← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

المبحث التاسع: مَنْ لم يجد الهَدْي: وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: حُكْم مَنْ لم يَقدر على الهَدْي: الواجب على المتمتع أو القارن هو ما استيسر من الهَدْي، شاة أو سُبْع بدنة. فإِنْ عَجَز أحدهما عن الهَدْي، صام عَشَرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن ابن عمر ﵄، أن رسول اللهِ ﷺ قال: « … فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». قال ابن قُدامة: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ يَنْتَقِلُ إِلَى صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (١). وأَجْمَع العلماء على جواز صيام يوم عرفة لمَن لم يجد الهَدْي (٢). المطلب الثاني: وَقْت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهَدْي. أَجْمَع العلماء على إجزاء الصيام، إذا صام بعد إحرامه بالحج، وقبل يوم النحر (٣). واختلفوا في وقت ابتداء صيام الثلاثة أيام في الحج على ثلاثة أقوال (٤): القول الأول: المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. وهذا مذهب

стр. 527

الحنفية والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فإن المتمتع إذا انتهى من عمرته، والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فصام، دخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وأما السُّنة، فعن جابر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ». وَجْه الدلالة: أنه يدل على جواز الصيام من الإحرام بالعمرة؛ وذلك لأن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة. وأما دليلهم من المعقول، فما قاله الكاساني: رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ، فَلَا يُمْكِنُهُ صِيَامُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ وَالتَّشْرِيقِ قَدْ نُهِيَ عَنْ الصِّيَامِ فِيهَا، فَلَا بُدَّ مِنَ الْحُكْمِ بِجَوَازِ الصَّوْمِ بَعْدَ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ (٢). القول الثاني: لا يَجوز صيام الثلاثة أيام إلا بعد التلبس بإحرام الحج. وهو قول زُفَر من الحنفية، ومذهب المالكية والشافعية (٣). واستدلوا بالكتاب والمعقول: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وهذا نَصٌّ في وجوب صيامها في الحج، أي: بعد التلبس بإحرام الحج يوم التروية أو يوم عرفة، ولا يصام قبل ذلك؛ لأنه لا يكون صائمًا للثلاثة الأيام في الحج. وأما دليلهم من المعقول، فأمران: الأول: أن الله عَلَّق جواز الصيام بعدم الهَدْي، ولا نَعْلَم عَدَمه إلا قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد يُيَسَّر وجوده قبل ذلك. الثاني: أنه لا يجوز تقديم المُبْدَل (الهَدْي) فكذا لا يَجوز تقديم البدل وهو الصيام.

стр. 528

ونوقش بأن هذا القياس مع الفارق؛ لأنه لا خلاف في جواز الصوم قبل النحر، ولا يجوز ذبح الهَدْي قبل يوم النحر (١). القول الثالث: أنه يَجوز صيام الثلاثة أيام قبل الإحرام بالعمرة. وهو قول عطاء ومجاهد وطاوس، وأحمد في رواية (٢). وهذا قول شاذ يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة (٣). والراجح: أن المتمتع إذا لم يجد الهَدْي له أن يبتدئ صيام الثلاثة إذا انتهى من عمرته. وكذا القارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي، فله أن يبتدئ الصيام. والله أعلم. المطلب الثالث: الوقت المستحب لصيام الأيام الثلاثة في الحج: اختَلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن الوقت المختار للصيام هو أن تكون الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة. وبه قال الشافعية، ورُوي عن مالك، وهو قول للحنابلة (٤). واستدلوا بما رَوَى مالك عن عائشة قالت: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى» (٥). واستدلوا بأنه يُستحب فطر يوم عرفة للتَّقَوِّي على الدعاء، واقتداءً بالنبي ﷺ . القول الآخَر: أن المستحب أن يصوم قبل التروية يومًا ويوم التروية ويوم عرفة. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (٦). الراجح: المتمتع إذا انتهى من عمرته والقارن إذا انتهى من طواف القدوم والسعي،

стр. 529

فالأفضل أن يُقَدِّما صيام الأيام الثلاثة قبل يوم عرفة؛ ليكونا يومَ عرفة مُفطرَين؛ لأن النبي ﷺ أفطر بعرفة، ولأن الفطر في هذا اليوم أقوى لهما على العبادة، وأنشط لهما على الدعاء. المطلب الرابع: صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي: اختَلَف العلماء في تأخير الصيام عن يوم النحر لمن لم يجد الهَدْي، على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي؛ لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها رمي الجمرات، فيَدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ». وهذا مذهب المالكية، وقول للشافعية، والمشهور عن الحنابلة (١). القول الثاني: أن مَنْ لم يجد الهَدْي، إذا انقضى يوم عرفة، ولم يكن قد صام الثلاثة أيام قبل يوم النحر، فعليه دم ولا يجزئه غيره، وليس له أن يصوم أيام التشريق ولا بعدها. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن الحنابلة (٢). القول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه ليس له أن يصوم أيام التشريق؛ لأنها أيام أكل، ويصوم بعدها، بشرط أن يُؤخِّر طواف الإفاضة حتى يُتِم صيام الأيام الثلاثة؛ لأنه ما زال في الحج، فيَدخل في عموم الآية، فإن لم يَفعل حتى طاف فلا يصوم ويستغفر الله (٣). والراجح: يَجوز صوم أيام التشريق لمن لم يجد الهَدْي. المطلب الخامس: مَنْ لم يصم قبل عرفة، هل يَسقط الهَدْي عنه، أو يَبقى في ذمته؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن مَنْ لم يصم الأيام الثلاثة في الحج، فإنه لا يَسقط الصيام عنه، ويَلزمه بعد ذلك القضاء. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤).

стр. 530

المطلب السادس: حُكْم صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج: اتَّفَق العلماء على أنه لا يَجوز صيام السبعة أيام قبل الفراغ من أفعال الحج. ووقع الخلاف بينهم في حكم صومها بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة، على قولين: القول الأول: يجوز صيام السبعة أيام بمكة بعد فراغه من الحج. وهذا مذهب الحنفية والمالكية، وهو قول للشافعي، والحنابلة (١). القول الآخَر: لا يجوز صيام الأيام السبعة إلا بعد رجوع الحاج إلى أهله (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وعن ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: « … فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن قُدامة: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَوَّزَ لَهُ تَأْخِيرَ الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ قَبْلَهُ، كَتَأْخِيرِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ، بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ مِنْ أَهْلِهِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ (٣). فالحاصل: أن الأفضل أن يصوم السبعة إذا رجع إلى أهله؛ رخصة وتخفيفًا ورفقًا به، ويَجوز صيامها بمكة بعد فراغه من الحج أو في الطريق قبل الوصول؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقيل: المراد بالرجوع إلى الأهل: الفراغ من الحج؛ لأن الفراغ منه سبب الرجوع إلى أهله. المطلب السابع: هل يُشترَط أن يكون صيام الأيام العَشَرة متتا بعًا؟ يَجوز صوم الثلاثة أيام في الحج، والسبعة إذا رجع إلى أهله، متتابعة ومتفرقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالله أَطْلَق الصيام ولم يَشترط فيه التتابع، وقد نُقِل الإجماع على ذلك (٤).

стр. 531

الفصل الثاني النوازل في الهَدْي وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: نَقْل الهَدْي إلى خارج الحَرَم. وفيه مطلبان: المطلب الأول: نَقْل الدم الواجب إذا عُدِم المساكين في الحَرَم. المطلب الثاني: ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع. المبحث الثاني: ما يتعلق بالنيابة في الهَدْي. وفيه مطلبان: المطلب الأول: جواز النيابة في نحر الهَدْي. المطلب الثاني: شراء كروت وبطاقات الهَدْي. المبحث الثالث: حُكْم ذبح الهَدْي وتَرْكه. المبحث الرابع: ذَبْح الهَدْي خارج الحَرَم في فِجاج مكة. المبحث الخامس: الأضحية أو الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة. المبحث السادس: شراء الشركات جلود الهَدْي والأضاحي. المبحث السابع: الاستعاضة بثمن الهَدْي.

стр. 532

المبحث الأول: نَقْل الهَدْي إلى خارج الحَرَم: وفيه مطلبان: المطلب الأول: نَقْل الدم الواجب إذا عُدم المساكين في الحَرَم: مما لا شك فيه أن أعداد الحُجاج قد زادت بصورة غير مسبوقة، فتُذبح الملايين من الهَدْي والدم الواجب، وعدد فقراء الحرم قليل، فإذا أُعطيَ فقراء الحَرَم من هذه اللحوم حاجتهم، وهم ليسوا بالكثير، فستَبقى الملايين من الهَدْي، فهل يَجوز نقل المتبقي من الهَدْي والدم الواجب إلى خارج الحَرَم أم لا؟ لأهل العلم في ذلك قولان: القول الأول: يَجوز تفرقة لحم الهَدْي خارج الحَرَم. وبه قال الحنفية والمالكية (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. فلم يَخص فقيرًا دون فقير، فجاز التصدق على كل فقير نظرًا لإطلاق النص. ونوقش بأن هذا النص المُطْلَق مُقيَّد بالحَرَم؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأجيب بأن محلها إلى البيت في الذبح، أما التوزيع فإن النص لم يُحدِّد هَدْي التمتع ولا القِران، فيبقى مطلقًا؛ ولذا يَجوز توزيع هَدْي التمتع والقِران خارج الحَرَم. وأما السُّنة، فعن جابر قال: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» ولا شك أن التزود يكون للسفر، وهو خارج الحَرَم. فدل ذلك على جواز نقل لحوم الهَدْي خارج الحَرَم. القول الآخَر: لا يَجوز تفرقة لحم الهَدْي خارج الحَرَم. وبه قال الشافعية والحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى

стр. 533

الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. ولأن المعقول مِنْ ذبحه بالحَرَم التوسعةُ على مساكينه، وهذا لا يَحصل بإعطاء غيرهم، ولأنه نُسُك يَختص بالحَرَم، فكان جميعه مختصًّا به، كالطواف (١). ونوقش بأن محل هذا إذا لم يُعْطَ فقراء الحَرَم، أما إذا أُعْطُوا حاجتهم من هذه اللحوم، فستَبقى الملايين من الهَدْي، فيَجوز إعطاء غيرهم؛ لأنه إذا كان يَجوز نقل الزكاة بالإجماع إذا استغنى أهل بلد عنها، فكذا يَجوز نقل الهَدْي إذا استغنى أهل الحَرَم عنه. الراجح: أنه يَجوز نقل الهَدْي خارج الحَرَم إذا عُدم المساكين، أو كان زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم، حيث تَفُوق كمية اللحوم حاجة المساكين، فتتكدس كميات كبيرة من اللحوم، لا يَنتفع بها أحد، بل على العكس، فإنها تكون عبئًا على الجهات المسئولة عن الحج، وذلك بما تسببه من أمراض وتلويث للبيئة من جَرَّاء تَعفُّن هذه اللحوم المتكدسة وصعوبة التخلص منها سريعًا. فلا أظن عالمًا بالشريعة وحِكمها وأسرارها يقول بمنع نقل ما زاد من اللحوم على حاجة مساكين الحرم إلى خارجه، ولا سيما إذا كان مآلها الترك إلى أن تَفسد ثم تُرمَى؛ فإن ذلك من إضاعة المال الذي نهى عنه الله ورسوله (٢). وقد وردت أدلة تدل على أن جزاء الصيد وفدية الأذى مختصة بفقراء الحَرَم، فتُقيَّد بهم، وأما لحوم التمتع والقِران فلم يَرِد نص يُقيِّد توزيعها بفقراء الحَرَم، فيَجوز توزيعها المطلب الثاني: ما يذبحه الحاج ثلاثة أنواع: النوع الأول: هَدْي التمتع والقِران، فهذا يَجوز النقل منه إلى خارج الحَرَم، وقد نَقَل الصحابة لحوم هداياهم إلى المدينة؛ فَعَنْ جَابِرِ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: «حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ»؟ قَالَ: «نَعَمْ» (٣).

стр. 534

وَعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «أَصْلِحْ هَذَا اللَّحْمَ» قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ (١). النوع الثاني: ما يذبحه الحاج داخل الحَرَم لارتكاب محظور أو تَرْك واجب، أو جزاء لصيد أو فدية لإزالة أذى. فهذا النوع لا يَجوز نقل شيء منه؛ لأنه كله لفقراء الحَرَم. النوع الثالث: ما ذُبِح خارج الحَرَم من هَدْي الإحصار. فهذا يُوزَّع حيث يُذبَح، ولا مانع من نقله خارج الحَرَم. المبحث الثاني: ما يتعلق بالنيابة في الهَدْي: وفيه مطلبان: المطلب الأول: جواز النيابة في نحر الهَدْي: روى مسلم عن جابر قال: «ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ إِلَى الْمَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ» (٢).

стр. 535

قال النووي: وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ ذَبْحِ الْمُهْدِي هَدْيَهُ بِنَفْسِهِ، وَجَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، إِذَا كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا (١). المطلب الثاني: شراء كروت وبطاقات الهَدْي: هي في حقيقتها شراء للهَدْي مع التوكيل بذبحه وتوزيعه. ويَلجأ الحاج لشراء كروت وبطاقات الهَدْي؛ لصعوبة شراء الهَدْي وذبحه وتوزيعه. وهنا إشكال، وهو جهالة المبيع، فالمعقود عليه فيه جهالة واضحة، فالهَدْي لم يوصف بسوى أنه هَدْي مجزئ شرعًا. وهذا وَصْف لا يكفي في انتفاء الجهالة؛ إذ الشياه تتفاوت في أوصافها المؤثرة في الثمن تفاوتًا كبيرًا. وقد قال ابن قُدامة: وَإِنْ بَاعَهُ شَاةً مِنَ الْقَطِيعِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ شِيَاهَ الْقَطِيعِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَةِ الْقِيَمِ، فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى التَّنَازُعِ (٢).

стр. 536

ولكن قد يجاب عن هذا الإشكال من جهتين: الأولى: أن الحاجة داعية لمِثل هذا البيع في هذا الزمان، ولا سيما مع كثرة الحجيج، وما كان هذا شأنه فلا تأتي الشريعة بتحريمه (١). الثانية: أن تحريم بيع شاة من القطيع يُفْضِي إلى التنازع للتفاوت بين الشياه. وأجيب عنه بأن الغَرَر هنا لا يُفضِي إلى التنازع؛ فالحاج لا غرض له سوى هَدْي يُبَرِّئ ذمته، والشاة لا تُسَلَّم للمشتري حتى تُفضِي إلى النزاع. المطلب الثالث: شروط جواز النيابة في شراء كروت وبطاقات الهَدْي: إن من السُّنة أن يتولى المهدي ذبح هديه بنفسه اقتداء بالنبي ﷺ ، ومَن شق عليه ذلك فله توكيل مَنْ يثق به في الذبح، فيَجوز له إخراج الهَدْي عن طريق شراء سندات الهَدْي من المَكاتب الذي تتولى بيعها في المشاعر وغيرها، وبالشروط الخمسة الآتية: الأول: أن تكون الجهة التي يَشتري منها السندات جهة موثوقة. الثاني: أن يكون مَنْ يتولى ذبح الهَدْي نيابة عن المهدي ممن يصح توكيله، وتنطبق عليه شروط الوكيل في الذبح (٢). الثالث: أن يكون ذَبْح الوكيل للهَدْي في يوم النحر وأيام التشريق. الرابع: أن يكون ما تذبحه تلك الجهات المُوكَّلة مما يجزئ في الهَدْي، وخاليًا من العيوب المؤثرة في الهَدْي. الخامس: أن يَعْلَم أن هذه الجهة التي تبيع سندات الهَدْي- تقوم بتفريقه بعد ذبحه على مستحقيه من فقراء الحَرَم، وأنها لا تنقله خارج الحَرَم إلا إذا عُدم المساكين، أو كان

стр. 537

زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم (١). فالحاصل: أن الحاج لا ينيب إلا مَنْ يثق به، أو يَغلب على ظنه صدقه؛ ولذا ففِعل بعض الحُجاج من توكيل بعض الأشخاص الذين يمرون في المخيمات أو في الحرم، ولم يُزكِّهم مَنْ يوثق بقوله- غَيْر مجزئ؛ لأنه لا يُعْلَم أذَبَح هديه أم لا؟ فهو مفرط. أما توكيل بنك الراجحي في ذبح الهَدْي وتوزيعه، فهي جهة موثوق بها، زَكَّاها أهل العلم. وهنا وقفة، وهي أنه ينبغي تخصيص جهات لبيع هذه السندات وتوزيعها على مستحقيها من الفقراء والمحتاجين، ولا سيما مَنْ أصابهم الضر من الحروب والمجاعات. المبحث الثالث: حُكْم ذبح الهَدْي وتَرْكه: اختَلَف العلماء في حُكْم توزيع الهَدْي وإيصال اللحم إلى مستحقيه على قولين: القول الأول: أن توزيع الهَدْي يجب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه حتى فسد ولم يوزعه، لم يجزئه. وهذا مذهب الشافعية (٢). واستدلوا بأن المَقصِد من ذبح الهَدْي هو الأكل منه وإطعام المساكين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] فمَن لم يوزعه حتى فسد، لم يجزئه. القول الآخَر: أن توزيع الهَدْي يُستحَب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه فيجزئه. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٣). واستدلوا بأنه في أيام النحر قُرِّبَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا قَالَ: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» (٤).

стр. 538

وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ نَحَر خَمْس بَدَنات، ثم قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» ولم يُوزِّع ولم يُنِب مَنْ يُوزِّع، وإنما ذَبَحها وتَرَكها لمستحقيها. ونوقش بأن قوله ﷺ : «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ» ليس فيه دليل على أنه تَرَكها بدون توزيع، والذي فيه أن النبي ﷺ أَذِن لمن حضر أن يأخذ من اللحم ما يريد. واستدلوا بما روى ابن عباس، أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا، فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ» (١). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ أَمَره بالذبح وعدم الأكل منها، ولم يأمره بتوزيع اللحم. ونوقش بأن النبي ﷺ لم يأمره بتوزيع اللحم لأن هذا أمر معلوم، وهل أَمَره بالذبح لكي يتركه حتى تَفسد بدون توزيع؟! والراجح: أن توزيع الهَدْي يجب، فمَن ذَبَح الهَدْي وتَرَكه حتى فَسَد، ولم يوزعه؛ لم يجزئه. وإن خَلَّى بينه وبين المساكين جاز؛ لقوله ﵇: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ». المبحث الرابع: ذَبْح الهَدْي خارج الحرم في فِجاج مكة: سبب دخول هذه المسألة في النوازل هو أن مكة قد اتسعت عمرانيًّا، حتى إن بعض أطرافها قد خرجت خارج حدود الحرم، فهل هذه الأطراف يشملها حُكم الحَرَم أم لا؟ قد تضافرت النصوص على عدم جواز ذبح الهَدْي في غير الحَرَم، وقد دل على ذلك عموم قوله تعالى في الهدايا: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وما بَلَغ الحَرَم فقد بَلَغ الكعبة. وقد نُقل الإجماع على عدم جواز ذبح الهَدْي في غير الحَرَم (٢).

стр. 539

وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد للشافعية قول بجواز ذبح الهَدْي خارج الحرم، بشرط أن يُنقَل اللحم ويُفرَّق في الحَرَم قبل أن يتغير؛ لأن المقصود هو اللحم، وقد حَصَل الغرض بإيصاله إلى أهله من مساكين الحَرَم (١). ونوقش هذا بما قاله السرخسي: إِنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ، أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ هُوَ الْحَرَمُ، وَهَذَا الدَّمُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ بِالزَّمَانِ، فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْمَكَانِ وَهُوَ الْحَرَمُ؛ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ (٢). واستدلوا بأن الرسول ﷺ أجاز الذبح في مكة، بقوله ﷺ : «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» فأطراف مكة التي خارج الحرم تَدخل في عموم هذا الحديث. ونوقش بأن النبي ﷺ قال ذلك، وبيوت مكة كلها في الحَرَم، أما الآن فمكة قد اتسعت عمرانيًّا، حتى إن بعض أطرافها قد خرجت خارج حدود الحرم، فلا يُذبَح إلا داخل حدود الحَرَم. فالحاصل: أنه لا يجزئ ذبح الهَدْي في أطراف مكة مما هو خارج الحرم، كجهة التنعيم؛ لعموم الأدلة التي تدل على أنه لا يُذبَح في غير الحَرَم؛ لذا لا بد أن تكون المَجازر داخل الحَرَم؛ لكيلا يضطر أحد لذبح هَدْيه خارج الحَرَم. المبحث الخامس: الأضحية أو الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة: سبب دخول هذه المسألة في النوازل هو أنه أصبحت كثير من الأغنام التي تأتي من أستراليا قد استؤصلت أَلْيَتها، فهل تجزئ في الأضحية وأداء نسك الهَدْي؟ اختَلف أهل العلم في حُكْم الهَدْي بمبتور الذَّنَب أو الأَلْيَة- على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن مبتورة كامل الذَّنَب أو الأَلْيَة لا تجزئ، وأما مقطوعة بعض الذَّنَب فتجزئ. وهو مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند الحنابلة (٣).

стр. 540

القول الثاني: أن مبتورة بعض الذَّنَب لا تجزئ. وهو مذهب الشافعية (١). القول الثالث: أن مبتورة الأَلْيَة تجزئ. وهو مذهب الحنابلة (٢). والراجح: أن مبتورة الأَلْيَة من الأغنام لغرض التسمين بالشروط المذكورة- تجزئ في الأضحية؛ لأن هذا النقص لا يُخِل بالمقصود من الأضحية (٣). مع أن الأصل في الأضحية هو طلب الكمال والسمن والسلامة من العيوب، وأفضل الأضاحي أسمنها؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. المبحث السادس: شراء الشركات جلود الهَدْي والأضاحي: تقوم جمعيات خيرية بجمع جلود الأضاحي وبيعها لمؤسسات صناعة الجلود، وصَرْف ثمنها في مشاريع خيرية، فما الحكم في ذلك؟ اختَلف العلماء في حُكْم بيع جلود الهَدْي والأضاحي على قولين: القول الأول: عدم جواز بيعه. وهو مذهب المالكية والشافعية (٤) واستدلوا بالسُّنة والقياس: أما السُّنة، فَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا» (٥).

стр. 541

وأما القياس، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَحْمَهَا لَا يُبَاعُ، فَكَذَلِكَ الْجُلُودُ وَالْجِلَالُ (١). القول الآخَر: جواز بيعه والتصدق بثمنه. وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧] أي أن المُحَرَّم بيع اللحم، أما الجِلد فلا بأس ببيعه والتصدق بثمنه على المحتاجين. ونوقش بأنه لا يَجوز للمضحي أن يبيع جِلد أضحيته؛ لأنها بالذبح تعينت لله بجميع أجزائها، فلم يَجُز أخذ العوض؛ ولذا لا يُعطِي الجزار منها شيئًا على سبيل الأجرة. والراجح: جواز إعطاء الجلود للجمعيات الخيرية التي تتولى بيعه والتصدق بثمنه؛ لأن أكثر الناس لا ينتفعون بجِلد الأضحية، فبيع الجمعيات الخيرية الجِلد والتصدق بثمنه على الفقراء -عَمَل خير وعَمَل بِر، ولا يجوز بيع المضحي جِلد الأضحية لنفسه. فالحاصل: أنه يجوز بيع جلد الأضحية، وصَرْف ثمنه مصرف الأضحية، والله أعلم. المبحث السابع: الاستعاضة بثمن الهَدْي: دلت النصوص على عدم جواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته. واستدلوا بالكتاب بالسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وَجْه الدلالة: أن الله أوجب على المتمتع في حال القدرة الهَدْي، فإذا لم يجد هديًا أو ثمنه فإنه ينتقل إلى الصيام، ولم يَجعل واسطة بين الهَدْي والصيام. ومَن قال بالتصدق، فإنه يُطالَب بدليل يخالف ذلك. وأما السُّنة، فاستدلوا بأن النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إِلَيْهَا، وَبِأَنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الهَدْيِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .

стр. 542

وأما المعقول، فهو أن الهَدْي له وقت يَفوت بفوات وقته، والتصدق لا يَفوت، فكان أَفْضَل. ونظيره الطواف للآفاقي أَفْضَل من الصلاة؛ لأنه بالرجوع يَفوت، بخلاف المكي. شبهتا مَنْ قال بجواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته، والجواب عنهما: الشبهة الأولى: يَجوز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته؛ نظرًا لصعوبة تنظيم الذبح في الوقت الحاضر، ومع تزايد عدد الحُجاج؛ فيفضي ذلك إلى تكدس كميات كبيرة من اللحوم لا يَنتفع منها أحد. وأجيب عنها من وجهين: الأول: أنه يَجوز نقل الهَدْي خارج الحَرَم إذا كان زائدًا عن حاجة مساكين الحَرَم، ولا سيما بعض البلدان التي بها حروب ومجاعات، ومع التقدم الحديث يَسهل ذلك. الثاني: أن الهَدْي فيه جَمْع بين قُربتين: التقرب بإراقة الدم، والتصدق باللحم. بخلاف الصدقة بثمنها، ولا شك أن الجَمْع بين القريتين أَفْضَل. الشبهة الثانية: ما يَجري عليه بعض الحُجاج من تسليم ثمن الهَدْي الواجب عليهم، لمن ليس بأهل لذلك بصفة التوكيل، حيث لا يُباشِرون بأنفسهم عمليات الشراء والذبح والتصدق باللحوم، فالتصدق بثمن الهَدْي أفضل من هذا. وأجيب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه: الأول: أنه يجب على الحاج ألا يُسَلِّم ثمن الهَدْي الواجب عليه إلا إلى جهة موثوقة، تقوم بعمليات الشراء والذبح، والتصدق باللحوم على مستحقيها، فمَن وجب عليه الهَدْي وجب عليه أن يتحرى في إيصاله إلى مستحقه، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧]. الثاني: أن قولهم: (الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته) يَفتح باب تلاعب في الشريعة، فلا يكون للنصوص قيمة، والنسك عبادة مبنية على التوقيف، فلا يَجوز العدول عن المشروع إلا بدليل شرعي.

стр. 543

الثالث: مع ما تقوم به الحكومة السعودية في خدمة الحرمين الشريفين، فنأمل السعي لعلاج مشكلة اللحوم، وقد يكون ذلك بالأمور الخمسة الآتية: الأول: الإكثار من عدد المَجازر في أماكن مختلفة من مِنًى وفِجاج مكة؛ للإيفاء وإرشاد الناس إليها، مع توعية الحُجاج بفضل الهَدْي وبيان ما يجزئ منه. الثاني: تنظيم عمليات شراء الهَدْي بأرخص الأسعار، مع عدم الربح إن أمكن، مع مراعاة الكشف عن التأكد من صلاحيته من حيث السلامة من الأمراض وموانع الإجزاء. الثالث: التوسع في التوكيل عن ذبح الهَدْي بطريقة منظمة تضمن مصلحة صاحب الهَدْي ومصلحة الفقير والمصلحة العامة، ويكون بإشراف لجنة مختصة بذلك. الرابع: عمل لجنة تتعرف على الفقراء بمكة، وتُوصِّل القَدْر المناسب لهم. الخامس: ما زاد من اللحوم يُبعَث به إلى البلدان التي تعاني من المجاعات. وأُوصي بعمل ندوات يَلتقي فيها أهل الخبرة في شراء الهَدْي، بأهل العلم بالشرع، وعَمَل اقتراحات وتنفيذها لحل هذه المشكلة. والله الهادي إلى سواء السبيل. فالحاصل: عدم جواز الاستعاضة عن ذبح هديه بالتصدق بقيمته؛ لدلالة الكتاب والسُّنة والإجماع على منع ذلك؛ لأن المقصود الأول هو التقرب إلى الله بإراقة الدم، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]؛ ولأن القول بإخراج القيمة يُفضِي إلى التلاعب بالشريعة، فيقال: (تخرج نفقة الحج بدلًا منه لصعوبته)! فالقول بإخراج القيمة مصلحة ملغاة لمعارضتها الأدلة، فلا يَجوز اعتبارها. •١•

стр. 544

الباب الثامن عشر: الأضحية وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: فَضْل وحُكْم الأضاحي. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الأضاحي. المبحث الثاني: حكمة مشروعية الأضحية. المبحث الثالث: فضل الأضحية. المبحث الرابع: حُكْم الأضحية. الفصل الثاني: شروط صحة الأضحية. الشرط الأول: أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام. الشرط الثاني: أن تكون قد بَلَغَتِ السِّن المعتبرة شرعًا. الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء. الشرط الرابع: نية التضحية. الشرط الخامس: أن تكون التضحية في وقت الذبح. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أول وقت التضحية. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ذَبْح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر. المطلب الثاني: أول وقت التضحية لأهل الحَضَر. المطلب الثالث: وَقْت الأضحية في غير أهل الأمصار. المبحث الثاني: آخِر وقت التضحية. المبحث الثالث: التضحية في ليالي أيام النحر.

стр. 545

الفصل الثالث: من آداب التضحية وسُننها. وفيه تمهيد وتسعة مباحث: تمهيد: يُستحب التضحية بالأسمن والأكمل. المبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة. المبحث الثاني: أن يَذبح بنفسه إذا استطاع. المبحث الثالث: يُستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة. المبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية. المبحث الخامس: يُستحب بعد التسمية والتكبير قول: اللهم تَقَبَّلْه مني. المبحث السادس: يُسَن نحر البعير، وذَبْح الشاة أوالبقرة. المبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها. المبحث الثامن: هل يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟ المبحث التاسع: ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها. الفصل الرابع: شروط الذكاة. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التسمية. المبحث الثاني: إنهار الدم. المبحث الثالث: القَدْر الواجب الذي يُكتفَى به في حصول التذكية. الفصل الخامس: ما يباح ويُنهَى عنه في الأضحية. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما يباح في الأضحية. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: جواز الاشتراك في البدنة أو في الأضحية المطلب الثاني: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته في الأضحية. المطلب الثالث: الاستنابة في ذبح الأضحية. المبحث الثاني: ما يُنْهَى عنه في الأضحية. وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: حُكْم حَلْق الشَّعر وتقليم الأظفار لمَن أراد أن يضحي. المطلب الثاني: حُكْم الفدية لمَن أراد أن يضحي، فأَخَذ من شعره المطلب الثالث: يَحرم على المضحي أن يبيع شيئًا من الأضحية. المطلب الرابع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه. المطلب الخامس: لا تُشْرَع الأضحية استقلالًا عن الميت.

стр. 546

الفصل الأول: فضل وحُكْم الأضاحي وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: تعريف الأضاحي الأضاحي لغة: الْأَضَاحِيُّ جَمْعُ أُضْحِيَّةٍ، وَكَأَنَّهَا اُشْتُقَّتْ مِنْ اسْمِ الْوَقْتِ الَّذِي شُرِعَ ذَبْحُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى، وَبِهَا سُمِّيَ الْيَوْمُ الذِي تُذْبَحُ فِيهِ بِيَوْمِ الْأَضْحَى (١). الأضاحي شرعًا: ما يُذبَح من بهيمة الأنعام- الإبل والبقر والغنم- في يوم الأضحى، إلى آخِر أيام التشريق؛ تقربًا إلى الله تعالى (٢). المبحث الثاني: حكمة مشروعية الأضحية فَهِيَ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ الْحَيَاةِ، وَإِحْيَاءُ سُنَّةِ سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﷺ حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ بِذَبْحِ الْفِدَاءِ عَنْ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ ﷺ فِي يَوْمِ النَّحْرِ. وَأَنْ يَتَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ صَبْرَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﵉، وَإِيثَارَهُمَا طَاعَةَ اللَّهِ وَمَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالْوَلَدِ- كَانَا سَبَبَ الْفِدَاءِ وَرَفْعِ الْبَلَاءِ، فَإِذَا تَذَكَّرَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ اقْتَدَى بِهِمَا فِي الصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَقْدِيمِ مَحَبَّتِهِ عَلَى هَوَى النَّفْسِ وَشَهْوَتِهَا. وَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ عَلَاقَةٍ بَيْنَ إِرَاقَةِ الدَّمِ، وَبَيْنَ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ؟! وَالْجَوَابُ بِأَنَّ هَذِهِ الإِرَاقَةَ وَسِيلَةٌ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّفْسِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الْفَقِيرِ. وَهَذِهِ كُلُّهَا مَظَاهِرُ لِلْفَرَحِ وتَحَدُّثٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (٣).

стр. 547

المبحث الثالث: فضل الأضحية لا شك أن للأضحية فضلًا عظيمًا وأجرًا جزيلًا، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] فالأضحية من شعائر الله تعالى ومعالمه، وأن الذبح لله تعالى والتقرب إليه بالقرابين- من أعظم العبادات وأَجَلّ الطاعات. وقد قَرَن الله الذبح بالصلاة في عدة مواضع من كتابه العظيم؛ لبيان عظمة الذبح وكبير شأنه وعلو منزلته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] فأَمَر بالنحر كما أَمَر بالصلاة. ويكفي شرفًا وفضلًا أن الأضحية هي سُنة خليل الرحمن، وفِعل سيد الأنام، والصحابة الأخيار ومَن تبعهم بإحسان. ولكن وردت أحاديث خاصة في فضل الأضحية، منها حديث زيد بن أَرْقَم قال: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الأَضَاحِيُّ؟ قَالَ: «سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ» قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بِكُلِّ شَعَرَةٍ حَسَنَةٌ» (١).

стр. 548

المبحث الرابع: حُكْم الأضحية: اختَلَف العلماء في وجوب الأضحية على المُوسِر على قولين: القول الأول: أن الأضحية سُنة مُؤكَّدة. وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، والمشهور عند المالكية، والشافعية والحنابلة (١). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (٢). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الأضحية بالإرادة، والواجب لا يُعَلَّق بالإرادة ولا يُخيَّر فيه. وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ … لِيُضَحِّيَ بِهِ … فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» (٣). وَجْه الدلالة: أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله- تجزئ عن كل مَنْ لم يُضَحِّ. وأما المأثور، فَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَا يُضَحِّيَانِ عَنْ أَهْلِهِمَا؛ خَشْيَةَ أَنْ يُسْتَنَّ بِهِمَا (٤). وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ: إِنِّي لَأَدَعُ الأَضْحَى وَإِنِّي لَمُوسِرٌ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى جِيرَانِي

стр. 549

أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيَّ (١). القول الآخَر: أن الأضحية واجبة على الموسر. وهذا مذهب الحنفية، وهو قول للمالكية، وقول مُخَرَّج في مذهب الحنابلة، اختاره ابن تيمية (٢). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أي: صَلِّ صلاة العيد، وانحر واذبح الأضحية بعدها. وهذا أَمْر، والأمر يقتضي الوجوب. ونوقش بأن أَشْهَر التأويلات للآية الحث على الإخلاص، أي: صَلِّ لله، وانحر لله. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى» (٣). دل على الوجوب أمر النبي ﷺ بإعادة الذبح؛ لأن التطوع لا يؤمر فيه بالإعادة. ونوقش بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ شَرْطِ الْأُضْحِيَّةِ الْمَشْرُوعَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِمَنْ صَلَّى رَاتِبَةَ الضُّحَى مَثَلًا، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَعِدْ صَلَاتَكَ. واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ لما سأله أبو بُرْدَة بن نِيَار: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: «اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِيَ- أَوْ: تَجْزِيَ- عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» (٤) أي: لن تقضي، والقضاء لا يكون إلا عن واجب، فاقتضى ذلك الوجوب. ونوقش بأن الضَّحَايَا قُرْبَانٌ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَهُوَ حُكْمٌ وَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ، فَلَا يُتَعَدَّى بِهِ سُنَّتُهُ ﷺ . واستدلوا بعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» (٥). ونوقش بأنه ضعيف، ولا أعلم في وجوب الأضحية حديثًا يصح.

стр. 550

الفصل الثاني: شروط صحة الأضحية: الشرط الأول: أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام. فلا تجزئ الأضحية من غير الإبل والبقر والضأن والماعز. ودل على ذلك الكتاب والسُّنة والإجماع: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فلا يجزئ إلا بهيمة الأنعام. وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂: « … وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ بِالْبَقَرِ» (١). ولم يُؤْثَر عن النبي ﷺ التضحية بغير الإبل والبقر والغنم. وأما الإجماع، فقد أَجْمَعوا على أن التضحية لا تصح إلا بالإبل أو البقر أو الغنم (٢). وقد خالف ابنُ حزم جماهيرَ العلماء، فقال: وَالأُضْحِيَّةُ جَائِزَةٌ بِكُلِّ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ

стр. 551

لَحْمُهُ، مِنْ ذِي أَرْبَعٍ أَوْ طَائِرٍ، كَالْفَرَسِ وَالإِبِلِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ، وَالدِّيكِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ (١). واستَدل لذلك بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فاستَدل بحديث أسماء قالت: «ضَحَّيْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْخَيْلِ». ونوقش بأني لم أقف على حديث أسماء بهذا المتن، والذي ورد في «الصحيحين»: عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ». وأما المأثور، فعن أبي هريرة، أنه ضَحَّى بديك (٢). وعن بلال قال: مَا أُبَالِي لَوْ ضَحَّيْتُ بِدِيكٍ. وهذان الأثران ضعيفان، ولا يُعَرَّج على هذا القول ولا يُلتفَت إليه؛ لأنه يخالف الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة، والله أعلم. الشرط الثاني: يُشترَط في الأضحية أن تكون قد بَلَغَتِ السن، فلا تجزئ التضحية بما دون الثَّنِيَّة من الإبل والبقر والمعز، ولا بما دون الجذعة من الضأن، بالإجماع (٣). والراجح: أن السن المعتبرة في الإجزاء الثني من الإبل، وهي ما أَتَم خمس سنين. ومن البقر ما أَتَم سنتين. ومن المعز ما أَتَم سَنة. والجَذَع من الضأن ما أَتَم ستة أشهر (٤). ودل على ذلك ما رواه مسلم: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً،

стр. 552

إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ، فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» (١). قال النووي: قَالَ الْجُمْهُورُ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَفْضَلِ، وَتَقْدِيرُهُ: يُسْتَحَبُّ لَكُمْ أَنْ لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، فَإِنْ عَجَزْتُمْ فَجَذَعَةَ ضَأْنٍ. وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَنْعِ جَذَعَةِ الضَّأْنِ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِ ئُ بِحَالٍ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ الْجُمْهُورَ يُجَوِّزُونَ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَعَدَمِهِ، وَابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ يَمْنَعَانِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ (٢). وقد نُقل الإجماع على أنه لا يجزئ الجَذَع من المعز (٣). ولكن هذا الإجماع منخرم، وهذا قول جماهير العلماء من السَّلَف والخَلَف (٤).

стр. 553

قَالَ الْبَرَاءُ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنَ الْمَعْزِ. فَقَالَ: «ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصْلُحُ لِغَيْرِكَ» (١). وعلي هذا فلا يجوز التضحية بالأنعام المسمنة التي لم تبلغ السن المقرر شرعا لعموم قول النبي ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً»، ولحديث البراء، وعلي هذا جماهير العلماء. قال البلخي في «الفتاوى الهندية» فلا يجوز شيء مما ذكرنا من الإبل والبقر والغنم عن الأضحية إلا الثني من كل جنس وإلا الجذع من الضأن خاصة إذا كان عظيما. الشرط الثالث: السلامة من العيوب المانعة من الإجزاء: فعن البراء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعَةٌ لَا يَجُزْنَ فِي الأَضَاحِيِّ: العَوْرَاءُ البَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (٢). ونُقل الإجماع على أنه يُشترَط في الأضحية السلامة من العيوب الأربعة المذكورة (٣). وأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ خَفِيفًا، فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ (٤). قال الخَطَّابي: قوله: «العوراء البَيِّن عَوَرها» فالعيب الخفيف في الضحايا معفو عنه، ألا تراه يقول: بَيِّنٌ عَوَرها، وبَيِّنٌ مَرَضها؟ فالقليل منه غير بَيِّن، فكان معفوًّا عنه (٥). العيوب التي تُلحَق بالعيوب الأربعة: الأول: مقطوعة الأُذن أو أكثرها.

стр. 554

الثاني: العمياء؛ لأنه إذا لم تجزئ العوراء، فالعمياء أحرى ألا تجزئ بلا خلاف (١). الثالث: الْهَتْمَاءُ لَا تَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الضَّحَايَا (٢). الرابع: المجنونة التي لا تَرعى إلا قليلًا، فتَهْزِل، فلا تُجزئ بالاتفاق (٣). الشرط الرابع: نية التضحية: على المضحي أن يَنوي بها التضحية؛ لعموم قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» وهذا قول المذهب الأربعة (٤). قال الكاساني: نِيَّةُ الْأُضْحِيَّةَ لَا تُجْزئُ الْأُضْحِيَّةُ بِدُونِهَا؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِلَّحْمِ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْقُرْبَةِ، وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ قُرْبَةً بِدُونِ النِّيَّةِ (٥). الشرط الخامس: أن تكون التضحية في وقت الذبح: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: أول وقت التضحية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: ذَبْح الأضحية قبل طلوع الفجر يوم النحر: لا يجوز ذبح الأضحية قبل طلوع الفجر في يوم النحر، بالإجماع (٦). المطلب الثاني: أول وقت التضحية لأهل الحَضَر: قال ابن عبد البر: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُضَحٍّ (٧). وهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختَلف العلماء في أول وقت التضحية على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يَجوز ذبح الأضحية قبل صلاة العيد. وبه قال الحنفية والحنابلة (٨).

стр. 555

واستدلوا لذلك بعموم القرآن والسُّنة: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قيل: نزلت في قوم ذَبَحُوا قبل أن يَنحر النبي ﷺ ، أو قَبْل أن يُصلِّي، فأَمَرهم أن يُعِيدُوا (١). ونوقش بأن هذا السبب لنزول الآية ضعيف (٢). وأما السُّنة، فَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ» (٣). القول الثاني: يَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَمَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ، فَإِنْ ذَبَحَ بَعْدَ هَذَا الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ، سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَمْ لَا. وهذا قول الشافعية (٤). ونوقش هذا القول بأن التقييد في الأحاديث بالصلاة، وليس بالوقت، ولا يُلجأ إلى الوقت إلا عند قوم لا تقام فيهم صلاة العيد. القول الثالث: أنه لا يُجْزِئ الذبح إلا بعد ذبحِ الإمام. وبه قال الإمام مالك. واستَدل مالك بما روى مسلم: عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ

стр. 556

نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ، وَلَا يَنْحَرُوا حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ (١). ونوقش بما ورد عن البراء: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَصْنَعُ أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ». قال ابن حجر: فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الذَّبْحِ يَدْخُلُ بَعْدَ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّأْخِيرُ إِلَى نَحْرِ الْإِمَامِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يَنْحَرْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنِ النَّاسِ مَشْرُوعِيَّةَ النَّحْرِ، وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، لَمْ يُجْزِئْهُ نَحْرُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَالنَّاسَ فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ سَوَاءٌ (٢). والراجح: أن أول وقت التضحية بعد صلاة العيد، ولا تجزئ قبل صلاة العيد؛ لعموم قول النبي ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى». المطلب الثالث: وقت الأضحية لغير أهل الأمصار: يَبدأ وقت الأضحية لمن كان بمحل لا تُصلَّى فيه صلاة العيد، كأهل البوادي- بعد قدر فعل صلاة العيد. وهذا مذهب الحنابلة (٣). المبحث الثاني: آخِر وقت التضحية: أجمع العلماء على أن يوم العيد وقت لذبح الأضاحي (٤). واختلفوا في نهاية وقت الأضاحي على أربعة أقوال: القول الأول: أن أيام النحر أربعة: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فينتهي بغروب شمس اليوم الثالث من أيام التشريق. وهذا مذهب الشافعي، وقول للحنابلة (٥).

стр. 557

واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والمراد بالأيام المعلومات: يوم العيد وأيام التشريق، التي فيها ذِكر الله وذبح بهيمة الأنعام. وأما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (١). ونوقش بأنه ضعيف، ولكن يَشهد لمعناه ما رواه مسلم: عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٢). وإذا كانت أيام التشريق الثلاثة أيام أكل وشرب، ففيها ذبح للهَدْي والأضاحي. القول الثاني: أن أيام النحر ثلاثة أيام: يوم النحر ويومان بعده، فينتهي وقت النحر بغروب شمس ثاني أيام التشريق. وهو مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٣). واستدلوا لذلك بالقرآن والسُّنة والمأثور: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. فالأيام المعلومات هي يوم النحر ويومان بعده. قال القرطبي: ويدل على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] جَمْعُ قلة، لكن المُتيقَّن منه الثلاثة، وما بعد الثلاثة غير مُتيقَّن، فلا يُعْمَل به (٤).

стр. 558

ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن القيم: «وَلِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَخْتَصُّ بِكَوْنِهَا أَيَّامَ مِنًى، وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا، فَهِيَ إِخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِغَيْرِ نَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ؟!» (١). وأما السُّنة، فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ تُؤْكَلَ لُحُومُ الْأَضَاحِيِّ بَعْدَ ثَلَاثٍ (٢). وَجْه الدلالة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْأَكْلِ مِنَ النُّسُكِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَلَوْ كَانَ اليَوْمُ الرَّابِعُ يَوْمَ ذَبْحٍ، لَكَانَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ (٣). ونوقش بأن هذا الحديث منسوخ، وفيه حث على الصدقة عند قلة لحوم الأضاحي، وعدم التأخر في الذبح إلى آخِر أيام التشريق، وعدم الادخار. وأما المأثور، فقد صح عن ابن عمر قال: الأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى (٤). وروى ابن أبي شيبة: عَنْ أَنَسٍ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ (٥). القول الثالث: أن نهاية وقت الأضحية بغروب شمس يوم النحر (٦). واستُدل بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] والمراد بالأيام المعلومات هو العَشْر الأُوَل. قال ابن رُشْد: وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ قَدِ انْعَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ مِنْهَا إِلَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ،

стр. 559

وَهِيَ مَحَلٌّ الذَّبْحِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا; فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ (١). وعن أبي بَكْرة، عن النبي ﷺ قال: « … أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى (٢). وقد سُمي اليوم العاشر من ذي الحجة ب (يوم النحر) لاختصاصه بالذبح. القول الرابع: أن نحر الأضاحي يَجوز إلى آخِر شهر ذي الحجة. وهو قول الحسن، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وابن حزم (٣). واستدلوا بالسُّنة والمأثور: أما السُّنة، فعموم قول النبي ﷺ : «الْأَضَاحِيُّ إِلَى هِلَالِ الْمُحَرَّمِ» (٤). وأما المأثور، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: إِنْ كَانَ المُسْلِمُونَ لَيَشْتَرِي أَحَدُهُمُ الأُضْحِيَّةَ، فَيُسَمِّنُهَا فَيَذْبَحُهَا بَعْدَ الأَضْحَى، آخِرَ ذِي الحِجَّةِ (٥). قال ابن رُشْد: وَقَدْ قِيلَ: الذَّبْحُ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ شَاذٌّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (٦). فالحاصل: أنه ينبغي للمسلم أن يَحرص على ذبح أضحيته يوم النحر لفِعل الرسول ﷺ ؛ ولِما فيه من المبادرة إلى الخير، وخروجًا من الخلاف. وإِنْ تَعَسَّر عليه ذلك، فله أن يضحي في أيام التشريق الثلاثة؛ لعموم قول الرسول ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وقد يُفْهَم من قوله ﷺ : « … أَيَّامُ أَكْلٍ … » أن فيها ذبحًا للأضاحي.

стр. 560

المبحث الثالث: التضحية في ليالي أيام النحر: اختَلف الفقهاء في حُكْم التضحية في الليل على ثلاثة أقوال: الأول: جواز الذبح ليلًا. وهذا قول للحنابلة، وهو اختيار ابن حزم (١). الثاني: يُكْرَه الذبح ليلًا. وبه قال الحنفية والشافعية (٢). الثالث: لا تجزئ التضحية في الليل. وهذا مذهب المالكية، وقول للحنابلة (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] وبعموم قول النبي ﷺ : «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ». ففي الآية والحديث ذِكر الذبح في الأيام دون الليالي. ونوقش بما قاله الماوردي: «فَأَمَّا الْجَوَابُ، فَهُوَ أَنَّ اللَّيَالِيَ تَبَعٌ لِلْأَيَّامِ». واستدلوا بما روى الطبراني: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُضَحَّى لَيْلًا (٤). قال الشوكاني: لا يَخفى أن القول بعدم الإجزاء وبالكراهة يَحتاج إلى دليل، ومجرد ذِكر الأيام في حديث الباب وإن دل على إخراج الليالي بمفهوم اللقب، لكن التعبير بالأيام عن مجموع الأيام والليالي، والعكس- مشهور متداول، لا يكاد يَتبادر غيره عند الإطلاق (٥).

стр. 561

الفصل الثالث: من آداب التضحية وسُننها وفيه تمهيد، وسبعة مباحث: تمهيد: يُستحب التضحية بالأسمن والأكمل، وقد ذَكَر الله عن إسماعيل فقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: بكبش عظيم. وفي «الصحيحين» من حديث أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (١). المبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة: ذهب جماهير العلماء إلى استحباب إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة وإراحتها؛ لعموم قول النبي ﷺ : «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» ولقول النبي ﷺ لعائشة: «هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ (٢). المبحث الثاني: أن يَذبح بنفسه إذا استطاع: يُستحب أن يَذبح بنفسه إذا استطاع؛ لِفِعل رسول الله ﷺ . ولأنها قُربة إلى الله ؛ لِما روى أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ. المبحث الثالث: يُستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة: يُستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة عند الذبح (٣). عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ … فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «إِنِّي وَجَّهْتُ

стр. 562

وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ … » (١). وقال البيهقي: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَجَّهَهُمَا إِلَى القِبْلَةِ حِينَ ذَبَحَ (٢). قال ابن عبد البر: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولُ: «وَجَّهْتُ … » (٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ (٤). قال السرخسي: لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ رُبَّمَا كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بِذَبَائِحِهِمُ الْأَصْنَامَ، فَأَمَرَنَا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِتَعْظِيمِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (٥). المبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية: يُستحب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية، بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنِ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» (٦). وأما الإجماع، فقال ابن قُدامة: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَبَحَ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا خِلَافًا (٧).

стр. 563

المبحث الخامس: يُستحب بعد التسمية والتكبير قول: (اللهم تَقَبَّلْه مني): فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ … » (١). قال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابِ قَوْلِ الْمُضَحِّي، حَالَ الذَّبْحِ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي (٢). المبحث السادس: يُسَن نحر الإبل وذَبْح الغنم: يُسَن أن تُنحَر الإبل قائمة، وتُذبَح الشاة مضجعة، ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر. دل على نحر الإبل قائمة عموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ بعد الذبح، فهذا يدل على أن الإبل تُنحَر قائمة. وروى البخاري: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا (٣). ودل على استحباب إضجاع الغنم عند الذبح: ما ورد عن أنس قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» (٤).

стр. 564

ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وعن جابر قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (١). وأما الإجماع، فنُقل الإجماع على النحر في الإبل، والذبح في الغنم (٢). المبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها: دل على استحباب ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وعموم قول النبي ﷺ : «فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا» (٣). فهذان دليلان على أنه يُستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، وأن يَتصدق منها على الفقراء والمحتاجين، وأن يُطْعِم منها الأقارب والجيران. المبحث الثامن: هل يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام: قِسم يتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقِسم يُطْعِم به الأقارب والجيران، وقِسم يأكل منه هو وأهل بيته (٤). واستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ (٥).

стр. 565

وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في الضحايا قِسم معلوم موصوف، والله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. واستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ : «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» وهذا يدل على أن الأكل والصدقة غير مُقيَّدين، والأمر على حَسَب الاستطاعة. المبحث التاسع: ذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها: ذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فالحكمة من الأضحية مع أكل اللحم هي التقرب إلى الله تعالى بذبحها، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وأما السُّنة، فاستدلوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إِلَيْهَا. وَبِأَنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). •١•
следующие страницы →