بحارة ابن خزّان من القاهرة المصرية. وكان يخطّط نفسه بذي الحسبين والنّسبين، ما بين دحية والحسين. وكان ينسب إلى دحية صاحب النبي ﷺ . ونازعه في نسبه التّاج الكندي أمير النحاة هناك، وزعم أنّ دحية لم يعقّب. وردّ عليه أبو الخطّاب في جزء سماه: المرهف الهندي في الردّ على التاج الكندي، وأثبت فيه أنّ دحية قد عقّب وأنه من ذريته. وكان ﵀ أديبا بارعا وشاعرا مطبوعا، إلا أنه كان يتهم في الرواية، لأنه كان مكثارا، وكان قليلا ما يروي. وتوفي بالقاهرة ﵀.
ومنهم:
١٤١ - الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي (١)
يكنى أبا حفص، ويعرف بعمر ينات. كان ﵀ من جلة الموحدين وأكابرهم. وجهه أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مالقة حين كان ابن حسّون بها، فوصل إليها وأقام عليها أياما، ثم أقلع عنها بخطاب ابن حسّون ملك طليطلة. فلما تم أمر ابن حسّون كتب أهل مالقة إلى أبي حفص، وكان بمحلته بفجّ قامرة، ليصل إليهم، فشكرهم على ذلك، وكتب إليهم كتابا، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. صلّى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من عمر بن يحيى إلى الشيوخ الأعيان والكافة بمدينة مالقة أكرمهم الله وأعانهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلائه، ونصلي على محمد نبيه ورسوله، ونسترضيه للإمام المعصوم، المهدي المعلوم، ونستديمه عادة النّصر المكين، لسيدنا أمير المؤمنين. كتابنا من مضرب المحلّة المباركة بفجّ قامرة. وقد كان كتابكم الأثير وصل صحبة جماعتكم الكريمة، من أهل البلد والجند، حفظهم الله، فأدّى الكتاب، والجماعة، ما سنّاه الله تعالى لكم، ويسّره بفضله / عليكم من القيام على النّصارى وحزبهم، أخزاهم الله، وكيف أخذتهم
стр. 317
صيحة واحدة قطعت دابرهم، وأعدمت صاغرهم وكابرهم، ولم ينج منهم إلاّ من يحدّث عن المثلات، ويندب نجما تضلّل بالأثلات. بركة من بركات هذا الأمر، عمّتكم وأنقذتكم من ظلمات وضلال، طالما عمّتكم وصدقت موعدكم الحسنى؛ ومحفلة منّا قصدتكم بمنونها الجميلة وأمّنتكم، فاشكروا الله كثيرا على ما هداكم إليه، وأعانكم بحسن معتقدكم لهذا الأمر العزيز عليه، فهذا (هدى) (١) من الله تعالى، من استعصم به عصم، ومن ناوأه قصم، ومن آثره جلّ، ومن كاثره قلّ وذلّ. وكانت عاقبته في الدنيا عاقبة الذين عذّبهم الله بأيديكم، وشفى صدوركم منهم. وكيف لا يدرك الله من بني حسون وأمثالهم ثأر إسلام البلاد لأعداء الإسلام، أو كيف تسوف العقوبة من رضي بالتّثليث من التوحيد بدلا. لشدّ ما عميت أبصارهم، وصار إليه صائرهم. ورأينا في كتابكم الأثير شدّة الرغبة في ألاّ نستنيب في الوصول إليكم لتطهر بذلك قلوبكم وتستقرّ أنفسكم. فما تركنا لإسعافكم غير ما وجه من وجوه البرّ. والله ينفعكم بما نويناه لكم وأتيتموه من أبواب الخير، ويجعلنا وإياكم من الذين يتمسّكون بالكتاب وعروة هذا الأمر، وأنتم كافّة مؤمّنون وجندكم وغيرهم بتأمين الله تعالى وبفعلكم المشكور المرضي. والله يعينكم على طاعته ويوفّقكم لمرضاته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب ظهر السابع عشر من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وبصفتكم الرّابحة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وكتب في التاريخ المذكور وبالله التوفيق.
ثم إنه وصل إثر كتابه إلى مالقة وأقام بها، ثم انتقل عنها، والحمد لله.
ومنهم:
١٤٢ - عمر بن عثمان بن محمد بن أحمد الفارسي الخراساني (٢)
الساجوري الماليني، يكنى أبا بكر، ويلقب بطنّه، وهو من الأغزاز. وكان
стр. 318
شيخا فاضلا. ورد علينا مالقة في ربيع الأول من عام ستمائة. وأخذ عنه جلّة من شيوخنا. حدّثهم بصحيفة الأشجّ، وصحيفة جعفر بن نسطور. وكان يحمل ذلك عن الإمام رضى الدين حجّة الإسلام أبي الخير أحمد بن اسماعيل بن يوسف الطالقاني القزويني. وكان يحمل أيضا عن شرف الدين أبي يعقوب (١) يوسف بن أبي حفص الخطبي الخالدي الرنجاني رحمهما الله.
ومنهم:
١٤٣ - عمر بن حفصون بن عمر بن جعفر الإسلامي (٢)
كان أصله من رندة، ثم انتقل جده جعفر في أيام الحكم بن هشام، فسكن بقرية طرجالة، المجاور حصن أوطة، من كورة ريّة. استوطنها فانسل فيها عمر، ثم أنسل عمر حفصا، ففخّم فقيل حفصون. ثم أنسل حفصون عمر الثائر. وكان ابتداء أمره في سنة خمس وستين ومائتين. واقتعد حصن ببشتر سنة اثنتين وسبعين. وكان ابن حفصون قد صالح الأمير عبد الله ورهنه ابنه رهينة، وتوثقا، من أن يخالف عليه، فاختبر الطّفل فوجده غير ابنه. فأغزاه الأمير ابنه المطرف بحصن ببشتر، وخرّب له منيته التي كانت باللوقات. فخرج ابن حفصون يذبّ عن كنيسة كانت بقربها، فغلبه مطرّف، وهدم الكنيسة والمنية. وانقطع أثره على يد عبد الرحمن الناصر في سنة خمس وثلاثمائة. وكان عمر بن حفصون شديد الغيرة على الحريم، ولم يكن جزاء من مدّ يده من رجاله إلى امرأة إلاّ السّيف، ولو أخبت من الحلي وغيره ما أرادت. قال ابن حيان: وكان ذلك كالقرحة في مهجة مساويه. ونسبه على ما ذكره ابن حيان: عمر بن حفص المعروف بحفصون، بن عمر بن جعفر بن شنتم بن دميان بن مرغلوش بن ادفنش بن مسالمة. وكان جدهم مرغلوش قومسا برندة. ذكره ابن أبي الفياض. وذكر نسبه ابن حيان.
ومنهم:
стр. 319
١٤٤ - عمر بن عبد المجيد بن عمر الأزدي ثم الرّندي (١)
يكنى أبا علي. هو الفقيه الأستاذ العالم أبو علي الرندي، من أهل مالقة. تفنّن ﵀ في علوم النّحو والآداب، وشارك في غيرها من العلوم. وكان ﵀ موصوفا بذكاء وفطنة، معدودا في الجلّة من العلماء، عارفا برواية الحديث. قيّد كثيرا، وأخذ عن شيوخ جلّة كالأستاذ أبي زيد السّهيلي، والحافظ أبي عبد الله بن الفخّار، والأستاذ الكبير أبي محمد بن دحمان، وأبي بكر بن خير، وغيرهم. وله وضع على كتاب الجمل، ومسائل متفرقات في معان شتى في غاية من البراعة. وكان ﵀ كاتبا وشاعرا. أنشدني خالي رحمة الله عليه، قال: أنشدني أبو عمرو بن سالم لشيخنا العالم أبي علي الرندي ﵁ (٢): [بسيط] / ١٧٤ /
علمي بقلبي ما لانت قساوته … حتّى تصدّت له عيناك يا قاسي
بسحر عينكم (٣)، لم أستطع جلدا … فها أنا الآن من صبري على ياس
دع التّجنّي إنّني مغرم كلف … رهين وجد وأشواق ووسواس
لقد تناهت بي الأشواق فاشتعلت … نيران قلبي واذكت حرّ أنفاسي (٤)
لولاك لولاك لم أعرف هوى أبدا … فحبّكم في فؤادي ثابت راس
هذي أوائل أبياتي مخبّرة … باسم الذي حبّه روحي وإيناسي (٥)
ومنهم:
١٤٥ - عمر بن الشهيد (٦)
يكنى أبا حفص. كان ﵀ جليل المقدار، فقيها أديبا، كاتبا، شاعرا
стр. 320
مطبوعا. قال ابن أبي العباس فيه: كبير مالقة المعظّم في النفوس قدرا، واللاّئح في سماء الأدباء بدرا، والمستوجب في المحافل عند المذاكرة حمدا وشكرا.
ومن شعره في محبرة آبنوس: [كامل]
وكنانة من آبنوس نبلها … قصب تراش بأنمل الكتّاب
قد غشّيت طوق اللّجين كأنّها … ثلج سقيط فوق متن غراب
سبط أفاعيها تصيب بسهمها … وتكون ترياقا من الأوصاب
ولم أقف له على شعر سوى هذا ﵀ (١).
ومنهم:
١٤٦ - عمران الذّجّي (٢)
من أهل شريش. اجتاز على مالقة وأقام بها، ثم انصرف عنها. وكان ﵀ من الأدباء النبهاء. وقرأ من علم أصول الدّين وأصول الفقه. وكان شاعرا مطبوعا.
حدثني خالي رحمة الله عليه قال: حدثني أبو موسى الذّجي قال: سمعت يوما شعر الخفاجي، فرأيت فيه بيتا في صفة فرس، وهو (٣):
سبكته يد الطّبيعة نارا … فأسالت لجينه ونضاره
قال الذّجّي: فاستحسنته، وكرّرته في خاطري، وكنت ذلك الوقت انظر شيئا من علم أصول الدّين. فنمت تلك الليلة، فرأيت رجلا كنت أعتقد أنه أحد الخلفاء الأربعة ﵃. ثم كان يقوى وهمي على أنه علي بن أبي طالب ﵁، فكنت أقصده، وأبادر للسلام عليه، فيعرض عنّي، وكنت أخاف من ذلك، وأعرض له وألاطفه بالكلام، فيقول لي: كيف تنشد: «سبكته يد الطّبيعة»، هذا،
стр. 321
وأنت تقرأ علم الأصول. فكنت أقول: يا أمير المؤمنين، إنّما حمل الشّاعر على هذا، الوزن. فيقول لي: هذا وأنت شاعر /، فهلاّ قال: / ١٧٥ /
سبكته يد القدير اقتدارا
فكنت أقول له: هذا والله أحسن لما فيه من التّجنيس، وهو من البديع. فكان يقول: أحسنت. لا تنشده إلاّ هكذا، واستيقظت.
وله من قصيدة في وصف الخيل: [بسيط]
أعناقها قصب ماس النّشاط بها … لهنّ من ورق الرّيحان آذان
وله في صبيّ في يده مطيب نرجس: [بسيط]
وشادن جاء وفي كفّه … مطيّب من زهر النّرجس
فقلت للشّرب: هلال جلا … نور الثّريّا وسط المجلس
وله في صبي في كفّه نارنجة: [سريع]
وشادن جاء وفي كفّه … نارنجة يعبث في حسنها
هزّ بها راحته لاعبا … فقلت قد عادت إلى غصنها
فإن تكن أنمله قضبها … فأدمعي أغنته عن مزنها
ومنهم:
١٤٧ - عيسى بن عيّاش بن محمد القيني (١)
يعرف باسم أبيه، ويكنى أبا الأصبغ. كان ﵀ معدودا في العلماء، ومحسوبا من الأدباء، من جلّة فقهاء مالقة وأعلامها. كان مشارا إليه فيها، يتصرّف في فنون من المنقول والمعقول. وكان له في صنعة التّوثيق قدم راسخ، وإحكام أمن من النّاسخ. قرأ علم الأصول، وأقرأه، واشتغل به كثيرا. وكانت له أشعار وخطب.
وله تقييدات على مسائل شتّى كالسّرّ المكنون، في أنّ الحركة سكون، وغير ذلك.
وقد وصفه أبو الطّاهر فقال فيه: صنوه معروف، وأمله إلى الآخرة موصوف. بحث
стр. 322
عن العلم فنال، ونعم بذلك المنال. وله في الطريقة تصرّف، يقضي لمنكره له بالتّعرّف. وقد كان تهمّم بمعرفة المعقول، وشغل باله بكلام أهل العقول. وأمّا النحو فبضاعته، ومثل هذا لا يجب إهماله وإضاعته.
وكان أبو الأصبغ ﵀ من أهل الفضل والدين والورع. كان خطيبا بجامع مالقة وإماما به. قدّم للخطابة في عام اثنين وعشرين. وأوّل خطبة خطب في العيد، خطبة عيد الفطر من العام المذكور. وتوفي ﵀ في ساعة الأذان من يوم الجمعة ثالث شعبان المكرم، عام ثمانية وعشرين وستمائة. وصلّى عليه بعد العصر من اليوم الثاني على شفير قبره ﵀.
ومنهم:
١٤٨ - عقيل بن عطية المالقي (١)
يكنى أبا طالب. ليس من مالقة، لكنه أقام بها واستوطن. وكان بها يكتب المناكح على القاضي ابن يربوع. ثم إنه ولي قضاء غرناطة مدّة، ثم انتقل / عنها.
وولي / قضاء سجلماسة. وكان ﵀ من جلّة العلماء، مشاركا في كثير من العلوم، محقّقا فيها. وله كتاب سمّاه: تجريد المقال في موازنة الأفعال (٢)، يردّ فيه على الحميدي. وكان جليل المقدار ﵀ ونفعه. وذكره صاحب الخبر وكنّاه بأبي المجد، وقال: روى عن ابن خير.
ومنهم:
١٤٩ - عيسى بن سليمان بن عبد الله بن عبد الملك
ابن عبد الله بن (٣) محمد الرّعيني الرّندي
يكنى أبا محمد، ويعرف بالرّندي. كان ﵀ من جلّة المحدثين
стр. 323
والمسندين، عارفا بطرق الرواية، ضابطا متقنا متفننا. أخذ عن شيوخ جلة من أهل الأندلس كأبي الحجاج ابن الشيخ وغيره. وأكثر بالمشرق، فأخذ عن ابن قدامة المقدسي، وعن اسماعيل الشيباني الحنفي، وغيرهما (١). قرأنا عليه بمالقة كثيرا.
ووصل مالقة من ديار المشرق في أوائل عام أحد وثلاثين وستمائة. وكان مغيبه عن مالقة نحوا من ستة عشر عاما، حجّ، واستوطن بدمشق. وقرأ وسمع كثيرا، وأتى بفوائد جمة. وأوصل إجازات كثيرة من جلة من شيوخ البلاد العراقية والشامية نفعه الله بذلك. وكان في نهاية من الضّبط والثقة ومعرفة الرجال وصحّة الرواية، نفعه الله ونفع به بمنّه. وكان ﵀ قد قدّم بواسطة خالي رحمة الله عليهما للإمامة بالمسجد الجامع بمالقة، فمرض ﵀ قبل أن يصلّي فيه بالناس، واستمر مرضه إلى أن توفي في الثامن لربيع الأول من سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (٢).
ومنهم:
١٥٠ - عيشون الملقب بالخير
كان قد ملك ريّة لابن حفصون. فنزل عليه الأمير المنذر، وقاتله حتى عجز أهل ريّة مما حلّ بهم، فنبذوا إليه عيشونا، فوجّه به إلى قرطبة، وصلّب، وعن يمينه خنزير وعن يساره كلب، لأنّه كان يقول في نفاقه: إذا المنذر ظفر بي فليصلّبني بين خنزير وكلب. فوفّى له بما قال، والبلاء موكّل بالمنطق. ونسأل الله السلامة. ذكره ابن حيان.
ومنهم:
١٥١ - عياض بن محمد بن عياض اليحصبي (٣)
يكنى أبا الفضل، وهو حفيد الفقيه العالم العلم الأوحد الإمام أبي الفضل
стр. 324
عياض. وكان ﵀ من جلة الطلبة، مشارا إليه، معظّما عند الملوك، يفاخرون به في مجالسهم لطلبه وحسبه. وكان ﵀ (١) مهابا مقداما فصيح اللسان، عارفا بمقادير الناس، متواضعا فاضل الأخلاق، حسن المصاحبة، جميل العشرة، كثير الرجولية، متسرعا لقضاء الحوائج، فاضل الطبع، كثير الأدب. حدثني خالي رحمة الله عليه قال: لمّا تزوجت صنعت طعاما معدّا للعرس على جري العادة بين الناس.
قال: فلمّا كان في يوم الذّبح أكبرت الفقيه أبا الفضل على أن استدعيه لمثل ذلك اليوم. وكان في نفسي أن لا أستدعيه إلا في يوم الإطعام لكون يوم الذّبح إنّما هو يوم مهنة وتعب. قال: فبينما أنا جالس، وإذا الضّرب على الباب، ففتح، فإذا بالفقيه أبي الفضل، فدخل. قال: فعتب عليّ، وقال لي: ما كنت أظنّ منك هذا. أفلا استدعيتني حتى أكون أتصرّف في جملة من يتصرّف. قال: فخجلت منه، واعتذرت له، وقلت له: يا سيدي، ما منعني من هذا إلاّ كوني أجلّك عن مثل هذا. قال:
فقال لي: لا عليك، الموضع موضعي، سواء استدعيت أم لم تستدع. وهذا غاية في التواضع والفضيلة وصفاء النّفس.
نقلت من خط خالي رحمة الله عليه قال: حدثني الشيخ الفقيه الأجل أبو الفضل عياض أعزّه الله أنّ والده القاضي أبا عبد الله، كان مع أبي محمد التادلي، وكان قد أصابهما بعض اعتقال، فباتا ليلة (معا) (٢)، وصنع كلّ واحد منهما بيتين توافقا في معناهما، فأنشد التادلي لنفسه:
اصبر إذا ما أردت أمرا … فالصّبر مفتاح كلّ نجح
والهمّ ليل وكلّ ليل … لا بدّ أن ينجلي بصبح
وأنشد القاضي لنفسه:
من حيث يغلق باب أمر يفتح … والله أعلم بالذي هو أنجح
لا تيأسنّ من الظّلام لليلة … طالت عليك، فكلّ ليل يصبح
стр. 325
وحدث الفقيه أبو الفضل ﵀ أنّ والده دخل على بعض الملوك، فأنشد الملك بيتين صنعا له في هميان، وهما: [بسيط]
انظر إلى أبدع الألوان نظّمها … بنان بكر، فصاغت منه هميانا
ثمّ التوته على خصر لها هضم … فبات يحرس أردافا وأعكانا
فقال القاضي أبو عبد الله: البيت الأول لا يلتئم مع الثاني، فارتجل بيتا بينهما وهو:
بسحر ألفاظها رقّته نافثة … في عقد أخياطها فعاد ثعبانا
فالتأم المعنى بذلك.
حرف الغين
ومنهم:
١٥٢ - غانم بن وليد بن عبد الرحمن المخزومي (١) / ١٧٨ /
يكنى أبا محمد. وكان ﵀ من الحفاظ الجلّة المبرزين، عالما بطرق الرواية، عارفا بها. روى عن جملة شيوخ. كان جليل المقدار مشهور المعرفة والمكان، مشارا إليه، معظّما عند الملوك، مقرّبا لديهم، مع ما كان عليه ﵀ من الحفظ للآداب واللغة. وغلب عليه الأدب، وبه اشتهر. ووصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال فيه، حبر يعجز عن وصفه اللّسان، وبحر يحدّث عنه بلا حرج الإنسان، وبدر طلع بين ذوائب النّوائب في سماء الإحسان. إن نثر فأسبق في البيان من سحبان، أو نظم فأثبت في الإحسان من حسّان، وأعرق فيه من آل جفنة في غسّان، وأخلاق أرقّ من حاشية النّسيم، وشمائل أعطر من نفحات الرّوض الوسيم، ووقار بهزّة السّماح يسيم، على أنّه ما ناط التّمائم وخلعها، وأظهر المحاسن وأطلعها، واخترع البدائع ووضعها، إلاّ والفتنة (٢) قد سحبت ذيلها، وصدّت على
стр. 326
أنوار الهدنة ليلها. فلا فأل إلاّ غابر الكواكب، جهام المراكب، ولا علم إلاّ موطوء المناكب، مفلول المواكب. وقد اثبتّ من نظمه ونثره ما يستميل الأسماع، ويعمّر الجوانح والأضلاع.
من شعره ﵀ يصف روضة قد بلّل الندى أغصانها، وتفتّحت بالأنوار، فقال في ذلك (١): [كامل]
ضحك الزّمان بحسنه وبهائه … كالصّبّ يضحك بعد طول بكائه
وكأنّ إقبال الرّبيع بفصله … وصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنّما وادي العقاب عشيّة … مستمطر دمعي لجرية مائه
وكأنّ رشح الطّلّ في نور الرّبى … رشح الخدود بدا بنار حيائه
وله فيه أيضا: [سريع]
ما أحسن الزّهر إذا ما ابتسم … عن لؤلؤ الرّوض إذا ما انتظم
نمّ بسرّ الرّوض نوّاره … كعاشق باح بما قد كتم
لم يك عن قصد ولكنّه … أعوزه الصّبر عليه فنم
ودخل على بعض السلاطين فقام له وقرّب مجلسه منه، فقال (٢): [بسيط]
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة … سمّ الخياط مجال للمحبّين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة … فقلّما تسع الدّنيا بغيضين
وله يراجع الشاعر الحصري (٣): ما أفصح لسانك، وأفسح ميدانك، وأوضح بيانك، / ١٧٩ / وأرجح ميزانك، وأنور صباحك، وأزهر مصباحك. أيّها الفارط المتمهّل في ميدان النّبل، والسّابق المتطوّل بفضائل الذّكاء والفضل. أرحتني من صلّ الهمّ فازدهتني أريحية، وأرحتني من ظلّ الغمّ فلاحت لي شمس الأمنية، ممّا أطلعت عليّ، وأهدته مكارمك إليّ. فقلت: أعصر الشّباب رجع، أم كوكب السّعد طلع، أم
стр. 327
بارق الإقبال لمع. كلاّ والله إنّها لمكرمة مهدية، أهدتها نفس سنية، وهمّة علية. إن قلت: الوشي الصّنعاني فقد نقصتها، أو الدّيباج الخسرواني فقد بخستها. بل والله أرتني زهر الرّبيع في غير أوانه، وحسن الصّنيع على عدمه في أهل زمانه، ولمحت منه عقد لآلي، يبقى على آخر اللّيالي، فقلّدت ما قلّد الأوحد نظما ونثرا، والأمجد علما وفخرا.
وفي فصل منها: وجوزيت أفضل ما جوزي حرّ شريف المحتد، صحيح المعتقد، كريم المصدر والمورد، عمّن تكنفه بك شوائب النّسب، ويجمع شمله معك شمائل العصب. وقد اعتقدت ما به أشرت، وإياه اعتمدت، إذ لاح لي في أفق النقلة صباح، واستقلّ بي في طرق الرّحلة جناح. وكم ولّت سالمة النّوائب بانقباضي، ومداراة الدّنيا بتركي لأغراضها وإعراضي، فإذا الانقباض حصّلني في جملة القبض، والتّرك للأغراض قد جعلني للنّوب كالغرض، ولا سلاح إلاّ الدّعاء إلى الله تعالى في الصّلاح، ولا نجاح إلاّ التّمنّي لمن يقرّ ما عليك جناح.
وفي فصل منها أستغفر (الله) (١) فقد حمي صدري حتّى غلى مرجله، وضاق مجال فكري حتّى اتّسع في الشّكوى مقوله. ولو أنّي سلّمت لمواقع الأقدار، وعلمت أنّه ليس على القدر اختيار، ورضيت بما يأتي به اللّيل والنّهار، وتيقّنت أنّ خلق الزّمان عداوة الأحرار، لأرحت قلبا يتقلّب في جمر الأسى، وأذكرت لبّا قد نسي الاقتداء بالأسى.
ومن شعره:
صديقك من يرعاك في كلّ حالة … وإن تدعه للخير والشّرّ ساعدك
وليس الذي يوليك ظاهر ودّه … وإن تدعه كيما يساعد باعدك
فإن ظفرت يمناك في الدّهر مرّة … بعلق من الإخوان فاشدد به يدك
وله في النّهد: [متقارب]
حقاق من العاج قد ركّبت … على مثل صحن (٢) من المرمر
стр. 328
قلقن فأثبتن من فوقها (١) … بمثل مسامير من عنبر
وله أيضا: [متقارب]
كئيب ببابك مسترحم … ليشكو (٢) إليك جوى شجوه / ١٨٠ /
يقرّ بذنب ولم يجنه … ولكن لك الفضل في محوه
وقد ذاق من حبّكم مرّه … فهل من سبيل إلى حلوه
ومن شعره يصف ليلة أنس قد ولّت: [بسيط]
وليلة نسخت عندي محاسنها … ذنوب دهر يشوب الصّفو بالكدر
بتنا وباتت نجوم اللّيل طالعة … فينا فلم تبق من همّ ولم تذر
ونحن في روضة للهو يانعة … كئوسنا اللهو فيها موضع الزّهر
حتّى إذا ليلنا ولّت كتائبه … واقبلت غرّة الإصباح في الأثر
تشتّت الشّمل إلاّ أن يزورهم … طيف فهل أحد يعلو على القدر
يا ليلة حسنت عندي مواقعها … لا أكذب الله، لولا آفة القصر
وددت لو زاد لي في عمرها عمري … وزيد فيها سواد القلب والبصر
يا أعدل النّاس إلاّ في معاملتي … وأحسن النّاس في بدو وفي حضر
إن كان للنّيرين المستضا بهما … نسل فإنّكه لا شكّ فافتخر
ومن شعره: [سريع]
ثلاثة يجهل مقدارها … الأمن والصّحّة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرها … لو أنّه درّ وياقوت
وأدبه مشهور. وقد ذكرت له قطعة في باب علي (٣).
стр. 329
حرف القاف
ومنهم:
١٥٣ - قاسم بن سعدان بن ابراهيم (١)
أندى، من أهل ريّة، سكن قرطبة. يكنى أبا محمد. سمع من عبد الله بن يحيى، وطاهر بن عبد العزيز، ومحمد بن عمر بن لبابة، وأسلم بن عبد العزيز، وابن أبي تمام، وأحمد بن خالد، وابن أيمن، وعبد الله بن يونس، وعثمان بن عبد الرحمن، ومحمد بن قاسم، وقاسم بن أصبغ، والحسين بن سعد، وأحمد بن زياد، وأحمد بن محمد الحسني، وغيرهم. ورحل إلى محمد بن فطيس وسمع منه كثيرا. وكان ﵀ ضابطا لكتبه متقنا لروايته، حسن الخط جيد الضبط، عالما بالحديث بصيرا بالنحو والغريب والشعر. ولا أعلم أحدا بالأندلس أعنى بالكتاب عنايته. ولم يزل في نسخ ومقابلة إلى أن مات. ولم يحدّث. وحبّس كتبه، فكانت موقفة عند محمد ابن أبي دليم. وتوفي ﵀ ليلة الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. ذكره ابن الفرضي.
ومنهم:
١٥٤ - قاسم بن محمد بن قاسم الصدفي (٢) / ١٨١ /
﵀. من أهل شذونة. وكان ﵀ رجلا صالحا مقرئا ومعلما لكتاب الله تعالى، معنيا بالحديث. [أخذ] عن السهيلي وابن الفخار، وابن بونه، وابن حبيش، وابن حميد. اجتاز على مالقة في سنة تسع وعشرين وستمائة. وتوفي بعد ذلك بيسير.
ومنهم:
стр. 330
١٥٥ - القاسم بن عبد الرحمن بن دحمان الأنصاري (١)
يكنى أبا محمد، وهو المدعو بالأستاذ الكبير. أصله من وادي الحجارة، ثم انتقل أبوه منه بسبب النصارى إلى مدينة بلنسية، وولد الفقيه أبو محمد بها سنة خمس وثمانين وأربعمائة، ثم انتقل إلى مالقة إثر تغلب الروم على بلنسية. وكان الأستاذ أبو محمد هذا من جلة العلماء المقرئين حافظا ضابطا راوية ثقة من أهل الفضل والدين المتين. أخذ عن أبي علي بن يملى. قال شيخنا الفقيه المحدث الراوية أبو عبد الله البلنسي: أخبرني، يعني الأستاذ أبا محمد، أنه تلا بالسبع مع خمسين رواية عن نافع، وأربعين ومائة عن ابن كثير، على المقرئ أبي علي بن يملي. وأخذ أيضا عن أبي الحسين بن محمد بن الطراوة، وعن الأديب أبي عبد الله بن سليمان، وعن ابن الغمّاد. ومحلّه في العلم وشهرته تغني عن الإطالة فيه، والحمد لله. ذكره صاحب الخبر قال: هو من مالقة، أخذ عن ابن الوحيدي، وأبي بحر، وأبي عبد الله بن الحاج، وأبي القاسم بن ورد، وحفيد مكي، وغيرهم (٢).
حرف السين
ومنهم:
١٥٦ - سالم بن صالح الهمداني (٣)
يكنى أبا عمرو. وكان ﵀ من جلّة المحدثين والأدباء النبهاء حافظا للغات عالي الرواية كثير الضّبط والاتقان. أخذ عن أبي عبد الله بن زرقون، وأبي بكر بن الجد، وأبي محمد بن عبيد الله وأبي زيد السهيلي وأبي عبد الله بن الفخار، وغيرهم. وكان ﵀ أديبا شاعرا فاضلا لوذعيا متواضعا، حسن الصّحبة، جميل العشرة، حسن العقيدة، كثير العبرة عند ذكر النبي ﷺ ، كثير الخشوع عند سماع أخباره، نفعه الله بذلك بمنه.
ومن شعره يصف رمحا: [وافر]
أنا الرّمح المعدّ إلى النّوائب … فصاحبني تجدني خير صاحب
стр. 331
لئن فخر اليراع بكتب خطّ … فللخطّيّ فخر بالكتائب / ١٨٢ /
وله فيه: [رمل]
أنا في الشّيبة كالصّلّ الذّكر … طلت حتّى نبت عن ليل الذّكر
ثمّ من أغرب شيء أنّني … لم أطل إلاّ لتقصير العمر
وله فيه: [مخلع البسيط]
آمن من سطوة النّوائب … من جعل الرّمح خير صاحب
وبات في صحّة وأمن … لذيل برد الفخار ساحب
وله وقد وصل أبو علي بن أرقندال إلى منزله، ولم يكن حاضرا: [كامل]
أصبحت عن خطب الزّمان بمعزل … مذ زار بيتي نجل أرّاقندل
وتشرّفت تلك البقاع وأشرقت … بضياء غرّته وأخصب منزلي
وأعلى على أوج الزّمان محلّها … بأبي عليّ، فهي تنظر من عل
والتّرب مذ وطئته (١) أخمص نعله … أزرى شذاه بطيب عرف المندل
قد كان حقّي أن أزور محلّه … فأحلّ بالخضراء أمنع معقل
حيث التقى ماء الفرات بجدول … عذب، ويا شوقي لذاك الجدول
ذاك المحلّ أقيم فيه صبابة … من أجل هذا الأفضل بن الأفضل
زين النّديّ وقطب أرباب النّدى … عين الجزيرة والخطيب المقول
فالله يبقيه ويجمع شملنا … معه فنظفر بالنّعيم الأطول
ثمّ السّلام عليه ما هطل الحيا … وانهلّ صوب العارض المتهلّل
وله، وقد سيق زهر لأبي علي بن كسرى، فأعجبه، فقال أبو عمرو: [كامل]
يا مغرما بالزّهر، زهر جلالكم … أربى على زهر الرّياض وزادا
لو أستطيع جعلت ربعك كعبتي … وتخذت من تلك المكارم زادا
وله، وكتب بها إلى خالي: [بسيط]
стр. 332
يا من غدا بين أهل العلم كالعلم … أزلت بعض الذي أشكو من الألم
أعملت فكري يا من لا مثال له … في العلم والحلم والآداب والحكم
في قصّة أنت تدري سرّ ميسمها … جلوتها كجلاء البدر في الظّلم
أثبت خيرا، أبا عبد الإله، على … من بات يشكر ما أوليت من نعم
حتّى ثنى جيده بالجيد ملتفتا … إلى ربّ الجدا والجود والكرم
شخص السّماح ومعنى كلّ معلوة … من خصّ بالخلق المحمود والشّيم
وأكتب النّاس، إن هزّت يراعته … فيخفق السّيف إنّ الفضل للقلم
إذا وشى سطر خطّ فوق مهرقة … فالدّرّ ما بين منثور ومنتظم / ١٨٣ /
أقسمت أنّ المعالي في الورى قسم … حاز ابن مقلة فيها أبخس القسم
سما إلى الأفق الأعلى، فهمّته … ما همّها غير أن تسمو على الهمم
موفّر العرض، لكن وفر نائله … مقسّم في ذوي الإثراء والعدم
مرفّع القدر مشهور تواضعه … يسدي ويعطي ويرعى خالص الذّمم
فلذ بحرمته إن كنت مهتضما … تأمن كأنّك قد أصبحت في الحرم
إن جئته سائلا عن حاجة صعبت … في الحين تقضى ولم تبرح ولم ترم
وإن شكوت إليه جور مظلمة … لم يرقد اللّيل إشفاقا ولم ينم
فاردد جوابي فقد أصبحت في قلق … محالف الوجد والأشجان والسّقم
فأجابه خالي رحمة الله عليهما: [بسيط]
مالي يد بالذي أوليت من نعم … ولا أطيق حياتي شكرها بفمي
ولست أسطيع وصف بعضها أبدا … حتّى أؤلّف بين الماء والضّرم
صحيفة قد أتتني منك محكمة … كأنّها راحة تهدى إلى سقم
بدا بها عند ما عاينت أحرفها … لاحت كمسك على الكافور منتظم
شعر مصوغ من الشّعرى ومرزمها … ومن عقيق ومن درّ ومن حكم
شتّى، وألّفها السّحر الحلال به … كأنّ هاروت بين الفكر والقلم
كأنّما كوكب في كلّ قافية … ما أحسن الشّهب في الألفاظ والكلم
إن كان زهرا فمن يمناك منبته … وإنّما تنبت الأزهار بالدّيم
أو كان درّا فأنت البحر في أدب … وعادة البحر قذف الدّرّ للأمم
стр. 333
وافت بخطّ لو انّ الوشي أبصره … أقرّ بالفضل للأقلام في القدم
ومنها:
أكرم بمرسلها من ماجد ورع … حلو الشّمائل والأخلاق والشّيم
قد رقّ طبعا وقد راقت شمائله … فهو الوجود وكلّ النّاس كالعدم
ومنها:
وصاغه الله من فضل ومن أدب … حتّى اغتدى فوق أنف المجد كالشّمم
من آل سالم من قوم لهم حسب … يضيء كالبدر جلّى ليلة الظّلم
الحاملون علوم الدّين إن تركت … والحاكمون صروف الدّهر بالحكم
فلو رآهم زهير لانثنى لهم … بمدحه وتعدّى القول عن هرم / ١٨٤ /
فيا أبا عمرو الأعلى، نداء أخ … لم يرم في شكر ما أوليت بالسّأم
نوّهت باسمي في شعر بعثت به … حتّى رأيت الثّريّا فوقها قدمي
ألزمتني فيه حقّا لا أفارقه … عمري كما ألزم التّأكيد للقسم
لئن مدحت فلي قربى شرفت بها … ما إن يفي خاطري عن ذكرها بفمي
ومنها:
أرضعتني بلبان العلم مغتديا … به، فحسبي من قربى ومن رحم
بعثت لي ببنات الفكر محكمة … حرائرا، فلذا وجّهت بالخدم
وما قصدت، وحاشا، أن أماثلها … ومن يماثل بين السّيف والزّلم
وإن تكن صفة للشّعر تجمعها … فليس حمرة خدّ كاحمرار دم
ومن شعره وكتب إلى الفقيه الأستاذ أبي عبد الله (١) الاستجي: [طويل]
عدمت لذيذ العيش بعدك والكرى … وأشغلت قلبي لوعة وتذكّرا
وكم ليلة قد بتّ فيها مولّها … مخافة نفس أن تذوب تحسّرا
أقابل مسرى الرّيح من نحو أرضكم … فيحرمني برد النّسيم إذا سرى
لقد خاب ما أمّلت مذ سرت عنكم … ومن ركب الآمال لم يحمد السّرى
تنكّر لي دهري ولم يدر أنّني … عرفت جليّ الأمر لمّا تنكّرا
стр. 334
وأتحفني فكري فوائد جمّة … فما زدت إلاّ عبرة وتفكّرا
يقولون لي صبرا على البعد والنّوى … ومذ بنت عنّي ما رزقت تصبّرا
وممّا شجاني أنّني بتّ مغرما … بأزهر يحكي البدر حسنا ومنظرا
يؤرّق جفني منه غنج محاجر … تعدّ منام الجفن حجرا محجّرا
ولولا الذي أخشاه من جور حكمه … لحدّثتك الأمر الخفيّ كما جرى
وبحت بمكنون الضّمير إليكم … وأظهرت وجدا كان في القلب مضمرا
ولا بدّ من شكوى فتعذر مذنفا … حليف سقام، أو يموت فيعذرا
ومنها:
ولكنّه مذ لاح لام عذاره … تجنّى فلا يلوي على من تعذّرا
ومنها:
شراني ببخس وهو في الحسن يوسف … وما باعني إلاّ بأرخص ما اشترى
فيمسي إذا ما أظلم اللّيل، ظالمي … ويهجر إن صام النّهار وهجّرا (١)
ولا ذنب إلاّ أنّني بحت باسمه … ولا بدّ للمحزون من أن يتذكّرا / ١٨٥ /
فكن ناصري إن شئت في موقف الهوى … فحقّ لمثلي أن يعان وينصرا (٢)
ألست الذي تزهى به أرض ريّة … فريّا رباها فاح مسكا وعنبرا
ومنها:
ونحن بنو همدان والأصل واحد … نما فرعنا في المكرمات وأثمرا
ومنها:
ولولا حلول الشّيب كرّرت منشدا … «سما لك شوق بعد ما كان أقصرا (٣)»
فجاوبه الأستاذ أبو عبد الله بقصيدة منها:
بنفسي غزال لم يدع لي تصبّرا … وزدت خضوعا حين زاد تكبّرا
وما صغر المحبوب، لكن همومه، … على قلب من يهواه أعلى وأكبرا
ولو أنّ محبوبي تعذّر لم أخف … على الوصل يوما أن يرى قد تعذّرا
стр. 335
فيا واحد الأزمان علما ومنصبا … ويا شيخي الأعلى الأجلّ الموقّرا
تعال لكي نحتال في نيل مطلب … فندرك وصلا، «أو نموت فنعذرا»
وأنت حسام فيه للعلم جوهر … فكن لي على الدّهر الحسام المجوهرا
وهل حلية العشّاق إلاّ رغيبة … وقد بايعوا منك الأمير المؤمّرا
فهزّ رماح الخطّ وانشر بنوده … وقد من معانيك البديعة عسكرا
فإنّك منصور لدى موقف الهوى … فلم تعط جيش الشّعر إلاّ لتنصرا
وقصّر حياة العاذلين فكلّهم … وشى بجميع العاشقين وقصّرا
ومنها:
وجرّد على من كان أبيض أبيضا … وأشرع إلى من كان أسمر أسمرا
وقم بيننا في منبر العزّ خاطبا … فمثلك [حقّا] (١) من رقى اليوم منبرا
وعظ كلّ وسنان المدامع أزهر … ليضحى زمان الصّبّ وسنان أزهرا
فنقطف من تلك السّوالف سوسنا … ونرشف من تلك المراشف سكّرا
ومنها:
أعالمنا المشهور في كلّ بلدة … ومن لم يزل من حاجب الشّمس أشهرا
ومنها:
وليس مشيبا ما علاك، وإنّما … رياض المعالي فوق فوديك نوّرا
لك الله يا مولاي ذكّرت خاطري … بأشياء تشجي الصّبّ مهما تذكّرا
وسمّيت لي دهرا تصرّم وانقضى … وعيشا لدى الخضراء فينان أخضرا
زمان التقى البحران: علم ولجّة … فكنت به أصفى وأندى وأطهرا
ومنها:
وحقّك ما قصّرت في حقّ صاحب … ولكنّني لم ألق إلاّ مقصّرا / ١٨٦ /
إذا ما دنا منّي تصوّر ثعلبا … ومهما نأى عنّي تصوّر قسورا
وإن أنت عاينت التّذلّل من أخ … فلا تعتقد من ذاك إلاّ تجبّرا
فما من حياء تكتسي النّار حمرة … ولا من سقام معدن (٢) التّبر أصفرا
стр. 336
ومنها:
وخبّرني عن شاذن الرّيم أنّه … غدا صفو ماء الوصل منه مكدّرا
أمولاي أرسل سحر نظمك نحوه … فلم أر منه للبريّة أسحرا
ومنها:
لعلّ غزال الرّيف يكسب رأفة … فيهجر ذا عذل أساء وأهجرا
وهيّ من التّعنيس صنعة فاعل … يريك له في ساحة الصّدر مصدرا
ومنها:
أمولاي قد قلّدت جيدي قلادة … يباع بها درّ المعالي ويشترى
وأسكرني للحين فرط انطباعها … ولم أدر أنّ الشّعر يوجد مسكرا
ومن لي بأن أحكي الحميّا بحمأة … وآتي (١) بأمثال الثّريّا من الثّرى
وأوجب شيء حين يظهر نظمكم … لمثن (٢) بنظم الشّعر أن يتستّرا
وله أيضا (٣):
إلا هي قد عصينا منك (٤) ربّا … تعالى أن يقابل بالمعاصي
فكيف خلاصنا من هول يوم … تشيب لهوله سود النّواصي
وتوفي الفقيه أبو عمرو ﵀ يوم الاثنين لثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم عام عشرين وستمائة.
ومنهم:
١٥٧ - سليمان المعروف بابن الطراوة (٥)
يكنى أبا الحسن، وهو الفقيه المشهور بابن الطراوة. كان ﵀ إماما في صنعة العربية، عارفا بها محقّقا لها متصرفا في غيرها من العلوم، جليل المقدار،
стр. 337
معروف العلم. عنه أخذ الأستاذ أبو زيد السهيلي ﵀. وكان أبو الحسين هذا أديبا شاعرا. فمن شعره ﵀: [بسيط]
أعوذ بالله من حال يزيّن لي … بغض اللّسان وحبّ البغي والفندا
أيا فلان [كفى] (١) والله لو ظهرت … لك الحقائق ما نازعتها أبدا
ولو خلوت لحلواها ولذّتها … لما عدلت بها مالا ولا ولدا
الجدّ في الدّين نور يستضيء به … من لا يصرّ على عميائه حسدا
لكن دنا بأناس رين أفئدة … تحمّلوها فقد تاهت ذرى وندى / ١٨٧ /
لا يستفيقون حوطا في عواقبه … من الجهالة حتّى يوقدوا كمدا
فاربأ بنفسك لمّا كنت ناصحها … عن أن تموت صدى أو أن تعيش سدى
واكسب بدنياك علما تطمئنّ له … واذكر لأخراك خوفا أن تموت غدا
ولا تصخ لمقال السّوء تسمعه … وإن نطقت فحاول منطقا سددا
وللشّباب إذا عاشرتهم كرب … [له هموم] (٢) فكن عن جمعهم فردا
وله ﵀ في قوم خرجوا للاستسقاء، والنهار مغيّم، والرّذاذ ينزل. فلما برزوا للمصلّى، رجع الصّحو (٣): [كامل]
خرجوا ليستسقوا وقد نشأت … بحريّة يبدو لها رشح
حتّى إذا اصطفّوا لدعوتهم … وبدا لأعينهم بها نضح
كشف الغطاء إجابة لهم … فكأنّما خرجوا ليستصحوا
ومنهم:
١٥٨ - سليمان بن أحمد يعرف بكثير (٤)
اجتاز على مالقة وأقام بها مدة. وكان حافظا للأدب واللغات والتواريخ.
стр. 338
وكتب لبعض السادات. وكان شاعرا أديبا كاتبا لوذعيا، من أهل الذكاء والفطنة رحمة الله عليه. ومن شعره: [سريع]
يا قارئ الخطّ بلمس البنان … ينيبها اللّفظ مناب العيان
أشكل في غيرك هذا، ول … كن بان في فعلك كلّ البيان
ولو توارى شمته لاحظا … ما عاق ذاك اللّحظ عنه صوان
فكم تعرّي جننا نافدا … صدور ما بدا لكم من جنان
من لم يلاحظ بفهم يجز … عليك ما لم يره في الزّمان
يا من أتى (١) بوقعة ضارعت … من خارق العادة ما قبل كان
يا صورة بدعا أرتنا من ال … ـحسن فنونا لم تنلها الحسان
أرى لساني إذ يطول وقد (٢) … قصّر عن وصفك ذاك اللّسان
قابلني (٣) من بعد يأس من اللّـ … ـيل: هوى، بل ضمّني قرط بان
وقد قبلت اللّوم من لائم … فيك فهل لي من صدود أمان
ومنهم:
١٥٩ - سليمان بن داود بن عبد السلام بن عمثيل
يكنى أبا أيوب، من بيت حسب وجلالة وعلم وشرف الأصالة، معلوم المكان. وقد تقدّم / ١٨٨ / ذكر بعض أسلافه فيما مضى من الكتاب. وكان أبو أيوب من العلم والوجاهة، جليل المقدار، فقيها مشاورا. أخذ عن شيوخ جلّة وقيّد وروى. ومن أغرب ما نقلت من خط … (٤) قال: ألفيت بخطّ الفقيه الفاضل الأديب الكامل أبي محمد غانم بن وليد المخزومي، قال: وجدت بخط الفقيه الجليل أبي
стр. 339
أيوب سليمان بن داود بن عمثيل ﵁، رواية له عن بعض شيوخه، أنّ رجلا من الصالحين رأى يحيى بن أكثم القاضي ﵀ في المنام فقال له: ما فعل الله بك. قال أوقفني ربي ﵎ بين يديه، وقال لي: يا شيخ السّوء، لولا شيبتك لأحرقتك بالنّار. قال: فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه. فلما أفقت قلت: ما هكذا يا ربّ حدثت عنك. فقال ﵎: ما حدّثت عني، وهو أعلم بذلك. فقلت: حدّثني عبد الرزاق بن همام الصّنعاني، عن معمر بن راشد، عن محمد بن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، عن نبيّك محمد ﷺ ، عن جبريل، عنك يا عظيم، أنّك قلت: ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة فأعذّبه بالنّار. قال، فقال الله ﵎: صدق جبريل، وصدق نبيي محمد، وصدق أنس بن مالك، وصدق محمّد بن شهاب الزهري، وصدق معمر بن راشد، وصدق عبد الرزاق بن همام الصنعاني، أنا قلت ذلك، انطلقوا به إلى الجنة. قال يحيى: يا لها من فرحة.
جعلنا الله من أهل الجنّة بمنّه وكرمه.
ومنهم:
١٦٠ - سليمان بن عمثيل بن يحيى بن أحمد بن داود العاملي
يكنى أبا أيوب، من وجوه مالقة وذوي الشرف والأصالة فيها، قديم الحسب معلوم التعيّن، يرجع بيته إلى عاملة النازلين بريّة. وهو على ما ألفيت في بعض التعاليق: سليمان (١) بن داود بن عبد السلام بن عمثيل بن عكار بن قيدون بن شرف بن خزيمة بن زياد بن شمر بن بشر بن حي بن عوف بن مالك بن قاسط بن الزاهر بن عاملة بن سبأ الأكبر بن يشجب بن عابر بن قحطان بن يعرب بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو آدم الصغير ﷺ . وشمّر المذكور في هذا النسب هو الدّاخل (إلى) (٢) الأندلس. وكان أبو أيوب سليمان المتقدم الذكر، معدودا في طلبة مالقة ونبهائها. ولي القضاء بجهاتها مدة. وناب عن والده (٣) بمالقة أيام كونه
стр. 340
قاضيا بها، فساد ورأس. وعقبه بمالقة / ١٨٩ / إلى الآن. ومولده ﵀ يوم الجمعة في عام أربع وعشرين وخمسمائة.
ومنهم:
١٦١ - سليمان بن أحمد بن أبي غالب (١)
يكنى أبا داود ويشهر بالداني. قد تقدم ذكر والده. وكان أبو داود ﵀ من نبهاء طلبة مالقة وأدبائها. كان كاتبا بليغا وشاعرا مطبوعا. وكان في صغره من أجمل الناس. نقلت من خطّ شيخنا الأديب أبي عمرو بن سالم، أنشدنا صاحبنا الفقيه الأديب أبو جعفر أحمد بن محمد الأبّدي مما قاله ارتجالا، وقد مرّ به الفقيه أبو داود سليمان ابن (أبي) (٢) غالب، وكان مشتهرا بالجمال، صانه الله من العين، فمرّ به وقد لبس ثوبا أصفر وجعل عمامته بيضاء فقال: [مخلع البسيط]
قدّ قضيب من اللّجين … عليه ثوب من النّضار
أضاء كالبدر جنح ليل … وعمّم اللّيل بالنّهار
ومن شعر الفقيه أبي داود المذكور [كامل]
نكرت عطيّة وهي جدّ غريرة … أغباب كتبي في زمان بعادي
أحبب بها، ولها الوقاية لم أكن … لأصدّ عن مرضاتها بمرادي
ظلما تكلّف أن يحنّ على النّوى … من لم يرح عن أرضها بفؤادي
وله أيضا: [خفيف]
زرتها وهي كالغزالة حسنا … وأنا النّجم في سنا وارتفاع
آمنا أن يرى الوشاة مكاني … لاحقا بالنّجوم (٣) تحت الشّعاع
وله أيضا: [طويل]
стр. 341
تلوح على بعد المزار أميمة … لعين مشوق (١) لم تذق لذّة الغمض
كذا الشّمس تبدو للعيون منيرة … على بعد ما بين السّماوات والأرض
وله أيضا: [وافر]
ضننت (٢) فلو تزور رأت … فتى أودى به المرض
فقد قامت بجوهره (٣) … وقام بنفسه العرض
وله أيضا [متقارب]
مسحت على خدّها مسحة … فكادت تذوب لفرط الحياء
وقامت تلوذ بمرآتها … [فكانت] (٤) شبيهة شمس السّماء
كجؤذر قفر أصاب الصّدى … فأوما ليشرب من فضل ماء
وله أيضا: [سريع]
تاقت إلى زورة أوطانها … تشوّق الظّبي إلى المكنس
وأرسلت أجفانها عبرة … تفنى بها، وهي ندى الأنفس
فقمت لمّا أن بكت وحشة … لهاجس ريعت له مؤنس
ألتقط اللّؤلؤ من حجرها … ينهلّ فوق الوشي من نرجس ١٩٠ /
كأنّني قمت إلى روضة … ممطورة من أفق مشمس
وله أيضا: [سريع]
تطلّعت حوراء نوريّة … باطنها يلحظ من ظاهر
وقد بدا خال على نحرها … كأنّه من خدع السّاحر
(كأنّه إذ راقني عنبر) (٥) … دكّ على مسرجة الزّاهر
وإنّما الأسود من قلبها … بحيث لا يخفى على النّاظر
وله أيضا (٦): [وافر]
стр. 342
وقالوا هذه الشّيماء قامت … تفتّ المسك عن يقق الجبين
وللألباب من خدّي سليمى … دواع للمجون وللفتون
وما الخيلان أبصر من رآها … إذا ردّ الحديث إلى يقين
ولكن فوق صفحتها صقال … تشكّل (١) فيه أحداق العيون
وله أيضا (في غداة ذات ثلج ونار، ورقيق رمادها) (٢): [طويل]
وغدوة ثلج كاللّجين بياضها … طردت الأذى منها بنار كعسجد
يريك رقيق فوقها من رمادها … شفوف قناع فوق خدّ مورّد
وله أيضا (في شمعة) (٣) [متقارب]
وصفراء قائمة كالسّنان … لها لهب بالدّجا عابث
متى تطفئ الرّيح روح السّراج … ففيها لرمّته باعث
وله يرثي والده ﵀ (٤): [وافر]
خليلي لو ترى في حمص دفني … أبي لهجرت نومك والطّعاما
أواريه بستر من ضريح … كأنّي مغمد منه حساما
كأنّ محاجري ورثت يديه (٥) … عشيّة قمت أدفنه، غماما
وله أيضا فيه (٦): [كامل]
صلبوك لا كلفا بعيش فيهم … يبكي لفقدهم، ولا متأسّفا
يا من رأى بدر الدّجى لتمامه … عبثت به أيدي [الزّمان] تصرّفا
والشّرّ يظلم راحة لم تدر إلاّ … لاثما أو مرهفا أو مصحفا
стр. 343
عجبا لجذع قام يحمل كوكبا … وغمامتين وصدر علم نفنفا
ولقد نظرت إليه يوم تقلّه (١) … كالرّمح عوّض من سنان أرهفا (٢)،
لم يصلبوه فليس يصلب مثله … إن كنت تسمع ما أحدّث منصفا
جهد التّراب به ليستر شخصه … فإذا به قدّ كان منه ألطفا
وكأنّه رام اللّحاق بعالم العلو … الذي هو منهم (٣) فاستوقفا
وشجاه نوح الباكيات لفقده … فثوى هنالك رقّة وتعطّفا
وهي أكثر من هذا (٤). / ١٩١١ /
ومنهم:
١٦٢ - سفر بن عبيد الكلاعي
ويقال (٥) هو من الأنصار، وهو من الذين كانوا يحملون ألوية رسول الله ﷺ . وكانت قريته بقرب قرطبة على طريق قرطبة، وتعرف ببنيلة وكان من أهل ريّة، وإليه ينتسب الرمان السفري. وسببه أن عبد الرحمن بن معاوية الداخل بعث إلى أخته بالشّام أم الأصبغ عند ما استقرّ له ملك الأندلس أن تأتيه، فأبت، ووجّهت له بتحف، منها ذلك الرّمّان. فجمع عبد الرحمن أصحابه. فلما نظروا إليها حنّوا إلى الشّام وبكوا. فأخذ سفر من حبّ ذلك الرّمان وجعله في سبنية. فقال له عبد الرحمن: ما هذا؟ فقال له يا مولاي أغترسها في بلدي لعلها تعلق. فاغترسها فعلقت وكثرت في الأندلس، فنسبت إليه. ذكره ابن أبي الفياض، وابن مزين في تاريخهما. وقد وصف أحمد بن فرج الشاعر هذا الرّمّان في أبيات فقال (٦):
стр. 344
[متقارب]
ولابسة صدفا أحمرا … أتتك وقد ملئت جوهرا
كأنّك فاتح حقّ لطيف … تضمّن مرجانه الأحمرا
حبوبا كمثل لثات الحبيب … رضابا إذا شئت أو منظرا
وللسّفر تعزى وما سافرت … فتشكو النّوى أو تقاسي السّرى
بلى فارقت أيكها ناعما … لطيفا وأغصانها نضّرا
وجاءتك معتاضة إذ أتتك (١) … بأكرم من عودها عنصرا
بعود ترى فيه ماء النّدى … ويورق من قبل أن يثمرا
هديّة من لو غدت نفسه … هديّته، ظنّه قصّرا
ومنهم:
١٦٣ - سهل بن عثمان ابن أبي حبيب
من أهل سهيل من غرب مالقة. كان إمام المسجد المنسوب لبني أبي زيد.
وكان الحكم عند وصوله إلى مالقة قد وجّه أحمد بن فارس من عنده إلى سهل ليعرف مطلع الكوكب المسمّى سهيل، فوصل واستفهم عند سهل بن عثمان المذكور، وحسن بن محمد. فوصفا له وصفه، ووقت طلوعه. فرجع على أنه ليس ذلك الكوكب المعروف.
قلت: والمحققون لتلك الصنعة يزعمون أنه هو.
ومنهم:
١٦٤ - سعيد بن محمد بن سيد أبيه بن مسعود الأموي البلدي (٢)
من أهل بلدة، من عمل ريّة يكنى أبا عثمان. رحل إلى المشرق سنة خمسين وثلاثمائة، / ١٩٢ / وحجّ سنة إحدى وخمسين. ولقي أبا بكر الآجري وقرأ عليه جملة من تواليفه، وأبا الحسن محمد بن نافع الخزاعي وقرأ عليه فضائل الكعبة من تأليفه.
وأقام بمكة نحو العام وسمع بمصر من أبي بكر ابن أبي طيبة (٣)، والحسن بن
стр. 345
رشيق (١) ومحمد بن القاسم بن شعبان وحمزة بن محمد (٢) وغيرهم. وقال سكنت مصر نحوا من سبعة أعوام. ولقي بالقيروان علي بن مسرور، وأبا العباس بن تميم بن محمد وغيرهما. وكان رجلا صالحا متبتّلا متقشّفا يلبس الصّوف. وكان كثير الرباط والجهاد في الثغور. ومولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. ذكره ابن بشكوال.
стр. 346
حرف الشين
ومنهم:
١٦٥ - شاكر بن محمد بن الحسن بن محمد بن كامل الحضرمي (١)
يكنى أبا الحسين، ويعرف بابن الفخّار، وهو خال الأستاذ أبي بكر بن دحمان. وكان أبو الحسين ﵀ من جلّة الطلبة ونبهائهم، كان ذكيا لوذعيا عالي الهمّة شريف النفس كريما. وكان ﵀ أديبا شاعرا. كان كثير الصحبة لأبي علي بن كسرى. نقلت من خط الفقيه أبي عمرو بن سالم قال: حدثنا أبو الحسين، قال: حضرنا بقرية ذكوان، ومعنا الكاتب أبو علي بن كسرى (في) (٢) موضع على أحد الأنهار بها، وفيه حيتان تسبح فقطعنا مادة الماء عنه حتى نضب، وبقيت الحيتان دون ماء، ثم نزلنا في وسط ذلك النهر نشرب فيه، فما رأيت منظرا أبدع منه وكان معنا فتى جميل. فقال أبو علي بن كسرى:
شربنا مع الحيتان في يبس النّهر
فقال شاكر: وما كان يرجى ذاك في سالف الدّهر
فقال أبو علي بن كسرى:
وما نقلنا فيه سوى نبت شطّه … وما فرشنا فيه سوى الرّمل والصّخر
ولاحت به شمس النّدامى بريهة … فكان هو الثّاني لمنفلق البحر
قال شاكر: فقلت:
فكيف ترى إقلاع صبّ متيّم … أتاه الهوى من حيث يدري ولا يدري
стр. 347
قال أبو عمرو: وسألت ابن كسرى عن قوله «فكان هو الثاني لمنفلق البحر»، فقال: الموضع الذي انفلق فيه البحر لموسى بن عمران ﵇، لم تطلع عليه الشمس أكثر من تلك الساعة. وهذا الموضع لم يظهر فيه ذلك الفتى أكثر من الساعة، وكأنه الشمس في حسنه. قال أبو عمرو: ومررنا في هذه السفرة مع أبي الحسين المذكور، ومعنا صاحبنا أبو شهاب المشعلاني، فأخذ في يده نوارا كان معنا، وقال: ليقل كلّ واحد منكم فيه / فقال / ١٩٣ / أبو شهاب:
لنورك يا خابور بوركت منّة … على الصّحب لا تفنى على قدم الدّهر
فقال أبو الحسين شاكر:
ظفرت بلثم من بنان معذّبي … فجئت (١) ذكيّ النّشر منتخب العطر
قال أبو عمرو: فقلت أنا:
سرت لك من أنفاسه طيب نكهة … فجرّر بها أذيال فخر على الزّهر
ونقلت من خط خالي ﵀ عليه، قال: أنشدني الأستاذ أبو بكر بن دحمان لخاله الوزير أبي الحسين شاكر، يعني المتقدم الذكر، فقال: [طويل]
أبت همّتي تعلو معالي آمالي … فيسلو هواها القلب حالا على حال
إذا قلت هذا صاحب قد رضيته … بدا منه بغض في صفات وأفعال
فأبت لحال أكّد النّفي نعتها … وفي آل عبّاس عطفت على الحال
ففيهم فتى أروى أوامي بعد ما … عمدت زمانا أمتري وضح الآل
لقد آن أن يبكي على الحقّ أهله … وأن تمترى أخلاق حزن وأوجال
وأنشدني خالي رحمة الله عليه، قال أنشدني الأستاذ أبو بكر بن دحمان ليوسف بن حمدان اليهودي لعنه الله، وذكر أنه كتب بها إلى خاله أبي الحسين شاكر بن الفخار: [بسيط]
أبا الحسين أتاكم يشتكي ظمأ … ضيف عليل غدت في الرّاح راحته
فابعث إليه بها صهباء ناريّة … تلتفّ منها بنور الشّمس راحته
فقال أبو الحسين أبياتا أوّلها:
стр. 348
أتاك نضو طليح (الجسم مهتضم) (١) … فما تماسك أن رثّت ملاحته
شهم أبرّ على الأقران ملتمسا … قرنا مشيحا بما تفي إشاحته
قال الأستاذ أبو بكر (٢) بن دحمان: وبعد هذين البيتين أبيات يدعوه فيها إلى الإسلام، وأن يجيبه على هذه القافية، خرجت عنّي. وآخرها:
وأيّ عذر لمن يضيع فكرته … تلتفّ منها بنور الشّمس راحته
وأدبه ﵀ كثير. قال أبو عمرو: كان حسن العشرة، ممتع الحديث، كثير الكفّ عن إذاية الناس. وتوفي بإشبيلية. وكان قد حمل مكبولا مع من حمل من مالقة عند كائنة الجزيري لعنه الله. فمنّ الله عليهم وأبرأهم من تلك الكائنة. فأصابه لذلك وهم. وكان سبب موته في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة.
ومنهم:
١٦٦ - شهيد بن محمد بن شهيد المضري (٣) / ١٩٤ /
يكنى أبا الحسن، وهو من بيت حسب وعلم. وأصله من سرقسطة. وكان والده عالما من أعلام غرناطة، مشارا إليه فيها. وكان أبو الحسن هذا معتنيا بصنعة العمل. تولّى خطة الإشراف غير مرّة. وله تأليف سماه بالمرشد، جمع فيه فنونا من علم الحساب والفرائض وصنعة الزمام، ومساحة الأرض من علم الفلك. وهو كتاب لم يوضع في فنّه مثله فيما أعلم. وأبو الحسن هذا [هو] جدّ الحاج أبي بكر بن زنّون وإخوته لأمهم. وكان موصوفا بدين وكرم. قال صاحبنا الفقيه الأجلّ أبو بكر ابن الفقيه الأستاذ أبي محمد القرطبي. حدّثني خالي أبو بكر بن زنّون أن أبا الحسن كان يذكر خطته ويرى ما حرمه من مرتبة أسلافه، فيبكي ويقول: أراد أبي أن أكون عالما، فكنت ظالما.
ولم يكن ﵀ موصوفا بظلم، وإنما كان يقول ذلك استصغارا لنفسه، وخوفا، ﵀. وتوفي في حدود السبعين وخمسمائة.
стр. 349
حرف الهاء
ومنهم:
١٦٧ - هشام بن عبد الله بن أصبغ بن أحمد ابن أبي العباس
يكنى أبا الوليد، وهو جدّ الفقيه الأديب أبي العباس أصبغ. وكان ﵀ جليل المقدار، فقيها نبيها حسيبا، كاتبا بليغا شاعرا مجيدا. وصفه حفيده في كتابه فقال فيه: ناظم ناثر، وحامل علوم ومآثر، وخطيب محافل ومنابر. فرعت رواسي البدائع قدمه، وأزرى بآيات الشّمس فهمه، وقصّر بوشيج السّمّر قلمه. كتب يوما إلى القاضي ابن أدهم يشفع في شخص أن يجعله إمام البادية:
يا سيدي الأعلى وعلقي الأغلى ومعضدي الأوفى، لا زال جانبك يحاط ويعفى، ويكلأ ويكفى، الفقيه أبو محمد الذّكواني، دعاه إليكم من وطنه قدر يستفزّ ويستخفّ، وأمل يندّ (١) ويرفّ، وأيكة لعلّ غضارتها لا تجفّ. وهذا أمر لله مقدوره، واقفا عليه أن يتمّ صدوره. وقد أرشده الرّواد إليك، وعقدت آماله (٢) عليك. وطريقته نزيهة، ومكانته بالتّصاون وجيهة. ولعلّه يصادف كرامة منجد، وإمامة مسجد، فيحطّ الرّحل ويلقي عصا التّسيار، ويستند إلى كرم الجوار، ويستبدل جيرانا بجوار (٣)، ودارا بدار. لا زلت تعقد أملا، وتكشف وجلا، وتجمع أشتات البرّ كمّلا، إن شاء الله تعالى والسّلام.
ومن شعره يمدح باديس بن حبوس: [وافر]
стр. 350
تمسّك أيّها المولى بحزم … فأنت الحارس البطل النّجيد
وصل بالله صبرك تلق خيرا … فغبّ الصّبر مغتبط حميد / ١٩٥ /
وكم من معشر قلّوا دفاعا … وما جبنوا وإن كثر العديد
ومنها:
بعيد أن يحلّ الله عقدا … تملّك فيه للدّنيا عقود
مظفّر دولة برضاه قامت … (به) (١) الدّنيا ونحن بها قعود
رأى حقّ الخلافة جدّ حقّ … فأقبل من رضاها يستزيد
وكان لها قديما سيف نصر … تقدّ من الكماة به القدود
ومنها:
يرون الموت في الهيجا حياة … كأنّ فناءهم فيها خلود
دنا باديس منها في جنود … ملائكة السّماء له جنود
أتى في غير يوم العيد فينا … فكان لنا بذاك اليوم عيد
فأعلنت الطّبول به ثناء … وماجت في مفاخره البنود
لملكك في بلقّين حسام … حديد الحدّ ردّ به الحسود
كذاك بنو مناد منذ كانوا … سيوف ليس تحملها الغمود
حللت محلّ مالقة بسعد … تحلّ به الضّغائن والحقود
فأحييت النّفوس به بفضل … به شكر المهيمن يستزيد
ليهنك يا مظفّر نيل ملك … حباك ببرّه البرّ الودود
فلا عريت منه ودمت فينا … تبيد الحادثات ولا تبيد
وشعره ﵀ كثير، وأدبه مشهور. وسأذكر له قطعة في باب يحيى (٢) إن شاء الله.
ومنهم:
стр. 351
١٦٨ - هشام بن فلان الدعي
هو الذي ادّعى أنه هشام المؤيد أمير المؤمنين. وتسمّى هشام الدّعيّ، المؤيّد.
وكان سبب ذلك خفاء أمير المؤمنين بقرطبة، فإنّه لما قام عليه ابن عمه محمد بن عبد الجبّار المتلقب بالمهدي، ورأى أن الأمر قد تمّ له بقرطبة وأن الخلافة باسمه، وكان المؤيّد معه في القصر، أخرجه وأسكنه في دار الحسن بن يحيى، وأظهر للناس ميتا يقال إنه كان نصرانيا، وكان يشبه المؤيّد هشاما، ومات النّصراني، فمثّله للنّاس وموّه عليهم، وأدخل الوزراء وأهل الخدمة عليه فلم يشكّوا أنّه المؤيّد. فغسل وكفّن، وصلّى عليه. ثم إنّه أظهره بعد ذلك حين غلب سليمان بن الحكم، ودخل قرطبة وقتل هشاما المؤيّد على ما ذكره ابن حيّان وصحّحه. / ١٩٦ /
وقال ابن أبي الفياض وغيره: إنه لم يقتله وإنّ الفتيان الذين شهدوا لعليّ بن حمّود بموته، إنّما كان ذلك خوفا منه، حتّى إنّ عبد الرّحمن المقرئ، وكان من شيوخ قرطبة، قال: كنت حاضرا، فلمّا رأيتهم قد صحّحوا موت المؤيّد، خرجت باكيا، فلقيني الفتى الذي شهد بذلك، فقال لي: وما يبكيك؟ فقلت: موت المؤيّد.
فقال لي: والله إنّه لحيّ، وإني لأعلم الناس بحياته وبحيث هو، وإنما شهدت بما رأيت خوفا على نفسي. هكذا ذكر ابن أبي الفياض وصحّحه.
فعند ذلك ظهر هشام الذي ادّعى أنّه المؤيّد، ونزل بمالقة، ومنها انتقل إلى المرية. وكان نزوله في سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
قال المظفّري في كتابه: إنّ خيران العامريّ بينما هو في المرية، إذ أتاه قوم فقالوا له: هشام المؤيّد أقبل من المشرق، وهو برابطة عمر. وأعلم بصفته وحاله، فأعطاه شيئا، وأخرجه من بلده. ومشى إلى غافق. فلما أجمع ابن عبّاد على خلع طاعة العلويين، أرسل عنه القاضي وأدخله القصر وبايعه أهل البلد قال ابن حمادة في تاريخه: إنّما كانت مخاطبة يحيى المعتلي باديس بن حبوس، والبرزالي، لما بلغه أنّهم بايعوا الدّعي الذي ادّعى أنّه المؤيّد هشام.
قال: وقال ابن أبي الفياض: ظهر هشام بألمرية في يوم الاثنين لسبع خلون من
стр. 352
رمضان المعظّم سنة خمس وعشرين وأربعمائة، في أيام زهير بن محمد العامريّ، حين موت خيران. وهو الصحيح. فأخرجه زهير في البحر سنة ستّ وعشرين.
وبويع له بقرطبة خوفا من يحيى بن عليّ أن لا يرجع إليهم. فبايعوا هشاما الدّعيّ إلى أن خلعوه بالجامع. هكذا ذكره ابن حمادة في تاريخه، وصحّحه.
قلت: وهشام هذا قد اضطربت أقوال المؤرّخين فيه، والصحيح عندي أنه الدّعيّ على ما يتبيّن بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما ابن أبي الفياض فإنّما صحّح أنه المؤيّد أمير المؤمنين هشام لأنه قال في ترجمته في كتابه: ذكر خلافة المؤيّد بالله هشام بإشبيلية بالدّولة الثّانية. فهذا يدلّ على أنه ليس عنده (هو) (١) الدّعيّ. وقال:
بويع بقرطبة بعد أن وصلت كتبه إليها، وأخذت له البيعة فيها، وصحّح أنه كان بالمشرق. وقال في كتابه: وبقي هشام بقلعة رباح، وخرج عنها إلى اشبيلية. وأجمع بنو عبّاد مع القاضي محمد بن اسماعيل على القيام به والإحياء لدولته. فهذا يدلّ على تصحيحه أنه المؤيّد هشام، وليس بالدّعيّ.
وقد صحّح ابن حمادة وغيره من المؤرّخين أنّه هشام الدّعيّ / وأنه هو الذي بايعه ابن عبّاد / ١٩٧ / وقد ذكر ابن حيّان أنّ سليمان بن الحكم قتل المؤيّد أمير المؤمنين، فلا يصحّ أن يكون الذي قام به ابن عباد إلاّ هشام الدّعيّ.
وعلى قول المظفّري إنّ خيران هو الذي أخرجه، لا يصحّ أيضا أن يكون المؤيّد، لأنّ خيران كان أحبّ الناس في المؤيد بالله، وأرغبهم في دولته والقيام بأمره. وعلى ذلك خالف على ابن حمّود، وكان بينهما ما ذكره أهل التاريخ، إذ لم يجد خيران المؤيد في القصر، وكان كثيرا (ما) (٢) يسأل عنه، وعقد الولاية لعليّ بن حمّود على طاعة المؤيّد. وكان يدعو بعد فقده في المنابر باسمه على ما ذكر هشام في تاريخه وغيره. فكيف كان يجده ويخرجه عنه، مع طلبه له، وحبّه فيه وفي دولته. فإنّما صحّ عنده، أنّه الدّعيّ.
стр. 353
وكان الدّعيّ أشبه الناس بالمؤيّد بالله. وحدّثني بعض من أثق به، أنه رأى في أحد التواريخ، أنّ هشاما الدّعيّ لما وصل إلى المرية دخل في فندق بها، فرآه الناس فقالوا: هذا أمير المؤمنين المؤيد، للشّبه الذي كان بينهما، فسألوه، فقال: إنما أنا هشام مالقي. فتأوّلوا ذلك وقالوا: إنّما أراد: هشام ما لقي، أي ما لقي من قومه وما فعلوه به، فقوي عندهم أنه المؤيّد. فلما رأى خيران ذلك أخرجه عن المرية، لعلمه أنه ليس بالمؤيّد. قلت: وممّا يقوّي أنه الدّعيّ أنّ المؤرخين قد ذكروا أنّ المؤيد بالله بويع سنة ستّ وخمسين وثلاثمائة، وهو ابن عشرين سنة وثلاثة أشهر، وقيل: عشرة أشهر. وأنه مات وهو ابن ستّ وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وقيل عشرة أيام أو ثلاثة عشر يوما. فهذا يقتضي أن تكون وفاته سنة اثنين وأربعمائة أو نحوها. وهشام الذي بايعه القاضي ابن عبّاد سنة ست وثلاثين وأربعمائة، فكيف يصحّ أن يكون المؤيّد بالله أمير المؤمنين.
قال بعض المؤرخين: من أشنع ما كان في أيام بني حمّود أربعة خلفاء في مسيرة ثلاثة أيام، كلّهم يسمّى بأمير المؤمنين، ويخطب لهم بها في زمن واحد، وهم: المدّعي أنه هشام المؤيّد بإشبيلية يخطب له ابن عبّاد، ومحمّد بن القاسم بن حمود بالجزيرة، ومحمد بن ادريس بن علي بمالقة، وإدريس بن يحيى بمبشتر.
وكانت وفاة الدّعيّ في نحو عام سبعة وثلاثين وأربعمائة.
стр. 354
حرف الياء
ومنهم:
١٦٩ - يحيى بن علي بن حمّود بن ادريس العلوي
يسمى بالمعتلي. خاطبه البربر عند فرار عمّه القاسم من قرطبة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، / ١٩٨ / فوصل إلى قرطبة غرة جمادى الأولى يوم الاثنين من عام اثني عشر. ثم إنه خرج في عام أربعة عشر إلى الجزيرة الخضراء فدخلها غدوة. ولما دخل قرطبة أساء إلى البربر، وخرج منها إلى مالقة، وخاطبوا بعد خروجه القاسم، فرجع إليهم إلى أن قاموا على عبد الله بن عبد الرحمن الناصر سنة ست عشرة، وانصرفت الدولة للعلويين، فخاطبوا يحيى بن علي المذكور. وفيه يقول ادريس بن اليماني الشاعر: [خفيف]
قيل لي أنت أشعر النّاس طرّا … بالمقالات والكلام البدية
فعلا ما تركت مدحك يحيى … والخصال التي تجمّعن فيه
قلت لا أكتفي بمدح إمام … كان جبريل صاحبا لأبيه
وكان أشجع بني حمّود وأكرمهم وأجملهم. ثم إنّ أهل قرطبة تخاذلوا عليه، فأطلق النّار في القصر، فاشتعلت فيه ثلاثة أيّام، ولم يعد بعد لما كان. وانصرف إلى مالقة، وأقام عمه القاسم بها. وفي سنة ست وعشرين خاطب باديس بن حبوس الصنهاجي وعبد الله بن محمد البرزاليّ بالوصول إليه، فاعتذرا له، فنهض إلى قرمونة، ففرّ عبد الله أمامه، ودخل هو قرمونة. فقال له البربر: هذا رجل قد فرّ إلى اشبيلية، وهي لا تدخل إلاّ بالحصار، فلتجلس حتّى تنقضي الصّائفة وتنزل عليها.
فقال لهم: أمّا أنا فلا أبرح حتّى يفتح الله فيها. لكن انصرفوا وأنا مقيم حتى
стр. 355
ترجعوا. فلمّا انصرفوا خاطب بعض رجال يحيى لأبي عبد الله، وقالوا له إنّه في نفر قليل. فأكثر من الضّرب عليه حتّى ينصرف عنك. فخرج أبو عبد الله واسماعيل ابن القاضي محمد بن عبّاد، فضربوا على قرمونة، وكان يحيى يشرب، فسمع الحركة، فقال ما هذا، قيل له: خيل طرقت من ابن عبّاد، فقال: جاءت الغنم للجازر. فرّبوا الفرس. فكلّما راموا إمساكه بسبب سكره، لم يقدروا. فخرج والكمائن معدّة لأخذه، ففرّوا من أمامه، وتبعهم. فلمّا بعد، انقضّت الخيل عليه، فرأى ما لا طاقة له به، فقاتل حتّى أثخنته الجراح، فوقع عن الفرس، وقطع رأسه، وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة. ذكره ابن حمادة في تاريخه، وجمع قصّته.
ومنهم:
١٧٠ - يحيى بن ..... (١)
ومما قيد عن أبي زيد الفازازي ﵀ قال: أنشدني صاحبنا الفقيه الأجلّ القاضي أبو إسحاق بن القصير أكرمه الله، قال: أنشدني الفقيه الكاتب أبو زيد (٢) لنفسه بيتا في الغيرة وهو:
أغار عليك من غيري ومنّي … ومنك ومن مكانك والزّمان / ١٩٩ /
حدثني ﵀، قال: حدثنا الشيخ الزاهد أبو عمران بحمص، قال أنشدنا أبو إسحاق بن حبيش، قال (٣): كنت قاعدا مع القاضي أبي بكر بن العربي في يوم جمعة بعد خروج الإمام للصلاة فإذا بفتى من أبناء الروم قد سلّم وبيده شمعة وعقد.
فلما رآه القاضي أبو بكر أنشد سريعا من قوله ﵀: [سريع]
وشمعة تحملها شمعة … يكاد يطفئ نوره نورها
لولا نهى نفسي نهى غيّها … لقبّلته وأتت عارها