← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المطلب الثاني: مَنْ سعى بين الصفا والمروة راكبًا لعذر: يَجوز السعي راكبًا بين الصفا والمروة لعُذر، بالإجماع. نَقَل الإجماع على ذلك: ابن عبد البر وابن قُدامة وابن القيم (١). المطلب الثالث: هل سعى رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة ماشيًا أم راكبًا؟ ورد أن الرسول ﷺ سعى ماشيًا، ففي حديث جابر الطويل: «ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، سَعَى». وقد جَمَع ابن القيم بقوله: وَعِنْدِي أَنَّهُ سَعَى مَاشِيًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَمَّ سَعْيَهُ رَاكِبًا، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ، فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟ فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا. قَالَ: قُلْتُ: مَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يَقُولُونَ هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّدٌ. حَتَى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ» (٢). المطلب الرابع: حُكْم مَنْ سعى راكبًا بين الصفا والمروة بدون عذر: قد سبق التفصيل في الطواف ماشيًا، والحاصل أن السعي ماشيًا سُنة، فالأَوْلَى بالحاج السعي ماشيًا، وهذا هو الأحوط للدين وللذمة والأبعد عن الخلاف. ومَن عَجَز عن السعي ماشيًا بسبب التعب والإرهاق، فلا فدية عليه، مع أنه ينبغي للحاج أو المعتمر أنه إذا قدم مكة وهو متعب من السفر، فعليه أن يستريح أولًا ليؤدي نسك الحج والعمرة على الوجه الأكمل، كما فَعَل رسول الله ﷺ القائل: «لتأخذوا عني مناسككم».

стр. 387

الفصل الخامس: أنواع السعي في الحج: وفيه مبحثان: المبحث الأول: سَعْي المُفْرِد والقارن: على المُفْرِد والقارن سعي واحد للنسك، يقع بعد طواف القدوم، ولهما تأخيره إلى ما بعد طواف الإفاضة. المبحث الثاني: سَعْي المتمتع: اتفقوا على أن المتمتع يَلزمه سعي لعمرته، واختلفوا هل يَلزمه سعي ثانٍ؟ على قولين: القول الأول: ذهب عامة العلماء إلى أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة (١). لِما ورد عن عائشة، وفيه قالت: «فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِم، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» (٢).

стр. 388

ورَوى البخاري معلقًا عن شيخه بصيغة الجزم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ: أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ». فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: «مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ» ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ، جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الهَدْيُ (١). فحديث ابن عباس صريح في أن على المتمتع سعيين. القول الآخَر: أن المتمتع يكفيه سعي واحد للحج والعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس وإسحاق، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بما ورد عن جابر ﵁، وفيه: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ، وَكَفَانَا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ». فهذا نص في أن المتمتع ليس عليه إلا سعي واحد. ونوقش بما قاله النووي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَارِنًا (٣). والراجح: أن على المتمتع سعيين: سعيًا لعمرته، وسعيًا لحجته بعد طواف الإفاضة؛ لحديث عائشة وابن عباس الدالين على أن على المتمتع سعيين؛ لأنهما مُثبِتان، وحديث جابر نافٍ، والمُثبِت مُقدَّم على النافي. ولأنهما مُوافِقان للقياس؛ لأن المتمتع قد فَصَل بين عمرته وحجته بتحلل تام، فاحتيج إلى سعي آخَر للحج. وأما حديث جابر المُصرِّح بأنه ليس على المتمتع إلا سعي واحد، فيُحمل على مَنْ كان منهم قارنًا.

стр. 389

الفصل السادس: حُكْم توسيع المسعى توسيع المسعى لا يخلو من حالين: الأول: توسعة المسعى بشكل أفقي، بأن يُبنى على سقف المسعى مسعى آخَر، وحُكْم السعي فيه. سبق بيانه وجوازه. الثاني: توسعة المسعى بشكل عَرْضي، بأن يكون عرضه أوسع من عشرين مترًا، بتوسعته من الجهة الشرقية (١). اختَلف العلماء في ذلك على قولين: الأول: جواز توسعة المسعى من جهته الشرقية، باعتبارها جزءًا من المسعى (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. وَجْه الدلالة: قد بَيَّنَتِ الآية لزوم استيعاب ما بين الصفا والمروة بيانًا واضحًا؛ ولذا شَدَّد الفقهاء، حتى قال الحَطَّاب: (مَنْ تَرَكَ مِنَ السَّعْيِ شَيْئًا، وَلَوْ ذِرَاعًا، يَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ) بينما لم يَرِد دليل يوجب الالتزام أثناء السعي بحد عرض الجبلين، ولو كان ذلك مشروطًا شرعًا، لبَيَّنه الرسول ﷺ لأصحابه بيانًا شافيًا واضحًا. القول الثاني: لا يَجوز توسعة المسعى من جهته الشرقية، ولا يجوز السعي فيها باعتبارها ليست جزءًا من المسعى (٣). واستدلوا: بأن النبي ﷺ بَيَّن مُجْمَل الآية بفعله، فقد سعى في هذا المكان، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» ولأن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية التي أوجبها الله علينا في ذلك المحل المخصوص، ولا يجوز لنا العدول عنه (٤).

стр. 390

الباب العاشر: يوم التروية: وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بيوم التروية، هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمي بذلك لأنهم كانوا يَتَرَوَّوْنَ بحَمْل الماء معهم من مكة إلى عرفات (١). المبحث الثاني: الذَّهاب إلى مِنًى في يوم الثامن، والمبيت بها. يُسَن للحاج ولمن كان بمكة متمتعًا، أو كان من أهل مكة- أن يُحْرِم يوم التروية ويُهِل بالحج، ويَفعل كما فَعَل عند الإحرام من الميقات، من الاغتسال ولُبْس الإزار، وأن يَخرج من مكة إلى مِنًى في اليوم الثامن، يوم التروية، ويبيت بها، ويصلي بها خمس صلوات: الظُّهْر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم التاسع، كل صلاة في وقتها، قَصْرًا بلا جَمْع. فعن جابر ﵁ قال: «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ». قال النووي: إِذَا خَرَجُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَى مِنًى، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُصَلُّوا بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبِيتُوا بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، وَهَذَا الْمَبِيتُ سُنَّةٌ (٢).

стр. 391

الباب الحادي عشر يوم عرفة ويشتمل على ستة فصول الفصل الأول: فضائل يوم عرفة، وحُكْم الوقوف بها. الفصل الثاني: شروط الوقوف بعرفة. الفصل الثالث: سُنن الوقوف بعرفة. الفصل الرابع: ما يُكْرَه ويَحرم على الحاج يوم عرفة. الفصل الخامس: فوات الوقوف بعرفة. الفصل السادس: الإحصار.

стр. 392

الفصل الأول فضائل يوم عرفة، وحُكْم الوقوف بها. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بيوم عرفة: عرفات: اسم للبقعة المعروفة، التي يجب الوقوف بها، ويوم عرفة يوم الوقوف بها (١). ويطلق على المكان، ويراد به جبل عرفة، وهو المكان الذي يؤدي فيه الحُجاج ركن الحج الأكبر، وهو الوقوف بعرفة. وتقع شرقي الحرم، بحوالي اثنين وعشرين كيلو مترًا. يُطْلَق عرفة على الزمان، ويراد به يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة. المبحث الثاني: فضائل يوم عرفة: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: فضل يوم عرفة للحاج: يوم عرفة يوم عتق من النيران، وتَجاوُز عن الخطايا والأوزار، ويباهي الله بأهل عرفة الملائكة؛ لِما روت عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» (٢).

стр. 393

ففي يوم عرفة تُغْفَر السيئات وتُقال العثرات، وتُضاعَف الحسنات وتجاب الدعوات! روى أحمد بسند حسن: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُبَاهِي مَلَائِكَتَهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِأَهْلِ عَرَفَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا» (١). ومن فضائل يوم عرفة: أنه مُوافِق ليوم إكمال الدين وإتمام النعمة، ففي «الصحيحين»: عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (٢). المطلب الثاني: من فضائل يوم عرفة لغير الحاج: الأول: أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من الأيام العَشْر، وقد قال النبي ﷺ : «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ» قَالُوا: وَلَا الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» (٣). الثاني: يُستحَب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ فصيامه يُكَفِّر سنتين: يُكَفِّر السَّنة التي قبله، والسَّنة التي بعده، وقد قال رسول الله ﷺ : «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» (٤).

стр. 394

المطلب الثالث: أشهر الأحاديث الضعيفة في فضل عرفة: اشتهرت على ألسنة الوعاظ أحاديث نُسبت إلى رسول الله ﷺ كذبًا وبهتانًا. منها: حديث: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِهَا» (١). ومنها: حديث: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ» (٢). المبحث الثالث: ما المراد بالوقوف؟ المراد من الوقوف بعرفة: وجود الحاج في أرض عرفة ولو لحظة، بنِيَّة الوقوف، سواء كان واقفًا أو جالسًا أو راكبًا. ووَقْت هذا الوقوف من زوال الشمس يوم التاسع، حتى طلوع الفجر يوم العاشر (يوم النحر) وهي الآن محدودة بأعلام واضحة كبيرة، وهي لمبات خضراء، وذلك مبني على علم من لجان حكومية من العلماء وغيرهم. المبحث الرابع: حُكْم الوقوف بعرفة: الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، لا يَتم الحج ولا يصح إلا به، ومَن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج بالإجماع (٣). قال ﷺ : «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (٤).

стр. 395

الفصل الثاني: شروط الوقوف بعرفة: تمهيد: بين يدي الوقوف بعرفة للوقوف بعرفة شروط، بعضها يتعلق بالمكان، فعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام- كلها موقف. وبعضها يتعلق بالزمان، فلا يصح الوقوف بعرفة اليوم الثامن من ذي الحجة، ولا بعد طلوع فجر العاشر. وبعضها يتعلق بالواقف، فلا بد أن يكون أهلًا للعبادة؛ فلا يصح وقوف المجنون ولا الكافر. وإليك التفصيل في الأقسام التالية: القسم الأول: شروط تتعلق بالمكان: وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: أن يكون الوقوف في أرض عرفات: يُشترط أن يكون الوقوف في أرض عرفات، وعرفة كلها موقف، بالسُّنة والإجماع. فعن جابر عن النبي ﷺ قال: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). وقال النووي: يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِي أَيِّ جُزْءٍ كَانَ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ (٢). وقد وُضعت الآن علامات حول أرض عرفة تُبَيِّن حدودها، ويجب على الحاج أن يتنبه لها؛ لئلا يقع وقوفه خارج عرفة فيفوته الحج. المبحث الثاني: حُكْم الوقوف بوادي عُرَنة (٣): نُقِل الإجماع على أن بَطْن عُرَنَة ليس مِنْ عرفة، ولا يُجْزِئ الوقوف فيه (٤).

стр. 396

وهذا الإجماع منخرم؛ فهناك قول للمالكية أن بطن عُرَنَة من عرفة (١). وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (٢). فالحاصل: أن الوقوف في وادي عُرَنة لا يجزئ؛ لأنه ليس من عرفة، وقد قال النبي ﷺ : «قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». المبحث الثالث: نَمِرة ليست من عرفة: نَمِرة ليست من عرفات، ولكن يُستحب النزول بها ضحى، قبل النزول بعرفة (٣). فعن جابر ﵁ أنه قال في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ : «فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ». وَجْه الدلالة: أن فيه استحباب النزول بنَمِرة بعد طلوع شمس اليوم التاسع، وصلاة

стр. 397

الظهر والعصر بها جمعًا، بعد زوال الشمس، ثم النزول بعرفات (١). المبحث الرابع: حُكْم الوقوف بمسجد نَمِرة: المسجد الذي سَمَّاه الأقدمون مسجد إبراهيم، ويُسَمَّى مسجد نَمِرَة ومسجد عَرَفَةَ، وسُمي بكلا الاسمين لأنه يقع مقدمته في نَمِرة أو عُرَنة خارج عرفات، والتي فيها محل الخطبة والصلاة، ويقع آخره في عرفة، وقد مُيز بينهما بعلامات، بُني عند المكان الذي صَلَّى وخَطَب فيه الرسول ﷺ (٢). وفي «الموسوعة الكويتية»: وَقَدْ تَكَرَّرَ تَوْسِيعُ الْمَسْجِدِ كَثِيرًا فِي عَصْرِنَا، وَفِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ عَلَامَاتٌ تُبَيِّنُ لِلْحُجَّاجِ مَا هُوَ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَمَا لَيْسَ مِنْهَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَيْهَا. المبحث الخامس: حُكْم مَنْ وقف بعرفة، وهو لا يَعلم أنها عرفة: مَنْ وقف بعرفة مُحْرِمًا في زمن الوقوف، وهو لا يَعلم أنه بعرفة، فإنه يجزئه. قال النووي: لَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَاسِيًا، أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ (٣). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». المبحث السادس: حُكْم مَنْ وقف بغير أرض عرفات: قال النووي: إنْ غَلِطُوا فِي الْمَكَانِ، فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، يَظُنُّونَهَا عَرَفَاتٍ، لَمْ يُجْزِهِمْ بِلَا خِلَافٍ لِتَفْرِيطِهِمْ. واستدل بقول النبي ﷺ : «الحج عرفة» فمَن لم يقف بعرفة ولو أخطأ، فلا حج له. المبحث السابع: وقوف المغمى عليه في سيارة الإسعاف في عرفة: اتَّفق العلماء على أن مَنْ وقف بعرفة لحظة من ليلة النحر، وهو حاضر الذهن، ثم

стр. 398

أُغمي عليه، فقد تم حجه. واختلفوا فيمن دخل عرفة في وقت الوقوف في سيارة الإسعاف، وهو مغمى عليه ولم يُفِق لحظة، على قولين: القول الأول: أن وقوف المغمى عليه في عرفة يجزئه. وهو مذهب الحنفية، والمشهور عند المالكية، ووَجْه عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». فالمغمى عليه قد أتى فيَدخل في عموم هذا الحديث، وإذا كان النائم طَوال الوقت يصح وقوفه فكذا المغمى عليه. القول الثاني: أن وقوف المغمى عليه طَوال الوقت في عرفة- لا يجزئه؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فالوقوف بعرفة لا يتأدى بغير نية، فالمغمى عليه لا نية له. وهو قول للمالكية، والمشهور عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢). ونوقش بأن المراد بالنية في الحج هو نية الإحرام والدخول في النسك، ولا تُشترط في كل عمل من أعمال الحج. واستدلوا بأن المغمى عليه في هذا مقيس على المجنون؛ لأن كليهما غير مُخاطَب. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق، بأن المغمى عليه مُخاطَب؛ لأنه مأمور بالقضاء، بخلاف المجنون، فالمغمى عليه مِثل النائم. والراجح: أن وقوف المغمى عليه في عرفة يجزئه؛ لأنه أتى عرفة، وقد قال ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». فمن وقف بعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام كلها موقف، ففي أي جزء منها وقف صح حجه، ولا يُكلِّف الحاج نفسه المشاق للذَّهاب إلى جبل الرحمة، وبخاصة في هذه الأزمنة المتأخرة، التي كَثُر فيها الحُجاج، فيؤدي هذا الذَّهاب إلى التزاحم والمشقة

стр. 399

والتعب، فيضيع معه مَقصِد الوقوف، وهو الذِّكر والدعاء، وقد رَفَع النبي ﷺ الحرج والمشقة عن أمته بقوله: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». القسم الثاني: شروط تتعلق بالزمان. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: وقت يوم عرفة من الشهر: يُشترَط لصحة الوقوف بعرفة أن يكون في وقت الوقوف، في اليوم التاسع وليلة النحر. المبحث الثاني: وقت الوقوف في يوم عرفة: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: أول وقت الوقوف بعرفة: أجمعوا على أن مَنْ وقف من بعد الزوال بعرفة إلى غروب الشمس، فقد أصاب السُّنة، واختلفوا متى يبدأ الوقوف بعرفة؟ هل بعد طلوع فجر يوم عرفة، أم بعد الزوال؟ نُقِل الإجماع على أن مَنْ وقف بعرفة بعد طلوع فجر يوم عرفة، وأفاض منها قبل الزوال، أن حجه باطل. وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد رواية لأحمد بصحة حجه (١). واستدلوا على أنه يَبدأ الوقوف بعرفة من زوال الشمس يوم التاسع، بأن النبي ﷺ لم يقف بعرفة إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت، كما في حديث جابر الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ» وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».

стр. 400

وَجْه الدلالة: ما قاله النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى الْيَوْمِ، وَمَا نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ (١). ونوقش بأنهم إنما وقفوا في وقت الفضيلة، ولم يستوعبوا جميع وقت الوقوف، وتَرْكه ﷺ لم يَمنع كونه وقتًا للوقوف، كما بعد العشاء. وأجيب عنه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن ما بعد العشاء وقت للوقوف بالنص، بخلاف ما قبل الزوال، فلم يقف ﷺ بعرفة إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت. وذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى أن أول وقت الوقوف طلوع فجر يوم عرفة (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ، قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». وَجْه الدلالة: «وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» يدل على شمول الحُكم جميع الليل والنهار، والنهار يَبدأ بطلوع الفجر. ونوقش بأن قوله ﷺ : «وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، وقد قُيِّد بفعله ﷺ ، وهو محمول على ما بعد الزوال. والراجح: أن أول وقت الوقوف بعرفة بعد الزوال يوم عرفة. لأن النبي ﷺ وأصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال، فكان بيانًا لأول الوقت. وقال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَقْتَ وُقُوفٍ لَوَقَفَ فِيهِ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَمِرَةَ. وَلِأَنَّ مَوَاقِيتَ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنْ فِعْلِهِ ﷺ أَوْ قَوْلِهِ. وَإِنَّمَا وَقَفَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا رَمَى جِمَارَ أَيَّامِ مِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا صَلَّى الظُّهْرَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا.

стр. 401

المطلب الثاني: آخِر وقت الوقوف بعرفة: ينتهي الوقوف بعرفة بطلوع فجر يوم النحر، فمَن طلع عليه فجر يوم النحر وهو لم يقف بعرفة، فاته الحج بالإجماع (١). واستُدل على ذلك بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». المطلب الثالث: حُكْم الوقوف بعرفة إلى الغروب، وحُكْم مَنْ دَفَع قبل الغروب: اختَلف أهل العلم في حكم الوقوف بعرفة إلى الغروب- على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس واجب، فلا يَجوز للحاج الدفع قبل الغروب، فإِنْ دَفَع أجزأه الوقوف وعليه دم. وهذا مذهب الحنفية، وهو قول للمالكية، ورواية عن الشافعية، والمشهور عن الحنابلة (٢). واستدلوا بأن النبي ﷺ وقف بعرفة حتى غربت الشمس، كما في حديث جابر، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ». وجه الدلالة من وجهين: الأول: أن مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب، مع كون الدفع بالنهار أرفق بالناس- يدل على وجوبه، ولأنه لو كان جائزًا لاختاره النبي ﷺ ؛ فإنه «مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا». الثاني: أن تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد الغروب، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب، مع أن وقت المغرب قد دخل- يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت (٣). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فإن وقوفه ﷺ إلى الغروب إظهار لمخالفة المشركين.

стр. 402

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ، كَأَنَّهَا العَمَائِمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ، دَفَعُوا، وَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَكَانَتْ عَلَى رُءُوسِ الجِبَالِ، كَأَنَّهَا العَمَائِمُ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ، دَفَعُوا، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ بِالمُزْدَلِفَةِ، حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ دَفَعَ حِينَ أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الوَقْتِ الآخَرِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ (١). وأما دليلهم من المعقول، فاستدلوا بأنه لو كان يَجوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس، لَفَعَله النبي ﷺ لبيان الجواز، ولخَشية الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر، وأنه لو كان جائزًا لرُخص للضَّعَفة أن يتقدموا من عرفة إلى مزدلفة قبل الغروب، كما رُخص لهم أن يدفعوا من مزدلفة بعد غيبوبة القمر إلى مِنًى. القول الثاني: أن الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس سُنة؛ لعموم قول النبي ﷺ : « … وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» فيجزئ الوقوف بعرفة في أي جزء من الليل أو النهار، ومَن تَرَك الوقوف إلى الغروب فقد تَرَك الأفضل. وبه قال الشافعية، وهو رواية

стр. 403

للحنابلة (١). ونوقش بأنه حديث مُطْلَق، قَيَّده فعل النبي ﷺ ، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». القول الثالث: أن الوقوف بعرفة إلى الغروب ركن، فمَن وقف بعرفة بعد الزوال وانصرف قبل الغروب، ولم يَعُد لعرفة بالليل؛ فقد فاته الحج. وهو مذهب المالكية (٢). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة: فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (٣). فدل الحديث على أنه لا يكون وقوف بعرفة إلا بوقوف جزء من الليل، ولو وقف نهارًا لَمَا أجزأه، فمَن دَفَع قبل الغروب فقد فاته الليل بعرفة، وقد فاته الحج وحجه باطل. ونوقش بأن هذا الحديث لا يصح، وعلى تقدير صحته فمراده بتخصيص الليل أنه آخِر وقت للوقوف، فإذا فات بطلوع الفجر فإن الحج يفوت معه، وليس المراد أنه هو وقت الوقوف دون غيره. واستدلوا بحديث جابر، وفيه: «فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ». وَجْه الاستدلال: أن النبي ﷺ وقف جزءًا من الليل بعرفة بعد غروب الشمس؛ لأنه ركن. ولأنه لو كان يَجوز الدفع من عرفة قبل غروب الشمس لفَعَله النبي ﷺ لبيان الجواز، ولخَشية الزحام الذي لا نظير له في سائر المشاعر. ونوقش بما قاله الجَصَّاص: قَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ نَهَارًا، وَأَنَّهُ دَفَعَ مِنْهَا عِنْدَ سُقُوطِ الْفَرْضِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْوُقُوفِ هُوَ النَّهَارُ، وَوَقْتَ الْغُرُوبِ هُوَ الدَّفْعُ،

стр. 404

فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الدَّفْعُ هُوَ وَقْتَ الْفَرْضِ، وَوَقْتُ الْوُقُوفِ لَا يَكُونُ وَقْتًا لِلْفَرْضِ (١). وأما دليلهم من القياس، فَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَيْلًا هُوَ الْفَرْضُ دُونَ النَّهَارِ، وَإِنَّ إِدْرَاكَ أَوَّلِهِ كَإِدْرَاكِ آخِرِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَوَجَبَ أَنْه لَا حَجَّ لِمَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الغُرُوبِ (٢). ونوقش بأن تسوية آخِر النهار بأوله قياس فاسد؛ لأن وقوف النبي ﷺ وتضرعه واجتهاده وَقَع في آخِر النهار؛ فكيف يكون هذا الوقت في عدم الإجزاء مثل الوقت الذي لم يقف فيه النبي ﷺ البتة؟! وكيف يكون الوقوف في نهار عرفة من بعد الزوال إلى قبل الغروب غير مجزئ وهو محل الفضل والأجر، وهو وقت الدعوات وتَنزُّل الرحمات، ويكون وقوفه في الليل بعد ذَهاب الوقت المختار مجزئًا؟! والراجح: أن الوقوف بعرفة إلى الغروب واجب؛ لأن مكث النبي ﷺ فيها إلى الغروب، مع كون الدفع بالنهار أرفق بالناس- يدل على وجوبه. وكذا تأخير الرسول ﷺ الدفع إلى ما بعد الغروب، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب، مع دخول وقته- يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وأنه ﷺ ممنوع من الدفع قبل المغرب. المطلب الرابع: حُكْم مَنْ دفع قبل غروب شمس التاسع، ثم عاد قبل فجر العاشر: اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: مَنْ دفع قبل غروب الشمس ثم عاد قبل الفجر، أجزأه الوقوف، ولا شيء عليه. وهو قول للحنفية، ومذهب المالكية، والشافعية، وقول الحنابلة (٣). واستدلوا بأن الواجب عليه الوقوف إلى الغروب؛ ليَجمع بين الليل والنهار، والذي رجع قد استدرك ما فاته وأتى بما عليه، وتَحقَّق في حقه الوقوف بالليل والنهار. القول الآخَر: لا يَسقط عنه الدم؛ لأنه يجب عليه الجَمْع بين آخِر النهار وأول الليل، وقد فاته بخروجه فيَجبره بدم. وهو قول للحنفية، ورواية للشافعية، وقول للحنابلة (٤). والراجح: قول جمهور العلماء، أن مَنْ وقف بعرفات ثم دفع منها قبل الغروب، ثم

стр. 405

عاد إليها مرة ثانية، فقد استَدرك ما فاته ولا شيء عليه، والله أعلم. المطلب الخامس: قَدْر الوقوف المجزئ: أَجْمَع العلماء على أن مَنْ وقف بعرفة ليلًا ولو لحظة، فإنه يجزئه. وذهب جماهير العلماء إلى أن مَنْ وقف بعرفة ولو لحظة من زوال شمس يوم التاسع، وانصرف قبل غروب الشمس، فإن ذلك يجزئه. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ». فعلى هذا، فمَن مر بعرفة بسيارة أو طائرة أو غيرهما من المركوبات،، وهو يَقصد الحج بعد زوال الشمس يوم عرفة، إلى طلوع فجر يوم النحر؛ فقد أَدْرَك الحج. المطلب السادس: الوقوف بعرفة ليلًا: الوقوف بعرفة ليلًا لا يخلو من حالين: الحال الأول: حُكْم مَنْ وقف بعرفة ليلًا فقط لعُذْر. مَنْ لم يقف بعرفة إلا ليلة العاشر من ذي الحجة، فإنه يجزئه، بالإجماع. وأما الإجماع، فقد قال النووي: (أَمَّا) مَنْ لَمْ يَحْضُرْ عَرَفَاتٍ إلَّا فِي لَيْلَةِ النَّحْرِ إنَّهُ يَصِحُّ وُقُوفُهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَنْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِالْإِعْرَاضِ وَقَطْعِ الْوُقُوفِ (١). الحال الثاني: حُكْم مَنْ وقف بعرفة ليلًا فقط لغير عذر. قال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا يُجْزِئُ عَنِ الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ، إِلَّا أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَهُوَ مُسِيءٌ. وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ دَمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا (٢).

стр. 406

المبحث الثالث: الخطأ في زمن الوقوف. وفيه مطلبان: المطلب الأول: الخطأ في زمن الوقوف بالتقديم: إِنْ أخطأ الناس جميعًا فوقفوا يوم الثامن وهو يوم التروية؛ ظنًّا منهم أنه التاسع، فإنه لا يجزئ؛ وذلك لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية في المشهور، والشافعية (١). المطلب الثاني: الخطأ في زمن الوقوف بالتأخير: إذا كان الخطأ في التأخير بأن أخطأ الناس، فوقفوا يوم النحر، فحجهم صحيح (٢). واستدل لذلك بقول النبي ﷺ : «الصوم يوم تصومون، والأضحى يوم تُضَحُّون». لو أخطأ أهل الموقف بأن لم يروا الهلال لعذر من غيم ونحوه، فأَتَموا عدة ذي القعدة، ووقفوا في اليوم العاشر في اعتقادهم أنه التاسع، فإنه يجزئهم ولا قضاء عليهم؛ لعموم قول النبي ﷺ : « … فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (٣). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ فِيهِ النَّاسُ» (٤). وأما المعقول، فإن في القول بعدم الإجزاء حرجًا شديدًا؛ لأن فيه بَلْوَى عامة لِتَعَذُّر الاحتراز عنه، والتدارك غَيْر مُمْكِن، وفي الأمر بقضاء الحجيج كلهم حَرَجٌ بَيِّن (٥).

стр. 407

القسم الثالث: شروط تتعلق بالواقف: وفيه مبحثان: المبحث الأول: يُشترط في الواقف بعرفة أربعة شروط: الأول: أن يكون مسلمًا؛ لأن غير المسلم لا يصح منه الحج. الثاني: أن يَنوي الحج؛ بأن يكون مُحْرِمًا؛ فإن وُجِد في عرفة بغير نية الحج، فلا حج له؛ لأن غير المُحْرِم ليس أهلًا للحج. الثالث: أن يكون الواقف في حدود عرفة وفي زمن الوقوف. الرابع: أن يكون عاقلًا، فلا يصح وقوف المجنون الذي استمر به جنونه؛ إذ إنه فاقد لعقله الذي هو مَناط التكليف، فإن أفاق في أثناء وقوفه صح وقوفه (١). المبحث الثاني: ما لا يُشترط في الواقف بعرفة: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: لا تُشترَط الطهارة لمن وقف بعرفة: يجزئ الوقوف بعرفة على غير طهارة، ولا شيء عليه بالإجماع (٢). المطلب الثاني: لا يُشترَط ستر العورة واستقبال القبلة للوقوف بعرفة، بالإجماع. قال ابن قُدامة: وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهَارَةٌ، وَلَا اسْتِقْبَالٌ، وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا. المطلب الثالث: حُكْم وقوف النائم: مَنْ وقف بعرفة وهو نائم، فقد أَدْرَك الحج. ودل على ذلك القياس، فكما أن مَنْ نام جميع النهار صح صومه، فكذا مَنْ وقف بعرفة وهو نائم صح حجه. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٣). المطلب الرابع: حُكْم وقوف المغمى عليه: ذهب جماهير العلماء إلى مَنْ وقف بعرفة وهو مغمى عليه، فإنه يجزئه الوقوف. وهو

стр. 408

مذهب الحنفية، والمالكية، ووَجْه عند الشافعية (١). قال الكاساني: أَمَّا الْقَدْرُ الْمَفْرُوضُ مِنَ الْوُقُوفِ، فَهُوَ كَيْنُونَتُهُ بِعَرَفَةَ فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، فَمَتَى حَصَلَ إِتْيَانُهَا فِي سَاعَةٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، تَأَدَّى فَرْضُ الْوُقُوفِ، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا أَوْ جَاهِلًا نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ مُفِيقًا، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، وَقَفَ بِهَا أَوْ مَرَّ، وَهُوَ يَمْشِي أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ مَحْمُولًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، وَهُوَ حُصُولُهُ كَائِنًا بِهَا. وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَيْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَتَى قَبْلَ ذَلِكَ عَرَفَاتٍ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (٢). فمَن وقف بعرفة وهو مغمى عليه، فقد أتى بالقَدْر المفروض، وهو حصوله كائنًا بعرفة، فحصل الركن، ولا يَمتنع ذلك بالإغماء والنوم، كركن الصوم. فالحاصل أن شروط الوقوف بعرفة ثلاثة أنواع: - شروط تتعلق بالمكان، فيقف الحاج بعرفة بحدودها المعروفة حاليًا بالأعلام. - وشروط تتعلق بالزمان، فيقف الحاج بعد زوال شمس يوم التاسع من ذي الحجة، حتى فَجْر يوم النحر، ولو وقف وقتًا يسيرًا أجزأه، قائمًا أو راكبًا أو ماشيًا. - شروط تتعلق بالواقف، فيكون الحاج أهلًا للعبادة، بأن يكون مسلمًا عاقلًا. ثانيًا- واجبات الوقوف بعرفة: وهو واجب واحد، وهو الوقوف بعرفة حتى تَغرب الشمس، فمَن دفع قبل الغروب فعليه دم لتَرْكه الواجب. ومَن دفع قبل غروب الشمس ثم عاد إلى عرفة، فلا شيء عليه لأنه استدرك ما فاته. ومَن تأخر فلم يستطع إلا الوقوف ليلًا، فلا شيء عليه لأنه معذور.

стр. 409

الفصل الثالث سُنن ومستحبات عرفة وتنقسم إلى أربعة أقسام القسم الأول: سُنن السَّيْر من مِنًى إلى عرفة. القسم الثاني: يُسَن النزول في نَمِرة إن لم يكن فيه مشقة. القسم الثالث: سُنن الوقوف بعرفة. وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الغُسل للوقوف بعرفة. المبحث الثاني: تُسَن الخطبة يوم عرفة. وفيه خمسة مطالب. المبحث الثالث: يُسَن الأذان بعد الفراغ من الخُطبة. وفيه مطلبان. المبحث الرابع: يُستحَب تعجيل الصلاتين بعد الخُطبة في أول وقت الظُّهْر. المبحث الخامس: يُسَن للحاج بعد الانتهاء من صلاة الظهر والعصر بنَمِرة- التوجه إلى عرفات ليطول زمن وقوفه به. المبحث السادس: يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عن الدعاء. المبحث السابع: يُسَن للحاج أن يُكْثِر من الدعاء والاستغفار والتضرع إلى الله. المبحث الثامن: يُسَن للحاج أن يُكْثِر من أعمال الخير في يوم عرفة. القسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة.

стр. 410

القسم الأول: سُنن السَّيْر من مِنًى إلى عرفة: وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: يُسَن السير من مِنًى إلى عرفة صباحًا، بعد طلوع شمس يوم عرفة. اتَّفَق العلماء على أن السُّنة أن يَتوجه إلى عرفة من مِنًى بعد طلوع شمس يوم عرفة (١). فعن جابر عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى، فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ». ولكن يُشْكِل عليه ما رواه أحمد: عن ابن عمر قال: «غَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مِنًى، حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ عَرَفَةَ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ» (٢). فدل حديث جابر على أن رسول الله ﷺ تَوجَّه من مِنًى إلى عرفة بعد طلوع الشمس، وحديثُ ابن عمر ظاهره أن رسول الله ﷺ تَوجَّه من مِنًى بعد صلاة الصبح وقبل طلوع الشمس. ونوقش بأن حديث ابن عمر منكر. المبحث الثاني: حُكْم ذَهاب بعض الحُجاج في اليوم الثامن إلى عرفات. قال النووي: وَأَمَّا مَا يفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ دُخُولهِمْ أرْضَ عَرَفَات في الْيَوْمِ الثامِنِ، فَخَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلسُنَّةِ، وتَفُوتُهُمْ بِسَبَبِهِ سُنَنٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا الصَّلَاةُ بِمِنًى والْمَبيتُ بِهَا (٣).

стр. 411

ولا شك أن اتباع السُّنة أَوْلَى، واقتفاء هَدْي النبي ﷺ هو الأكمل، ولكن في بعض الأحيان العمل المفضول قد يَقترن به ما يصير به أفضل من الفاضل في نفسه. والآن مع كثرة الحُجاج ووجود الزحام، يَشُق على كثير من الحُجاج الذَّهاب إلى مِنًى في يوم التروية، فهل يَجوز تقديم الذَّهاب إلى عرفة لأجل حاجة أو مصلحة راجحة؟ نعم، فمع حشود الحجيج الكبيرة والمشقة البالغة في ذَهابهم يوم التروية إلي مِنًى، يجوز تقديم الذَّهاب إلى عرفة في اليوم الثامن أو ليلة التاسع؛ لتحقيق المصلحة الراجحة، فوصول الحجيج في وقت مبكر، وأَخْذ كفايتهم من المبيت والراحة- يُعِنيهم على الوقوف بعرفة والدعاء فيها بصورة أمثل؛ لأن مراعاة ركن الحج الأعظم أَوْلَى من مراعاة السُّنن الأخرى المستحبة باتفاق العلماء، كالمبيت بمِنًى ليلة عرفة. ولأنه بخروجه من مِنًى ضُحى يوم عرفة فمع الزحام قد يأخذ وقتًا حتى يصل إلى عرفة، ومع التعب والإرهاق قد لا يتسنى له التركيز في دعائه. (١). المبحث الثالث: أن يَسِير إلى عرفة بسكينة ووقار ؛ لِما روى ابن عباس ﵄ أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». المبحث الرابع: يُستحَب أن يُكْثِر من التلبية والتكبير: يُستحَب للحاج أثناء دفعه إلى عرفات أن يُكثِر من التلبية والتكبير؛ لِما ورد عن محمد بن أبي بكر قال: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ، كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: «كَانَ يُلَبِّي المُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ المُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ» (٢). وروى مسلم: عن ابن عمر قال: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، مِنَّا

стр. 412

الْمُلَبِّي وَمِنَّا الْمُكَبِّرُ» (١). القسم الثاني: يُسَن النزول في نَمِرة إن لم يكن فيه مشقة: من السُّنة أن يَنزل في نَمِرة أولًا قبل عرفة، ويَسمع الخُطبة بها، ويصلي بها الظهر والعصر، إن لم يكن فيه مشقة. فإن كان هناك زحام ومشقة، فالسُّنة في حق الحاج أن يَفعل الأيسر حتى لا يؤذي نفسه ولا غيره من الحُجاج. دل على ذلك ما رواه مسلم: عن جابر قال: « … فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ … فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ». القسم الثالث: سُنن الوقوف بعرفة: وفيه ثمانية مباحث: المبحث الأول: الغُسل للوقوف بعرفة: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الغُسل للوقوف بعرفة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فَعَنِ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ … (٣) وأما المأثور، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّه كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ، وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةِ عَرَفَةَ (٤). وَعَنْ زَاذَانَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيًّا ﵁ عَنِ الْغُسْلِ … قَالَ: «يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ الْفِطْرِ» (٥). الحاصل: أنه لا يصح في استحباب غُسل يوم عرفة حديث، وصح عن ابن عمر وعلي بن أبي طالب استحباب غُسل يوم عرفة، ويقاس على غسل العيدين والجمعة.

стр. 413

المبحث الثاني: تُسَن الخطبة يوم عرفة: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تُسَن خطبة عرفة: وتُسَن خُطبة يوم عرفة بعد الزوال قبل الصلاة، بالسُّنة والإجماع. أما السُّنة، ففي حديث جابر: «ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ». وأما الإجماع، فقال ابن تيمية: وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَ أَحْمَدُ: خُطْبَةُ يَوْمِ عَرَفَةَ لَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِيهَا (١). المطلب الثاني: هل خطبة عرفة خُطبة واحدة، أو خُطبتان؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن خُطبة عرفة خطبة واحدة؛ لِما ورد في حديث جابر، وفيه: «فَخَطَبَ النَّاسَ» أي أنها خُطبة واحدة، ولم يُبيِّن أنه خطب خطبتين. وهذا مذهب الحنابلة (٢). القول الآخَر: أن خطبة عرفة خطبتان، يَفصل بينهما بجلسة. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية (٣). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فاستدلوا بما روى جابر: «فَرَاحَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ الْخُطْبَةَ الأُولَى، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَفَرَغَ مِنَ الْخُطْبَةِ وَبِلَالٌ مِنَ الأَذَانِ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى الْعَصْرَ» (٤).

стр. 414

فهذا الحديث صريح في أن خطبة يوم عرفة خطبتان. ونوقش بأن هذا الحديث ضعيف؛ ففيه إبراهيم بن أبي يحيى، وقد تركوه. وأصل حديث جابر في «صحيح مسلم» وليس فيه إلا خطبة واحدة. ومما يدل على نكارته أن بلالًا يؤذن، والنبي ﷺ يَخطب، فكيف يَستمع للخُطبة؟! واستدلوا أيضًا بالقياس على خطبة الجمعة. ونوقش بأن الذي ورد في حديث جابر خُطبة واحدة، ولا قياس مع النص (١). المطلب الثالث: وقت خطبة يوم عرفة: ذهب جماهير العلماء إلى أن من السُّنة أنها تكون بعد زوال الشمس قبل الصلاة. وبه قال أبو حنيفة والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بما رواه مسلم: قَالَ جَابِرٌ: «حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ … ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ» (٣). فهذا صريح في أن الخُطبة كانت بعد زوال الشمس، وأن الخُطبة قبل الصلاة. ولكن يُشْكِل على هذا حديث ابن عمر، وفيه: «فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ رَاحَ فَوَقَفَ عَلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ» (٤).

стр. 415

واعتُرض عليه بأنه حديث منكر، مُخالِف لِما ثَبَت عن رسول الله ﷺ من الخطبة قبل الصلاة، كما في حديث جابر عند مسلم وغيره. المطلب الرابع: سُنن وآداب الخطبة: يُستحب للإمام أن يَخطب بوادي عُرَنة؛ لأن النبي ﷺ خطب بها. يُستحب أن يخطب الإمام على منبر أو مكان مرتفع؛ لأن النبي ﷺ خطب على بعير؛ لأنه أمر بالقصواء فرُحلت له، أي: جُعِل الرحل عليها. يُستحب أن تَبدأ خطبة عرفة كباقي الخُطَب، ولا يصح أنه ﷺ بدأ بالتكبير. يُستحَب أن يُبيِّن في خطبته أحكام عرفة وغيره من المناسك، ويُحذِّر من المحرمات، كحرمة القتل والربا، والوصايا بالنساء … وغير ذلك من الأمور التي تهم الأمة. يُستحَب أن يَقصُر الخطبة؛ لقول سالم بن عمر للحَجَّاج: «إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ» قال ابن عمر: «صَدَقَ» (١). المطلب الخامس: نص الخطبة: روى مسلم من حديث جابر الطويل خطبة النبي ﷺ : «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ. وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ. فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ. وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ،

стр. 416

يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ولنا مع هذه الخطبة وقفات: الوقفة الأولى: تعظيم حرمة الأموال والدماء. الوقفة الثانية: إبطال أفعال الجاهلية المُخالِفة للشرع. بقوله ﷺ : «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ». الوقفة الثالثة: تحريم الربا. الوقفة الرابعة: الإحسان إلى النساء، فأوصى بذلك بقوله: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ». الوقفة الخامسة- وهي تضم جميع الدين-: وهي قول رسول الله ﷺ : «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ» والعمل بكتاب الله يقتضي معه العمل بسُنة رسول الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]. المبحث الثالث: يُسَن الأذان بعد الفراغ من الخطبة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: هل الأذان قبل الخطبة أو بعدها؟ السُّنة أن يكون الأذان بعد الخطبة. وهو مذهب الحنابلة، وقول للمالكية (١). واستدلوا بحديث جابر ﵁: «فَخَطَبَ النَّاسَ … ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ» فهذا صريح في أن الأذان كان بعد فراغ النبي ﷺ من الخطبة (٢).

стр. 417

المطلب الثاني: صفة الأذان والإقامة للصلاتين: يُجْمَع لصلاة الظُّهْر والعصر بأذان واحد وإقامتين. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، ورُوي عن مالك (١). الدليل: حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ صلاهما بأذان واحد وإقامتين، وفيه: «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا». وهذا الحديث واضح الدلالة في أنه جَمَع بين الظهر والعصر بأذان واحد للأولى وإقامتين. واستدلوا بأن الأذان هو الإعلام بدخول وقت الصلاة، فيَحصل ذلك للظُّهر، وأما الإقامة فهي لبيان الشروع في الصلاة للظُّهر، أما العصر فكيف يُؤَذَّن له وهو يُؤدَّى قبل وقته المعهود، فيُفْرَد بإقامة لبيان الشروع فيها؟! (٢).

стр. 418

المبحث الرابع: يُستحب الجَمْع بين الظُّهر والعصر يوم عرفة: وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: جَمْع الصلاتين في عرفة (١): يُسَن للحاج الجَمْع بين الظُّهر والعصر يوم عرفة، في أول وقت الظُّهر بعد الخُطبة. ففي حديث جابر: «ثم أَذَّن، ثم أقام فصلى الظُّهْر، ثم أقام فصلى العصر». وقال ابن تيمية: النبي ﷺ جَمَع بين الصلاتين بعرفة في وقت الأولى، وهذا الجَمْع ثابت بالسُّنة المتواترة وباتفاق المسلمين عليه (٢). ولقول سالم للحَجَّاج يوم عرفة: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ اليَوْمَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «صَدَقَ» (٣). المطلب الثاني: سبب الجَمْع بعرفة والمزدلفة: اختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن سبب الجَمْع بعرفة والمزدلفة السفر، فلا يَجمع مَنْ كان دون مسافة قَصْر، كأهل مكة. وهذا مذهب الشافعية في المشهور، والحنابلة في الصحيح (٤). واستدلوا بأن النبي ﷺ لم يَجمع إلا في أسفاره، وكذا جَمَع النبي ﷺ بعرفة والمزدلفة لأنه مسافر، وهو وَصْف مناسب ومعهود للجَمْع، ولا أثر للنسك في ذلك، بدليل عدم الجَمْع في مِنًى. ونوقش هذا الاستدلال بأنه ليست العلة في الجَمْع مجرد السفر، بل العلة الاشتغال بالنسك، فيَجوز الجَمْع لكل أحد هناك، سواء كان مِنْ أهل مكة أو عرفات أو غيرهما.

стр. 419

القول الثاني: أن الجَمْع في عرفة ومزدلفة بسبب النسك، فيَجوز الجَمْع للحاج حتى لمَن كان دون مسافة قَصْر، كأهل مكة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وهو وَجْه للشافعية، وقول للحنابلة (١). واستدلوا بأن النبي ﷺ جَمَع في يوم عرفة بين الظُّهر والعصر، فجَمَع معه مَنْ حَضَره مِنْ المكيين وغيرهم، ولم يأمرهم بترك الجَمْعِ، ولو حُرِّم الجَمْع لبَيَّنه لهم؛ إذ لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا يُقِر النبي ﷺ على الخطأ (٢). القول الثالث: أن سبب ذلك الحاجةُ ورَفْع الحرج. وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن تيمية (٣). واستدلوا بأن سبب الجَمْع هو المصلحة والحاجة. وهو الأقرب. فالجَمْع في عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء، ولأن الناس يتفرقون في الموقف، فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صَلَّوْا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجَمْع. أما في مزدلفة فهم أحوج إلى الجَمْع؛ لأن الناس يَدفعون من عرفة بعد الغروب، فلو حُبسوا لصلاة المغرب فيها لصَلَّوْها من غير خشوع. ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق، فكانت الحاجة داعية إلى تأخير المغرب لتُجْمَع مع العشاء هناك. وفي هذا مصلحة في الجَمْع بين المحافظة على الخشوع في الصلاة، ومراعاة أحوال العباد (٤). المطلب الثالث: قَصْر أهل مكة الصلاة في عرفة ومزدلفة: اتَّفَق العلماء على أن مَنْ كان سفره طويلًا، فإن له القَصْر في عرفة ومزدلفة. واختلفوا على قولين في جواز قصر مَنْ كان سفره قصيرًا من أهل مكة: القول الأول: يَقصر أهل مكة صلاتي الظُّهر والعصر بعرفة، والمغرب والعشاء في

стр. 420

مزدلفة. وهذا مذهب المالكية، وقول للشافعية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بأن النبي ﷺ في حِجة الوداع كان يَقصر الصلاة بعرفة ومزدلفة وفي أيام مِنًى، وكان يصلي خَلْفه أهل مكة، فصَلَّوْا بصلاته قَصْرًا وجَمْعًا، ولم يَثبت ما يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في مِنًى ولا مزدلفة ولا عرفة. كذلك أبو بكر وعمر بعده وسائر الأمراء، هكذا لا يُصَلُّون إلا ركعتين، فعُلِم أن ذلك سُنة الموضع. القول الآخَر: لا يَقصر المكي. وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية في الأصح، والحنابلة (٢). واستدلوا بأن القصر أبيح للسفر، وأهل مكة غير مسافرين، فليس لهم القَصْر. واعتُرض عليه بأنه لا قياس مع النص؛ فقد قَصَر النبي ﷺ وقَصَر معه أهل مكة، ولم يَرِد أنهم أتموا أو أَمَرهم النبي ﷺ بالإتمام. قال ابن القيم: ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصَلَّوْا بصلاته قَصْرًا وجَمْعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإتمام ولا بترك الجَمْع (٣). واستدلوا بعموم ما رُوي عن ابن عباس، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ فِي أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عَسْفَانَ». ونوقش بأنه لا يصح عن النبي ﷺ . والراجح: أنه ليست العلة في القصر مجرد السفر، بل العلة الاشتغال بالنسك، فيَجوز القصر لكل أحد هناك، سواء كان مِنْ أهل مكة أو عرفات أو غيرهما. وأما ما قاله ابن تيمية: وَأَمَّا الْقَصْرُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ السَّفَرِ، وَلَا تَعَلُّقَ له بِالنُّسُكِ، وَلَا مُسَوِّغَ لِقَصْرِ أَهْلِ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِهَا، إلَّا أَنَّهُمْ بِسَفَرِ وَعَرَفَةُ عَنِ الْمَسْجِدِ بَرِيدٌ، فَهَذَا قَصْرٌ فِي سَفَرٍ قَدْرُهُ بَرِيدٌ، وَهُمْ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مِنًى كَانُوا فِي الرُّجُوعِ مِنَ السَّفَرِ. وَأَيُّ

стр. 421

فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ، وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَاللَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِمُسَافِرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ (١). فنوقش بأن أهل مكة لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مِنًى رجعوا من مكة، وليس من عرفة بعد طواف الإفاضة يوم النحر، ويَقصرون الصلاة بمِنًى مع النبي ﷺ ، ولا يُتصوَّر أن يُطلَق على مَنْ انتقل من مكة إلى مِنًى أنه مسافر، وهي مسافة لا تَزيد عن خمسة كيلو مترات. فمَن انتَقَل من موطنه إلى عمله في مثل هذه المسافة، فيَجوز له القَصْر. وعلى هذا القول، فيَجوز لأكثر الناس أن يَقصروا الصلاة ويُفطروا في رمضان! فهذا القول ظاهر البطلان ومُخالِف لقول جماهير العلماء (٢). المطلب الرابع: هل يَجمع ويَقصر مَنْ صلى وحده؟ مَنْ صلى الظُّهر والعصر منفردًا يَجوز له أن يَجمع ويَقصر. وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة (٣). واستدلوا بأن الجَمْع بين الصلاتين يوم عرفة إنما كان للحاجة إلى امتداد الوقوف ليتفرغوا للدعاء؛ لأنه موقف يُقصَد إليه مِنْ أطراف الأرض، فشُرِع الجَمْع لئلا يُشتغل عن الدعاء، والمنفرد وغيره في هذه الحاجة سواء، فيستويان في جواز الجَمْع. المطلب الخامس: هل يُجْهَر بالقراءة أم يُسَر؟ يُسَن الإسرار بالقراءة في صلاتي الظُّهر والعصر بعرفات، حتى لو وافق يوم الجمعة. فعن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «ثم أَذَّن، ثم أقام فصلى الظُّهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا». قال النووي: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَهْرُ، فَظَاهِرُ الْحَالِ الْإِسْرَارُ (٤).

стр. 422

نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن رُشْد … وغيرهم (١). وهذا الإجماع منخرم، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الإمام يَجهر بالقراءة في صلاتَي الظُّهر والعصر في يوم عرفة، فتقاس على الجمعة لأن الإمام يَخطب لعرفة كالجمعة (٢). ونوقش بأنه لا قياس مع النص، والله أعلم. المطلب السادس: حُكْم الصلاة فيما لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة: ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا تجب صلاة الجمعة على مَنْ وقف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ صلى الظُّهر ولم يُصَلِّ الجمعة؛ ولذا أَسَر فيها بالقراءة (٣). المبحث الخامس: يُسَن للحاج بعد الانتهاء من صلاتَي الظُّهر والعصر بنَمِرة- التوجه إلى عرفات ليَطُول زمن وقوفه به. ففي حديث جابر: «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ». المبحث السادس: يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مُستقبِل القبلة، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عن الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة. المبحث السابع: الإكثار من الدعاء والذِّكر والتلبية يوم عرفة: فعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» فلم يَزَل واقفًا للدعاء والتضرع بين يدي الله .

стр. 423

فيُستحب أن يُكْثِر من الدعاء والتضرع، وإظهار الضعف والافتقار، ويُلِح في الدعاء. المبحث الثامن: يُستحب للحاج في يوم عرفة الإكثار من أعمال الخير بأنواعها، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونَفْع الآخرين … وغير ذلك من أفعال الخير. القسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة: وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وعليه السكينة والوقار: يُسَن أن يَدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وَجَد فجوة أسرع؛ لفِعْل النبي ﷺ وأصحابه. المبحث الثاني: يُستحب في الدفع من عرفة إلى مزدلفة أن يسير سيرًا متوسطًا: فمسير رسول الله ﷺ من عرفة إلى مزدلفة كان على ثلاث حالات: الأولى: أن أغلب سير النبي ﷺ كان سيرًا متوسطًا بين الإبطاء والإسراع بسكينة ووقار، مُظْهِرًا الذل والانكسار؛ طمعًا في قَبول العزيز الغفار. الثانية: إذا وَجَد الحاج زحامًا أبطأ؛ لكيلا يؤذي إخوانه؛ لِما رَوَى ابن عباس، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». الثالثة: إذا وَجَد فُسحة وفُرجة أسرع. دل على ذلك ما ورد في «الصحيحين»: سُئِلَ أُسَامَةُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» أي: سار مسرعًا. وكذا فالرسول ﷺ أسرع عند المرور بوادي مُحَسِّر، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ (١). فالجَمْع بين الأحاديث يدل على أن النبي ﷺ كان يسير سيرًا متوسطًا في الأغلب، فإذا وَجَد زحامًا أبطأ، وإذا وَجَد فُرجة وفَجوة أسرع، والله أعلم.

стр. 424

المبحث الثالث: أن يَدفع ملبيًا، ذاكرًا لله -: يُستحب للحاج أن يَدفع من عرفة ملبيًا ذاكرًا لله تعالى؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] (١). ويُستحب للحاج أن يُكْثِر من التلبية؛ لِما ورد في «الصحيحين»: عَنِ الفَضْلِ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. المبحث الرابع: يُستحب للحاج أن يُكْثِر من الاستغفار ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ولأنه في هذا الموقف يكون قَبول التوبة والاستغفار. المبحث الخامس: يُستحب للحاج عند الدفع إلى مزدلفة ألا يَقعد إلا إذا احتاج الأمر لذلك؛ ففي «الصحيحين»: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ (٢). فالرسول ﷺ لم يجلس في الدفع من عرفة إلى مزدلفة، وإنما قضى حاجته فقط. ولكن يشكل عليه ما رُوي عن الشَّرِيد بن سُويد قال: «أَشْهَدُ لَوَقَفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ». قَالَ: «فَمَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا» (٣). ونوقش بأنه ضعيف. المبحث السادس: حُسْن أخلاق النبي ﷺ وتواضعه حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة: يدل على تواضع الرسول ﷺ أنه كان يُردف خلفه أسامة حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة. ولذا ينبغي للحاج أن يُحَسِّن أخلاقه ويتواضع ويساعد المحتاجين.

стр. 425

الحاصل في سُنن يوم عرفة القسم الأول: سُنن يوم عرفة قبل الوقوف بها: - يُسن الدفع من مِنًى إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع. - يُسن أن يَسير إلى عرفة بسكينة ووقار. - يُسَن أثناء دفعه أن يُكْثِر من التلبية والتكبير. - يُسَن النزول في نَمِرة أولًا قبل عرفة، والإقامة بها حتى ينتهي من صلاتَي الظُّهر والعصر. - يُسَن أن يَغتسل بنَمِرة؛ بنية الوقوف بعرفة. - يُسَن الخطبة بنَمِرة ويُبيِّن لهم الخطيب أحكام الحج، ويتعرض لما يُهِم المسلمين. - يُسَن بعد الخطبة الأذان ثم الإقامة لصلاة الظُّهر، ثم الإقامة للعصر. - يُسَن للحاج تعجيل الصلاة، أي أن يصلي الظُّهر والعصر جمعًا وقصرًا في وقت الظُّهر، ولا يصلي السُّنن الرواتب. القسم الثاني: سُنن الوقوف بعرفة: يُسَن للحاج بعد الصلاة التوجه إلى عرفات، أو تعجيل الصلاة ليَطُول زمانه. - يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة، حاضر القلب، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عند الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة. - أن يُكْثِر من الذِّكر والدعاء والاستغفار، والتضرع إلى الله. - أن يُكْثِر من أعمال الخير، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدقة. - ألا يَخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.
следующие страницы →