← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 1474

جمع السبائك لأحكام المناسك

محمد بن علي حلاوة

Полный текст (664 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الفصل الثالث: من آداب التضحية وسُننها وفيه تمهيد، وسبعة مباحث: تمهيد: يُستحب التضحية بالأسمن والأكمل، وقد ذَكَر الله عن إسماعيل فقال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] أي: بكبش عظيم. وفي «الصحيحين» من حديث أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا (١). المبحث الأول: إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة: ذهب جماهير العلماء إلى استحباب إحداد الشفرة قبل إضجاع الذبيحة وإراحتها؛ لعموم قول النبي ﷺ : «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» ولقول النبي ﷺ لعائشة: «هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ، ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ (٢). المبحث الثاني: أن يَذبح بنفسه إذا استطاع: يُستحب أن يَذبح بنفسه إذا استطاع؛ لِفِعل رسول الله ﷺ . ولأنها قُربة إلى الله ؛ لِما روى أنس قال: ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ. المبحث الثالث: يُستحب توجيه الذبيحة نحو القبلة: يُستحب توجيه الذبيحة إلى القبلة عند الذبح (٣). عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ … فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: «إِنِّي وَجَّهْتُ

стр. 562

وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ … » (١). وقال البيهقي: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَجَّهَهُمَا إِلَى القِبْلَةِ حِينَ ذَبَحَ (٢). قال ابن عبد البر: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَقْبِلُ بِذَبِيحَتِهِ الْقِبْلَةَ، وَيَقُولُ: «وَجَّهْتُ … » (٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ، يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ إِلَى الْقِبْلَةِ (٤). قال السرخسي: لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ رُبَّمَا كَانُوا يَسْتَقْبِلُونَ بِذَبَائِحِهِمُ الْأَصْنَامَ، فَأَمَرَنَا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِتَعْظِيمِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (٥). المبحث الرابع: استحباب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية: يُستحب التكبير بعد التسمية عند ذبح الأضحية، بالكتاب والسُّنة والإجماع. أما الكتاب، فعموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وأما السُّنة، ففي «الصحيحين»: عَنِ أَنَسٍ قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا» (٦). وأما الإجماع، فقال ابن قُدامة: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا ذَبَحَ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: وَسَمَّى وَكَبَّرَ. وَلَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذَا خِلَافًا (٧).

стр. 563

المبحث الخامس: يُستحب بعد التسمية والتكبير قول: (اللهم تَقَبَّلْه مني): فَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» ثُمَّ قَالَ: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ» فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ … » (١). قال النووي: فِيهِ اسْتِحْبَابِ قَوْلِ الْمُضَحِّي، حَالَ الذَّبْحِ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي (٢). المبحث السادس: يُسَن نحر الإبل وذَبْح الغنم: يُسَن أن تُنحَر الإبل قائمة، وتُذبَح الشاة مضجعة، ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر. دل على نحر الإبل قائمة عموم قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] أي: سَقَطَتْ بعد الذبح، فهذا يدل على أن الإبل تُنحَر قائمة. وروى البخاري: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا (٣). ودل على استحباب إضجاع الغنم عند الذبح: ما ورد عن أنس قال: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» (٤).

стр. 564

ويُخيَّر بين الذبح والنحر في البقر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وعن جابر قال: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» (١). وأما الإجماع، فنُقل الإجماع على النحر في الإبل، والذبح في الغنم (٢). المبحث السابع: استحباب الأكل من الأضحية، والتصدق منها: دل على استحباب ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] وعموم قول النبي ﷺ : «فَكُلُوا وَادَّخِرُوا، وَتَصَدَّقُوا» (٣). فهذان دليلان على أنه يُستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، وأن يَتصدق منها على الفقراء والمحتاجين، وأن يُطْعِم منها الأقارب والجيران. المبحث الثامن: هل يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه يُستحب للمضحي أن يُقَسِّم الأضحية إلى ثلاثة أقسام: قِسم يتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقِسم يُطْعِم به الأقارب والجيران، وقِسم يأكل منه هو وأهل بيته (٤). واستدلوا بما ورد: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي صِفَةِ أُضْحِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُطْعِمُ أَهْلَ بَيْتِهِ الثُّلُثَ، وَيُطْعِمُ فُقَرَاءَ جِيرَانِهِ الثُّلُثَ، وَيَتَصَدَّقُ عَلَى السُّؤَّالِ بِالثُّلُثِ (٥).

стр. 565

وقال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في الضحايا قِسم معلوم موصوف، والله قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. واستدلوا بعموم قول الرسول ﷺ : «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» وهذا يدل على أن الأكل والصدقة غير مُقيَّدين، والأمر على حَسَب الاستطاعة. المبحث التاسع: ذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها: ذَبْح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها. وبه قال الحنفية والمالكية والحنابلة (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فالحكمة من الأضحية مع أكل اللحم هي التقرب إلى الله تعالى بذبحها، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وأما السُّنة، فاستدلوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ، وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ لَعَدَلُوا إِلَيْهَا. وَبِأَنَّ إِيثَارَ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ سُنَّةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٢). •١•

стр. 566

الفصل الرابع: شروط الذكاة: وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التسمية: اختَلف أهل العلم في اشتراط التسمية في الذكاة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن التسمية شرط، لا تَحِل الذكاة بدونه، عمدًا كان أو نسيانًا. وبه قال أحمد في رواية، وهذا مذهب الظاهرية، واختاره ابن تيمية (١). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمعقول: أما الكتاب، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وأما السُّنة، فاستدلوا بقول النبي ﷺ : «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (٢). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق حِلّ الذبيحة بشرطين: إنهار الدم، وذِكر اسم الله. وعن عَدي: قال ﷺ : «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ» (٣). وَجْه الدلالة: أنه ﷺ وقف الإذن بالأكل على التسمية. القول الثاني: أنها واجبة مع الذِّكر، وتَسقط بالنسيان. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة (٤). واستدلوا لسقوط الوجوب بالنسيان بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وَجْه الدلالة: أن الناسي لا يُسَمَّى فاسقًا، وأن النسيان يُسْقِط المُؤاخَذة، والجاهل

стр. 567

مُؤاخَذ؛ ولذلك يُفْطِر الجاهل بالأكل في الصوم دُون الناسي (١). واستدلوا بأن إسقاط التسمية في حال النسيان عليه إجماع العلماء (٢). وعن ابن عباس قال: «فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسَمِّيَ عَلَى الذَّبِيحَةَ، فَلْيُسَمِّ وَلَيْأَكُلْ» (٣). القول الثالث: أن التسمية سُنة مُؤكَّدة. وهذا مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (٤). واستدلوا بالكتاب والسُّنة: أما الكتاب، فَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فَأَبَاحَ الْمُذَكَّى، وَلَمْ يَذْكُرِ التَّسْمِيَةَ. (فَإِنْ قِيلَ): لَا يَكُونُ مُذَكًّى إِلَّا بِالتَّسْمِيَةِ. (قُلْنَا): الذَّكَاةُ فِي اللُّغَةِ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ، وَقَدْ وُجِدَا. وَأَيْضًا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَأَبَاحَ ذَبَائِحَهُمْ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ التَّسْمِيَةَ (٥). قال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعُوا فِي ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَإِ ذَا لَمْ يُسَمِّ عَلَيْهَا غَيْرَ اللَّهِ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَجُوسِيَّ وَالْوَثَنِيَّ لَوْ سَمَّى اللَّهَ، لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ. وَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ أَنَّ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ بِدِينِهِ (٦). وأما السُّنة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهِ، وَكُلُوهُ» (٧).

стр. 568

وجه الدلالة من وجهين: الأول: ما قاله ابن حجر: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الذَّبِيحَةِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ شَرْطًا لَمْ تُسْتَبَحِ الذَّبِيحَةُ بِالْأَمْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ … حَيْثُ وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ، فَسَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: لَا تَهْتَمُّوا بِذَلِكَ، بَلِ الَّذِي يُهِمُّكُمْ أَنْتُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَتَأْكُلُوا (١). الثاني: ما قاله النووي: وَقَوْلُهُ ﷺ : «سَمُّوا وَكُلُوا» هَذِهِ التَّسْمِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ عِنْدَ أَكْلِ كُلِّ طَعَامٍ، وَشُرْبِ كُلِّ شَرَابٍ، فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَسْأَلَةِ (٢). المبحث الثاني: إنهار الدم: قال ابن قُدامة: وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَكْمَلَ قَطْعُ الْأَرْبَعَةِ: الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَالْوَدَجَيْنِ، فَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْوَدَجَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ مُحِيطَانِ بِالْحُلْقُومِ؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِخُرُوجِ رُوحِ الْحَيَوَانِ، فَيَخِفُّ عَلَيْهِ، وَيَخْرُجُ مِنَ الْخِلَافِ، فَيَكُونُ أَوْلَى (٣).

стр. 569

المبحث الثالث: القَدْر الواجب الذي يُكتفَى به في حصول التذكية: اختَلف الفقهاء في القَدْر الذي يُشترَط في حصول الذكاة به على أقوال، منها: القول الأول: يُشترَط قطع الجميع: الحلقوم والمَرِيء والوَدَجين. وهذا قول للمالكية، ورواية عن أحمد (١). القول الثاني: يُشترَط قطع الوَدَجَيْن والحلقوم. وهو مذهب المالكية في المشهور، ورواية عن أحمد. وذلك لأنه بقطع الوَدَجين يَحصل إنهار الدم، ولا يوصل إلى قطع الوَدَجين في الغالب إلا بعد قطعه الحلقوم لأنه قبلهما. أما المَرِيء فهو مَجْرَى الطعام والشراب، وهو وراء ذلك ملتصق بعظم القفا (٢). القول الثالث: الواجب قطع الحُلقوم والمَرِيء. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣). قال النووي: وَيُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الذَّكَاةِ قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ، ومَقْصُودِ الذَّكَاةِ، وَهُوَ الْإِزْهَاقُ بِمَا لَا يُعَذِّبُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْطَعَ الْوَدَجَيْنِ مَعَ الحُلْقُومِ وَالمَرِيءِ (٤).

стр. 570

القول الرابع: يجب قطع ثلاثة من أربعة بدون تعيين. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، ووجه للحنابلة، واختاره ابن تيمية (١). القول الخامس: الواجب قطع الوَدَجين. وهذا وجه للحنابلة (٢). واستدلوا بما رُوي عن رافع ﵁، أن النبي ﷺ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا». وَجْه الدلالة: أنه ﷺ عَلَّق الحُكم على إنهار الدم، ومن المعلوم أن أبلغ ما يكون به الإنهار قَطْع الوَدَجين، فبقطعهما يَخرج الدم. •?•

стр. 571

الفصل الخامس: ما يباح ويُنهَى عنه في الأضحية وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما يباح في الأضحية: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: جواز الاشتراك في البدنة والبقرة في الأضحية، وأن كلًّا منهما تجزئ عن سبعة، فروى مسلم: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (١). وفي رواية الحاكم: «نَحَرْنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ» (٢). أما ما ورد عن ابن عباس قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَ النَّحْرُ، فَاشْتَرَكْنَا فِي البَعِيرِ عَنْ عَشَرَةٍ، وَالبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ» (٣)

стр. 572

فهو منكر، ومُخالِف لإجماع المسلمين (١). المطلب الثاني: الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهل بيته في الأضحية. روى مسلم: عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ الْكَبْشَ فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 573

«بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» ثُمَّ ضَحَّى بِهِ (١). قال الخَطَّابي: وفي قوله: «تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» دليل على أن الشاة الواحدة تجزئ عن الرجل وأهله، وإِنْ كَثُروا (٢). وروى البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هُوَ صَغِيرٌ» فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ، وَكَانَ يُضَحِّي بِالشَّاةِ الوَاحِدَةِ عَنْ جَمِيعِ أَهْلِهِ (٣). وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ، يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ، فَصَارَتْ مُبَاهَاةً (٤). فالحاصل: أن الشاة الواحدة تُجْزئ في الأضحية عن الرجل وأهل بيته. المطلب الثالث: الاستنابة في ذبح الأضحية. يَجوز للمضحي أن يستنيب في ذبح أضحيته، إذا كان النائب مسلمًا، دل على ذلك أن النبي ﷺ نَحَر ثلاثًا وستين بيده، ثم أَعْطَى عليًّا، فنَحَر ما بقي من المِائة. قال ابن عبد البر: وَجَائِزٌ أَنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ وَالضَّحَايَا غَيْرُ صَاحِبِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وَهُوَ أَمْرٌ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي إِجَازَتِهِ (٥).

стр. 574

المبحث الثاني: ما يُنهَى عنه في الأضحية: وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: حُكْم حَلْق الشَّعر وتقليم الأظفار لمَن أراد أن يضحي: اختَلف العلماء في حكم حَلْق الشَّعر لمَن أراد أن يضحي على ثلاثة أقوال: القول الأول: يجوز. وهذا مذهب الحنفية، وقول للمالكية، والليث (١). واستدلوا بالسُّنة والمعقول: فعن عائشة قالت: «أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ» (٢). وَجْه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يَحْرُم عليه شيء يبعثه بهديه، والبعث بالهَدْي أكثر من إرادة التضحية، ولم يكن النبي ﷺ ليَفعل ما نَهَى عنه. وأما المعقول، فإن إرادة التضحية إذا كانت لا تَمنع من الجماع، وهو أغلظ ما يَحرم بالإحرام، كانت أحرى أن لا تَمنع مما دون ذلك (٣). القول الثاني: يَحرم على مَنْ أراد أن يضحي أن يَحلق شعره ويُقلم أظفاره حتى يضحي. وهو مذهب الحنابلة، ووَجْه للشافعية، واختاره ابن حزم (٤). روى مسلم: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ

стр. 575

يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» (١). فمقتضى النهي التحريم، وهو خاص، ويجب تقديمه على عموم غيره (٢). القول الثالث: يُكْرَه لمن أراد أن يضحي أن يَحلق شعره ويُقلم أظفاره حتى يضحي. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، وهو قول للحنابلة (٣). واستدلوا بالجَمْع بين نصوص الباب، بحَمْل نصوص النهي على الكراهة، ونصوص الإباحة على عدم التحريم (٤). المطلب الثاني: حُكْم الفدية لمَن أراد أن يضحي، فأَخَذ من شعره أو قَلَّم أظفاره. لا فدية عليه بالإجماع (٥). المطلب الثالث: يَحرم على المضحي أن يبيع شيئًا من الأضحية. قال الماوردي: يَحْرُمُ بَيْعُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ فِي حَقِّ الْمُضَحِّي؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فَنَصَّ عَلَى أَكْلِهِ وَإِطْعَامِهِ، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهِ. وَعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ البَيْعِ. وَلِأَنَّ الْأَمْوَالَ الْمُسْتَحَقَّةَ فِي الْقُرْبِ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَقَرِّبِ بَيْعُهَا، كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ (٦).

стр. 576

المطلب الرابع: إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه: لا يَجوز إعطاء الجزار من الأضحية ثمنًا لذبحه. وهذا قول المذاهب الأربعة (١). ودل على التحريم ما ورد في «الصحيحين»: عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا (٢). قال ابن قُدامة: وَلِأَنَّ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى الْجَزَّارِ أُجْرَةً عِوَضٌ عَنْ عَمَلِهِ وَجِزَارَتِهِ، وَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. فَأَمَّا إِنْ دَفَعَ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ، فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْأَخْذِ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَهَا وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهَا (٣). المطلب الخامس: لا تُشْرَع الأضحية استقلالًا عن الميت. قد أجاز بعض العلماء الأضحية عن الميت قياسا علي الصدقة، ومنعها آخرون؛ لأنه لم يَرِد عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة- أنهم ضَحَّوْا عن الأموات استقلالًا؛ فالأضحية عبادة، ولا تُفْعَل إلا بتوقيف وهو مذهب الشافعية، وكَرِهها المالكية (٤). •١•

стр. 577

الباب التاسع عشر: أحكام المبيت بمِنًى: وفيه فصلان: الفصل الأول: المبيت بمِنًى الفصل الثاني: نوازل مِنًى

стр. 578

الفصل الأول: المبيت بمِنًى وفيه تسعة مباحث: المبحث الأول: سبب تسمية مِنًى وأيام التشريق بهذين الاسمين، وفضل الذِّكر في أيام منى: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سبب تسمية مِنًى بهذا الاسم: قيل: سُميت (مِنًى) لكثرة ما يُمْنَى بها- أي: يراق- من الدماء. وقيل: لأن الله تعالى يَمُن على عباده بالمغفرة فيها. وقيل: لأن الله تعالى مَنَّ على الخليل بأن فدى ابنه بكبش، واستنقذه من الذبح (١). المطلب الثاني: سبب تسمية أيام التشريق بهذا الاسم: سُميت أيام التشريق بذلك لأن الحُجاج كانوا يُشَرِّقون فيها لحوم الأضاحي- أي: يضعونها في الشمس. وقيل: سُميت أيام التشريق؛ لإشراق نهارها بنور الشمس ولإشراق ليلها بنور القمر؛ لأن هذه الليالي الثلاث يكون القمر فيها مكتملًا (٢). المطلب الثالث: يُسَن الإكثار من ذكر الله في أيام مِنًى. فعن نُبَيْشَة قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أَكْل وشُرْب وذِكر لله » (٣).

стр. 579

المبحث الثاني: مواقيت المبيت في مِنًى: وفيه مطلبان: المطلب الأول: المواقيت المكانية بمِنًى: حدود مِنًى من مَهبِط العقبة إلى وادي مُحَسِّر طولًا، وعَرْضًا ما بين جبلين، وما أَقْبَل منهما وما أَدْبَر ليس منها، فمِنًى وادٍ بين جبال، فيَحُد مِنًى من الشمال جبل ثَبير، ومن الجنوب جبل الصابح، ومن الشرق وادي مُحَسِّر، ومن الغرب جمرة العقبة. وحدود مِنًى المكانية الآن واضحة جلية، بأعلام كبيرة تتضح للقادم إليها من أي جهة، وذلك مبني على لجان حكومية من العلماء وغيرهم، ولله الحمد على التيسير (١). المطلب الثاني: المواقيت الزمانية للمبيت بمِنًى: المبيت بمِنًى يَبدأ من غروب شمس يوم النحر، مبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، وينتهي بطلوع شمس اليوم الرابع عشر. دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والأيام المعدودات هي أيام التشريق (٢). المبحث الثالث: حُكْم المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق: أَجْمَع العلماء على أن المبيت بمِنًى ليلة الوقوف بعرفة سُنة. واختلفوا في حكم المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق على قولين: القول الأول: المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب. وهو مذهب المالكية، وقول عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٣). واستدلوا بالكتاب والسُّنة والمأثور: أما الكتاب، فعموم قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ

стр. 580

فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فالآية دليل على أنه يجب على الحاج أن يقيم يومين في الموضع الذي شُرِع فيه ذكر الله ورمي الجمار، ويُرخَّص له في الانصراف في اليوم الثالث. فدلت الآية على وجوب المبيت بمِنًى. وأما السُّنة، فاستدلوا بدليلين: الأول: أن النبي ﷺ بات بمِنًى ليالي أيام التشريق، وقال: «لتأخذوا مناسككم». الثاني: ما ورد في «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبدِ المُطَّلِبِ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ (١). وَجْه الدلالة: أن كلمة (استأذن) تدل على أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب، ولو كان المبيت سُنة لَمَا احتاج العباس إلى الترخيص والإذن من الرسول ﷺ . وأما المأثور، فَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا مِنًى (٢). فنَهْي عُمَر الحُجاج عن المبيت خارج مِنًى ليالي أيام التشريق، وحِرصه على دخول الناس في حدود مِنًى- دليل على وجوب المبيت، وهو ممن أُمِرنا باتباعهم. القول الآخَر: أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق سُنة. وبه قال الحنفية، وهو قول مرجوح عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية (٣). واستدلوا بما ورد عن ابن عباس قال: إِذَا رَمَيْتَ الْجِمَارَ، فَبِتْ حَيْثُ شِئْت (٤).

стр. 581

ونوقش بأن ابن عباس خالفه عمر بن الخطاب، والنبي ﷺ قد بات في مِنًى ليالي أيام التشريق، وقال: «لتأخذوا مناسككم». والراجح: أن المبيت بمِنًى ليالي أيام التشريق واجب؛ لأن النبي ﷺ بات بمِنًى، وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولأن النبي ﷺ أَذِن للعباس أن يبيت بمكة ليالي أيام التشريق من أجل سقايته، ولو كان المبيت سُنة لَمَا استأذنه العباس. ولأن عمر كان يَمنع المبيت خارج مِنًى ليالي أيام التشريق، فدل ذلك على الوجوب. المطلب الثالث: حُكْم المبيت بمِنًى ليلة الثالث عشر للمُتعجِّل: أيام المبيت بمِنًى هي أيام التشريق، وهي الأيام المعدودات، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، فمَن تَعجَّل فليس عليه سوى مبيت ليلتين فقط، ويَسقط عنه المبيت ورمي الجمرة لليوم الثالث عشر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» (١). قال ابن قُدامة: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مِنًى شَاخِصًا عَنِ الْحَرَمِ، غَيْرَ مُقِيمٍ بِمَكَّةَ، أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الزَّوَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢). فالحاصل: أن مَنْ تَعَجَّل فبات ليلة الثاني عشر ورمى الجمرات بعد الزوال، يباح له أن يغادر ويتعجل من مِنًى، ويَسقط عنه. وهذه رخصة إسقاط، فالحاج مُخيَّر في التعجيل والتأخير، وإن كان الأكمل والأفضل التأخر لمبيت الليلة الثالثة، ورمي جمرات اليوم الثالث من أيام التشريق؛ لفِعْله ﷺ ، ولأن فيه زيادة عمل مشروع.

стр. 582

المبحث الرابع: حُكْم المُتعجِّل إذا غَرَبَتْ عليه شمس ثاني أيام التشريق: اختَلَف أهل العلم في حُكْم مَنْ تَعَجَّل في اليوم الثاني عشر وغَرَبَتْ عليه الشمس، هل يبيت أم يرتحل؟ على قولين: القول الأول: إذا غَرَبَتْ شمس يوم الثاني عشر على المُتعجِّل وهو بمِنًى، لزمه مبيت ليلة الثالث عشر والرمي من الغد. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو رواية عن أبي حنيفة (١). واستدلوا بالقرآن والمأثور: أما القرآن، فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. ف (اليوم) اسم للنهار، فإذا غَرَبَتِ الشمس فقد خرج اليوم، فيجب عليه المبيت والرمي. وأما المأثور، فعن عُمر ﵁ أنه قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلْيَقُمْ إِلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ» (٢). وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يقول: «مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى، فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنَ الْغَدِ» (٣). القول الآخَر: أن التعجل يتحقق بالخروج من مِنًى قبل الفجر. وبه قال الحنفية (٤). واستدلوا بأن الليالي تابعة للأيام الماضية، فإذا كان يجوز رمي يوم الثاني عشر حتى طلوع فجر الثالث عشر، فكذا يَجوز له النفر بعد الغروب ما لم يطلع عليه الفجر. ونوقش بما قاله الماوردي: وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ النَّفْرَ مَا لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ

стр. 583

فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ يَتْبَعُ مَا قَبْلَهُ فِي الْحَجِّ كَلَيْلَةِ عَرَفَةَ، وَلَا يَتْبَعُ مَا بَعْدَهَا مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ. وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّعْجِيلَ يَتَعَلَّقُ بِالْيَوْمِ، وَخُرُوجُ الْيَوْمِ مُعْتَبَرٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ. وَالثَّانِي: أَنَّ النَّفْرَ نَفْرَانِ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْرِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، ثَبَتَ أَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ لَيْسَ بِتَابِعٍ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ لَيْلَةِ عَرَفَةَ فَلَيْسَتْ تَبَعًا، وَإِنَّمَا هِيَ وَيَوْمُ عَرَفَةَ فيه سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ (١). والراجح: أن مَنْ غَرَبَتْ عليه شمس يوم الثالث عشر يجب عليه المبيت إلى الغد ويَرمي الجمار؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ولأن التعجل يتعلق باليوم، وخروج اليوم يتعلق بغروب الشمس، فالتعجل إذًا متعلق بالغروب. المبحث الخامس: إذا غَرَبَتِ الشمس قبل انفصاله من مِنًى: مَنْ رمى الجمار واشتغل بالرحيل حتى غَرَبت الشمس له أن يرتحل. قال النووي: وَلَوْ غَرَبَتْ وَهُوَ فِي شُغْل الارْتِحَالِ، جَازَ النَّفْرُ عَلَى الأَصَحِّ (٢). وهذا هو الأرفق بالناس مع كثرة الزحام، والتزام الناس بوسائل النقل الحديثة الذي يكون التحكم في سيرها خارجًا عن إرادة مالكها، والله رَفَع الحرج عن العباد رحمة بهم. قال الشيخ ابن عثيمين: لو أن جماعة حلوا الخيام وحملوا العفش وركبوا، ولكن حَبَسهم المسير لكثرة السيارات، فغَرَبت عليهم الشمس قبل الخروج من مِنًى، فلهم أن يستمروا في الخروج؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيارهم (٣).

стр. 584

المبحث السادس: القَدْر الذي يتحقق به الوجوب من المبيت في مِنًى: اختَلَف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الواجب على الحاج أن يبيت معظم الليل. وهو مذهب المالكية، والشافعية في الصحيح عنهم. وذلك لأن مُسَمَّى المبيت لا يَحصل إلا بمعظم الليل، كما لو حلف لا يبيت بمكان، لم يَحنث إلا بمبيت معظم الليل (١). القول الثاني: أن الواجب في المبيت نصف الليل. وبه قال المالكية (٢). القول الثالث: أن يكون بعد منتصف الليل ولو بوقت يسير. وبه قال الحنابلة (٣). والراجح: أن المُعتبَر في المبيت الكون بمِنًى معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقًا، والاستيعاب غير واجب اتفاقًا، فأقيم المُعْظَم مُقام الكل، فالمبيت المطلوب بمِنًى معناه أن يَقضي الحاج بمِنًى مُعْظَم الليل ليلتي الحادي عشر والثاني عشر إِنْ تَعَجَّل. ومَن ذهب للطواف يوم النحر، فتَأخَّر للعودة إلى مِنًى للازدحام وللتعب، حتى ذهب أكثر الليل، وبات باقي ليلة الحادي عشر في مِنًى، فلا تجب عليه فدية، والله أعلم.

стр. 585

المبحث السابع: حُكْم الدم لمَن تَرَك المبيت بمنى ليلة من ليالي التشريق: اختَلَف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: لا يَلزمه شيء؛ لأن المبيت سُنة. وهو مذهب الحنفية، ورواية للحنابلة. الثاني: يَلزمه دم بترك المبيت بمِنًى ليلة من ليالي التشريق. وهو مذهب المالكية، ورواية عن أحمد. الثالث: مَنْ تَرَك المبيت بمِنًى ليلة من ليالي التشريق، فعليه أن يتصدق بمُدّ طعام. وهو قول عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة. قال ابن عثيمين: لو تَرَك ليلة من الليالي، فإنه ليس عليه دم، بل عليه إطعام مسكين إِنْ تَرَك ليلة، وإطعام مسكينين إِنْ تَرَك ليلتين، وعليه دم إِنْ تَرَك ثلاث ليالٍ. وقال ابن باز: المنصرف في اليوم الحادي عشر قد أَخَل بما يجب عليه من الرمي، فعليه دم يُذبَح في مكة للفقراء، أما تَرْكه المبيت في منى ليلة الثاني عشر، فعليه عن ذلك صدقة بما يتيسر، مع التوبة والاستغفار عما حصل منه من الخلل والتعجل في غير وقته؛ وإِنْ فَدَى عن ذلك كان أحوط؛ لِما فيه من الخروج من الخلاف؛ لأن بعض أهل العلم يرى عليه دمًا بترك ليلة واحدة من ليلتي الحادي عشر والثاني عشر بغير عذر شرعي (١). المبحث الثامن: سقوط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل (٢): يَسقط المبيت عن أصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل. وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٣). ففي «الصحيحين»: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبدِ المُطَّلِبِ، ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.

стр. 586

المبحث التاسع: هل يُلحَق سائر أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم بأهل السقاية والرعاة في عذرهم بالمبيت خارج مِنًى؟ اختَلَف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: أن سائر أهل الأعذار كالمرضى يُلْحَقون بأهل السقاية والرعاة، في جواز المبيت خارج مِنًى، وتَسقط عنهم الفدية. وبه قال الشافعية، وهو قول للحنابلة (١). واستدلوا بأن النبي ﷺ رَخَّص لأصحاب سقاية الحجيج ورعاة الإبل؛ تنبيهًا على غيرهم، أو أنه نَصَّ عليه لمَعْنًى وُجِد في غيرهم، فوَجَب إلحاقه بهم. واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث الدالة على أن الإنسان لا يُكلَّف إلا ما يستطيع. القول الآخَر: أن مَنْ تَرَك المبيت لعذر كالمرضى ونحوهم، فقد تَرَك الواجب، فيجب عليه دم. وبه قال المالكية، وهو المشهور عند الحنابلة (٢). واستدلوا بأن الرخصة مقصورة على عذر السقاية والرعي، ولا تتعدى إلى غير هذه الأعذار؛ لأن النبي ﷺ لم يأذن إلا لهذين الصنفين، مع احتمال وجود غيرهم من أهل الأعذار في ذلك الوقت، ولم يُنْقَل الإذن إلا لهؤلاء، فدل على أنه لا يُعْذَر سواهم. ونوقش هذا بأن الرخصة تَثبت بالقياس، إذا وُجدت العلة الجامعة بينهما. والراجح: أن سائر أهل الأعذار كالمرضى ونحوهم يُلْحَقون بأهل السقاية والرعاة في جواز المبيت خارج مِنًى، وأن الرخصة تتعدى لغير أهل السقاية والرعي إذا وُجدت العلة، فيقاس على أهل السقاية المريض ومَن يقوم على شئونه، والجنود ورجال الأمن والصحة والنظافة، الذين يقومون بمصالح الحجيج، ويكون تقدير ذلك لأهل العلم (٣).

стр. 587

الفصل الثاني نوازل مِنًى وفيه سبعة مباحث: المبحث الأول: حُكْم المبيت بجوار مِنًى لمن لم يجد مكانًا مناسبًا للمبيت فيها. المبحث الثاني: مَنْ عَلِم أن حَمْلته لن تبيت بمِنًى. المبحث الثالث: المبيت في شوارع مِنًى وأرصفتها. المبحث الرابع: البناء في مِنًى وامتلاك مبانيها. المبحث الخامس: البناء على سفوح جبال مِنًى مما لا يَتمكن الحُجاج من استغلاله. المبحث السادس: تأجير الأراضي والخيام والمساكن بمِنًى. المبحث السابع: استغلال الأماكن الفارغة مما تم تأجيره.

стр. 588

المبحث الأول: حُكْم المبيت بجوار مِنًى لمن لم يجد مكانًا مناسبًا للمبيت فيها اختَلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: يجب عليه أن يبيت في أقرب مكان يلي مِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهو فتوى اللجنة الدائمة، وقول ابن عثيمين (١). واستدلوا بقياس امتلاء مِنًى على امتلاء المسجد، فإن المسجد إذا امتلأ وجب على الناس أن يُصَلُّوا حوله لتتصل الصفوف؛ حتى يكونوا جماعة واحدة. والمبيت نظير هذا. ولأن ما جاور الشيء يُعطَى حُكْمه، وأن الزيادة لها حكم المَزيد. ونوقش بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة في حاجة لاتصال الصفوف من أجل الإمام والاقتداء، وليس هناك اقتداء في المبيت بمِنًى. واستدلوا بأن المقصود من المبيت أن يكون الناس مجتمعين أُمَّة واحدة، وهذا من أعظم مقاصد الحج، وهو توحيد الناس في عبادتهم وفي لبسهم وفي مبيتهم، فالواجب أن يكون الإنسان عند آخِر خيمة حتى يكون مع الحجيج. ونوقش بأن هذا الاجتماع قد حَصَل بغيرهم، فقد اكتظت بالحجاج، وهو إنما تَرَك الاجتماع معهم لتَعَّذُّر المكان. وبأنه لا يمكن اتصال الصفوف؛ لأن حد مِنًى الشرقي وادي مُحَسِّر، والسُّنة عند عبوره الإسراع فيه؛ فكيف يقال باستحباب المبيت فيه؟! وحَدُّ مِنًى الغربي من جهة مكة عبارة عن طرق للجمرات، ولا يمكن مكث الحاج فيها!

стр. 589

واستدلوا بأن مَنْ لم يتمكن من المبيت في مِنًى، فلا يَسقط عنه المبيت إلى غير بدل، بل يقف فيما جاور المكان من العزيزية أو المزدلفة. ونوقش بأن الذي يحدده البدل هو وجود نص، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] وكقول النبي ﷺ : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» ولم يَرِد نص يدل على بدل للمبيت بمِنًى، فيبقى كغيره من الواجبات التي تَسقط إلى غير بدل. القول الآخَر: إذا اجتهد الحاج في التماس مكان في مِنًى ليبيت فيه ليالي مِنًى، فلم يجد شيئًا، فيَسقط عنه المبيت في مِنًى في هذه الحال، ويَجوز له عند ذلك أن يبيت خارج مِنًى، في مزدلفة أو العزيزية أو غيرهما، ولا شيء عليه. وهو قول ابن باز (١). واستَدل ابن باز بعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وعن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ، فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». واعتُرض عليه بأن من التقوى لمن لم يجد مكانًا في مِنًى أن يقف فيما جاور المكان لأنه في استطاعته، ويكون ما جاوره له حكمه كالمسجد. واستَدل بالقياس، فكما أن النبي ﷺ أَسْقَط المبيت عن أهل الأعذار كالسقاة والرعاة، فكذا يَسقط عمن لم يجد مكانًا في مِنًى؛ لأن هذا عذر. واعتُرض على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن النبي ﷺ عَذَر مَنْ بات في مكة من أجل السقاية؛ لأن السقاية هناك، ورَخَّص للرعاة للمبيت في أماكن رعيهم. أما مَنْ لم يجد مكانًا في مِنًى، فما عذره الخاص الذي يبيح له الانتقال من الأماكن المجاورة لمِنًى؟! الثاني: على هذا القول فإن مَنْ لم يجد مكانًا في مِنًى، وهو من أهل الأماكن القريبة من الحرم، كأهل جدة، فله أن يبيت في بيته. وهذا مُنافٍ لمَقصِد الحج، وهو اجتماع الناس. وأجيب عنه بأن المبيت إذا تَعَذَّر في مِنًى، فلا يعني الخروج من حدود الحرم، بل له أن يبيت في أي مكان، ما دام داخلًا في حدود الحَرَم.

стр. 590

والراجح: هو جواز المبيت في أقرب مكان يلي مِنًى، ولكن بشرط امتلاء مِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولأنه إذا كان من أعظم مقاصد الحج أن يكون الناس مجتمعين أمة واحدة؛ لإقامة ذكر الله، فالمبيت في أقرب مكان يلي مِنًى أقرب إلى توحدهم. وتَجدر الإشارة في هذا المقام إلى التنبيه على أمرين: الأول: تَساهُل كثير من الحُجاج في التأكد من امتلاء مِنًى أم لا؟ ولذا قد تَوسَّع كثير من الحُجاج في ترك هذا الواجب (المبيت في مِنًى) للترفه والبقاء في الفنادق الفارهة في أنحاء مكة؛ مما أَفْقَدَ الحجَّ معناه الحقيقي، الذي سَمَّاه به النبي ﷺ بقوله: «أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ» فالحج جهاد. فيجب على هؤلاء الدم لتساهلهم في ترك واجب؛ لأنه يجب على الحاج أن يجتهد في إيجاد مكان للمبيت في مِنًى. الثاني: أنه مع ما قامت به الحكومة السعودية في خدمة الحرمين، من المشاريع العملاقة والتوسعات الجبارة، نحتاج إلى مزيد من الجهود، فلو بُني عدد من المساجد الكبيرة العملاقة، وكل مسجد به عدد كبير من الأطباق في مِنًى وعرفة، كمسجد الخَيْف ومسجد عرفة، لمَكَّنَتِ الكثير من الحُجاج من المبيت في مِنًى، ولخَفَّ كثير من الزحام. المبحث الثاني: مَنْ عَلِم أن حملته لن تبيت بمِنًى: قد تكون الحملة عَيَّنَتْ مكانًا في مزدلفة، فإن كان الحاج يستطيع أن يَحجز مع حملة أخرى تُناسِب قدرته المادية بمِنًى، فهذا يجب عليه تغيير حملته إلى الحملة التي بمِنًى؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. أما إذا كان الحاج لا يستطيع أن يَحجز مع حملة أخرى، فله أن يَبقى في حملته في مزدلفة، ولا يُكلِّف الله نفسًا إلا وُسعها. المبحث الثالث: المبيت في شوارع مِنًى وأرصفتها: هذا لا يخلو من حالين: الأول: إذا وَجَد الحملة مكانًا في مِنًى تجلس أغلب الليل فيه، في طريق أو غيره، ولا يترتب على الجلوس فيها ضرر على المارة والسيارات، فلها أن تجلس في هذا الموضع؛ عملًا بحديث: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ».

стр. 591

الثاني: إذا لم يجد الحملة مكانًا مناسبًا للمبيت في مِنًى، فلا يجب عليها المبيت على الأرصفة والطرق المزدحمة بالمارة والسيارات، مثل الطرق الموصلة للجَمَرات، فيُمْنَع من ذلك؛ لِما يسببه هذا الفعل من تعطيل الحركة وإرباك الحُجاج، وقد يَحدث دهس وتزاحم ينتج عنهما بعض حالات وفاة؛ وإذا كان النبي ﷺ مَنَع الصحابة من الجلوس في طرق الدواب، فما بالك بطرق الناس والسيارات؟! قال رسول الله ﷺ : «إِذَا عَرَّسْتُمْ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ؛ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ» (١). المبحث الرابع: البناء في مِنًى وامتلاك مبانيها: لا يَجوز التملك في مَشْعَر مِنًى؛ فقد اتَّفق العلماء على أن بقاع المناسك لا تباع، كالمسعى ومِنًى وعرفة ومزدلفة، كالمساجد (٢). وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاءً يُظِلُّكَ مِنَ الشَّمْسِ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ» (٣). فالحاصل: أن بِقاع المناسك كعرفة ومِنًى حُكْمها حُكْم المساجد، بغير خلاف. ولذا قد أفتت هيئة كبار العلماء بأن البناء في مِنًى لا يجوز؛ لأن مِنًى مَشْعَر من المشاعر المقدسة، وأنها مُنَاخُ مَنْ سَبَق، وأن أهل العلم ﵏ قد مَنعوا البناء فيها؛ لكَوْن ذلك يُفضِي إلى التضييق على عباد الله حُجاج بيته الحرام. وقد قرروا في بعض المواطن جواز البناء إن كان لمصلحة عموم الحجيج (٤).

стр. 592

المبحث الخامس: البناء على سفوح جبال مِنًى مما لا يَتمكن الحُجاج من استغلاله: يجوز لسببين: الأول: أن سفوح جبالها غير صالحة في الغالب لسكنى الحُجاج فيها أيام مِنًى، وأنها يمكن أن تُستغل بطريقة تحقق المصلحة العامة، وذلك قد يخفف الزحام في مِنًى. الثاني: أن ذلك مما يُمَكِّن كثيرًا ممن لا يُمْكِنه المبيت في مِنًى أن يبيت فيها، ولا شك أن هذا مطلب شرعي، وأن هذا لا يترتب عليه ضرر بالحُجاج الآخرين. ويراعى أن يكون هذا البناء مرفقًا عامًّا وما تحته لمن سبق إليه من الحُجاج، كبقية أراضي مِنًى، على أن يكون الإشراف على هذا البناء للدولة (١). المبحث السادس: تأجير الأراضي والخيام والمساكن بمِنًى: نص قرار هيئة كبار العلماء على جواز إنشاء الخيام في مِنًى، على أن التوزيع على الحُجاج على حَسَب الأسبقية؛ عَمَلًا بحديث: «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق» واعتبار ذلك شرطًا أساسيًّا في الموضوع، يستوي في ذلك الأفراد ومؤسسات الطوافة، وحَمَلات الحُجاج، كُلٌّ بقَدْر حاجته، كبقية أراضي مِنًى (٢). وحيث إن الدولة قد تكلفت في مشروع الخيام الكثير من الأموال، فهل يَجوز تأجيرها؟ نعم، يَجوز تأجير هذه الخيام بأربعة ضوابط: الأول: يراعى في قيمة الإيجار أن يُكتفَى بقيمة الصيانة والخدمات. وإذا كانت الخيمة

стр. 593

تُستهلَك في خمس سنوات، فيؤخذ خُمس تكلفة الخيمة مع قيمة الصيانة والخدمات، فمعنى ذلك أنه لا يؤخذ إلا ثمن التكلفة. الثاني: يراعى في المساحة، أن لا تُعطَى الحملة أكثر من حاجتها، ومَن تَعمَّد أخذ مساحة زائدة ليؤجرها من أجل أن يتكسب، فقد اغتَصب مكانًا لا حق له فيه، وأَخَذ مالًا زائدًا من أجل الموقع والأرض، ويكون بذلك أَكَل سُحتًا. الثالث: الموقع لا يكون له تأثير في قيمة الإيجار؛ لأن الإيجار هو تكلفة الخيمة مع قيمة الصيانة والخدمات، وهي متساوية من أول مِنًى إلى آخرها. ومَن زاد الأجرة اعتبارًا للموقع، فمعنى ذلك أنه قد زاد من أجل الأرض التي لا يختص بها أحد دون أحد، فلا يحق له الزيادة في أجرتها. الرابع: يراعى أن يكون التوزيع بحَسَب الأسبقية عملًا بحديث: «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق» ولَمَّا كان ذلك متعذرًا في الوقت الحالي، فيكون التوزيع بالقرعة (١). المبحث السابع: استغلال الأماكن الفارغة مما تم تأجيره: هذا لا يخلو من حالين: الأول: أنه توجد بعض المساحات الفارغة الملحقة ببعض المخيمات، والتي لا تُستغل، والمسئولون عن هذه المخيمات يَمنعون الحُجاج من استغلال هذه المساحات الفارغة؛ بحجة أنها مستأجرة. وهذا استدلال باطل؛ لأن الاستئجار يكون للخيام، أما تأجير المكان وتَرْكه خاليًا، فيَحرم بالإجماع، ولا يحق لأحد أن يَمنع الحُجاج منه، ولو كان تابعًا لأحد المخيمات المحاطة؛ لأن «مِنًى مُناخ مَنْ سَبَق». الثاني: أنه توجد بعض الأماكن الفارغة، كالطرق المؤدية للخيام، فلا يَجوز المبيت فيها؛ لعدم التضييق على الحُجاج وأذيتهم في طرقهم. •١•

стр. 594

الباب العِشرون رمي الجمار وفيه تمهيد وأربعة فصول: التمهيد: تعريف رمي الجمار، وحُكْمه. الفصل الأول: شروط الرمي. الفصل الثاني: وقت رمي الجمار. الفصل الثالث: سُنن رمي الجمار. الفصل الرابع: شروط الوكالة في الرمي.

стр. 595

التمهيد: تعريف رمي الجمار، وحُكْمه. المبحث الأول: تعريف رمي الجمار: الرمي لغة: هو الإلقاء والقذف. والجمرة هي الحصاة الصغيرة (١). وسُميت الجمرات الثلاث (الكبرى والوسطى والصغرى) بمِنًى بذلك، إما لأنها تُرمَى بالجمار، وإما لأنها مَجْمَع الحصى التي يُرمَى بها. وشرعًا: هُوَ الْقَذْفُ بِالْحَصَى، فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فِي مَكَانٍ مَخْصُوصٍ، الجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ فِي مِنًى، وَعَدَدٍ مَخْصُوصٍ، سَبْعُ حَصَيَاتٍ لِكُلِّ جَمْرَةٍ. المبحث الثاني: أنواع الجمرات: وَالْجَمَرَاتُ الَّتِي تُرْمَى ثَلَاثَةٌ، هِيَ: الْجَمْرَةُ الأْولَى، وَتُسَمَّى الصُّغْرَى، سُمِّيَتْ (دُنْيَا) مِنَ الدُّنُوِّ؛ لأِنَّهَا أَقْرَبُ الْجَمَرَاتِ إِلَى مَسْجِدِ الْخَيْفِ. الْجَمْرَةُ الثَّانِيَةُ: وَتُسَمَّى الْوُسْطَى. وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ: وَهِيَ الثَّالِثَةُ، وَتُسَمَّى أَيْضًا (الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى) وَتَقَعُ فِي آخِرِ مِنًى تُجَاهَ مَكَّةَ، وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى. وَتُرْمَى هَذِهِ الْجَمَرَاتُ كُلُّهَا مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ (٢). المبحث الثالث: حُكْم رمي الجمار: نُقِل الإجماع على أن رمي الجمار واجب من واجبات الحج، ولكن هذا الإجماع منخرم، والصحيح أن هذا قول جماهير العلماء (٣). واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، والمقصود بالذِّكر هنا الرمي، يوضحه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ

стр. 596

تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. واستدلوا بأن النبي ﷺ رَخَّص للعباس ولرعاة الإبل في ترك المبيت بمِنًى، ولم يُرخِّص لهم في ترك الرمي، فدل ذلك على وجوب الرمي. المبحث الرابع: الحكمة من رمي الجمار: الرمي فيه اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم ﵇، ويُقصَد به الانقياد للأمر وإظهار العبودية، بعيدًا عن تخبطات العقل وهواجسه. ومِن أهم حِكم رمي الجمار ما يلي: الأولى: هي طاعة لله، بامتثال أمره على لسان نبيه ﷺ (١). الثانية: أن الرمي شُرع لإقامة ذكر الله. لعموم قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَيَدْخُلُ فِي الذِّكْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَمْيُ الْجِمَارِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الْآيَةَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّمْيَ شُرِعَ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ. الثالثة: الِاقْتِدَاءُ بِإِبْرَاهِيمَ فِي عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَرَمْيِهِ، وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [الممتحنة: ٤] الْآيَةَ، فَكَأَنَّ الرَّمْيَ رَمْزٌ وَإِشَارَةٌ إِلَى عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ بِهَا (٢).

стр. 597

الفصل الأول شروط الرمي للرمي ثمانية شروط، وهي: الأول: النية مع الرمي بالحصى. الثاني: أن يكون الرمي بحصيات. الثالث: العدد المخصوص. الرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة. الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يَجتمع فيها الحصى. السادس: ترتيب الجمرات في رمي أيام التشريق. السابع: الموالاة بين الرميات السبع للجمرة الواحدة. الثامن: أن يكون الرمي في زمن الرمي.

стр. 598

الفصل الأول: شروط الرمي الشرط الأول: النية مع الرمي بالحصى: قال النووي: يُشْتَرَطُ فِي الرَّمْيِ أَنْ يَفْعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُسَمَّى رَمْيًا؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالرَّمْيِ، فَاشْتُرِطَ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّمْيِ، فَلَوْ وَضَعَ الْحَجَرَ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ … وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ الْمَرْمَى، فَلَوْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ الْحَجَرُ فِي الْمَرْمَى، لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ (١). الشرط الثاني: أن يكون الرمي بحصيات: يُشترَط أن يكون المرمي به من الحصى، وهي الحجارة الصغار، ولا يصح الرمي بالطين ولا بالتراب. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢). ثَبَت أن النبي ﷺ رمى بالحصى؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ» (٣). وذهب الحنفية إلى جواز الرمي بما كان من جنس الأرض كالطين، واستثنَوْا من ذلك الذهب والفضة. واستدلوا بأن المقصود فِعل الرمي، وذلك يَحصل بالطين كالحصى (٤). ونوقش بأن النبي ﷺ رَمَى بالحصى، ولا يَجوز إلحاق غيره به؛ لأنه موضع لا يَدخل القياس فيه (٥). الراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، من اشتراط أن يكون المرمي به من الحصى، ولا يجزئ عنه غيره؛ لقول جابر: «فَرَمَاهَا ﷺ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ».

стр. 599

الشرط الثالث: العدد المخصوص: وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: أن يكون عدد الحصيات سبعًا لكل جمرة: فيجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات؛ لحديث جابر، وفيه: «فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» (١). المطلب الثاني: لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه: اختَلف أهل العلم فيما لو تَرَك شيئًا من الحصى، وفَاتَه أن يتداركه على قولين: القول الأول: يجب استيفاء عدد حصيات الرمي السبع في كل جمرة، فيجب الدم ولو بترك حصاة واحدة. وهو المذهب عند المالكية، ورواية عند أحمد (٢). القول الآخَر: يجب الدم بترك ثلاث حصيات من كل جمرة، وجعلوا للأكثر حُكْم الكل. وهو مذهب الحنفية والشافعية، والحنابلة في المشهور (٣). المطلب الثالث: اختلف العلماء في الذي يجب على مَنْ ترك حصاة: فمِن قائل: عليه أن يتصدق بمُدّ طعام، ومِن قائل: بنصف صاع، ومِن قائل: بدرهم.

стр. 600

واستدلوا بالقياس، فكما أن مَنْ تَرَك الرمي وجب عليه الدم، فمَن تَرَك حصاة تَصَدَّق بما يعادل تلك الحصاة لفقراء الحرم (١). الشرط الرابع: أن يَرمي الجمرة بالحصيات السبع متفرقات، واحدة فواحدة: فلو رمى السبع جملة، فهي حصاة واحدة، ويَلزمه أن يَرمي بسِتّ سواها؛ لأن النبي ﷺ رمى كل جمرة بسبع حصيات مفرقات، أي: بسبع رميات. وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (٢). الشرط الخامس: وقوع الحصى في الجمرة التي يجتمع فيها الحصى: وفيه مطلبان: المطلب الأول: يُشترَط وقوع الحصى في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص. اتَّفَق العلماء على أن من شروط الرمي أن تقع في الأحواض المُشاهَدة حول الشاخص. سواء اصطدمت بالشاخص أو لم تصطدم. ودل على ذلك أن رسول الله ﷺ رمى في هذا المكان المخصوص، وقال: «لتأخذوا مناسككم» ولله الحمد، فهذا الأمر قد سهل الآن، فإذا وقعت الحصاة في الحوض الذي هو محل اجتماع الحصى، فتجزئ (٣). المطلب الثاني: الرمي من الأدوار العليا: يَجوز الرمي من الأدوار العليا، واستُدل لذلك بالسُّنة والمأثور والمعقول: أما السُّنة، فرَوَى مسلم عن جابر قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ». فالرسول ﷺ رمى الجمرات راكبًا، والرمي من الدور الثاني مُشابِه لرمي الراكب. وأما المأثور، فَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ فَوْقِهَا (٤). وَجْه الدلالة: أن عمر رمى جمرة العقبة من فوقها خَشية الزحام، ولم يُنكِر عليه أحد من الصحابة ﵃، فهذا دليل على جواز رمي الجمرات من فوق الطابق. واستُدل بأن سماحة الشريعة تقتضي جواز الرمي من الأدوار العليا، خاصة في هذه
следующие страницы →