← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فَرْقٍ بَيْنَ سَفَرِ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى عَرَفَةَ، وَبَيْنَ سَفَرِ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَاللَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِمُسَافِرِ، فَعُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسَافِرِينَ (١). فنوقش بأن أهل مكة لَمَّا رَجَعُوا إِلَى مِنًى رجعوا من مكة، وليس من عرفة بعد طواف الإفاضة يوم النحر، ويَقصرون الصلاة بمِنًى مع النبي ﷺ ، ولا يُتصوَّر أن يُطلَق على مَنْ انتقل من مكة إلى مِنًى أنه مسافر، وهي مسافة لا تَزيد عن خمسة كيلو مترات. فمَن انتَقَل من موطنه إلى عمله في مثل هذه المسافة، فيَجوز له القَصْر. وعلى هذا القول، فيَجوز لأكثر الناس أن يَقصروا الصلاة ويُفطروا في رمضان! فهذا القول ظاهر البطلان ومُخالِف لقول جماهير العلماء (٢). المطلب الرابع: هل يَجمع ويَقصر مَنْ صلى وحده؟ مَنْ صلى الظُّهر والعصر منفردًا يَجوز له أن يَجمع ويَقصر. وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة. وبه قال أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة (٣). واستدلوا بأن الجَمْع بين الصلاتين يوم عرفة إنما كان للحاجة إلى امتداد الوقوف ليتفرغوا للدعاء؛ لأنه موقف يُقصَد إليه مِنْ أطراف الأرض، فشُرِع الجَمْع لئلا يُشتغل عن الدعاء، والمنفرد وغيره في هذه الحاجة سواء، فيستويان في جواز الجَمْع. المطلب الخامس: هل يُجْهَر بالقراءة أم يُسَر؟ يُسَن الإسرار بالقراءة في صلاتي الظُّهر والعصر بعرفات، حتى لو وافق يوم الجمعة. فعن جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «ثم أَذَّن، ثم أقام فصلى الظُّهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يُصَلِّ بينهما شيئًا». قال النووي: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْجَهْرُ، فَظَاهِرُ الْحَالِ الْإِسْرَارُ (٤).

стр. 422

نَقَل الإجماع على ذلك: ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن رُشْد … وغيرهم (١). وهذا الإجماع منخرم، فقد ذهب أبو حنيفة إلى أن الإمام يَجهر بالقراءة في صلاتَي الظُّهر والعصر في يوم عرفة، فتقاس على الجمعة لأن الإمام يَخطب لعرفة كالجمعة (٢). ونوقش بأنه لا قياس مع النص، والله أعلم. المطلب السادس: حُكْم الصلاة فيما لو وافق يوم عرفة يوم الجمعة: ذهب جماهير العلماء إلى أنه لا تجب صلاة الجمعة على مَنْ وقف بعرفة؛ لأن النبي ﷺ صلى الظُّهر ولم يُصَلِّ الجمعة؛ ولذا أَسَر فيها بالقراءة (٣). المبحث الخامس: يُسَن للحاج بعد الانتهاء من صلاتَي الظُّهر والعصر بنَمِرة- التوجه إلى عرفات ليَطُول زمن وقوفه به. ففي حديث جابر: «ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ». المبحث السادس: يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مُستقبِل القبلة، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عن الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة. المبحث السابع: الإكثار من الدعاء والذِّكر والتلبية يوم عرفة: فعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ» فلم يَزَل واقفًا للدعاء والتضرع بين يدي الله .

стр. 423

فيُستحب أن يُكْثِر من الدعاء والتضرع، وإظهار الضعف والافتقار، ويُلِح في الدعاء. المبحث الثامن: يُستحب للحاج في يوم عرفة الإكثار من أعمال الخير بأنواعها، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونَفْع الآخرين … وغير ذلك من أفعال الخير. القسم الرابع: مستحبات الدفع من عرفة إلى مزدلفة: وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: الدفع إلى مزدلفة بعد غروب الشمس، وعليه السكينة والوقار: يُسَن أن يَدفع بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وَجَد فجوة أسرع؛ لفِعْل النبي ﷺ وأصحابه. المبحث الثاني: يُستحب في الدفع من عرفة إلى مزدلفة أن يسير سيرًا متوسطًا: فمسير رسول الله ﷺ من عرفة إلى مزدلفة كان على ثلاث حالات: الأولى: أن أغلب سير النبي ﷺ كان سيرًا متوسطًا بين الإبطاء والإسراع بسكينة ووقار، مُظْهِرًا الذل والانكسار؛ طمعًا في قَبول العزيز الغفار. الثانية: إذا وَجَد الحاج زحامًا أبطأ؛ لكيلا يؤذي إخوانه؛ لِما رَوَى ابن عباس، أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلْإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». الثالثة: إذا وَجَد فُسحة وفُرجة أسرع. دل على ذلك ما ورد في «الصحيحين»: سُئِلَ أُسَامَةُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: «كَانَ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» أي: سار مسرعًا. وكذا فالرسول ﷺ أسرع عند المرور بوادي مُحَسِّر، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ (١). فالجَمْع بين الأحاديث يدل على أن النبي ﷺ كان يسير سيرًا متوسطًا في الأغلب، فإذا وَجَد زحامًا أبطأ، وإذا وَجَد فُرجة وفَجوة أسرع، والله أعلم.

стр. 424

المبحث الثالث: أن يَدفع ملبيًا، ذاكرًا لله -: يُستحب للحاج أن يَدفع من عرفة ملبيًا ذاكرًا لله تعالى؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] (١). ويُستحب للحاج أن يُكْثِر من التلبية؛ لِما ورد في «الصحيحين»: عَنِ الفَضْلِ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. المبحث الرابع: يُستحب للحاج أن يُكْثِر من الاستغفار ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] ولأنه في هذا الموقف يكون قَبول التوبة والاستغفار. المبحث الخامس: يُستحب للحاج عند الدفع إلى مزدلفة ألا يَقعد إلا إذا احتاج الأمر لذلك؛ ففي «الصحيحين»: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفَةِ، أَنَاخَ فَبَالَ (٢). فالرسول ﷺ لم يجلس في الدفع من عرفة إلى مزدلفة، وإنما قضى حاجته فقط. ولكن يشكل عليه ما رُوي عن الشَّرِيد بن سُويد قال: «أَشْهَدُ لَوَقَفْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِعَرَفَاتٍ». قَالَ: «فَمَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا» (٣). ونوقش بأنه ضعيف. المبحث السادس: حُسْن أخلاق النبي ﷺ وتواضعه حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة: يدل على تواضع الرسول ﷺ أنه كان يُردف خلفه أسامة حين الدفع من عرفة إلى مزدلفة. ولذا ينبغي للحاج أن يُحَسِّن أخلاقه ويتواضع ويساعد المحتاجين.

стр. 425

الحاصل في سُنن يوم عرفة القسم الأول: سُنن يوم عرفة قبل الوقوف بها: - يُسن الدفع من مِنًى إلى عرفة بعد طلوع شمس اليوم التاسع. - يُسن أن يَسير إلى عرفة بسكينة ووقار. - يُسَن أثناء دفعه أن يُكْثِر من التلبية والتكبير. - يُسَن النزول في نَمِرة أولًا قبل عرفة، والإقامة بها حتى ينتهي من صلاتَي الظُّهر والعصر. - يُسَن أن يَغتسل بنَمِرة؛ بنية الوقوف بعرفة. - يُسَن الخطبة بنَمِرة ويُبيِّن لهم الخطيب أحكام الحج، ويتعرض لما يُهِم المسلمين. - يُسَن بعد الخطبة الأذان ثم الإقامة لصلاة الظُّهر، ثم الإقامة للعصر. - يُسَن للحاج تعجيل الصلاة، أي أن يصلي الظُّهر والعصر جمعًا وقصرًا في وقت الظُّهر، ولا يصلي السُّنن الرواتب. القسم الثاني: سُنن الوقوف بعرفة: يُسَن للحاج بعد الصلاة التوجه إلى عرفات، أو تعجيل الصلاة ليَطُول زمانه. - يُسَن للحاج أن يقف على عرفات مستقبل القبلة، حاضر القلب، على طهارة إن أمكن، فارغًا من الأمور الشاغلة له عند الدعاء، ويَحذر من المخاصمة والمشاتمة. - أن يُكْثِر من الذِّكر والدعاء والاستغفار، والتضرع إلى الله. - أن يُكْثِر من أعمال الخير، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدقة. - ألا يَخرج من عرفة إلا بعد غروب الشمس.

стр. 426

الفصل الرابع ما يُكْرَه ويَحرم على الحاج في يوم عرفة وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: يُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج. المبحث الثاني: يُكْرَه الإسراع في السير. المبحث الثالث: يُكْرَه التطوع بين صلاتَي الظُّهر والعصر بعرفة. من محظورات الوقوف بعرفة: الصعود على جبل عرفة (الرحمة). وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أسماء جبل عرفة. المطلب الثاني: مكان موقف النبي ﷺ في عرفة. المطلب الثالث: حُكْم صعود جبل عرفة.

стр. 427

المبحث الأول: يُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج: يُكْرَه صوم يوم عرفة للحاج، ويُستحب له الإفطار. وهو قول جمهور العلماء، منهم: المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وعن أُم الفضل: «أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يوم عَرَفَةَ في صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ» (٢). قال ابن القيم: فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه، ولأهل عرفة فطره؛ لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعَمَل خلفائه بعده بالفطر، وفيه قوة على الدعاء الذي هو أفضل دعاء العبد، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة، فلا يُستحب لهم صيامه (٣). المبحث الثاني: يُكْرَه الإسراع في السير راكبًا أو ماشيًا، إسراعًا يؤدي إلى الإيذاء؛ لعموم قوله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ». المبحث الثالث: يُكْرَه التطوع بين صلاتي الظهر والعصر بعرفة: وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (٤). فعن جابر ﵁، وفيه: «ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» فهذا الحديث صريح في أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ نافلة يوم عرفة بين الظُّهر والعصر، ولا بعدهما، والخير كل الخير في اقتفاء أثره واتباع سُنته ﷺ . وذهب الشافعية إلى أنه يُسَن فعل السُّنن الرواتب في عرفة (٥). والراجح: أنه لا تُسن السُّنن الرواتب بين الصلاتين، وهذا ما جاءت به السُّنة.

стр. 428

من محظورات الوقوف بعرفة: الصعود على جبل عرفة (الرحمة) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أسماء جبل عرفة: وتسمية هذا الجبل ب (جبل الرحمة) خطأ، والصحيح (جبل عرفة) أو (جبل الإل) (١). وتسمية هذا الجبل ب (جبل الرحمة) يَزيد إغراء الجَهَلة بالصعود عليه؛ لأنهم فهموا أن الرحمة لا تَنْزل إلا فوق هذا الجبل. وهذا باطل؛ لأن الرحمة تَنْزل على أهل الموقف في عرفة كلها، والرسول ﷺ وقف عند الصخرات، ولم يقف على هذا الجبل. المطلب الثاني: مكان موقف النبي ﷺ في عرفة: الرسول ﷺ وقف عند جبل عرفة في أسفله، مستقبلًا القبلة، وحبل المشاة أمامه. وأصل ذلك ما رواه جابر في حديثه الطويل، وفيه: «ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ». فالصخرات أسفل جبل الرحمة، وبين يديه حبل المشاة، أي: طريقهم ومَمشاهم. فالحاصل: أنه يُستحب أن يقف الحاج عند الصخرات في حالة السَّعة؛ تحريًا لموقف النبي ﷺ . ولكن عند وجود الزحام الشديد، فإِنَّ تَرْك ذلك أَوْلَى؛ لِما يَصحب ذلك من زحام يؤثر في خشوع الحاج وسكينته، وهو أحوج ما يكون في هذه اللحظات إلى استجماع القلب والانكسار بين يدي الله سبحانه، ومراعاة حال الدعاء أَوْلَى من مراعاة مكانه؛ إذ الإجماع منعقد على إجزاء الوقوف في أي موضع بعرفة، وقد روى مسلم: عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ

стр. 429

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (١). المطلب الثالث: حُكْم صعود جبل عرفة: نُقِل الاتفاق على عدم مشروعية صعود جبل عرفة (٢). قال ابن جماعة: وما اشتهر من ترجيح الوقوف على جبل الرحمة، فخطأ وجهالة، وابتداع قبيح، فحَدَث بعد انقراض السلف. وشذ بعض أهل العلم من متأخري الشافعية، فاستَحب الوقوف عليه! وليس لذلك أصل، وينبغي تحري موقف رسول الله ﷺ (٣). فالحاصل: أن ازدحام الناس للوقوف على جبل الرحمة مُخالِف للسُّنة، وينبغي لطلبة العلم أن يُعَلِّموا الحجيج الفارق الكبير بين الوقوف عند الجبل وصعوده؛ فإن صعود الجبل غير مشروع بإجماع أهل العلم. من أشد الأخطاء وقوع الشرك في أرض عرفة، كالتوسل بالأموات ونحوهم. ومثل هؤلاء يُخشى عليهم من رد عملهم. كثرة المخالفة الشرعية لدى كثير من الحُجاج، ذكورًا كانوا أو إناثًا، كالتساهل في الصلاة، وكثرة القال والقيل، والغِيبة والنميمة، وممارسة التدخين، وعدم استشعار الموقف وعظمته، وتَرْك الحجاب والتساهل فيه، والجدال بالباطل، والنزاعات والكذب، والإسراف في المأكل والمشرب، وكثرة التصوير بالهواتف والانشغال به … وغيرها.

стр. 430

الفصل الخامس الفوات تمهيد: فوات الحج. ما يَلزم مَنْ أَحْرَم بالحج ولكن فاته الوقوف بعرفة. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: يَلزم مَنْ فاته الحج أن يتحلل من إحرامه بعمل عمرة. المبحث الثاني: إتمام الحج الفاسد. المبحث الثالث: هل يَلزم مَنْ فاته الحج القضاء؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم قضاء الحج الواجب. المطلب الثاني: حُكْم قضاء الحج النفل. المبحث الرابع: الهَدْي. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: هل يَلزم مَنْ فاته الوقوف بعرفة- هَدْي؟ المطلب الثاني: زمان ذبح هَدْي الفوات. المطلب الثالث: العجز عن هَدْي الفوات.

стр. 431

الفصل الخامس: الفوات: وفيه تمهيد وأربعة مباحث: تمهيد: فوات الحج هو أن يُحْرِم بالحج، ثم لا يُدرِك الوقوف بعرفة في وقته المحدد (١). فمَن أَحْرَم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر، فقد فاته الحج بالإجماع (٢). ما يَلزم مَنْ أَحْرَم بالحج ولكن فاته الوقوف بعرفة: وفيه أربعة مباحث. المبحث الأول: يَلزم من فاته الحج أن يتحلل من إحرامه بعمل عمرة: اختَلف العلماء فيما يجب على مَنْ فاته الوقوف بعرفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة أنه يتحلل بعمرة. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، وهو قول عند المالكية وبعض الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ» (٤). وَعَنْ عُمَرَ وَزَيْدٍ قَالَا فِي الرَّجُلِ يَفُوتُهُ الْحَجُّ: يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ (٥). القول الثاني: لا يَصير إحرامه بعمرة، وإنما يَحصل التحلل بأفعال العمرة، وهي الطواف والسعي والحَلْق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية الحنابلة (٦).

стр. 432

واستدلوا بالمأثور والمعقول: أما المأثور، فَعَنْ سُلَيْمَانَ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَرَجَ حَاجًّا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَادِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ، أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ، وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ يَوْمَ النَّحْرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (١). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيَأْتِ البَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا، وَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، ثُمَّ لِيَحْلِقْ أَوْ يُقَصِّرْ. وأما المعقول، فَلِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ، فَلَمْ يَنْقَلِبْ إِلَى الْآخَرِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَلْبُ العُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ. قال ابن قُدامة: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ قَالَ: (يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً) أَرَادَ بِهِ: يَفْعَلُ مَا فَعَلَ الْمُعْتَمِرُ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ خِلَافٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِيرَ إحْرَامُ الْحَجِّ إحْرَامًا بِعُمْرَةِ، بِحَيْثُ يُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنِ اعْتَمَرَ (٢). القول الثالث: أن عليه عَمَل ما بقي من مناسك الحج، كالرمي والمبيت بمِنًى … وغير ذلك من المناسك. وبه قال المُزَني من الشافعية، وهو رواية عن أحمد (٣). قال ابن قُدامة: يَمْضِي فِي حَجٍّ فَاسِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: يَلْزَمُهُ جَمِيعُ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ مَا فَاتَ وَقْتُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ مَا لَمْ يَفُتْ. واعتُرض عليه بأنه كيف يُكمل حجًّا فاسدًا وباطلًا؟! والراجح: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة يتحلل بطواف وسعي وحَلْق.

стр. 433

المبحث الثاني: إتمام الحج الفاسد: مَنْ أَفْسَد حجه، فهل يجب عليه إتمامه؟ أم يَخرج منه ولا يُتمه لفساده؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: وجوب إتمام الحج الفاسد. وهو قول المذاهب الأربعة (١). واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وجه الدلالة: أن الله أَمَر بالإتمام، ولم يُفَرِّق بين الصحيح والفاسد. القول الثاني: أنه لا يُشْرَع إتمام الحج الفاسد. وهو قول الظاهرية. (٢) القول الثالث: أنه يتحلل بعمرة. وهو رواية عند الحنابلة (٣). والراجح: وجوب إتمام الحج الفاسد، كَمَنْ جامع في عرفة؛ لأن الله أَمَر بالإتمام، ولم يُفَرِّق بين الصحيح والفاسد. وأما مَنْ فاته الوقوف بعرفة، فإنه يتحلل بطواف وسعي وحَلْق. المبحث الثالث: هل يَلزم مَنْ فاته الحجُّ القضاءُ؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: حُكْم قضاء الحج الواجب: نَقَل غير واحدٍ الإجماع على أن مَنْ فاته الحج الواجب، لزمه القضاء (٤). وإذا قَضَى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة، بالإجماع (٥).

стр. 434

المطلب الثاني: حُكْم قضاء الحج النفل: نُقِل الإجماع على أن المُفسِد لحِجة التطوع أو عُمرته عليه القضاء (١). وهذا الإجماع منخرم؛ فهذا قول جماهير العلماء (٢). واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال عمر في الذي يَفوته الحج: يَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ. وفي رواية: قَالَ الأَسْوَدُ: مَكَثْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ. واستدلوا بالقياس على النذر، فهو لا يجب بأصل الشرع، بل المكلف أوجبه على نفسه، فكذا حج النفل، مَنْ دَخَل فيه وجب عليه إتمامه. وَلَمَّا وَجَبَ بِالدُّخُولِ، صَارَ بِمَنْزِلَةِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالنَّذْرِ، فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ قَبْلِ إِتْمَامِهِ (٣). القول الآخَر: إذا فسد حج التطوع، فلا يجب عليه القضاء. وهذا مذهب المالكية في رواية، والحنابلة في رواية، وهو قول ابن حزم (٤). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» فالحج لا يجب إلا مرة في العمر، فلو وجب قضاء النافلة، لكان الحج واجبًا أكثر من مرة. ولأنها عبادةُ تَطَوُّعٍ، فلم يجب قضاؤها، كسائر التطوعات. ونوقش بأن المراد بالواجب في الحديث هو الواجب بأصل الشرع. ولأن الحج يَلزم بالشروع فيه، فيَصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوعات. والراجح: أنه يجب عليه القضاء؛ لأن الإنسان إذا شَرَع في النسك صار واجبًا، وهذا من خصائص الحج والعمرة، أن نفلهما يجب المضي فيه، بخلاف غيرهما، فهو لَمَّا شَرَع وأَحْرَم بالحج أو بالعمرة صار ذلك واجبًا، كأنما نذره نذرًا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 435

فيجب القضاء، سواء كان ذلك تطوعًا أو واجبًا بأصل الشرع وهو الفريضة، أو بالنذر؛ لقول النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» وعليه هَدْي في عام القضاء (١). المبحث الرابع: الهَدْي، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: هل يَلزم مَنْ فاته الوقوف بعرفة هَدْي؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: مَنْ فاته الحج يَلزمه هَدْي. وهذا قول المالكية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فاستدلوا بما رواه عطاء مرسلًا: «مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ». وأما المأثور، فاستدلوا بأن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ (٣). القول الآخَر: لا يجب الدم على مَنْ فاته الوقوف بعرفة. وهو مذهب الحنفية ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» قالوا: فليس في الحديث أن عليه هديًا. والراجح: وجوب الهَدْي على مَنْ فاته الوقوف بعرفة؛ جبرًا للخلل الذي وقع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولقول عمر بن الخطاب وابن عمر، ولم يُعْرَف لهما من الصحابة مُخالِف. وإيجاب الدم بالقياس على المُحصَر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا يجزئ ذبح هَدْي الفوات إلا بالحَرَم.

стр. 436

المطلب الثاني: زمان ذبح هَدْي الفوات: اختلف أهل العلم في زمان ذبح دم الفوات على قولين: القول الأول: أنه يجب تأخيره إلى سَنة القضاء. وهو مذهب المالكية، والشافعية في المشهور، والحنابلة (١). واستدلوا بأن عمر قال لأبي أيوب حين فاته الحج: اصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَلْتَ، فَإِذَا أَدْرَكْتَ الْحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأَهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ. القول الآخَر: أنه لا يجب تأخيره إلى سَنة القضاء. وهو مذهب الشافعية في قول (٢). والراجح: قول جمهور العلماء، أي أنه يجب تأخير الهَدْي إلى سَنة القضاء. المطلب الثالث: العجز عن هَدْي الفوات: ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ فاته الحج إذا عجز عن الهَدْي، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وبهذا قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بما رُوي عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يَفُوتُهُ الْحَجُّ: فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا، فَلْيَحُجَّ إِنِ اسْتَطَاعَ وَلْيُهْدِ فِي حَجِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. فالحاصل: أن مَنْ فاته الوقوف بعرفة، بأن طلع عليه الفجر وهو لم يقف، فإنه يتحلل بعمل عمرة يطوف ويسعى ويَحلق، وعليه القضاء من العام القابل ويَذبح شاة، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، والله أعلم. •١•

стр. 437

الفصل السادس الإحصار وفيه تمهيد وستة مباحث: التمهيد: معنى الإحصار. المبحث الأول: ما المانع الذي يتحقق به الإحصار؟ المبحث الثاني: شروط وجوب دم الإحصار عن الوقوف بعرفة. الشرط الأول: ألا يكون محصورًا عن الوقوف بعرفة أو الإفاضة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة. المطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة. المطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج. المطلب الرابع: وقت الإحصار عن العمرة. الشرط الثاني: أن ييأس من زوال المانع. الشرط الثالث: أن يكون الإحصار بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت.

стр. 438

المبحث الثالث: وقت إحلال المُحْصَر. المبحث الرابع: حكمة مشروعية التحلل. المبحث الخامس: كيفية تحلل المُحصَر. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نية التحلل. المطلب الثاني: ذَبْح هدي الإحصار. وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: مكان إجزاء ذبح هَدْي الإحصار. المسألة الثانية: زمان ذبح هَدْي الإحصار. المسألة الثالثة: العجز عن دم الإحصار. المسألة الرابعة: الأكل من هَدْي الإحصار. المطلب الثالث: الحلق أو التقصير. المبحث السادس: اشتراط التحلل من الإحصار. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ما يَلزم المُحْصَر إذا اشتَرط. المطلب الثاني: حُكْم المُحْصَر إذا وقع في بعض محظورات الإحرام قبل التحلل. المطلب الثالث: القضاء على مَنْ أُحْصِرَ.

стр. 439

الفصل السادس: الإحصار وفيه تمهيد ومبحثان: التمهيد: معنى الإحصار: هو مَنْع المُحْرِم مِنْ إتمام أركان الحج أو العمرة (١). المبحث الأول: ما المانع الذي يتحقق به الإحصار؟ وفيه مطلبان: المطلب الأول: الإحصار بالعدو: الإحصار يَحصل بالعدو، بالكتاب والسُّنة والإجماع: أما القرآن، فاستُدل بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فسبب نزول الآية هو صد المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت. وأما السُّنة، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (٢). وأما الإجماع، فقال ابن قُدَامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا حَصَرَهُ عَدُوٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، فَمَنَعُوهُ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ، وَلَمْ يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا؛ فَلَهُ التَّحَلُّلُ (٣). المطلب الثاني: الإحصار بالمرض وغيره: اختَلف العلماء في المانع الذي يتحقق به الإحصار غير الإحصار بالعدو على قولين: القول الأول: أن الإحصار يتحقق بكل حابس يَحبس المُحْرِم عن المضي في موجب الإحرام، فالإحصار كل ما صَدَّ المُحْرِم ومَنَعه عن الوصول إلى البيت، من عدو أو مرض أو غير ذلك. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم (٤). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمأثور والقياس: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن لفظ الإحصار مطلق، لم يُقيَّد، فيَدخل فيه العدو والمرض ونحوهما.

стр. 440

وأما السُّنة، فعن عكرمة قال: سَمعتُ الحَجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ». قال عكرمة: سألتُ ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صَدَق. وَجْه الدلالة: أن المُحْرِم إذا عَرَض له ما يَحبسه عن الحج، من مرض أو كَسْر، فإنه يحل وإن لم يَشترط، ولا شيء عليه من هَدْي ولا غيره إلا القضاء من العام المقبل (١). واعتُرض عليه بأن معنى (فقد حَلَّ) أي: صار ممن يَجوز له التحلل بعد أن كان ممنوعًا منه، ويَلزمه ما يَلزم المُحْصَر من هَدْي. وأما المأثور، فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْنَا عُمَّارًا، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ السُّقُوفِ لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا، فَاعْتَرَضْنَا الطَّرِيقَ لِنَسْأَلَ، فَإِذَا ابْنُ مَسْعُودٍ فِي رَكْبٍ، فَقُلْنَا: لُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا! فَقَالَ: «اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ صَاحِبِكُمْ يَوْمَ أَمَارَةٍ، وَيُرْسِلُ بِالْهَدْيِ، فَإِذَا نُحِرَ الْهَدْيُ فَلْيُحِلَّ، وَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ» (٢). وأما القياس، فإن المعنى الذي لأجله ثَبَتَ حق التحلل للْمُحْصَر بالعدو- موجود كذلك في المرض. القول الآخَر: مَنْ تَعَذَّرَ عليه الوصول إلى البيت بحاصر آخَر غير العدو، كالحصر بالمرض أو ذَهاب النفقة ونحوه، فإنه لا يَجوز له التحلل إلا بعمل العمرة. وهو مذهب المالكية والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمعقول: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ يدل على أن الإحصار من العدو، وإنما يكون من المرض الشفاء.

стр. 441

الثاني: أن الله خاطب الجماعة بالإحصار بقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وحَصْر الجماعة لا يكون إلا بالعدو. أما المرض فيُحْصَر به الواحد فقط. الثالث: أن هذه الآية نَزَلَتْ في غزوة الحُديبية، وذلك إحصار عدو (١). ونوقش بأنه وإن كان نزول الآية خاصًّا بالحُديبية، حين تَعَرَّضَ المشركون للمسلمين ومنعوهم من الوصول إلى البيت، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلفظ الآية عامّ في كل إحصار، سواء كان بعدو أو مرض أو نحو ذلك. وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟» قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً! فَقَالَ لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي». وَجْه الدلالة: أن ضُبَاعَة لو كان لها أن تحل بالمرض من غير شرط، لأَخْبَرها ﷺ بذلك، ولم يُعلقها بالشرط. ونوقش بأن الاشتراط يكون لمن يشكو المرض قبل سفره، وأما مَنْ لم يَشْكُ المرض قبل سفره، بل شكاه بعده، فإنه يُعَد مُحْصَرًا بمرضه وله التحلل. ورَوى البخاري: عَنْ سَالِم قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ، طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» (٢). وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (٣). وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا، فَلَمَّا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ صُرِعْتُ عَنْ رَاحِلَتِي، فَانْكَسَرَتْ رِجْلِي، فَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، فَقَالَا: إِنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ كَوَقْتِ الْحَجِّ، لَا يَحِلَّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَأَقَمْتُ بِالدَّثِينَةِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ أَوْ ثَمَانيَةَ أَشْهُرٍ (٤).

стр. 442

وَجْه الدلالة: أن المُحْرِم الذي يَمرض ولا يَقدر أن يصل إلى البيت- يَظل على إحرامه، فإذا برأ أتى البيت فيطوف ويسعى. فدل ذلك على أنه لا يحل لمُحْصَر أن يحل دون البيت بسبب المرض إلا مَنْ أحصره العدو. وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَابْنَ الزُّبَيْرِ- أَفْتَوْا سَعِيدًا الْمَخْزُومِيَّ حِينَ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، بِأَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ، فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَ (١). وأما المعقول، فإن الإحصار بالعدو يَطُول، فيَحتاج المُحْرِم إلى التحلل، ويَصعب عليه الوصول إلى البيت. بينما العِلل العارضة في الأبدان كالمرض، بخلاف ذلك. الراجح: أن الإحصار هو كل ما يَمنع المُحْرِم من الوصول إلى البيت، فيتحقق بكل حابس يَحبس المُحْرِم عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان الحابس مرضًا أو ذَهاب النفقة أو غير ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولَفْظ الإحصار مُطْلَق، لم يُقَيَّد، فيَدخل فيه العدو والمرض ونحوهما. فكيف يُكَلَّف المُحْرِم البقاء على حال الإحرام، ومَنْعه من الثياب والطِّيب، هذه المدةَ الطويلة، والله يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمَن مُنع من إتمام نسكه لعدم حمله تصريحًا، إن اشترط حل ولا شيء عليه، وإذا لم يَشترط فحُكمه حُكم المُحْصَر. المبحث الثاني: شروط وجوب دم الإحصار عن الوقوف بعرفة: الشرط الأول: ألا يكون محصورًا عن الوقوف بعرفة أو الإفاضة. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: ألا يكون قد وقف بعرفة قبل حدوث المانع من المتابعة. فلا يكون محصورًا حتى يفوته الوقوف بعرفة، فإذا فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (٢). لعموم قوله ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ» لأنه الركن الذي يَفوت الحج بفواته.

стр. 443

المطلب الثاني: الإحصار عن طواف الإفاضة: اختَلف العلماء فيمن وَقَف بعرفة، ثم أُحْصِرَ عن البيت على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يكون مُحْصَرًا، وعليه القيام بأعمال الحج، ويَظل مُحْرِمًا في حق النساء حتى يطوف طواف الإفاضة. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١). لأنه لما وقف بعرفة وأمكنه التحلل بالحلق يوم النحر عن كل محظور سوى النساء، فلم يَلزم امتداد الإحرام الموجب للحرج، ولم يَبْقَ عليه إلا الإفاضة التي يصح الإتيان بها في أي وقت من الزمان، ولا يَعجز المُحْصَر عن ساعة من ليل أو نهار يجد بها فرصة قدر الطواف، مختفيًا في زمان قدر شهر، والمنع من النساء في هذا المقدار لا يَستلزم حرجًا يبيح الإحلال مطلقًا بغير الطريق الأصلي (٢). القول الثاني: أنه يكون مُحْصَرًا ويتحلل. وهذا مذهب الشافعية في الأظهر (٣). القول الثالث: أنه إن أُحْصِرَ عن البيت بعد الوقوف بعرفة، قبل رمي الجمرة، فله التحلل. وإن أُحْصِرَ عن طواف الإفاضة بعد رمي الجمرة، فليس له أن يتحلل؛ لأنه فمتى ما زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه. وهذا مذهب الحنابلة (٤). المطلب الثالث: الإحصار عن واجب من واجبات الحج: إذا أُحْصِرَ عن واجب فلا يتحلل؛ لأنه يمكن جبره بالدم. المطلب الرابع: وقت الإحصار عن العمرة: يَجوز للمُحْرِم بالعمرة التحلل عند الإحصار بعد ذبح هديه. قال النووي: وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ التَّحَلُّلُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ بِلَا خِلَافٍ، وَدَلِيلُ التَّحَلُّلِ وَإِحْصَارِ الْعَدُوِّ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي تَحَلُّلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ

стр. 444

عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ، وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ (١). الشرط الثاني: أن ييأس من زوال المانع. قال مالك: وَمَنْ حُصِرَ فَيَئِسَ مَنْ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ بِفِتْنَةٍ نَزَلَتْ أَوْ لِعَدُوٍّ غَلَبَ عَلَى الْبِلَادِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَحْصُورٌ. وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا يَرْجُو أَنْ يَنْكَشِفَ قَرِيبًا، رَأَيْتُ أَنْ يَتَلَوَّمَ، فَإِنِ انْكَشَفَ ذَلِكَ، وَإِلَّا صَنَعَ مَا يَصْنَعُ الْمَحْصُورُ، وَرَجَعَ إلَى بِلَادِهِ (٢). الشرط الثالث: أن يكون الإحصار بعد الإحرام، وقبل الوصول إلى البيت ؛ لأنه إذا عَرَض ما يَمنع من أداء النسك ولم يكن أَحْرَم، فلا يَلزمه شيء. المبحث الثالث: وقت إحلال المُحْصَر: اختَلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن المُحْصَر يَحِل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذبح هديه ويَحلق. وهو مذهب أبي حنيفة والمالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فالمُحْصَر يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد ذبح ما استيسر من الهَدْي وحَلْق رأسه. وأما السُّنة، فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (٤).

стр. 445

القول الآخَر: أن المُحْصَر في العمرة يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذبح هديه ويَحلق، بخلاف المُحْصَر في الحج، فلا يحل إلا يوم النحر. وهو قول أبي يوسف ومحمد صاحبَي أبي حنيفة، وأَشْهَب من المالكية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَان، فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٢). واعتُرض عليه بأن هذا استدلال مقابل النص؛ إذ دل على أن المُحْصَر يحل مطلقًا حين يُحْصَر، بعد أن ذَبَح هديه وحَلَق رأسه، وأن التحلل شُرِع للتخفيف والتيسير. وإذا قيل بتأجيل التحلل إلى يوم النحر، فهذا فيه مشقة على المُحْرِم، خاصة إذا كان قد أُحْصِرَ في أول أيام أشهر الحج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وعلى هذا فمَن مُنع من نسكه لعدم حمله تصريحًا ولم يَشترط، فحُكمه حُكم المُحْصَر، يَنحر هديه ويَحلق ويحل، فمَن لم يجد الهَدْي فإنه يصوم. المبحث الرابع: حكمة مشروعية التحلل: شَرَع الله التحلل لحاجة المُحْصَر إليه، ورَفْع للحرج والضرر عنه؛ حتى لا يَظل مُحْرِمًا إلى أن يندفع عنه المانع من إتمام الحج أو العمرة (٣).

стр. 446

المبحث الخامس: كيفية تحلل المحصر: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: نية التحلل: فَالتَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةِ الْإِحْلَالِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ». المطلب الثاني: ذَبْح هَدْي الإحصار: وفيه خمسة فروع: الأول: اختَلف العلماء على قولين فيمن حَصَرَه عدو عن النسك: هل يَلزمه دم؟ القول الأول: يجب الدم على المُحْصَر مطلقًا، سواء أكان الإحصار بعدو أو بمرض. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة: أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَجَعَلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ (٢). وأما السُّنة: فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ … » (٣). وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ يَوْمَ حُصِرُوا أَنْ يَنْحَرُوا وَيَحْلِقُوا وَيَحِلُّوا (٤). قال البغوي: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا أُحْصِرَ عَنِ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَهُوَ دَمُ شَاةٍ، يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ، ثُمَّ يَحْلِقَ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَا يَجْعَلُ التَّحَلُّلَ لِمَنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَتَّى يَذْبَحَهُ (٥).

стр. 447

القول الآخَر: لا يجب على المُحْصَر بعدوٍّ دم. وهو مذهب المالكية (١). واستدلوا بأن المُحْصَر تَحَلَّل من عبادة لم يَدخل عليه منها تفريط، فكيف يجب عليه هَدْي؟! وأن المُحْصَر قد شُرِع له التحلل والخروج من الحج تخفيفًا عنه، فناسب ذلك عدم إيجاب الدم عليه. ونوقش بما قاله ابن قُدامة: وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَلُّلٌ أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ، أَشْبَهَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا خِلَافَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، كَاَلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَنْ أَتَمَّ حَجَّهُ (٢). الفرع الثاني: مكان إجزاء ذبح هَدْي الإحصار: اختَلف أهل العلم في مكان إجزاء ذبح دم الإحصار على قولين: القول الأول: يجزئ ذبح الهَدْي عن الإحصار بالموضع الذي حُصِرَ فيه، سواء كان في الحِل أو في الحَرَم. وهو مذهب المالكية والشافعية، ورواية عند الحنابلة (٣). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ … » (٤). واستدلوا بأن النبي ﷺ نَحَر هديه بالحُديبية حيث أُحْصِرَ، وهي خارج الحرم. وأما المعقول، فإِنَّ المُحْصَر مُنع من الوصول إلى البيت، فيتعذر الذبح عنده، ولا يحل

стр. 448

إلا بعد النحر، فيَشق عليه أن يَمكث بملابس الإحرام (١). القول الآخَر: لا يجزئ ذبح الهَدْي عن الإحصار إلا بالحَرَم. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فهذان الدليلان وغيرهما يدلان على أنه لا يجزئ ذبح الهدي إلا بالحرم. ونوقش هذان الاستدلالان من وجهين: الأول: أن هذا في حق غير المُحْصَر؛ لأن المُحْصَر يُمْنَع من الوصول إلى البيت، فيتعذر الذبح عنده. ولأن النبي ﷺ نَحَر هديه بالحُديبية حيث أُحْصِرَ، وهي خارج الحرم. الثاني: أن النبي ﷺ شَرَع لمن أراد الحج واشتكى أن يقول: «اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» فتَعَيَّن أن يكون المَحِل حيث حُبِسَ. الفرع الثالث: متى يَذبح المُحْصَر هَدْي الإحصار: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه يَجوز ذبح هَدْي الإحصار قبل يوم النحر. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعية، والحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن الله لم يَخص في الآية وقتًا دون وقت لنَحْر الهَدْي. وأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ لأصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا» (٤).

стр. 449

وأما القياس، فاستدلوا بأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنَ الْمُحْصَرِ تَحَلُّلٌ قَبْلَ أَوَانِ التَّحَلُّلِ، يُبَاحُ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الضَّرَرِ بِبَقَائِهِ مُحْرِمًا؛ رُخْصَةً وَتَيْسِيرًا، فَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، كَالطَّوَافِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ فَائِتُ الْحَجِّ؛ إِذِ الْمُحْصَرُ فَائِتُ الْحَجِّ (١). القول الآخَر: أنه لا يَجوز ذبح هَدْي الإحصار إلا يوم النحر. وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وهو رواية عند الحنابلة (٢). واستدلوا بِأَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلَّ زَمَانٍ وَمَحِلَّ مَكَانٍ، فَإِنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فَسَقَطَ، بَقِيَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لِإِمْكَانِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ نَحْرُ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لَمْ يَجُزِ التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣). والراجح: أنه يَجوز ذبح هَدْي الإحصار قبل يوم النحر؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا يقتضي جواز نحره عَقيب الإحصار، ولم يَخص الله وقتًا دون وقت لنحر الهَدْي للمُحْصَر. وكذا لفِعل النبي ﷺ وأصحابه يوم الحُديبية، فقد قال ﷺ لأَصحابه: «قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا». الفرع الرابع: العجز عن دم الإحصار: اختَلف العلماء فيما إذا عجز المُحْصَر عن الهَدْي على أقوال، منها: القول الأول: مَنْ لم يجد الهَدْي يَلزمه أن يصوم عَشَرة أيام ثم يحل. وهو قول عند الشافعية، ومذهب الحنابلة (٤). واستدلوا بالقياس على دم التمتع. القول الآخَر: أن مَنْ لم يجد الهَدْي ليس عليه بدل، وله أن يتحلل. وهو مذهب الحنفية، وقول عند الشافعية (٥). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].

стр. 450

وَجْه الدلالة: أن الله لم يَذكر بديلًا للهَدْي؛ وأنه لما سكت الله عن الصيام في الإحصار، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهَدْي، دل على أن مَنْ لم يجد الهَدْي من المُحْصَرين ليس عليه شيء، فيَحل بدون شيء. الدليل الثاني: أن الظاهر من حال كثير من الصحابة ﵃ أنهم فقراء، ولم يُنقل أن النبي ﷺ أَمَرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة (١). الفرع الخامس: الأكل من هَدْي الإحصار: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يَجوز للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي الإحصار. وهو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بأن دم الإحصار دم جُبران، فلا يؤكل منه، بخلاف دم النسك، كدم التمتع. القول الآخَر: أنه يَجوز للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي الإحصار؛ لأن النبي ﷺ أَكَل من هدي القِران. وبه قال المالكية، وهو رواية عند الحنابلة (٣). واعتُرض عليه بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن دم الإحصار دم جُبران، فيؤكل منه، بخلاف دم القِران فإنه يؤكل منه لأنه دم نسك. المطلب الثالث: الحَلْق أو التقصير: الحلق أو التقصير واجب لتحلل المُحْصَر من الإحرام؛ لأن النبي ﷺ حَلَق، وأَمَر أصحابه أن يَحلقوا بالحُديبية. وهو مذهب بعض الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (٤).

стр. 451

المبحث السادس: اشتراط التحلل من الإحصار: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ما يَلزم المُحْصَر إذا اشتَرط: مَنْ اشتَرط قبل حجه وعمرته، فإِنْ أُحْصِرَ تَحَلَّلَ ولم يَلزمه شيء مطلقًا. وهو مذهب الشافعية في المشهور، والحنابلة (١). فعن عائشة قالت: دخل النبي ﷺ على ضُبَاعَة بنت الزبير، فقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج، وأنا شاكية! فقال النبي ﷺ : «حُجي، واشترطي أن محلي حيث حبستَني». وَجْه الدلالة: أنه لما أَمَرها بالاشتراط أفاد شيئين: أحدهما: أنه إذا عاقها عائق من عدو أو مرض أو ذَهاب نفقة، فإن لها التحلل. والثاني: أنه متى حلت بذلك، فلا دم عليها ولا صوم. المطلب الثاني: حُكْم المُحْصَر إذا وقع في بعض محظورات الإحرام قبل التحلل: إذا لم يتحلل المُحْصَر، ووقع في بعض المحظورات، فإنه يجب عليه من الجزاء ما يجب على المُحْرِم غير المُحْصَر. وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). المطلب الثالث: القضاء على مَنْ أُحْصِرَ: مَنْ تَحَلَّل بالإحصار فليس عليه القضاء. وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله تعالى ذَكَر الهَدْي والحَلْق، ولم يَذكر شيئًا سوى ذلك؛ فدل على أنه لا قضاء على المُحْصَر، واستدلوا بأن النبي ﷺ لم يأمر الذين أَحْصِرُوا في غزوة الحُديبية بأن يَقضوا تلك العمرة التي أُحْصِرُوا عنها (٤).

стр. 452

الباب الثاني عشر المبيت بمزدلفة: وفيه فصلان: الفصل الأول المبيت بمزدلفة، تعريفه وحكمه، ومقدار الوقوف بها. وفيه عَشَرة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالمزدلفة. المبحث الثاني: حد المزدلفة. المبحث الثالث: حُكْم المبيت بمزدلفة. المبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة. المبحث الخامس: القَدْر المجزئ من نسك مزدلفة. المبحث السادس: وقت وجوب الوقوف بمزدلفة. المبحث السابع: حُكْم دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة. المبحث الثامن: مَنْ تَرَك المبيت بمزدلفة خَشية فوات الرفقة. المبحث التاسع: حُكْم المرور بالمزدلفة فقط دون توقف. المبحث العاشر: حُكْم مَنْ فاته الوقوف الواجب في مزدلفة.

стр. 453

المبحث الأول: التعريف بالمزدلفة (مزدلفة) مأخوذة من الازدلاف، القُرب، وفي التنزيل: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠] أي: قُرِّبَتْ (١). قيل: سُمِّيَتْ بذلك لأن الحُجاج يَزدلفون إلى الله، أي: يتقربون إليه بالوقوف بها. وقيل: لاقتراب الناس إلى مِنًى بعد الإفاضة مِنْ عرفات (٢). وللمُزدلِفة اسمان آخران: (المَشْعَر الحرام) ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] و (جَمْع)، ومنه قول النبي ﷺ : «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (٣). المبحث الثاني: حد المزدلفة: حد المزدلفة: ما بين المأزمين ووادي مُحسِّر، وليس الحدان منها. ومأزما عرفة هما المضيق الذي بين الجبلين عند نهاية عرفة جهة المزدلفة، إلى قرن مُحسِّر، الذي يَفصل بين مِنًى وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب (٤). فالمراد بالمبيت بمُزدلِفة: هو وجود الحاج في أرض مزدلفة ليلة يوم النحر. وهي الآن محددة بأعلام واضحة من جميع الجهات، وذلك مبني على لجان حكومية من العلماء. ويَحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في أي بقعة منها، فعن جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».

стр. 454

قال ابن رُشْد: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ بَاتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَجَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مَعَ الْإِمَامِ، وَوَقَفَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى الْإِسْفَارِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ - أَنَّ حَجَّهُ تَامٌّ، وَأَنَّ ذَلِكَ الصِّفَةُ الَّتِي فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (١). المبحث الثالث: حُكْم الوقوف بالمزدلفة: اختَلف أهل العلم في حُكم الوقوف بمزدلفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الوقوف بالمزدلفة واجب من واجبات الحج، مَنْ تَرَكه بدون عذر فعليه دم. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية في المشهور عنهم، والحنابلة (٢). ففي حديث جابر: «وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» وحُمِل هذا الفعل على الوجوب، وقرينة ذلك أنه ﷺ رَخَّص وأَذِن للضَّعَفة بالدفع من مزدلفة قبل الفجر، والرخصة لا تأتي إلا بعد الوجوب. القول الثاني: أن الوقوف بمزدلفة ركن، يَبطل الحج بتركه، كالوقوف بعرفة، لا يَتم الحج إلا به. ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير. وهو قول الليث وعلقمة والشَّعْبي والحسن والأوزاعي، وابن المَاجِشون من المالكية، وقول للشافعية وابن حزم (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما دليلهم من الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَجْه الدلالة: قد دلت الآية على أن الوقوف بمزدلفة ركن من وجهين: الوجه الأول: الأمر بالذِّكر عند المَشْعَر الحرام يدل على أنه ركن.

стр. 455

ونوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه: الأول: أن العلماء مُجْمِعون على أن مَنْ بات بالمزدلفة إلى قُبيل الفجر، ولم يَشهد صلاة الفجر فيها ولم يَذكر الله- صح حجه، فالمأمور به في الآية إنما هو الذِّكر، وليس بواجب بالإجماع، فشهود المَوطِن أَوْلَى بأن لا يكون واجبًا (١). الثاني: أنه إذا كان النبي ﷺ بات بمزدلفة وصلى الفجر، فإنه قد رَخَّص للنساء والضَّعَفة في مغادرة مزدلفة بعد منتصف الليل. ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لَمَا أَذِن للضَّعَفة؛ لأن الركن القويُّ والضعيف فيه سواء، كالوقوف بعرفة وكطواف الإفاضة، فعن ابن عباس ﵄ قال: «أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ» (٢). الثالث: أن كل ما جاز تركه لعذر لم يكن ركنًا، قياسًا على الوقوف بعرفة، وكذا طواف الإفاضة لا يَسقط بحال لأنه ركن، بخلاف طواف الوداع فإنه يَسقط بعذر الحيض؛ لأنه ليس بركن، وكذا الوقوف بالمزدلفة، قد يَسقط بالعذر، فلم يكن ركنًا (٣). الوجه الثاني: أن الله سَوَّى بين الأمر بالوقوف بعرفة والأمر بذكر الله بمزدلفة في القرآن، فهذا يدل على ركنية الوقوف بمزدلفة، فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. والرسول ﷺ سَوَّى بين عرفة والمزدلفة، فقال: «قَدْ وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ووَقَف بالمُزدلِفة فقال: «قَدْ وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ». ونوقش بأن دلالة الاقتران ضعيفة، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والأكل للإباحة ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ للوجوب. وأما دليلهم من السُّنة، فاستدلوا بحديث عن عُروة بن مُضَرِّس قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ جَمْعًا مَعَ الإِمَامِ وَالنَّاسِ حَتَّى يُفِيضَ مِنْهَا، فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ. وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ

стр. 456

النَّاسِ وَالإِمَامِ، فَلَمْ يُدْرِكْ حَجَّهُ» (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عَلَّق إدراك الحج بإدراك مزدلفة والوقوف فيها، ومعنى ذلك أن مَنْ لم يُدرِك الوقوف بمزدلفة، فلا حج له. ونوقش بأن الحديث ضعيف، واللفظ الصحيح هو قول رسول الله ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (٢). وهذا دليل على عدم الركنية، فالنبي ﷺ مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر مِنْ ليلة جَمْع، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخِر جزء من ليلة النحر، فهو لا يستطيع أن يصل إلى مزدلفة في زمن النبي ﷺ إلا بعد طلوع الشمس، وقد فاته المبيت بمُزدلِفة قَطْعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صَرَّح النبي ﷺ بأن حجه تام. ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصح حجه، ولاختص بزمان مستقل لا يشاركه فيه غيره، كالوقوف بعرفة. الدليل الثاني من السُّنة: رُوِي أنه ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، فَلَا حَجَّ لَهُ» (٣).

стр. 457

ونوقش بأن هذا الحديث: ليس بثابت ولا معروف. القول الثالث: أن الوقوف بمزدلفة سُنة من سُنن الحج. وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ورُوي عن عطاء والأوزاعي والثوري (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما دليلهم من السُّنة، فعن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ المُسْلِمِينَ» (٢). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ جَعَل أيّ مزدلفة منزلًا للراحة بين عرفة ومِنًى، فمَن شاء نزل به، ومَن لم يشأ لم يَنزل، وفِعل الرسول ﷺ يدل على الاستحباب. وأما دليلهم من القياس، فقالوا: إن المبيت بمزدلفة سُنة، قياسًا على المبيت بمِنًى ليلة عرفة، ووَجْه التشابه بينهما أن النبي ﷺ بات بمِنًى ليلة عرفة ليَسهل خروجه إليها، وكذا بات بمزدلفة لأنها منزل للراحة بين عرفة ومِنًى، وليس بنسك مقصود لذاته. والراجح: أن الوقوف بمزدلفة واجب، مَنْ تَرَكه فعليه دم؛ لفِعْل الرسول ﷺ ، فقد بات بمزدلفة، وهذا الفعل يُحْمَل على الوجوب. ولا يكون ركنًا؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». ولا شك أن الواقف بعرفة قُبيل الفجر لا يدرك المبيت بمزدلفة وقد صح حجه، ولو كان المبيت بمزدلفة ركنًا، لم يصح حجه، وهذه تُسمَّى دلالة الالتزام، أي: مَنْ أَدْرَك عرفة قبل الفجر، فسيفوته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد دل النص على أن حجه تام. ولماذا لا يكون المبيت بمزدلفة سُنة؟ لأن الرسول ﷺ أَذِن ورَخَّص للضَّعَفة بالانصراف، وإذا كان رَخَّص لهؤلاء فعُلِم أن المبيت لغيرهم واجب. وأما مَنْ لم يستطع دخول مزدلفة لتَعطُّل حركة السير أو ازدحامه حتى طلوع الشمس، فلا يجب عليه دم؛ لأنه بَذَل ما في وُسعه للحصول على المبيت، ولم يتمكن من ذلك،

стр. 458

وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (١). المبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة: اختَلف أهل العلم في ذلك على خمسة أقوال: القول الأول: أن المبيت الواجب هو معظم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر وقبل طلوع الفجر، وهذا قول للشافعية، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فاستدلوا بأن أسماء روت الرخصة عن رسول الله ﷺ ، وجَعَلَتْها مؤقتة بمغيب القمر، فعن عبد الله مَوْلَى أسماء قال: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: ارْحَلْ بِي … فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ غَلَّسْنَا! قَالَتْ: كَلَّا، أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ (٣). الدليل الثاني: ما رواه ابن عباس قال: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ (٤). وَجْه الدلالة: أن السَّحَر لا يكون إلا في آخِر الليل، فيكون بعد غياب القمر، فهذا يؤيد أن الدفع لا يكون إلا بعد غياب القمر. أما دليلهم من المعقول، فإن مَنْ بات حتى مغيب القمر فقد بات معظم الليل، فله حُكْم مَنْ بات الليل كاملًا، بخلاف مَنْ بات نصف الليل. القول الثاني: أن المبيت الواجب بمزدلفة إلى نصف الليل، فمَن دَفَع قبل نصف الليل فعليه دم. وهو القول هو المشهور عن الشافعية والحنابلة (٥).

стр. 459

واستدلوا بأن النبي ﷺ أَذِن بدفع الضَّعَفة بليل، وهذا يَصْدُق على مَنْ بات نصف الليل فأكثر، فكان القَدْر الواجب هو نصف الليل، فجاز الدفع بعد نصف الليل. واعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن إِذْن النبي ﷺ بدفع الضَّعَفة بالليل لا يَعني إذنه لهم بالانصراف نصف الليل؛ لأن أسماء بَيَّنَتْ أن الانصراف إنما يكون بعد غيبوبة القمر، ولا تكون هذه الغيبوبة إلا بعد ذَهاب أكثر الليل، وليس نصفه، وتفسير أسماء للنص لا بد من العمل به. الثاني: أن أحاديث الدفع بليل مُطْلَقة، وهي مُقيَّدة بمغيب القمر كما في حديث أسماء، فيُحْمَل المُطْلَق على المُقيَّد. واستدلوا أيضًا بما ورد عن أُم سَلَمة قالت: «قَدَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ» قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى. وَجْه الدلالة: أن مَنْ يَذهب من مزدلفة إلى مِنًى، ثم يَرمي الجمرة، ثم يَذهب إلى مكة، ثم يطوف ويصلي بها الفجر- لا يمكنه ذلك، إلا إن كان قد دَفَع من مزدلفة نصف الليل. القول الثالث: أن الواجب في المزدلفة هو الوقوف ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فمَن وَقَف خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. ومَن لم يقف في هذا الوقت، فقد فاته الوقوف الواجب بمزدلفة وعليه دم. وهو مذهب الحنفية (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمعقول: أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَجْه الدلالة: الأمر إنما جاء بذكر الله والوقوف عند المَشْعَر الحرام للدعاء، والوقوف يكون بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، فمَن وَقَفَ خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. ونوقش هذا الاستدلال بأن الأمر بالذِّكر جاء على سبيل الاستحباب دون الوجوب.

стр. 460

دل على ذلك أن العلماء مُجْمِعون على أن مَنْ بات بالمزدلفة إلى قُبيل الفجر، ولم يَشهد صلاة الفجر فيها ولم يَذكر الله- صح حجه. وإِذْن النبي ﷺ للنساء والضَّعَفة في مغادرة مزدلفة بعد ذَهاب معظم الليل قبل الفجر، ولو كان واجبًا عليهم الوقوف ما بين طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، لَمَا رَخَّصَ لهم في الانصراف بالليل. وأما السُّنة، فَعَنْ عُرْوَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ، وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». فدل قوله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ … » أي: صلاة الفجر، ووقف بمزدلفة من طلوع الفجر إلى قُبيل شروق الشمس، وكان قد وقف بعرفة فقد تم حجه؛ فعَلَّق تمام الحج على هذا الوقوف بعد الفجر، فلا أقل من أن يكون هذا الوقت واجبًا. ونوقش بأن هذا الحديث يُبَيِّنْ آخِر وقت المبيت بمزدلفة، فمَن وقف بعرفة قبل الفجر وصلى الفجر بمزدلفة، فقد أدرك الوقوف بعرفة ومزدلفة. وأما المعقول، فإن ليل مزدلفة وقت للوقوف بعرفة، وينتهي بطلوع الفجر، فوجب أن يكون وقت وجوب الوقوف بمزدلفة من طلوع الفجر يوم النحر حتى طلوع الشمس. ونوقش بأن الأصل في الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروب الشمس، وأن ليلة يوم النحر هي وقت للوقوف بمزدلفة، وهي وقت للوقوف بعرفة لعذر، فمَن لم يُدرِك الوقوف بعرفة نهارًا، وقف ليلًا لأنه ركن لا يَتم الحج إلا به. القول الرابع: أن الواجب في المبيت بمزدلفة هو النزول بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فقضاء أي جزء من الليل كافٍ في المبيت بمزدلفة، بقَدْر حط الرحال في ليلة النحر وصلاة العشاءين، فإن لم يَنزل فعليه دم. وهو مذهب المالكية (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة: أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَجْه الدلالة: مَنْ نزل بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فصلى المغرب والعشاء،
следующие страницы →