← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال ابن قُدامة: وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعُودَ فَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (١). وهذه سُنة ثابتة بالنص والإجماع، ولكن تَحرم في أوقات الزحام بسبب التضييق على الطائفين المؤدين لنسكهم الواجب. والله أعلم. السُّنة الحادية عَشْرة: الشرب من ماء زمزم بعد الطواف: يُستحَب للحاج إذا فَرَغ من طوافه أن يَشرب من ماء زمزم؛ ففي حديث جابر: « … ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ، فَقَالَ: «انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ، لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ» فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ» (٢). فالحاصل: أنه قد ثَبَت أن النبي ﷺ شرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة.

стр. 352

الفصل الرابع: ما يَحرم على الطائف القسم الأول: ما يتعلق من البدع بالتمسح بجدران الكعبة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: التمسح بجدران الكعبة والمَقام من البدع المنهي عنها. نَصَّ العلماء على عدم مشروعية التمسح بجدران الكعبة والمقام. قال ابن تيمية: ولا يُشْرَع تقبيل المَقام ومسحه إجماعًا (١). وقال النووي: لَا يقَبِّلُ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَسْتَلِمُهُ فَإنَّهُ بِدْعَةٌ (٢). وَعَنْ بِشْرٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ رَأَى النَّاسَ يَمْسَحُونَ الْمَقَامَ، فَنَهَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَمْ تُؤْمَرُوا بِالْمَسْحِ. وَقَالَ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ (٣). المطلب الثاني: التعلق بأستار الكعبة: ينبغي أن يُفَرَّق بين أمرين: الأول: إن كان يَقصد المتعلق التعبد، فلا يَجوز؛ لأن العبادة مبناها على التوقيف. عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ. وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَبَا هُرَيرَةَ وَلَا جَابِرًا وَلَا أَبَا سَعيدٍ وَلَا ابْنَ عُمَرَ- يَلْتَزِمُ أَحَدٌ مِنْ زَمْزَمَ الْبَيْتِ. قُلْتُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمَسُّ شَيْئًا مِنْ بَاطِنِهَا، أَوْ مِنْ أَدْرَاجِهَا يَتَعَوَّذُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ قَالَ: لَا (٤). فهذا يدل على عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة للتعبد. الثاني: أن يَقصد المتعلق بأستار الكعبة التذلل لله.

стр. 353

قال ابن تيمية: وَلَمَّا كَانَتِ الْكَعْبَةُ بَيْتَ اللَّهِ، الَّذِي يُدْعَى وَيُذْكَرُ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُسْتَجَارُ بِهِ هُنَاكَ، وَقَدْ يُسْتَمْسَكُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِأَذْيَالِ مَنْ يَسْتَجِيرُ بِهِ (١). وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كان إذا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الصَّدْرِ، يَأْتِي الْمَقَامَ فَيُصَلِّي عِنْدَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَأْتِي زَمْزَمَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، وَيَصُبُّ عَلَى وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ، ثُمَّ يَأْتِي الْمُلْتَزَمَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْبَابِ، فَيَضَعُ صَدْرَهُ وَجَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، وَيَتَشَبَّثُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَيَدْعُو (٢). والحاصل: عدم مشروعية التعلق بأستار الكعبة؛ لأنه لم يَرِد ذلك عن رسول الله ولا عن أصحابه. ويجب على طلبة العلم تعليم الناس ترك الأفعال التي لم يَثبت بها سُنة؛ ولِما فيها من إيذاء الطائفين ومُضايقتهم دون وجه حق، والله أعلم. المطلب الثالث: استلام الركنين الشاميين. نُقِل الإجماع على عدم استلام الركنين الشاميين (٣). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد خلاف، فالصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (٤). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنَ الْبَيْتِ، إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ» (٥). القول الآخَر: أنه يُشْرَع استلام الركنين الشاميين (٦). رَوَى البخاري: عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟» وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا» وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵄ يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ (٧).

стр. 354

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما قاله الشافعي: لَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ عَدَمَ اسْتِلَامِهِمَا هَجْرٌ لِلْبَيْتِ، لَكِنَّهُ اسْتَلَمَ مَا اسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمْسَكَ مَا أَمْسَكَ عَنْهُ. الثاني: أنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ خَالَفَهُمَا فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ، فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ اسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ (١). والذي ينبغي لزوار بيت الله الحرام: تَعَلُّم هَدْي النبي ﷺ في الحج، وأنه من غير المشروع استلام الركنين الشاميين؛ لأن في هذا إيذاء للطائفين؛ لِما يسببه ذلك من ضيق ومزاحمة لهم. الحكمة مِنْ ترك استلام الركنين الشاميين. بَيَّن ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ تَرَك استلام الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يُبنيا على قواعد إبراهيم، ودل على ذلك عموم قول النبي ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ» (٢). قال ابن تيمية: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْجِدَارِ، وَالِاسْتِلَامُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَرْكَانِ، وَإِلَّا لَاسْتَلَمَ جَمِيعَ جِدَارِ الْبَيْتِ فِي الطَّوَافِ (٣). القسم الثاني من البدع: ما يتعلق بالدعاء: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الدعاء الجماعي: الأصل أن يدعو كل إنسان بنفسه، وهذا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. وفي الدعاء الجماعي رَفْع للصوت بالدعاء، وهو يخالف هَدْي النبي ﷺ ، وفيه تشويش وإيذاء للطائفين الذاكرين الله الداعين له، وقد نَهَى الله عن ذلك، فقال تعالى:

стр. 355

﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بدعائك، على قول. المطلب الثاني: تخصيص كل شوط بدعاء معين: لم يَثبت عن النبي ﷺ دعاء مُعيَّن في الطواف، أو ذِكر مخصوص، سوى التكبير في بداية الطواف. وإنما على الطائف أن يدعو بما تيسر (بالدعاء المطلق) لنفسه ولرحمه وجميع المسلمين. وعلى ذلك تضافرت أقوال العلماء. قال السرخسي: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ تَعْيِينَ شَيْءٍ مِنَ الْأَدْعِيَةِ فِي مَشَاهِدِ الْحَجِّ؛ لِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ: التَّوْقِيتُ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ رِقَّةَ الْقَلْبِ، فَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَدْعُوَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا يَحْضُرُهُ؛ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْخُشُوعِ (١). وقال ابن جماعة: اعلم أنه غَلَب على عوام الناس في زماننا- الإعراض في الطواف عن مهمات أدعيتهم؛ بسبب اشتغالهم بأدعية متكلفة غير مأثورة، لا يكون معها خشوع! ويَجتمع لذلك جماعة كثيرة من الرجال والنساء حِلقًا، حَوْل مَنْ يتلقونه منه، ويبالغون في رفع أصواتهم بالدعاء، ويقفون عند الأركان، ويكررون الإشارة إليها بأيديهم، فيشوشون على الطائفين برفع أصواتهم. فليُتجنَّب ذلك فإنه من أعظم البدع، وليَمْشِ الطائف بسكينة ووقار وأدب وخشوع وتواضع، لا يؤذي مَنْ أمامه بإسراع في المشي، ولا يَحبس مَنْ خَلْفه بوقوف، ولا يَجهر بأذكار الطواف وأدعيته، فيُشوِّش بالجهر على غيره (٢). فتَبَيَّن من ذلك ضلال ما يفعله بعض المطوفين، من جمع الحُجاج حوله في مجموعات كبيرة، تتحرك دفعة واحدة، مما يؤدي إلى تدافع الطائفين وأذيتهم، ورَفْع الصوت بالدعاء بما يشوش على الطائفين. والله أعلم. المطلب الثالث: الدعاء عند المُلتزَم: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الدعاء عند المُلتزَم، وهو ما بين الحَجَر الأسود

стр. 356

وباب الكعبة. وسُمي (المُلتزَم) لأن الناس يلتزمونه عند الدعاء، أي: يَضمونه إلى صدورهم. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١). فَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ السَّبْعِ، رَكَعْنَا فِي دُبُرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ قَامَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْبَابِ، فأَلْصَقَ صَدْرَهُ وَيَدَيْهِ وَخَدَّهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ (٢). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ يُدْعَى الْمُلْتَزَمَ، لَا يَلْزَمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ (٣). ونوقش بأنه لا يصح في الدعاء عند المُلتزَم حديث، والسُّنة (بعد الطواف) أَنْ يَرجع إلى الحَجَر الأسود فيستلمه، ثم يَخرج إلى المَسعى، ثَبَتَ ذلك عن رسول الله ﷺ (٤). وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الدعاء عند المُلتزَم يكون قبل طواف الوداع (٥).

стр. 357

والراجح: أنه لم يصح الدعاء عن النبي ﷺ عند المُلتزَم ولا تحت الميزاب بعد الطواف. والدعاء عبادة، فلا يَجوز تخصيصه بزمان ومكان لم يَرِد تخصيصهما في الشرع. والسُّنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه بعد الطواف وركعتيه استلام الحجر والسعي. أما الدعاء عند المُلتزَم مطلقًا بغير تخصيص فيَجوز، وإن كان لم يصح فيه حديث مرفوع، ولكن صح ذلك عن بعض السلف، كابن عباس وعروة وطاوس وغيرهم (١). المطلب الرابع: لا يُستحب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف وقبل السعي. وميزاب الكعبة هو مَصَبّ ماء المطر (٢). ذهب قوم إلى استحباب الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف وقبل السعي. وهو قول عند الحنفية وعند المالكية، وقول بعض الشافعية وبعض الحنابلة (٣). واستدلوا بما رُوي أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا حَاذَى مِيزَابَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَابِ» (٤). واعتُرض عليه بأنه لا يصح في الدعاء تحت الميزاب حديث. والراجح: أنه لا يُشْرَع الدعاء تحت الميزاب بعد الطواف؛ ولأن الدعاء عبادة، فلا

стр. 358

يَجوز تخصيصه بزمان ومكان لم يَرِد تخصيصهما في الشرع، والسُّنة الثابتة عن النبي ﷺ أنه بعد الطواف وركعتيه استلام الحجر والسعي. القسم الثالث: ما يَحرم في الطواف بسبب الاختلاط: وفيه مطلبان: المطلب الأول: يَحرم الطواف بالبيت عُريانًا ؛ لعموم قوله ﷺ : «لَا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (١). ويَدخل في هذا أنه يَحرم على النساء التزين والتبرج والتطيب في كل وقت، وعند الطواف أشد، فيجب على المرأة أن تَلبس لباسًا ساترًا بالضوابط الشرعية، وألا تكون فتنة، ولا سيما عند الكعبة المشرفة وفي بيت الله المُحَرَّم. ويَحرم نظر الرجال إلى النساء الأجنبيات؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]. المطلب الثاني: يَحرم مخالطة الرجال للنساء في الطواف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقد أَمَر النبي ﷺ أُم سَلَمَة أن تطوف خلف الناس، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فطواف النساء مع الرجال حال الاختلاط لا يَجوز، ولا سيما إذا كان الزحام شديدًا، ويؤدي إلى المماسة والافتنان. روى البخاري: عَنْ عَطَاءٍ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ، لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ:

стр. 359

انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: «انْطَلِقِي عَنْكِ» وَأَبَتْ، يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ، قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ، وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ (١). وَقَدْ نَهَى عُمَرُ أَنْ يَطُوفَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فَرَأَى رَجُلًا مَعَهُنَّ، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ (٢). وَعَنْ حَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَطُوفُونَ مَعًا مُخْتَلِطِينَ، حَتَّى وَلِيَ مَكَّةَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الطَّوَافِ، وَأَجْلَسَ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ حَرَسًا مَعَهُمُ السِّيَاطُ، يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ (٣). ونوقش بأن صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وكذا الطواف في زمن النبي ﷺ . وأجيب عنه بأن صلاة النساء في المسجد خلف الرجال بلا اختلاط، ومع هذا قال رسول الله ﷺ : «خَيْر صفوف النساء آخِرها» لعدم وجود اختلاط وافتتان النساء بالرجال، وكذا أمهات المؤمنين طفن مع الرجال بدون اختلاط. ولذا ينبغي أن تَطوف النساء منفردات عن الرجال، بأن يُخصَّص لهن وقت لطوافهن، والرجال لهم وقت؛ حتى لا يَحدث اختلاط. أو وَضْع حاجز دائري يَفصل طواف النساء عن الرجال، ولا سيما أوقات الزحام. والله أعلم. •١•

стр. 360

الفصل الرابع: مكروهات الطواف: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: يُكْرَه للطائف أن يُدافِع البول والغائط، ويُكْرَه أن يطوف وهو شديد التوقان إلى الطعام أو النوم؛ حتى لا يُحال بينه وبين الخشوع. فالذي ينبغي للطائف إذا كان شديد التوقان إلى النوم نام، أو إلى الطعام أَكَل، أو يريد قضاء الحاجة أو الوضوء توضأ؛ حتى يَدخل البيت بقلب خاشع يَستحضر عظمة الله. المطلب الثاني: يُكْرَه للطائف الإكثار من الكلام مع الأصحاب الذين يطوفون معه، ولكن ينبغي له الإكثار من الدعاء والذِّكر واستحضار عظمة الله. وينبغي له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المطلب الثالث: يُكْرَه القعود في الطواف ولا سيما في الزحام، وكذا يُكْرَه عمل مجموعات كبيرة مع الدخول في وسط الزحام، ومزاحمة الطائفين وأذيتهم؛ لِما روى ابن عباس ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ - أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ - فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» (١). •١•

стр. 361

الفصل الخامس نوازل الطواف وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: نَقْل مَقام إبراهيم وتوسعة المطاف. المبحث الثاني: إنشاء وسائل آلية مُساعِدة في المطاف والمسعى. المبحث الثالث: تَكرار الطواف في المواسم. المبحث الرابع: مَنْع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم. المبحث الخامس: الإفادة من البناء المُقبَّب في المطاف. المبحث السادس: استعمال العَدَّاد لضبط عدد أشواط الطواف والسعي.

стр. 362

المبحث الأول: نَقْل مَقام إبراهيم: وفيه تمهيد ومطلبان: التمهيد: المَقام في اللغة: موضع قدم القائم. ومَقام إبراهيم: هو الحَجَر الذي قام عليه حين رَفَع بناء البيت وبه أَثَرُ قدميه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وهو موجود بداخل الموضع الزجاجي الواقع أمام الكعبة المشرفة، الذي أُسِّس في عهد الحكومة السعودية، سَنة (١٣٧٤ هـ) فأصبح يراه العامّ والخاص بعد هدم الموضع الأول البنائي، الذي كان لا يَرى فيه المَقام إلا الخواص (١). المطلب الأول: هل موضع المَقام الآن هو موضعه في زمن النبوة، أو في زمن عمر؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن مَقام إبراهيم كان عند الباب، وأن الذي وضعه في هذا المقام هو عمر؛ تخفيفًا عن الطائفين. وهو قول عائشة وعروة، ومجاهد ومالك (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعند أبي داود في حديث جابر الطويل في حجة النبي ﷺ ، قال: حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. وَجْه الدلالة: (ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبرَاهِيمَ) فلا شك أن كلمة (تَقَدَّمَ) تدل على أن المَقام كان ملاصقًا للكعبة. ولو كان المَقام في موضعه الآن، لقال: (تَأَخَّرَ) (٣). وأما المأثور، فَرَوَتْ عَائِشَةَ أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ، ﵌، وَزَمَانِ أَبِي بَكْرٍ- مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (٤).

стр. 363

القول الآخَر: أن موضع المَقام اليوم هو موضعه في زمن النبوة. عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ صَلَّيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَكَانَ الْمَقَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ، فَحَوَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَوْضِعِهِ هَذَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَرَى الرَّأْيَ، فَيَنْزِلُ بِهِ الْقُرْآنُ (١). وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: مَوْضِعُ الْمَقَامِ هَذَا الَّذِي هُوَ بِهِ الْيَوْمَ هُوَ مَوْضِعُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، إِلَّا أَنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ بِهِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَجُعِلَ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ، فَرَدَّهُ بِمَحْضَرِ النَّاسِ (٢). ونوقش بأنه لو صح فهو ينفي تحويل النبي ﷺ له، وأنه لم يكن لاصقًا بالكعبة. والحاصل: أن مَقام إبراهيم كان عند الباب، وأن الذي وضعه في هذا المَقام هو عمر. المطلب الثاني: حُكْم نقل مَقام إبراهيم: مِنْ أسباب الزحام في المطاف: التزام كثير من الحجيج بأداء ركعتي الطواف خلف المَقام وقت اشتداد الزحام، ويَنتج عن ذلك شل حركة المطاف وتَدافُع وإيذاء وفوضى والتصاق الرجال بالنساء، مما لا يتناسب مع قدسية المكان وشرفه.

стр. 364

ومن الحلول المطروحة: نَقْل مَقام إبراهيم، فقد اختَلف العلماء في حكم ذلك: فمنهم مَنْ أجاز نقل المَقام؛ لدَفْع مَفسدة الزحام وتحقيقًا للمصلحة. كالمُعَلِّمي، ومحمد بن إبراهيم، وابن باز، والألباني. ومِن العلماء مَنْ مَنَع. ومنهم مَنْ تَوَقَّفَ (١). والراجح: أنه لا يوجد ضرر في وجود المَقام في محله الآن، بعد أن هُذِّب هيكله وجُعل رفيعًا أنيقًا؛ أشبه بسارية في المسجد، لا يؤثر في سلاسة حركة الطائفين. والحل الصحيح: مَنْع الطائفين من الصلاة خلف المَقام في المطاف أوقات الزحام، وليس نقل المَقام (٢). ومن الحلول المطروحة: إقامة المَقام على آلة كهربائية رافعة. وصورة هذا العمل: هي أن يُعمَل للمَقام في مكانه خندق أرضي طولي، عمقه بقدر ارتفاعه على وجه الأرض وزيادة، يقام على آلة كهربائية رافعة، بما يَضمن دخوله في عمق الخندق آليًّا، وتغطية أعلاه بنفس الرخام الذي تُغطَّى به أرض المطاف، فيصبح متساويًا معه في وقت المواسم، فإذا ما انفض جمع الحُجاج وخف الزحام، رُفِع مرة أخرى ليبقى بارزًا مُشاهَدًا كما هو المعتاد، ويكون ذلك بطريقة آلية يُضغَط على مِفتاح خاص (٣). ومِن الحلول المطروحة: وَضْع المَقام على صندوق متحرك، بأن يُعَلَّم موضع المَقام بعلامة ثابتة، ثم يوضع المَقام على صندوق متحرك في مكانه في غير المواسم، وفي أيام المواسم يُؤخَّر، فإذا خف الزحام يعاد إلى موضعه. المبحث الثاني: إنشاء وسائل آلية مُساعِدة في المطاف والمسعى: يُقترَح عمل دور سفلي في المَطاف والمسعى، وتُستخدم وسائل آلية مُساعِدة في المطاف، مثل السيور الكهربائية أو القطار، على حَسَب ما يقرره أهل الخبرة، ويكون هذا

стр. 365

الدور مختصًّا بأصحاب الأعذار من كبار السن والعاجزين. وهذا يفيد في تخفيف الزحام. قال الشيخ محمد بن إبراهيم: تسهيلًا للسعي بين الصفا والمروة على العَجَزة، يمكن عمل خط تمر عليه عربات من داخل المسعى، ومعلقة في جدرانه، تَذهب من طريق، وتعود من الطريق الثاني (١). ويمكن قياسها على العربات اليدوية المستعملة حاليًّا في المسجد الحرام، والتي استمر عمل المسلمين عليها في أداء المناسك، من غير نَكير. ويُقترَح عمل لجنة من أهل العلم وأهل الخبرة من المهندسين؛ لعَمَل دور سفلي في المطاف والمسعى، وتُستخدَم وسائل آلية مُساعِدة في المطاف بالضوابط الشرعية. المبحث الثالث: تَكرار الطواف في المواسم: أَجْمَع العلماء على استحباب تَكرار الطواف (٢). أما في المواسم ولا سيما في أوقات الزحام، فلا يُستحب تَكرار الطواف؛ لعدم أذية الحُجاج الطائفين المؤدين لنسكهم الواجب. المبحث الرابع: مَنْع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم: الأصل عدم جواز منع أي قاصد لبيت الله؛ لعموم قول النبي ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، إِنْ وَلِيتُمْ هَذَا الأَمْرَ فَلَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ أَوْ صَلَّى، أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ». فهذا نص صريح في أن مَنْ تولى أمر المسجد الحرام، ليس له منع أي طائف بالبيت. فهذا هو الأصل، ويمكن الحيدة عنه إذا اضطر ولي الأمر إلى منع غير المُحْرِمين من النزول إلى صحن الطواف أوقات المواسم؛ ليَحمي الحُجاج من مخاطر الزحام، وما يتضمنه من هلاك الأنفس وذَهاب الأرواح، فتُستثنَى مواطن الضرورات، والضرورة تُقَدَّر بقَدْرها، فالمنع لطائفة محددة وهم مَنْ يطوفون تطوعًا، وعن مكان محدد وهو صحن

стр. 366

المطاف، وفي وقت مقيد بأوقات المواسم. والله أعلم. المبحث الخامس: الإفادة من البناء المُقبَّب في المطاف: وأصل هذا البناء كان في عهد الخليفة العباسي المهدي، عام (١٦٠ هـ) وقد أَمَر السلطانُ سليم الثاني العثماني سليمانَ القانوني، بترميم بناية المهدي، واستبدال السقف الخشبي للبناية بالقبب، وتُوفي سليم الثاني عام (٩٨٢ هـ). وعن حُكم إزالة البناء المُقبَّب في المطاف، أَصْدَرَتْ هيئة كبار العلماء قرارًا جاء فيه: بالنسبة لإزالة مباني المصابيح القديمة القباب، رأى المجلس بالأكثرية أنه لا مانع من إزالتها؛ لتضييقها وعدم الانتفاع بسطحها (١). المبحث السادس: استعمال العَدَّاد لضبط عدد أشواط الطواف والسعي: عَنْ صَالِحِ بْنِ دِرْهَمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، وَرَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّعْيِ، فَقَالَ: افْتَحْ بِالصَّفَا، وَاخْتِمْ بِالْمَرْوَةِ. قَالَ: إِنْ خِفْتَ أَنْ لَا تُحْصِيَ فَخُذْ مَعَكَ أَحْجَارًا. أَوْ قَالَ: حَصَيَاتٍ، فَكُلَّمَا جِئْتَ إِلَى الْجَبَلِ أَوِ الصَّفَا، أَلْقَيْتَ وَاحِدَةً، وَالْمَرْوَةَ أُخْرَى (٢). وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كُنَّا نَطُوفُ، وَعَلَيْنَا خَوَاتِيمُنَا، نَحْفَظُ بِهَا الْأَسْبَاعَ» (٣). وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَطُوفُ، بِيَدِهَا حَصَيَاتٌ تَعُدُّ الطَّوَافَ، فَضَرَبَ يَدَهَا (٤). فقد يَعجز بعض الناس عن عد الأشواط على الأصابع، فهل نُجْبِر العجوز على العد باليد؛ لأن ضبطه مهم وسيفرغهم للدعاء لأنفسهم ولأهليهم ولأمتهم؟ مع التدبر والتفكر في المعاني. وقد ورد التيسير والعد على الحصى في أقل من ذلك. •?•

стр. 367

الباب التاسع السعي بين الصفا والمروة وفيه ستة فصول: الفصل الأول: تعريف وحُكْم السعي. الفصل الثاني: ما يُشترَط في السعي. الفصل الثالث: ما لا يُشترَط في السعي. الفصل الرابع: سُنن السعي. الفصل الخامس: أنواع السعي في الحج. الفصل السادس: حُكْم توسيع المَسْعَى.

стр. 368

الفصل الأول: تعريف وحُكْم السعي: وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: تعريف السعي بين الصفا والمروة: ١ - (السعي) لغةً: المشي على الأقدام بسرعة. ٢ - (الصفا) لغةً: الصخرة الملساء. ٣ - (المروة) لغة: حِجارة بِيض بَرَّاقة. والصفا: مكان مرتفع من جبل أبي قُبَيْس، ومنه ابتداء السعي. والمروة: جبل بمكة، وهو في أصل جبل قُعَيْقِعَان، وإليه انتهاء السعي. والسعي في الشرع: قَطْعُ الْمَسَافَةِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، سَبْعَ مَرَّاتٍ ذَهَابًا وَإِيَابًا، بَعْدَ طَوَافٍ، فِي نُسُكِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (١). المبحث الثاني: أصل السعي: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ، وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟! فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا

стр. 369

بِهَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] حَتَّى بَلَغَ: ﴿لِي﴾ [إبراهيم: ٣٧]. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى- أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ- فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإِنْسَانِ المَجْهُودِ، حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا» (١). قال ابن بَطَّال: فبُيِّن في هذا الحديث أن سبب كونها سبعة أطواف، وسبب السعي فيها- فِعْل أُم إسماعيل ﵈ ذلك (٢).

стр. 370

المبحث الثالث: حكمة السعي: قال ابن دقيق العيد: في ذلك من الحكمة تَذكُّر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، وبَذْل الأنفس في ذلك. وبهذه النكتة يَظهر لك أن كثيرًا من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها: (إنها تَعبُّد) ليست كما قيل، ألا ترى أَنَّا إذا فعلناها وتَذَكَّرْنا أسبابها، حَصَل لنا من ذلك تعظيم الأولين وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله، وذلك معنًى معقول؟ مثاله: السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتَذَكَّرْنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها، وتَرْك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش، منفردَين منقطعَي أسباب الحياة بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى لهما من إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالح عظيمة (١). المبحث الرابع: حُكْم السعي في الحج والعمرة: اختَلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة. وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. وَجْه الدلالة: أن تصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله- يدل على أن السعي بينهما أَمْر حتم لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن تكون شعيرة، ثم لا تكون لازمة في

стр. 371

النسك، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» (١). وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ، وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِمَ أَهْلَلْتَ؟» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: «أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ» (٢). وجه الدلالة: أنه ﷺ أَمَر بالسعي كالطواف، ورَتَّب عليه الحِل، فيكون ركنًا كالطواف. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (٣). وَجْه الدلالة: أنه يُفْهَم من الحديث أنها لو لم تَطُف بينهما، لم يَحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها، فدل ذلك على أن السعي ركن للحج. وعن عائشة قالت: «فَلَعَمْرِي، مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» (٤). وَجْه الدلالة: تعليق تمام الحج على السعي يدل على أنه ركن لابد من الإتيان به.

стр. 372

القول الثاني: أن السعي واجب من واجبات الحج والعمرة، ومَن تَرَكه لزمته الفدية. وبه قال أبو حنيفة، وهو رواية عن مالك، ورواية عن أحمد (١). القول الثالث: أن السعي بين الصفا والمروة سُنة، لا يَلزم تاركَه شيء. وبه قال أحمد في رواية، ورُوي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين (٢). واستدلوا بِقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فدلت الآية على عدم وجوب السعي من وجهين: الأول: أَخْبَرَ اللهُ بِرَفْعِ الْحَرَجِ وَالْجُنَاحِ عَمَّنْ يَطُوفُ بِهِمَا، وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا كَانَ مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فَكَانَ الْقَصْرُ مُبَاحًا وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا. ونوقش بما قاله ابن العربي: فَلَمْ يَأْتِ هَذَا اللَّفْظُ لِإِبَاحَةِ تَرْكِ الطَّوَافِ، وَلَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا جَاءَ لِإِفَادَةِ إبَاحَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَصْدًا لِلْأَصْنَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ؛ فَأَعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الطَّوَافَ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الطَّائِفُ قَصْدًا بَاطِلًا (٣). وأما الوجه الثاني، فاستدلوا بقراءة ابن مسعود وأُبَيّ وابن عباس، يقرءون: (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا) وَهَذِهِ قِرَاءَةُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَوَجَبَ رَفْعُ الجُنَاحِ.

стр. 373

ونوقش بِأَنَّ هَذِهِ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وتُخَالِفُ الْقِرَاءَةَ الْمَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُتَوَاتِرَةَ، وَمَا خَالَفَ الْمُتَوَاتِرَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ. والراجح: أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج. المبحث الخامس: فوات السعي بين الصفا والمروة: لا يَفوت الحج بفوات السعي بين الصفا والمروة، ولا يتحلل من الإحرام، ولو وصل لأقصى البلاد، بل يرجع إلى مكة لأداء السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من أركان الحج. المبحث السادس: التطوع بالسعي بين الصفا والمروة: لا يُشْرَع التطوع بالسعي بين الصفا والمروة لغير الحاج والمعتمر، بالإجماع (١). المبحث السابع: الموالاة بين الطواف والسعي: لا تجب الموالاة بين الطواف والسعي، ولكنها مستحبة؛ لأن السعي عبادة مستقلة، فإذا فُصِل بينها وبين غيرها بشيء فلا يضر. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). •١•

стр. 374

الفصل الثاني ما يُشترَط في السعي للسعي خمسة شروط: الشرط الأول: كَوْن السعي بعد طواف. الشرط الثاني: استيعاب ما بين الصفا والمروة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط أن يَقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة. المطلب الثاني: حد المسعى العلوي. الشرط الثالث: الترتيب، بأن يَبدأ بالصفا وينتهي بالمروة. الشرط الرابع: أن يكون سبعة أشواط. الشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي.

стр. 375

الشرط الأول: كَوْن السعي بعد طواف: نُقِل الإجماع على أنه لا يجوز تقديم السعي على الطواف (١). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ذهب جماهير العلماء إلى أنه يُشترَط في صحة السعي أن يقع بعد الطواف؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْعَ قَطُّ إِلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ، وَلَوْ جَازَ السَّعْيُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ، لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً؛ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ، قَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». القول الآخَر: لا يُشترَط لصحة السعي أن يسبقه طواف، فيَجوز تقديم السعي على الطواف. وهو قول عند الشافعية، وأحمد في رواية، والظاهرية (٢). واستدلوا بثلاثة أدلة: الدليل الأول: أن النبي ﷺ سُئل عن التقديم والتأخير في أفعال يوم النحر، وهي خمسة: رَمْي ونَحْر وحَلْق وطواف وسَعْي، فأباح جواز تقديم هذه الأعمال بعضها على بعض، ودل على ذلك أن النبي ﷺ ما سُئِل يوم النحر عن شيء قُدِّم وَلا أُخِّر، إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» فيندرج فيه تقديم السعي على الطواف. ويُؤكِّد هذا المعنى لفظة «شيء» فهي نكرة في سياق النفي، فتعم كل شيء، ومنها تقديم السعي على الطواف. ونوقش بأن الأشياء التي سُئل عنها النبي ﷺ ، فأجاز فيها التقديم والتأخير- هي (الرمي، والنحر، والحلق) ولا يصح منها جواز السعي قبل الطواف. الدليل الثاني: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ

стр. 376

يَأْتُونَهُ، فَمَنْ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ … فَكَانَ يَقُولُ: «لَا حَرَجَ» (١). الدليل الثالث: عن عائشة أنها حاضت، وهي في طريقها إلى الحج، فقال لها النبي ﷺ : « … فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» (٢). وَجْه الدلالة: أن الحائض ممنوعة من الطواف فقط، ويجوز لها أن تفعل جميع ما يفعله الحاج، فيَجوز لها أن تسعى قبل الطواف. ونوقش هذا الاستدلال بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: … فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ (٣).

стр. 377

فدل ذلك على أنه لولا اشتراط تقدم الطواف على السعيِ، لَفَعَلَتْ في السعيِ ما فَعَلَتْ في غيره من المناسك؛ فإنه يَجوز لها السعي من غير طهارة (١). وَقَالَ ابْن عُمَرَ: تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، إِلَّا الطَّوَافَ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (٢). والراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء، من تقديم السعي على الطواف؛ لأن رسول الله ﷺ لم يَسْعَ قط إلا عَقيب الطواف. ولو جاز للسعي أن يتقدم الطواف، لفَعَله ﷺ ولو مرة لبيان الجواز؛ لأن العبادات توقيفية. أما ما ورد أن النبي ﷺ سُئل عن رجل بدأ بالصفا والمروة قبل أن يَطُوف بالبيت، فقال ﷺ : «يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا حَرَجَ» فضعيف. الشرط الثاني: استيعاب ما بين الصفا والمروة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُشترط في صحة كل شوط من أشواط السعي- قَطْع جميع المسافة بين الصفا والمروة. فإن لم يَقطعها كلها لم يصح، فلو بقي بعض خطوة لم يصح سعيه، فإِنْ صَعِد فهو الأكمل. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا بفعل النبي ﷺ ، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم» وهكذا عَمِلَتِ الصحابة فمَن بَعْدهم، وأن المسافة للسعي محددة مِنْ قِبل الشرع، والنقص عن الحد مُبطِل للسعي.

стр. 378

المطلب الثاني: حد المسعى العلوي. أي: هل لا بد من الصعود على الجبلين كجزء من السعي الواجب؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن صعود الصفا والمروة سُنة مُؤكَّدة، ولا يجب صعود أي جزء منهما، بل الواجب استيعاب ما بين الصفا والمروة سعيًا. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، والصحيح عند الشافعية (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فالمطلوب من الساعي أن يطوف بهما، فمَن سَعَى بينهما ولم يصعد أحدهما، فقد أتى بما أُمِر به. وأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «طَافَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» فقد سَعَى ﵇ راكبًا، ولا يمكن للراكب أن يَصعد جبل الصفا؛ مما يدل على عدم وجوب الصعود. وأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ يَقُومُ فِي حَوْضٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، وَلَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ (٢). قال ابن المُلقِّن: اشتهر السعي من غير رقي على الصفا عن عثمان وغيره من الصحابة، من غير إنكار (٣). القول الآخَر: أن الصعود على الصفا قَدْر قامة الرجل. وهو وَجْه عند الشافعية (٤). والراجح: أن صعود الصفا والمروة سُنة مُؤكَّدة، ولا يجب صعود أي جزء منهما، بل الواجب استيعاب ما بين الصفا والمروة سعيًا. وعلى هذا فحد ما بين الصفا والمروة في

стр. 379

الوقت الحالي هو نهاية ممر العربات. والمستحب أن يَصعد على الصفا والمروة للدعاء. الشرط الثالث: الترتيب، بأن يَبدأ بالصفا وينتهي بالمروة: نُقِل الإجماع على أنه يُشترَط أن يَبدأ سعيه بالصفا، وينتهي بالمروة، حتى يَختم سعيه بالمروة. فإن بدأ بالمروة ألغى هذا الشوط (١). واستدلوا بما رَوى مسلم عن جابر في صفة حجة النبي ﷺ : «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ … ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ»، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». الشرط الرابع: أن يكون سبعة أشواط: يُشترط في صحة السعي أن يكون سبعة أشواط، ذَهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط. وبه قال المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا … فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا» (٣). فالحاصل: أن عامة أهل العلم على أن عدد أشواط السعي سبعة أشواط، يُحْسَب من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط. ووافق الحنفيةُ الجمهور في كون قدر السعي سبعة أشواط، وخالفوا في كون ذلك شرطًا، فالشرط عندهم أن يأتي بأكثر السعي، وهو أربعة أشواط، والباقي واجب، يَجبر

стр. 380

تاركه بفدية (١). ونوقش بأن عدد أشواط السعي محدد مِنْ قِبل الشرع، والنقص عن الحد مبطل، كالنقص في عدد ركعات الصلاة عمدًا مُبطِل لها (٢). الشرط الخامس: الموالاة بين أشواط السعي. وفيه مطلبان: المطلب الأول: اشتراط الموالاة بين أشواط السعي: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: تُشترَط الموالاة بين أشواطه. وهو مذهب المالكية، والحنابلة (٣). واستدلوا بأن النبي ﷺ سعى سعيًا متواليًا، وقد قال: «لتأخذوا مناسككم». القول الآخَر: لا تُشترَط الموالاة. وبه قال الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بأن مُسَمَّى السعي يَحصل بالسعي بين الصفا والمروة سبع مرات، سواء كانت الأشواط متوالية أو متفرقة. والراجح: اشتراط الموالاة بين أشواط السعي؛ لأن النبي ﷺ سعى سعيًا متواليًا. المطلب الثاني: لو أقيمت الصلاة أثناء السعي: لو أقيمت الصلاة أثناء السعي، قَطَع السعي وصلى، ثم أَتَمَّ الأشواط الباقية (٥).

стр. 381

الفصل الثالث: ما لا يُشترَط في السعي: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: النية: لا تُشترَط النية في السعي؛ لأن الحج عبادة مركبة من أجزاء، فإذا نوى في أولها أجزأ عن الجميع، وهذا قول الحنفية والمالكية والشافعية (١). المبحث الثاني: لا تُشترَط الطهارة من الحَدثَين للسعي بين الصفا والمروة: نَقَل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا تُشترَط الطهارة من الحَدثَين في السعي (٢). وهذا الإجماع منخرم، والصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (٣). واستدلوا بدليلين: الدليل الأول: عموم قول النبي ﷺ لعائشة ﵂ وقد حاضت: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» فالنبي ﷺ أَمَرها أن تَصنع كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت خاصة، فدل على أن السعي لا تُشترَط له الطهارة. ونوقش بأنه قد وردت رواية، وهي قول النبي ﷺ لعائشة ﵂: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى تَطْهُرِي» (٤).

стр. 382

وأجيب بأن لفظة: «ولا بين الصفا والمروة» شاذة، ولا تصح عن رسول الله ﷺ . الدليل الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵄، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَاضَتْ، فَنَسَكَتْ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ (١). ونوقش بأن عائشة لم تَسْعَ، مع أن النبي ﷺ مَنَعها من الطواف فقط؛ لأن السعي لا بد أن يسبقه طواف، وليس من أجل أن السعي تُشترَط له الطهارة؛ ولذا قالت عائشة: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. ولذا فمَن طافت طواف الإفاضة ثم حاضت، يَجوز لها أن تسعى، على قول جماهير العلماء؛ لأن السعي لا تُشترَط له الطهارة، ولأن المسعى مشعر مستقل، له أحكامه الخاصة، ولو دخل في مبنى المسجد الحرام وأصبح ضمن جدرانه؛ ولأن السعي عبادة لا تتعلق بالبيت، فأَشْبَهَتِ الوقوف بعرفة. المبحث الثالث: لا يُشترَط ستر العورة لصحة السعي: لأنه إذا لم تُشترط الطهارة، وهي آكَد، فغَيْرها أَوْلَى باتفاق المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢).

стр. 383

الفصل الرابع: سُنن السعي وفيه ست سُنن: والأصل في ذلك ما ورد في حديث جابر: «ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». السُّنة الأولى: يُشْرَع إذا دنا من الصفا أن يَقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، ويقول: «أبدأ بما بدأ الله به» ويقتصر في قوله هذا على الصفا في المرة الأولى فقط. السُّنة الثانية: يُستحَب أن يرتقي على الصفا حتى يَرى الكعبة ويستقبلها؛ لقول جابر: «فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ». السُّنة الثالثة: أَنْ يُوَحِّدَ اللهَ وَيكَبَّرَهُ، وَيَقُولَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ يدعو بين ذلك ثلاث مرات. السُّنة الرابعة- أَنْ يُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ ؛ لأَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مَوْضِعُ دُعَاءٍ تُرْجَى فِيهِ الْإِجَابَةُ. قال النووي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ إِنْ أَمْكَنَهُ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى الصَّفَا مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ، وَيَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِهَذَا الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ وَيَدْعُوَ، وَيُكَرِّرَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١).

стр. 384

وقد ورد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَعَى فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» (١). ولم يصح عن رسول الله ﷺ دعاء معين على الصفا. وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ كَمَا هَدَيْتَنِي لِلإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ» (٢). السُّنة الخامسة: السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين للرجال: يُسَن المشي بين الصفا والمروة، إلا ما كان بين العلامتين الخضراوين، وهى إنارة خضراء على جانبَي المسعى في السعي، فإنه يُسَن للرجال السعي الشديد بينهما، وذلك في الأشواط السبعة، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ، إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ (٣).

стр. 385

والمراد ب (بطن المَسِيل): المكان الذي بين العلامتين الخضراوين. رَوَى مسلم عن جابر ﵁ قال: « … ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ». وأما الإجماع، فنَقَل غير واحد من أهل العلم أنه يُسَن للرجال السعي الشديد بين العلامتين الخضراوين، وهي إنارة خضراء على جانبَي المسعى في السعي بين الصفا والمروة، وذلك في الأشواط السبعة (١). وليس على النساء هرولة في السعي بالإجماع (٢). السُّنة السادسة: المشي بين الصفا والمروة: وفيها أربعة مطالب: المطلب الأول: المشي بين الصفا والمروة أفضل من الركوب للقادر عليه. نَقَل الإجماع على ذلك: النووي وابن قُدامة (٣).

стр. 386

المطلب الثاني: مَنْ سعى بين الصفا والمروة راكبًا لعذر: يَجوز السعي راكبًا بين الصفا والمروة لعُذر، بالإجماع. نَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر وابن قُدامة وابن القيم (١). المطلب الثالث: هل سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة ماشيًا أم راكبًا؟ ورد أن الرسول ﷺ سعى ماشيًا، ففي حديث جابر الطويل: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، سَعَى». وقد جَمَع ابن القيم بقوله: وَعِنْدِي أَنَّهُ سَعَى مَاشِيًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَمَّ سَعْيَهُ رَاكِبًا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ، فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ» (٢). المطلب الرابع: حُكْم مَنْ سعى راكبًا بين الصفا والمروة بدون عذر: قد سبق التفصيل في الطواف ماشيًا، والحاصل أن السعي ماشيًا سُنة، فالأَوْلَى بالحاج السعي ماشيًا، وهذا هو الأحوط للدين وللذمة والأبعد عن الخلاف. ومَن عَجَز عن السعي ماشيًا بسبب التعب والإرهاق، فلا فدية عليه، مع أنه ينبغي للحاج أو المعتمر أنه إذا قدم مكة وهو متعب من السفر، فعليه أن يستريح أولًا ليؤدي نسك الحج والعمرة على الوجه الأكمل، كما فَعَل رسول الله ﷺ القائل: «لتأخذوا عني مناسككم».

стр. 387

الفصل الخامس: أنواع السعي في الحج: وفيه مبحثان: المبحث الأول: سَعْي المُفْرِد والقارن: على المُفْرِد والقارن سعي واحد للنسك، يقع بعد طواف القدوم، ولهما تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة. المبحث الثاني: سَعْي المتمتع: اتفقوا على أن المتمتع يَلزمه سعي لعمرته، واختلفوا هل يَلزمه سعي ثانٍ؟ على قولين: القول الأول: ذهب عامة العلماء إلى أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة (١). لِما ورد عن عائشة، وفيه قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» (٢).

стр. 388

ورَوى البخاري معلقًا عن شيخه بصيغة الجزم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ». فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ (١). فحديث ابن عباس صريح في أن على المتمتع سعيين. القول الآخَر: أن المتمتع يكفيه سعي واحد للحج والعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس وإسحاق، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بما ورد عن جابر ﵁، وفيه: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ». فهذا نص في أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد. ونوقش بما قاله النووي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَارِنًا (٣). والراجح: أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة؛ لحديث عائشة وابن عباس الدالين على أن على المتمتع سعيين؛ لأنهما مُثبِتان، وحديث جابر نافٍ، والمُثبِت مُقدَّم على النافي. ولأنهما مُوافِقان للقياس؛ لأن المتمتع قد فَصَل بين عمرته وحجته بتحلل تام، فاحتيج إلى سعي آخَر للحج. وأما حديث جابر المُصرِّح بأنه ليس على المتمتع إلا سعي واحد، فيُحمل على مَنْ كان منهم قارنًا.

стр. 389

الفصل السادس: حُكْم توسيع المسعى توسيع المسعى لا يخلو من حالين: الأول: توسعة المسعى بشكل أفقي، بأن يُبنى على سقف المسعى مسعى آخَر، وحُكْم السعي فيه. سبق بيانه وجوازه. الثاني: توسعة المسعى بشكل عَرْضي، بأن يكون عرضه أوسع من عشرين مترًا، بتوسعته من الجهة الشرقية (١). اختَلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: جواز توسعة المسعى من جهته الشرقية، باعتبارها جزءًا من المسعى (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وَجْه الدلالة: قد بَيَّنَتِ الآية لزوم استيعاب ما بين الصفا والمروة بيانًا واضحًا؛ ولذا شَدَّد الفقهاء، حتى قال الحَطَّاب: (مَنْ تَرَكَ مِنَ السَّعْيِ شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا، يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ) بينما لم يَرِد دليل يوجب الالتزام أثناء السعي بحد عرض الجبلين، ولو كان ذلك مشروطًا شرعًا، لبَيَّنه الرسول ﷺ لأصحابه بيانًا شافيًا واضحًا. القول الثاني: لا يَجوز توسعة المسعى من جهته الشرقية، ولا يجوز السعي فيها باعتبارها ليست جزءًا من المسعى (٣). واستدلوا: بأن النبي ﷺ بَيَّن مُجْمَل الآية بفعله، فقد سعى في هذا المكان، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» ولأن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله علينا في ذلك المحل المخصوص، ولا يجوز لنا العدول عنه (٤).

стр. 390

الباب العاشر: يوم التروية: وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بيوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمي بذلك لأنهم كانوا يَتَرَوَّوْنَ بحَمْل الماء معهم من مكة إلى عرفات (١). المبحث الثاني: الذَّهاب إلى مِنًى في يوم الثامن، والمبيت بها. يُسَن للحاج ولمن كان بمكة متمتعًا، أو كان من أهل مكة- أن يُحْرِم يوم التروية ويُهِل بالحج، ويَفعل كما فَعَل عند الإحرام من الميقات، من الاغتسال ولُبْس الإزار، وأن يَخرج من مكة إلى مِنًى في اليوم الثامن، يوم التروية، ويبيت بها، ويصلي بها خمس صلوات: الظُّهْر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم التاسع، كل صلاة في وقتها، قَصْرًا بلا جَمْع. فعن جابر ﵁ قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ». قال النووي: إِذَا خَرَجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتُوا بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، وَهَذَا الْمَبِيتُ سُنَّةٌ (٢).
следующие страницы →