← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

النَّاسِ وَالإِمَامِ، فَلَمْ يُدْرِكْ حَجَّهُ» (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عَلَّق إدراك الحج بإدراك مزدلفة والوقوف فيها، ومعنى ذلك أن مَنْ لم يُدرِك الوقوف بمزدلفة، فلا حج له. ونوقش بأن الحديث ضعيف، واللفظ الصحيح هو قول رسول الله ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (٢). وهذا دليل على عدم الركنية، فالنبي ﷺ مد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر مِنْ ليلة جَمْع، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخِر جزء من ليلة النحر، فهو لا يستطيع أن يصل إلى مزدلفة في زمن النبي ﷺ إلا بعد طلوع الشمس، وقد فاته المبيت بمُزدلِفة قَطْعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صَرَّح النبي ﷺ بأن حجه تام. ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنًا لم يصح حجه، ولاختص بزمان مستقل لا يشاركه فيه غيره، كالوقوف بعرفة. الدليل الثاني من السُّنة: رُوِي أنه ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، فَلَا حَجَّ لَهُ» (٣).

стр. 457

ونوقش بأن هذا الحديث: ليس بثابت ولا معروف. القول الثالث: أن الوقوف بمزدلفة سُنة من سُنن الحج. وهو قول عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ورُوي عن عطاء والأوزاعي والثوري (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما دليلهم من السُّنة، فعن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ المُسْلِمِينَ» (٢). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ جَعَل أيّ مزدلفة منزلًا للراحة بين عرفة ومِنًى، فمَن شاء نزل به، ومَن لم يشأ لم يَنزل، وفِعل الرسول ﷺ يدل على الاستحباب. وأما دليلهم من القياس، فقالوا: إن المبيت بمزدلفة سُنة، قياسًا على المبيت بمِنًى ليلة عرفة، ووَجْه التشابه بينهما أن النبي ﷺ بات بمِنًى ليلة عرفة ليَسهل خروجه إليها، وكذا بات بمزدلفة لأنها منزل للراحة بين عرفة ومِنًى، وليس بنسك مقصود لذاته. والراجح: أن الوقوف بمزدلفة واجب، مَنْ تَرَكه فعليه دم؛ لفِعْل الرسول ﷺ ، فقد بات بمزدلفة، وهذا الفعل يُحْمَل على الوجوب. ولا يكون ركنًا؛ لعموم قول رسول الله ﷺ : «الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». ولا شك أن الواقف بعرفة قُبيل الفجر لا يدرك المبيت بمزدلفة وقد صح حجه، ولو كان المبيت بمزدلفة ركنًا، لم يصح حجه، وهذه تُسمَّى دلالة الالتزام، أي: مَنْ أَدْرَك عرفة قبل الفجر، فسيفوته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد دل النص على أن حجه تام. ولماذا لا يكون المبيت بمزدلفة سُنة؟ لأن الرسول ﷺ أَذِن ورَخَّص للضَّعَفة بالانصراف، وإذا كان رَخَّص لهؤلاء فعُلِم أن المبيت لغيرهم واجب. وأما مَنْ لم يستطع دخول مزدلفة لتَعطُّل حركة السير أو ازدحامه حتى طلوع الشمس، فلا يجب عليه دم؛ لأنه بَذَل ما في وُسعه للحصول على المبيت، ولم يتمكن من ذلك،

стр. 458

وبهذا أفتت اللجنة الدائمة (١). المبحث الرابع: مقدار المبيت الواجب في مزدلفة: اختَلف أهل العلم في ذلك على خمسة أقوال: القول الأول: أن المبيت الواجب هو معظم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر وقبل طلوع الفجر، وهذا قول للشافعية، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فاستدلوا بأن أسماء روت الرخصة عن رسول الله ﷺ ، وجَعَلَتْها مؤقتة بمغيب القمر، فعن عبد الله مَوْلَى أسماء قال: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: ارْحَلْ بِي … فَقُلْتُ لَهَا: لَقَدْ غَلَّسْنَا! قَالَتْ: كَلَّا، أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ (٣). الدليل الثاني: ما رواه ابن عباس قال: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْعٍ (٤). وَجْه الدلالة: أن السَّحَر لا يكون إلا في آخِر الليل، فيكون بعد غياب القمر، فهذا يؤيد أن الدفع لا يكون إلا بعد غياب القمر. أما دليلهم من المعقول، فإن مَنْ بات حتى مغيب القمر فقد بات معظم الليل، فله حُكْم مَنْ بات الليل كاملًا، بخلاف مَنْ بات نصف الليل. القول الثاني: أن المبيت الواجب بمزدلفة إلى نصف الليل، فمَن دَفَع قبل نصف الليل فعليه دم. وهو القول هو المشهور عن الشافعية والحنابلة (٥).

стр. 459

واستدلوا بأن النبي ﷺ أَذِن بدفع الضَّعَفة بليل، وهذا يَصْدُق على مَنْ بات نصف الليل فأكثر، فكان القَدْر الواجب هو نصف الليل، فجاز الدفع بعد نصف الليل. واعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن إِذْن النبي ﷺ بدفع الضَّعَفة بالليل لا يَعني إذنه لهم بالانصراف نصف الليل؛ لأن أسماء بَيَّنَتْ أن الانصراف إنما يكون بعد غيبوبة القمر، ولا تكون هذه الغيبوبة إلا بعد ذَهاب أكثر الليل، وليس نصفه، وتفسير أسماء للنص لا بد من العمل به. الثاني: أن أحاديث الدفع بليل مُطْلَقة، وهي مُقيَّدة بمغيب القمر كما في حديث أسماء، فيُحْمَل المُطْلَق على المُقيَّد. واستدلوا أيضًا بما ورد عن أُم سَلَمة قالت: «قَدَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَنْ قَدَّمَ مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ» قَالَتْ: فَرَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِلَيْلٍ، ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّيْتُ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مِنًى. وَجْه الدلالة: أن مَنْ يَذهب من مزدلفة إلى مِنًى، ثم يَرمي الجمرة، ثم يَذهب إلى مكة، ثم يطوف ويصلي بها الفجر- لا يمكنه ذلك، إلا إن كان قد دَفَع من مزدلفة نصف الليل. القول الثالث: أن الواجب في المزدلفة هو الوقوف ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فمَن وَقَف خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. ومَن لم يقف في هذا الوقت، فقد فاته الوقوف الواجب بمزدلفة وعليه دم. وهو مذهب الحنفية (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والمعقول: أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَجْه الدلالة: الأمر إنما جاء بذكر الله والوقوف عند المَشْعَر الحرام للدعاء، والوقوف يكون بعد طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، فمَن وَقَفَ خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. ونوقش هذا الاستدلال بأن الأمر بالذِّكر جاء على سبيل الاستحباب دون الوجوب.

стр. 460

دل على ذلك أن العلماء مُجْمِعون على أن مَنْ بات بالمزدلفة إلى قُبيل الفجر، ولم يَشهد صلاة الفجر فيها ولم يَذكر الله- صح حجه. وإِذْن النبي ﷺ للنساء والضَّعَفة في مغادرة مزدلفة بعد ذَهاب معظم الليل قبل الفجر، ولو كان واجبًا عليهم الوقوف ما بين طلوع الفجر من يوم النحر إلى قُبيل طلوع الشمس، لَمَا رَخَّصَ لهم في الانصراف بالليل. وأما السُّنة، فَعَنْ عُرْوَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نُفِيضَ مِنْهُ، وَقَدْ أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ عَرَفَاتٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ». فدل قوله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ … » أي: صلاة الفجر، ووقف بمزدلفة من طلوع الفجر إلى قُبيل شروق الشمس، وكان قد وقف بعرفة فقد تم حجه؛ فعَلَّق تمام الحج على هذا الوقوف بعد الفجر، فلا أقل من أن يكون هذا الوقت واجبًا. ونوقش بأن هذا الحديث يُبَيِّنْ آخِر وقت المبيت بمزدلفة، فمَن وقف بعرفة قبل الفجر وصلى الفجر بمزدلفة، فقد أدرك الوقوف بعرفة ومزدلفة. وأما المعقول، فإن ليل مزدلفة وقت للوقوف بعرفة، وينتهي بطلوع الفجر، فوجب أن يكون وقت وجوب الوقوف بمزدلفة من طلوع الفجر يوم النحر حتى طلوع الشمس. ونوقش بأن الأصل في الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروب الشمس، وأن ليلة يوم النحر هي وقت للوقوف بمزدلفة، وهي وقت للوقوف بعرفة لعذر، فمَن لم يُدرِك الوقوف بعرفة نهارًا، وقف ليلًا لأنه ركن لا يَتم الحج إلا به. القول الرابع: أن الواجب في المبيت بمزدلفة هو النزول بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فقضاء أي جزء من الليل كافٍ في المبيت بمزدلفة، بقَدْر حط الرحال في ليلة النحر وصلاة العشاءين، فإن لم يَنزل فعليه دم. وهو مذهب المالكية (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة: أما القرآن، فعموم قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَجْه الدلالة: مَنْ نزل بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فصلى المغرب والعشاء،

стр. 461

يَصْدُق عليه أنه ذَكَر الله ووقف بمزدلفة عند المَشْعَر الحرام. وأما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» أي: صلاة الفجر «وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ» فمَن وقف بها بمثل هذا المقدار، فقد أَدَّى الواجب. القول الخامس: أن المبيت بمزدلفة سُنة، فمَن فَعَله فقد أَحْسَن، ومَن تَرَكه فلا حرج عليه. وهو قول للشافعية، وقول عطاء والأوزاعي (١). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌ لِدَلْجِ المُسْلِمِينَ» أي أن مزدلفة منزل راحة بين عرفات ومِنًى، فمَن شاء نزل بها. وفِعل الرسول ﷺ يدل على الاستحباب. والراجح: أن المبيت الواجب هو مُعْظَم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر وقبل طلوع الفجر؛ لِما رُوي عن ابن عباس قال: بَعَثَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِسَحَرٍ مِنْ جَمْع. والسَّحَر لا يكون إلا بعد غياب القمر، ويَجوز لمن كان بصحبة ضَعَفةٍ الانصرافُ معهم بعد غياب القمر للقيام على مصالحهم، والإذن للضَّعَفة إِذْن لهم (٢). المبحث الخامس: القَدْر المجزئ من نسك مزدلفة: اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب جماهير العلماء إلى أن القَدْر المجزئ في مزدلفة لحظة، فمَن وَقَفَ ولو لحظة واحدة فقد قام بالواجب. ويُعبِّر عنه الحنفية بالوقوف لحظة. ويُعبِّر عنه المالكية بحط الرحال. ويُعبِّر عنه الشافعية بالساعة. وقيل: المراد بالساعة مطلق الزمن، فلا ينافي تعبير غيره باللحظة. واستدلوا بقياس مزدلفة على عرفة، فإذا كان القَدْر المجزئ في الوقوف بعرفة يُقَدَّر بلحظة، وهو ركن الحج الأعظم، فنسك المزدلفة أَوْلَى. وإنما محل اختلافهم في وقت إيقاع هذه اللحظة.

стр. 462

فذهب الحنفية إلى أن الواجب في المزدلفة هو الوقوف ما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع الشمس، فمَن وَقَفَ خلال هذا الوقت ولو لحظة واحدة، فقد قام بالواجب. وذهب المالكية إلى أن الواجب من المبيت بمزدلفة هو النزول بمزدلفة في أي جزء من أجزاء الليل، فقضاء أي جزء من الليل كافٍ في المبيت بمزدلفة بقَدْر حط الرحال في ليلة النحر وصلاة العشاءين، فإن لم يَنزل فعليه دم. القول الآخَر: أن المبيت الواجب هو معظم الليل، فيَجوز الدفع من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر. وهذا قول للشافعية، ورواية عن أحمد. وهذا هو الراجح لحديث أسماء. المبحث السادس: وقت وجوب الوقوف مزدلفة: اختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنه يَبدأ وقت أداء النسك الواجب من أول الليل، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر، فبعد الفجر ليس وقتًا للواجب. وهو قول المالكية (١). الثاني: أنه يَبدأ وقت وجوب أداء النسك الواجب من منتصف الليل، وينتهي بطلوع فجر يوم النحر. وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). الثالث: أنه يَبدأ وجوب أداء النسك الواجب من منتصف الليل، وينتهي بطلوع شمس يوم النحر. وهو قول بعض المالكية وبعض الشافعية وابن تيمية (٣). الرابع: أنه يَبدأ وقت وجوب أداء النسك الواجب من طلوع الفجر، وينتهي بطلوع شمس يوم النحر. وهو مذهب الحنفية (٤). والراجح: أن ابتداء الوجوب من أول الليل؛ فظاهر سُنة النبي ﷺ يدل على أن بداية

стр. 463

نسك مزدلفة من حين وصول الحاج قادمًا لها من عرفة (١). المبحث السابع: حُكْم دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة: أَجْمَع العلماء على جواز دفع الضعفة قبل الفجر من مزدلفة (٢). واختلفوا في حُكْم دفع غير الضعفة قبل الفجر من مزدلفة على قولين: القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز دفع غير الضعفة قبل الفجر من مزدلفة، بعد الإتيان بالقَدْر المجزئ؛ لأنه لَمَّا رُخِّصَ فِيهِ لِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، عُلِمَ أَنَّهُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ (٣). القول الآخَر: عدم جواز دفع غير الضَّعَفة قبل الفجر من مزدلفة. وهو مذهب الحنفية، وأوجبوا عليه دمًا؛ لأن الوقوف الواجب عندهم بعد طلوع الفجر، والرخصة إنما جاءت في حق الضعفة. واختاره بعض الحنابلة ولم يَذكروا دمًا (٤). قال النووي: اسْتَدَلُّوا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي دَفْعِ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ. (فَإِنْ قِيلَ:) إنَّمَا أُرْخِصَ فِي الدَّفْعِ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلضَّعَفَةِ. (قُلْنَا): لَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمَا اخْتَلَفَ بِالضَّعَفَةِ وَغَيْرِهِمْ. والراجح: ما ذهب جمهور العلماء، أي: جواز دفع الأقوياء غير المعذورين قبل الفجر من مزدلفة إلى مِنًى، إن كانوا قد أتوا بالقَدْر المجزئ من نسك مزدلفة. ومجيء الأحاديث الصحيحة في الإذن للضَّعَفَة بالدَّفْع بليل- يُفْهَم منها إتيانهم بالقدر الواجب، وأن ما بعده من كمال النسك؛ إذ لو كان هذا القَدْر غير مفيد في الإتيان بالواجب، لم يكن هناك معنى لتأخير الإذن للضَّعَفة حتى مغيب القمر، ولأَذِن لهم بمجرد وصولهم مزدلفة، ولكن الأَوْلَى والأكمل هو اتباع سُنة النبي ﷺ ، أي: المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر بها والدعاء، ثم الدفع قبل طلوع الشمس، والله أعلم.

стр. 464

المبحث الثامن: مَنْ تَرَك المبيت بمزدلفة خَشية فوات الرفقة: لا بد أن يُفَرَّق في هذه المسألة بين حالين: الأول: مَنْ انصرف مع الضَّعَفة من النساء والشيوخ الكبار والصبيان ونحوهم، ومَن يكون معهم للقيام بمصالحهم بعد أن باتوا معظم الليل، فلا بأس بذلك ولا شيء عليهم. الثاني: أن يوجد في الحَمْلة الواحدة العدد الكبير من الأقوياء الذين لا يَحتاج إليهم الضَّعَفة، الأفضل لهم البقاء بعد طلوع الفجر، وأما إن لم يستطع باقي الأقوياء المكث في مزدلفة خَشية الضياع والإرهاق، فهنا يَجوز انصرافهم جميعًا؛ لأن في تفرقهم مشقة عليهم. وينبغي للمسئولين عن الحَمَلات أن يخصصوا سيارة للضعفاء، فتنصرف بعد ذَهاب معظم الليل. وأن يُخصِّصوا سيارة للأقوياء، أو يكون معهم مرشد ويركبون القطار، ولا ينصرفون من مزدلفة إلا قُبيل طلوع الشمس تأسيًا برسول الله ﷺ . المبحث التاسع: حُكْم المرور بالمزدلفة فقط دون توقف، أو الرجوع إليها مرة أخرى: لا يخلو الأمر من حالين: الأول: أن يكون مَنْ مر فقط معذورًا بفعله؛ وذلك لعَدَم قدرته على التوقف لأنه مُنع منه، أو عَدَم قدرته على الرجوع بعد أن خرج منها، فالمعذور يكفيه المرور، ولا يجب عليه دم في ذلك، في قول عامة أهل العلم (١). الثاني: أن لا يكون معذورًا بمروره ذلك، بل مروره لمجرد التعجل فحَسْب للوصول إلى مِنًى؛ فهذا قد تَرَك واجبًا، وهو مبيت الليل أو معظمه، فيَلزمه دم، والله أعلم. المبحث العاشر: فوات الوقوف بالمزدلفة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: الوقت الذي يَفوت به الوقوف بالمزدلفة. قال ابن عبد البر: أَجْمَعُوا أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْوُقُوفِ

стр. 465

بِجَمْعٍ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ بِهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَقَدْ أَدْرَكَ (١). المطلب الثاني: حُكْم مَنْ فاته الوقوف الواجب في مزدلفة. هذا لا يخلو من حالين: الأول: مَنْ فاته الوقوف الواجب بالمزدلفة بلا عذر، صح حجه، وعليه دم (٢). الثاني: تَرْك المبيت بالمزدلفة لعُذْر. اختَلف أهل العلم فيمن تَرَك المبيت بالمزدلفة لعُذْر على قولين: القول الأول: مَنْ تَرَك المبيت بالمزدلفة لعذر، صح حجه، ولا دم عليه. وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية (٣). واستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (٤). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَذِن للرعاة والسقاة في ترك المبيت بمِنًى للعذر، ويقاس عليهم مَنْ له عذر، والعذر في المزدلفة كالعذر في مِنًى من مشقة المبيت لأهل الأعذار. القول الآخَر: مَنْ تَرَك المبيت بالمزدلفة لعذر، فلا يجب عليه دم عند الحنابلة (٥). والراجح: أنه لا يَظهر فرق بين السقاة وغيرهم إذا اشتركوا في العلة؛ فالشريعة لا تُفَرِّق بين متماثلات. فالرسول ﷺ أَذِن للعباس في ترك واجب المبيت بمِنًى من أجل المصلحة العامة، وهي سقاية الناس. فكذا يَجوز للجند والأطباء ترك المبيت بمزدلفة من أجل المصلحة العامة، ولا يجب عليهم دم، والله أعلم.

стр. 466

الفصل الثاني سُنن الوقوف بالمزدلفة وفيه تمهيد و سِت سُنن التمهيد: السُّنة في المبيت بمزدلفة. السُّنة الأولى: أن يَجمع في مزدلفة بين صلاتَي المغرب والعشاء. السُّنة الثانية: تقديم النساء والضَّعَفة من مزدلفة إلى مِنًى. السُّنة الثالثة: صلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها. السُّنة الرابعة: الدعاء بعد الفجر في مزدلفة. السُّنة الخامسة: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. السُّنة السادسة: الإسراع في وادي مُحَسِّر.

стр. 467

التمهيد: السُّنة في المبيت بمزدلفة فالسُّنة المبيت بمزدلفة وصلاة الفجر بها، ثم الدعاء والتكبير والتهليل بها، ويَدفع إلى مِنًى لرمي الجمار قبل طلوع الشمس، فهذا الأَوْلَى والأكمل وهو الاتباع لسُنة النبي ﷺ . السُّنة الأولى: أن يَجمع في مزدلفة بين صلاتَي المغرب والعشاء وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: هيئة الجَمْع، وصفة الأذان والإقامة للمغرب والعشاء بمزدلفة. فالسُّنة أن يَجمع الحاج بمزدلفة بين المغرب والعشاء جَمْع تأخير، بالإجماع (١). ففي «الصحيحين»: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ (٢). المبحث الثاني: حُكْم جمع التقديم في المزدلفة. اختَلف العلماء في حُكْم جمع التقديم في المزدلفة على قولين: القول الأول: يَجوز جمع التقديم في المزدلفة لمن وصل قبل دخول وقت العشاء، ولكن الأَوْلَى والسُّنة جمع التأخير. وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وأَشْهَب من المالكية، ومذهب الشافعية والحنابلة (٣). واستدلوا بأن وقت المغرب يَبدأ بغروب الشمس، بالكتاب والسُّنة والإجماع، ومَن أَدَّى الصلاة في وقتها أجزأته، وتأخير المغرب بمزدلفة سُنة، وتَرْك السُّنة لا يُبْطِل الصلاة. القول الآخَر: لا يَجوز جمع التقديم في المزدلفة، ولو فَعَل لأعاد المغرب والعشاء في وقت العشاء. وهذا مذهب الحنفية، وقول المالكية، وقول ابن حزم (٤).

стр. 468

واستدلوا بأن النبي ﷺ جَمَع بين المغرب والعشاء بمزدلفة جَمْع تأخير. فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ. فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ (١). وفي رواية: «المُصَلَّى أَمَامَكَ» فحَدَّد الزمان بعد العشاء، والمكان بمزدلفة. ونوقش بأن فِعْل النبي ﷺ محمول على أنه الأَوْلَى والأفضل؛ لئلا يَنقطع سَيْره حتى يصل إلى المزدلفة، فيصلي هناك؛ لأن صلاة المغرب في عرفة أو الطريق، مع كثرة الناس وصعوبة الوضوء- فيها حرج، والله يقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ» (٢). ونوقش بأنه ضعيف. والراجح: أن جَمْع التقديم جائز، ولكن الأفضل جَمْع التأخير. وعلى هذا فمَن ركب القطار من عرفة، فوصل إلى مزدلفة قبل العشاء، فالسُّنة تأخير المغرب إلى العشاء، والجَمْع بينهما في المُزدلِفة. المبحث الثالث: الجَمْع قبل الوصول للمزدلفة خَشية فوات وقت الصلاة. السُّنة أن تُؤخَّر المغرب مع العشاء بمزدلفة، ولما قال أسامة للنبي ﷺ : الصلاة. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فهذا دليل ظاهر على أن الحاج لا يشتغل بالصلاة قبل الإتيان إلى مزدلفة، إلا مع شدة الزحام أو لكثرة السيارات، فيَجوز للحاج الجَمْع بين المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة؛ خَشية فوات وقت الصلاة، والله أعلم. المبحث الرابع: الجَمْع بين المغرب والعشاء بإقامتين. واختلف العلماء في هيئة الجَمْع بين الصلاتين في الأذان والإقامة على ستة أقوال: القول الأول: أن يَجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.

стр. 469

وبه قال زُفَر والطحاوي من الحنفية، وابن المَاجِشُون من المالكية، وهذا مذهب الشافعي في القديم، والحنابلة في المشهور عنهم، وابن حزم (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فقد روى مسلم عن جابر في حديثه الطويل: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» (٢). ونوقش بأن هذا القَدْر منتقد على مسلم، والصحيح فيه الإرسال. وأما دليلهم من القياس، فكما أنه يُجْمَع في عرفة بين الظُّهر والعصر بأذان وإقامتين، فكذا يُجْمَع في مزدلفة بين المغرب والعشاء (٣). ونوقش بما قاله قال ابن قُدامة: وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ (٤).

стр. 470

القول الثاني: أنه يُجْمَع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين بلا أذان. وهو قول الشافعي في الجديد، والرواية المشهورة عن أحمد، والثوري وإسحاق (١). واستدلوا بما ورد في «الصحيحين»: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- وفيه-: فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ جَمَع بينهما بإقامتين بغير أذان، وأن مَنْ روى إقامتين هو أُسامة، وهو أعلم بحال النبي ﷺ ، فإنه كان رَديفه. وعن ابن عمر ﵄ قال: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (٣).

стр. 471

القول الثالث: السُّنة أن يَجمع بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة. وبه قال الحنفية (١). القول الرابع: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة، من غير أذان. واستُدل لذلك بما روى ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «جَمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (٢). ونوقش بأن أصح الروايات عن ابن عمر الجمع بإقامتين وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، وَالْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (٣).

стр. 472

القول الخامس: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بأذانين وإقامتين. وهو قول مالك (١). واستَدل مالك بما روى البخاري: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ- أُرَى: فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ (٢). وَجْه الدلالة: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِكُلٍّ مِنَ الصَّلَاتَيْنِ إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَمْ نَجِدْهُ مَرْوِيًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ لَقُلْتُ بِهِ (٣). ونوقش بما قاله ابن عبد البر: لَا أَعْلَمُ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا (٤). القول السادس: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة من غير أذان ولا إقامة. واستَدل لذلك بما رُوي عن ابن سيرين قال: صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِجَمْعٍ الْمَغْرِبَ، بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ، ثُمَّ الْعِشَاءَ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ (٥). والراجح: أنه يَجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين بلا أذان، والله أعلم.

стр. 473

السُّنة الثانية: تقديم النساء والضَّعَفة من مزدلفة إلى مِنًى. قال ابن قُدامة: وَالْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَبِيتِ إلَى أَنْ يُصْبِحَ، ثُمَّ يَقِفُ حَتَّى يُسْفِرَ. وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا. وَلِأَنَّ فِيهِ رِفْقًا بِهِمْ وَدَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحَامِ عَنْهُمْ، وَاقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِمْ ﷺ (١). السُّنتان الثالثة والرابعة: صلاة الفجر بمزدلفة في أول وقتها، والدعاء بعدها. يُسَن للحاج بعد بياته بمزدلفة أن يصلي صلاة الفجر في أول وقتها، ويقف يدعو الله . وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٢). قال جابر: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ». ولكن يشكل عليه ما ورد عنِ ابن مسعود قال: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَصَلَّى الفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا (٣). فالمعنى أن رسول الله ﷺ صلى الفجر قبل الوقت المعتاد، أي: في أول وقتها بعد طلوع الفجر، حيث إنه كان يتأخر بين الأذان والإقامة، أما في مزدلفة، فالوقت بين الأذان والإقامة يسير، حتى يتسع الوقت للدعاء، ويَدفع إلى مِنًى للرمي قبل طلوع الشمس (٤).

стр. 474

السُّنة الخامسة: الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس. يُستحب أن يَدفع الحاج من مزدلفة قبل طلوع الشمس، بالإجماع. (١). وفي حديث جابر، وفيه: «حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ … فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ». وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: «إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٢). السُّنة السادسة: الإسراع في وادي مُحَسِّر. ويُستحب الإسراع في وادي مُحَسِّر. وهذا باتفاق المذاهب الأربعة (٣). فقد روى مسلم في حديث جابر: «حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى». قال النووي: قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الفِيلِ حُصِرَ فِيهِ، أَيْ: أَعْيَا فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَحَرَّكَ قَلِيلًا) فَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ السَّيْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يُسْرِعُ الْمَاشِي فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ (٤). وعن ابن عمر، أَنَّه كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ، قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ (٥). فينبغي للمار في وادي مُحَسِّر الاعتبار بما أصاب أصحاب الفيل، وأن يُسْرِع.

стр. 475

الباب الثالث عشر رَمْي جمرة العقبة يوم النحر وفيه تمهيد، وأربعة مباحث: التمهيد: الجمرات التي تُرمَى ثلاث. المبحث الأول: لا يَرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة الكبرى. المبحث الثاني: الوقت المُستحَب لرمي جمرة العقبة يوم النحر. المبحث الثالث: بيان أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر. المبحث الرابع: حُكْم مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق.

стр. 476

تمهيد الجمرات التي تُرمَى ثلاث: جمرة العقبة، وهي الكبرى، وتقع في آخِر مِنًى تجاه مكة. والجمرة الصغرى أول الجمرات من جهة مِنًى، وأبعدها من مكة وأقربها لمسجد الخَيْف. وأيام الرمي أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، تُسمَّى أيام التشريق. المبحث الأول: لا يَرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة الكبرى: فعن جابر في حديثه الطويل في صفة حجة النبي ﷺ يوم النحر: «حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ». قال ابن المنذر: أجمعوا على أنه لا يَرمي في يوم النحر غير جمرة العقبة (١). المبحث الثاني: الوقت المُستحَب لرمي جمرة العقبة يوم النحر: قال ابن عبد البر: وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَمَاهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَالِ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَهَا وَوَقْتَهَا الْمُخْتَارَ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الْمَغِيبِ، فَقَدْ رَمَاهَا فِي وَقْتٍ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَهُ (٢). المبحث الثالث: بيان أول وقت رمي جمرة العقبة يوم النحر: اتَّفَق العلماء على أن رمي جمرة العقبة قبل نصف الليل، من ليلة النحر- لا يجزئ بحال. واختلفوا في بداية وقت إجزاء رمي جمرة العقبة يوم النحر على أربعة أقوال: القول الأول: يَبدأ وقت رمي جمرة العقبة من منتصف ليلة يوم النحر، ويُسَن أن يكون بعد طلوع الشمس. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣).

стр. 477

واستدلوا بما ورد عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا وَمَضَيْنَا، حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا (١). فأسماء دفعت من مزدلفة إلى مِنًى بعد غياب القمر، ثم رمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم رجعت فصَلَّتْ الصبح في منزلها. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (٢).

стр. 478

وأما دليلهم من المعقول، فهو أنه وقت للدفع، فكان وقتًا للرمي، فإذا جاز الدفع من مزدلفة بعد غياب القمر إلى مِنًى، جاز الرمي قبل طلوع الفجر، وما بعد نصف الليل وقت للدفع من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي، كبَعْد طلوع الشمس. القول الثاني: أن أول وقت رمي جمرة العقبة بعد طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، ولا يجزئ قبله. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: أما السُّنة، فاستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «لَا تَرْمُوا الْجِمَارَ حَتَّى تُصْبِحُوا» (٢). والصباح يَبدأ بطلوع الفجر الثاني. ونوقش بأنه لا يصح، ولو صح فيُحْمَل على أن الرمي بعد الفجر على الاستحباب؛ لأن الرسول ﷺ أَذِن للضَّعَفة بالانصراف ليلًا من مزدلفة؛ لأنهم بمجرد وصولهم إلى مِنًى سيَرمون الجمرة ليلًا أو نهارًا. ولأن النبي ﷺ لم ينههم عن الرمي ليلًا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ، فَرَمَيْنَا الْجَمْرَةَ مَعَ الْفَجْرِ (٣).

стр. 479

وأما المعقول، فإن دخول وقت الرمي يكون بانتهاء وقت الوقوف بعرفة، وقد حَصَل الإجماع على أنه لا ينتهي وقت الوقوف بعرفة إلا مع طلوع الفجر، ولا يجتمع الوقوف والرمي في وقت واحد. ونوقش بأن أفعال الحج لا مانع أن تجتمع في وقت واحد؛ فليلة النحر وقت للوقوف بعرفة، وأصل للوقوف بمزدلفة، وكيوم النحر وقت للرمي والنحر والحَلْق والطواف. القول الثالث: أن أول وقت الرمي يوم النحر هو طلوع الشمس، ولا يجوز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس. وهو قول مجاهد والثوري وابن حزم (١). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ مِنْ جَمْعٍ، وَقَالَ: «لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٢).

стр. 480

القول الرابع: أن رمي جمرة العقبة لا يَجوز قبل طلوع الشمس للأقوياء، بخلاف الضعفاء. وهذا قول ابن القيم والشوكاني والصنعاني (١). واستدلوا بأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في الرمي قبل طلوع الشمس- كلها للضَّعَفة، كما في حديث ابن عمر أنه كان يُقَدِّم ضَعَفة أهله … وقال: أَرْخَصَ في أولئك رسول الله ﷺ . وغيره من الأحاديث. فالمنطوق أن الإذن والترخيص للضَّعَفة بالرمي قبل طلوع الشمس. والمفهوم أنه لم يُرخِّص لمن سواهم، وما دام لم يُرخِّص لهم فالأصل البقاء على الوقت الذي رمى فيه النبي ﷺ ، وهو بعد طلوع الشمس (٢). فيُرَد عليهم بأن النبي ﷺ أَذِن بدفع الضَّعَفة بليل قبل الفجر، مما يُفْهَم منه إتيانهم بقَدْر الواجب، وأن ما بعده كمال. ولو كان هذا القَدْر غير مفيد في ذلك، لم يكن لتأخير الإذن لهم حتى الليل معنى. والراجح: أن رمي جمرة العقبة يوم النحر يَجوز من بعد غياب القمر، كما في حديث أسماء الدال على الإذن في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس. ولذا يَجوز لأهل الأعذار من النساء ومحارمهن من الرجال والمرضى، ومَن يقوم عليهم من الأقوياء، والصبيان وغيرهم من أهل الأعذار- الرمي قبل طلوع الشمس، وإن كان الأفضل هو الرمي بعد طلوع الشمس إن لم يكن هناك مشقة أو حرج.

стр. 481

وأما الأقوياء، فيُسَن لهم الرمي بعد الشروق؛ لأن النبي ﷺ رمى جمرة العقبة ضُحى. المبحث الرابع: حُكْم مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق. اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن مَنْ تَرَك رمي جمرة العقبة يوم النحر وليلة أول أيام التشريق- تَدارَكها في اليوم التالي، ويُشترط فيه الترتيب، فتُقدَّم على رمي أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية، وبه قال الحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فاستدلوا لصحة تأخير رمي جمرة العقبة إلى اليوم الثاني إذا دعت الحاجة- بما رواه عاصم العَجْلاني ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ في البَيْتُوتَةِ عَنْ مِنًى، يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الغَدَ، ومِنْ بَعْدِ الغَدِ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ. قال النووي: والدليل عليه أنه يَجوز لرعاة الإبل أن يؤخروا رمي يوم إلى يوم بعده، فلو لم يكن اليوم الثاني وقتًا لرمي اليوم الأول، لما جاز الرمي فيه (٢). وأما القياس، فإنه لما كان جميع أيام التشريق وقتًا لنحر الأضاحي، وجب أن يكون جميعها وقتًا لرمي الجمار. القول الآخَر: رَمْي كل يوم مؤقت بيومه. وهو قول للشافعية (٣). والدليل عليه: أنه رَمْي مشروع في يوم، ففات بفواته، كرمي اليوم الثالث. والراجح: أن مَنْ تَعَذَّر عليه رمي جمرة العقبة يوم النحر، وليلة أول أيام التشريق- تَدارَكها في اليوم التالي.

стр. 482

الباب الرابع عشر الحَلْق والتقصير وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الحَلْق والتقصير. المبحث الثاني: حُكْم الحلق والتقصير. المبحث الثالث: القَدْر الواجب حلقه أو تقصيره. المبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟ المبحث الخامس: الأفضل الحلق أم التقصير؟ المبحث السادس: الحلق والتقصير للمرأة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: لا يَجوز في حق المرأة إلا التقصير. المطلب الثاني: مقدار تقصير شعر المرأة. المبحث السابع: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير. وفيه مطلبان: المطلب الأول: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير؛ لعدم وجود الشعر. المطلب الثاني: مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق أو التقصير لمرض ونحوه. المبحث الثامن: حُكْم التيامن في حلق الرأس. المبحث التاسع: ميقات الحلق والتقصير.

стр. 483

المبحث الأول: تعريف الحَلْق والتقصير الحلق: هو إزالة شعر الرأس كله بالموسى. والتقصير: هو أخذ جزء من شعر الرأس كله بالمقص (١). المبحث الثاني: حُكْم الحَلْق أو التقصير اختَلف أهل العلم في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الحلق أو التقصير واجب من واجبات الحج والعمرة، يُجْبَر بدم. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بدليلين: الدليل الأول: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧]. دلت الآية على وجوب الحلق من وجهين: الأول: أن العبادة إذا سُميت بما يُفعل فيها، دل على أنه واجب فيها، كقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] يدل على وجوبه في صلاة الفجر، فكذا وَصْف الله تعالى دخول الصحابة الحرم للنسك، بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولو لم يكن الحلق واجبًا لَمَا وَصَفهم به. الثاني: أن قوله: (لتَدخلُن) خبر بصيغته، ومعناه الأمر، أي: ادخلوا، فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق. ولَمَّا خصه الله بالذِّكر دون غيره، دل ذلك على أنه نسك واجب. الدليل الثاني: استدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩].

стр. 484

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: التَّفَثُ: حَلَقُ الرَّأْسِ، وَأَخْذٌ مِنَ الشَّارِبَيْنِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، … (١). فالحاصل: أن التفث هو الأوساخ والأدران التي تكونت بسبب محظورات الإحرام، وقضاء التفث يكون بحلق الرأس ولُبْس المَخيط وتقليم الأظفار، وسائر أنواع التنظف، وكل ما كان ممنوعًا بسبب الإحرام. وأما دليلهم من السُّنة، فاستدلوا بفعله ﷺ ، فعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ حَلَق رأسه في حَجة الوداعِ (٢) وقد قال ﷺ : «لتأخذوا مناسككم». وقد دلت الأحاديث المستفيضة على أن النبي ﷺ أَمَر أصحابه بالحلق في حَجة الوداعِ؛ فعن جابر ﵄، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أَهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: «أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ بالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا» (٣). قوله ﷺ : «وقَصِّروا» هذا أمر من رسول الله ﷺ ، والأمر يقتضي الوجوب. واستدلوا بأن النبي ﷺ لما أُحْصِرَ هو وأصحابه بالحُديبية أَمَرهم بالحلق؛ لأن سقوط بقية الأركان والواجبات إنما هو بعجزهم عنها، فبقي وجوب ما استطاعوا عليه، وهو الهَدْي والحلق أو التقصير (٤). القول الثاني: ذهب الشافعية في المشهور عنهم إلى أن الحَلْق ركن من أركان الحج؛ لأنه لا يَجبره الدم ولا تقوم الفدية مَقامه. القول الثالث: أن الحَلْق أو التقصير ليس بنسك، وإنما هو استباحة محظور لا يترتب على تركه شيء، كاللباس والطِّيب وسائر محظورات الإحرام، ويَحصل الحِل بدونه. وهذا قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة (٥).

стр. 485

واستدلوا بأن الرسول ﷺ أَمَر أبا موسى أن يتحلل بطواف وسعي، بقوله: «طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ» ولم يَذكر التقصير. ونوقش بأن الحَلْق أو التقصير ثَبَتَ الأمر به في أحاديث، فإن لم يُذْكَر في أحاديث أُخَر؛ فلأن ذلك كان مشهورًا عندهم، فاستُغني عن ذِكره (١). والراجح: أن الحَلْق أو التقصير واجب من واجبات الحج؛ لأن الله وصفهم بقوله سبحانه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] ولو لم يكن واجبًا لَمَا وَصَفهم به، والنبي ﷺ أَمَر أصحابه بتقصير الشَّعر، والأمر يقتضي الوجوب، وكذا الرسول ﷺ هو وأصحابه داوموا على الحَلْق بعد السعي، ولو لم يكن واجبًا لتَرَكه ﷺ ولو مرة بيانًا للجواز. المبحث الثالث: القَدْر الواجب حلقه أو تقصيره: لا خلاف بين العلماء أن مَنْ حَلَق أو قَصَّر جميع شعر الرأس، أنه يجزئه. واختلفوا في القَدْر الذي يتحقق به الواجب على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الواجب لا يتحقق إلا بحلقِ أو تقصيرِ جميع شعر الرأس. وبه قال ابن الهُمَام من الحنفية، والمالكية، وهو المشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بالكتاب والسنة: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فظاهر الآية يقتضي حَلْق جميع شعر الرأس. وأما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ (٣). فقوله: (حَلَقَ رَأْسَهُ) يدل على أن الحَلْق عامّ في جميع شعر الرأس.

стр. 486

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الواجب يتحقق بحلقِ أو تقصيرِ ربع الرأس (١). واستدلوا بالقياس، فإذا كان يَجوز مسح ربع الرأس في الوضوء، فكذا يَجوز حلق ربع الرأس في الحج، والله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والباء للتبعيض، كما تقول: (مَسَحْتُ بالحائط) وهو مَسْح بجزء من الحائط. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن الباء هنا للإلصاق، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وقد أجمعوا على أنه لا يَجوز الطواف ببعض البيت. الثاني: أن النبي ﷺ هو المُبيِّن للناس ما أُنْزِلَ إليه، وقد حَلَق جميع شعر رأسه، بدأ بالجانب الأيمن ثم الأيسر، وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه يتحقق الواجب بحلقِ أو تقصيرِ ثلاث شعرات من الرأس؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] والمعنى: محلقين شعوركم، جَمْع، وأقله ثلاث شعرات، فجاز الاقتصار على ثلاث (٢). ونوقش بأن النبي ﷺ هو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، وقد حَلَق جميع شعره. ولو كان يَجوز حلق بعض الشَّعر وتَرْك البعض الآخَر، لبَيَّنه رسول الله ﷺ . بل قد ورد النهي عن ذلك، فعن ابن عمر ﵄ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنِ القَزَعِ (٣). والراجح: أنه يجب تعميم حَلْقِ أو تقصيرِ جميع شَعر الرأس في حج أو عمرة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أي: جميع شعر الرأس. ولأن النبي ﷺ حَلَق جميع شعر رأسه، وكذا الصحابة. ولو كان يَجوز حَلْق بعض الرأس لبَيَّنه النبي ﷺ لأمته.

стр. 487

المبحث الرابع: هل يجزئ التقصير عن الحلق؟ أَجْمَع العلماء على أن مَنْ حلق شعر رأسه أو قَصَّره، فقد أدى النسك (١). المبحث الخامس: الأفضل في حلق الرأس: الحلق أم التقصير؟ حَلْق جميع الرأس أفضل من تقصيره، بالكتاب والسُّنة والإجماع والمعقول. أما الكتاب، فاستُدل بظاهر قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وَجْه الدلالة: أن الله بدأ بالحَلْق، والعَرَب تَبدأ بالأهم والأفضل. وأما السُّنة، فعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ حَلَق رأسه في حَجة الوداعِ (٢)

стр. 488

والرسول ﷺ لا يَفعل إلا الأفضل. واستدلوا بأن النبي ﷺ في حَجة الوداعِ دعا للمُحلِّقين ثلاثًا، وللمُقصِّرين مَرَّة (١). وأما الإجماع، فقال ابن عبد البر: وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْحِلَاقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ (٢). وأما المعقول، فما قاله الحافظ: أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَبْيَنُ لِلْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ. وَالَّذِي يُقَصِّرُ يُبْقِي عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا يَتَزَيَّنُ بِهِ، بِخِلَافِ الْحَالِقِ فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى (٣).

стр. 489

فالحاصل: أن الحَلْق بالموسى أفضل من التقصير بالمقص أو الماكينة في حق الرجال، إلا في حق المتمتع إذا كان قريب عهد بحج، فينبغي أن يُقَصِّر بعد أداء العمرة ويُؤخِّر الحَلْق للحج، وكذا يجب تعميم حَلْق أو تقصير جميع شعر الرأس؛ لفِعل النبي ﷺ ذلك. المبحث السادس: الحلق أو التقصير للمرأة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: لا يَجوز في حق المرأة إلا التقصيربالإجماع. فاتفقوا على أن النساء لا يَجوز في حقهن إلا التقصير؛ لأن الحلق للنساء مُثْلة (١). وقد قال رسول الله ﷺ : «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» (٢). وعن أبي موسى قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ (٣). ولأن المرأة محتاجة إلى التجمل، والشَّعر زينة؛ ولذا شُرِع في حقها التقصير فقط. المطلب الثاني: مقدار تقصير شعر المرأة. يُستحب أن تُقصِّر المرأة من شعرها قَدْر أُنملة الإصبع- وهي مفصل الإصبع- فتُمسِك ضفائر رأسها إن كان لها ضفائر، أو بأطرافه إن لم يكن لها ضفائر، وتقص قَدْر أنملة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٤).

стр. 490

المبحث السابع: مَنْ تَعَذَّر عليه الحَلْق أو التقصير: وفيه مطلبان: المطلب الأول: مَنْ تَعَّذَر عليه الحلق أو التقصير؛ لعدم وجود الشعر: أَجْمَع العلماء على أن الأصلع يَمُر على رأسه بالموسى عند الحلق (١). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يُستحب له إمرار الموسى على رأسه. وهو قول للحنفية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة (٢). القول الثاني: أنه يجب إمرار الموسى على رأسه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية (٣). القول الثالث: لا يُستحب له إمرار الموسى على رأسه (٤). المطلب الثاني: مَنْ تَعَذَّر عليه الحَلْق أو التقصير لمرض ونحوه: اختَلف العلماء فيمن تَعَذَّر عليه الحَلْق لمرض على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب المالكية إلى أنه يصبح حلالًا، ويَلزمه الهَدْي (٥). القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنه يصبح حلالًا، ولا شيء عليه (٦). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه يبقى على إحرامه حتى يَحلق ويتحلل (٧). والحاصل: أن مَنْ تَعَذَّر عليه الحلق لمرض لا يخلو من حالين: فإن كان يُرجَى برؤه، فإنه ينتظر حتى يبرأ، ثم يحلق ويتحلل. وإن كان لا يُرجَى برؤه فإنه يَفدي ويتحلل.

стр. 491

المبحث الثامن: حُكْم التيامن في حلق الرأس: يُستحَب التيامن في حلق الرأس، فيُقدَّم الشق الأيمن ثم الشق الأيسر، بالإجماع (١). وروى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ؛ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (٢).

стр. 492

المبحث التاسع: ميقات الحَلْق أو التقصير، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الميقات الزماني: آخِر وقت للحلق أو التقصير قد اختَلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير يكون بغروب الشمس من آخِر شهر ذي الحجة، ولا يَجوز التأخير بعده. وهذا مذهب بعض المالكية وابن حزم (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد بَيَّن الله تعالى أول وقت الحلق بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يُبيِّن آخره، وأَشْهُر الحج تنتهي بنهاية ذي الحجة، فمَن حَلَق بعد انتهاء شهر ذي الحجة، فقد وقع في غير وقته، وعليه جبران ذلك بدم. القول الثاني: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير هو آخِر أيام التشريق؛ واستدل لذلك بالقياس، فكما أن الرمي والنحر لا يكونان إلا في يوم النحر وأيام التشريق، فكذا الحلق أو التقصير. وبه قال الحنفية والمالكية في قول، وقول للحنابلة (٢) واعتُرض عليه بأن الحلق لا يقاس على الرمي والنحر؛ لأن الرمي والنحر مما تَدخله النيابة، بخلاف الحلق، فلا بد للحاج أن يَحلق أو يُقصِّر رأسه. القول الثالث: أنه ليس لآخِر وقت الحلق أو التقصير حد، فيصح فعله في أي وقت. وبه قال أبو يوسف ومحمد من الحنفية، والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله تعالى بَيَّن أول وقت الحلق ولم يُبيِّن آخره، فمتى أتى به أجزأه.

стр. 493

ونوقش بأن الحج مُقيَّد بأَشْهُر معلومات، فكيف يأتي بنسك في غير زمن الحج؟! واستدلوا بالقياس: فإذا كان يصح فعل طواف الإفاضة ولو بعد سنوات، فكذا الحلق. ونوقش بأنه لا يصح قياس الحلق على الطواف؛ لأنه أسهل. والحاصل: أن السُّنة في الحلق هي يوم النحر؛ لفِعله ﷺ ، وقال: «خذوا عني مناسككم» وبداية وقت الحلق يوم النحر، وآخِر وقت الحلق هو آخِر شهر ذي الحجة؛ لأن الحلق من مناسك الحج، ونهاية شهر ذي الحجة هي نهاية أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومَن أَخَّر الحلق عن شهر ذي الحجة، لَزِمه الدم. المطلب الثاني: الميقات المكاني: أي: لا بد أن يكون الحلق في الحرم؟ أم يَجوز في أي مكان في الحل أو الحرم؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الحلق لا يختص بمكان معين، وإذا حَلَق في أي مكان أجزأه، ولكن يُستحب فعله في الحرم، خاصةً مِنًى. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ. وَحُدَيْبِيَةُ مِنَ الْحِلِّ، فَلَوِ اخْتَصَّ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ، لَمَا جَازَ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَدَلَّ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَخْتَصُّ جَوَازُهُ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ.

стр. 494

الباب الخامس عشر طواف الإفاضة وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: التمهيد: سبب تسميته بطواف الإفاضة. المبحث الأول: حُكم طواف الإفاضة. المبحث الثاني: بداية وقت طواف الإفاضة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: وقت الفضيلة. المطلب الثاني: وقت ابتداء طواف الإفاضة. المبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة.

стр. 495

التمهيد: سبب تسميته طواف الإفاضة سُمي طواف الإفاضة لأنه يَكُون بعد الإفاضة مِنْ عرفة ومُزدلِفة ومِنًى (١). المبحث الأول: حُكْم طواف الإفاضة طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والمراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة بالإجماع (٢). ودل على ذلك سياق الآية، فلا يكون يوم النحر بعد قضاء التفث والوفاء بالنذر، إلا بَعْد طواف الإفاضة. وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» (٣). قال ابن عبد البر: مَعْنَى الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَحْبِسُ الْحَائِضَ بِمَكَّةَ، لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْمُفْتَرَضَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَجَّ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ (٤). وأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به (٥).
следующие страницы →