← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المبحث الثامن: حُكْم التيامن في حلق الرأس: يُستحَب التيامن في حلق الرأس، فيُقدَّم الشق الأيمن ثم الشق الأيسر، بالإجماع (١). وروى مسلم: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْجَمْرَةَ، وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ؛ نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ فَقَالَ: «احْلِقْ» فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ فَقَالَ: «اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ» (٢).

стр. 492

المبحث التاسع: ميقات الحَلْق أو التقصير، وفيه مطلبان: المطلب الأول: الميقات الزماني: آخِر وقت للحلق أو التقصير قد اختَلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير يكون بغروب الشمس من آخِر شهر ذي الحجة، ولا يَجوز التأخير بعده. وهذا مذهب بعض المالكية وابن حزم (١). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقد بَيَّن الله تعالى أول وقت الحلق بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يُبيِّن آخره، وأَشْهُر الحج تنتهي بنهاية ذي الحجة، فمَن حَلَق بعد انتهاء شهر ذي الحجة، فقد وقع في غير وقته، وعليه جبران ذلك بدم. القول الثاني: أن آخِر وقت الحلق أو التقصير هو آخِر أيام التشريق؛ واستدل لذلك بالقياس، فكما أن الرمي والنحر لا يكونان إلا في يوم النحر وأيام التشريق، فكذا الحلق أو التقصير. وبه قال الحنفية والمالكية في قول، وقول للحنابلة (٢) واعتُرض عليه بأن الحلق لا يقاس على الرمي والنحر؛ لأن الرمي والنحر مما تَدخله النيابة، بخلاف الحلق، فلا بد للحاج أن يَحلق أو يُقصِّر رأسه. القول الثالث: أنه ليس لآخِر وقت الحلق أو التقصير حد، فيصح فعله في أي وقت. وبه قال أبو يوسف ومحمد من الحنفية، والشافعية، وهو المشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله تعالى بَيَّن أول وقت الحلق ولم يُبيِّن آخره، فمتى أتى به أجزأه.

стр. 493

ونوقش بأن الحج مُقيَّد بأَشْهُر معلومات، فكيف يأتي بنسك في غير زمن الحج؟! واستدلوا بالقياس: فإذا كان يصح فعل طواف الإفاضة ولو بعد سنوات، فكذا الحلق. ونوقش بأنه لا يصح قياس الحلق على الطواف؛ لأنه أسهل. والحاصل: أن السُّنة في الحلق هي يوم النحر؛ لفِعله ﷺ ، وقال: «خذوا عني مناسككم» وبداية وقت الحلق يوم النحر، وآخِر وقت الحلق هو آخِر شهر ذي الحجة؛ لأن الحلق من مناسك الحج، ونهاية شهر ذي الحجة هي نهاية أشهر الحج؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومَن أَخَّر الحلق عن شهر ذي الحجة، لَزِمه الدم. المطلب الثاني: الميقات المكاني: أي: لا بد أن يكون الحلق في الحرم؟ أم يَجوز في أي مكان في الحل أو الحرم؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الحلق لا يختص بمكان معين، وإذا حَلَق في أي مكان أجزأه، ولكن يُستحب فعله في الحرم، خاصةً مِنًى. وبه قال أبو يوسف من الحنفية، والمالكية والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْحَلْقِ. وَحُدَيْبِيَةُ مِنَ الْحِلِّ، فَلَوِ اخْتَصَّ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ، لَمَا جَازَ فِي غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا فَعَلَ بِنَفْسِهِ، وَلَمَا أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَدَلَّ أَنَّ الْحَلْقَ لَا يَخْتَصُّ جَوَازُهُ بِالْمَكَانِ، وَهُوَ الْحَرَمُ.

стр. 494

الباب الخامس عشر طواف الإفاضة وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: التمهيد: سبب تسميته بطواف الإفاضة. المبحث الأول: حُكم طواف الإفاضة. المبحث الثاني: بداية وقت طواف الإفاضة. وفيه مطلبان: المطلب الأول: وقت الفضيلة. المطلب الثاني: وقت ابتداء طواف الإفاضة. المبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة.

стр. 495

التمهيد: سبب تسميته طواف الإفاضة سُمي طواف الإفاضة لأنه يَكُون بعد الإفاضة مِنْ عرفة ومُزدلِفة ومِنًى (١). المبحث الأول: حُكْم طواف الإفاضة طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والمراد بهذا الطواف هو طواف الإفاضة بالإجماع (٢). ودل على ذلك سياق الآية، فلا يكون يوم النحر بعد قضاء التفث والوفاء بالنذر، إلا بَعْد طواف الإفاضة. وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» (٣). قال ابن عبد البر: مَعْنَى الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يَحْبِسُ الْحَائِضَ بِمَكَّةَ، لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْمُفْتَرَضَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَجَّ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ (٤). وأما الإجماع، فقد نَقَل غير واحد الإجماع على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به (٥).

стр. 496

المبحث الثاني، بداية وقت طواف الإفاضة: وفيه مطلبان: المطلب الأول: وقت الفضيلة: وقت الفضيلة أن يطوف طواف الإفاضة ضُحَى يوم النحر، بَعْد أن يَرمي جمرة العقبة، ويَنحر هَدْيه ويَحلق، ثم يطوف طواف الإفاضة. قال ابن رُشْد: وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فِي حِجَّتِهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ نَحَرَ بُدُنَهُ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا سُنَّةُ الْحَجِّ (١). ودل على ذلك ما رواه مسلم، من حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ في يوم النحر: وفيه: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ (٢).

стр. 497

المطلب الثاني: وقت ابتداء طواف الإفاضة. نُقِل الإجماع على أن تقديم طواف الإفاضة على الوقوف بعرفة- لا يُجْزئ (١). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في جواز ابتداء الإفاضة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن أول ابتداء وقت طواف الإفاضة يَبدأ من طلوع فجر يوم النحر. وهو مذهب الحنفية والمالكية، وأحمد في رواية (٢). واستدلوا لذلك بحديث جابر في صفة حجة ﷺ في يوم النحر: ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ. أي: طاف طواف الإفاضة يوم النحر في النهار، والنهار يبتدئ من طلوع الفجر. والنبي ﷺ قال: «خذوا عني مناسككم». القول الثاني: أن أول وقت طواف الإفاضة يَبدأ من منتصف ليلة النحر. وهو مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (٣). واستدلوا بأن الرسول ﷺ أَذِنَ للضَّعَفة وللنساء بجواز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل والرمي قبل الفجر، وإذا جاز الدفع والرمي، جاز طواف الإفاضة قبل الفجر. ونوقش بأن مَنْ دَفَع من مزدلفة بعد مغيب القمر، فسيصل إلى مِنًى قبل الفجر لرمي جمرة العقبة، ثم مَنْ انصرف من منى إلى مكة فسيصل بعد الفجر للطواف، فدل ذلك على أن طواف الإفاضة لا يكون إلا بعد الفجر (٤). القول الثالث: أنه يَجوز أن يطوف للإفاضة يوم التروية. وهو قول في مذهب مالك. واستَدل مالك بأن الله لم يَفرض على الحاج إلا طوافًا واحدًا، بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] وقال في سياق الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] والواو لا توجب رتبة إلا بتوقيف، ومَن طاف

стр. 498

بالبيت يوم التروية فقد طاف للحج في وقته وحين عمله (١). ونوقش بأن سياق الآية يدل على أن المراد بالطواف هو طواف الإفاضة. والدليل على ذلك أن الله ذَكَر الطواف بعد إلقاء التَّفَث والوفاء بالنذر، وهذا يكون يوم النحر بالإجماع؛ لأن العطف بالواو على (ثُم) فلا يكون الطواف المفترض الواجب إلا بعد ذلك، فدل على أن طواف الإفاضة لا يكون إلا قبل يوم النحر. وأما السُّنة، فعن نافع، أن ابن عمر أراد الحج، فقال: أَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ. فظاهر الحديث أن ابن عمر لم يَطُف يوم النحر للإفاضة، واكتفى بطواف القدوم عنه. ونوقش هذا الاستدلال بما قاله القرطبي: وقوله: «وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ» يعني: الطوافَ بين الصفا والمروة، وأما الطواف بالبيت فلا يصح أن يقال فيه: إنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه هو الركن الذي لا بد منه للمُفْرِد والقارِن … وقوله: «وكذلك فَعَل رسولُ الله ﷺ » يعني أنه اكتفى بالطواف بين الصفا والمروة حين طاف للقدوم، ولم يُعِدِ السعي (٢). والراجح: عدم جواز طواف الإفاضة قبل فجر يوم النحر. المبحث الثالث: نهاية وقت طواف الإفاضة: نُقِل الإجماع على أنه يَجوز تأخير طواف الإفاضة إلى آخِر أيام التشريق (٣). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في نهاية وقت الإفاضة على أربعة أقوال: القول الأول: أنه يَجوز تأخير الطواف بلا حد، إلا أن الحاج يَبقى مُحْرِمًا، إذا لم يتحلل التحلل الأكبر. وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو رواية عن مالك، والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 499

واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فمَن طاف متأخرًا، فقد طاف وحَقَّق الأمر الشرعي، وقد قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولا تمام للحج بدون طواف الإفاضة، ولم يَرِد تأقيت لآخِره. وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: «فَلَا إِذًا». وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لما عَلِم أن صفية قد حاضت ظن أنها لم تَطُف للإفاضة، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن صفية لو كانت حائضًا ولم تَطُف للإفاضة، لانتظرها حتى تَطْهُر وتطوف، وهذا بَعْد أيام التشريق؛ لأنه قد حان طواف الوداع. فهذا الحديث يؤخذ منه أن طواف الإفاضة كان وقته مفتوحًا. وأما المعقول، فهو أن طواف الإفاضة لم يَرِد دليل يُبيِّن آخِر وقته، فمتى أتى به صح، فلو تَوَقَّتَ آخِرُه لبَيَّنه رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. القول الثاني: أن تأخير الطواف إلى انتهاء أيام التشريق موجب للدم. وهو مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، ورواية عن أحمد (١). واستدلوا بالكتاب والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨، ٢٩]. وَجْه الدلالة: أن طواف الإفاضة مؤقت بأيام التشريق وجوبًا، وذلك أن الله تعالى عَطَف الطواف على الذبح والأكل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] ثم قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] فكان وقتهما واحدًا، فتأخير

стр. 500

طواف الإفاضة إلى انتهاء أيام التشريق يوجب نقصانًا، فيُجبَر ذلك النقصان بالدم. ونوقش بأنه لا يَلزم من عطف الطواف على الذبح وجوبه في أوقات الذبح، خاصة وأن العطف ب (ثُم) التي تقتضي التراخي، فدل على عدم وجوبه في أوقات الذبح. ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ أجاز طواف الإفاضة بعد أيام التشريق؛ لأنه قد حان طواف الوداع، فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» أي أن صفية لو كانت حائضًا ولم تَطُف للإفاضة، لانتظرها حتى تَطهُر وتطوف. ولو كان يجب دم لبَيَّنه؛ لأنه لا يَجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. القول الثالث: أن تأخير الطواف إلى انتهاء شهر ذي الحجة موجب للدم. وهو المشهور عند المالكية (١). واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وَجْه الدلالة: أن أَشْهُر الحج ثلاثة، وهي: شَوَّال وذو القعدة وذو الحجة. وتأخير الطواف عن شهر ذي الحجة فِعل للركن في غير أشهر الحج، وهذا يوجب عليه الدم. ونوقش بأن أفعال الحج منها ما هو محدودٍ آخِرها شرعًا كالوقوف بعرفة، ومنها ما هو غير محدود شرعًا، كتأخير طواف الإفاضة، فيجزئ فِعله في أي وقت. القول الرابع: أن تأخير الطواف إلى انتهاء شهر ذي الحجة مُبْطِل للحج. وبه قال ابن حزم؛ لأن أَشْهُر الحج ثلاثة، وهي: شَوَّال، وذو القعدة، وذو الحجة. فإذا انتهى شهر ذي الحجة قبل أن يطوف للإفاضة، فقد بَطَل حجه لانتهاء وقت الحج قبل تمامه (٢). والراجح: أن وقت طواف الإفاضة لا حد لآخِره شرعًا، فيجوز تأخير الطواف بلا حد، ولو أن الحاج رجع إلى بلده بعد الحج قبل طوافه، ثم سافر إلى مكة فطاف الإفاضة، أجزأه. ولا يجب طواف الوداع لأنه لم يُتِم نسكه، ولا دليل على وجوب الدم عليه (٣).

стр. 501

الباب السادس عشر حُكْم ترتيب أعمال يوم النحر والتحلل وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: حُكْم ترتيب أعمال يوم النحر. المبحث الثاني: التحلل. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التحلل. المطلب الثاني: بِمَ يَحصل التحلل الأول؟ المطلب الثالث: ماذا يبيح التحلل الأول من المحظورات؟ المطلب الرابع: التحلل الأكبر. المطلب الخامس: بِمَ يَحصل التحلل من العمرة؟ المبحث الثالث: أكانت صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر يوم النحر بمكة أم بمِنًى؟

стр. 502

المبحث الأول: حُكْم ترتيب أعمال يوم النحر: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى فِي حِجَّتِهِ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ نَحَرَ بُدُنَهُ، ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا سُنَّةُ الْحَجِّ (١). قال ابن قُدامة: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لَا تُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنِ الْإِجْزَاءِ، وَلَا يَمْنَعُ وُقُوعُهَا مَوْقِعَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ (٢). وقد اختَلف العلماء في حكم ترتيب أعمال يوم النحر على أربعة أقوال: القول الأول: أن ترتيب أعمال يوم النحر سُنة. وهو مذهب أبي يوسف من الحنفية، والشافعية، والمشهور عن الحنابلة (٣). واستدلوا بما ورد عَنِ ابْنِ عَمْرِو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. فقالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ» (٤). القول الثاني: أن الترتيب واجب بين (الرمي والذبح والحلق) أما الترتيب بينها وبين الطواف فسُنة. وهذا مذهب الحنفية (٥). واستدلوا لعدم جواز تقديم الحلق على الذبح بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يعني: ولا تَحلقوا حتى تَذبحوا. فدلت الآية على وجوب تقديم النحر على الحَلْق.

стр. 503

ونوقش بأن المراد ببلوغ الهَدْي محله: وصوله إلى الموضع الذي يَحِل ذبحه فيه، سواء ذُبِح أو لم يُذبَح، فلم يقل الله تعالى: (حتى تَنحروا) وكذا لا يَجوز حَلْق الشَّعر قبل التحلل الأول، ولا يَحصل إلا برمي الجمرة؛ فلذا لا يَجوز الحلق قبل الرمي. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] فالله رَتَّب قضاء التَّفَث- وهو الحَلْق- على الذبح، وهذا يدل على الوجوب. القول الثالث: أنه يجب تقديم الرمي على الحَلْق وعلى طواف الإفاضة، وما سِوي ذلك فسُنة. وهذا مذهب المالكية. القول الرابع: أنه يَجوز التقديم والتأخير في حق الناسي والجاهل، أما العَالِم فإذا قَدَّم ما كان حقه التأخير في يوم النحر، فإنه يَجبر ذلك بدم. وهذا رُوي عن أحمد في رواية (١). واستَدل أحمد بما ورد عن ابن عمرو، وفيه: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ! فَقَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» (٢). قوله: (لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ) دل على أن الرخصة في التقديم والتأخير مُقيَّدة بعذر الجهل والنسيان والخطأ؛ لأن هذه الرواية مُقيَّدة بعدم الشعور الذي يتضمن عدم الفطنة للشيء، جهلًا أو نسيانًا أو خطأ. وقالوا: إن المُطْلَق يُحْمَل على المُقيَّد (٣). واعتُرض عليه بأن النبي ﷺ لم يَسأل السائل في الرواية المُطْلَقة عن الجهل والنسيان، مع تعدد السائلين، لم يُفَرِّق النبي ﷺ بين عالم وجاهل. ولو كان الدم واجبّا لبَيَّنه النبي ﷺ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأن بعض أفراد العام لا يُخصِّصه. والراجح: أن ترتيب أعمال يوم النحر (الرمي، ثم النحر، ثم الحَلْق، ثم الطواف) سُنة؛ لأن النبي ﷺ ما سُئل يومئذٍ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر، إلا قال: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».

стр. 504

المبحث الثاني: التحلل: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: تعريف التحلل وأنواعه: الْمُرَادُ بِالتَّحَلُّل: الْخُرُوجُ مِنَ الإْحْرَامِ، وَحِلُّ مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ (١). أنواع التحلل: الحج له تحللان. وهو مذهب المذاهب الأربعة (٢). المطلب الثاني: بِمَ يحصل التحلل الأول؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: أن التحلل الأول لا يَحصل إلا بالحلق بعد الرمي. وبه قال الحنفية (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والقياس: أما الكتاب، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]. وَجْه الدلالة: أن قضاء التَّفَث هو حَلْق الشَّعْر بعد رمي جمرة العقبة، ولُبْس الثياب، وما يَتبع ذلك من قص الشارب والأظفار؛ لأن التَّفَث في اللغة الوسخ، يقال: (امرأة تَفِثة) إذا كانت خبيثة الرائحة، فعموم الآية يَشهد بأن التحلل الأول يكون برمي الجمرة وحَلْق الشَّعر، وما يَتبع ذلك من لُبْس الثياب والتنظف، وهو قضاء التَّفَث (٤). وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَالثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (٥). وَجْه الدلالة: إخبار النبي ﷺ بأن مَنْ رَمَى وحَلَق قد حل له الطِّيب والثياب وكل شيء

стр. 505

إلا النساء- دليل على حصول التحلل الأصغر بالرمي والحلق. واعتُرض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ . واستدلوا بقول عائشة: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ- وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا-» (١). وَجْه الدلالة: إخبار عائشة ﵂ بأنها طَيَّبَتِ النبي ﷺ حين أَحَل قبل أن يطوف- دليل على أن التحلل الأصغر حَصَل قبل الطواف، أي: بعد الرمي والحلق (٢). واستدلوا أيضًا بأن الحَلْق رُتِّبَ عليه الحِل في مسألة الإحصار، فإن النبي ﷺ لما أُحْصِرَ في الحُديبية أَمَرهم أن يَحلقوا ثم يَحِلوا، ولا حِل لمُحْصَر إلا بعد الحَلْق. واستدلوا بالقياس على العمرة، فكما أن المعتمر لا يَحِل إلا بعد الطواف والسعي والحَلْق، فكذا الحاج لا يحل حتى يَرمي جمرة العقبة ويحلق، وأنه بعد الحَلْق يكون التحلل في العمرة والحج. القول الثاني: أن التحلل الأول يَحصل بفعل اثنين من ثلاثة، وهي (الرمي، والحَلْق، والطواف) وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور عنهم (٣). واستدلوا بما استَدل به أصحاب القول الثاني. القول الثالث: يَحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة. وهو قول مالك، وقول عند الشافعية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ» (٥).

стр. 506

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ لِحَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ، حِينَ أَحْرَمَ، وَحِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (١). وَجْه الدلالة: تعليق النبي ﷺ الإحلال من الإحرام برمي جمرة العقبة- دليل على أن التحلل الأصغر يَحصل برميها دون التوقف على أشياء أُخَر. وقد أبان عن ذلك فِعله ﷺ ،

стр. 507

كما أَخْبَرَتْ به عائشة ﵁، وأن تطييبها إياه كان عَقِب جمرة العقبة. ونوقش بأنه لا يصح حديث في حصول التحلل الأول برمي جمرة العقبة. وأما المأثور، فعن عمر بن الخطاب أنه قال: فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ (١). وعن عائشة أنها قالت: «إِذَا رَمَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ حَلَّ لَهُ النِّسَاءُ» (٢). وعن ابن الزبير قال: إِذَا رَمَيْتَ الْجَمْرَةَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَقَدْ حَلَّ لَكَ مَا وَرَاءَ النِّسَاءِ (٣). القول الرابع: أن التحلل الأول بعد جمرة العقبة مشروط بطواف الإفاضة قبل غروب الشمس. بمعنى أنه إذا رَمَى جمرة العقبة في يوم النحر، حَلَّ له كل شيء إلا النساء. وإذا لم يَطُف طواف الإفاضة حتى غربت الشمس من يوم النحر، عاد الحاج حُرُمًا، يَلبس الإحرام والإزار والرداء، كحاله قبل رمي جمرة العقبة، حتى يطوف بالإفاضة فيحل بذلك. رُوي هذا القول عن عروة بن الزبير وأبي قِلَابة (٤). واستدل عروة وأبو قِلابة بعموم قول النبي ﷺ : «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ أَنْ تَحِلُّوا- يَعْنِي: مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ- إِلَّا مِنَ النِّسَاءِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا بِهَذَا الْبَيْتِ، عُدْتُمْ حُرُمًا، كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ» (٥).

стр. 508

ونوقش بأن هذا الحديث منكر. قال ابن كَثير: وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ جِدًّا، لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِهِ (١). والراجح: أن التحلل لا يكون إلا بعد الرمي والحَلْق؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ فعموم الآية يَشهد بأن التحلل الأول يكون برمي الجمرة وحَلْق الشَّعر، وما يَتبع ذلك من لبس الثياب والتنظف، فهذا هو قضاء التَّفَث. ويؤيد ذلك قول عائشة: «طَيَّبْتُ رسول الله ﷺ قبل أن يطوف للإفاضة» أي: بعد رمي الجمرة والحلق. وأما القول بأن التحلل الأول يَحصل بفعل اثنين من ثلاثة (الرمي، والحلق، والطواف) فلم أقف له على دليل صريح. وأما القول بأن التحلل يَحصل برمي جمرة العقبة، فالأحاديث التي فيها «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ» لا تصح. وأما القول بأن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة، ولكن ذلك مشروط بأن يطوف للإفاضة قبل غروب الشمس؛ فالحديث الذي استدلوا به منكر، مخالف لقول جماهير العلماء وعَمَل الأمة المستفيض، والله أعلم.

стр. 509

المطلب الثالث: ماذا يبيح التحلل الأول من المحظورات للحاج؟ اختَلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة في الصحيح عنهم (١). واستدلوا بما ورد عن عائشة ﵂ قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ» (٢). وَجْه الدلالة: أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أنها طَيَّبَتِ الرسول ﷺ عندما أَحَلّ التحلل الأول بعد الرمي والحلق قبل أن يطوف. وفي هذا دلالة واضحة على إباحة الطِّيب بالتحلل الأول، وكذا يقاس عليه سائر ما يَحرم على الحاج قبل التحلل الأول إلا النساء. وصح عن عائشة وابن الزبير أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء. القول الثاني: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج، حتى مباشرة النساء، إلا الجماع. وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية (٣). واستدلوا بأن المُحَرَّم هو الجماع فقط، وهو الذي يَفسد به الحج. واعتُرض عليه بأن هذه المقدمات ذريعة إلى الجماع، فلو لم تكن محرمة لِذَاتها، لحُرِّمَتْ من باب سد الذرائع. واستدلوا أيضًا بأنه إذا أبيح الطِّيب بعد التحلل الأصغر، والطِّيب من دواعي الجماع، فيباح القُبلة والملامسة وغيرهما، ولا يَحرم إلا الوَطْء في الفرج. القول الثالث: أن التحلل الأول يبيح جميع المحظورات للحاج إلا النساء وقَتْل الصيد والطِّيب. وهو مذهب المالكية (٤). واستدلوا لتحريم الصيد بعد التحلل الأول بعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾

стр. 510

[المائدة: ٩٥] وعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فمَن تحلل التحلل الأول لم يَزَل مُحْرِمًا، بدليل أنه يَحرم عليه النساء، وإن كان قد حل له بعض ما حَرُم عليه، حتى يطوف طواف الإفاضة ويتحلل التحلل الأكبر. واستدلوا لتحريم الطِّيب بما رُوي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: «مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ … إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إِلَّا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، حَتَّى يَزُورَ الْبَيْتَ» (١). وبعموم قول عمر: إِذَا جِئْتُمْ مِنًى، فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، لَا يَمَسَّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلَا طِيبًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. وَعَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إِذَا رَمَى وَحَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ. قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ، أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ (٢). ففي هذا الأثر رَدٌّ على عمر وابنه، فالرسول ﷺ تَطَيَّبَ قبل طواف الإفاضة وبعد رمي الجمرة، أي: بعد التحلل الأول، وسُنة رسول الله ﷺ أحق أن تُتبع. وقياس الطِّيب على القُبلة والمُباشَرة، بجامع أن كلًّا منهما من دواعي الجماع- لا يُسَلَّم؛ لأن القُبلة والمُباشَرة من دواعي قضاء الشهوة المتعلقة بالنساء، بينما الطِّيب قد يكون في اجتماعات الناس ولقاءاتهم. والراجح: أنه يحل للحاج بالتحلل الأول كل شيء حَرُم عليه قبل الإحرام، إلا الجماع، وهذا بالإجماع، وكذا القُبلة والمُباشَرة سدًّا للذريعة، والله أعلم. المطلب الرابع: التحلل الأكبر: يَحصل التحلل الأكبر بفعل ثلاثة أشياء: رمي الجمرة، والحَلْق، وطواف الإفاضة. والسُّنة الترتيب بين هذه الأعمال، رَمْي جمرة العقبة، ثم الحَلْق، ثم طواف الإفاضة. ويباح تقديم أو تأخير أحدها على الآخَر. واتَّفق العلماء على أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة، ثم حَلَق أو قَصَّر، ثم طاف طواف

стр. 511

الإفاضة، فيباح له جميع المحظورات حتى النساء، بالإجماع، وهذا هو التحلل الأكبر. قال الشربيني: (وإذا فَعَل الثالث) بعد الاثنين (حَصَل التحلل الثاني، وحَلّ به باقي المُحَرَّمات) بالإجماع، يعني: الرمي والحَلْق والطواف (١). الحاصل في التحلل من الإحرام: للحج تحللان: أول وثانٍ، يتعلقان برمي جمرة العقبة والحَلْق وطواف الإفاضة. وأما النحر فلا مَدخل له في التحلل. ويَحصل التحلل الأول برمي جمرة العقبة والحَلْق، ويحل له كل شيء حَرُم عليه إلا الجماع ومقدماته؛ سدًّا للذريعة. ويَحصل التحلل الثاني بالرمي والحَلْق وطواف الإفاضة، والسعي للمتمتع، والمُفْرِد والقارن لمن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، ويحل به كل شيء حَرُم عليه حتى الجماع. المطلب الخامس: بِمَ يَحصل التحلل من العمرة؟ اختَلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الحَلْق أو التقصير. وهو مذهب الحنفية والمالكية، والصحيح عند الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : « … وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ … » (٣). وَجْه الدلالة: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الحَلْق أو التقصير؛ لأن النبي ﷺ أَمَرهم به، وجَعَل الحِل بعده، وأَمْره ﷺ يقتضي الوجوب. القول الثاني: أن المعتمر لا يحل إلا بعد أداء السعي. وهو قول عند الشافعية، ورواية

стр. 512

عند الحنابلة (١). واستدلوا بأن النبي ﷺ أَمَر أبا موسى أن يحل بعد السعي، ولم يأمره بالحلق، بقوله ﷺ : « … طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ» (٢). واعتُرض عليه بأن النبي ﷺ لم يأمره بالحَلْق؛ لأن ذلك كان مشهورًا عندهم، فاستُغني عن ذِكره. وأما قوله ﷺ : «ثم أَحِلّ» فإنما معناه الحِل بالحَلْق لأن الحِل لا يكون إلا به. القول الثالث: أن المعتمر لا يحل إلا بعد الطواف بالبيت. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ، إِلَّا حَلَّ» (٣). القول الرابع: أن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحرم، وإن لم يَطُف بالبيت. ففي «الصحيحين»: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: «فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ، وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا» (٤). قولها: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) يدل على أن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحَرَم قبل الطواف؛ لأن مسح الركن- أي: الحَجَر الأَسْوَد- يكون في أول الطواف. ونوقش هذا الاستدلال بأن حديث أسماء مُجْمَل: (فَلَمَّا مَسَحْنَا الْبَيْتَ أَحْلَلْنَا) وحديث ابن عمر مُبيِّن، فيُحْمَل المُجْمَل على المُبيِّن الدالّ على أن التحلل لا يَتم إلا بالسعي والحَلْق. وهو قول عامة أهل العلم من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا (٥).

стр. 513

أما القول بأن المعتمر يحل من عمرته بدخول الحرم، وإن لم يَطُف بالبيت، وكذا القول بأن المعتمر لا يحل إلا بعد الطواف، فكلاهما شاذ لمخالفته للسُّنة وإجماع الأمة. المبحث الثالث: أكانت صلاة رسول الله ﷺ الظُّهر يوم النحر بمكة أم بمِنًى؟ حديث جابر عند مسلم صريح في أن رسول الله ﷺ صلى الظُّهر يوم النحر بمكة، وفيه: « … ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ». ولكن يُشكل عليه ما ورد في مسلم أيضًا: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى (١). وقد جَمَع النووي بين الحديثين، فقال: وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ﷺ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ مَرَّةً أُخْرَى بِأَصْحَابِهِ، حِينَ سَأَلُوهُ ذَلِكَ، فَيَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِالظُّهْرِ الثَّانِيَةِ الَّتِي بِمِنًى (٢). وقد رَجَّح جماعة حديث جابر أنه ﷺ صلى الظُّهر بمكة، بمُرجِّحات، منها: الأول: أن سياق جابر لحجة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وقد حَفِظ القصة وضَبَطها، حتى ضَبَط جزئياتها. الثاني: أن حجة الوداع كانت في آذار، وهو تَساوِي الليل والنهار، وقد دَفَع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى مِنًى، وخَطَب، ونَحَر بُدنًا عظيمة وقسمها، وطُبخ له من لحمها وأَكَل منه، ورمى الجمرة، وحَلَق رأسه، وتَطَيَّب، ثم أفاض، فطاف وشَرِب من ماء زمزم. وهذه أعمال تبدو في الأظهر أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى مِنًى، بحيث يُدرِك وقت الظُّهر في فصل آذار في مِنًى (٣).

стр. 514

الباب السابع عشر: الهَدْي الفصل الأول: الهَدْي وما يتعلق به: وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الهَدْي وجنسه. المبحث الثاني: وجوب الهَدْي على المتمتع. المبحث الثالث: وجوب الهَدْي على القارن. المبحث الرابع: حُكْم الاشتراك في الهَدْي للمتمتع والقارن. المبحث الخامس: مكان ذبح الهَدْي. المبحث السادس: زمن ذبح الهَدْي. وفيه مطلبان المطلب الأول: أول زمن ذبح الهَدْي. المطلب الثاني: آخِر زمن ذبح الهَدْي. المبحث السابع: التطوع بالهَدْي. المبحث الثامن: الأكل من الهَدْي. وفيه ثلاثة مطالب: المبحث التاسع: مَنْ لم يجد الهَدْي. وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: حُكْم مَنْ لم يَقدر على الهَدْي. المطلب الثاني: وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهَدْي. المطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج. المطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي. المطلب الخامس: مَنْ لم يصم قبل عرفة، هل يَسقط الهَدْي عنه أو يَبقى في ذمته؟ المطلب السادس: حُكْم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج. المطلب السابع: هل يُشترَط أن يكون صيام الأيام العَشَرة متتا بعًا؟

стр. 515

المبحث الأول: تعريف الهَدْي وجنسه: وسُمي هَدْيًا لأنه يُهْدَى من بهيمة الأنعام (غنم أو بقر أو إبل) لأهل الحَرَم. والهَدْي هو ذبح المتمتع والقارن يوم النحر أو أيام التشريق، شاة أو سُبْع بدنة أو سُبْع بقرة. فإِنْ نَحَر بدنة أو ذَبَح بقرة فقد زاد خيرًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فيُستحَب لمَن قَصَد مكة حاجًّا أن يُهْدِي إليها من بهيمة الأنعام؛ لِما روى البخاري عن علي ﵁ قال: «أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا» (١). قال ابن رُشْد: فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ، الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا (٢). المبحث الثاني: وجوب الهَدْي على المتمتع: يجب على المتمتع دم نسك إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فمَن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. نُقِل الإجماع على وجوب الهَدْي على المتمتع، إذا لم يكن من أهل الحَرَم (٣). ويُسَن لمَن أهدى شيئًا من الإبل أو البقر أن يُشْعِره ويُقَلِّده. روى مسلم: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ» (٤).

стр. 516

المبحث الثالث: وجوب الهَدْي على القارن: أَجْمَع العلماء على وجوب الهَدْي على القارن الذي ساق الهَدْي معه. واختلفوا في وجوب الهَدْي على القارن الذي لم يَسُق الهَدْي، على قولين: القول الأول: أنه يجب. وذلك باتفاق المذاهب الأربعة (١). واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الاستدلال: أن القارن مُتمتِّع بالعمرة إلى الحج، فهو يعتمر ويحج في سفر واحد، وقد سَمَّاه الصحابة متمتعًا، فيكون داخلًا في عموم هذه الآية. واستدلوا بما رُوي: عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَقَالَ لِي: اجْمَعْهُمَا (بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وَإِنِّي أَهْلَلْتَ بِهِمَا مَعًا، فَقَالَ لِي عُمَرُ ﵁: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (٢). القول الآخَر: عدم وجوب الهَدْي على القارن. وهو مروي عن الحَسَن بن علي، وطاوس. وهو رواية عند الحنابلة، وداود الظاهري، وابن حزم (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة. أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: ظاهر القرآن أن الدم يجب على المتمتع دون المُفْرِد والقارن، والعلة الموجبة للدم في التمتع هي استمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة، والقارن ليس كذلك؛ لأنه سيَبقى مُحْرِمًا من حين يُحْرِم إلى يوم العيد.

стр. 517

ونوقش من وجهين: الأول: أن القارن تَرَفَّهَ وتَمَتَّع بسقوط أحد السفرين، فلَزِمه دم كالمُتمتِّعِ. الثاني: أن رسول الله ﷺ أَهْدَى عن أزواجه وكُنَّ قارنات، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ». وأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ … وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ» فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ، أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ (١). فقد صح أن عائشة حجت قارنة، ولم يجعل في ذلك هديًا ولا صومًا. ونوقش بأن لفظة: «وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ … » مُدرجَة من قول هشام (٢).

стр. 518

والراجح: القول بوجوب الهَدْي على القارن؛ لقوة أدلته، وهو قول جماهير العلماء، ووَصْف القول بعدم وجوب الهَدْي على القارن بالشذوذ. المبحث الرابع: حُكْم الاشتراك في الهَدْي للمتمتع والقارن: اتَّفَق العلماء على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد (١). واختلفوا في إجزاء البدنة أو البقرة عن سبعة، على قولين: القول الأول: يَجوز الاشتراك في الهَدْي في الإبل والبقر، فتجزئ الواحدة من الإبل أو البقر عن سبعة أشخاص. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة (٢). قَالَ جَابِرٌ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (٣). وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ فَقَالَ: «فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ» (٤). وَجْه الدلالة: (أو شِرْك في دم) أي: مشاركة مع غيره في جزء من بعير بمقدار السُّبع. القول الآخَر: أن الواحدة من الإبل لا تجزئ إلا عن واحد. وبه قال المالكية (٥). واستدلوا بحديث عائشة قالت: «ذَبَحَ عَنَّا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ حَجِّنَا (بَقَرَةً بَقَرَةً) (٦).

стр. 519

واستدلوا بالقياس، فكما أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد، فكذا الواحدة من الإبل أو البقر لا تجزئ إلا عن واحد. ونوقش بأنه لا قياس مع النص، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَنَحَرْنَا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. والله أعلم. المبحث الخامس: مكان ذبح الهَدْي: نَقَل الإجماع غير واحد على أن مكان نحر الهَدْي هو الحَرَم (١). يجب أن يكون ذبح الهَدْي في الحَرَم، ولا يختص بمِنًى، ولكن الأفضل أن يكون بمِنًى. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وفُسِّر محله بأنه الحَرَم عند القدرة على إيصاله. وقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومعلوم أنه لم يُرِد الكعبة بعينها، وإنما أراد الحرم. فهاتان الآيتان تدلان على أن مكان النحر هو الحَرَم. وأما السُّنة، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (٣). وأن النبي ﷺ نَحَر هديه في مِنًى، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». وَجْه الدلالة: أن نَحْر الهَدْي لا يُجْزِئ إلا بِمِنًى أو بمكة (٤). وأما المعقول، ف: الْهَدْيُ سُمِّيَ هَدْيًا لِأَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْهَدِيَّةِ الَّتِي يَبْعَثُهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، وَالْهَدِيَّةُ لَا تَكُونُ هَدِيَّةً إِلَّا إِذَا بَعَثَهَا الْمُهْدِي إِلَى دَارِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِجَعْلِ مَوْضِعِ الْهَدْيِ هُوَ الْحَرَمُ (٥).

стр. 520

المبحث السادس: زمن ذبح الهَدْي: وفيه مطلبان: المطلب الأول: أول زمن ذبح الهَدْي: اختَلف العلماء في تحديد ابتداء وقت ذبح هَدْي التمتع والقِران، على قولين: القول الأول: يبتدئ وقت ذبح الهَدْي يوم النحر، ولا يجزئ قبل ذلك. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وقول عند الشافعية، والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة. أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: معلوم أن الإحلال لا يكون إلا يوم النحر، وحَلْق الرأس معلق ببلوغ الهَدْي مَحِله، ولو جاز ذبح الهَدْي قبل يوم النحر، لجاز الحَلْق، ومعلوم أن حلق الرأس لا يَجوز قبل يوم النحر. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨، ٢٩]. وَجْه الدلالة: إذا كان قضاء التَّفَث وطواف الإفاضة يختصان بيوم النحر، فكذا الذبح؛ لذا يُسَمَّى يومَ النحر، أي: الذبح. وأما السُّنة، فَعَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟! قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» (٢). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الحِل على النحر، ومعلوم أن الحِل لا يكون إلا يوم النحر. القول الآخَر: جواز نحر هَدْي التمتع والقِران قبل يوم النحر وبعد عمرة التمتع. وهو

стр. 521

قول عند الشافعية، وقول عند الحنابلة (١). واستدلوا بالقرآن والسُّنة والقياس: أما القرآن، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: دلت الآية على جواز ذبح هَدْي المتعة بعد الإحرام بالعمرة؛ إذ هَدْي التمتع له سببان: العمرة والحج، فإذا أَحْرَم بالعمرة جاز الذبح عند وجود السبب. ونوقش بأن مجرد فَهْم الآية باجتهاد عَارَض نصًّا، وهو أن النبي ﷺ وأصحابه لم ينحروا الهَدْي إلا في يوم النحر، ولا اجتهاد مع النص، فالنبي ﷺ هو المُبيِّن لِما أُنْزِلَ إليه، وهو الذي يُفسِّر ذلك بنحره يوم العيد. وأما السُّنة، فَعَنْ جَابِرِ يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ» (٢). في الحديث جواز ذبح هَدْي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإحرام بالحج (٣). ونوقش بأن لفظة: «وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ» شاذة؛ فمدار الحديث على محمد بن بكر؛ فقد رواه الأئمة الثقات كمالك والليث وغيرهما بدون هذه الزيادة. وأما القياس، فإنه يَجوز ذبح الهَدْي من بعد الإحرام بالعمرة؛ قياسًا على الصيام المذكور في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لمَن لم يجد الهَدْي، فيَجوز له أن يصوم بعد العمرة وقبل يوم النحر؛ لأن الصيام بدل، والبدل له حُكْم المُبْدَل منه (٤). واعتُرض عليه من وجهين: الأول: أن هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه لا قياس مع وجود النص، والنصوص متكاثرة على أن النبي ﷺ وأصحابه لم يَنحروا إلا يوم العيد.

стр. 522

الثاني: أن هذا القياس غير صحيح؛ وذلك أن الهَدْي يختص بمكان فاختص بزمان، كالرمي، بخلاف الصوم فإنه يصام في الحِل والحَرَم. والبدل يخالف المُبْدَل هنا؛ لأن مكان الذبح مكة، ومكان الصوم ثلاثة في الحَرَم وسبعة بعد الرجوع إلى الأهل (١). والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: عدم جواز نحر الهَدْي إلا يوم النحر؛ لأن النبي ﷺ وعامة أصحابه لم يَنحروا هَدْيهم إلا يوم النحر، وقد قَدِموا وهم متمتعون في اليوم الرابع من ذي الحجة، وبقيت الغنم والإبل التي معهم موقوفة حتى جاء يوم النحر. فلو كان ذبحها جائزًا قبل ذلك، لبادر النبي ﷺ وأصحابه إليه في الأيام الأربعة، التي أقاموها قبل خروجهم إلى عرفات؛ ولا سِيَّما والمُبادَرة إلى إبراء الذِّمة أَوْلَى مِنْ التأخير؛ لأن الناس بحاجة إلى اللحوم في ذلك الوقت. المطلب الثاني: آخِر زمن الذبح: اتَّفَق العلماء على أن مَنْ نَحَر هَدْيه يوم النحر قبل غروب الشمس، أنه يجزيه، وأنه بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق- يكون قد خرج وقت نحر الهَدْي. واختَلف أهل العلم في آخِر زمن الذبح على أقوال، أشهرها قولان: هل هي يوم العيد ويومان بعده؟ أو هي يوم العيد وثلاثة أيام بعده؟ القول الأول: أن أيام النحر أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق. وهذا مذهب الشافعي، وقول للحنابلة (٢). واستدلوا بالقرآن والسُّنة: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والأيام المعلومات هي يوم العيد وأيام التشريق التي فيها ذِكر الله وذبح بهيمة الأنعام. وأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٣) وإذا كانت

стр. 523

أيام التشريق الثلاثة أيام أكل وشُرْب، ففيها ذبح للهَدْي والأضاحي. القول الآخَر: أن أيام النحر ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، فينتهي وقت النحر بغروب شمس ثاني أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (١). واستدلوا بأن الأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده، ويدل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] جَمْعُ قلة، لكن المُتيقَّن منه الثلاثة، وما بَعْد الثلاثة غَيْر مُتيقَّن فلا يُعْمَل به (٢). ونوقش بما قاله ابن القيم: «وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا أَيَّامَ مِنًى وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا، فَهِيَ إِخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ؟!» (٣). وفي «الصحيحين»: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٤). وَجْه الدلالة ما ذَكَره الباجي بقوله: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ، فَلَوْ كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْهَا، لَكَانَ قَدْ حَرُمَ عَلَى مَنْ ذَبَحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ (٥). ونوقش بأن هذا الحديث منسوخ، وفيه حث على الصدقة عند قلة لحوم الأضاحي، وعدم التأخر في الذبح إلى آخِر أيام التشريق، وعدم الادخار. الراجح: أن أيام النحر أربعة، وهي يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويَجوز الذبح ليالي أيام التشريق كالنهار، والله أعلم.

стр. 524

المبحث السابع: التطوع بالهَدْي: يُسَن التطوع بالهَدْي للمُفْرِد والمتمتع والقارن، وللحاج ولغير الحاج. فعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا» (٣). وَجْه الدلالة: أنه معلوم أن ما زاد على الواحدة منها تَطوُّع. قال القَرَافي: ولا أَعْلَم في التطوع بالهَدْي خلافًا (١). المبحث الثامن: الأكل من الهَدْي: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأكل من هَدْي التطوع: يُسَن لمَن أَهْدَى هديًا تطوعًا أن يأكل منه إذا بَلَغ مَحِله في الحَرَم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وعن جابر ﵄ في حديثه الطويل، في صفة حجة النبي ﷺ : «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا». وما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أَكَلا منها وشَرِبا من مرقها جميعًا. وأَجْمَع العلماءُ على أن الأكل من هَدْي التطوعِ وأُضحيَّته سُنة، ليس بواجب (٢). المطلب الثاني: أكل المهدي من هَدْي التمتع والقِران: اختَلف أهل العلم في حُكْم أكل المُهْدِي من هَدْي التمتع والقِران على قولين: القول الأول: يُستحَب أكل المُهْدِي من هَدْي التمتع والقِران؛ لعموم قوله تعالى:

стр. 525

﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (١). وعن عائشة ﵂ قالت: «فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» (٢). وَجْه الدلالة: أن أزواج النبي ﷺ ذَبَح عنهن ﷺ بقرًا، ودخل عليهن بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذُبح عنهن في تمتعهن وقِرانهن، بأمره ﷺ . وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هَدْي التمتع والقِران. القول الآخَر: أنه ليس للمُهْدِي أن يأكل من هَدْي التمتع والقِران. وبه قال الشافعية (٣). واستدلوا بما رُوي عَنْ نَاجِيَةَ الأَسْلَمِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ، فَقَالَ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» (٤). وفي رواية: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. أَوْ قَالَ: مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (٥). المطلب الثالث: الأكل من هَدْي الكفارات: لا يَجوز الأكل من هَدْي الكفارات الذي وجب لفعل محظور؛ لأنها دماء كفارات، يجب التصدق بها على الفقراء، وفي الأكل منها تفويت لِحَقِّهم. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (٦).

стр. 526

المبحث التاسع: مَنْ لم يجد الهَدْي: وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: حُكْم مَنْ لم يَقدر على الهَدْي: الواجب على المتمتع أو القارن هو ما استيسر من الهَدْي، شاة أو سُبْع بدنة. فإِنْ عَجَز أحدهما عن الهَدْي، صام عَشَرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن ابن عمر ﵄، أن رسول اللهِ ﷺ قال: « … فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». قال ابن قُدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (١). وأَجْمَع العلماء على جواز صيام يوم عرفة لمَن لم يجد الهَدْي (٢). المطلب الثاني: وَقْت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهَدْي. أَجْمَع العلماء على إجزاء الصيام، إذا صام بعد إحرامه بالحج، وقبل يوم النحر (٣). واختلفوا في وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج على ثلاثة أقوال (٤): القول الأول: المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. وهذا مذهب

стр. 527

الحنفية والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فإن المتمتع إذا انتهى من عمرته، والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فصام، دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السُّنة، فعن جابر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ». وَجْه الدلالة: أنه يدل على جواز الصيام من الإحرام بالعمرة؛ وذلك لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وأما دليلهم من المعقول، فما قاله الكاساني: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ، فَلَا يُمْكِنُهُ صِيَامُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ قَدْ نُهِيَ عَنْ الصِّيَامِ فِيهَا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الصَّوْمِ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ (٢). القول الثاني: لا يَجوز صيام الثلاثة أيام إلا بعد التلبس بإحرام الحج. وهو قول زُفَر من الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية (٣). واستدلوا بالكتاب والمعقول: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا نَصٌّ في وجوب صيامها في الحج، أي: بعد التلبس بإحرام الحج يوم التروية أو يوم عرفة، ولا يصام قبل ذلك؛ لأنه لا يكون صائمًا للثلاثة الأيام في الحج. وأما دليلهم من المعقول، فأمران: الأول: أن الله عَلَّق جواز الصيام بعدم الهَدْي، ولا نَعْلَم عَدَمه إلا قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد يُيَسَّر وجوده قبل ذلك. الثاني: أنه لا يجوز تقديم المُبْدَل (الهَدْي) فكذا لا يَجوز تقديم البدل وهو الصيام.

стр. 528

ونوقش بأن هذا القياس مع الفارق؛ لأنه لا خلاف في جواز الصوم قبل النحر، ولا يجوز ذبح الهَدْي قبل يوم النحر (١). القول الثالث: أنه يَجوز صيام الثلاثة أيام قبل الإحرام بالعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس، وأحمد في رواية (٢). وهذا قول شاذ يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة (٣). والراجح: أن المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. والله أعلم. المطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج: اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الوقت المختار للصيام هو أن تكون الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة. وبه قال الشافعية، ورُوي عن مالك، وهو قول للحنابلة (٤). واستدلوا بما رَوَى مالك عن عائشة قالت: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى» (٥). واستدلوا بأنه يُستحب فطر يوم عرفة للتَّقَوِّي على الدعاء، واقتداءً بالنبي ﷺ . القول الآخَر: أن المستحب أن يصوم قبل التروية يومًا ويوم التروية ويوم عرفة. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (٦). الراجح: المتمتع إذا انتهى من عمرته والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي،

стр. 529

فالأفضل أن يُقَدِّما صيام الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة؛ ليكونا يومَ عرفة مُفطرَين؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعرفة، ولأن الفطر في هذا اليوم أقوى لهما على العبادة، وأنشط لهما على الدعاء. المطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي: اختَلَف العلماء في تأخير الصيام عن يوم النحر لمن لم يجد الهَدْي، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها رمي الجمرات، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ». وهذا مذهب المالكية، وقول للشافعية، والمشهور عن الحنابلة (١). القول الثاني: أن مَنْ لم يجد الهَدْي، إذا انقضى يوم عرفة، ولم يكن قد صام الثلاثة أيام قبل يوم النحر، فعليه دم ولا يجزئه غيره، وليس له أن يصوم أيام التشريق ولا بعدها. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الحنابلة (٢). القول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه ليس له أن يصوم أيام التشريق؛ لأنها أيام أكل، ويصوم بعدها، بشرط أن يُؤخِّر طواف الإفاضة حتى يُتِم صيام الأيام الثلاثة؛ لأنه ما زال في الحج، فيَدخل في عموم الآية، فإن لم يَفعل حتى طاف فلا يصوم ويستغفر الله (٣). والراجح: يَجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي. المطلب الخامس: مَنْ لم يصم قبل عرفة، هل يَسقط الهَدْي عنه، أو يَبقى في ذمته؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ لم يصم الأيام الثلاثة في الحج، فإنه لا يَسقط الصيام عنه، ويَلزمه بعد ذلك القضاء. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 530

المطلب السادس: حُكْم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج: اتَّفَق العلماء على أنه لا يَجوز صيام السبعة أيام قبل الفراغ من أفعال الحج. ووقع الخلاف بينهم في حكم صومها بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة، على قولين: القول الأول: يجوز صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعي، والحنابلة (١). القول الآخَر: لا يجوز صيام الأيام السبعة إلا بعد رجوع الحاج إلى أهله (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: « … فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن قُدامة: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ (٣). فالحاصل: أن الأفضل أن يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله؛ رخصة وتخفيفًا ورفقًا به، ويَجوز صيامها بمكة بعد فراغه من الحج أو في الطريق قبل الوصول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقيل: المراد بالرجوع إلى الأهل: الفراغ من الحج؛ لأن الفراغ منه سبب الرجوع إلى أهله. المطلب السابع: هل يُشترَط أن يكون صيام الأيام العَشَرة متتا بعًا؟ يَجوز صوم الثلاثة أيام في الحج، والسبعة إذا رجع إلى أهله، متتابعة ومتفرقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله أَطْلَق الصيام ولم يَشترط فيه التتابع، وقد نُقِل الإجماع على ذلك (٤).
следующие страницы →