيَا هَدْيًا، ثُمَّ ارْجِعَا حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، تَفَرَّقَا، وَلَا يَرَى وَاحِدٌ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ، وَعَلَيْكُمَا حَجَّةٌ أُخْرَى، فَتُقْبِلَانِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمَا بِالْمَكَانِ الَّذِي أَصَبْتُمَا فِيهِ مَا أَصَبْتُمَا، فَأَحْرِمَا وَأَتِمَّا نُسُكَكُمَا وَأهْدِيَا» (٢). وروى مالك قال: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ وَعَلِيًّا وَأَبَا هُرَيْرَةَ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ، فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا، ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجُّ قَابِلٍ وَالْهَدْيُ. وَقَالَ عَلِيٌّ: وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ، تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا (٣). وَجْه الدلالة: أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، لَكِنَّ الشَّاةَ أَدْنَى، وَالْأَدْنَى مُتَيَقَّنٌ بِهِ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْغَنَمِ أَوْلَى (٤). قال ابن قُدامة: وَأَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالْمُطَاوَعَةِ بِلَا خِلَافٍ (٥). المطلب الثاني: هل تجب على المرأة الفدية؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إن كانت مُطاوِعة فعليها بدنة كالرجل، وإن كانت مُكْرَهة فإنه لا يجب عليها هَدْي. وهذا مذهب المالكية والحنابلة (٦).

стр. 239

واستدلوا لوجوب البدنة على المرأة إذا كانت مُطاوِعة، بالمأثور والمعقول: أما المأثور، فَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا حَجُّكُمَا هَذَا، فَقَدْ بَطَلَ فَحُجَّا عَامًا قَابِلًا، ثُمَّ أَهِلًّا مِنْ حَيْثُ أَهْلَلْتُمَا، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُمَا حَيْثُ وَقَعْتَ عَلَيْهَا، فَفَارِقْهَا فَلَا تَرَاكَ وَلَا تَرَاهَا حَتَّى تَرْمِيَا الجَمْرَةَ، وَأَهْدِ نَاقَةً وَلْتُهْدِي نَاقَةً. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ الْمُحْرِمِ يُوَاقِعُ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فَقَالَ: «يَقْضِيَانِ حَجَّهُمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَجِّهِمَا، ثُمَّ يَرْجِعَانِ حَلَالًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَجَّا وَأَهْدَيَا، وَتَفَرَّقَا مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ» (١). وَجْه الدلالة: أنه أَمَر الرجل والمرأة أن يُهديا جميعًا، فقال: «وأَهْدِيَا». وأما المعقول، فَلِأَنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ، فَلَزِمَتْهَا بَدَنَةٌ كَالرَّجُلِ. واستدلوا بسقوط الهَدْي عنها إذا كانت مُكْرَهة، بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦]. وَجْه الدلالة: أن الكفر إذا كان يَسقط موجبه بالإكراه، فما دونه من باب أَوْلَى. القول الآخَر: تجزئ عنهما معًا بدنة واحدة. وهو قول للشافعية (٢). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: يُجْزِئُ عَنْهُمَا جَزُورٌ (٣). وَعَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ أَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: يَنْحَرَانِ جَزُورًا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (٤). ونوقش بأنه قد ورد خلاف عن ابن عباس: «وأَهْدِ ناقة، ولتُهْدِي ناقة» وعنه أيضًا: «إذا جامع، فعلى كل واحد منهما بدنة».

стр. 240

المطلب الثالث: الكفارة على مَنْ جامع بعد التحلل الأول. اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجب عليه بدنة. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية للحنابلة (١). القول الآخَر: يجب عليه الهَدْي بشاة. وهو مذهب المالكية، وقول للشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). المطلب الرابع: ما المراد بالبدنة الواجبة على مَنْ أفسد حجه؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن البدنة هي الإبل خاصة. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وَجْه الدلالة: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ معناه: إذا سَقَطَتْ على جنوبها ميتة. فهذا الوصف خاص بالإبل؛ لأنها تُنحَر وهي قائمة. وأما البقر فإنه يُضْجَع ويُذبَح كالغنم. وأما السُّنة، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً» (٤). وَجْه الدلالة: أن تفريقه بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال لها بدنة. القول الثاني: أن البُدن هي الإبل والبقر. وهو مذهب الحنفية (٥). وعن جابر: اشْتَرَكْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ … فَقَالَ لَهُ

стр. 241

رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ الْبَقَرَةَ اشْتَرَكَ فِيهَا مَنْ يَشْتَرِكُ فِي الْجَزُورِ؟ فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا مِنَ الْبُدْنِ (١). القول الثالث: أن الغنم من البُدن. نَقَله ابن العربي، وقال عنه: وهو قولٌ شاذ (٢). المبحث الثاني: فدية المُباشَرة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: فدية مَنْ باشر فلم يُنْزِل: ذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ باشر ولم يُنْزِل، فعليه شاة (٣). واستدلوا بما رُوي عن علي أنه قال: «مَنْ قَبَّل امرأته وهو مُحْرِم، فليهرق دمًا» (٤). واستدلوا بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَبَّلَ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فَسَأَلَ، فَأُجْمِعَ لَهُ عَلَى أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا (٥). المطلب الثاني: فدية المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تجب عليه فدية الأذى: يُخيَّر بين الدم أو الإطعام أو الصيام. وهو مذهب الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (٦). واستدلوا لعدم فساد النسك بأنه إنزال بغير وَطْء، فلم يَفسد به الحج، كالنظر. واستدلوا بوجوب فدية الأذى (الدم أو الإطعام أو الصيام) على مَنْ باشر فأَنْزَل، بما ورد عن علي ﵁ أنه قال: «مَنْ قَبَّل امرأته وهو مُحْرِم، فليُهرِق دمًا» (٧).

стр. 242

القول الآخَر: أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، فتجب عليه بدنة عند المالكية والحنابلة (١). واستدلوا بالقياس على الجماع. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق في أكثر الأحكام. والراجح: أن المُحْرِم إذا باشر فأَنْزَل، وجب عليه فدية الأذى، يُخيَّر بين الدم أو الإطعام أو الصيام. القسم الرابع: ما فديته الجزاء بمثله، وهو الصيد: وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: كفارة قتل المُحْرِم للصيد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم كفارة قتل الصيد عامدًا ذاكرًا لإحرامه: يجب الجزاء في قتل الصيد في الجملة، بالكتاب والإجماع. أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما الإجماع، فنَقَل غير واحد الإجماع على أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، عامدًا، ذاكرًا لإحرامه، أن عليه الجزاء (٢). المطلب الثاني: كفارة قتل الصيد: يُخيَّر المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا يُشْبِه النَّعَم بين ذبحِ مِثله، والتصدق به على المساكين، وبين أن يُقوَّم الصيد، ويشتري بقيمته طعامًا لهم، وبين أن يصوم عن إطعام كل مُدٍّ يومًا. أما إذا قَتَل المُحْرِم ما لا يُشْبِه شيئًا من النَّعَم، فإنه يُخيَّر بين الإطعام والصيام. وهذا مذهب جمهور الفقهاء، من المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ

стр. 243

مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا … ﴾ [المائدة: ٩٥]. المبحث الثاني: حُكْم أكل الُمْحِرم من الصيد، أو: إذا صاد المُحِل صيدًا وأطعمه المُحْرِم، فهل يكون حلالًا للمُحْرِم؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يَجوز لمُحْرِمٍ أَكْل لَحْم صَيْدٍ البتة. وهو قول عليّ وابن عمر، وطاوس وجابر بن زيد (١). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فظاهر الآية تحريم أكل الصيد للمُحْرِم بالكلية، سواء أَصِيد من أجله أم لم يُصَد. قال ابن عباس: هي مُبْهَمَة. ونوقش بأن معنى الآية: حُرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البَر، أي: الاصطياد وقَتْل الصيد وأَكْله لمن صاده. وليس بمعنى مَصِيد، فمَن لم يَصِده فليس ممن عُني بالآية، فتكون هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢). واستدلوا بِأَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَامْتَنَعَ رَسُولُ اللهِ عَنْ قَبُولِ الصَّيْدِ مِنَ الصَّعْبِ، وَاعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (٣). فظواهر هذه النصوص دالة على أن أكل لحم الصيد حرام على المُحْرِم بكل حال. ونوقش بما قاله الشافعي: فَإِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى الْحِمَارَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ حَيٍّ. وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنْ لَا يُحِلَّ لِلْمُحْرِمِ مَا صِيدَ لَهُ (٤). القول الثاني: يَجُوزُ للِمُحْرِمٍ أَكَل مَا صَادَهُ الْحَلَالُ مِنَ الصَّيْدِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ،

стр. 244

وَالزُّبَيْرِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (١). واستدلوا بما ورد عن أبي قتادة، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: الجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ، فَحَمَلَ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ، فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قَالَ: «هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟» قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَكَلَهَا (٢).

стр. 245

فدل هذا على حِل أكل الصيد للمُحْرِم إذا لم يَصِده بنفسه، وقد أَقَر النبيُّ أصحابه على الأكل من الصيد وهم مُحْرِمون، بل قَبِل الصيد من أبي قتادة، وأَكَل منه وهو مُحْرِم. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ، فقَالَ طَلْحَةُ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ (١). القول الثالث: إذا صاد المُحِل صيدًا، وأطعمه المُحْرِم دون أن يُعِينه بشيء على صيده، فإنه يَحِل للمُحْرِم أكله. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). وحَمَلوا أحاديث رده ﷺ الصيد على ما إذا صاده الحلال لأجل المُحْرِم، وحَمَلوا أحاديث قَبوله الصيد على ما إذا صاده الحلال لنفسه، ثم يُهْدِي منه للمُحْرِم.

стр. 246

واستدلوا بحديث جابر بن عبد اللهِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (١). وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ. وهذه رواية شاذة. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي (٢). فالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى حِل أكل الصيد للمُحْرِم إذا لم يَصِده بنفسه، ولو صاده الحلال للمُحْرِم؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، ولكن عليه عَمَل الصحابة. ولأن المُحْرِم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة ولا إعانة، ولا صِيد من أجله فلم يُمْنَع منه.

стр. 247

المبحث الثالث: الدلالة على الصيد: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: إذا دَل المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله، يَلزم المُحْرِمَ جزاؤه. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فقال النبي ﷺ لأصحاب أبي قتادة ﵃: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (٢). وَجْه الدلالة: أَنَّهُ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ. وأما المعقول، فَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ (٣). القول الآخَر: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فإنه يكون مُسيئًا، ولا جزاء عليه، وأن الجزاء على القاتل دون الدالّ. وهو مذهب المالكية والشافعية (٤). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَجْه الدلالة: أنَّهُ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْلِ، فَاقْتَضَى أَلَّا يَجِبَ الْجَزَاءُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ (٥). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَجْه الدلالة: أن وجوب الجزاء مُعَلَّق بالقتل، والدلالة ليست بقتل.

стр. 248

قال ابن حجر: وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ انْفِصَالِ الدَّالِّ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا عَلَى امْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالدَّلَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ (١). المطلب الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله: اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فعلى كل واحد منهما جزاءٌ كامل. وهو مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله، فالجزاء بينهما؛ لأن الواجب جزاء المُتْلَف، وهو واحد، فيَكُون الجزاء واحدًا بينهما. وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثالث: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فالدالّ مسيء ولا جزاء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فأَوْجَبَ الجزاء على القاتل، فلا يَجِب على غيره، ولا يُلْحَق به؛ لأنه ليس في معناه. وهو مذهب المالكية والشافعية (٤). المطلب الثالث: إذا اشترك جماعة مُحْرِمون في قتل صيد، فماذا يجب عليهم؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجب عليهم جزاء واحد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٥). القول الآخَر: يجب على كل واحد منهم جزاء كامل. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة (٦). والراجح: أنه يجب عليهم جزاء واحد. قال الشافعي: عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّفَرِ يَشْتَرِكُونَ فِي

стр. 249

قَتْلِ الصَّيْدِ قَالَ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا مِثْلٌ، وَمَنْ قَالَ: (عَلَيْهِ مِثْلَانِ) فَقَدْ خَالَفَ مَعْنَى الْقُرْآنِ (١). المبحث الرابع: الجزاء في الصيد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المِثلي: المِثلي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم. المطلب الثاني: ما المُعتبَر في جزاء قتل الصيد: المِثل أم القيمة؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، أي: مُشابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وذلك فيما له نظير من النَّعَم (٢). القول الآخَر: أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، فعليه قيمة الصيد في الموضع الذي قَتَله فيه، أو أقرب المواضع منه. وهو مذهب الحنفية (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (مِثْل) أي: قيمة الصيد، ولو كان نظير ذلك من النَّعَم، لم يفتقر إلى حُكْم عدلين. ونوقش بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِثْلِ فِي النَّعَمِ أَخْفَى مِنَ الْاجْتِهَادِ فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ يَعْرِفُهَا سُوقَةُ النَّاسِ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ عُلَمَاؤُهُمْ، فَكَانَ بِاجْتِهَادِ عَدْلَيْنِ أَوْلَى (٤). والراجح: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعم، أي: مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والذي يُتصوَّر أن يكون هَدْيًا هو ما كان مِثل المقتول من النَّعَم: الإبل أو البقر أو

стр. 250

الغنم. فأما القيمة فلا يُتصوَّر أن تكون هَدْيًا. المبحث الخامس: قول عدلين في جزاء الصيد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: المُتلَف من الصيد قسمان: القسم الأول: ما قضت فيه الصحابة ﵃ من جزاء الصيد، فيجب متابعتهم، ولا يَجوز مخالفتهم. القسم الثاني: ما لم تَقْضِ فيه الصحابة، فيُرجَع فيه إلى قول عدلين خبيرين من أهل المعرفة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). المطلب الثاني: الشروط التي يجب توافرها في الحكمين الأول: العدد، فلا بد أن يكونا اثنين؛ لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. الثاني: العدالة، وهي: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْكَبِيرَةِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ. وَالصَّلَاحُ فِي الْمُرُوءَةِ اسْتِعْمَالُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَاجْتِنَابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فِي شَخْصٍ، كَانَ عَدْلًا فِي شَهَادَتِهِ، مِنَ الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ (٢). الثالث: الفقه، فذهب المالكية والشافعية إلى أن الفقه شرط في الحَكَمين (٣). الرابع: الخبرة؛ لأنه لا يَتمكن من الحُكْم بالمِثْل إلا مَنْ له خِبْرة (٤).
следующие страницы →