← Тараджим

Тараджим · id 14757

أعلام مالقة

ابن عسكر

Полный текст (378 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ويزرى. ففي علمك أنّ الطّالب يقنع بورقه، ويراها أعظم من بدر النّهار ورقّه (١). والسّلام. وكتب يوما: وصل الله بقاء الفقيه أبي الحجّاج، مؤمّلا لقبول الشّفاعة وقضاء الحاج. قد علمت، أدام الله عزّتك، وجعل للمكارم ارتياحك وهزّتك - أنّ حقّ الجار مرعي، وذمامه شرعي. فينبغي أن يلاحظ ويرتقب، فهو كما قال ﵇: أحقّ بالصّقب. وإن كان خامل المقدار، فيرعى له قرب الدّار. وحسبك من هذه المرتبة المنيفة، / قصّة أبي حنيفة، حين استعمل قدمه في إكمال الشّفاعة، وما أهمل (جاره) (٢) ولا أضاعه. وإنّ رجلا خديما تعرفه إن شاء الله من قبل موصّلها، وهو … جار لي بيت بيت، فحرّكني للشّفاعة بعد أن أبيت. فوصلتني الآن رغبة في أن أشفع له شفاعة حسنة، وأفوز بنصيب من هذه الحسنة. وذكر أنّ مقرّ الوزارة العظمى، لا ينحّى (٣) من لاذ به ولا يظما، أعلى الله مقداره، وأجرى بأفق مراده أقداره؛ سجنه لأمر سبّبه، وأدب أوجبه. ويرجى إن شاء الله أن يكون الأدب قد أقامه، وألزمه الاستقامة. فالغرض منك أيها الصّفيّ الوفيّ في إحراز هذه الفضيلة، وتبليغ هذه الوسيلة، لعلّ الشّفاعة تتقبّل، فيكون حقّ المجاورة قد رعي ولم يهمل. لا زال محلّ الوزارة قابلا شفاعة الشّافع، مواصلا على الجميع أشتات الأيادي والمنافع. ولا زلت أعزّك الله ساعيا في خير، جاريا بمقاصدك أسعد يمن (وطير …) (٤) بمنّه، والسّلام. ومن شعره: [متقارب] ولمّا أذاب الهوى مهجتي … فأصبحت (منها كرسم) (٥) دثر ولم يبق عين تراه العيو … ن منّي ولا أثر من أثر

стр. 177

تعرّضته قاصدا كي يرى … شحوبي فيشفق أو يعتبر وناديت رفقا فقال: اعجبوا … أمن دون جسم يلام البشر وقال أتبصرني هازلا … فإنّك لست ترى بالبصر فقلت لقد صدق القائلون: … أريها السّها وتريني القمر ومن شعره في ناعورة: [سريع] ودائر يسرق من مائه … كواكبا فهو بها صاعد حتّى إذا قام بها واستوى … وقلت: هذا فلك زائد أهوت إلى الأرض كما قد جرت … نيازك لاح لها مارد (١) فعاد من حليتها عاطلا … وهو إلى حالته عائد ومن شعره في المعنى: [سريع] وسابح في الماء أعجب به … لم يعرف السّبح ولا أنكرا يجري مدى الدّهر وما زال عن … موضعه يوما ولا قصّرا وينتقي من مائه فضّة … يسبكها من حينه جوهرا ومن شعره في قوس: [وافر] ألا يا ناظرا رميي تعجّب … كأنّي في الإصابة لحظ ريم أسرّ بحسن ريشي من رمى بي (٢) … كأنّي قد رميت على الهموم إذا أرمي السّهام يقال (٣): هذا … هلال الأفق يرمي بالنّجوم / فلو أرمي على الشّيطان يوما … سبقت إليه من قبل الرّجوم ومن شعره في أحدب (٤): [سريع] وأحدب تحسب في ظهره … حبابة في نهر عائمه

стр. 178

مثلّث الخلقة لكنّها … في ظهره زاويّة (١) قائمه وله فيه: [سريع] يا أوقص الخلقة بعدا فقد … شوّهك الله بهذا الوقص وزادك الله، ولكنّها … زيادة أكثر منها نقص كأنّه في حملها صائد … يحمل من دون طيور قفص وله فيه: [طويل] وقالوا أتهوى أحدبا فأجبتهم: … أرى حبّه للقلب أسلى وأروحا فقالوا: فصفه، قلت: غصن تحدّبت … كمامته من قبل أن تتفتّحا وكتب وقد استدعيت منه أقلام: سيّدي الأرفع، وسندي الأمنع، الذي أفخر بولائه، وأذّخر ودّه لأزمات الدّهر ولأوائه، ما زال للأدب يدير أفلاكه، ويسر أملاكه، وينظم عقوده وأسلاكه. وصلت أحرفك المشرقة، وغصون أدبك المورقة، تعبّر (٢) عن براعة، وتعرب في العبارة عن طلب يراعة. فلله أنت، لقد أبدعت في وصفك، وصدعت بالحقّ في نظمك ورصفك (٣)، فحلّيتها من ألفاظك بدرر، وأعليتها فوق الشّمس والقمر، حتّى تمنّى الوشيج أن يكون يراعا، وتحقّقت الصّوارم أنّها لم تزل للأقلام أتباعا، وأشرت أن يكون ممّا خرّجته أناملي، وصرّفته عواملي. فكيف وهو في يميني لا يكاد يمشي خجلا، وفي يمينك ينشئ حللا. وعندي يريد أن يعرب فيعجم، وعندك ينبئ عن البيان ويترجم. فخفت أن يعدي على خطّك الأغرب، كما يعدي الصّحيح الأجرب. لكنّي سأوجّه إليك إن شاء الله بابنة حزن، وغدية مزن، نابتة في الحجر الصّلد، ومستوية كاستواء (٤) الملد، قد امتدّت أنابيبها امتداد القداح، وطالت في دوحتها طول الرّماح، وامتنعت لمدى (٥) من الأوراق،

стр. 179

واجتمعت وإنّما تصلح بالافتراق. فحينئذ تبرى وتقطّ، وتكتب وتخطّ، فتبدي إذا صحبت يمينك سحرا، وتخرس من آدابك الرّائقة بحرا. والله تعالى يبقي إخاءك، ويديم ولاءك، بمنّه. وكتب محبّك الأشكر، محمد بن عسكر. والسلام. وله من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين أبا العلاء إدريس (١): [طويل] إليك تركت (٢) الأرض والمال والأهلا … لأسمع من داعي قبولك (لي): أهلا وفيك هجرت العيش أخضر ناعما … بها ونسيم الأرض أعطر معتلا / ومنها: ركبت إلى لقياك (٣) كلّ مطيّة … مبرّأة أن تعرف الأب والنّسلا إذا نسبوها فالتّنوفة أمّها … ووالدها ماء الغمام إذا انهلاّ وما علمت يوما غذاء وإنّما … أعار لها الأعضاء سائسها (٤) فتلا وقد ضمرت حتّى اغتدت من نسوعها … فلو عرضت للشّمس ما أسقطت ظلاّ وما في قداها (٥) قدر مقعد راكب … ولكنّها ساوت مساحتها الرّجلا لتبليغها المضطرّ تدعى ببلغة … وإن قست بالتّشبيه سمّيتها نعلا سأشكرها جهدي وأثني بفضلها … فقد بلّغتني خير من وطئ الرّملا مليكا كأنّ الشّمس فوق جبينه … وليث الشّرى في درعه حاملا (٦) شبلا إذا رام أمرا لم يخف (٧) فيه من عسى … وإن قال كن لم يخش في غرض من لا (٨) وما ذاك إلاّ أنّ في الله همّه … فيجري له في ذلك القول والفعلا (٩)

стр. 180

ومنها: له فتكات في العدى وعزائم … تسدّد رعبا (في) قلوبهم النّبلا نعدّهم أسرى وهم في ديارهم … ونحسبهم ما بين أهليهم قتلى همام إذا ما الحرب شبّت تقدّمت … به همّة. حسب الشّجاع بها فضلا ومنها: إذا أوعد الأعداء لم يعرفوا البقا … وإن وعد العافين لم يعرفوا المطلا ومنها: ولا غرو إن لاحت نحيلة باطل … فعجّل (١) بها، فالحقّ يعلو ولا يعلى ألم تر موسى حين ألقى عصاه لم … يطق ساحر يلقي عصيّا ولا حبلا وما ابن لبون الحرب يسطيع صولة … إذا هو قد رام القناعيس والبزلا ومنها: تقابله سيفا، ومنك تسابقا … حسام محلّى أو دهاء قد استعلى طلعت بأفقي إمرة وخلافة … كما اشترك النّوران واتّحدا فعلا وإنّ امتزاج الطّيب بالطّيب مكسب … له قوّة ما كان يعرفها قبلا رضيت بتغريب يصحّف لفظه … لديّ بتقريب إليك، فما أحلى وبالشّوق للأحباب إذ أنت مؤنسي … وكم وحشة صارت طريقا لما يسلى وبالبين (٢) عنهم خائفا (٣) مترقّبا … وإذ سار موسى خائفا (٤) لحق الرّسلا ومنها: جهول يرى أنّ السّيادة شرعة … فقل: سامريّ صاغ من عسجد عجلا وما زلت أوليه من البشر والرّضا … نصيبا، ويولي من إساءته كيلا (٥) / إلى حين أصمتني سهام قسّيه … «فأوقعن بي عيبا وسبّبن لي نغلا (٦)»

стр. 181

وسرت طريدا في البلاد كأنّني … لأحمد سمعا قد حملت به عذلا (١) فأحمد ربّي إذ منيت بغربة … ولم يرني صانعت وغدا ولا ردلا وربّتما ماتت من الجوع حرّة … ولم ترض أن تختار من ثديها أكلا فمن مبلغ الأعداء أنّي آمن … وأنّ أذاهم عاد ممتنعا سهلا وأنّي بحيث الدّهر قد صار خائفا … لإضراره بي أن أحمّله الثّكلا وأنّي منكم في جوار وأرتقي … له البدر، ما شان المحاق له شكلا أما علموا أنّي بآخر آية … من اقتربت (٢)، سحرا يورّثهم خبلا فدمت بكم أجني السّرور ويجتني … عدوّيّ من فرط الحسادة لي نكلا وله في قارئ يقرأ ما يكتب له تحت أثوابه باللمس من غير أن يعاين ما في الطّرس مكتوبا: [سريع] وقارئ ما تحت أثوابه … كأنّما ينظر في طرسه نورية (٣) فاضت بأعضائه … فانقلبت فيه إلى حسّه كأنّما قوّة إبصاره … قد نقّلت منه إلى لمسه كأنّما الحرف له نابض … وهو كجالينوس في جسّه لا تعجبوا من (أمر) إدراكه … ينفد ما يعلوه من لبسه فالأفق الأعلى سماواته … لا تحجب الإدراك عن شمسه لمثله كان سليمان قد … تفقّد الهدهد في نفسه فيا لها من آية أعجزت … عن مثلها كلّ بني جنسه ومن شعره يصف عشية أنس ﵀: [طويل] أأنسى من الأزمان أنس عشيّة … أجلنا بها الأحداق بين الحدائق

стр. 182

حدائق بيض بالأزاهر وسطها … جداول كالأسطار وسط المهارق كأنّ على تلك الأباطح جرّدت … صوارم لمّا خيف من كلّ طارق صفت وصفا فيها الحصا فكأنّها ال … مجرّة حفّت بالنّجوم الشّوارق وقد أودع الأرواح عند هبوبها … عليها يدي داود، ربّ الخلائق يصوغ دروعا فوقها كلّما جرت … فيا لك من حسن للحظك رائق وغنّت بها الأطيار وهي تجيبها … فيا عجبا من حسن أخرس ناطق أقمنا عليها بعض يوم كأنّه … لمبصره في العمر لمعة بارق مع ابناء صدق طاهرين كأنّهم … نجوم سماء أشرقت بالمشارق حسان الذي يبدو فويق جيوبهم … أعفّة ما قد ضمّ تحت المناطق / أقرّ بنو الدّنيا جميعا بأنّهم … شياه وكلّ النّاس مثل البيادق يديرون في وصف العلوم كئوسهم … وليس سوى الآداب خمرا لذائق رأت أنسنا شمس النّهار فلم تزل … تسارع نحو الغرب سير السّوابق وغارت بنا فاصفرّ للنّاس وجهها … كما اصفرّ من خوف النّوى وجه عاشق عجبت لها قد أبصرتنا ولم تقف … وقد وقفت قدما لقتل العمالق فهلاّ أقامت كي يدوم وصالنا … ولو قدر ما ترتدّ مقلة وامق فتبّا لدهر لا يدوم نعيمه … لقد قطعت للأمن منه علائقي تطول على الحرّ اللّبيب صروفه … كليل سليم أو عذاب منافق وتقصر ساعات الوصال إذا أتت … كخلّب برق أو كغفلة سارق فيا لزمان بالورى متقلّب … خلائقه للخلق شرّ الخلائق كأنّ بني الدّنيا لوقع صروفها … عصافير ترمى عن قسيّ البنادق فما منهم من يستطيع تحصّنا … لإصماء سهم للمنيّة راشق سواء عزيز القوم مثل ذليلهم … لديه، ومن في السّفح أو في الشّواهق فما عمرت عمرو بن هند جنوده … ولا أنعم النّعمان قصر الشّقائق كأنّ جميعا إذ سقاه حمامه … بكأس حقاق خرّ من رأس حالق أطعت الهوى حتى خدعت ومن يطع … هوى النّفس يخدعه كخدع المآذق فيا نفس كفّي قد بلغت بي المدى … أمالك بعد الشّيب توبة صادق ويا ربّ عفوا إنّني منك واثق … فمنّ على عبد بجودك واثق

стр. 183

وله من قصيدة كتب بها جوابا لبعض إخوانه: [بسيط] أطل (على) (١) الدّهر في عتب أو اقتصر … فلست منه على حال بمنتصر ودع بنيه ففيهم من شمائله … ما قد تضمّن من مستقبح السّير حازوا التّليدين من لؤم ومن حسد … إلى الطّريفين من عيّ ومن حصر ومنها: كم قد تنكّر لي من قد محضت له … ودّي وما جئت من شيء له نكر وظلّ يؤثر أفراس العداوة لم … ينفعه (٢) وعظ ولم أغدر ولم أتر ومنها: لمّا توهّم أن يقوى بقدرته … على المضرّة لم أصرف له بصري وكّلت لله آمالي فأعجزه … وقلت بالجبر لمّا قال بالقدر ومنها: إيه فديت (٣) بأرواح العداة أبا … محمّد وفداك الدّهر بالنّفر أتشتكي حسد الحسّاد وهو لهم … كالنّار تعرف فيها نكهة القطر ومنها: إن كنت تطلب منهم مثل نفسك قد … طلبت معجزة من غير مقتدر عذرا لهم فلقد راموا بجهلهم … شأو امرئ فوق أوج الشّمس والقمر مهما مشى (٤) نحو قصد، للعلاء سعوا … وإن سعوا خلفه في غاية يطر تجري اليراع (٥) بيمناه فتبلغ ما … يغيب من سمهريّ (٦) في يمين جري ومنها: وصفتني بصفات أنت مالكها … لكن تكسّيت منها ثوب مفتخر فالرّيح تخطر بالأزهار جاريّة … فتكتسي من شذاها الطّيّب العطر

стр. 184

كأنّما كنت في المرآة تبصر من … وصفته، فلديها العكس للصّور حقّا دعيت بزهري (١) منك قد جمعت … في الطّرس بين (فنون) (٢) الزّهر والزّهر وقد برعت زهيرا في القريض، ومن (٣) … تقارب اللّفظ، خصّوا ذاك بالصّغر إيه تكلّفني ردّ الجواب وقد … علمت أنّي لا أسطيعه (٤)، فدر لمّا بعثت رياضا منك مثمرة … سرقت منها، وليس القطع في الثّمر فإن نطقت فعن علم بصفحك (لي) (٢) … وإن سكتّ فإنّي بالسّكوت حر وكتب إليه الفقيه أبو علي الاستجي بقطعة شعرية، فجاوبه عليها مسرعا: [كامل] يا سيّدي قد أفحمتني أحرف … ألفيت (٥) فيها كلّ سحر مودعا وافت (٦)، وعهد أخيك، عن أثبالها … قد طلّ من (٦) نهب السّرور وودّعا ذكّرت عن قمرين لاحا عندنا … ولعلّ (٧) عندك أشرقا وتطلّعا سكرا (٨) بأفلاك جرت بهما لنا … فتألّفا في أفقنا وتجمّعا فلعلّ إظلاما (٩) لدينا ينجلي … بهما، وأنسا قد مضى أن يرجعا ولقد غنيت بنور وجهك عنهما … وبنور ذهنك إذ بدا وتشعشعا ولئن تغب عنّا فإنّك حاضر … فاعجب لمفترقين قد حضرا معا فإذا تمتّع ناظري حسنا فقد … لاح الجمال للحظكم فتمتّعا ومن شعره وقد سأله بعض الطلبة أن يجود عليه، فكتب إليه مع جملة دراهم أعطاها له: [مخلع]

стр. 185

عذرا فإنّ الحسام ينبو … إن لم تساعده شفرتاه والصّقر إن لم يكن بريش … لم تستطع نهضة قواه / وربّ ذي منية ولكن … باعده الفقر من مناه فاقبل - فديت - القليل ممّن … لم يستطع غيره يداه وله يصف سيلا دخل على أمير المؤمنين أبي العلاء في رياضة بوادي (١) … : [كامل] يا أيّها الملك الذي قد أشرقت … أقطار ريّة من سناه ونوره يا من يرينا الشّمس فوق جبينه … حسنا، وليث الغاب فوق سريره وإذا الزّمان رأى رجاحة عقله … صرفته عن ثهلانه وثبيره عذرا لواد أمّ قصد مقامكم … كدرا، وحسن الزّور (٢) في تكديره عجلان محمرّ الأديم كأنّما … غلب الحياء عليه عند خطوره يحكي الحوامل باضطراب فؤاده … قلقا، وعدو الأيم عند مسيره سيريك متن السّيف عند صفائه … جريا، وسرد الدّرع عند فتوره وافى يقبّل في الثّرى إذ لم يطق … تقبيل كفّ تزدري بنميره ويروم يقضي بعض حقّكم الذي … عجزت أولو الأفهام عن تعبيره منع الكلام وقد تعيّن شكركم … فأتاك يعرب عنه صوت خريره وتوفي ﵀ عليه في ظهر يوم الأربعاء لجمادى الآخرة عام ستة وثلاثين وستمائة غفر الله له وجعل الجنّة مأواه بمنّه وكرمه لا رب سواه. ومنهم: ٥١ - محمد بن عيسى بن مع النصر المومناني (٣) يكنى أبا عبد الله. ورد علينا مالقة أيام الأمير أبي عبد الله بن هود فأقام بها سنين.

стр. 186

كان ﵀ من جلّة العلماء والمحدثين، أكثر اشتغاله بالحديث. وكان ﵀ ذا هيئة جميلة وشارة حسنة، وسيم الصورة، منبسط النفس، عالي الهمة. وكان عنده من الكتب ما لم يكن عند أحد. أدخل مالقة فوائد وكتبا لم يشاهدها قبله أحد من أهلها. وجدت بخط خالي ﵀ ما نصه: أنشدني الفقيه أبو عبد الله المومناني وقال: وجدتها بخط قاضي الجماعة الشريف أبي عبد الله محمد بن طاهر الفاسي (١)، وينسبها لابن تومرت يخاطب بها أبا حامد الغزالي، وهي: [متقارب] أخذت بأعضادهم إذ أتوا … وخلّفك العجز إذ أسرعوا وأصبحت تهدي ولا تقتدى … وتسمع وعظا ولا تسمع فيا حجر الشّحذ حتّى متى … تسنّ الحديد ولا تقطع قال: وأنشدني أيضا له: [سريع] الأرض للطّوفان محتاجة … لعلّها من درن تغسل قد كثر البغي على ظهرها … وكذّب المرسل والمرسل وانتقل ﵀ إلى مراكش، وبقي بها معظما عند الأمير الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن أبي العلاء في غاية من المكانة والتنويه إلى أن أراد الله بهلاكه، فكتب (٢) إلى بعض السادات يذكر له القيام على الأمير أبي محمد عبد الواحد المذكور، فذهب غلامه بالبطاقة فجعلها في يد الأمير وهو يظن أنه إليه أرسله. فكان الأمير على شغل في قصره، فلم يعبأ بالبراءة ورمى بها واشتغل بما كان بصدده. ورجع الغلام إلى أبي عبد الله المذكور فأعلمه بالنازلة، فعلم أنه لا يعيش أبدا. ثم فكر في نفسه وحمله رأيه على أن يكتب براءة يستعذر للأمير فيها ويطلب الإقالة منه لعثرته، ووجه بها إليه في الحين. فقرأ الأمير البراءة، وقال: لأي شيء يستعذر وما جنى ذنبا. ثم تذكر البراءة الأولى فقرأها ووجه في الحين على أبي عبد الله المومناني وأمر بقتله. ويقال: إنه ذبح ذبحا نفعه الله وأعظم أجره. ووصل مالقة خبر موته في أوائل ذي القعدة عام ثمانية وثلاثين وستمائة (٣).

стр. 187

ومنهم: ٥٢ - مسلم بن أحمد بن محمد بن قزمان (١) يكنى أبا الوليد. كان ﵀ كاتبا أديبا بارعا متفننا في الأدب، جيد الطبع، متقد الخاطر. من شعره: [بسيط] ولّى شبابي ولم أعلم بكرّته … فالآن قد صرت من حتفي على وجل كأنّه قادم وافى أحبّته … يبغي بتسليمه توديع مرتحل ومن شعره: [بسيط] لو كنت تنظر للآجال معتبرا … وسيرها سير ذي الأوبار في السّفر أبغضت محبوب آمال تقرّ بها … نفسا، تحيّر بين الورد والصّدر ومن شعره: [متقارب] وقالوا اعتقدت متابا من ال … ـحميّا وأنّك لا تشرب فقلت: نهارا، فمهما دنا … غروب فحلقي لها مغرب ومن شعره (٢): [طويل] مرادك (دينار) (٣) تعيه ودرهم … وإنّهما عند الحقيقة أوزار هما شرك الدّنيا كطعمة قانص … ليأخذ ذا أنس ويسلم مذعار فكن شرسا (صعب) القياد (إليهما) … فآخر ذا همّ، وآخر ذا نار ومن شعره: [طويل] إذا زرت غبّا زدت حبّا وغبطة … فمخلق ثوب الودّ طول تلاق / فللعين إعراض عن البدر مدّة … ولكنّها ترعاه عند محاق وله يصف عصا في يد شيخ يمسكها: [بسيط]

стр. 188

وعمدة لي وقد ألزمت صحبتها … تخذتها قدمي مذ هاضني قدمي (*) نحيلة الجسم للهنديّ نسبتها … وقد تعاورها قدما ذوو الهرم من عاتق النّبع مثل القدح قد نحتت … صلفاء في لمسها من كفّ ملتزم صليبة العجم صفراء القميص، لها … نحافة الصّبّ مهجورا أو الدّلم على ثمانين مرّت بي أشير (١) بها … وما لهنّ ارتجاع، لا على غنمي كأنّني قوس رام وهي لي وتر … والدّهر يشرع لي سهما من العدم وتوفي ﵀ في عشي يوم الأحد بعد صلاة المغرب في ..... (٢) شعبان المكرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن اليوم الثاني بعد صلاة (الظهر) (٣) مجاورا للأستاذ أبي علي الرندي (٤). ومن شعره: [طويل] أما رام ظبيا راقني بصفاته (٥) … وحسن لآ (له وزين) (٦) سماته وددت لطيف ليس ينقض حكمه … (فيوفي بوعد أو يروم) (٧) لآته ومجد أثيل قد ملكت عنانه … وذات نأت عمّن نواها بذاته إذا غاب عن فكري خيالك ساعة … فقد ساء حالي من أذى غمراته ولي منطق رطب بشكرك كلّما … تنشّقت عرف المسك من نفحاته وكم عزم القلب المعنّى على النّوى … ولكنّني استوقفت عن عزماته ولولا مقال النّاس عنّي هالع … لكنت قريح الجفن من عبراته وأعمى انسكاب الدّمع إنسان ناظري … وصار محاقا نوره بأذاته ولا غرو ما يلقى خليلك في النّوى … وما بثّه من مؤلمات شكاته

стр. 189

فإنّ مذاق البين مرّ وإنّني … أرى سكرات الموت من سكراته ولو كان شخصا كنت قاتله ولم … أخف قودا (١) أو باهضات ديّاته وإنّ حمام الأيك فوق غصونه … ليشكو أليم البين في نغماته وكنت أظنّ الدّهر يبقي مسرّة … (تظلّ به) (٢) موصوفة بثباته فلمّا تفرّقنا استزدت (٣) زهادة … ولم أرض أنّي من رجال عفاته ولا (راقني) أني أعدد من ذوي (٤) … موالاته قربا ولا من ولاته ولو زارني منه بنخبة عزّه … لما قلت هبنيه ولا قلت هاته / ولا كنت (مرتاحا) (٥) ببهجته ولا … اغتررت بما أبصرت من حسناته فما لذّ شرب منه إلاّ أمرّه … وكدّره بالصّعب من سيّئاته إذا استهدف البين المشتّت مقلتي … وأصبح هذا الدّهر أصمى رماته فما (٦) هو إلاّ بالمصائب محذق … به قد أحاطت من جميع جهاته أبا حسن إنّي عهدتك محسنا … فأيقظ كريم ودّنا من سناته ولا تستبن فيه تطلّع بيننا … مقالة من يهديك هدي صفاته وآنس بحرف أو بحرفين واحشا … يفدّيك من صرف الرّدى بحياته فلا زلت في ضمن الحياة مهنّأ … وأبصرت من عاداك رهن مماته ومنهم: ٥٣ - مسعود بن عبد الله يكنى أبا الحسن، إسلامي. كان كيسا ذكيا أديبا، بارع الأدب، كاتبا بليغا. له أشعار حسان وموشحات رائقة. وكان ذاكرا لآداب كثيرة، معتنيا بطريقة الأدباء. ومن شعره يرثي: [وافر]

стр. 190

أبيني يا منون لنا السّؤالا … وبالحقّ انطقي ودع الجدالا لقد أشعرتنا بذهاب عيش … وما نلنا من الدّنيا منالا فكم ذا نشتكيك ولم تحنّي … كأن لم تسمعي قيلا وقالا علام أدلتنا نعمى ببؤسى … فغمّ بما نعمنا الدّهر بالا وحكّمت النّوائب في البرايا … فلم تبق النّساء ولا الرّجالا ولم ترث لحزبهم فمهما … حللت بهم شددت لهم عقالا ومنها: قتلت العالمين بلا سلاح … وعطّلت الأسنّة والنّصالا وقد غادرت أهل الأرض صرعى … ولا زرقا بعثت ولا نبالا وقد كنّا نعدّ لك العوالي … لو انّك كنت أبديت القتالا وإن قتل الأنام غدا حراما … فقد صيّرت قتلهم حلالا ومنها: فمن هذا الذي يرجو حياة … يسرّ بها، وسوف تسوء حالا إذا فكّرت ليلا أو نهارا … وجدت حقيقة الدّنيا محالا إن اعتزّت سيغشاها هوان … أو اعتلّت ستنتقل انتقالا وليس رشادها إلاّ سفاها … وليس لها هدى إلاّ ضلالا وما أعطت لطالبها اختيارا … ولا بقّت لعاشقها وصالا وكم هدمت لعامرها بناء … وكم قطّت لواصلها حبالا ومنها: بنو الدّنيا حياتهم نيام … فإن زاروك فاحسبهم خيالا وكلّ رزيّة فيها عزاء … لرزء عارض هدّ الجبالا ومنها: على فقد التي لمّا استقلّت … تغيّر كلّ عزّ واستحالا فآثر عقد جيد الدّهر لمّا … أصيب بها، ولم يرض الجدالا

стр. 191

وحتّى أنجم الآفاق أمست … تشكّى في منازلها الكلالا وأظلمت القصور لساكنيها … وقد كانت تروق لهم جمالا لئن صار الضّريح لها حجابا … لقد كان الحياء لها حجالا ولم تجزع لموت حين وافى … ولا أبدت لرؤيته اختبالا لقد جرّعتنا كأسا فظيعا … شربناه وكان لنا سمالا وأحببنا لقاء الموت لمّا … رأينا بعدك المحيا وبالا وشقّقت القلوب عليك عين … نواعم لم تراع لها دلالا ولمّا أن جعلت اللّحد مثوى … وهبن نفوسهنّ لتستمالا / تفدّيك المكارم والمعالي، … إذا الغرم اغتلى منك النّوالا وأمّا المأثرات فقد أقامت … لديك وأقسمت أن لا زوالا ألا يا ربّ ذا وجه مصون … وسيم (١) الرّوع فامنعه ابتذالا أثابك ربّك الحسنى جزاء … ولقّاك الكرامة والجلالا زهت بك جنّة الفردوس عجبا … وحور العين بادرن اقتبالا على أن لو بسطنا الخدّ أرضا … تمرّ عليه ما كان احتفالا عسى الصّبر الجميل يزور قوما … قد اجتلدوا (وما وجلوا) (٢) اجتلالا وهي أكثر من هذا. وأدبه مشهور. ومنهم: ٥٤ - مغاور بن عبد الملك بن مغاور (٣) ويكنى أبا الحسن، وهو ابن أخي الشيخ أبي بكر بن مغاور (٤). كان ﵀ نبيها فطنا لوذعيا شاعرا مجيدا. نقلت من خط الفقيه أبي عمرو بن سالم، قال: أنشدنا أبو الحسن بن مغاور لنفسه مما قاله بمرسية: [بسيط]

стр. 192

وليلة بتّها والسّعد يسعدنا … في فتية كنجوم الدّهر أكفاء نرتاح في جنّة راقت محاسنها … مستمتعين بآلاء ونعماء وبيننا شمعة كالبدر مشرقة … لكنّها طلعت في صفحة الماء فزنا بنيل المنى رغما لحاسدنا … والدّهر ذو مقلة عن ذاك عمياء يا ليلة السّفح هلاّ عدت ثانية … سقيت من ليلة في الدّهر غرّاء ونقلت من خطه أيضا، قال: أنشدني الفقيه أبو الحسن مغاور لنفسه بمالقة: [متقارب] بجامع مالقة شادن … هضيم الحشا، ثغره جوهر يطوف بإبريقه ساقيا … ولكن لواحظه تسكر يبيح لنا الماء من كفّه … ويحمي اللّمى واللّمى أعطر كأنّ بخدّيه بدر الدّجى … فكلّ إلى حسنه ينظر ومن شعره، ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم أيضا قال: أنشدني ابن مغاور لنفسه: يا ناسخا أحكمت يداه … فوق سماء الطّروس زهرا طرسي روض بغير زهر … فاغرس بيمناك فيه زهرا ونقلت أيضا من خط أبي عمرو بن سالم رحمة الله تعالى عليه بمنه آمين، من شعره: [مجزوء الخفيف] سوّد الشّعر خدّه … بعد ما كان أبيضا وتقضّى شبابه … فهو يبكي لما مضى ومن شعره: [بسيط] بالأمس لحيته سوداء حالكة … واليوم ليس لها عين ولا أثر كانت كعارية في خدّه رجعت … إلى المعير فلم يسمع لها خبر

стр. 193

ومنهم: ٥٥ - المنذر بن رضى الرعيني (١) يكنى أبا الحكم. أصله من بسطة، وانتقل منها إلى الموحدين (٢) في أول أمرهم، ووفد عليهم فتلقّوه بالبرّ والإكرام لمكانه من الحسب، وبراعته في الأدب. وأقطعوه إقطاعات / بمالقة، فاستوطنها. وكان ﵀ جليلا كاتبا بليغا شاعرا. وصفه ابن أبي العباس فقال: مجرّر ذيول كسحبان، ومالك أزمّة البيان، إلى بلاغة تربي على بلاغة إبراهيم بن هلال، وبراعة توقف عليه صفة العلم والكمال، وذكاء كذكاء إيّاس، وفهم يحلّ كلّ مشكل واقتباس. ومن شعره في صفة قينة (٣): [مخلع البسيط] وقينة (٣) تستبيك حسنا … كمسك دارين إذ تشمّ ألذّ في الكفّ منها ثديّ … تطعن في الصّدر إذ تضمّ وله في صفة راقصة. ورأيت ابن أبي العبّاس نسبها لعبادة، والصّحيح أنّها للمنذر (٤): [منسرح] راقصة لا تحسّ وطأتها … تخالها في الخفوف كالطّيف تنقل أقدامها على عجل … كأنّما رقصها على سيف ومن شعره في طول الليل: [كامل] في ليلة وصلت بأخرى مثلها … لا ينقضي (٥) إظلامها إصباحا تبدو النّجوم بها وتخفى (٦) تارة … تحت الغيوم كما أجلت قداحا ومن شعره وكتب بها إلى أبي محمد ابن أبي العباس: [كامل] أأضام والجار الأمين منيع … ويراع في كنف الكريم (٧) مريع

стр. 194

وترى عليّ كآبة وتخالني … في صغرة (١) بين السّراة خشوع لو قد رأتني من رأتني قبلها … عجبت وقالت كيف ذاك يضيع عهدي به يستدفع الجاني (حمى) (٢) … وأراه قد أعياه بعد شفيع الله في حفظ الجوار وذمّة … والعزّ عزّ والجميع جميع وله يرثي أبا محمد ابن أبي العباس: [بسيط] لمثل رزئك دمع العين ينسكب … ومن مصابك قلب المجد يضطرب وفقد مثلك لا فقدان يعدله … وإنّما هو في فقد العلى سبب قالوا توفّي عبد الله فانفطرت … له القلوب وكاد الحين يقترب يا هضبة عجّلت (أيدي المنون بها) (٣) … فبعدك (٤) الأرض يكسو خدّها شحب وكيف شمس الضّحى (أضحت) (٥) أما غربت … (لذاك، بل) (٦) كيف لاحت بعدك الشّهب وكيف لم تصبح الأمواه غائرة … وكيف تخضرّ في أدواحها القضب أقول لمّا أتى منعاه في رجب … ماذا من الحزن أهدى نحونا رجب ومنها: وكنت أحسبني وحدي أصبت به … حتّى علا (جمعنا) (٧) والسّؤدد العجب يثني العدوّ كما يثني الصّديق ولو … لم يثنيا، أثنت الأيّام والحقب ومنها: لا أجمل الصّبر (من) (٨) هذا المصاب ولا … أراك لو متّ تأتي بالذي يجب والنّعش حذو بنات النّعش محتمل … له صرير، فملثوم ومجتذب /

стр. 195

مثل السّفينة إلاّ أنّ (راكبها) (١) … جمع، ومجلوبه (٢) ما مثله جلبوا وكتب إلى أبي محمد ابن أبي العباس المذكور: [كامل] يا من إذا عدّ الأفاضل في الورى … فهو الذي يثني عليه (٣) الخنصر يا من هو العين الذي كلّ الورى … في كلّ مشكلة ألمّت، يبصر يا سالكا سنن ابن ثور جملة … فلأنت في كرم السّجيّة أشهر حزت المآثر يا وحيد زمانه … فبك السّراة على الحقيقة يفخر لا زلت ترفل في ثباب محاسن … وشذا الثّناء يذاع منك وينشر وله في شمعة خضراء: [سريع] خضراء تحكي الغصن في شكلها … بين اعتدال (دائم) (٤) واخضرار يقول إذ أبصرها مبصر … نوّر ذاك الغصن أم فيه نار تبكي لما حلّ بها أو لأن … شتّت شمل اللّيل ضوء النّهار وله أيضا في شمعة: [منسرح] واقفة ليلها على قدم … لم يعرها في وقوفها فتر تنفق للنّاس نفسها كرما … حتّى لقد مسّها به ضرّ فينقضي اللّيل مظهرا (حزنا) (٥) … ممّا عراها ويطلع الفجر وشعره ﵀ كثير، وأدبه مشهور. ومنهم: ٥٦ - موسى بن محمد المشعلاني (٦) يكنى أبا شهاب. من الأدباء النبهاء. (كان) شاعرا وأديبا بارعا. نقلت من خط

стр. 196

خالي قال: نقلت من خط ابن سالم، أنشدني أبو بكر ابن أبي غالب، قال: أنشدني أبو شهاب لنفسه (١): حمدت الله أن كنت المعافى … وخصّك بالعمى عينا وقلبا فعينك ليس تبصر عين شيء … وقلبك يبصر الأشياء قلبا ومن شعره: [كامل] ممّا أضرّ بنا (لدى) (٢) ترحالنا … طين على ظهر الطّريق يبيس فكأنّ آثار الرّكائب فوقه … خطّ تقادم في الكتاب دريس وكأنّما الطّرق المدوسة حوله … طرر المصاحف أخلقتها السّوس ومنهم: ٥٧ - مقدم بن معافى بن حسن بن زياد المالقي (٣) يكنى أبا الحسن، من علية طلبة مالقة ونبهائهم ومعدود في حلية حسبائهم. قال فيه أصبغ في كتابه: مقدم في النباهة كاسمه، وأصيل جرى على سنن الانقباض ورسمه. لم يقف في أبواب الملوك ممتدحا، ولا أورى زنادا ماله بالشعر مقتدحا. / وكان أبو الحسن هذا بليغا كاتبا أديبا شاعرا. ومن شعره ﵀ يرثي عبد الملك بن منذر البلوطي (٤): [طويل] عليك أبا مروان يوم النّوى كدت … أموت، ولو أنّي أموت لروّحت (٥) وفيك اتّخذت الحزن خدنا وصاحبا … وأنواع ترجيع الحنين تعلّمت

стр. 197

عشيّة مات الصّبر واحتضر العزا … وغيض (١) بماء العين في جفنها السّحت وجاء رسول البين فينا، فقال إذ … رآني لأشياع له: ذا تخيّرت فشدّ على أطواق ثوبي كفّه … وأسلمني من بعد أنسي (٢) وجرّدت إلى عصبة لم يرحموا سوء مرفقي … كأنّي بدين الله ربّي كذّبت وأذّن فينا للرّحيل مؤذّن … فقال: أجيبوا البين قد حضر الوقت فهان عليّ الموت حين سمعته … ووكّل بي منهم رفيق فما زدت أقاد ولا أدري أقتل يراد بي … أم السّجن، فاستسلمت للحين وانقدت فقيّدت في قيد الحديد كأنّني … أسير بدار الحرب، أو من به غرت وطبّقت في سجن إذا اللّيل جنّه … تجلّت نجوم اللّيل بدرا (٣) وكبّرت وظلمة سجني في سواد مصائبي … كمشي نهار مرّ ساعته السّتّ مصاب أبي مروان أفنى تجلّدي … فصبري مقطوع الحبال ومنبتّ تجرّع كأس الموت دوني ليته … يؤخّر عن ذاك المقام وقدّمت به كنت ألتذّ الحياة وإن غدا … صريع المنايا ما أبالي متى متّ فقدت بفقدي شخصه كلّ راحة … وكلّ سرور يوم ودّع ودّعت وعوّضت من أنسي به الحزن والأسى … ومن جمع شملي بالتّفرّق عوّضت سأبكي عليه ما بقيت، فإن أمت … سيبكيه من بعدي رثائي الذي قلت وإن لم أجد دمعا بكيت له دما … وإن لم أطق كتمان ما حلّ بي، بحت وإن غلب الوجد المبرّح والأسى … وضعت على قلبي يدي وتأوّهت إذا اشتدّ بي كربي وضاقت مذاهبي … ولم أستطع صبرا على كبدي صحت تطاول بي ليلي وبدري آفل … فلا البدر يبدو لي ولا أنا أصبحت أقول لمن بالذّلّ والسّجن عابني … رويدا، فإن حال الزّمان فما حلت / وإن كان وشك البين أخلق جدّتي … فحزني جديد ليس يخلق ما شئت وإن كان صرف الدّهر غيّر ظاهري … فإنّي الذي تدرونه (٤) ما تغيّرت

стр. 198

وإن كانت الأيّام أعدمنني المنى … وغيّرن من حالي، فإنّي الذي كنت وليس بعيب أن سجنت لريبة … ولا سيبهم أهلي لأنّي أشركت ولا قتلونا واستحقّوا دماءنا … بحقّ، ولو بالحقّ كان لأذعنت ولا أوثقونا بالحديد وعطّلوا … دياري من أهلي لأنّي أجرمت وهي طويلة. ومن شعره ﵀ يرثي من مات في البحر: [طويل] هوى حيث تهوي الشّمس عينا حميّة … من (١) البحر فالتمّت عليه غرائبه خلا أنّها درّت شروقا، ومذ هوى … بلجّته ما أطلعته مغاربه هل الدّرّ إلاّ بالبحار مقرّه … فلا غرو أن يسترجع الشّيء واهبه هوى الطّود بالرّمس الوجيب كأنّه … من الأرض (قد) (٢) ضاقت عليه سباسبه لذلك كان البحر ملحا لأنّه … هو الدّمع تذريه عليه نوادبه وقد كنت أستسقي لمن هلك الحيا … فمن بعده، لا جاد بالدّمع ساكبه ولا سحّ وكّاف الغمام ببقعة … ولا نثرت درّ الغمام سحائبه وما كنت أخشى أن تكون وفاته … بمثل الذي كانت تفيض مواهبه وما كان إلاّ البحر إن فاض جوده … ولكنّه كانت عذابا مشاربه فيا بحر إن واريته، إنّ مجده … بأفق المعالي طالعات كواكبه وشعره ﵀ كثير. مات سنة ثلاث وأربعمائة، ودفن بحضيض جبل فارّة. ومنهم: ٥٨ - منصور بن الخير بن يملى (٣) المقرئ بمالقة. (توفي) (٤) في سنة ست وعشرين وخمسمائة، ذكر ذلك أحمد ابن الباذش (٥) في فهرسته، وذكر أنه توفي على سن يزيد فيها، ونسبه إلى الكذب

стр. 199

والدعوى في القراءة ودخول الأقطار و (رواية) (١) الحديث (بها). وهذا الذي ذكره ابن الباذش أمر لم يعرف به الشيخ المذكور (٢)، بل كان من جملة المحدثين المقرئين الموصوفين بالعدالة. وقد رحل إليه من غرناطة الحافظ أبو عبد الله النّميري، وتلا عليه القرآن، وآثره على ابن الباذش ولم يتّهمه في شيء من روايته. ولا يشك (في) (١) أن النميري أتمّ معرفة بعلم الحديث وأحسن نقدا له من ابن الباذش، / وقد روى عنه سوى النميري جماعة من الجلّة، كالأستاذ الكبير أبي القاسم بن دحمان، فلم يصفه بشيء من ذلك، بل كان يصدّر به في أشياخه ويعظّمه. وقد روى الأستاذ الأجل أبو محمد القرطبي السبع عن ابن دحمان عن أبي علي منصور المذكور، وكان أعرف الناس بهذا الفن، فلم يطعن عليه ولا اتّهمه. وقد أشار الأستاذ أبو محمد القرطبي إلى ذلك في إجازته المنظومة فقال بعد تقديم صدر منها: [طويل] وأشياخ منصور بن يملى جماعة … ولابن شريح (٣) فيهم المنصب العالي تلا السّبع بالكافي (٤) عليهم محصّلا … وحسبك بالكافي مفسّر إشكال وحاز ابن يملى بالمعدّل (٥) رفعة … وما مثل موسى بن الحسين (٦) لرحّال ونال بلقيا الطابريّ (٧) بمكّة … أبي معشر ما شاء من درك آمال ومنها: روى عنه تلخيص المثاني رواية … وعرضا فلا تحفل بقيل ولا قال وإنما قال الأستاذ ﵀ في هذا البيت: «… فلا تحفل بقيل ولا قال»، لتكذيب ابن الباذش لأبي علي في روايته عن الطبري. ولا أدري ما حمله على

стр. 200

تكذيبه، ورحلته إلى المشرق لا تنكر لشهرتها والحمد لله. وتوفي ﵀ بمالقة في شوال سنة ست وعشرين وخمسمائة. ذكره ابن بشكوال. قال شيخ شيوخنا الفقيه العالم أبو علي الرّندي في فهرسته، وقد ذكر أبا علي بن يملى: وقد تكلّم في أبي علي هذا، تكلّم فيه أبو جعفر بن الباذش وبالغ وأظهر التعسف في أمره. قال: وأخبرني القاضي أبو بكر ابن أبي زمنين عن الشيخ المحدث أبي بكر بن رزق (١) أنه ناظر أبا جعفر بن الباذش في أمر أبي علي حتى أذعن له أبو جعفر، ووقف عند قوله. وقال أبو علي: هذا قد وثقه الأشياخ، منهم أبو بكر بن رزق وغيره، وصححوا روايته. وأخبرني الفقيه العالم أبو القاسم - يعني السهيلي - أنه وقف على إجازة أبي معشر لأبي علي عند بعض أهل مالقة. (وفي هذا) (٢) تبعيد للتهمة في حق هذا الشيخ والحمد لله. قلت: وذكره ابن بشكوال، وقال: كانت له رحلة إلى المشرق حجّ فيها، ولقي أبا معشر الطبري. ولقي أبا عبد الله ابن شريح، وأبا الوليد الباجي. قال: وسمعت بعض شيوخنا يضعّفه. ومنهم: ٥٩ - موسى بن رزق هو الوزير أبو عمران صاحب أبي عبد الله الرصافي. كان ﵀ من النبهاء والأدباء. وكان كريما مقصودا عالي الهمة جميل العشرة. وكان طلبة مالقة الجلّة كأبي عبد الله / الرصافي الأديب، وأبي علي بن كسرى، وأبي بكر الكتندي يجتمعون في منزله، ولا يبرحون عنه ليلا ولا نهارا. وكان له بستان يختص بهم لجلوسهم ومناظرتهم. ولهم في ذلك البستان أوصاف عجيبة ومعان مخترعة. ولهم في أبي عمران المذكور أمداح رائعة أذكر الآن طرفا منها، إذ قد وعد خالي ﵀ فيما مضى من هذا الكتاب (٣) بذكر بعضها في باب موسى. فمن ذلك مقطوعات الأديب أبي عبد الله الرصافي يصف بستان أبي عمران المذكور ويمدحه، فقال (٤): [كامل]

стр. 201

ما مثل موضعك ابن رزق موضع … زهر يرفّ وجدول يتدفّع وكأنّما هو من محاجر غادة (١) … فالحسن ينبت في ثراه وينبع وعشيّة لبست رداء شحوبها … والجوّ بالغيم الرّقيق مقنّع بلغت بنا أمد السّرور تألّفا … واللّيل نحو فراقنا يتطلّع فابلل بها رمق الغبوق فقد أتى … من دون قرص الشّمس ما يتوقّع سقطت ولم يملك نديمك (٢) ردّها … فوددت يا موسى لو انّك يوشع قلت: وقد جرى الأديب أبو عبد الله بن مرج الكحل هذا المجرى فصنع قطعة ينحو فيها نحو أبي عبد الله الرصافي، وهي (٣): [كامل] طفل المساء وللنّسيم تضوّع … والأنس ينظم شملنا ويجمّع والزّهر يضحك عن بكاء غمامة … ريعت لشيم سيوف برق تلمع والنّهر من طرب يصفّق موجه … والغصن يرقص والحمامة تسجع فانعم أبا عمران وآله بروضة … حسن المصيف بها وطاب المربع يا شادن البان الذي دون النّقا … حيث التقى وادي الحمى والأجرع إن غاب (٤) نور الشّمس لسنا (٥) نتّقي … بسناك (٦) ليل تفرّق يتطلّع الشّمس يغرب نورها ولربّما … كسفت، ونورك كلّ حين يسطع أفلت فناب سناك عن إشراقها … وجلا من الظّلماء ما يتوقّع (٧) فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل … (فوددت يا موسى لو انّك يوشع) ونقلت من خط أبي عمرو بن سالم، قال: أنشدني صاحبنا الفقيه أبو علي بن

стр. 202

كسرى مما ارتجل أبو عبد الله الرصافي بحضرة أبي بكر الكتندي الكاتب ﵀ في صنوبرة / قد صنعت من نحاس، وثقبت جوانبها وركبت في وسط مستدير (يديره) (١) ماء في بستان أبي عمران المذكور فقال فيها أبو عبد الله الرصافي رحمه (الله) (٢) هذه الأبيات (٣): [متقارب] وروض جلا صدأ العين به … أزيرق يطفو (٤) على مشربه صنوبرة ركّبت ساقها … إليه (٥) فخاضت حشا مذنبه فشبّهتها وأنابيبها … (بها) (٦) الماء قد جدّ في مسكبه بأرقم كعّك من شخصه … وأفراخه (٧) يتعلّقن به وله فيها أيضا: [بسيط] لم أنس ما راق عيني من صنوبرة … لها مع الماء حال غير محلول تعبّ فيها لجينها فتنفخه … أعطافها مثل أشطار الخلاخيل وله فيها أيضا (٨): [مخلع البسيط] وجدول كاللّجين سائل … صافي الحشا أزرق الغلائل (٩) عليه شكل صنوبريّ … يفتل من مائه حلائل (١٠) ولأبي بكر الكتندي فيها: [طويل] صنوبرة لم يوجد الكون مثلها … حليّ بساتين، وريق مذانب

стр. 203

حوت ذائبا من طعمها فوق عادة … فسالت ينابيعا (١) على كلّ جانب يضاهي الثّريّا شكلها واجتماعها … لو انّ الثّريّا (قد حكتها) (٢) بذائب قلت: ولم أقف للفقيه أبي عمران المذكور على شعر. غير أن الفقيه أبا عمرو بن سالم قال فيه: كان من الأدباء. وتوفي ﵀ .... (٣).

стр. 204

حرف الصاد ومنهم: ٦٠ - صالح بن علي بن عبد الرحمن بن إبراهيم ابن مسلمة الأنصاري (١) يكنى أبا التقي، ويعرف بابن المعلم. كان ﵀ من أهل الطلب البارع والمعرفة والاجتهاد يتصرف في فنون من النحو والآداب وغير ذلك. وكان نبيها ذكيا يميل إلى طريق الرواية أخذ عن شيوخ جلة، كالأستاذ أبي محمد القرطبي، وأبي علي الرندي، وأبي محمد بن حوط الله، وأخيه أبي داود، وكأبي الخطاب بن واجب، وجماعة. وكان ﵀ من أهل الأدب، لكن لم أقف له على شعر. حدثنا (٢) صاحبنا الفقيه الزكي ولد أبي التقي صالح المذكور، قال: كنت في وقت أدرس كتاب الزكاة من الموطأ، فأطلت القراءة ليلة من الليالي حتى غلبني النوم، فكنت أرى والدي ﵀ جالسا معي، فكنا نتحدث في القراءة والطلب، وكنت أقول له: هل عملت قطّ شعرا، فكان ينشدني: [طويل] وقفت أمام الحيّ أرصد غفلة … أساعد طرفي تارة وأناظر فإن غفل الواشون عنّا تكلّمت … حواجبنا عمّا تكنّ الضّمائر / قال: وكان يقول لي: هي على سفر من سيبويه مقيدة. قال: فنظرتها فوجدتها كما ذكر. وتوفي ﵀ في يوم الأربعاء ضحوة الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وستمائة.

стр. 205

ومنهم: ٦١ - صالح بن جابر بن صالح بن حضرم الغساني (١) يكنى أبا التقي. كان ﵀ من طلبة مالقة وأدبائها، ذكيا ينظم الأشعار المعربة والهزلية ويصنع الأزجال والموشحات الرائقة. وكان له في صنعة النجوم باع مديد. وله فيها تواليف عجيبة بين منثور ومنظوم. وكان ﵀ فاضل الطبع، حسن الحال، لوذعيا متواضعا. قال الفقيه أبو عمرو بن سالم: كتبت على منزل أبي التقي صالح اسمي، فجاء وقرأه، فكتب إليّ: [كامل] ألفيت خطّك سيّدي بالباب … ففهمت منه تهمّم الأحباب وعلمت أنّك إنّما وافيتني … لترى بأنّي من ذوي الألباب فجاوبه أبو عمرو بن سالم: [كامل] كتب المتيّم خطّه بالباب … لتعدّه من جملة الأحباب وتشرّفا بجلالكم وخلالكم … يا مولعا بلباب كلّ لباب ومن شعره يستدعي مربى (٢): [وافر] بعثت إليك يا خلّي (٣) إناء … وقد وافى بوقت الظّهر فيء فوجّه فيه شيئا ليس عندي … سواه (٤) وليس عندك منه شيء ومن شعره: [كامل] قد جاء للحانوت بعدك صالح … فإذا بها قد زال عنها أنسها ورأى مكانك حين غبت كأنّه … أفق السّماء إذا توارت شمسها ومن شعره في القسي: [وافر]

стр. 206

نظرت إلى القسيّ فقلت مهلا … سؤال لا تملّ الأذن سمعه أرى من أمّ منكم رمي سهم … ليوقعه بمن قد رام قمعه يورّي بالرّجوع إلى وراء … ويسرع للمواجه أيّ سرعه فقلت: مه، ألست أخا حروب … ألم تسمع بأنّ الحرب خدعه ومن شعره يذم أبناء الزمان: [كامل] عجبا لأبناء الزّمان وحالهم … ما منهم للدّهر غير مساعد إن جاد، جاد جميعهم وتسارعوا … لمراده وقتال كلّ معاند وإذا رأوه سطا على من قد سطا … صانوه واتّبعوا سبيل الذّائد (١) وشعره ﵀ كثير وموجود بأيدي الناس. وسأذكر من شعره في باب عيسى في مكاتبة بينه وبين أبي الأصبغ بن عياش (٢). ومنهم: ٦٢ - صفوان بن إدريس (٣) ١٠٠ / يكنى أبا البحر. أصله من مدينة مرسية. واجتاز على مالقة، وأقام بها مدة، وأخذ عنه بها من شعره كثير. ثم انتقل إلى مراكش فأقام بها مدة. وهذا المذكور من فحول شعراء الأندلس وأدبائها، شاعر مفلق وكاتب بارع، تضرب ببراعة كتبه الأمثال. وله رسائل عجيبة ومقامات غريبة، وأشعار رائقة. نقلت من خط أبي عمرو بن سالم قال: أنشدني أبو البحر صفوان لنفسه بمالقة عند توجّهه إلى الحضرة من شعره (٤): [كامل] يا حسنه والحسن بعض صفاته … والسّحر مقصور على حركاته

стр. 207

بدر لو (١) انّ البدر قيل له اقترح … أملا، لقال: أكون من هالاته عبثت بقلب محبّه (٢) لحظاته … يا ربّ لا تعتب على لحظاته ركب المآثم في انتهاب نفوسنا … فالله يجعلهنّ من حسناته يعطي ارتياح الحسن غصنا أملدا (٣) … حمل الصّباح فكان من زهراته والخال ينقط في صحيفة خدّه … ما خطّ حبر (٤) الصّدغ من نوناته وإذا هلال الأفق قابل خدّه (٥) … أبصرته كالشّكل (٦) في مرآته ما زلت أخطب للزّمان وصاله … حتّى دنا، والبعد من عاداته فغفرت ذنب الدّهر فيه لليلة … سترت على ما كان من زلاّته غفل الزّمان فنلت منها بدره (٧) … يا ليته لو دام في غفلاته ضاجعته واللّيل يذكي تحته (٨) … نارين من نفسي ومن وجناته بتنا نشعشع والعفاف نديمنا … خمرين من غزلي ومن كلماته وضممته (٩) ضمّ البخيل لماله … أحنو عليه من جميع جهاته أو ثقته في ساعديّ لأنّه … ظبي خشيت عليه من فلتاته والقلب يدعو أن يصيّر ساعدا … ليفوز بالآمال في ضمّاته حتّى إذا همّ (١٠) الكرى بجفونه … وامتدّ في عضديّ طوع سناته عزم الغرام عليّ في تقبيله … فنهضت أبدي (١١) الطّوع من عزماته وأبى عفافي أن يقبّل (١٢) ثغره … والقلب مطويّ على جمراته

стр. 208

فاعجب لملتهب الجوانح غلّة … يشكو الظّما والماء في لهواته وله يخاطب أبا عبد الله بن مرج الكحل المتقدم الذكر، فقال /: [طويل] سأنفث والمصدور لا شكّ نافث … وأسمع إن أصغت إليّ الحوادث وكم وقفت لي بالمعاتب مثلها (١) … على حين لا شيء على الصّبر باعث فهل سحر هاروت، يقي (لملمّة) … فروعي مميت، والتّوهّم باحث (٢) خليليّ من سكّان بابل حدّثا … فإنّ الخليل للخليل محادث هل السّحر باق مثل ما قد عهدته … أم اتّفقت بعدي أمور حوادث وما عند هاروت وماروت فانظرا … أعلمهما في ذلك الغار لابث وإلاّ فشعر قد أعارته (٣) عينها … فإنّ ابن مرج الكحل بالسّحر نافث أما والذي أعطاه في الشّعر غاية … أماني ابن حجر عن مداها روائث وقال أليس الحسن ذلك طبعه … وأنّك فيه من محلّ لماكث لقد راع سربي أن عناني بقوله … تغيّر لي فيمن تغيّر حارث فمن بعد هذا القول لست بجانح … إلى مكسب إذ مكسبي هو حارث ومنها: ووجّهتها غرّاء علّ قرينه … يصيخ، وبي فكّ القديم الكثاكث (٤) كأنّ بياض الطّرس سام كرامة … وأسوده حام، فمن هو يافث ومنها: وفي حرم الإخلاص ودّك عندنا … وقد منعت عنّا هناك الرّوافث وسوق ودادي نفّقت كاسد الوفا … وقد كسدت فيها المساعي الرّثائث متى رمت بي نصرا تجبك ثلاثة … لساني وودّي والسّريجيّ ثالث

стр. 209

وكتب إليه ابن مرج الكحل بقصيدة أولها: [طويل] أعادتك من ذكر الأحبّة أشجان … فقلبك خفّاق ودمعك هتّان تحنّ على شحط المزار إليهم … ومن دون لقياهم قفار وبلدان خليليّ ما في الأرض صفو مودّة … إذا لم يكن يصفي المودّة صفوان رماني بزور وهو بالحقّ عالم … وكلّ كلام الشّرّ زور وبهتان نطقت فأفحمت العراق بلاغة … وأخرست ما تحوي السّراة خراسان ولو سمعت سمعا (١) عكاظ بلاغتي … لما جرّر الأذيال (٢) في الدّهر سحبان ولو كنت في جيل الأوائل لم يكن … ليذكر بالإحسان في الشّعر حسّان فجاوبه الفقيه أبو بحر صفوان بقصيدة منها: [طويل] سل البان عنهم كيف بعدهم البان … أشاقوه إذ ساروا، وراعوه إذ بانوا ألم يتعاط دون بان قضيبه … فتلك القدود الهيف في العين إخوان / فما بالها لم تدن شوقا إليهم … ولم تنقدح فيها من الوجد نيران ومنها: إليها فلا انجرّت ذيول ظلالها … ولا أشبت منها المعاطف أغصان فإن حكموا أنّ القدود ذوابل … فشاهدهم أنّ النّواظر خرصان وإن أجمعوا أنّ الخدود أزاهر … فحجّتهم أنّ المعاطف أفنان خليليّ عوجا وانظرا وتبيّنا … ولا تكسلا، لن يبلغ المجد كسلان أهدّي الذي تهدي الرّياح سلامهم … فإنّي أرى للرّيح عرفا له شان لعلّهم قد أودعوها شذاهم … ليرتاع مشتاق ويهتزّ هيمان وإلاّ فقولا أنتما قول منصف … أطبع نسيم الرّيح روح وريحان أقول لقلبي حين أشعر غدرهم … ثكلت، أترضى أن تخون كما خانوا ولا غرو أنّي كنت للعهد حافظا … وكلّهم عند الشّدائد خوّان

стр. 210

فعن حكمة ما يخزن النّار مالك … ويخزن دار الخلد والفوز رضوان ولا كابن مرج الكحل علق مضنّة (١) … تشدّ عليها للشّدائد أيمان وما راعني من ودّه، غير أنّه … يغيّره قوم كدهري ألوان أقول له لمّا أصاخ لقولهم: … أمن نفحات الرّيح يهتزّ ثهلان ومنها: لعمري وما عمري بحلفة فاجر … ولكنّها برّ وصدق وأيمان لقد علّمتني كيف تصفو مودّتي … «أعادتك من ذكر الأحبّة أشجان» صدقت، إذا لم يصف صفوان ودّه … فليس بصافي الودّ في النّاس إنسان هل النّون في صفوان إلاّ مزيدة … من الصّفو والإخلاص يستبن (٢) صفوان شهدت يقينا أنّ فكرك آية … يؤيّدها من معجزاتك برهان فلا تجعلنّي من بني الدّهر إنّهم … لنعلي - على أنّي تسامحت - عبدان ولا كلّ من يدعى فتى هو مالك … ولا كلّ من فوق البسيطة سعدان ألست الذي ارتجّ (٣) العراق لذكره … كما ارتجّ إذ لاقت جيادي صنعان وكم كلفت مصر بنشر مآثري … وقامت على ساق لذكري بغدان لي الكلم العذب الذي (لو) (٤) بذلته … لطالبه ما استعمل الماء صديان من الكلم الرّطب الذي لو أبحته … لزيّف عقيان وبهرج مرجان / كلام إذا أرسلته قال بعضهم … لبعض: أعنّي الآن عمري لقمان ومنها: وإنّي لماضي المضربين وحاملي … جبان ولكن في (المجامع) (٥) سحبان جردت حساما في يد الدّهر لو درى … لساد به، لكنّما الجهل حرمان ولو أنّ إنساني يسرّ مودّتي … لما انطبقت من فوقه لي أجفان

стр. 211

وكتب ﵀ عن أحد الناس يستعطف أحد أهل الدنيا: أما بعد، أدام الله مدّة الشيخ أبي فلان، وأبقاه عمادا وجنّة ونصرة، وعاطفا على من استجار به من ساعة العسرة. ولا زال منتصرا للمظلوم، دافعا في صدر الظّلوم، راعيا حقّ الأدب الذي أضاعه الزّمان وأهمله، منتهضا منه ما قعد به الدّهر فأخمله، فإنّما يرجى للعظيمة العظيم، ويدّخر للشّدائد من حقّه التّوقير والتّعظيم، وإلى الله يلجأ اللهفان، وبسفينة نوح يستجير من يكنفه الطّوفان. وأنا بالله ثمّ بك من زمان عطّل أدبي، وأردت أن أقوم به فأقعد بي (١). وكلّما أشرت إلى أن أبرأ، نهب، وإن جنحت إلى أن أخمد، ألهب، وأنشد وقد جاء بالتّعنيف (٢) وذهب: الضّبّ والنّون قد يرجى اتّفاقهما … وليس يرجى التقاء اللّبّ والذّهب فبقيت لا أدري هل انطباعي قصّر من طباعي، أم براعتي أخملت يراعتي، أم فصاحتي عمّرت بالخمول ساحتي، أم سحر أدبي إلى الهوان أدّى بي، أم إطنابي قصّر أطنابي. كما لا شكّ أنّ إشعاري جعلت اتّصال أشعاري، ورسائلي قطعت وسائلي، وشوارد أمثالي أبت أن يسود أمثالي. فهلاّ بناني عناني، ولم تكن مذهّباتي مذهباتي، وخطابي للغير خطابي. أستغفر الله لا أشكو ولا أدع، رغم أنف الأشمّ وشموخ الأجدع. فأقسم بمآثرك الّتي خلّدتها حجولا للزّمان وغررا، ونسّقتها في جيد الوجود دررا، ثمينا في غير إغلاق، لولا أنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾، لوأدت بنات فكري بغير ذنب، ونفضت يدي من الأدب (٣) عن الصّاحب بالجنب، وبرئت من الأدب وأربابه، وأتيت الزّمان من بابه. ولكن بقي أعزّك الله في هذه الفضيلة فضلك، وهذا الهدف سيقرطسه إن شاء الله نصلك. وها أنا قد وقفت بين يدي علاك أخاصم دهري، وأباحثه لأيّة علّة فتق كمائم الخمول عن زهري، أم كان أراد أن لا يجمع بي الحسنيين، ولا يطابق في المنظر والمخبر بين

стр. 212

المغنيين. فعلى (هذا) (١) من يحسن في جميع الجهات ويجمل، من ذا الذي يعطى الكمال فيكمل. وإن كان إنّما حطّ درجتي / ظلما وهضما، وعبث بجاهي فشرط نظما، فكفى بك حكما من أهله، يضرب على يدي جهله ونشله (٢). يا أبا سليمان، اخبر الزّمان، واحكم في قضاياه حكم سليمان، واقض بيني وبين زماني بالواجب الأحقّ، وإنّما نحن خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق، ومثلك نهض بمن ألقي إليه يد الاستسلام، نهضة عمر بن الخطّاب ﵁ لشهرة الإسلام. وإليكها تختال كما تفعل كلّ ذات ذيل، وتستجير بك من زمان ضلّ في اهتضامها ضلال هذيل. ولا غرو أن تجيرها، فالفضيلة خامسة طبائعك، وإسعاف مؤمّلك عنوان صنائعك. وكم لها من أخيّة، تصغيرها على حدّ التّكثير كما قالوا بريق ودويهية، والمشار بهما إلى الأمر. والله تعالى يخلّد ذكر مجدك في بطون الأوراق، يتهاداه العراق من الشّام والشّام من العراق، والسّلام كما اعتمره الزّمان بالأشواق، وطير الثّناء يروح ومجدك سخيّ (٣) بالعشيّ والإشراق، والسّلام. وكتبه ﵀ كثير مشهور.

стр. 213

حرف العين ومنهم: ٦٣ - عامر بن معاوية بن عبد السلام بن زياد ابن عبد الرحمن بن زهر (١) ابن ناشرة بن لوذان اللخمي، يكنى أبا معاوية، من قرطبة. (وأصله) (٢) من ريّة ولاه المنذر قضاء الجماعة بقرطبة من إشارة الفقيه بقي بن مخلد. وكان لعامر رحلة سمع فيها من سحنون بالقيروان، ومن أصبغ بن أبي الفرج بمصر، ومن غيرهما. وكان من أهل الرواية فاضلا ورعا، إلا أنه كان يذكر عنه غفلة. وروى أن محمد بن غالب بن الصفار، تكرّر عليه طويلا، فكان يقول له كل مرة يأتيه: من أنت رحمك الله، فيتسمّى له، ويعرّف عنده. فإذا عاد لم يزده لديه إلاّ جهلا، واستدعى معرفته. وقال أحمد بن خالد: سمعت من القاضي أبي معاوية في بعض مجالسه، حديثا ذكر فيه يافث بن نوح، فقال: هو بالتاء بنقطتين، فأنكرناه، فقال: امضوه، فقد قلت لابن بكير: يافت بالتاء نقول؟ قال: نعم، من غدوة إلى الليل. وحكي أن الحبيب بن زياد عاتب بقي بن مخلد في تركه الإشارة على الأمير به للقضاء. فقال له بقي: لا تلمني، فلنفسي احتمدت، فأشرت بمن هو عندي منك أفضل، والغيب لله، فسكت عنه الحبيب. ولم يزل قاضيا أيام المنذر. ثم اشتهر أمر ولاية الأمير عبد الله، فعزله وولّى النّضر بن سلمة. ويحكى أن عامرا لقي ابن حفصون قبل ثورته، فرآه ابن حفصون وقبّل يده، فقال له عامر: اتّق الله في الناس إذا ملكت رقابهم. فمن هناك، زعموا، قوي طمع ابن حفصون، والله أعلم. وتوفي عامر ﵀ سنة سبع

стр. 214

وسبعين ومائتين بعد ثلاث سنين (من ثورة ابن حفصون) (١). ذكر ابن الفرضي بعض قصته. وذكر سائرها غيره. ومنهم: ٦٤ - عبد الله بن محمد (٢) / (بن عيسى الأنصاري المالقي) (ومنهم): ٦٥ - عبد الله بن أحمد بن عمر القيسي يعرف بالوحيدي) (٣) .. (٤) ستهم. وقد رفعت أمره، إلى الذي أطال في هذا العمل عمره. إنه يقضي بالحق، ويمضي حكمه على جميع الخلق، لا إله إلاّ هو، والسلام. وتوفي ﵀ بمالقة ودفن بمسجد حكمه من داخل سور مالقة المنسوب إليه، وصلّى عليه ابن حمدين وابن حسون. وكانت وفاته سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ومولده سنة ست وخمسين وأربعمائة. وكان قد كفّ بصره نفعه الله. ذكر ذلك ابن بشكوال (٥). ومنهم: ٦٦ - عبد الله بن علي ابن أبي العباس (٦) يكنى أبا محمد. كان ﵀ من جلة الأدباء وعلية الفصحاء الخطباء، معدودا في الرؤساء من أهل مالقة الحسباء. مرتبته في المعارف مشهورة، وآدابه مدونة مسطورة. كان جليل المقدار، عالي الهمة، رفيع القدر. كتب للسيد أبي يعقوب وعن أبي محمد عبد المؤمن، وجملة من السادات. وكان معظّما عندهم، مقرّبا لديهم يباهون به في مجالسهم، ويشاورونه في أمورهم. وصفه أخوه أبو العباس في كتابه فقال: فقيه ماهر، وأديب خطيب شاعر، ونادرة عصره، وجمال

стр. 215

مصره. استشرفت إلى خطبه الرّائقة، وآدابه الفائقة متون المنابر، ونطقت ببراعته وجزالة خطباته ألسنة الأقلام وأفواه المحابر. وكان منذ نشأ بعين الجلالة منظورا، وفي ديوان أشغال السّادة مذكورا. تفرّد بتقييد العلم وتفرّغ له، وحمله عن الرّجال الجلّة الكملة، وطار ذكره في الآفاق ورأى في دنياه (ما) (١) أمّله. وكان مع هذه المفاخر شاعرا مطبوعا. ومن شعره ﵀ يمدح أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي: [كامل] طاوع فطوع يمينك المقدور … واسلم فأنت النّاصر المنصور واضرب بسيفك حيث شئت من العدى … إنّ القضاء حسابك المسطور وردت لكم بشرى النّبيّ فصرّحت … أعجاز تصديق به وصدور ومنها: وأعدتم الدّين الحنيف لبدئه … فكأنّ خيركم له تصدير سائل عن الأعراب معرفة الظّبا … يخبرك منها شاهد وخبير ومنها: جلبوا الجياد الجرد كي تحميهم … فغدت بهم للحين وهي قبور أهديتم سمر الرّماح رسالة … وأتاهم بالمرهفات نذير فكأنّ هامهم غمود للظّبا … عند اللّقاء وللسّهام ضبير (٢) / ومنها: كانوا بجنّة طاعة فغدت لهم … من محرز التّضييع وهي سعير عاطاهم حبل الغرور فأصبحوا … صرعى وسلك نظامهم منثور وغدا وخطّار القناة لهامه … جسم وناشرة السّنان سرير فمقامه يذكي تباريح العدى … وعنانه لمسيئهم تحذير
следующие страницы →