← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واستدلوا بحديث جابر بن عبد اللهِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» (١). وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابِي وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ فَاصْطَدْتُهُ، فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ، وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ. وهذه رواية شاذة. وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. فَقَالُوا: أَوَلَا تَأْكُلُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي (٢). فالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى حِل أكل الصيد للمُحْرِم إذا لم يَصِده بنفسه، ولو صاده الحلال للمُحْرِم؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ» وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، ولكن عليه عَمَل الصحابة. ولأن المُحْرِم ليس له أثر في هذا الصيد، لا دلالة ولا إعانة، ولا صِيد من أجله فلم يُمْنَع منه.

стр. 247

المبحث الثالث: الدلالة على الصيد: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: إذا دَل المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فقَتَله، يَلزم المُحْرِمَ جزاؤه. وهو مذهب الحنفية والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فقال النبي ﷺ لأصحاب أبي قتادة ﵃: «أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» (٢). وَجْه الدلالة: أَنَّهُ عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ. وأما المعقول، فَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ، كَمَا لَوْ نَصَبَ أُحْبُولَةً. وَلِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ (٣). القول الآخَر: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على صيد، فإنه يكون مُسيئًا، ولا جزاء عليه، وأن الجزاء على القاتل دون الدالّ. وهو مذهب المالكية والشافعية (٤). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَجْه الدلالة: أنَّهُ عَلَّقَ الْجَزَاءَ بِالْقَتْلِ، فَاقْتَضَى أَلَّا يَجِبَ الْجَزَاءُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ (٥). واستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَجْه الدلالة: أن وجوب الجزاء مُعَلَّق بالقتل، والدلالة ليست بقتل.

стр. 248

قال ابن حجر: وَلِأَنَّ الْقَاتِلَ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ بِاخْتِيَارِهِ، مَعَ انْفِصَالِ الدَّالِّ عَنْهُ، فَصَارَ كَمَنْ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا عَلَى امْرَأَةٍ فَوَطِئَهَا، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِالدَّلَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ (١). المطلب الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله: اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فعلى كل واحد منهما جزاءٌ كامل. وهو مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: إذا دَلَّ المُحْرِم مُحْرِمًا على صيد، فقَتَله، فالجزاء بينهما؛ لأن الواجب جزاء المُتْلَف، وهو واحد، فيَكُون الجزاء واحدًا بينهما. وهو مذهب الحنابلة (٣). القول الثالث: إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا على صيد فقَتَله، فالدالّ مسيء ولا جزاء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فأَوْجَبَ الجزاء على القاتل، فلا يَجِب على غيره، ولا يُلْحَق به؛ لأنه ليس في معناه. وهو مذهب المالكية والشافعية (٤). المطلب الثالث: إذا اشترك جماعة مُحْرِمون في قتل صيد، فماذا يجب عليهم؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يجب عليهم جزاء واحد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٥). القول الآخَر: يجب على كل واحد منهم جزاء كامل. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة (٦). والراجح: أنه يجب عليهم جزاء واحد. قال الشافعي: عَنْ عَطَاءٍ فِي النَّفَرِ يَشْتَرِكُونَ فِي

стр. 249

قَتْلِ الصَّيْدِ قَالَ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَهَذَا مُوَافِقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا مِثْلٌ، وَمَنْ قَالَ: (عَلَيْهِ مِثْلَانِ) فَقَدْ خَالَفَ مَعْنَى الْقُرْآنِ (١). المبحث الرابع: الجزاء في الصيد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف المِثلي: المِثلي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم. المطلب الثاني: ما المُعتبَر في جزاء قتل الصيد: المِثل أم القيمة؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعَم، أي: مُشابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وذلك فيما له نظير من النَّعَم (٢). القول الآخَر: أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، فعليه قيمة الصيد في الموضع الذي قَتَله فيه، أو أقرب المواضع منه. وهو مذهب الحنفية (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (مِثْل) أي: قيمة الصيد، ولو كان نظير ذلك من النَّعَم، لم يفتقر إلى حُكْم عدلين. ونوقش بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْمِثْلِ فِي النَّعَمِ أَخْفَى مِنَ الْاجْتِهَادِ فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ يَعْرِفُهَا سُوقَةُ النَّاسِ، وَالْمِثْلُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ عُلَمَاؤُهُمْ، فَكَانَ بِاجْتِهَادِ عَدْلَيْنِ أَوْلَى (٤). والراجح: أن الواجب في الجزاء هو المِثل، أي: ما كان له مِثْل من النَّعم، أي: مُشَابِه في الخِلْقة والصورة، للإبل أو البقر أو الغنم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. والذي يُتصوَّر أن يكون هَدْيًا هو ما كان مِثل المقتول من النَّعَم: الإبل أو البقر أو

стр. 250

الغنم. فأما القيمة فلا يُتصوَّر أن تكون هَدْيًا. المبحث الخامس: قول عدلين في جزاء الصيد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: المُتلَف من الصيد قسمان: القسم الأول: ما قضت فيه الصحابة ﵃ من جزاء الصيد، فيجب متابعتهم، ولا يَجوز مخالفتهم. القسم الثاني: ما لم تَقْضِ فيه الصحابة، فيُرجَع فيه إلى قول عدلين خبيرين من أهل المعرفة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). المطلب الثاني: الشروط التي يجب توافرها في الحكمين الأول: العدد، فلا بد أن يكونا اثنين؛ لقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. الثاني: العدالة، وهي: الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ، وَتَرْكِ الْكَبِيرَةِ، وَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ. وَالصَّلَاحُ فِي الْمُرُوءَةِ اسْتِعْمَالُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَاجْتِنَابُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ. فَإِذَا وُجِدَ هَذَا فِي شَخْصٍ، كَانَ عَدْلًا فِي شَهَادَتِهِ، مِنَ الصَّالِحِينَ الْأَبْرَارِ (٢). الثالث: الفقه، فذهب المالكية والشافعية إلى أن الفقه شرط في الحَكَمين (٣). الرابع: الخبرة؛ لأنه لا يَتمكن من الحُكْم بالمِثْل إلا مَنْ له خِبْرة (٤).

стр. 251

المبحث السادس: ما يجب في صيد الدواب والطيور من الجزاء: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ما يجب في صيد الدواب: في النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة إنسية، وفي الضبع كبش، وفي الغزال عنز، وفي الأرنب عَنَاق، وفي اليربوع جَفْرة، وفي الضَّبّ جَدْي، وما لا مِثل له فإنه يَحكم بمثله حَكَمان عدلان. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). المطلب الثاني: ما يجب في صيد الطيور: في أنواع الحَمَام شاة، عند أكثر أهل العلم (٢). المطلب الثالث: إذا صاد المُحْرِم الجراد، فماذا يجب عليه؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال: القول الأول: أن الجزاء في صيد الجراد هو القيمة، بأن يُطْعِم بقيمة ما صاد. وحَدَّده بعضهم بقبضة من طعام، وقَدَّر بعضهم قيمة الجرادة بتمرة. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٣). واستدلوا بما ورد عن زيد بن أسلم، أن رجلًا جاء إلى عمر ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، إني أصبتُ جرادات بسوطي، وأنا مُحْرِم. فقال له: أَطْعِم قبضة من طعام (٤). وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: فِيهَا قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ (٥). القول الثاني: أن الجزاء في صيد الجراد هو إطعام ثلاثة مساكين. وبه قال ابن حزم (٦).

стр. 252

واستَدل بأن الجراد لا مِثل من النَّعَم، ففيه الإطعام أو الصيام، والإطعام يكون لثلاثة مساكين؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأقل المساكين ثلاثة. واعتُرض عليه بأن فَهْم عمر الفارق وابن عباس الحبر- مُقَدَّم على فَهْم غيرهما. القول الثالث: أنه لا جزاء في صيد الجراد. وهو رواية عند الحنابلة (١). القول الرابع: أن الجزاء في صيد الجراد هو صاع من طعام. وبه قال ربيعة. وقال ابن عمر: يجب عليه شاة (٢). المبحث السابع: أمور عامة متعلقة بالفدية: وفيه مطالب: المطلب الأول: ارتكاب محظورات فدية الأذى عمدًا: لا فَرْق في التخيير في فدية الأذى بين مَنْ ارتكب المحظور بعذر، أو كان عمدًا. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ وذلك لأن الله تعالى أوجب الفدية على مَنْ حَلَق رأسه لأذى به وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور (٣). المطلب الثاني: حُكْم فِعل المحظورات نسيانًا أو جهلًا: اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، فلا شيء عليه. وهو مذهب الشافعية، ورواية عن الحنابلة والظاهرية (٤). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى في قتل الصيد: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. فقوله: (مُتَعَمِّدًا) يفيد أن مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام، ناسيًا أو جاهلًا أو

стр. 253

مُكْرَهًا، فلا شيء عليه. واستدلوا بعموم الأدلة الدالة على العفو عن الخطأ والنسيان، كقول الصحابة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» (١). وأما السُّنة، فَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا: فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ» (٢). وَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْمُرْهُ بِفِدْيَةٍ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ لَأَمَرَهُ بِهَا، كَمَا أَمَرَهُ بِنَزْعِ الْجُبَّةِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ غَيْرُ جَائِزٍ إِجْمَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ (٣). وأما القياس، فقياس مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام ناسيًا على الأكل أو الشرب ناسيًا في نهار رمضان، فإنه لا يَفسد الصوم ولا قضاء فيه. القول الآخَر: أن الفدية لا تَسقط بفعل المحظورات نسيانًا أو جهلًا أو إكراهًا، ولكن يَسقط الإثم بارتكاب المحظور. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن الحنابلة (٤). واستدلوا بالقياس على أمرين: الأول: بِأَنَّ الْفِدْيَةَ جَابِرَةٌ لِمَا وَقَعَ مِنْ خَلَلِ الْإِحْرَامِ، وَالْجَابِرُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ، كَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَكَفَّارَةِ قَتْلِ الخَطَأِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْعَمْدُ فِي الْإِثْمِ (٥). واعتُرض عليه بِأَنَّ هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الفَارِقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ أَصْلِهِ، فَصَارَ مَخْصُوصًا- أَنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، والْأَصْلُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ؛ فَخَرَجَ

стр. 254

إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عَلَى قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً عَنْ أَصْلِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يُقَاسَ عَلَيْهِ (١). الثاني: قياسُ فِعل المحظور على ترك المأمور، فكما أن ترك صلاةٍ ناسيًا لا تَسقط عنه، فكذا فِعل المحظور. واعتُرض عليه بأن هذا ليس بمُطَّرِد، فإن مَنْ أَكَل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان لا يَفسد صومه ولا قضاء فيه. والراجح: أن مَنْ فَعَل شيئًا من محظورات الإحرام، ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، فلا فدية عليه؛ لعموم الأدلة من القرآن والسُّنة الصحيحة. المبحث الثالث: حُكْم الفدية (الدم) بترك واجب من واجبات الحج: اختَلف العلماء فيمن تَرَك واجبًا على ثلاثة أقوال: القول الأول: لزوم الدم على مَنْ تَرَك واجبًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالمأثور والقياس: أما المأثور، فعن عبد اللهِ بن عباس قال: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» (٣). وَجْه الدلالة: أن هذا القول لا يُدرَك بالاجتهاد، فله حُكْم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي. ونوقش بأنه لا مانع أن مثله يقال بالرأي، وأن ابن عباس ﵄ اجتهد، فأداه اجتهاده إلى وجوب الدم. وأجيب بأنه قول صحابي قد اشتهر، ولا يُعْلَم له مُخالِف من الصحابة، وعَمِل به جماهير العلماء، فكان أَوْلَى بالقَبول من قول غيره (٤).

стр. 255

وأما القياس، فقاسوا ترك الواجب على فعل المحظور، مِنْ أن كُلًّا منهما يَنقص النسك، وأنه يَفتقر إلى جُبْرَانٍ يَكُون خَلَفًا عنه (١). القول الثاني: يجب الدم على مَنْ تَرَك واجبًا لغير عذر، فإن كان لعذر فلا شيء عليه. وهو مذهب الحنفية (٢). واستدلوا بالكتاب والقياس: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. واستدلوا بالقياس على ترك السقاة والرعاة المبيت بمِنًى وتَرْك طواف الوداع للحائض، فقد تركوها لعذر، ولم يوجب الشارع عليهم دمًا. وكذا القياس على قصة صاحب الجُبة، وهي: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ - أَوْ قَالَ: صُفْرَةٌ - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». ولم يَرِد أن النبي ﷺ أَمَره بالفدية، فدل ذلك على أنه عَذَره بجهله، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واعتُرض عليه بأنه فِعل محظور، وليس في ترك الواجب. القول الثالث: أن مَنْ تَرَك واجبًا من واجبات الحج، فلا شيء عليه. وبه قال ابن حزم. واستَدل ابن حزم بعدم وجود دليل عن رسول الله ﷺ بوجوب الدم بترك الواجبات، والأصل براءة الذمة (٣). والراجح: لزوم الدم على مَنْ تَرَك واجبًا، سواء كان بعذر أو بغير عذر. وهو ما أفتى به حَبر الأمة ابن عباس.

стр. 256

المطلب الرابع: مكان ذبح الدم بترك واجب أو فعل محظور: اتفقت المذاهب الأربعة على أن موضع دم الصيد يجب أن يكون بالحرم؛ لصريح قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١). واختَلف العلماء في مكان الذبح بترك واجب أو فعل محظور غير الصيد، على قولين: القول الأول: أنه لا يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فِعل محظور إلا في الحَرَم. وهو مذهب الحنفية، وقول للشافعية، وبه قال الحنابلة (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. فمكان الهدايا الحَرَم. وقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] والآية وإن نزلت في جزاء الصيد، فكان أصلًا في كل دم، فجُعِل بلوغ الكعبة من صفات الهَدْي، فلا يَجوز إلا في الحَرَم، ولو جاز ذبحه في غير الحَرَم، لم يكن لذِكْر بلوغه الكعبة معنى (٣). وأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (٤) فلَا يَجُوزُ نَحْرُ الْبُدْنِ وَالْهَدْيِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ مِنْ فِجَاجِ مَكَّةَ وَمِنًى، إِلَّا مَا خَصَّهُ النَّصُّ مِنْ هَدْيِ الْمُحْصَرِ. وَلِأَنَّ الْهَدْيَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إِلَى مَكَانِ الْهَدَايَا، أَيْ: يُنْقَلُ إِلَيْهَا. القول الآخَر: أنه يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فعل محظور في أي مكان شاء.

стр. 257

وهو مذهب المالكية، وقول للشافعية، وبه قال الظاهرية (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فظاهره أنه حيثما فَعَل أجزأه، والنسك هو ما يذبحه نسكًا، ولم يُسَمِّه هَدْيًا، ولا يقاس على الهَدْي، والهَدْي لا يكون إلا بمكة. وَعَنْ كَعْبِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: «آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «احْلِقْ رَأْسَكَ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكًا» (٢). وَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِالْفِدْيَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِبَعْثِهِ إلَى الْحَرَمِ، وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجُ الحَرَمِ (٣). واعتُرض عليه بأن الحُديبية منها موضع خارج الحَرَم، ومنها موضع داخل الحَرَم، فيحتمل أنه ذَبَح داخل الحَرَم، والنص إذا تطرق إليه الاحتمال بَطَل به الاستدلال. وَعَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، فَخَرَجَ مَعَهُ مِنَ المَدِينَةِ، فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا، فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَتَّى إِذَا خَافَ الفَوَاتَ خَرَجَ، وَبَعَثَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ﵄ وَهُمَا بِالمَدِينَةِ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إِلَى رَأْسِهِ، فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بِرَأْسِهِ فَحُلِقَ، ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا، فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا (٤). وَجْه الدلالة: أن عليًّا ذَبَح خارج الحَرَم، فدل على جواز، ذبح الهَدْي خارج الحَرَم (٥). والراجح: أنه لا يجزئ ذبح الفدية بترك واجب أو فعل محظور إلا في الحَرَم.

стр. 258

المطلب الخامس: زمان ذبح الدم بترك واجب أو فِعل محظور: ذهب جمهور العلماء إلى أن وقت ذبح الدم يَبدأ من حين فِعل محظور أو تَرْك واجب، من حين وجود سببه المبيح، ككفارة اليمين، ولا حد لانتهاء وقت زمنه، والأَوْلَى تعجيله لينجبر النقص من أفعاله (١). قال ابن عثيمين: الواجب على مَنْ وجب عليه فدية بترك واجب أو بفعل محظور- أن يبادر بذلك؛ لأن أوامر الله تعالى ورسوله ﷺ على الفور إلا بدليل. ولأن الإنسان لا يَدري ما يَحدث له في المستقبل، فقد يكون اليوم قادرًا، وغدًا عاجزًا، فالواجب المبادرة (٢). المطلب السادس: العجز عن الدم بترك واجب أو فعل محظور: مَنْ تَرَك واجبًا وعَجَز عن الدم، وجب عليه أن يصوم عَشَرة أيام، بدلًا عن الدم؛ لأن ذمته مشغولة، فلا تَبرأ الذمة إلا بعمل. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). المطلب السابع: مَنْ عَجَز عن الدم الواجب بالجماع، فماذا يجب عليه؟ مَنْ جامع قبل التحلل الأول فعليه بدنة، وعلى زوجته مِثل ذلك إن كانت مُطاوِعة، تُذبَحان في الحرم للفقراء بمكة. فإِنْ عَجَزا فعلى كل واحد صوم عَشَرة أيام. المطلب الثامن: توزيع الصدقة على فقراء ومساكين الحَرَم: يُشتَرَط أن تُوزَّع الصدقة على فقراء الحَرَم. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وَجْه الدلالة: يجب أن يكون الهَدْي بالغ الكعبة، يُوزَّع على الفقراء والمساكين المقيمين في الحَرَم، من أهل مكة وغيرهم. وما كان بدلًا عنه من الإطعام في حُكم الهَدْي؛

стр. 259

ولذا لا يجزئ الإطعام في عرفة، والطائف، والشرائع، أو غيرها من الحِل. فالحاصل: أن الهَدْي- وهو ما يُهْدَى إلى الحَرَم، من الأنعام - يُذبَح في مكة، ويُوزَّع على فقراء الحَرَم. وما كان بدلًا عنه من الإطعام يختص به فقراء الحَرَم المكي. المطلب التاسع: موضع الصيام: يَجوز الصيام في أي موضع، بالكتاب والإجماع والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. أما الإجماع، فنَقَل ابن عبد البر وغيره الإجماع على جواز الصيام في أي مكان (١). وأما المعقول، فإن الصوم عبادة تختص بالصائم، لا يتعدى نفعها؛ فلا يُشترَط لها مكان بعينه، بخلاف الهَدْي والإطعام، فإِنَّ نَفْعه يَتَعَدَّى إلى مَنْ يُعطاه، فخُصّ بأهل الحَرَم. المطلب العاشر: التتابع في الصيام: لا يُشترط التتابع في الصيام بالكتاب والإجماع. أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]. فالصيام أُطْلِقَ، ولم يُقيَّد بشيء، فدل ذلك على أنه لا يُشترَط فيه التتابع. وأما الإجماع، فقد نَقَل النووي الإجماع على جواز تفريق الصيام (٢). المطلب الحادي عشر: تَكرار المحظور لا يخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس أو تَطيَّب ثم تَطيَّب فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول. وبه قال محمد بن

стр. 260

الحسن الشيباني من الحنفية، وهو قول الشافعي في القديم، وهو مذهب الحنابلة (١). قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد. فمَن كَفَّر عن الأول ثم ارتكب المحظور يَلزمه فدية أخرى قياسًا على الحدود. القول الآخَر: أن مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس، فيجب عليه كفارة لكل فعل. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وقول للشافعي (٢). والراجح: أن مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد، في أوقات مختلفة، لَبِس ثم لَبِس، فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول؛ قياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد. وكذا فإن من قواعد الشريعة التيسير على المكلفين. وإيجاب كفارة في كل مرة على مَنْ كَرَّر محظورًا من جنس واحد في أوقات مختلفة- فيه مشقة تُنافِي قواعد الشريعة. ولذا فمَن كَرر اللباس فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، ما لم يُكفِّر عن الأول. الحال الثانية: أن يكون المحظور من أجناس مختلفة، كطِيب ولُبس مَخيط، فإنه يَفدي لكل محظور. وهذا باتفاق المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣) لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها، كالحدود المختلفة. الحال الثالثة: أن يكون المحظور صيدًا، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد. اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب الجزاء كلما صاد المُحْرِم صيدًا، فإذا كَرَّر المُحْرِم قتل الصيد، فعليه لكل مرة فدية. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٤). واستدلوا بأنه كيف تنتفي الكفارة عن المُحْرِم العائد لقتل الصيد في الدنيا؟! ولأن الله تَوَعَّد أن ينتقم من العائد لقتل الصيد وهو مُحْرِم، بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾

стр. 261

[المائدة: ٩٥] .. القول الثاني: أن المُحْرِم إذا قَتَل صيدًا، ثم كَرَّر قتل الصيد، فلا جزاء عليه إلا في أول مرة. وهذا مروي عن ابن عباس، وهو رواية عند الحنابلة، وقول داود الظاهري (١). القول الثالث: إِنْ كَفَّر قبل الصيد الثاني، فعليه الجزاء للثاني. وإن لم يُكفِّر، كَفَاه جزاء واحد عن الأول والثاني. وهذا قول للحنابلة (٢). فالحاصل: أن تَكرار المحظور له ثلاث أحوال: الحال الأولى: إذا كَرَّر محظورًا من جنس واحد، كلُبْس قميص ولُبْس سراويل، وإن كان في مجالس مختلفة، فعليه لجميع ذلك فدية واحدة؛ لأن الله أوجب في حلق الرأس فدية واحدة؛ لأنه إذا حَلَق رأسه لا يمكن إلا شيئًا بعد شيء. وقياسًا على ما إذا تعددت أحداث من جنس واحد، فيكفيه وضوء واحد. إلا إذا كَفَّر بعد فعل الأول قبل الثاني، فعليه فدية أخرى؛ لأن الأول استقر حكمه بالتكفير. الحال الثانية: وأما إذا كَرَّر محظورًا من أجناس مختلفة، كطِيب ولُبْس مَخيط، فعليه لكل جنسٍ فدية؛ لأن المقصود جبر النسك، وذلك لا يَحصل إلا بالتعدد. الحال الثالثة: أن يكون المحظور صيدًا، فإن الفدية تتعدد بتعدد الصيد، فعليه لكل مرةٍ فدية؛ لأنه كيف تنتفي الكفارة عن المُحْرِم العائد لقتل الصيد في الدنيا؟! ولأن الله تَوَعَّد أن ينتقم من العائد لقتل الصيد وهو مُحْرِم، بقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾. * * *

стр. 262

خلاصة فصل الفدية المتعلقة بمحظورات الإحرام: الفدية شرعًا: هي ما وجب بسبب فعل محظور كلُبس المَخيط، أو تَرْك واجب كمن جاوز الميقات بغير نية إحرام، مع أنه نوى الحج. تقسيم المحظورات بحَسَب الفدية: القسم الأول: المحظورات التى يجب على مَنْ ارتَكب شيئًا منها فدية الأذى: الأول: حَلْق الشَّعر. الثاني: تقليم الأظفار. الثالث: الطِّيب. الرابع: تغطية الرأس. الخامس: لُبس المَخيط. مَنْ أتى شيئًا من هذه المحظورات، فإنه يجب عليه في كل ذلك فدية الأذى، فيُخيَّر بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين. القسم الثاني: ما لا فدية فيه، وهو عَقْد النكاح. القسم الثالث: ما فديته مُغلَّظة، وهو الجماع. القسم الرابع: قَتْل الصيد البري الوحشي المأكول. تنقسم محظورات الإحرام باعتبار فساد الحج إلى نوعين: النوع الأول الذي يوجب فساد الحج: هو الجماع بشرطين: الأول: أن يكون في الفَرْج. الثاني: أن يكون قبل التحلل الأول. النوع الثاني الذي لا يوجب فساد الحج: هو جميع المحظورات إلا الجماع. المحظور الثاني: المباشرة فيما دون الفَرْج. المحظور الثالث: عَقْد النكاح، فلا يَتزوج المُحْرِم، ولا يُزوِّج غيره، ولا يَخطب. المحظور الرابع: حَلْق الشَّعر من الرأس، أو إزالة الشَّعر من جميع البدن.

стр. 263

المحظور الخامس: تقليم الأظفار من اليدين أو الرِّجلين. المحظور السادس: تَعمُّد استعمال الطِّيب في الثوب أو البدن بعد الإحرام. المحظور السابع: لُبْس المَخيط محظور على الرجل دون المرأة، وهو المُفصَّل على قدر الجسم، كالقميص والسراويل. ولا تنتقب المُحْرِمة ولا تلبس القُفازين. المحظور الثامن: تَعمُّد تغطية الرأس للرَّجُل بمُلاصِق، كالطاقية والعمامة. المحظور التاسع: قَتْل الصيد البري الوحشي المأكول. ما يباح للمُحْرِم: ذهب جماهير العلماء إلى أن المُحْرِم إذا احتاج إلى حمل السلاح، فله حمله ولا فدية عليه. واستدلوا بأن النبي ﷺ وأصحابه حملوا السلاح في الحَرَم في عمرة القضاء؛ لأنه ﷺ لم يكن يأمن أهل مكة، فدل ذلك على الجواز للحاجة (١). * * *

стр. 264

الباب السابع دخول مكة، وما يترتب على ذلك من أحكام، وفيه فصلان: الفصل الأول: آداب دخول حَرَم مكة للحج والعمرة وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: الإمساك عن التلبية عند دخول حدود الحَرَم. المبحث الثاني: المبيت بذي طُوى، وتُسَمَّى الآن ب (جرول). المبحث الثالث: يُستحب الاغتسال بذي طُوى. المبحث الرابع: هل يُستحب دخول مكة من أعلاها من البطحاء مقبرة المعلاة؟ المبحث الخامس: هل يُستحب أن يَدخل المسجد من باب بني شيبة- أي: باب السلام-؟ المبحث السادس: يُستحب قول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) عند دخول الحَرَم. المبحث السابع: ما يُفعل عند رؤية الكعبة. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يُستحب إذا وصل الحَرَم أن يَستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع. المطلب الثاني: هل يُستحب رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة؟ المطلب الثالث: يُستحب أن يبتدئ بالطواف عند دخوله الحرم.

стр. 265

الفصل الأول: آداب دخول حَرَم مكة للحج والعمرة المبحث الأول: الإمساك عن التلبية عند دخول حدود الحَرَم: لِما ورد: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنَى الحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبِيَةِ … وَيُحَدِّثُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ. المبحث الثاني: المبيت بذي طُوى، وتُسَمَّى الآن ب (جرول) (١): يُستحب للقادم إلى مكة للعمرة أو الحج إذا كان متعبًا من سفره- أن يَنزل إلى سكنه، وينام فيه حتى يستريح، ثم يغتسل ثم يأتي إلى الحرم للطواف والسعي. ولأن في المبيت التَّقَوِّي على ما يستقبله من العبادة وأداء النسك. فإن من الأخطاء الشائعة أن يأتي بعض الحُجاج أو المعتمرين من سفره، ومع شدة التعب والإرهاق يضع أغراضه وشُنطه في فندقه، ثم ينطلق إلى الحَرَم لأداء العمرة، ولا يكاد يركز في دعائه ولا طوافه. لأن النبي ﷺ بات بذي طُوى، وهي تشمل الآن: (الزاهر والعتيبية وشمال جرول) ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاتَ بِذِي طَوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ (٢). المبحث الثالث: يُستحَب الاغتسال بذي طُوى: ففي «الصحيحين»: عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طَوًى، حَتَّى يُصْبِحَ وَيَغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، وَيَذْكُرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَهُ (٣). فإذا كان يُستحَب الاغتسال للجمعة لاجتماع الناس فيها، فكذا يُستحب الاغتسال

стр. 266

لدخول مكة لاجتماع الناس بالحرم للطواف والعمرة والعبادة (١). فالحاصل: أنه يُستحب المبيت بذي طُوى، ويُستحب الاغتسال بها. وعلى هذا فإن القادم إلى العمرة قد يكون متعبًا، فمِن السُّنة أن يَنزل أولًا على سكنه، وينام فيه حتى يستريح، ثم يغتسل قبل أن يأتي لعمل العمرة؛ فهذا هو السُّنة؛ لأن البعض يأتي متعبًا، وقبل أن يستريح من سفره، يَبدأ بأداء العمرة، ولا يكاد يركز في طوافه ولا في دعائه. المبحث الرابع: هل يُستحب دخول مكة من أعلاها من البطحاء، مقبرة المعلاة؟ ذهب جمهور العلماء إلى استحباب دخول مكة من أعلاها، من مقبرة المعلاة، والخروج من أسفلها. وبه قال الحنفية، وهو قول للمالكية، وقول للشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما رواه ابن عمر ﵄ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى (٣). ونوقش بأن رسول الله ﷺ دخل من الثنية العليا لأنها من طريقه. وقد روى البخاري: عن عروة بن الزبير، وفيه: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، مِنْ كَدَاءٍ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كُدَا (٤). وَجْه الدلالة: أن دخول النبي ﷺ من أسفل مكة، ودخول خالد من أعلاها بأمر النبي ﷺ دليل على أن الإنسان لا يَتعمد ذلك، بل وقع من النبي ﷺ اتفاقًا. وهذا هو الراجح. وهو مذهب المالكية وقول للشافعية (٥). المبحث الخامس: هل يُستحب أن يَدخل المسجد من باب بني شيبة (باب السلام)؟ لِبَاب السلام عدة أسماء، منها: (باب بني شيبة)، و (عبد مَناف)، و (باب السيل). نُقِل الإجماع على استحباب دخول مريد النسك إلى المسجد الحرام، من باب بني

стр. 267

شَيْبَة، وهو قريب من باب السلام (١). اسْتُحِبَّ ذلك لما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَدَخَلْنَا مَعَهُ مِنْ بَابِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّاسُ بَابَ بَنِي شَيْبَةَ (٢). والصحيح: أن باب السلام ليس هو باب بني شيبة؛ لأن الأبواب في عهد الرسول ﷺ كانت قريبة من الكعبة، واندثرت هذه الأبواب بعد التوسعات. والحديث الوارد في دخول النبي ﷺ المسجد من باب بني شيبة- لا يصح. فعلى الحاج ألا يتقصد الدخول من باب السلام إذا كان عليه زحام أكثر من غيره؛ احترازًا من إيذاء المسلمين الممنوع، والدخول من أقرب الأبواب له والأيسر، ولا سيما في أوقات الزحام، ويَلحظ بقلبه جلالة البقعة التي هو فيها، والكعبة التي هو متوجه إليها. المبحث السادس: يُستحب قول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك) عند دخول الحَرَم. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ» (٣). المبحث السابع: ما يُفعل عند رؤية الكعبة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يُستحب إذا وصل الحرم أن يَستحضر في قلبه ما أمكنه من الخشوع والخضوع، بظاهره وباطنه، ويَتذكر جلالة هذا البيت. المطلب الثاني: هل يُستحب رفع اليدين والدعاء عند رؤية الكعبة؟ اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا يُشْرَع رفع اليدين عند رؤية البيت (٤).

стр. 268

لِمَا رَوَى الْمُهَاجِرُ قَالَ: سُئِلَ جَابِرُ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا الْيَهُودَ، وَقَدْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ (١). القول الآخَر: استَحب الشافعي وأحمد رفع اليدين عند رؤية البيت (٢). واستدلوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً» (٣). واستدلوابعموم قول النبي ﷺ : «تُرْفَعُ الْأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا رُئِيَ الْبَيْتُ» (٤). والراجح: أنه لا يُشْرَع رفع اليدين عند رؤية البيت؛ لأنه لا يصح في ذلك حديث عن رسول الله ﷺ ، وهذه عبادة، والأصل في العبادة التوقيف. وأما ما ورد عن عمر لما دَخَلَ البيت، قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْك السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ (٥) فهو ضعيف، والله أعلم. المطلب الثالث: يُستحب أن يبتدئ بالطواف عند دخوله المسجد الحرام: فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ (٦).

стр. 269

الفصل الثاني أهم الأحكام التي تتعلق بالحَرَم وتهم الحاج وفيه تمهيد وقسمان: التمهيد: الفرق بين المسجد الحرام والحَرَم: المسجد الحرام: هو المسجد الذي حول الكعبة. وأما حدود الحَرَم، فهي كل الجهات التي تحيط بمكة، كالتنعيم من طريق المدينة، ومن طريق جدة الشميسي، ومن طريق الطائف على طريق عرفة من بطن نَمِرة، من طريق نجد وهي منطقة بالمغمس (١). فقد يطلق المسجد الحرام، ويراد به ثلاثة معانٍ: الأول: الكعبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. الثاني: جميع الحرم، كما في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فالمراد به مِنًى، والحَرَم موضع ذبح النسك، مع أنه عَبَّر عنه بالأخص وهو الكعبة. الثالث: قد يطلق المسجد الحرام على المسجد المُعَدّ للصلاة، كما في قول النبي ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ … ». القسم الأول: الأحكام المتعلقة بمسجد الكعبة، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: من فضائل مسجد الكعبة: ١ - أنه أول مسجد وُضِع في الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]. وَعَنْ أبي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ، قَالَ: «الْمَسْجِدُ

стр. 270

الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًا» (١). ٢ - مَنْ عَزَم فيه على فعل معصية بخلاف الخاطرة، فإنه مُتوعَّد بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. قال ابن مسعود في تفسير هذه الآية: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَمَّ فِيهِ بِإِلْحَادٍ، وَهُوَ بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لَأَذَاقَهُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا» (٢). ٣ - أن الصلاة تُضاعَف في المسجد الحرام؛ لعموم قول النبي ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي

стр. 271

هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (١). وقال ﷺ : «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» (٢).

стр. 272

المبحث الثاني: ما يتعلق بالصلاة في مسجد الكعبة: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: مضاعفة الصلاة: هل المكان الذي تُضاعَف الصلاة فيه هو مسجد الكعبة، أو أن المضاعفة عامة في جميع حرم مكة؟ اتَّفَق العلماء على أن الصلاة في الحَرَم أفضل من الحِل، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من باقي مساجد الحَرَم، وأن مضاعفة أجر الصلاة بالمسجد الحرام تشمله، وتشمل كل ما زِيد فيه. واختَلفوا في المكان الذي تشمله مضاعفة الصلاة على قولين: القول الأول: أن المُضاعَفة خاصة بالمسجد الذي فيه الكعبة. وبه قال المالكية، وهو قول للشافعية وقول للحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: ١]. وَجْه الدلالة: أن المراد بالمسجد الحرام الذي تُضاعَف فيه الصلاة- مسجد الكعبة، ويدل على ذلك ما ورد عن أَنَس، أَنَّهُ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] والمراد الكعبة، وبقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] والرسول ﷺ وأصحابه إنما صُدوا عن مسجد الكعبة لأنهم أحرموا بالعمرة، والطواف لا يكون إلا بمسجد الكعبة. أما دليلهم من السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (٤).

стр. 273

فهذا نص في المسألة، صريح في المَعنيّ بأن المضاعفة في مسجد الكعبة. واستدلوا بما رُوي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢). والمراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة. وعند مسلم رواية صريحة بدل (المَسْجِدِ الحَرَامِ) قال: (مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ) ولو كان المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم، للزم من ذلك جواز شد الرحال إلى مساجد مكة. وللزم منه أن تكون المساجد التي يُشَد إليها الرحل أكثر من ثلاثة، فالمراد هو مسجد الكعبة لأنه هو الذي تُشَد الرحال إليه. القول الثاني: أن المُضاعَفة عامة في جميع حرم مكة. وبه قال الحنفية، والشافعية في الراجح عندهم، وهو قول للحنابلة (٣).

стр. 274

واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فإن الرسول ﷺ أُسري به من خارج المسجد المُعَد للصلاة، وقد قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]. ودلت على ذلك أدلة: الدليل الأول: ما رَوى أنس بن مالك قال: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ … فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ … » (٢). واعتُرض عليه بأن أَصْرَح منه ما ورد عن أنس، أن الرسول ﷺ أُسْرِيَ به من داخل المسجد المُعَد للصلاة، فعن أَنس قال: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ. وَعَنْ أَنَسِ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ ﵄، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: «بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ … » (٣). وفي رواية: «بَيْنَا أَنَا عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَاليَقْظَانِ». فهذه الأدلة الصريحة عن أنس تُؤكِّد أن الرسول ﷺ أُسْرِيَ به من مسجد الكعبة. الدليل الثاني: ما رَوى جابر ﵁ قال: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُسْرِيَ بِهِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، مِنْ مَكَّةَ، مِنْ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ (٤). الدليل الثالث: ما روت أُم هانئ قالت: بَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فِي بَيْتِي، فَفَقَدْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي … » (٥). ونوقش هذا الحديث بأنه منكر، وبأنه لو صح فيمكن الجَمْع بين الروايات، بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ، وَبَيْتُهَا عِنْدَ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، فَفُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِهِ، وَأَضَافَ الْبَيْتَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ كَانَ يَسْكُنُهُ، فَنَزَلَ مِنْهُ الْمَلَكُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِد، فَكَانَ بِهِ مُضْطَجِعًا، وَبِهِ أَثَرُ النُّعَاسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمَلَكُ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ (٦).

стр. 275

الدليل الثاني: عموم قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وَجْه الدلالة: أن المراد بالمسجد الحرام هنا عموم الحرم؛ لأن هؤلاء إنما أُخْرِجُوا من بيوتهم لا من المسجد نفسه (٢). واعتُرض عليه بأن المراد بقوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] أي: أَهْله الذين يَعمرونه بطاعة الله، وهم المؤمنون لأنهم أولياؤه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] المؤمنون إنما يَعمرون مسجد الكعبة بطاعة الله الذي هو محل الصلاة والطواف. الدليل الثالث: عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ وأصحابه صُدوا عن عموم الحرم. ونوقش بأن نص الآية صريح في الصد عن المسجد الحرام، وهو مسجد الكعبة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [الحج: ٢٥]، المراد بالعاكف في الآية المقام فيه والملازمة له بالصلاة والطواف، وهذا يكون في مسجد الكعبة لأنه محل ذلك. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام هنا: الحرم كله بالاتفاق، وإذا كان المشرك ممنوعًا من دخول الحرم، دل ذلك على أن المراد بالمسجد الحرام عموم الحرم (٣). ونوقش هذا الاستدلال بعدم التسليم بأن المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم ليس محل اتفاق، وإنما محل خلاف؛ فقيل: إن المراد هو المسجد الحرام لا عموم الحرم؛

стр. 276

لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ [التوبة: ٢٨] لأنه يَجوز تمكين المشرك من الوقوف على حدود الحرم. ولو كان المراد جميع الحرم لقال: فلا يَدخلوا. أما دليلهم من السُّنة، فعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومَرْوان بن الحَكَم، في قصة صُلح الحُديبية: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ كان يصلي في الحرم، أي: داخل حدود الحرم، وليس المسجد الحرام. فهذا يدل على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم، ولا يُخص منها المسجد الذي هو مكان الطواف. ونوقش بأنه لا دلالة فيه على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم، بل غاية ما فيه أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحِل، وهذا لا شك فيه، وهو خارج محل النزاع. واستدلوا بأن النبي ﷺ قَدِم مكة لأربع من ذي الحجة، ثم طاف وسعى، وأقام في الحَجُون الأبطح أربعة أيام قبل خروجه إلى مِنًى، ولم يكن يَنزل إلى مسجد الكعبة ليصلي فيه، مع قربه وسهولته. فهذا دليل على أن مضاعفة الصلاة عامة في جميع الحرم (٣). ونوقش بأنها قضية عين، تحتمل أن النبي ﷺ تَرَك ذلك خَشية أن يَظن أحد أن له الذَّهاب إلى مسجد الكعبة والطواف والصلاة إليه واجب، وأنه من مناسك الحج (٤). فالحاصل: أن سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة هو لفظة (المسجد الحرام) في الآيات والأحاديث، هل يراد بها جميع الحرم أو يراد بها الكعبة؟ والتحرير هو أن لفظة (المسجد الحرام) من الألفاظ المشتركة، فقد يراد به جميع الحرم، وقد يراد به مسجد الكعبة. والذي يُحدِّد المراد هو السياق وقرائن الأحوال والنصوص الأخرى، ومن الخطأ طرد معنى واحد في جميع النصوص.

стр. 277

فقد يطلق المسجد الحرام، ويراد به أحد معنيين: الأول: جميع الحَرَم، كما في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فالمراد به مِنًى، والحَرَم موضع ذبح النسك، مع أنه عَبَّر عنه بالأخص: بالكعبة، والبيت العتيق. ولا يَعني إطلاق (المسجد الحرام) على ما حوله أنه يأخذ أحكامه من حيث لبث الجُنُب والحائض والبيع والشراء. فكذلك يقال في مضاعفة أجر الصلاة. الثاني: قد يطلق المسجد الحرام، ويراد به الكعبة، أي: المسجد المُعَدّ للصلاة، كما في قول النبي ﷺ : «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». فإن الأظهر منه أن جميع الحَرَم غير مراد، وبأن المراد بالمسجد الحرام هو مسجد الكعبة، فدل ذلك على أن الحاكم في هذا هو سياق الكلام. الراجح: أن مضاعفة الصلاة خاصة بالمسجد الحرام، الذي فيه الكعبة؛ لعموم قول النبي ﷺ : «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» فالإشارة إلى مسجد الرسول ﷺ ب (هذا) تدل على أن المراد بالمضاعفة: مضاعفة المسجد المعهود بالصلاة فيه، سواء المسجد الحرام أو المسجد النبوي، ولا يتعدى ذلك إلى سائر الحَرَم، وهذا نص في المسألة. المطلب الثاني: ما تشمله المضاعفة من الصلوات: اتَّفق الفقهاء على مضاعفة الفريضة في المسجد الحرام (١). واتفقوا على مضاعفة ما تُشْرَع له الجماعة في المسجد، كصلاة العيدين وقيام رمضان. وكذا ما شُرع فعله في المسجد، كركعتي الطواف وتحية المسجد، فإنه يُضاعَف (٢). واختلفوا فيما عدا ذلك من النوافل، كالسُّنن الراتبة والنوافل المطلقة، هل تُضاعَف في المسجد الحرام أو لا؟ على قولين: القول الأول: أن السُّنن الرواتب والنوافل المطلقة إذا صلاها في الحَرَم، فإنها

стр. 278

تُضاعَف. وبه قال الشافعية والحنابلة، وهو قول للحنفية والمالكية (١). واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ» (٢). فقوله ﷺ : «صلاة» نكرة، فيَعُم الفرض والنفل (٣). القول الآخَر: أن المضاعفة في الفريضة فقط، وأن النافلة لا تُضاعَف في المسجد الحرام. وهذا هو المشهور عن الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعية (٤). واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا المَكْتُوبَةَ» (٥). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ قال هذا عن مسجده، مع أن الصلاة فيه مُضاعَفة، فدل ذلك على أن المُضاعَفة خاصة بالفرض دون النفل، ولم يُنقَل أن النبي ﷺ كان يتنفل في المسجد، ولو كانت مضاعفة الصلاة للفرض والنفل، لكان يصلي النوافل في مسجده. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لا دلالة في الحديث على عدم مضاعفة النفل، بل غاية ما فيه أن فعل النافلة في البيت أفضل. وهذا لا شك فيه. الوجه الآخَر: أن صلاة النافلة في البيت في مكة أو المدينة أفضل من صلاتها في المسجد الحرام أو النبوي، وإن كانت تُضاعَف فيهما (٦). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من مضاعفة صلاة النافلة في الحَرَم.

стр. 279

المطلب الثالث: حُكم ما زِيد على المسجد: ذهب جمهور العلماء إلى أن ما زِيد على المسجد، فإن له حُكمه (١). وقد استدلوا لذلك بفعل عمر وعثمان وابن الزبير، حيث زادوا في المسجد على ما كان على عهد النبي ﷺ ، وكان فعلهم هذا بمحضر من الصحابة، ولم يُنكِر عليهم أحد (٢). وقد اشتَرط العلماء أن تكون الزيادة متصلة بالمسجد، بحيث لا يَفصِل بينها وبين المسجد فاصل، كطريق ونحوه (٣). المطلب الرابع: حُكْم الصلاة في الأبراج المجاورة للحَرَم بصلاة إمام الحَرَم: الراجح: جواز الصلاة في الأبراج السكنية المجاورة للحَرَم بصلاة إمام الحَرَم، ولو لم تتصل الصفوف، ولكن بثلاثة شروط: الأول: ألا يَفصل بين المأموم والإمام طريق عام، كالذي تمر فيه السيارات. الثاني: إمكان رؤية الإمام أو مَنْ خلفه رؤية حقيقية، بالعين المجردة. الثالث: أنه لا يَجوز ذلك في غير أوقات الزحام؛ لأن الصفوف تتصل (٤). المطلب الخامس: حُكْم المرور بين يدي المصلي في حرم مكة: في هذا تفصيل: أولًا- مرور الطائف بين يدي المصلي في الحَرَم. ذهب جماهير العلماء إلى جواز مرور الطائف بين يدي المصلي إذا كان محتاجًا

стр. 280

للمرور، سواء كان المصلي متخذًا سترة أم لا (١). ثانيًا- اختَلف أهل العلم على خمسة أقوال في مرور غير الطائف بين يدي المصلي: الأول: تحريم المرور إذا كان المار غير محتاج للمرور. وبه قال الحنفية والشافعية، وهو رواية عن أحمد (٢). الثاني: وذهب الحنابلة في رواية إلى تحريم المرور مطلقًا. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» (٣). وقوله ﷺ : «مَاذَا عَلَيْهِ» أي: من الإثم. وحصول الإثم يَستلزم تحريم الفعل. وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» (٤). فتشبيه المار بالشيطان يدل على تحريم ذلك الفعل، وكأن الشيطان أَمَره بذلك. وكذا الأمر بالمدافعة يَستلزم تحريم المرور. الثالث: جواز المرور مطلقًا. وهو المشهور عند الحنابلة (٥). الرابع: عند المالكية جواز المرور إذا كان المصلي غير متخذ سُترة (٦). الخامس: عند الشافعية كراهة المرور إذا كان المصلي غير متخذ سُترة، وتحريمه إذا كان المصلي متخذًا سُترة (٧). واستدلوا بما رَوى كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِهِ يُحَدِّثُ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ

стр. 281

يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ (١). المطلب السادس: دخول رسول الله ﷺ الكعبة والصلاة فيها: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فقال: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (٢). ويُشْكِل عليه ما ورد: عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (٣). وجه الإشكال: أن بلالًا أَخْبَر بأن النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها. وأما أسامة بن زيد فنَفى صلاة النبي ﷺ في الكعبة، والمُثْبِت مُقَدَّم على النافي، ولعل أسامة كان متغيبًا حال صلاة النبي ﷺ ، أو كان مشتغلًا بالدعاء فلم يره، وإذا كان النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها، فيُستحب لنا دخول الحِجر والصلاة فيه؛ لأنه من البيت. المبحث الثالث: ماء زمزم: وفيه مطلبان: الأول: استحباب الشرب من زمزم: لقول النبي ﷺ : «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ». وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ». وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ (٤).

стр. 282

المطلب الثاني: إخراج ماء زمزم: يَجوز إخراج ماء زمزم. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ (٣). وَعَنْ حَبِيبٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: آخُذُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْمِلُهُ فِي الْقَوَارِيرِ، وَحَنَّكَ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵄ بِتَمْرِ الْعَجْوَةِ (٤). وإن كان لا يصح حديث، ولكن الأصل براءة الذمة، وجواز نقل ماء زمزم. والله أعلم.

стр. 283

المبحث الرابع: حُكم النوم والأكل في المسجد: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكم النوم في المسجد: اتَّفَق العلماء على جواز النوم للمعتكف، وعلى جواز النوم غير المستدام (١). واختلفوا في اتخاذ المسجد مبيتًا ومَقيلًا على وجه الديمومة والاستمرار، على قولين: الأول: أنه مباح. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ. وفيه قالت: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ (٣). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ … فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (٤). القول الآخَر: يُكره أن يُتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا على الدوام. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية للحنابلة (٥). والراجح: جواز النوم في المسجد على كل حال، مع المحافظة على نظافة المسجد. المطلب الثاني: حُكم الأكل في المسجد: اتَّفَق العلماء على جواز أكل المعتكف في المسجد، واختلفوا في غيره على ثلاثة أقوال: الأول: جواز الأكل في المسجد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٦). الثاني: يُكْرَه الأكل في المسجد. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٧).

стр. 284

الثالث: إن كان لا يلوث المسجد كالتمر والطعام الناشف، فمباح، وإن كان يُلوِّث المسجد فيَحرم. وهو مذهب المالكية (١). والراجح: جواز الأكل في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد. فعن عبد الله بن الحارث يقول: كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (٢). القسم الثاني: الأحكام المتعلقة بالحرم، وفيه مبحثان المبحث الأول: حرمة مكة: فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (٣). (يُختلَى): يُقْطَع. (خَلَاها): الرَّطْب من الكلأ الذي يَنبت بنفسه. (يُعضَد): يُكسَر ويُقطَع. (ولا يُنفَّر صيدها): لا يُزعَج من مكانه ولا يَحِل صيده. (تُلتقَط) تؤخذ. (لقطتها): ما سَقَط فيها. (إلا لمُعَرِّف) مَنْ يُعَرِّفها وينادي عليها حتى يجيء صاحبها، ولا يأخذها للتمليك. (لصاغتنا): جمع صائغ، يستعملونه لحاجتهم في الصياغة. فالحاصل: أنه يَحرم صيد حرم مكة على الحلال والحرام، بالسُّنة والإجماع. في الحرم قسمان: الأول: الشجر، فيَحرم التعرض له بالقطع أو القلع إذا كان رَطْبًا. الثاني: النبات، وهو نوعان: النوع الأول: ما زَرَعه الآدمي كالحِنطة، فيَجوز لمالكه قَطْعه.

стр. 285

الثاني: ما لم يَزرعه الآدمي، فهذا منه ما يَجوز قلعه كالإِذخِر والشوك، وما كان دواء كالسَّنا، وما يَحرم قلعه كالكلأ إن كان رَطْبًا، ويجوز تسريح البهائم فيها. المبحث الثاني: حُكم بيع بيوت مكة وإجارتها اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: يَجوز بيع بيوت مكة وإجارتها. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول عند المالكية، ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]. وَجْه الدلالة: أنه أضاف الديار للمُهاجِرين، والإضافة تقتضي التمليك، ولو كانت الديار ليست لهم لَمَا كانوا مظلومين في إخراجهم من دُور ليست بمِلكهم. وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ» أضاف الدار إلى أبي سفيان، فهذا دليل على صحة تملكه، وما صح في التملك صح بيعه وإجارته. وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟!» (٢). وَجْه الاستدلال: هذا صريح في إمضائه ﷺ بيع عَقيل، ولو كان بيعها لا يصح لَمَا أَقَره النبي ﷺ ؛ لأنه لا يُقِر على باطل، بإجماع المسلمين. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى دَارَ السِّجْنِ (بِمَكَّةَ) مِنْ صَفْوَانَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ عُمَرَ لَمْ يَرْضَ فَأَرْبَعُ مِئَةٍ لِصَفْوَانَ (٣).
следующие страницы →