يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ، وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ (١).
المطلب السادس: دخول رسول الله ﷺ الكعبة والصلاة فيها:
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ البَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فقال: نَعَمْ، بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ (٢).
ويُشْكِل عليه ما ورد: عَنْ أُسَامَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ، دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» (٣).
وجه الإشكال: أن بلالًا أَخْبَر بأن النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها. وأما أسامة بن زيد فنَفى صلاة النبي ﷺ في الكعبة، والمُثْبِت مُقَدَّم على النافي، ولعل أسامة كان متغيبًا حال صلاة النبي ﷺ ، أو كان مشتغلًا بالدعاء فلم يره، وإذا كان النبي ﷺ صلى في الكعبة حين دخلها، فيُستحب لنا دخول الحِجر والصلاة فيه؛ لأنه من البيت.
المبحث الثالث: ماء زمزم: وفيه مطلبان:
الأول: استحباب الشرب من زمزم: لقول النبي ﷺ : «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ».
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ شَفَاكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللَّهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ».
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا شَرِبَ مَاءَ زَمْزَمَ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ (٤).
стр. 282
المطلب الثاني: إخراج ماء زمزم:
يَجوز إخراج ماء زمزم. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١).
فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ (٢).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اسْتَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ (٣).
وَعَنْ حَبِيبٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: آخُذُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْمِلُهُ فِي الْقَوَارِيرِ، وَحَنَّكَ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵄ بِتَمْرِ الْعَجْوَةِ (٤).
وإن كان لا يصح حديث، ولكن الأصل براءة الذمة، وجواز نقل ماء زمزم. والله أعلم.
стр. 283
المبحث الرابع: حُكم النوم والأكل في المسجد: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حُكم النوم في المسجد:
اتَّفَق العلماء على جواز النوم للمعتكف، وعلى جواز النوم غير المستدام (١).
واختلفوا في اتخاذ المسجد مبيتًا ومَقيلًا على وجه الديمومة والاستمرار، على قولين:
الأول: أنه مباح. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ. وفيه قالت: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ (٣).
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ … فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ (٤).
القول الآخَر: يُكره أن يُتخذ المسجد مقيلًا ومبيتًا على الدوام. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية للحنابلة (٥).
والراجح: جواز النوم في المسجد على كل حال، مع المحافظة على نظافة المسجد.
المطلب الثاني: حُكم الأكل في المسجد:
اتَّفَق العلماء على جواز أكل المعتكف في المسجد، واختلفوا في غيره على ثلاثة أقوال:
الأول: جواز الأكل في المسجد. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٦).
الثاني: يُكْرَه الأكل في المسجد. وهو مذهب الحنفية، ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 284
الثالث: إن كان لا يلوث المسجد كالتمر والطعام الناشف، فمباح، وإن كان يُلوِّث المسجد فيَحرم. وهو مذهب المالكية (١).
والراجح: جواز الأكل في المسجد، مع المحافظة على نظافة المسجد. فعن عبد الله بن الحارث يقول: كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ (٢).
القسم الثاني: الأحكام المتعلقة بالحرم،
وفيه مبحثان
المبحث الأول: حرمة مكة:
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». فَقَالَ العَبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (٣).
(يُختلَى): يُقْطَع. (خَلَاها): الرَّطْب من الكلأ الذي يَنبت بنفسه.
(يُعضَد): يُكسَر ويُقطَع. (ولا يُنفَّر صيدها): لا يُزعَج من مكانه ولا يَحِل صيده. (تُلتقَط) تؤخذ. (لقطتها): ما سَقَط فيها. (إلا لمُعَرِّف) مَنْ يُعَرِّفها وينادي عليها حتى يجيء صاحبها، ولا يأخذها للتمليك. (لصاغتنا): جمع صائغ، يستعملونه لحاجتهم في الصياغة.
فالحاصل: أنه يَحرم صيد حرم مكة على الحلال والحرام، بالسُّنة والإجماع.
في الحرم قسمان:
الأول: الشجر، فيَحرم التعرض له بالقطع أو القلع إذا كان رَطْبًا.
الثاني: النبات، وهو نوعان:
النوع الأول: ما زَرَعه الآدمي كالحِنطة، فيَجوز لمالكه قَطْعه.
стр. 285
الثاني: ما لم يَزرعه الآدمي، فهذا منه ما يَجوز قلعه كالإِذخِر والشوك، وما كان دواء كالسَّنا، وما يَحرم قلعه كالكلأ إن كان رَطْبًا، ويجوز تسريح البهائم فيها.
المبحث الثاني: حُكم بيع بيوت مكة وإجارتها
اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: يَجوز بيع بيوت مكة وإجارتها. وهو قول أبي يوسف من الحنفية، وقول عند المالكية، ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨].
وَجْه الدلالة: أنه أضاف الديار للمُهاجِرين، والإضافة تقتضي التمليك، ولو كانت الديار ليست لهم لَمَا كانوا مظلومين في إخراجهم من دُور ليست بمِلكهم. وقد قال رسول الله ﷺ : «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ، فَهُوَ آمِنٌ» أضاف الدار إلى أبي سفيان، فهذا دليل على صحة تملكه، وما صح في التملك صح بيعه وإجارته.
وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟!» (٢).
وَجْه الاستدلال: هذا صريح في إمضائه ﷺ بيع عَقيل، ولو كان بيعها لا يصح لَمَا أَقَره النبي ﷺ ؛ لأنه لا يُقِر على باطل، بإجماع المسلمين.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ اشْتَرَى دَارَ السِّجْنِ (بِمَكَّةَ) مِنْ صَفْوَانَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَضِيَ عُمَرُ فَالْبَيْعُ لَهُ، وَإِنْ عُمَرَ لَمْ يَرْضَ فَأَرْبَعُ مِئَةٍ لِصَفْوَانَ (٣).
стр. 286
القول الثاني: أنه يَحرم بيع بيوت مكة وإجارتها. وهو مذهب الحنفية في المشهور، وقول للمالكية، والمشهور عند الحنابلة (١).
قد دلت السُّنة على أن مكة فُتحت عَنوة، ومعلوم أن الأرض العَنوة لا تُقسم ولا تُملك لأحد، فلا يَجوز بيعها، ودل عليه ما رُوي: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «حَرَّمَ اللَّهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ،» (٢).
الحديث صريح في أنها فُتحت عَنوة «أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ».
واعتُرض عليه بأن مكة فُتحت عَنوة، إلا أن النبي ﷺ أَقَر أهلها على أملاكهم، وبالتالي جاز لهم بيع دُورها.
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَكَّةُ حَرَامٌ، وَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا» (٣).
وأما دليلهم من القياس، فإذا كان مسجد الكعبة يُسمَّى المسجد الحرام، ومكة البلد الحرام، فيَحرم بيع دُورها.
والجواب عن قياسهم: أَنَّ المَسَاجِدَ مُحَرَّمَةٌ مُحَرَّرَةٌ، لَا تُلْحَقُ بِهَا الْمَنَازِلُ الْمَسْكُونَةُ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِهَا؛ وَلِهَذَا فِي سَائِرِ الْبِلَادِ يَجُوزُ بَيْعُ الدُّورِ دُونَ الْمَسَاجِدِ (٤).
القول الثالث: يَجوز بيع بيوت مكة، ويَحرم إجارتها. وهو قول أحمد في رواية (٥).
والراجح: جواز بيع دُور مكة وإجارتها.
стр. 287
الباب الثامن
الطواف
وفيه تمهيد وخمسة فصول
التمهيد: بين يدي الطواف، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الطواف.
المبحث الثاني: فضل الطواف.
الفصل الأول: أنواع الطواف.
الفصل الثاني: شروط الطواف.
الفصل الثالث: سُنن الطواف.
الفصل الرابع: مكروهات ومحرمات الطواف.
الفصل الخامس: نوازل الطواف.
стр. 288
التمهيد:
بين يدي الطواف،
وفيه مبحثان
المبحث الأول: تعريف الطواف:
الطواف في اللغة: هو الدوران حول الشيء. وطاف بالبيت، أي: دَارَ حوله.
والطواف في الشرع: هو الدوران سبعة أشواط حول الكعبة، بِنِيَّة الطواف، مبتدئًا بالحَجَر الأسود، منتهيًا إليه، جاعلًا الكعبة عن يساره (١).
المبحث الثاني: فضل الطواف:
الطواف بالبيت الحرام عبادة من أَجَلّ العبادات وأشرفها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج: ٢٦].
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً، وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً» (٢).
стр. 289
الفصل الأول
أنواع الطواف
النوع الأول: طواف القدوم.
وفيه تمهيد، وأربعة مباحث:
التمهيد: من أسماء طواف القدوم.
المبحث الأول: حُكم طواف القدوم.
المبحث الثاني: وقت طواف القدوم.
المبحث الثالث: هل يُسقِط طوافُ القدوم طواف الإفاضة؟
المبحث الرابع: مَنْ الذين يَسقط عنهم طواف القدوم؟
النوع الثاني: طواف الإفاضة.
النوع الثالث: طواف العمرة.
النوع الرابع: طواف الوداع.
النوع الخامس: طواف التطوع.
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: فضل طواف التطوع.
المبحث الثاني: وقت طواف التطوع.
المبحث الثالث: التطوع وإهداء ثوابه للغير.
стр. 290
الفصل الأول: أنواع الطواف
النوع الأول: طواف القدوم: وفيه تمهيد، وأربعة مباحث:
التمهيد: من أسماء طواف القدوم
من أسماء طواف القدوم: طواف التحية، طواف أول عهد بالبيت، طواف اللقاء (١).
المبحث الأول: حُكْم طواف القدوم:
اختَلف أهل العلم في حُكم طواف القدوم على قولين:
القول الأول: أن طواف القدوم سُنة. وبه قال الحنفية والشافعية، وأحمد في رواية (٢).
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الدُّخُولِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى سُقُوطِهِ عَنِ الْمَكِّيِّ، وَاللَّهُ قَدِ افْتَرَضَ الْحَجَّ عَلَى الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ إِذَا اسْتَطَاعَهُ. فَلَوْ كَانَ طَوَافُ الدُّخُولِ فَرْضًا، لَاسْتَوَى فِيهِ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ، كَمَا يَسْتَوُونَ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (٣).
القول الآخَر: أن طواف القدوم واجب. وبه قال المالكية، وأحمد في رواية (٤).
واستدلوا بالكتاب والسُّنة:
أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالله أَمَر بالطواف، والأمر يقتضي الوجوب، فدل ذلك على وجوب طواف القدوم.
ونوقش بأن المراد بقوله تعالى: (وليطوفوا) طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج.
стр. 291
وذلك لثلاثة أمور:
الأول: أن إجماع المفسرين على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة (١).
الثاني: أن الله خاطب كل الحُجَّاج بهذا الطواف، وطواف القدوم لا يجب على أهل مكة والمعتمر، فعُلِم أن المراد بهذا طواف الإفاضة؛ فهو الذي يجب على الجميع.
الثالث: أن سياق الآية يدل على أن المراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة؛ لأنه عطف الطواف على الذبح وقضاء التَّفَث وهو الحَلْق، فقال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا لا يكون إلا في يوم النحر الذي يكون الطواف فيه هو طواف الإفاضة.
وأما السُّنة، فاستدلوا بأن النبي ﷺ طاف للقدوم. قالت عائشة: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» (٢).
واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ أَتَى الْبَيْتَ فَلْيُحَيِّهِ بِالطَّوَافِ» (٣).
فالرسول ﷺ أَمَر مَنْ أتى البيت بطواف القدوم، والأمر يقتضي الوجوب.
ونوقش بأنه لا يصح، ولو صح فقوله ﷺ : (فليُحَيِّه) يدل على الاستحباب.
واستدلوا بأن السعي ركن، ولا يصح إلا بعد طواف القدوم، فكيف يكون مستحبًّا؟!
والراجح: أن طواف القدوم سُنة وتحية للبيت كتحية المسجد. دل على ذلك أنه يَسقط عن المعتمر والقارن وأهل مكة، ولو كان واجبًا ما سقط عن هؤلاء.
أما مَنْ قال بالوجوب مستدلًّا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فهذه الآية لا تدل على طواف القدوم، بل تدل على طواف الإفاضة إجماعًا.
стр. 292
وأما الاستدلال بقول النبي ﷺ : «مَنْ أتى البيت، فليُحَيِّه بالطواف» فهذا الحديث لم أقف عليه في كتب السُّنة المعتمدة، ولو صح فلفظة (فليُحيِّه) تدل على الاستحباب.
المبحث الثاني: وقت طواف القدوم:
يَبدأ وقت طواف القدوم حين دخول الحاج مكة في أشهر الحج، فعن عائشة قالت: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ».
هل ينتهي طواف القدوم بالوقوف بعرفة؟
اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين:
الأول: أنه لا يُشْرَع طواف القدوم بعد الوقوف بعرفة؛ وذلك لفوات وقته. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة (١).
القول الآخَر: أنه يُشْرَع للمُفْرِد طواف القدوم بعد الوقوف بعرفة، إذا لم يَطُف للقدوم. وبه قال أحمد (٢).
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يطاف للقدوم بعد الوقوف بعرفة لفوات وقته؛ لأن عائشة لما حاضت ولم تَطُف حتى دخل عليها يوم عرفة- قَرنت الحج بالعمرة، ثم طافت بعد أن طهرت للإفاضة، ولم تَطُف للقدوم ولا أَمَرها النبي ﷺ به. ولو كان طواف القدوم واجبًا لأُمِرَتْ به، بل قال لها ﷺ : «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» فدل ذلك على سقوط طواف القدوم عمن وقف بعرفة.
المبحث الثالث: هل يُسْقِط طواف القدوم طواف الإفاضة؟
ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يُكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة، وقد استفاض عن النبي ﷺ من رواية جابر وابن عمر وغيرهما من الصحابة- أنه طاف بالبيت طواف الإفاضة يوم النحر.
وفي مذهب مالك يُكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة (٣).
стр. 293
واستَدل لذلك بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَرَادَ الْحَجَّ فَقَالَ: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ … حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ (١). فظاهر الحديث أن ابن عمر لم يَطُف يوم النحر للإفاضة، واكتفى بطواف القدوم عنه.
واعتُرض على هذا الاستدلال بما قاله القرطبي: وقوله: «وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ» يعني الطواف بين الصفا والمروة. وأما الطواف بالبيت فلا يصح أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بد منه للمُفْرِد والقارِن … وقوله: «كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ » يعني أنه اكتَفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِدِ السعي (٢).
وقال ابن القيم: وَمُرَادُهُ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي قَضَى بِهِ حَجَّهُ وَعُمْرَتَهُ- الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِلَا رَيْبٍ (٣).
وقد استفاضت الأحاديث عن النبي ﷺ من رواية ابن عمر وجابر وغيرهما من الصحابة- أنه طاف بالبيت يوم النحر طواف الإفاضة.
المبحث الرابع: مَنْ الذين يَسقط عنهم طواف القدوم؟
يَسقط طواف القدوم عن أربعة أصناف:
الأول: الحائض والنفساء، إذا استمر دمهما إلى يوم عرفة.
دليل ذلك: ما رواه مسلم: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى جِئْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ … قَالَ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَضْتُ (٤).
وَجْه الدلالة: أن عائشة ﵂ لم تَطُف للقدوم؛ وذلك أنها حاضت قبل القدوم إلى
стр. 294
مكة، فأَمَرها النبي ﷺ أن تفعل ما يفعله الحاج إلا الطواف، ولم تَطهر إلا بعد يوم عرفة، فطافت للإفاضة.
الثاني: المكي، يَسقط عنه طواف القدوم بالإجماع والقياس:
أما الإجماع، فنَقَل ابن عبد البر إجماع العلماء على سقوط طواف القدوم عن المكي (١).
وأما القياس، فإن طواف القدوم شُرِع للقدوم، والمكي في بلده ولم يَقدم.
الثالث: المُعتمِر والمُتمتِّع.
دليل ذلك: أن طواف القدوم يَسقط في طواف العمرة. كمَنْ دَخَل المسجد وقد أُقيمت الصلاة، فإنه يَكتفِي بها عن تحية المسجد.
الرابع: مَنْ قَصَد عرفة رأسًا للوقوف يَسقط عنه طواف القدوم.
دليل ذلك: أن محل طواف القدوم المسنون قبل وقوف عرفة، وقد فات.
النوع الثاني: طواف الإفاضة، وسيأتي تفصيله في أعمال يوم النحر.
النوع الثالث: طواف العمرة، طواف العمرة ركن من أركانها.
النوع الرابع: طواف الوداع، وسيأتي تفصيله في آخر الحج لتوديع البيت.
النوع الخامس: طواف التطوع: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: فَضْل طواف التطوع:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَسُول اللَّهِ ﷺ : «مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً».
عَنِ عَطَاء يَسْأَلُهُ الْغُرَبَاءُ: الطَّوَافُ أَفْضَلُ لَنَا أَمِ الصَّلَاةُ؟ فَيَقُولُ: أَمَّا لَكُمْ فَالطَّوَافُ أَفْضَلُ، إِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى الطَّوَافِ بِأَرْضِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَقْدِرُونَ هُنَاكَ عَلَى الصَّلَاةِ (٢).
стр. 295
المبحث الثاني: وقت طواف التطوع:
الطواف جائز في جميع الأوقات، ولو كان ذلك في أوقات النهي، بالإجماع (١).
وقد قال النبي ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى- أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».
المبحث الثالث: التطوع وإهداء ثوابه للغير:
نُقِل الإجماع على جواز إهداء العبادات المالية كالصدقة، عن الميت (٢).
واختلفوا في جواز إهداء ثواب الطواف إلى الميت على قولين:
الأول: عدم جواز إهداء ثواب الطواف إلى الميت. وبه قال المالكية، وهو المشهور عند الشافعية (٣).
واستدلوا بأنه لم يَرِد عن رسول الله ﷺ أنه أهدى ثواب الطواف للميت، أو أَمَر به.
القول الآخَر: جواز إهداء ثواب الطواف للميت. وهو قول عند الحنفية، وقول للشافعية، وبه قال الحنابلة (٤).
واستدلوا بِأَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا» (٥). وإذا كان ثواب الحج يصل إلى الميت، فكذا الطواف لأنه جزء منه.
والراجح: عدم جواز الطواف عن الميت؛ لأنه لم يَرِد عن رسول الله ﷺ . ويكفي الدعاء له أو يُعتمر أو يُحج عنه، كما ورد بذلك النص.
стр. 296
الحاصل في أنواع الطواف
أنواع الطواف خمسة:
الأول: طواف القدوم: يُستحب للقارن والمُفْرِد ولمن دخل المسجد الحرام؛ تحيةً للبيت.
الثاني: طواف الإفاضة: وهو ركن من أركان الحج، يأتي به الحاج يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة والحَلْق.
الثالث: طواف الوداع: وهو واجب عند توديع البيت، ومغادرة مكة، ورجوعه بعد فراغه من أعمال الحج. فإن لم يأتِ به الحاج، وجب عليه أن يَجبره بدم، ويَسقط عن الحائض والنُّفَسَاء.
فالطواف في الحج ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع (١).
الرابع: طواف العمرة: وهو ركن من أركان العمرة، يأتي به المعتمر، ويغني عن طواف القدوم.
الخامس: طواف التطوع: وهو مسنون، وهو من أفضل العبادات لمن دخل مكة. ويُشْرَع في كل وقت، فمتى رغب المسلم في الاستزادة من الخير، طاف حول البيت.
•١•
стр. 297
الفصل الثاني
شروط الطواف
تنقسم شروط الطواف إلى قسمين:
القسم الأول: يتعلق بالطائف:
الشرط الأول: الإسلام.
الشرط الثاني: العقل.
الشرط الثالث: النية.
الشرط الرابع: رَفْع الحَدَث.
الشرط الخامس: إزالة الخَبَث.
الشرط السادس: سَتْر العورة.
القسم الثاني- يتعلق بالبيت (الكعبة):
الشرط الأول: كَوْن الطواف داخل المسجد.
الشرط الثاني: الابتداء من الحَجَر الأسود.
الشرط الثالث: جَعْل البيت عن يساره.
الشرط الرابع: كَوْن الطواف بجميع البيت.
الشرط الخامس: كَوْن الطواف سبعة أشواط.
الشرط السادس: الموالاة بين أشواط الطواف.
стр. 298
القسم الأول: قسم يتعلق بالطائف:
الشرط الأول: الإسلام:
فلا يصح الطواف من الكافر؛ لأن الكافر لا يَقبل الله منه عملًا حتى يَدخل في الإسلام؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] بل إن الكافر ممنوع من دخول الحرم، فكيف يصح طوافه؟! قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
الشرط الثاني: العقل: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: طواف المجنون:
لا يصح طواف المجنون؛ لأنه رُفِعَ القلم عن المجنون حتى يَعقل، والأعمال بالنيات، فالمجنون لا نية له ولا قَصْد له، فكيف يصح طوافه؟!
المبحث الثاني: طواف الصبي:
يصح طواف الصبي المُميِّز وغير المُميِّز؛ لِما رواه مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ» (١). وإذا كان يصح حج الصبي، فيصح طوافه.
الشرط الثالث: النية:
أَجْمَع العلماء على أن النية شرط في صحة الطواف المطلق (٢).
واختَلفوا في اشتراط تعيين نية الطواف في الحج والعمرة على قولين:
الأول: أن تعيين النية ليس بشرط. وبه قال الحنفية والشافعية (٣).
стр. 299
واستدلوا بالسُّنة والقياس.
فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَحْلِلْ» (١).
وَجْه الدلالة: أن الصحابة قَدِموا من المدينة في حجة الوداع، وهم لا ينوون إلا الحج، فلما فَرَغوا من طواف القدوم والسعي، أَمَرهم النبي ﷺ بالحَلْق والتحلل وجَعْلها عمرة، ولم يأمرهم النبي ﷺ بإعادة الطواف، مع أن طواف القدوم سُنة وطواف العمرة ركن، فلو كانت النية تُشترط لَمَا صح هذا الطواف.
وأما القياس، فكما أن الصلاة لا يُشترَط لها أكثر من نية واحدة عند تكبيرة الإحرام، ولا تُشترَط النية للأركان كالركوع والسجود، فكذا الحج، لا يُشترَط له أكثر من نية في بَدْء الإحرام: (لبيك حجًّا) ولا يُشترَط نية للطواف ونية لعرفة، بل تَكفي نية واحدة عند الإحرام. وكما أن مَنْ وقف بعرفة بغير نية أو ناسيًا، أجزأه، فكذا طواف الإفاضة.
القول الآخَر: أن تعيين النية في الطواف شرط؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فلو طاف بعد دخول وقت طواف الإفاضة بنية الوداع، لم يجزئ عن طواف الإفاضة. وبه قال بعض المالكية، وهو وَجْه عند الشافعية والحنابلة (٢).
والراجح: لا يُشترَط تعيين النية، ولكن يُستحَب؛ وذلك لأن الحج لا يَقتصر على الطواف، وتكون النية في الحج عند الإحرام؛ للأدلة التي ذُكِرَتْ.
وبعض الحُجاج لا يُفَرِّقون بين طواف القدوم والإفاضة والوداع، فهم يطوفون مع الناس. وطوافهم صحيح، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ والله أعلم.
стр. 300
الشرط الرابع: الطهارة من الحَدَث: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تُشترط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف:
اختَلف العلماء في اشتراط ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الطهارة من الحَدَث شرط لصحة الطواف، فمَن طاف مُحْدِثًا لم يصح طوافه؛ لأن الطواف كالصلاة. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بما يلي:
الدليل الأول: أن عائشة لما حاضت وهي مُحْرِمة، قال لها النبي ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». وفي رواية لمسلم: «حَتَّى تَغْتَسِلِي».
وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ رَخَّص لعائشة أن تَفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يَمنعها إلا من الطواف، وجَعَل ذلك مُقيَّدًا باغتسالها وتَطهُّرها، ورَتَّب انتفاء الطواف على انتفاء الطهارة بقوله: «غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فهذا دليل على أن الطهارة شَرْط لصحة الطواف (٢).
الدليل الثاني: أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يَا رَسُولَ اللهِ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَلْتَنْفِرْ» (٣).
فقول النبي ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن النبي ﷺ والصحابة يُحبَسون ويَمكثون بمكة حتى تطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.
الدليل الثالث: ما روى البخاري: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً … » (٤).
ونوقش بأن وضوء النبي ﷺ في هذا الحديث فِعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب،
стр. 301
فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.
وأجيب عنه: بأن طوافه ﷺ على طهارة جاء بيانًا وتفصيلًا لمُجْمَل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ وَالتَّحَتُّمِ؛ وَلِذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ; لِأَنَّ قَطْعَ النَّبِيِّ ﷺ لِلسَّارِقِ مِنَ الْكُوعِ بَيَانٌ وَتَفْصِيلٌ لِمَا أُجْمِلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (١).
الدليل الرابع: أن الطواف كالصلاة، وإذا كان يُشترَط للصلاة الطهارة من الحدثين، فكذا الطواف. دل على ذلك ما رُوي عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ» (٢).
القول الثاني: أن الطهارة من الحَدَث في الطواف واجبة، وليست شرطًا لصحته، فمَن طاف مُحْدِثًا أعاد ما دام في مكة، فإِنْ تَعَذَّرَتْ عليه الإعادة لبُعده جَبَره بدم. وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية، ورواية عن أحمد (٣).
стр. 302
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف، وهو اسم للدوران حَوْل البيت، وذلك يَتحقق مِنْ المُحْدِث والطاهر، وأن الركن لا يَثبت بخبر الواحد (١).
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الآية عامة، فيجب تخصيصها بما ذُكِر من الأدلة.
الثاني: أن قولهم: (إن الركن لا يَثبت بخبر الواحد) قول باطل؛ لأن النصوص تدل على اتباع النبي ﷺ من غير تقييد بخبر الواحد، ومِثل هذا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فخَصُّوا التوارث بقوله ﷺ : «لا يرث الكافر المسلم … ».
القول الثالث: أن الطهارة من الحَدَث الأصغر في الطواف سُنة، إلا الحيض، فمَن طاف غير متطهر من الحَدَث الأصغر، فطوافه صحيح. وهو قول أحمد في رواية، واختاره ابن تيمية وابن القيم وابن حزم (٢).
قال ابن القيم: لم يَنقل أحد عن النبي ﷺ أنه أَمَر المسلمين بالطهارة في حجته، مع كثرة مَنْ حج معه، ويَمتنع أن يكون ذلك واجبًا، وتأخير البيان عن وقته ممتنع (٣).
واستدلوا بما روى سعيد بن الحُوَيْرِث، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأْ؟ قَالَ: «مَا أَرَدْتُ صَلَاةً، فَأَتَوَضَّأَ».
أما دليلهم من المأثور، فَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: سَأَلْتُ حَمَّادًا وَمَنْصُورًا وَسُلَيْمَانَ عَنِ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا (٤).
الراجح: أنه تُشترَط الطهارة من الحَدَث الأكبر والأصغر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، فإذا
стр. 303
وجب تطهير مكان الطائف، فتطهير بدن الطائف من الحدثين الأصغر والأكبر أَوْلى.
ولأن عائشة لما حاضت، قال لها النبي ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فالحائض تُمنع من الطواف لوجود الحَدَث.
وكذا وَرَد أن صفية بنت حُيَيٍّ زَوْج النبي ﷺ حاضت في حَجَّة الوداعِ، فقال النبي ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن النبي ﷺ والصحابة يُحبَسون ويَمكثون بمكة حتى تَطهر صفية وتطوف، فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.
وعن عائشة قالت: «إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» فطواف النبي ﷺ على طهارة جاء بيانًا وتفصيلًا لمُجْمَل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وفِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ لِبَيَانِ نَصٍّ مِنْ كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ عَلَى اللُّزُومِ.
فدل مجموع هذه الأدلة على وجوب الطهارة من الحدثين لصحة الطواف.
المطلب الثاني: طواف الحائض عند تعذر بقائها، وامتناع رجوعها لمكة:
أَجْمَع العلماء على تحريم الطواف على الحائض (١).
واختَلفوا فيما إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة، وامتَنع رفقتها من انتظارها؛ فهل يَجوز لها أن تطوف للإفاضة وهي حائض؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الحائض ليس لها أن تطوف حتى تطهر؛ إذ إن الطهارة شرط لصحة الطواف. وهو مذهب المالكية والشافعية، وهو الصحيح عند الحنابلة.
الثاني: أن الحائض لها أن تطوف بعد أن تتحفظ من الدم؛ لأن الطهارة واجبة في الطواف، وعليها أن تَفدي. وهو مذهب الحنفية وبعض المالكية، ورواية عن أحمد.
стр. 304
الثالث: أنه يَجوز للحائض أن تطوف في هذه الحال، ولا دم عليها، بعد أن تتحفظ من الدم. وهو قول أحمد في رواية، واختاره ابن تيمية وابن القيم.
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وأن طوافها مع التحفظ هو مدى استطاعتها. وإذا قلنا: إن الطهارة شرط للطواف فهي بمنزلة شروط الصلاة، فشروط الصلاة تَسقط بالعجز، فشروط الطواف من باب أَوْلَى.
ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الحيض ليس بمرض ولا عجز، بل شيء كَتَبه الله على بنات آدم.
وكل هذه العمومات لا تُجدي مع وجود نصوص خاصة، فقد ورد أن صفية بنت حُيَيٍّ زَوْج النبي ﷺ حاضت في حَجَّة الوداع، فقال النبي ﷺ : «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟».
وأيما أصعب: أن النبي ﷺ وأصحابه يُحبَسون ويمكثون بمكة حتى تَطهر صفية وتطوف؟ أو أن يقال للحائض: أقيمي بمكة مع المَحْرَم، وإن ذهب قومكِ حتى تطوفي وتَطهري؟ وهل هناك ضرورة الآن أشد من ذلك؟! فدل ذلك على اشتراط الطهارة من الحَدَث لصحة الطواف.
المطلب الثالث: استعمال دواء يَمنع نزول الدم أو يرفعه:
هذا لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن تَستعمل المرأة أدوية لمنع الحيض في الحج؛ لإتمام النسك.
فهذا الدواء يَمنع نزول الدم قبل نزوله؛ ولذا تكون المرأة في حال طهر مستمر، ولا يقال: إنها في حكم الحائض؛ فالأصل بقاء ما كانت عليه من الطهر، فينبغي للمرأة التي تَشُك أو تَخشى من نزول الدورة في أثناء فترة الحج- أن تحتاط بأخذ ما يَمنع الدورة قبل نزولها، فيَجوز أن تَستعمل المرأة أدوية لمنع الحيض في الحج لإتمام النسك إذا قَرَّر
стр. 305
الدكاترة من أهل الخبرة الأمناء أن ذلك لا يضرها، ولا يؤثر في جهاز حملها (١).
الحالة الثانية: أن يَنزل الدم، ثم تأخذ علاجًا؛ ليرفعه ويوقفه لفترة محدودة، ثم يعود مرة أخرى بعد زوال أثر الدواء.
فهذه الحالة لا تخلو من قسمين:
الأول: إن عَلِمَتْ أن الدواء يَقطع الدم ليوم أو يومين، فستُعتبَر حائضًا في هذه الحال، ولا يُعتبَر ارتفاع الدم في هذه الحال طهرًا.
قال ابن فَرْحُون: وما يفعله النساء من الأدوية لقطع الدم وحصول الطهر، إن عَلِمَتْ أنه يَقطع الدم ليوم ونحوه، فلا يَجوز لها ذلك إجماعًا (٢).
القسم الثاني: أما إذا أَخَذَتِ الدواء بعد نزول الدم ليرفعه، فإنها تنظر في توقف الدم: إن كان طهرًا كاملًا بعلاماته الواضحة، فهو طهر، يَجوز لها أن تطوف فيه. أما إذا لم يكن طهرًا صحيحًا بعلاماته، فلا يَجوز لها أن تطوف فيه؛ لأن أيام انقطاع الحيض في وسط أيام الحيض تُعتبَر حيضًا، ولا يَلزم استيعاب الدم مدة الحيض، فالحيض يُعتبَر بأوله وآخِره.
فالحاصل: أنه ينبغي للمرأة التي تَشُك أو تَخشى من نزول الدورة في أثناء فترة الحج- أن تحتاط بأخذ ما يَمنع الدورة قبل نزولها، ولا تؤجل ذلك حتى تَنزل الدورة؛ فتَدخل في اعتبارات دقيقة، وقد لا تَعرفها فتطوف وهي حائض ظنًّا منها أنها طاهرة، والله أعلم (٣).
المطلب الرابع: طواف المستحاضة ونحوها:
تطوف المستحاضة ومَن به سلس البول ونحوهما، بالبيت، ولا شيء عليهما.
стр. 306
قال ابن تيمية: الْمُسْتَحَاضَةَ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ يَطُوفُ وَيُصَلِّي، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (١).
وقال ابن القيم: والمستحاضة يَجوز لها الطواف إذا تَلَجَّمَتْ، اتفاقًا (٢).
الشرط الخامس: إزالة الخَبَث:
بعض المرضى يَحمل قسطرة البول، فهل يَجوز لمثل هؤلاء الطواف أم لا؟
حَمْل النجاسة أثناء الطواف لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: مَنْ حَمَل النجاسة عالمًا بها، غير قادر على إزالتها لعذر، كمَن يَحمل قسطرة البول لمرض فيه، أو أصابه سلس بول، أو المستحاضة.
ومَن هذا حاله فقد جَمَع بين أمرين، وهما الحَدَث المستمر، وحَمْل النجاسة. وقد أَجْمَع أهل العلم على عذرهم، وأن صلاتهم وطوافهم صحيحان.
الحالة الثانية: مَنْ طاف حاملًا للنجاسة، كمَن في إحرامه نجاسة وهو لا يدري، فهذا لا يعيد الطواف؛ لأن النبي ﷺ صلى جزءًا من صلاته وفي نعليه أذى، ولم يُعِدِ الصلاة.
الثالثة: مَنْ طاف حاملًا للنجاسة عالمًا بها، فلا يصح طوافه (٣).
الشرط السادس: سَتْر العورة:
والمراد بسَتر العورة: سَتْر عورة كل من الذَّكَر والأنثى، سَترًا تصح به صلاة كل منهما.
وقد اختَلف أهل العلم في اشتراط سَتر العورة في الطواف، على قولين:
الأول: أن سَتر العورة شرط لصحة الطواف، فلو طاف كاشفًا لعورته فطوافه باطل.
стр. 307
وبه قال المالكية والشافعية، وأحمد في رواية (١).
واستدلوا بما روى مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢).
وفي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (٣).
القول الآخَر: أن سَتْر العورة واجب من واجبات الطواف، فمَن طاف غير ساتر لعورته فعليه دم. وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عند الحنابلة (٤).
واستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف حول البيت، ولم يُقيِّد ذلك بسَتْر العورة، بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
واعتُرض عليه بأن النبي ﷺ هو المُبَيِّن للطواف، وقال: «وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» فدل ذلك على اشتراط ستر العورة للطواف.
والراجح: ما ذهب جمهور العلماء من اشتراط ستر العورة في الطواف؛ لأن النبي ﷺ نَهَى عن الطواف عُريانًا فقال: «وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ».
стр. 308
القسم الثاني: قسم يتعلق بالبيت (الكعبة)
الشرط الأول: كَوْن الطواف داخل المسجد: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: لا يصح الطواف خارج المسجد الحرام، ولا في ساحات الحرم الخارجية، بالاتفاق (١).
المطلب الثاني: حُكْم الطواف في الأروقة مع وجود الحوائل، كالسواري ونحوها، في المسجد الحرام. وهل يَجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد؟
نَقَل النووي الإجماع على أنه يجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد (٢).
وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
الأول: يَجوز التباعد في الطواف ما دام في المسجد، ولا يضر وجود الحوائل كالسواري ونحوها. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٣).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فقد أَمَر الله بالطواف، ولم يأمر بالدنو منه، فمَن طاف من داخل المسجد في أروقة المسجد، فهو طائف.
واستدلوا لذلك بما ورد عن أُم سَلَمَة قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فدل ذلك على أن أُم سَلَمَة لم تَدْنُ من البيت، بل كان بينها وبين الناس مصلون، فهي تطوف من وراء الناس. فدل ذلك على صحة الطواف في أروقة المسجد داخل المسجد وإن تباعد عن البيت، ما دام في المسجد.
القول الآخَر: أنه يجب الدنو من البيت، فلو طاف من وراء السواري فعليه الإعادة ما دام بمكة. وهو مذهب المالكية (٤).
стр. 309
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من صحة الطواف داخل المسجد، وإن تباعد عن البيت. وقد يُستحب التباعد عن الكعبة عند وجود الزحام بالقرب وبالدنو من الكعبة. أما إن كان القرب والدنو ليس فيهما زحام فيُستحب له القرب من الكعبة، واتَّفق العلماء على أن المسجد الحرام وغيره من المساجد إذا وُسِّع، دخلت التوسعة في حكمه.
المطلب الثالث: الطواف على سطح المسجد:
اختَلف العلماء في جواز الطواف على سطح المسجد على ثلاثة أقوال:
الأول: يجوز الطواف على سطح المسجد. وبه قال الحنفية، والشافعية في المشهور، وأحمد في رواية (١).
واستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄ قال: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» فيقال بجواز الطواف والسعي في السطح، وذلك لشبهه بالطواف والسعي راكبًا؛ إذ الكل غير مباشر للأرض في طوافه ولا سعيه.
واستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ كان يَسكن فوق جبل مرتفع عن البيت، يَجوز أن يصلي إلى الكعبة، فكذا يَجوز الطواف في الدور الثاني على سطح المسجد الحرام (٢).
وأما المعقول، فإن حقيقة الكعبة هي البناء، وما فوقه من الهواء، ولو انهدم البيت- والعياذ بالله- لصحت الصلاة إلى البقعة، فكذا يصح الطواف على سطح المسجد.
стр. 310
القول الثاني: لا يجوز الطواف على سطح المسجد إذا كان ارتفاعه أعلى من ارتفاع الكعبة. وهو اختيار بعض الشافعية (١).
واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فأَمَر الله بالطواف بالبيت، فمَن طاف مرتفعًا على بناء البيت لم يكن طائفًا به.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: ما قاله الرافعي، بأنه لو صح قوله لزم منه أن يقال: لو انهدمت الكعبة- والعياذ بالله- لم يصح الطواف حول عَرْصَتها (٢).
الثاني: أن البيت يطلق على الكعبة باعتبار البقعة، بقطع النظر عن البناء. وكما أنه يطاف بالبيت، فكذا يصلى إليه وإن كان على جبل أعلى من الكعبة آلاف الأمتار.
واستدلوا بأن الأمكنة المحددة شرعًا لنوع من أنواع العبادات- ليست محلًّا للقياس؛ لأن المناسك مرهونة بأمكنتها وأزمنتها، ومعلوم أن النبي ﷺ قد بَيَّن الأمكنة التي أنيط بها النسك. فالساعي في المسعى الأعلى الجديد لا يَصدق عليه أنه ساعٍ بين الصفا والمروة، وإنما هو ساعٍ فوقهما.
ونوقش بأن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فالطواف والسعي من الأدوار العليا ليس تحكمًا في مكان النسك ولا تغييرًا له، بل الأحكام الشرعية تُؤكِّد أن الهواء تابع للقرار فيأخذ أحكامه؛ فقد اتَّفَق العلماء على جواز استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة؛ كاستقبال بنائها، فكذا جواز الطواف والمسعى العلوي.
القول الثالث: لا يَجوز الطواف إلا في المسجد القديم في عهد رسول الله ﷺ ، وليس المسجد بعد توسعته. وهو قول المالكية (٣).
واستدلوا بأن الطواف على سطح المسجد طوافٌ خارج المسجد، والطواف خارج
стр. 311
المسجد لا يجوز بالاتفاق.
واعتُرض عليه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الطواف على سطح المسجد طوافٌ داخل المسجد؛ إذ لا يوجد حاجز في السطح بين الطائف والكعبة، أما خارج المسجد فتوجد حواجز تَحُول بين الطائف والبيت.
والراجح: جواز الطواف على سطح المسجد؛ لأن الهواء تابع للقرار. واتَّفق عامة أهل العلم على أن السعي من على السطح له حُكم الطواف.
توسيع المطاف سفلًا (القبو):
قال ابن عابدين: القِبْلَةُ مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ إلَى الْعَرْشِ، فَلَوْ صَلَّى فِي الْجِبَالِ الْعَالِيَةِ وَالْآبَارِ الْعَمِيقَةِ السَّافِلَةِ، جَازَ كَمَا جَازَ عَلَى سَطْحِهَا وَفِي جَوْفِهَا (١).
المطلب الرابع: المرور بالمسعى حال الطواف:
تمهيد: تَتبُّع تاريخي للتوسعة الحديثة للمسعى.
ظل المسعى على حاله، لم يَطرأ عليه أي تغيير حتى عام (١٣٧٥) حيث حصلت توسعة للمسعى في عهد الملك فيصل، ونُزِعَتْ فيها مِلكية البيوت والأسواق التي بين المسعى والحرم، وبذلك التصق بناء المسعى من جهة المسجد، وصار كالبناء الواحد.
ثم توسعة الملك خالد، حدثت إصلاحات خلف المسعى.
ثم توسعة الملك فهد، عام (١٤١٤ هجرية) تم تهيئة الساحة الشرقية الواقعة خلف المسعى للصلاة، وحُوطت بالسياج والأبواب، واتَّخَذها الناس مُصَلًّى (٢).
حُكم المرور بالمسعى حال الطواف:
اتَّفق عامة أهل العلم على أن المسعى قبل دخوله في مبنى المسجد الحرام- كان خارج الحرم، وله أحكامه الخاصة (٣).
واختَلف العلماء في المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، فهل يَدخل المسعى
стр. 312
في حكم المسجد الحرام، أو أن المسعى مستقل بأحكامه كما كان؟ على قولين:
الأول: أن المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، وأصبح ضمن جدرانه- لا يأخذ أحكام المسجد الحرام؛ لأنه مَشْعَر مستقل بأحكامه الخاصة. وهو قول المَجْمَع الفقهي وابن باز وابن عثيمين (١).
واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول:
أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨].
وَجْه الدلالة: أن هذه الآية أثبتت أن الصفا والمروة مَشْعَران مستقلان عن غيرهما، ولهما أحكامهما الخاصة، ولهما عبادة خاصة، ولا يَلزم ملاصقتهما لمَشْعَر آخَر أن يأخذا أحكامه، فالمسعى لا يَزال محلًّا للنسك المشروع فيه، ولم يَحدث فيه إلا البناء، والبناء لا يُغيِّر حكمًا شرعيًّا ثابتًا للبقعة؛ ولذا فقد نَصَّ الفقهاء على أنه لا يجوز إعطاء حكم المسجد لغيره، ولو شاركه في الجدار؛ ولذا لا تُعطَى مدرسة مشتركة مع المسجد في الجدار- حُكْم المسجد من صحة الاقتداء أو جواز الاعتكاف.
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: كَوْن مَشْعَر المسعى مستقلًّا بأحكامه لا يَمنع أن يأخذ أحكام المسجد، إذا قام السبب الشرعي المقتضي لذلك، مع بقاء الحُكم الشرعي الثابت لمَشْعَر المسعى؛ إذ لا منافاة بينهما.
стр. 313
الثاني: أن التصاق بناء مَشْعَر المسعى ببناية المسجد الحرام، وتهيئة الساحة الشرقية الواقعة خلف المسعى للصلاة، وتحويطها بالسياج والأبواب، واتخاذ الناس لها مصلى- يَجعل المسعى جزءًا من المسجد الحرام عرفًا.
وأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» دل الحديث على جواز السعي للحائض؛ لأنها لم تُمنع إلا من الطواف بالبيت، فدل ذلك على أن أحكام المسعى تختلف عن أحكام البيت. ولأن عامة العلماء على أن مَنْ طافت ثم حاضت، جاز لها أن تسعى بين الصفا والمروة، ولو كان المسعى من المسجد لما أجازوا ذلك.
وأما المعقول، فهو أن المسعى محدود المعالم، وهو منسك متميز عن الكعبة والمسجد الحرام.
القول الآخَر: أن المسعى بعد دخوله في مبنى المسجد الحرام، وأصبح ضمن جدرانه، أن له أحكامه، من جواز الطواف والاعتكاف … وغير ذلك من أحكام المساجد.
واستدلوا بالقياس من وجهين:
الأول: أن حُكْم الزيادة هو حُكْم المُزاد فيه، ولذلك أمثلة، فحينما وَسَّع الصحابة المسجد النبوي، أَعْطَوُا الزيادة حُكْم المسجد في عهد النبي ﷺ في المضاعفة والفضيلة.
ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن المسعى مَشْعَر مستقل بذاته، له أحكامه الخاصة، لا يتبع غيره. بينما ما زِيد في المسجد الحرام لم يكن قبل الزيادة مَشْعَرًا، فلما أُدْخِلَ فيهما دخل في أحكامهما؛ ولذا لا يُغيِّر البناء أو غيره من أحكام المسعى شيئًا.
الثاني: أن ما اتصل من الزوائد بالأصل اتصال قرار وتَمَاسّ- يشمله حُكْم واحد في الجملة. ومن أمثلة ذلك: الصفوف إذا اتصلت صحت المتابعة، ولو امتدت خارج المسجد. وكذلك الطواف من وراء حائل، لا يصح إلا مع وجود اتصال الزحام، فكذا المسعى عندما اتصل بالمسجد الحرام يأخذ حكمه.
ونوقش بأن المسعى محدود المعالم، معلوم مميز، مفصول عن المسجد بجدار قصير يوضحه ويبينه.
وأما قولهم: (إذا اتصلت الصفوف صحت المتابعة، ولو امتدت خارج المسجد)
стр. 314
فيدل على أن المسعى لا يكون تابعًا للمسجد إلا إذا حصلت الحاجة المَاسَّة للطائفين بالمرور فيه.
والراجح: أن المسعى مَشْعَر مستقل، له أحكامه الخاصة، ومع هذا فلا يُمنع الطائف من المرور بالمسعى أثناء طوافه في حال الحاجة المُلِحة والزحام الشديد. وأما في حال عدم الحاجة، فلا يَجوز مرور الطائف؛ لأنه مَشْعَر مستقل بأحكامه الخاصة. وهذا القول هو الذي يَجمع بين الأدلة، ويَرفع الحرج عن المكلفين، والله أعلم.
الشرط الثاني: الابتداء من الحَجَر الأسود:
اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الابتداء من الحَجَر الأسود شَرْط لصحة الطواف، وأن الشوط الذي يكون بعد الحَجَر باطل ولا يجزئ. وبه قال بعض الحنفية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ (٢).
وَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف بالبيت العتيق بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ولم يُحدِّد مكان الابتداء، فبَيَّن ذلك النبي ﷺ بفعله وابتدأ بالحَجَر الأسود، وقد أَمَر ﷺ بالاقتداء به، فقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» فدل ذلك على أن الابتداء من الحَجَر الأسود شرط لصحة الطواف. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقد بَيَّن ﷺ بفعله الصلاة، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
القول الثاني: أن الابتداء من الحَجَر الأسود واجب، فلو تَرَكه فإنه يَجبره بدم إذا رجع إلى بلده، ويَلزمه الإعادة ما دام في مكة. وهو قول لأبي حنيفة، ومالك (٣).
واستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف بالبيت، ومواظبة النبي ﷺ الابتداء من الحَجَر الأسود تدل على وجوبه.
стр. 315
القول الثالث: أن الابتداء من الحَجَر الأسود سُنة، ولكن على أن ينتهي الشوط الأول من حيث ابتدأ. وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه (١).
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن الابتداء من الحَجَر الأسود شرط لصحة الطواف، وأن الشوط الذي يُبتدأ به بعد الحَجَر الأسود باطل؛ لمواظبة النبي ﷺ على ذلك، ولقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم».
مشروعية الخط المشير إلى الحَجَر الأسود في صحن المطاف:
اختَلف أهل العلم في مشروعية الخط المشير إلى الحجر على قولين:
القول الأول: أن هذا الخط بدعة. وهو قول بكر أبو زيد.
واستَدل بأن النبي ﷺ حج في العام العاشر، وحَجَّ معه مِائة ألف، ولم يضع النبي ﷺ علامة يَستدلون بها على محاذاة الحَجَر الأسود، ولو كان يَجوز ذلك لفَعَله النبي ﷺ .
القول الآخَر: أن هذا الخط مشروع. وهو قول ابن عثيمين.
وهذه المسألة لا داعي للإطالة فيها؛ لأن هذا الخط قد أزيل بحمد الله، وقد ترتب على إزالته تخفيف الزحام وراحة للحُجاج. ولا شك أن هذا ببركة اتباع سُنة النبي ﷺ .
والآن توجد لمبة خضراء تشير للمحاذاة، ومعرفة بداية الطواف ونهايته.
ويُقترح أن تُحسَب مسافة المحاذاة، وتوضع على طولها لمبات خضراء تشير للمحاذاة، على الجدار الذي يحاذي الحَجَر، والله أعلم.
الشرط الثالث: جَعْل البيت عن يساره:
أَجْمَع العلماء على أن النبي ﷺ لما طاف، جَعَل البيت عن يساره ثم مشى عن يمينه.
دل على ذلك ما رواه جابر ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا.
ولكن اختَلف العلماء في اشتراط جعل البيت عن يسار الطائف:
فذهب جمهور العلماء إلى أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف. ومَن جَعَل البيت عن يمينه، وطاف عكس اتجاه الطائفين، فإن طوافه باطل. وبه قال
стр. 316
الحنفية في قول، والمالكية والشافعية والحنابلة (١).
واستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد طاف النبي ﷺ جاعلًا البيت عن يساره، وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه. ولو كان يجوز أن يُجْعَل البيت عن يمين الطائف، لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة لبيان الجواز، فلما لم يَفعل عُلِم أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف (٢).
الشرط الرابع: أن يكون الطواف حول البيت:
دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، المأمور به الطواف حول البيت، فإذا مَرَّ مِنْ داخل الحِجْر، فلا يجزئ لأنه طواف من داخل البيت.
رَوَى أبو داود عن عائشة قالت: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: «صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ قطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ» (٣).
قال ابن قُدامة: فَمَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِالْحِجْرِ، لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِبَعْضِ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٤).
стр. 317
الحِجْر والشاذَرْوان
الحِجْر وهو محوط مدور بجدار قصير، على نصف دائرة تحت الميزاب، تَرَكَتْه قريش لَمَّا قصرت بهم النفقة، وهذا الجدار القصير يطلق عليه الشاذَرْوان، وعَرْضه ذراع (١).
ولا يصح الطواف إلا من وراء الحِجْر والشاذَرْوان، على قول جمهور العلماء، فإن طاف ماشيًا على الجدار القصير- الشاذَرْوان- ولو في خطوة، لم تصح طوفته تلك؛ لأنه طاف في البيت لا بالبيت (٢).
الشرط الخامس: كَوْن الطواف سبعة أشواط: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: اشتراط أن يكون الطواف بالبيت سبعة أشواط:
اختَلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنه لا يصح الطواف إلا بإتمام سبعة أشواط. فمَن طاف ستًّا أو خمسًا، لم يصح طوافه ولم يُعْتَدّ به. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣).
واستدلوا بالكتاب والسُّنة:
أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف ببيته العتيق، ولم يُبيِّن العدد المجزئ في ذلك، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ طاف سبعة أشواط، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» فدل ذلك على أن الطواف سبعة أشواط، فلا يجوز النقص منه كالصلاة.
وأما السُّنة، فقد وردت الأحاديث المستفيضة عن رسول الله ﷺ بأنه طاف سبعًا، منها ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا».
القول الآخَر: أن إتمام سبعة أشواط في الطواف ليس بشرط لصحته، وأنه لو طاف خَمْسًا صح طوافه، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالأمر بالطواف مطلق ولا يقتضي التَّكرار. ويُجْبَر ما تُرِك منها بدم. وبه قال الحنفية (٤).
стр. 318
ونوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن النبي ﷺ بَيَّن مطلق الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بفعله، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. وذلك مِثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقد بَيَّن رسول الله ﷺ صفة الصلاة.
الثاني: أَنَّ مَقَادِيرَ الْعِبَادَاتِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يصح الطواف إلا بإكمال سبعة أشواط؛ لِما روى البخاري عن ابن عمر قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. ولأن مقادير العبادات لا تُعْرَف بالرأي والاجتهاد، فصلاة الظُّهر أربع، فكذا الطواف سبعًا.
المبحث الثاني: الشك في الطواف:
مَنْ شك في عدد الأشواط التي طافها لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون كثير الوسواس والشك في عبادته، فلا يَلتفت إليه.
الثانية: أن لا يَطرأ عليه الشك بعد الفراغ من الطواف، فلا يَلتفت إليه ما لم يتيقن الآخَر، فيَعمل بمقتضى يقينه (١).
الثالثة: أن يَشك أثناء الطواف، مثل أن يَشك: هل هذا الشوط هو السادس أو السابع؟
قال ابن المنذر: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ شك في عدد طوافه أنه يَبني على اليقين، أي: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع، فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل.
قلت (محمد): ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فإنما هذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (٢).
القول الآخَر: أنه يَحسب على غالب الظن، فإِنْ غَلَب على ظنه أنه طاف سبعًا، وشَكَّ
стр. 319
هل كان ستًّا، فإنه يَبني على غالب ظنه. وهذا رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية (١).
واستُدل لهذا القول بما ورد في عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٢).
والراجح: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع؟ فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل ثم يَبني عليه.
الشرط السادس: الموالاة بين الأشواط:
أَجْمَع العلماء على أنه يجوز قطع الطواف لصلاة الفريضة (٣).
واختلفوا في اشتراط الموالاة بين الأشواط على قولين:
القول الأول: أنه تُشترَط الموالاة لصحة الطواف، إلا إذا كان القطع يسيرًا لحاجة، كالقعود اليسير أثناء الطواف للاستراحة، أو حضور صلاة، فله أن يصلي ثم يُكْمِل الطواف. وأما مَنْ طاف شوطًا، ثم ذهب فتَعَشَّى أو جلس ساعة، أعاد وابتدأ من جديد.
وبه قال المالكية، وهو رواية عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة.
واستدلوا بأن النبي ﷺ والى في طوافه، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».
القول الآخَر: أنه لا تُشترَط الموالاة بين الأشواط، وأن الموالاة سُنة، فلو قَطَع الأشواط لغير عذر، فنام ساعة أو تَعَشَّى، ثم أكمل الباقي؛ كُرِه له ذلك وصح طوافه. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية (٤).
واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور:
أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالله
стр. 320
أَمَر بالطواف حول البيت، ولم يأمر بالموالاة.
واعتُرض عليه بأن النبي ﷺ وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه قد والى بين الأشواط. ولو كان يَجوز ترك الموالاة لبَيَّنه النبي ﷺ ، وما كان ربك نسيًّا.
وأما السُّنة، فاستدلوا بما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الطَّوَافِ، وَدَخَلَ السِّقَايَةَ فَاسْتَسْقَى، فَسَقَى فَشَرِبَ ثُمَّ عَادَ، وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ (١).
ونوقش: بأن هذا النص لم أجده في كتب السُّنة المعتمدة، ولو صح فإِنَّ هذا قطع يسير، لا يضر ولا يَقطع الموالاة.
وأما دليلهم من المأثور: فعَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَسْتَرِيحُ، وَغُلَامٌ لَهُ يَرُوحُ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَامَ فِينَا عَلَى طَوَافِهِ (٢).
والراجح: أن الموالاة شرط لصحة الطواف، فمَن تَرَكها لم يصح طوافه، إلا إذا كان القطع يسيرًا، كمَنْ جلس ليستريح أو ليشرب، أو حضرت صلاة وهو يطوف، فصلاها ثم أكمل طوافه؛ وذلك لأن النبي ﷺ طاف متواليًا، وهو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، ولم يَرِد أنه ﷺ قَطَع الطواف، ولو كان جائزًا لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته.
•١•