← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الحنفية في قول، والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بأن الله أَمَر بالطواف بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد طاف النبي ﷺ جاعلًا البيت عن يساره، وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه. ولو كان يجوز أن يُجْعَل البيت عن يمين الطائف، لفَعَله النبي ﷺ ولو مرة لبيان الجواز، فلما لم يَفعل عُلِم أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف (٢). الشرط الرابع: أن يكون الطواف حول البيت: دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، المأمور به الطواف حول البيت، فإذا مَرَّ مِنْ داخل الحِجْر، فلا يجزئ لأنه طواف من داخل البيت. رَوَى أبو داود عن عائشة قالت: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِي، فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: «صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّمَا هُوَ قطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ، فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ» (٣). قال ابن قُدامة: فَمَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِالْحِجْرِ، لَمْ يَطُفْ بِجَمِيعِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِبَعْضِ الْبِنَاءِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَقَدْ قَالَ ﵇: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٤).

стр. 317

الحِجْر والشاذَرْوان الحِجْر وهو محوط مدور بجدار قصير، على نصف دائرة تحت الميزاب، تَرَكَتْه قريش لَمَّا قصرت بهم النفقة، وهذا الجدار القصير يطلق عليه الشاذَرْوان، وعَرْضه ذراع (١). ولا يصح الطواف إلا من وراء الحِجْر والشاذَرْوان، على قول جمهور العلماء، فإن طاف ماشيًا على الجدار القصير- الشاذَرْوان- ولو في خطوة، لم تصح طوفته تلك؛ لأنه طاف في البيت لا بالبيت (٢). الشرط الخامس: كَوْن الطواف سبعة أشواط: وفيه مبحثان: المبحث الأول: اشتراط أن يكون الطواف بالبيت سبعة أشواط: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يصح الطواف إلا بإتمام سبعة أشواط. فمَن طاف ستًّا أو خمسًا، لم يصح طوافه ولم يُعْتَدّ به. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف ببيته العتيق، ولم يُبيِّن العدد المجزئ في ذلك، فجاء البيان بفعله ﷺ إذ طاف سبعة أشواط، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» فدل ذلك على أن الطواف سبعة أشواط، فلا يجوز النقص منه كالصلاة. وأما السُّنة، فقد وردت الأحاديث المستفيضة عن رسول الله ﷺ بأنه طاف سبعًا، منها ما رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا». القول الآخَر: أن إتمام سبعة أشواط في الطواف ليس بشرط لصحته، وأنه لو طاف خَمْسًا صح طوافه، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالأمر بالطواف مطلق ولا يقتضي التَّكرار. ويُجْبَر ما تُرِك منها بدم. وبه قال الحنفية (٤).

стр. 318

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ بَيَّن مطلق الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بفعله، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. وذلك مِثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقد بَيَّن رسول الله ﷺ صفة الصلاة. الثاني: أَنَّ مَقَادِيرَ الْعِبَادَاتِ لَا تُعْرَفُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالتَّوْقِيفِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَافَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَلَا يُعْتَدُّ بِمَا دُونَهَا. والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يصح الطواف إلا بإكمال سبعة أشواط؛ لِما روى البخاري عن ابن عمر قال: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا. ولأن مقادير العبادات لا تُعْرَف بالرأي والاجتهاد، فصلاة الظُّهر أربع، فكذا الطواف سبعًا. المبحث الثاني: الشك في الطواف: مَنْ شك في عدد الأشواط التي طافها لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يكون كثير الوسواس والشك في عبادته، فلا يَلتفت إليه. الثانية: أن لا يَطرأ عليه الشك بعد الفراغ من الطواف، فلا يَلتفت إليه ما لم يتيقن الآخَر، فيَعمل بمقتضى يقينه (١). الثالثة: أن يَشك أثناء الطواف، مثل أن يَشك: هل هذا الشوط هو السادس أو السابع؟ قال ابن المنذر: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ شك في عدد طوافه أنه يَبني على اليقين، أي: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع، فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل. قلت (محمد): ولكن هذا الإجماع منخرم؛ فإنما هذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى؟ ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» (٢). القول الآخَر: أنه يَحسب على غالب الظن، فإِنْ غَلَب على ظنه أنه طاف سبعًا، وشَكَّ

стр. 319

هل كان ستًّا، فإنه يَبني على غالب ظنه. وهذا رواية عن أحمد، واختيار ابن تيمية (١). واستُدل لهذا القول بما ورد في عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (٢). والراجح: أنه إذا شك هل هذا هو الشوط السادس أو السابع؟ فإنه يَعمل باليقين فيأخذ بالأقل ثم يَبني عليه. الشرط السادس: الموالاة بين الأشواط: أَجْمَع العلماء على أنه يجوز قطع الطواف لصلاة الفريضة (٣). واختلفوا في اشتراط الموالاة بين الأشواط على قولين: القول الأول: أنه تُشترَط الموالاة لصحة الطواف، إلا إذا كان القطع يسيرًا لحاجة، كالقعود اليسير أثناء الطواف للاستراحة، أو حضور صلاة، فله أن يصلي ثم يُكْمِل الطواف. وأما مَنْ طاف شوطًا، ثم ذهب فتَعَشَّى أو جلس ساعة، أعاد وابتدأ من جديد. وبه قال المالكية، وهو رواية عند الشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة. واستدلوا بأن النبي ﷺ والى في طوافه، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». القول الآخَر: أنه لا تُشترَط الموالاة بين الأشواط، وأن الموالاة سُنة، فلو قَطَع الأشواط لغير عذر، فنام ساعة أو تَعَشَّى، ثم أكمل الباقي؛ كُرِه له ذلك وصح طوافه. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية (٤). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فالله

стр. 320

أَمَر بالطواف حول البيت، ولم يأمر بالموالاة. واعتُرض عليه بأن النبي ﷺ وهو المُبَيِّن لِما أُنْزِلَ إليه قد والى بين الأشواط. ولو كان يَجوز ترك الموالاة لبَيَّنه النبي ﷺ ، وما كان ربك نسيًّا. وأما السُّنة، فاستدلوا بما رُوِيَ عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الطَّوَافِ، وَدَخَلَ السِّقَايَةَ فَاسْتَسْقَى، فَسَقَى فَشَرِبَ ثُمَّ عَادَ، وَبَنَى عَلَى طَوَافِهِ (١). ونوقش: بأن هذا النص لم أجده في كتب السُّنة المعتمدة، ولو صح فإِنَّ هذا قطع يسير، لا يضر ولا يَقطع الموالاة. وأما دليلهم من المأثور: فعَنْ جَمِيلِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ طَافَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَسْتَرِيحُ، وَغُلَامٌ لَهُ يَرُوحُ عَلَيْنَا، ثُمَّ قَامَ فِينَا عَلَى طَوَافِهِ (٢). والراجح: أن الموالاة شرط لصحة الطواف، فمَن تَرَكها لم يصح طوافه، إلا إذا كان القطع يسيرًا، كمَنْ جلس ليستريح أو ليشرب، أو حضرت صلاة وهو يطوف، فصلاها ثم أكمل طوافه؛ وذلك لأن النبي ﷺ طاف متواليًا، وهو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، ولم يَرِد أنه ﷺ قَطَع الطواف، ولو كان جائزًا لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته. •١•

стр. 321

الفصل الثالث: سُنن الطواف: للطواف إحدى عَشْرة سُنة: السُّنة الأولى: الطواف ماشيًا. وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: أَجْمَع العلماء على أن طواف الماشي أفضل من طواف الراكب. المطلب الثاني: جواز طواف الراكب من عذر. المطلب الثالث: هل طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع راكبًا أم راجلًا؟ المطلب الرابع: حُكْم الطواف راكبًا من غير عذر. المطلب الخامس: حُكْم الطواف على السير الكهربائي لو وُجِد. المطلب السادس: الطواف بالطائرة. السُّنة الثانية: الاضطباع. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: صفة الاضطباع. المطلب الثاني: حُكْم الاضطباع. المطلب الثالث: مَنْ يُسَن له الاضطباع. السُّنة الثالثة: الرَّمَل. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: معنى الرَّمَل. المطلب الثاني: حُكْم الرَّمَل. المطلب الثالث: هل الرَّمَل من الحَجَر إلى الحَجَر؟ المطلب الرابع: مَنْ لا يُشْرَع له الرَّمَل. المطلب الخامس: حُكْم الرَّمَل مع الازدحام الشديد. السُّنة الرابعة: استلام الحَجَر الأسود في بداية الطواف. وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: فَضْل الحَجَر الأسود. المطلب الثاني: استحباب تقبيل الحَجَر الأسود.

стр. 322

المطلب الثالث: استلام الحَجَر وتقبيله. المطلب الرابع: حُكْم استلام الحَجَر الأسود من غير طواف. المطلب الخامس: عدم الوقوف في محاذاة الحَجَر الأسود في كل شوط. المطلب السادس: استحباب استلام الحَجَر بعصًا. المطلب السابع: استحباب الإشارة إلى الحَجَر المطلب الثامن: حُكْم السجود على الحَجَر. المطلب التاسع: محاذاة الحَجَر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف. السُّنة الخامسة: التكبير في بداية الطواف. السُّنة السادسة: استلام الركن اليماني. السُّنة السابعة: استحباب الإكثار من الذِّكر والدعاء وقراءة القرآن. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: استحباب الإكثار من الذِّكر في الطواف. المطلب الثاني: استحباب الدعاء أثناء الطواف. المطلب الثالث: الدعاء عند المُلتزَم. المطلب الرابع: لا يُستحب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف. السُّنة الثامنة: الدنو من البيت. السُّنة التاسعة: صلاة ركعتين خلف المَقام بعد الطواف. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حُكْم ركعتي الطواف. المطلب الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف. المطلب الثالث: وقت أداء ركعتي الطواف. السُّنة العاشرة: استحباب استلام الحَجَر الأسود بعد الصلاة خلف المَقام. السُّنة الحادية عَشْرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف.

стр. 323

السُّنة الأولى: الطواف ماشيًا: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: أَجْمَع العلماء على أن طواف الماشي أفضل من طواف الراكب (١). المطلب الثاني: جواز طواف الراكب من عذر. قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ في أن مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ أَوِ اشْتَكَى مَرَضًا- أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ الرُّكُوبُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ، وَفِي سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (٢). وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِ «الطُّورِ» (٣). المطلب الثالث: هل طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع راكبًا أم راجلًا؟ وردت أحاديث في طواف النبي ﷺ راكبًا على الراحلة. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» (٤). ووردت أحاديث في طواف النبي ﷺ راجلًا على قدميه. منها ما ورد عن ابن عمر: فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا (٥). وقد جَمَع العلماء بأن الرسول ﷺ طاف في حجته ثلاثة أطوفة: طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع، فطاف للقدوم على قدميه، وطاف للإفاضةراكبًا على بعيره (٦).

стр. 324

المطلب الرابع: حُكْم الطواف راكبًا من غير عذر. اختَلف العلماء على ثلاثة أقوال في حُكم مَنْ طاف راكبًا مع قدرته على المشي: القول الأول: أن الطواف ماشيًا مع القدرة سُنة. وبه قال الشافعية، ورواية للحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. وَجْه الدلالة: أن الله أَمَر بالطواف مطلقًا، فكيفما طاف ماشيًا أو راكبًا أجزأه. وأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ» فالنبي ﷺ طاف راكبًا من غير حاجة، فهذا بيان للجواز. ونوقش بأن طواف النبي ﷺ راكبًا كان لشكوى أَلَمَّتْ به. دل على ذلك ما ورد عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَطَافَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَنَاخَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٢). وأجيب عنه بأن هذا الحديث ضعيف، وأن الأحاديث الصحيحة الثابتة مُصرِّحة بأن طوافه ﷺ راكبًا لم يكن لمرض، بل كان ليراه الناس، ويسألوه، ولا يُزاحِموا عليه (٣). وقد روى مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ غَشُوهُ» (٤). القول الثاني: أن المشي مع القدرة واجب، فمَن طاف راكبًا مع القدرة جَبَر ذلك بدم. وهو مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، ورواية عن الحنابلة (٥).

стр. 325

واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وحقيقة الطواف هي المشي حول البيت، وليس الراكب بطائف، بل الطائف حقيقةً مركوبه، وهو في حكمه، فأوجب ذلك نقصًا، فوجب جبره بالدم. ونوقش بأن الله أَمَر بالطواف مطلقًا، فكيفما طاف ماشيًا أو راكبًا أجزأه. وأما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي، فقال: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» (١). وَجْه الاستدلال: أن الركوب لغير عذر في الطواف لو كان جائزًا، لَمَا استأذنت أُم سلمة رسول الله ﷺ وبَيَّنَتْ شكواها، مما يدل على أن الطواف راكبًا لا يَسوغ إلا بعذر. ونوقش بأن هذا الاستدلال يتم إن لم يكن في الباب غير هذا الحديث، ولكن النبي ﷺ طاف على بعير، وفِعله ﷺ يدل على الإباحة، وهذا الحديث فيه إشارة إلى أن الطواف ماشيًا أفضل، وهذا متفق عليه. القول الثالث: أن المشي مع القدرة شرط لصحة الطواف، فمَن طاف راكبًا وهو يستطيع أن يطوف ماشيًا، فطوافه باطل، ولا يُعتد به. وبه قال مالك في رواية، وأحمد في الرواية المشهورة عنه (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ» وإذا كان من أركان الصلاة القيام مع القدرة في الفريضة، ولا تصح فريضةُ مَنْ صلى جالسًا مع القدرة على القيام، فكذا مَنْ طاف راكبًا وهو يستطيع أن يطوف ماشيًا، فطوافه باطل. ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح. ولو صح فقياس الطواف على الصلاة فيه نظر؛ لأن القيام في الصلاة مع القدرة ركن بالإجماع، بخلاف الطواف، فقد ثَبَتَ أن الرسول ﷺ طاف راكبًا من غير عذر.

стр. 326

وأما المأثور، فَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: طَافَ رَجُلٌ بِالْبَيْتِ عَلَى فَرَسٍ فَمَنَعُوهُ، فَقَالَ: أَتَمْنَعُونِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى كَوْكَبٍ؟! قَالَ: فَكُتِبَ فِي ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَكَتَبَ عُمَرُ: «أَنِ امْنَعُوهُ» (١). ونوقش بأنه لا يصح لانقطاعه. ولو صح فقد يكون المنع لأجل ما في الخيل من الخُيَلاء والتعاظم. وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ ﵂ تَرَكَتِ الْعُمْرَةَ سَنَتَيْنِ، فَقَالَتْ: مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَكْرَهُ أَنْ أَرْكَبَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (٢). ونوقش بأنه غير صريح في الوجوب، فضلًا عن الشرطية. والراجح: أن الطواف والسعي ماشيًا سُنة؛ لأن النبي ﷺ طاف راكبًا. قال ابن المُنذِر: لَا قَوْلَ لِأَحَدٍ مَعَ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ . وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، فَكَيْفَمَا أَتَى بِهِ أَجْزَأَهُ، وَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ طَافُوا مَشْيًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ طَافَ مَشْيًا (٣). المطلب الخامس: حُكْم الطواف على السير الكهربائي لو وُجِد. هنا لا بد من التفريق بين أمرين: الأول: أنه يَجوز الطواف راكبًا ومحمولًا على السير الكهربائي؛ لعُذْر من مرض وغيره، ولا سيما إذا وُجدت الحاجة واشتد الزحام. الثاني: أن المشي في الطواف والسعي مع القدرة أفضل من الركوب بالإجماع. المطلب السادس: الطواف بالطائرة. من أسباب الزحام في المواسم: طواف بعض رؤساء الدول والأمراء، ومَن يَحتاج طوافهم إلى إجراءات أمن خاصة. ومِن الحلول الممكنة لتخفيف ذلك: جواز أدائهم شعيرة الطواف بالطائرة؛ لأن النبي ﷺ طاف بالبيت على بعير. والطواف بالطائرة يُشْبِه

стр. 327

الطواف راكبًا؛ فإن كلًّا منهما نسك أُدِّي من غير مباشرة الأرض. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن راكب العربة مستقر على الأرض، أَشْبَه الواقف، بخلاف راكب الطائرة، فهو مستقر بالهواء وغير مستقر بالأرض. وأجيب بأن الهواء تابع للقرار؛ ولذا يجوز استقبال ما فوق الكعبة من هواء في الصلاة. ولأن الطائف بالطائرة يَصدق عليه عُرفًا أنه طاف بالبيت. شروط جواز الطواف بالطائرة: يُشترط لذلك ثلاثة شروط: الأول: أن يكون الطواف حول الكعبة، وليس من داخلها، وإلا يَبطل الطواف إجماعًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. الثاني: أن يكون الطواف بالطائرة محاذيًا للطائفين حول الكعبة؛ لأنه لو اتسعت دائرة الطواف بالطائرة، لأدى ذلك إلى الطواف خارج المسجد، وهذا لا يَجوز إجماعًا. الثالث: أن يكون ذلك مُقيَّدًا في حال العذر؛ حتى لا تكون المناسك والشعائر مسرحًا، بما لا يتناسب مع قدسيتها وشَرَفها (١). السُّنة الثانية: الاضطباع: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: صفة الاضطباع: قال النووي: وَالِاضْطِبَاعُ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، عِنْدَ إبْطِهِ، وَيَطْرَحَ طَرَفَيْهِ عَلَى مَنْكِبِهِ الْأَيْسَرِ، وَيَكُونَ مَنْكِبُهُ الْأَيْمَنُ مَكْشُوفًا (٢). المطلب الثاني: حُكْم الاضطباع: اختَلف أهل العلم في حُكْم الاضطباع على قولين: القول الأول: أن الاضطباع سُنة. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٣).

стр. 328

واستدلوا بالسُّنة: فَعَنْ يَعْلَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ طَافَ مُضْطَبِعًا (١). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، قَدْ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى (٢). وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: «فِيمَ الرَّمَلَانُ الْيَوْمَ وَالْكَشْفُ عَنِ المَنَاكِبِ، وَقَدْ أَطَّأَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ، وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟! مَعَ ذَلِكَ لَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٣). القول الآخَر: أن الاضطباع مكروه. وبه قال الإمام مالك (٤). واستَدل الإمام مالك بأن العلة التي استُحب الاضطباع من أجلها- قد زالت؛ فالاضطباع شُرِع لإظهار الجَلَادة والقوة للمشركين، وقد خلت مكة من الكفار.

стр. 329

واعتُرض عليه بأن العبادة توقيفة، وقد قال النبي ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». قال ابن حجر: لأن الحكمة في أصل مشروعيته كالرَّمَل إظهار الجلادة والقوة للمشركين، وبالنسبة إلينا إظهار التأسي والاتباع والجد في العبادة (١). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أن الاضطباع سُنة. والله أعلم. المطلب الثالث: مَنْ يُسَن له الاضطباع: ذهب جماهير العلماء إلى سُنية الاضطباع في طواف القدوم وطواف العمرة. والاضطباع يُشْرَع للرجل ولا يُشْرَع للمرأة؛ لأن في اضطباعها كشفًا لما فيه عورة منها، والمرأة مأمورة بالسَّتر (٢). السُّنة الثالثة: الرَّمَل، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: معنى الرَّمَل. هو الإسراع في المشي مع تقارب الخُطى، وتحريك المنكبين (٣). المطلب الثاني: حُكْم الرَّمَل. نُقِل الإجماع على أن الرَّمَل سُنة للرجال في الأشواط الثلاثة الأُوَل مِنْ طواف القُدُوم. وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم في حُكْم الرَّمَل على أربعة أقوال: القول الأول: أن الرَّمَل سُنة مُؤكَّدة. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٤). واستدلوا بما روى جابر: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا». وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ، فَإِنَّهُ يَسْعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَمْشِي أَرْبَعَةً (٥).

стр. 330

القول الثاني: أن الرَّمَل واجب، ومَن تَرَكه فلا دم عليه. وبه قال المالكية وابن حزم (١). فَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ! فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ (٢). وَجْه الدلالة: (فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ) والأمر يقتضي الوجوب. القول الثالث: أن الرَّمَل واجب، ومَن تَرَكه فعليه دم. وهو قول عند المالكية (٣). القول الرابع: أن الرَّمَل ليس سُنة، ومَن شاء فَعَله، ومَن شاء لم يفعله. رُوِي ذلك عن عطاء، وطاوس، ومُجاهِد، والحَسَن، وسالم، والقاسم (٤). واستدلوا بما رَوَى مسلم: عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الرَّمَلَ بِالْبَيْتِ، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ! قَالَ: فَقَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ مِنَ الْهُزَالِ. وَكَانُوا يَحْسُدُونَهُ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا ثَلَاثًا، وَيَمْشُوا أَرْبَعًا (٥). قول ابن عباس: (صَدَقُوا وَكَذَبُوا) يَعْنِي صَدَقُوا فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، وَكَذَبُوا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُ سُنَّةٌ مَقْصُودَةٌ. وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ لِإِظْهَارِ الْقُوَّةِ عِنْدَ الْكُفَّارِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ المَعْنَى. ونوقش من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ أَمَر أصحابه بالرَّمَل في عمرة القضاء؛ لإظهار القوة. أما في حَجة الوداعِ فقد فَعَله، وقد زال هذا المعنى؛ لأنها سُنة مقصودة. الثاني: أن الحكمة في أصل مشروعية الرَّمَل إظهار الجلادة والقوة للمشركين، وبالنسبة إلينا إظهار التأسي. وقد دل على ذلك قول عمر: «فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ؟! إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ» ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ».

стр. 331

والراجح: أن الرَّمَل سُنة مُؤكَّدة، ولا شيء على مَنْ تَرَكه، والله أعلم. المطلب الرابع: هل الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُول من الحَجَر إلى الحَجَر؟ أم مِنْ الحَجَر إلى الركن اليماني؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُول بأكملها، من الحَجَر الأسود حتى يَعود إليه. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة: فعَنْ جَابِرِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» (٢). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا» (٣). القول الآخَر: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة من الحَجَر الأسود حتى الركن اليماني، ثم يَمشي ما بين الركن اليماني والحَجَر الأسود. وبه قال طاوس، وعطاء، والحَسَن، وسعيد بن جُبَيْر، والقاسم، وسالم (٤). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس ﵄، وفيه: «فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ». ونوقش هذا الاستدلال بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ فِي أَبْدَانِهِمْ، وَإِنَّمَا رَمَلُوا إِظْهَارًا لِلْقُوَّةِ، وَاحْتَاجُوا إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا جُلُوسًا فِي الْحِجْرِ، وَكَانُوا لَا يَرَوْنَهُمْ بَيْنَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَيَرَوْنَهُمْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ، فَلَمَّا حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ، سَنَةَ عَشْرٍ، رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَذَا الْمُتَأَخِّرِ (٥).

стр. 332

وأجيب بأن حديث ابن عباس كان في حَجة الوداع، ففي «مسند أحمد»: قَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (١). ونوقش بأن هذه الزيادة ضعيفة. والراجح: أنه يُسَن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة الأُوَل بأكملها، من الحَجَر الأسود حتى يعود إليه. وحديث ابن عباس منسوخ بحديث جابر (٢). المطلب الرابع: مَنْ لا يُشْرَع له الرَّمَل: لا يُشْرَع الرَّمَل لثلاثة أصناف: الأول: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنْ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَمَلٌ فِي طَوَافِهِنَّ فِي سَعْيِهِنَّ (٣). الثاني: وأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا رَمَلَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، إِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى مِنًى؛ لِأَنَّهُ رَمَلَ فِي حِينِ دُخُولِ مَكَّةَ حِينَ طَافَ لِلقُدُومِ (٤). الثالث: أنه لا رَمَل في طواف التطوع بلا خلاف (٥). واختلفوا في مشروعية الرَّمَل لأهل مكة على قولين: القول الأول: أنه لا يُشْرَع الرَّمَل لأهل مكة. وبه قال المالكية والحنابلة (٦).

стр. 333

واستدلوا بما ورد عن بْنَ عُمَرَ أَنَّه كَانَ إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ، حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى، وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إِذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ، إِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ. (١). القول الآخَر: أنه يُشْرَع الرَّمَل لأهل مكة، إذا كان الطواف يعقبه سعي. وبه قال الحنفية والشافعية (٢). والراجح: عدم مشروعية الرَّمَل لأهل مكة؛ لثبوت ذلك عن ابن عمر. ولأن الرَّمَل يُستحب في طواف القدوم، وأهل مكة ليس عليهم طواف قدوم. والله أعلم. المطلب الخامس: حُكْم الرَّمَل مع الازدحام الشديد: ذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا ازدحم المَطاف، فإنه تَسقط عنه هذه السُّنة. وذهب الشافعية إلى استحباب التحرك في المشي إذا تَعَذَّرَ الرَّمَل، فإن كان الزحام بالقرب من الكعبة، فالأفضل أن يَخرج إلى حاشية المطاف ليتمكن من إقامة سُنة الرَّمَل (٣). السُّنة الرابعة: استلام الحَجَر الأسود في بداية الطواف: وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: فَضْل الحَجَر الأسود، وفَضْل تقبيله: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «نَزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» (٤).

стр. 334

وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اسْتِلَامَهُمَا (الْحَجَرَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَ) يَحُطُّ الْخَطَايَا» (١). المطلب الثاني: استحباب تقبيل الحَجَر الأسود: عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ، مَا قَبَّلْتُكَ» (٢). قال ابن عبد البر: لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ تَقْبِيلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (٣). المطلب الثالث: استلام الحجر وتقبيله: استلام الحجر وتقبيله لا يخلو من حالين: الحال الأول: يُستحب استلام الحَجَر إن لم يكن هناك زحام، بالسُّنة والإجماع. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ، أَوَّلَ مَا يَطُوفُ» (٤). قال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فِي ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ، وَهُوَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ بِلَا خِلَافٍ (٥).

стр. 335

الحال الآخَر: حُكْم استلام الحجر وتقبيله في شدة الزحام. اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يُشْرَع استلام الحجر وتقبيله في شدة الزحام (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ لعمر: «يَا أَبَا حَفْصٍ، أَنْتَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، وَإِنَّكَ تُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنِ فَتُؤْذِي الضَّعِيفَ، فَإِذَا رَأَيْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَكَبِّرْ وَامْضِ» (٢). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنه كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُزَاحِمَ عَلَى الْحَجَرِ، تُؤْذِي مُسْلِمًا أَوْ يُؤْذِيكَ (٣). وأما المعقول، فهو أن الاستلام سُنة، وإيذاء الناس بالزحام مُحَرَّم، واجتناب المُحَرَّم أَوْلَى من الإتيان بالسُّنة. القول الآخَر: ما قاله الماوردي: وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ الزِّحَامَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ (٤). واستدلوا بأن ابْنَ عُمَرَ زَاحَمَ عَلَى الْحَجَرِ حَتَّى دَمَّى مَنْخِرُهُ (٥). ونوقش بأنه ورد أن ابن عمر ندم على هذا الفعل فلا يُستدل به، فَعَنْ سَالِمٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَتْرُكُ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ فِي الزِّحَامِ وَلَا غَيْرِهِ، حَتَّى رَأَيْتُهُ زَاحَمَنَا عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَصَابَهُ

стр. 336

دَمٌ، فَقَالَ: قَدْ أَخْطَأْنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ (١). وأما ما يفعله بعض الطائفين من المزاحمة على الحجر، وكأنهم في مصارعة، وما يُصاحِب ذلك من لغط وضوضاء وفوضى، وزحام في صحن الطواف؛ فمما لا يتناسب مع قدسية المكان وشرفه. والنساء اللاتي يَدخلن في وسط الرجال لكي يُقَبِّلن الحَجَر، ولا يدرين أنهن قد ارتكبن إثمًا عظيمًا، وقد يَنتج عن ذلك التصاق الرجال بالنساء. قال النووي: فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى لَمْ يَدْخُلْ، وَهَذَا مِمَّا يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَتَزَاحَمُونَ زَحْمَةً شَدِيدَةً، بِحَيْثُ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرُبَّمَا انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ بَعْضِهِمْ أوْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. وَرُبَّمَا زَاحَمَ الْمَرْأَةَ، وَهِيَ مَكْشُوفَةُ الْوَجْهِ والْيَدِ. وَهَذَا كُلهُ خَطَأٌ يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ النَّاس، وَيَغْتَرُّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَكَيْفَ يَنْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَرْتَكِبَ الأَذَى الْمُحَرَّمَ؛ لِيُحَصِّلَ أَمْرًا لَوْ سَلِمَ مِنَ الأَذَى، لِكَانَ سُنَّة؟! وَأَمَّا مَعَ الأَذَى فَلَيْسَ بسُنَّةٍ بَلْ حَرَامٌ. وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ (٢). المطلب الرابع: حُكْم استلام الحَجَر الأسود من غير طواف: كَانَ ابْن عُمَرَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْتَلِمَ، كَانَ فِي طَوَافٍ أَوْ في غَيْرِ طَوَافٍ (٣). وَعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَنَهَضَ لِيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، فَسَبَّحَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟! قَالَ: فَصَلَّى مَا بَقِيَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ (٤).

стр. 337

قَالَ مَالِكٌ: إنْ شَاءَ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ كُلَّمَا مَرَّ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْتَلِمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ مَنْ لَا يَطُوفُ، يَسْتَلِمُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ طَوَافٍ (١). والحاصل: أنه لم يَثبت عن رسول الله ﷺ استلام الحجر الأسود من غير طواف. المطلب الخامس: عدم الوقوف في محاذاة الحَجَر في كل شوط، إن لم يكن ثَم زحام: اتَّفَق العلماء على أن السُّنة استلام الحَجَر الأسود في ابتداء الطواف وفي كل شوط، إن لم يكن ثَم زحام وإيذاء. فإن كان ثَم زحام وإيذاء، فإنه يُكبِّر. وهل يَستقبل الحَجَر ويشير إليه مع التكبير، أم لا؟ اختَلف العلماء في حُكم الوقوف في محاذاة الحجر لاستقبال الحجر، على قولين: الأول: يُشْرَع مع التكبير استقبال الحَجَر والإشارة إليه. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «يَا عُمَرُ، إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ، لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وهَلِّلْ وَكَبِّرْ» (٣). واعتُرض عليه بأن هذا الحديث لا يصح، وأن لفظة الاستقبال مُنكَرة. القول الآخَر: يَقتصر على التكبير دون استقبال أو إشارة (٤). والراجح: أنه لم يَثبت سوى الإشارة مع التكبير؛ لِما روى ابن عباس ﵄ قال:

стр. 338

«طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ، وَكَبَّرَ» (١). فالأقرب: أن يكتفي الطائف بالإشارة مع التكبير وهو ماشٍ، من غير استقبال. فأما الوقوف لاستقبال الحَجَر في بداية كل شوط، فأَمْر لم تَرِد به سُنة صحيحة، فيُترك هذا العمل اتباعًا للسُّنة، ودفعًا للمفسدة الحاصلة من اكتظاظ الطائفين على طول محاذاة الحجر، وتباطؤ الطائفين في هذه المنطقة من المطاف؛ مما يؤدي إلى زحام شديد. المطلب السادس: استحباب استلام الحجر بعصًا: روى مسلم: عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ» (٢). المطلب السابع: استحباب الإشارة إلى الحَجَر: رَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ» (٣). المطلب الثامن: لا يُستحب السجود على الحجر، أي: أن يضع جبهته على الحجر: أَجْمَع العلماء على أن استلام الحجر الأسود سُنة. واختلفوا في حكم السجود عليه على قولين: الأول: أن السجود على الحجر الأسود بدعة. وهو مذهب المالكية (٤). القول الآخَر: استحباب السجود عليه. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٥). واستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ عَلَى الْحَجَرِ (٦).

стр. 339

والراجح: أن السجود على الحجر الأسود ليس بسُنة؛ لعدم ثبوته عن رسول الله ﷺ . فالحاصل: أن استلام الحَجَر في بداية الطواف على صفات أربع: الأولى: أن يَستلم الحجر الأسود ويُقبِّله. الثانية: أن يستلم الحجر بيده، ويُقبِّل يده. الثالثة: أن يستلمه بعصًا، ثم يُقَبِّل العصا. الرابعة: أن يشير إلى الحجر ويُكَبِّر، ويَبدأ الشوط. وهذه الصفات الأربع صحت عن رسول الله ﷺ ؛ لتُظهِر رفق الرسول ﷺ بأمته، وأن الطائف يَفعل الأيسر له، فإن كان قريبًا من الحجر، ويستطيع أن يُقبِّله بلا مزاحمة قَبَّله، وإِنْ شَقَّ عليه تقبيله، واستطاع أن يستلمه بيده استلمه، أو استلمه بعصًا، وإلا أشار إليه وكَبَّر. المطلب التاسع: محاذاة الحَجَر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: أن المحاذاة للحَجَر سُنة. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١). واستدلوا بأن الواجب في الطواف البداءة من الحَجَر الأسود، ولم يُنْقَل وجوب المحاذاة عن رسول الله ﷺ ، ولا عن الصحابة، مع توفر الدواعي على النقل. أما القياس، فإنه لَمَّا جاز محاذاة بعض الحَجَر، جازت محاذاته ببعض البدن (٢). القول الآخَر: وجوب محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن. وصفة المحاذاة: أن يَستقبل البيت ويصير منكبه الأيمن محاذيًا للحَجَر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 340

واستدلوا بما ورد عن ابن عمر قال: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجَرَ (١). وظاهر هذا أنه ﷺ استقبله بجميع بدنه. ولأن ما وجب فيه محاذاة البيت، وجب محاذاته بجميع البدن؛ فإنه لو استَقبل الكعبة في الصلاة ببعض بدنه، فإنه لا يجزئه. والراجح: أن محاذاة الحجر الأسود بجميع البدن في ابتداء الطواف- سُنة، وأنه يجزئ الاستقبال ببعض البدن، ويصح طوافه؛ لأنه لو كان الاستقبال للحجر بكل البدن شرطًا، لبَيَّنه رسول الله ﷺ لصحابته؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وهذا من شأنه التخفيف عند بداية الطواف؛ لأن محاذاته ببعض البدن لا تَستلزم وقوف الطائف، وإنما يكفي مجرد الإشارة. بخلاف القول بوجوب المحاذاة الذي يَستلزم وقوف الطائف على طول محاذاة الحجر الأسود، ويؤدي ذلك إلى تزاحم شديد، ولا يوجد دليل على الوجوب، فينبغي ترك المحاذاة في الزحام؛ احترازًا من إيذاء المسلمين الممنوع. السُّنة الخامسة: التكبير في بداية الطواف: يُستحب التكبير عند بداية الطواف بالإجماع. واختَلف العلماء فيما يزاد على التكبير من الأدعية على قولين: الأول: أنه يُكتفى بالتكبير ولا يزاد عليه؛ لِما رَوَى ابن عباس قال: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ. وبه قال مالك (٢). القول الآخَر: أنه يُستحب أن يقول: (بِاسم الله والله أكبر) كلما استلم الحجر الأسود. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٣). لِمَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَقُولُ إذَا اسْتَلَمْنَا

стр. 341

الْحَجَرَ؟ قَالَ: «قُولُوا: بِاسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ؛ إيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ» (١). وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ (٢). والراجح: أنه يُكتفَى بقول: (الله أكبر) ولا يُزاد عليه؛ لِما رَوَى البخاري: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ. أما قول: (بِاسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ؛ إيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فكل هذه الزيادات لا تصح عن رسول الله ﷺ . السُّنة السادسة: استلام الركن اليماني: وفيه مطلبان: المطلب الأول: استحباب استلام الركن اليماني: يُستحب استلام الركن اليماني، أي: وَضْع اليد اليمنى عليه؛ لِما ورد عن ابن عمر قال: «مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِيَ وَالْحَجَرَ، مُذْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُمَا» (٣). قال ابن عبد البر: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرُّكْنَيْنِ جَمِيعًا يُسْتَلَمَانِ: الْأَسْوَدُ وَالْيَمَانِيُّ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ يُقَبَّلُ، وَالْيَمَانِيَّ لَا يُقَبَّلُ (٤). المطلب الثاني: هل يُشْرَع تقبيل الركن اليماني، أو تقبيل يده بعد استلامه؟

стр. 342

اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يُستحب استلام الركن اليماني، أي: مَسْحه باليد اليمنى؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ ، ولا يُشرع تقبيله، أو تقبيل يده بعد استلامه؛ لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ . وهذا قول الحنفية، والمالكية في المشهور عنهم، وأحمد في رواية (١). القول الثاني: أنه يُستحب مس الركن اليماني بيده، وتقبيل يده بعد استلامه، ولا يُشْرَع له تقبيل الركن اليماني. وبه قال مالك في رواية، والشافعي، وأحمد في رواية (٢). فَعَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ فَقَبَّلَهُ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ فَقَبَّلَ يَدَهُ (٣). القول الثالث: أنه يباح تقبيل الركن اليماني. وهو قول أحمد في رواية (٤). واستدلوا بما ورد، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ، وَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَيْهِ (٥). والراجح: أنه يُستحب استلام الركن اليماني، أي: مَسْحه باليد اليمنى؛ لثبوت ذلك، ولا يُشْرَع تقبيله، أو تقبيل يده بعد استلامه؛ لعدم ثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ . السُّنة السابعة: استحباب الإكثار من الذِّكر والدعاء: وفيه مطلبان: المطلب الأول: استحباب الإكثار من الذِّكر: يُستحب للطائف أن يُكْثِر من ذكر الله؛ ولذا يَبدأ كل شوط بذكر الله. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «طَافَ النبي ﷺ ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ وَكَبَّرَ.

стр. 343

وعن عائشة قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ؛ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ » (١). المطلب الثاني: استحباب الدعاء أثناء الطواف: يُستحَب للطائف أن يُكْثِر من الدعاء أثناء طوافه، وأن يَسأله سبحانه من خيرَي الدنيا والآخرة؛ فإن هذا موطن من مواطن الدعاء. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» (٢). فالحاصل: أنه يُستحَب للطائف أن يكون خاشعًا خاضعًا متذللًا، حاضر القلب، مُلازِم الأدب بظاهره وباطنه، وفي حركته ونظره وهيئته، وأن يدعو بما تَيَسَّر من خيرَي الدنيا والآخرة؛ فإنه لم يصح عن رسول الله ﷺ في الطواف دعاء مُعيَّن، أو يَقرأ القرآن. وبذلك يتبين خطأ ما يفعله بعض الناس، من تخصيص أدعية معينة لكل شوط (٣).

стр. 344

السُّنة الثامنة: الدنو من البيت: يُستحَب الدنو من البيت بالإجماع. قال النووي: وَأَمَّا الدُّنُوُّ مِنَ الْبَيْتِ، فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ. وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُؤْذِيَ وَلَا يَتَأَذَّى بِالزَّحْمَةِ. فَإِنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى بِالْقُرْبِ لِلزَّحْمَةِ، فَالْبُعْدُ إِلَى حَيْثُ يَزُولُ التَّأَذِّي وَالْأَذَى أَوْلَى. أَمَّا الْمَرْأَةُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ لَا تَدْنُوَ فِي حَالِ طَوَافِ الرِّجَالِ، بَلْ تَكُونُ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ، بِحَيْثُ لَا تُخَالِطُ الرِّجَالَ (١). السُّنة التاسعة: صلاة ركعتين بعد الطواف: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: حُكْم ركعتي الطواف. اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أن ركعتي الطواف سُنة مُؤكَّدة. وهو مذهب الشافعية، ورواية للمالكية، وأحمد في رواية (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فالصلوات المفروضات خَمْس، وركعتا الطواف ليستا منها، فعُلِم أنهما سُنة مُؤكَّدة وليستا بواجبتين. واستدلوا بقول النبي ﷺ : «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» (٣). فخروج الحديث مَخرج الفضل وجَعْل ثواب محدد له- دليل استحبابها؛ لأن الواجب غير محدد الثواب. واستدلوا بأن ركعتي الطواف لم تُشرع جماعة، فلم تكن واجبة كسائر النوافل (٤).

стр. 345

القول الآخَر: أن ركعتي الطواف واجبة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وقول للشافعية، ورواية عند أحمد (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما دليلهم من الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فالله أَمَر بالصلاة عند مَقام إبراهيم بعد الفراغ من الطواف، والأمر للوجوب. ويُفسِّر الآية ما ورد عن جابر في صفة حج النبي ﷺ : حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ- وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (٢).

стр. 346

وأما دليلهم من السُّنة، فهو ما روى البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ (١). والراجح: أن ركعتي الطواف سُنة مُؤكَّدة؛ لعموم قول النبي ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» فالصلوات المفروضات خَمْس، وركعتا الطواف ليستا منها، فعُلم أنهما سُنة مُؤكَّدة وليستا بواجب. المطلب الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف: أَجْمَع العلماء على استحباب أداء ركعتي الطواف خلف المَقام؛ اقتداء بالنبي ﷺ (٢). وأجمعوا على إجزاء ركعتي الطواف في أي مكان من الحرم (٣).

стр. 347

واختلفوا هل يُشترط أداء ركعتي الطواف داخل الحرم؟ فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يصح أداء ركعتي الطواف في أي مكان، داخل وخارج الحَرَم (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ» فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. فأُم سَلَمة لم تُصَلِّ ركعتي الطواف حتى خرجت من المسجد الحرام، ولم يَرِد أن الرسول ﷺ نهاها عن ذلك، ولا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. فهذا دليل على عدم اشتراط ركعتي الطواف داخل الحَرَم. وأما المأثور، فقد طَافَ عُمَرُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ نَظَرَ، فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ فَرَكِبَ، وَلَمْ يُسَبِّحْ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوَى، فَسَبَّحَ رَكْعَتَيْنِ عَلَى طَوَافِهِ (٢). وَ كَانَ ابْنِ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ يَدْخُلُ الْبَيْتَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ (٣). المطلب الثالث: هل الفضل خاص بحذاء خلف المَقام؟ أم يتعدى إلى غيره؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الفضل خاص بما يَصدق عليه خلف المقام، أي: قريبًا منه عُرْفًا. وهو مذهب الحنفية في المشهور عنهم، والمالكية والشافعية والحنابلة (٤). القول الثاني: أن الفضل يشمل ما خلف المَقام في حذائه. وهو قول النَّخَعي (٥). القول الثالث: أن الفضل يشمل جميع الحرم. وهو قول بعض الحنفية.

стр. 348

والراجح: أن الفضل خاص بما يَصدق عليه خلف المقام، أي: قريبًا منه عُرْفًا. حُكْم أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم وقت الزحام. تَحْرم الصلاة خلف المَقام وقت الزحام في طريق الطائفين لأمرين: الأول: أن أداء الركعتين خلف المَقام سُنة، وإيذاء الطائفين بالصلاة في طريقهم في الزحام مُحَرَّم، واجتناب المُحَرَّم أَوْلَى من الإتيان بالسُّنة. الثاني: يُحوج الطائفين للمرور بين يديه وهو يصلي، مع اشتغال قلبه بالمارة. المطلب الرابع: وقت أداء ركعتي الطواف: أَجْمَع العلماء على جواز الطواف في جميع الأوقات، بما في ذلك أوقات النهي (١). واختلفوا في أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي على ثلاثة أقوال: القول الأول: يَجوز أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي. وهو مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بالمأثور والمعقول: أما المأثور، فما ورد: عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» (٣). وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالطَّوَافِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حِينَئِذٍ (٤). وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (٥)

стр. 349

وَصَحَّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ طَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (١). وأما دليلهم من المعقول، فإنه إذا كان أبيح بالإجماع الطواف في أوقات النهي، وركعتا الطواف تابعتان للطواف، وإذا أبيح المتبوع فينبغي أن يباح التابع. القول الثاني: يُكْرَه أداء ركعتي الطواف في أوقات النهي. وبه قال الحنفية والمالكية (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعن أبي سعيدٍ الخُدْرِي يقول: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٣). وأما المأثور، فاستدلوا بما رُوي عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصُّبح، فلما قَضَى طوافه، نَظَرَ فلم يَرَ الشمس طلعت، فرَكِبَ حتى أناخ بذي طُوًى، فصلى ركعتين (٤). وعن ابن عمر أنه كان إذا طاف بعد الصبح لا يصلي حتى تطلع الشمس (٥). واعتُرض عليه بأنه حدث خلاف على ابن عمر. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إذَا أَرَدْتَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، أَوْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَطُفْ وَأَخِّرِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ، فَصَلِّ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ (٦). وَقَدِمَ أَبو سَعيدٍ الْخُدْرِيُّ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَطَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَقَالَ: انْظُرُوا كَيْفَ يَصْنَعُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَبْعِهِ قَعَدَ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٧). القول الثالث: أنه يُكْرَه صلاة ركعتي الطواف بعد صلاة العصر وبعد الفجر، وتَحرم الصلاة عند شروق الشمس وعند المغرب وعند قيام قائم الظهيرة، فإن صلاها لم تنعقد.

стр. 350

وهو قول عند الحنفية، ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بما روى مسلم: عَنْ عُقْبَةَ يَقُولُ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ (٢). المطلب الخامس: ما يُستحب قراءته في ركعتي الطواف: ذهب جماهير العلماء إلى أنه يُستحَب في ركعتي الطواف أن يَقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة (سورة الكافرون) وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة (سورة الإخلاص) (٣). وفي حديث جابر: «حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ- وَلَا أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٤). والحاصل: أن قراءة سورتَي الكافرون والإخلاص في ركعتي الطواف- من قول محمد بن علي بن أبي طالب.، وأما الروايات المرفوعة فلا تصح عن رسول الله ﷺ . السُّنة العاشرة: استحباب استلام الحجر الأسود بعد الصلاة خلف المَقام: وفي حديث جابر الطويل: ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا. فدل حديث جابر بمنطوقه على أن رسول الله ﷺ رجع إلى الحَجَر الأسود بعد فراغه من ركعتي الطواف، فاستلمه قبل أن يَخرج إلى الصفا (٥).

стр. 351

قال ابن قُدامة: وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (١). وهذه سُنة ثابتة بالنص والإجماع، ولكن تَحرم في أوقات الزحام بسبب التضييق على الطائفين المؤدين لنسكهم الواجب. والله أعلم. السُّنة الحادية عَشْرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف: يُستحَب للحاج إذا فَرَغ من طوافه أن يَشرب من ماء زمزم؛ ففي حديث جابر: « … ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» (٢). فالحاصل: أنه قد ثَبَت أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة.

стр. 352

الفصل الرابع: ما يَحرم على الطائف القسم الأول: ما يتعلق من البدع بالتمسح بجدران الكعبة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التمسح بجدران الكعبة والمَقام من البدع المنهي عنها. نَصَّ العلماء على عدم مشروعية التمسح بجدران الكعبة والمقام. قال ابن تيمية: ولا يُشْرَع تقبيل المَقام ومسحه إجماعًا (١). وقال النووي: لَا يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ (٢). وَعَنْ بِشْرٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَأَى النَّاسَ يَمْسَحُونَ الْمَقَامَ، فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمَرُوا بِالْمَسْحِ. وَقَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ (٣). المطلب الثاني: التعلق بأستار الكعبة: ينبغي أن يُفَرَّق بين أمرين: الأول: إن كان يَقصد المتعلق التعبد، فلا يَجوز؛ لأن العبادة مبناها على التوقيف. عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ. وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَا هُرَيرَةَ وَلَا جَابِرًا وَلَا أَبَا سَعيدٍ وَلَا ابْنَ عُمَرَ- يَلْتَزِمُ أَحَدٌ مِنْ زَمْزَمَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ بَاطِنِهَا، أَوْ مِنْ أَدْرَاجِهَا يَتَعَوَّذُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا (٤). فهذا يدل على عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة للتعبد. الثاني: أن يَقصد المتعلق بأستار الكعبة التذلل لله.

стр. 353

قال ابن تيمية: وَلَمَّا كَانَتِ الْكَعْبَةُ بَيْتَ اللَّهِ، الَّذِي يُدْعَى وَيُذْكَرُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسْتَجَارُ بِهِ هُنَاكَ، وَقَدْ يُسْتَمْسَكُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ مَنْ يَسْتَجِيرُ بِهِ (١). وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كان إذا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ، يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، وَيَصُبُّ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، فَيَضَعُ صَدْرَهُ وَجَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَدْعُو (٢). والحاصل: عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة؛ لأنه لم يَرِد ذلك عن رسول الله ولا عن أصحابه. ويجب على طلبة العلم تعليم الناس ترك الأفعال التي لم يَثبت بها سُنة؛ ولِما فيها من إيذاء الطائفين ومُضايقتهم دون وجه حق، والله أعلم. المطلب الثالث: استلام الركنين الشاميين. نُقِل الإجماع على عدم استلام الركنين الشاميين (٣). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد خلاف، فالصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (٤). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (٥). القول الآخَر: أنه يُشْرَع استلام الركنين الشاميين (٦). رَوَى البخاري: عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟» وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا» وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ (٧).

стр. 354

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما قاله الشافعي: لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ عَدَمَ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرٌ لِلْبَيْتِ، لَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمْسَكَ مَا أَمْسَكَ عَنْهُ. الثاني: أنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ (١). والذي ينبغي لزوار بيت الله الحرام: تَعَلُّم هَدْي النبي ﷺ في الحج، وأنه من غير المشروع استلام الركنين الشاميين؛ لأن في هذا إيذاء للطائفين؛ لِما يسببه ذلك من ضيق ومزاحمة لهم. الحكمة مِنْ ترك استلام الركنين الشاميين. بَيَّن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ تَرَك استلام الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يُبنيا على قواعد إبراهيم، ودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» (٢). قال ابن تيمية: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْجِدَارِ، وَالِاسْتِلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ، وَإِلَّا لَاسْتَلَمَ جَمِيعَ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ (٣). القسم الثاني من البدع: ما يتعلق بالدعاء: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الدعاء الجماعي: الأصل أن يدعو كل إنسان بنفسه، وهذا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. وفي الدعاء الجماعي رَفْع للصوت بالدعاء، وهو يخالف هَدْي النبي ﷺ ، وفيه تشويش وإيذاء للطائفين الذاكرين الله الداعين له، وقد نَهَى الله عن ذلك، فقال تعالى:

стр. 355

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بدعائك، على قول. المطلب الثاني: تخصيص كل شوط بدعاء معين: لم يَثبت عن النبي ﷺ دعاء مُعيَّن في الطواف، أو ذِكر مخصوص، سوى التكبير في بداية الطواف. وإنما على الطائف أن يدعو بما تيسر (بالدعاء المطلق) لنفسه ولرحمه وجميع المسلمين. وعلى ذلك تضافرت أقوال العلماء. قال السرخسي: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ تَعْيِينَ شَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ فِي مَشَاهِدِ الْحَجِّ؛ لِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: التَّوْقِيتُ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، فَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْخُشُوعِ (١). وقال ابن جماعة: اعلم أنه غَلَب على عوام الناس في زماننا- الإعراض في الطواف عن مهمات أدعيتهم؛ بسبب اشتغالهم بأدعية متكلفة غير مأثورة، لا يكون معها خشوع! ويَجتمع لذلك جماعة كثيرة من الرجال والنساء حِلقًا، حَوْل مَنْ يتلقونه منه، ويبالغون في رفع أصواتهم بالدعاء، ويقفون عند الأركان، ويكررون الإشارة إليها بأيديهم، فيشوشون على الطائفين برفع أصواتهم. فليُتجنَّب ذلك فإنه من أعظم البدع، وليَمْشِ الطائف بسكينة ووقار وأدب وخشوع وتواضع، لا يؤذي مَنْ أمامه بإسراع في المشي، ولا يَحبس مَنْ خَلْفه بوقوف، ولا يَجهر بأذكار الطواف وأدعيته، فيُشوِّش بالجهر على غيره (٢). فتَبَيَّن من ذلك ضلال ما يفعله بعض المطوفين، من جمع الحُجاج حوله في مجموعات كبيرة، تتحرك دفعة واحدة، مما يؤدي إلى تدافع الطائفين وأذيتهم، ورَفْع الصوت بالدعاء بما يشوش على الطائفين. والله أعلم. المطلب الثالث: الدعاء عند المُلتزَم: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الدعاء عند المُلتزَم، وهو ما بين الحَجَر الأسود
следующие страницы →