← Тараджим

Тараджим · id 14757

أعلام مالقة

ابن عسكر

Полный текст (378 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وطاب بنا طيب الغواني وطيبه … فيقضي على امرارنا بالنّمائم وحيث مهاها والظّباء أوانس … ولا مرشف إلاّ متاح للآثم ولا حقف إلاّ ما تقلّ روادف … ولا غصن إلاّ من قدود نواعم ولا منزه إلاّ غناء وقرقف … يقوم بها وسنان حلو المباسم كأنّ اصفرار الزّهر بين ابيضاضه … دنانير حفّتهنّ أيدي الدّراهم كأنّ صفا أمواهه تحت آسه … صقال سيوف تحت خضر العمائم / .... (١) وأعمل أخفاف المطيّ لرتبة … تريني قرن الشّمس تحت المناسم إلى الغاية القصوى إلى الملك الذي … تذلّ له صيد الملوك الخضارم إلى ذي الأيادي الغرّ والمنن التي … وسائلها مقروءة كالتّراجم تقبّل أطراف البساط جلالة … وقد صغرت في كمّه والبراجم وتعنو له قسرا فرادى وتوأما … (٢) بإذعان جبّار ورغم مراغم بمعتمد نامت عيون قريرة … وردّت على الأعقاب سود المظالم يخوض الوغى والخيل والبيض تلتظي … (٣) بسمر العوالي والنّسور القشاعم ومنها: وهوب مهيب فهو يرضي ويتّقي … كذلك أخلاق الملوك الأعاظم ولمّا انثنت نفسي إليك محبّة … رفضت ملوك الأرض رفض المحارم ولذت بمولى باسمه أنا عائذ … من الخطب، واستعصمت منه بعاصم إليك ابن عبّاد زففت عروسها … فدونكها كالدّرّ في سلك ناظم وهل أنا إلاّ عبدك القنّ عاقه … زمان فلم ينهضه عن جدّ عازم لعلّ له عطفا يديل عناية … بعتبى وإن طالت منامة نائم وله فصل من رسالة كتب بها إلى أبي المطرف بن أبي الهيثم المالقي يهنيه

стр. 72

بخطة القضاء: وهل كان ذلك القطر إلاّ مفرقا دون تاج، ومنارة بغير سراج. فالآن قد استصبح سناه، واتّضح لفظه ومعناه. ولست أهنّئه بالقضاء خطّة، ولا أعتدّها له غبطة. ولكن أهنّى بها من تجري عليه قضاياه وأحكامه، وتدور عليه دولته وأيّامه. فمثله من عرف بما قلّد، ووفّق في أموره وسدّد. فالزّهد أيسر شعاره، والورع أدنى دثاره. فلله ذلك المجد ما أشرق صفحاته، وذلك الرّوض ما أعبق نفحاته. وله يجاوب الكاتب أبا محمد البزلياني (١) المالقي: [طويل] تأمّلت ما أهديته متفضّلا … فخلت الذي تهديه درّا مفصّلا إذا قسته بالدّرّ في حال نقده … وحقّقت فيه كان أغلى وأكملا معان تريك السّحر لفظا ورقّة … كما يستبيك اللّفظ أوّل أوّلا (٢) بخط بديع زانه الوشي زينة … ينسّيك من وشّى الرّبيع المفضّلا أقمت به في ذروة المجد همّتي … وحمّلتني عبئا من المجد مثقلا وهي طويلة. وله ﵀: [بسيط] اربع بربع الذي تسليك أربعه … حتّى يصيف مصيف ثمّ مربعه واغن بمغنى الذي تغنيك غنّته … عن الأغاني، غناء الشّوق يطبعه واحلل بمورد رحب حلّه حرم … حليت منه، فصرف الدّهر يمنعه القدّ منه قضيب ماس فوق نقا … ريح الصّبا، إن (٣) مشى خطوا، تزعزعه ولحظه بابليّ سحره حور … في كلّ قلب له نفث يولّعه والجيد جيد غزال قد رنا جزعا … إذ مسّه ليث عرنين يروّعه ظبي تكامل فيه الدّلّ فهو طلى … كما تكامل فيه الحسن أجمعه لاحت عشاء على خدّيه شمس ضحى … فعنّ لي يوسفيّ الحسن يوشعه

стр. 73

أستودع الله من لم ألتمحه ضحى … يوم الفراق ولم أقدر أودّعه بدر الكمال الذي في القلب مسكنه … وإن نأى بي، فبالأردان (١) مطلعه ما خلت يوم النّوى أنّي أعيش غدا … لكنّ حيني لم يصرعه مصرعه عاينت يونس في التّشبيه حين بدا … «لا تعذليه فإنّ العذل يولعه» (٢) ومنهم: ٤ - محمد بن عبيد بن حسين بن عيسى الكلبي (٣) هو القاضي أبو عبد الله بن حسون. من أهل مالقة. كان فاضلا خيرا من أهل العلم والفقه. ولي قضاء غرناطة. له بيت منيف. ولعشيرته وأهله نباهة. وله تأليف حسن في الزهد، سماه كتاب المونس (٤). وهو موجود بأيدي الناس نفعه الله به. وتوفي (سنة تسع عشرة وخمسمائة) (٥). ومنهم: ٥ - محمد بن سليمان بن أحمد النفزي (٦) المعروف بابن أخت غانم، يكنى أبا عبد الله. من أهل مالقة ومن شيوخها الجلة أهل الأدب والرواية والثقة. روى كثيرا من كتب الأدب وغيرها. وعمر واشتهر ورحل الناس إليه من كل بلد وسكن قرطبة مدة وأقرأ بها. وكان لا يأخذ أجرا على القراءة. معظم قراءته على خاله الأديب أبي محمد غانم / بن وليد المالقي، وعنه يحمل معظم كتب الأدب واللغات. وكان محققا فيها وذاكرا لها.

стр. 74

روى عنه الأئمة المشاهير كأبي الفضل عياض بن موسى بن عياض، وأبي القاسم ابن بشكوال، وأبي عبد الله بن معمر، وغيرهم ممن يطول ذكرهم. وذكره القاضي أبو الفضل في رجاله فقال: كان شيخا مسنا من شيوخ أهل الأدب والنحو والرواية وجمع الكتب. وأخذ الناس عنه هذين العلمين كثيرا، ودرسهما غيره بغير أجر. سمع منه كتب الحديث والغريب، وحمل عنه جلة من المشايخ والنبلاء لعلو سنه (١) ومعرفته، وكان أكثر أخذه عن خاله الأديب أبي محمد غانم بن وليد. وسمع أيضا من القاضي أبي بكر بن صاحب الأحباس، وأبي العباس الدلائي، والقاضي أبي إسحاق بن وردون والقاضي أبي الوليد الوقشي، والفقيه أبي المطرف الشعبي، والقاضي أبي بكر السمنتاني، وأبي محمد حجاج بن قاسم الماموني السبتي وجماعة غيرهم. وذكره أيضا أبو القاسم بن بشكوال بنحو ذلك. وتوفي أبو عبد الله بمالقة في سنة خمس وعشرين وخمسمائة. ومولده سنة سبع وثلاثين وأربعمائة. ومنهم: ٦ - محمد بن عبد الرحمن بن سيد بن معمر المذحجي (٢) من أهل مالقة يكنى أبا عبد الله من أهل العلم والفضل والورع. بنى المسجد المنسوب إليه أنفق فيه مالا جما. وهو من أعظم المساجد بناء، ولم يجعل فيه شيئا يسمى باسم حيوان نحو الكلب، وعرّاس. بل صنع ذلك على غير شكل الكلب تورّعا منه. قال أبو القاسم بن بشكوال، وقد ذكره: روى عن أبي المطرف الشعبي، وأبي عبد الله بن خليفة القاضي. وسمع بقرطبة من أبي بكر المصحفي، وأبي عبد الله بن فرج، وأبي مروان بن سراج، وأبي علي الغساني، وغيرهم. وكان من أهل العلم والفضل والدين والعفاف والتصاون. أخذ الناس عنه، وأجاز لنا ما رواه بخطه. وتوفي ﵀ بمالقة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. انتهى ما ذكره ابن بشكوال.

стр. 75

وحدث عن أبي عبد الله ﵀ الإمام أبو زيد السهيلي، والحافظ أبو عبد الله بن الفخار، وغيرهما من أهل مالقة، وغيرهم. وآخر من حدث عنه بمالقة الخطيب أبو كامل تمام بن الحسين (١) رحمه الله تعالى. /. ومنهم: ٧ - محمد بن الحسن بن كامل الحضرمي (٢) المعروف بابن الفخار. ويعرف بها، وبصاحب نصف الربص. كان من أعيان مالقة وجلّتها وكاتبا بليغا وشاعرا مطبوعا. وانتهى من كثرة المال وسعة الحال إلى ما لم يصل إليه غيره. وذكره الفتح في كتاب القلائد ووصفه وأثبت له شعرا حسنا. وكانت بينه وبين بني حسون منازعة. فخرج فارا عن مالقة خوفا منهم. قال أبو العباس أصبغ في كتابه: فأجلسوا عليه الرصائد وضيقوا عليه الوصائد، حتى سيق إليهم، وهو مصفّد في الحديد، يرثي له القريب والبعيد. فلم يزل يستعطفهم من السّجن. فمن ذلك ما أنشدني أبو بكر بن دحمان ﵀ لأبي عبد الله المذكور، وهو جده لأمه، هذه القصيدة: [طويل] أريد بأن ألقاك في دارك التي … بها أمن الخوّاف من نوب الدّهر فيمنعني عضّ الحديد وكالح … إذا رمت باب السّجن يدفع في الصّدر يقول تجلّد للحديد وعضه (٣) … ومن ذا الذي يعطى التّجلّد في الأسر فرش لي جناحي، واجبر العظم إنّه … مهيض، وأنت المرء تعرف بالجبر وإنّي عليها ما حييت لشاكر … كما عرفت في المحل عارفة القطر ومن ذلك قوله: [كامل] أنت الكريم وقد ملكت فأسجح … واغفر فقد عظمت ذنوبي واصفح لا تلتفت، غشّ الولاة كنصحهم … فالكاشحون غشاشهم بتنصّح يا حاميا سرج السيادة ممرعا … بالله عجّل إن رأيت تسرّحي

стр. 76

واعلم بأنّي للعوارف شاكر … كالهيم تشكر عارفات الأمنح أشفقت من عضّ الحديد، وروعه … في الصّدر لم يذهب ولم يتزحزح ومن ذلك قوله: [بسيط] ويحسبون بأنّ الدّهر غيّركم … والظّن أكذب. أين الفضل والكرم يا حافظ العهد، إن خان الرّجال به … ألم تكن بيننا فيما مضى ذمم وإن توقّف عطف أو جفا كرم … فالطّرف يكبو، وينبو الصّارم الخذم أبا عليّ، وخير القول أصدقه … دع ما تجيء به الظّنّات والتّهم تسيء بي الظن والرحمن يشهد لي … أني بحبلك بعد الله أعتصم / من غيّر الودّ ما بيني وبينكم … تغيّرت عنده الأرزاق والنّعم فلا تطاوع أناسا في صدورهم … مع الحسادة نار الحقد تضطرم من أجل نكسي يرى أنّ الصّلاح به … أن يظهر الشّرّ مثل الموج يلتطم فاخفض جناحا وخذ بالعفو ما ظلموا … لا زلت تعفو، ومن عاداك تنتقم إذا أصابت من الأيّام حادثة … فأنت نور لديه تنجلي الظّلم وإن غدوت خفيف الجسم ضامره … فالذّابلات إليها تجنح البهم الخيل تسبق إن كانت مضمّرة … والسّهم ينحت والصّمصام والقلم فلا تمكّن سفيها من إرادته … فيصبح الرّأس تعلو فوقه القدم شاور أخاك ودع بعض الورى همجا … أمّا الذّئاب فما ترعى بها الغنم واشدد يديك بمن صحّت مودّته … فليس يدبغ جلد مسّه حلم وقد دعوت إلى إصلاح فاسده … وما بأذنك عن أمثالها صمم وسقت بيتا جرى في دهرنا مثلا … والشّعر فيه ترى الأمثال والحكم «يا أعدل النّاس إلاّ في معاملتي … فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم» (١) قال أبو العباس أصبغ ﵀: هذه القصيدة كانت سبب عفوهم عنه، والله يغفر للجميع.

стр. 77

ومن شعره رحمه الله تعالى يرثي القاضي أبا مروان عبيد الله بن حسّون (١) ويعزي ابنيه أبا علي، وأبا عبد الله: [بسيط] أمّا الدّموع فمنها الواكف السّرب … وفي الضّلوع ضرام الحزن يلتهب ما كان هلك أبي مروان عندهم … إلاّ الكسوف به الأعيان تنقلب صارت له نيّرات العين مظلمة … وعاد كالصّاب في أفواهنا الطّرب في كلّ واد وناد من عشائرنا … انتابه الجدّ لمّا مات، واللّعب كنّا به من خطوب الدّهر في حرم … والأمن تلحفنا أبراده القشب وكان رأس المعالي ساميا صعدا … فطؤطئ الرّأس واستعلى به الذّنب يا هضبة هدّ ركن المجد هدّتها … (٢) وحدّه فلّ لمّا فلّت الحسب أقول فيك الذي يعزى لفاطمة … والقلب حرّان من فرط الهوى يجب «قد كان بعدك أنباء وهينمة … لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب» (٣) العلم والحلم والتّقوى وهمّته … في العدل والبذل، ثمّ الرّأي والأدب ما ضيّع الله قوما أنت جارهم … أبا عليّ وإن طافوا وإن طلبوا والسّهل يصعب مهما كنت راكبه … فلا تهزّنّك الأهوال والرّعب وقد حننت أبا عبد الإله لكم … كما تحنّ لك الأقلام والكتب وما اليراع إذا أصبحت تعمله (٤) … إلاّ تذلّ له الهنديّة القضب تدنو وتبعد والمنّات عالية … كالطّرف يوجد فيه الجري والخبب وإن حجبت زمانا عن زيارتكم … فالشّمس شمس وإن كانت لها حجب قلبي سنان تشقّ الصّخر حدّته … ومقولي صارم في متنه شطب ولي وفاء لو أنّ الأرض تعهده … ما دلّ فيها لفرع النّبعة الغرب

стр. 78

أبى لي الله إلاّ أن يفضّلني … على أناس وإن ذمّوا وإن جلبوا (١) وكلّ قول، إذا ما كان مدحكم … وإن أضيف إلى الإسهاب مقتضب وإن غدا الجسم في ترب فليس لنا … إلاّ الدّعاء بأن تهمي له السّحب فنعّم الله حتّى الحشر أعظمه … وحام فوق ثراه المزن ينسكب ومن شعره ﵀ يرثي القاضي أبا عبد الله بن خليفة المذكور: [طويل] أقضّت (٢) على القوم الكرام المضاجع … وفضّت جموع بعده ومدامع وأصبحت العليا يراع فؤادها … وحقّ لها أن تعتريها الرّوائع ألا إنّما الدّنيا غداة فراقه … ككفّ أبين الخمس منها الأصابع وكلّ كريم بعده هاله الأسى … وأصبح قد سدّت عليه المطالع شهاب هوى، فالعلم أسود حالك … ونجم خوى، فالخير أغبر شاسع وطرف كبا، والطّرف لم يك عاثرا … وسيف نبا، والسّيف أبيض قاطع فيا لدموع العين غيضت من البكا … ويا لحصاة القلب هنّ الصّوادع وهي طويلة. وكتب إلى أبي الحسن بن معمر (٣)، وكان صديقا له (٤): [طويل] إلى كم يجدّ الحرّ (٥) والدّهر يلعب … ويبعد عنه الأمن والخوف يقرب وهل نافعي إن كنت سيفا مصمّما … إذا لم يكن يلقى (٦) بحدّيّ مضرب أبيّتهم واللّيل كالنّقس (٧) أسود … وأهجمهم والصّبح كالطّرس أشهب / فلا أنا عمّا رمت من ذاك مقصر … ولا خيل عزمي للمقادير تغلب أبا حسن سائل لمن شهد الوغى … لئن كنت لم أصبح أهشّ وأطرب

стр. 79

وأعتنق الأبطال حتّى كأنّما … يعانقني عنهم من البيض ربرب وفي كلّ باب قد ولجت لكيدهم … ولكن أمور ليس تقضى فتصعب فيا أسفا كم قد (١) أبيت بذلّة … وسيفي ضجيعي، والجواد مقرّب وكتب معرّضا لأهل بلده: [بسيط] لو صحّ عقلك أعط النّفس قدوتها (٢) … ولم تكن منبئا بالحقد والحسد أمّا الخليط فقد حلّوا بأرضهم … وأنت وسط الفيافي من بني أسد يا من أتاه معمّى ليس يفهمه … إنّ النّسيجة من أرائك الفسد أهون بخطب امرئ حلّت بضاعته … من النّميمة في أسواقها الكسد الدّين يضرب عنّا من يعاندنا … ضربا يزايل (٣) بين الرّأس والجسد وهل يطيق دفاعا عن جوانبه … من حبله موثق في الجيد من مسد ما للوحيديّ ذنب في سيادته … إن كنت في جملة الغوغاء لم تسد ورأى يوما ابنا لأحد إخوانه في بطالة فقال ينهاه: [وافر] فديتك أرعني سمعا فإنّي … نظمت لك النّصيحة في نظام ولا يوحشك عتب من محبّ … فإنّ الطّبّ يذهب بالسّقام وإنّ العلم تدرسه صغيرا … كمثل النّقش ثبّت في الرّخام أبوك أبوك دينا لا يبارى … وجدّك علمه كالبحر طام وعمّك لم يزل مذ كان يسمو … إلى العلياء بالهمم السّوامي وأنت فتى كمثل النّجم لكن … يعزّ عليّ كونك في ظلام وكان جالسا عند القاضي أبي علي بن حسون بمالقة في مجلس أحكامه، وقد حضر جملة من أعيان مالقة، فجاءه رجل فأخبره أن قوما يعرفون ببني العصيري من قرية يرفة، وتعرف الآن برذلفة. وبنو العصيري بها الآن. فأخبروه أنهم سيّبوا مواشيهم على غراس وزرع كان له بالقرية المذكورة أو قريبا منها. فتناول إضبارة وكتب فيها: /: [كامل]

стр. 80

يا ذا الذي بجماله وكماله … ردّ القلوب النّافرات أوانسا بقر العصيري بقرية يرفة … رتعت فآذت غارسا أو دارسا وله رعاة من بنيه خمسة … أخنوا على شجري فأصبح يابسا ودفعها للقاضي، فأمر بهم، فأحضرهم وسجنهم، واشتد عليهم. وكلفه القاضي ابن حسون أن يذيل له هذا البيت، وأنشده له: [وافر] أترضى أن تطير بريش عزّ … ومن يهواك مقصوص الجناح فقال مرتجلا: [وافر] إذا هاجت من الأيّام حرب … فإنّ جميل رأيكم سلاحي وإن مالت إلى الرّاحات نفسي … فذكرك جنّتي وهواك راحي وقد أصبحت أنشد بيت شعر … يلوح الغدر فيه كالصّباح أترضى أن تطير بريش عزّ … ومن يهواك مقصوص الجناح ومن كتبه ﵀ ما كتب به في حق أحد أصهاره: المفاتحة أعزك الله خوض غمار، وضرب قمار، وقد ألأم الشعب، وأرأب الصعب. لكن تنشأ أزمات، وتطرأ لمن لا يرد من القرابات (١) عزمات، يوضع لها الخد، ويركب فيها الجد ويترك الأهون ويؤخذ الأشد. وإني اقتضبت هذه الحروف من خطوب تنوب، وحوادث مضلات لا تئوب، وكأني أنحتها من حجارة الأزارق، وأستنزلها من خلب البوارق، وأسألها عود الشباب المفارق، ورد الليالي الحالكة على المفارق. فناهيك بها عسرة وإضافة، وافتقارا إلى عطائك وفاقة، وحسرة لا ترجو منها الخواطر إفاقة. وفلان كر على القف، ولا يعرف ما في الخف، قد ركب لجاجته، ولم ير ما حيلة إلاّ حاجته. ولولا ولاء صادق حثّه، وثناء عاطر بثّه، وشهادة في محاسنك استحفظها، ونبذ من محامدك نبذها إليّ ولفظها، استحقّ بها مني إحمادا، واستوجب لمكانها اعتدادا واعتمادا، إلى ما اعترف به من إكمال ناظر، واهتبال خاطر، عمّه فضلها، وعمره طولها - ما تمكن لي كتب حرف، ولا تنسّمت (٢) من إجهاض الحوادث بعرف. والله يشكر إجمالك، ويحمد إخلالك، ويبلغك في الدارين آمالك بمنّه /.

стр. 81

وكتب معزيا: أطال الله بقاء السيد المفدى والكريم الأعز الأهدى، وجلاله مأثور، وأجره موفور ومذخور. تأبى الأيام أدام الله عزتك إلا أن تفجع بساداتها، وتجري من اخترامهم على عاداتها (١). فالحازم من استسر الحوادث قبل أن تحل، وهانت عليه من حيث شملت الكل. وإن مصابك بفلان وإن كان أجل رزء دهمك وأولاه بأن يتقسمك، فمن حقك أن تلهى عن مصابك بالصبر الجميل عن أوصابك. فقد علمت أن الحزن ما نفع ولا أجدى، ولا استرد في الدهر سؤددا فقد ولا مجدا. فإن كان شأن هذا الحادث شمولا، وكل على تلك الأعواد محمولا، فما لنا لا نبكي أنفسنا وهي أحب، أو نرجع فيمن فقدنا إلى ما أراده الرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون عليها مصيبة قدحت ورزية فدحت. وقد يعلم الله أني ساهمتك مساهمة فؤادك، وأخذت من رزئك (٢) ما أخذت من ودادك. وإني لأتذمّم من دهر يعوق، ولا تقضى معه الحقوق، فكان من واجب مرزيتك، أن أعمل قدمي إلى تعزيتك. لكن الذنب للأيام لا لي، وحسبك اليوم ما لك قبلي. وكتب في حق المعروف بالزريزير، وكان رجلا حسن الإنشاد يرد على النبهاء فيخفّ عليهم. ولكتاب العصر فيه كتب مشهورة. منها ما كتب به أبو عبد الله المذكور وهو (٣): يسقط الطير حيث ينتثر الح … ـب وتغشى منازل الكرماء لما كنت أعزك الله روضة في الأدب طيبة الماء والعشب، وغدوت دوحة في المجد، مورقة بالتهمم مثمرة بالجد. أو شكت طيور الثناء (أن تنشر) (٤) عليك قلاعا (٥)، وحامت عصافير الرجاء عليك عطاشا وجياعا، فوجدت بثراك الحب النثير، والماء العذب النمير، فشربت والتقطت وانتفضت وترنّمت. ولم ترع بصرصرة الصّقور حين غدت في الماء النمير. فهي مائلة على طيّ الأجنحة، مثنية عليك بالألسنة المفصحة. قد جعلت أرائكها قصب الأراك، وبسطت درانيكها فلم تقتنص بأيدي الفخوخ والأشراك، تتغنى من الطّرب، وتتناشد بمخضرّة القصب:

стр. 82

فيا لك من قبّرة بمعمر (١) … خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقّري ما شئت أن تنقري ولما قطع الآن إليك منها زريزير، له أبدا بالثناء عليك صفير، قصّ جناحه. فهو نحوك حاذف، وحسن صباحه، فكلّ قلب عليه عاطف؛ رجوت أن تعيده وافر الجناح، صافرا / يذكرك في الغدوّ والرّواح. وكلامه ﵀ كثير. وتوفي بمالقة في شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. ومنهم: ٨ - محمد بن عبد الله بن فطيس (٢) يكنى أبا عبد الله من أهل مالقة كان طبيبا ماهرا وأديبا شاعرا. وكان في أيام بني حسون، يخفّ عليهم ويلج عندهم. وله فيهم أمداح كثيرة. يحكى أنه دخل يوما على القاضي أبي مروان بن حسون بعد انقطاع عن زيارته، فعتبه القاضي على انقطاعه، فاعتذر له، ثم أنشد (٣): [مخلع البسيط] يا حاملا من علاه تاجا … ومن سنا وجهه سراجا لو كان زوري عديل ودّي … لكنت من بابك الرّتاجا إن لم يعرّج عليك شخصي … نفسي (٤) وروحي عليك عاجا ومن شعره رحمه الله تعالى: [منسرح] يا نازح الدار، نائي البلد … وخالدا في الفؤاد والخلد إن قدّر الله بالتقائك بي … لا عدت في البين آخر الأبد وله رحمه الله تعالى: [وافر] أيا سرب القطا سربي مروع … ومن والاه قد والى انتزاحا

стр. 83

وبي ظمأ إلى لقياه برح … فهل فيكنّ باذلة جناحا ومن ذلك قوله: [بسيط] قالوا به صفرة عابت محاسنه … فقلت: ما ذاكم عيب (١) به نزلا عيناه تطلب من أوتار من قتلت … فليس تلقاه إلاّ خائفا وجلا وفرّ عن مالقة لأمور طلب فيها، فاضطر في غربته إلى بيع ثياب ظهره، فقال: [طويل] لعمرك إن بيعت وفي دار غربة … ثيابي أن ضاقت عليّ المشاكل فما أنا إلاّ السّيف يأكل غمده … له حلية من نفسه وهو عاطل وله رحمه الله تعالى: [كامل] يا من تبسّم عن جواهر بارق … اهد السّلام لمستهام وامق تأبى عليّ برشف ريقك مرّة … أولست أحيانا له كالباصق / إن كنت لا تهدي السّلام لعلّة … فاهد السّلام مع الخيال الطّارق فلعلّ طيفك أن يزيل بريهة … نار الغرام عن الفؤاد الخافق وله رحمه الله تعالى: [وافر] لقاؤكم الذي جلب الفراقا … لقاءكم يشقّي (٢)، بل أشاقا وكان محبّبا أبدا لنفسي … عناقهم فكرّه لي العناقا مضوا وبقيت أسبح في دموعي … بنار الشّوق أحترق احتراقا فلو أنّي ظفرت بشخص بين … لكنت أذيقه ممّا أذاقا وله رحمه الله تعالى: [متقارب] ولمّا رأيتك أوليتني … قبيحا وأوليت غيري جميلا تسلّيت عنكم رويدا رويدا … فربّ (٣) السّلوّ قليلا قليلا

стр. 84

وله رحمه الله تعالى: [بسيط] ليت الرّياح التي هبّت من أرضكم … لنحونا خبّرتكم بالذي أجد أما علمتم بأنّ النّار في كبدي … وأنّ جمر الغضا من حرّها تقد لله طلعتك الغرّاء لو طلعت … للعاشقين بآفاق الورى، سجدوا ولو توضّح ذاك البسم واكتحلت … جفونهم من عمى الهجران، ما رمدوا وله رحمه الله تعالى: [مخلع البسيط] هل لك أن تونس المشوقا … فكلّ وجد إليه سيقا يمسي من الحبّ في غرام … يصبح في دمعه غريقا تضنيه حوراء ذات دلّ … كأنّ في ثغرها رحيقا يمنعه خوف كلّ واش … أن يلثم الدّرّ والعقيقا فليس إلاّ العيون رسل … ترسل من طيفها (١) طروقا أخذت نفسي على هواها … فقال لي القلب: لن أفيقا فرّج لمن يرتضيك ركنا … إن كنت تعتدّه صديقا وشعره ﵀ كثير. وتوفي … (٢). ومنهم: ٩ - محمد بن الحسن بن عبد العظيم / (٣) يكنى أبا عبد الله جليل من جلة مالقة وفقهائها ونبهائها وكبرائها ومن ذوي بيوتها النبيهة. كان في أيام القاضي أبي علي بن حسون أيام كونه قاضيا بمالقة. ومن أعجب ما اتفق له معه أن أهل مالقة تألبوا على ابن حسون، ووقعت بينهم وبينه منازعة (٤)، فاتفقوا على الرفع به ليزال عنهم. فخرجوا عن مالقة شاكين به، وخرج معهم ابن عبد العظيم. فأعلم القاضي بحديثهم، فجعل معهم من يتطلع عليهم

стр. 85

ويستمع مقالهم من حيث لا يشعر به أحد منهم. فكان ذلك الشخص يعرفه من كل مسافة حلوا فيها بما فعلوا. فكان ابن حسون لا يخفى عليه من أمرهم شيء. فلما كان في بعض الطريق أخرجوا حوتا وأخذوا يحاولون أمر الغداء. فبينما هم كذلك أخذوا يقعون في ابن حسون وأسلافه وينسبون القبائح إليهم. فقال لهم ابن عبد العظيم: أما شتمكم لابن حسون فأوافقكم عليه، فإنه عدوي وضرني. وأما أسلافه فما فعلوا لنا ذنبا، فبأي وجه نتطرق إليهم. والله لا كان هذا بمحضري أبدا. فامتنعوا عن الوقوع في سلفه بسبب ابن عبد العظيم. فكتب ذلك الشخص يعرف ابن حسون بذلك، فسره وشكر لابن عبد العظيم قوله. فلم يكن إلا عن قريب ووصل كتاب لابن حسون بأن يفعل بالشاكين به ما رأى، فوصلهم الخبر، وتفرقوا في البلاد. فخرج ابن عبد العظيم إلى إشبيلية وأقام بها حتى أدركته وحشته إلى أهله ووطنه. فعزم على الخروج إلى مالقة. فبينما هو داخل على البحر (إلى مالقة وقد) (١) لبس ثيابا غلفا من حيث لا يشعر به، أخبر القاضي ابن حسون بوصوله. فخرج فلقيه في الطريق. فكلما عمد ابن حسون إليه تنحى عن الطريق خوفا منه. فما زال به حتى ضمه إلى موضع لم يمكنه الخروج عنه وقال له: أين تذهب، أو لست فلانا. فلم يمكنه إلا أن سلم عليه، وقال له: سر في عافية. فمشى ابن عبد العظيم إلى داره. وبقي يترقب أمر ابن حسون فيه. فلما جن الليل وإذا بالضرب على باب ابن عبد العظيم. فخرج، فقيل له: ابن حسون يستدعيك. فسقط في يده. ورجع، فودع أهله وسار إليه. فلما دخل عليه قام إليه ابن حسون ورحب به وآنسه بالكلام، وجعل يقول له: سرتم في خروجكم من موضع كذا، وقلتم فيه كذا، وابن عبد العظيم يتعجب من ذلك، إلى أن قال له: ويوم أكلتم الحوت، أخذ أصحابك في سبّ سلفي والوقوع في أبوي، فمنعتهم. أكذلك كان؟ قال: نعم. فقال له القاضي: فجزاك الله خيرا، وشكرك على فعلك. مثلك من يفعل هذا. وترامى عليه يقبّل رأسه ويقول له: بررت / أبويّ، فو الله لا زلت أبرّك ما دمت حيا. ورفع بساطه وأخرج له مائة دينار، وثيايا رفيعة، ومطية عظيمة. وقال له: خذ هذا، ولتلازم مجلسي في كل يوم. فذهب ابن عبد العظيم إلى داره مسرورا. فكان القاضي بعد ذلك لا يقطع في أمر من الأمور إلا بعد مشاورته. وعظمت منزلة ابن عبد العظيم، وفخم ذكره. وبقي كذلك إلى أن توفي ﵀ (في حدود الأربعين وخمسمائة) (٢).

стр. 86

ومنهم: ١٠ - محمد بن سماك العاملي (١) يكنى أبا عبد الله جليل القدر شريف النسب. ولي قضاء مالقة. وكان له بها عقب. ثم انتقل إلى غرناطة. وعقبه بها في شرف ونباهة إلى الآن. وبمالقة بعض عقبه. وكان قديما من أهل مالقة، وبها كان أسلافه. ثم وقعت بينه وبين بني حسون منازعة فخرج بسببهم فارا إلى غرناطة. ثم سار إلى مراكش في أول أمر الموحدين فسكن بها. ومنها ولي قضاء مالقة. ومنهم: ١١ - محمد بن غالب الرصافي (٢) أبو عبد الله فحل الشعراء ورئيس الأدباء. أصله من بلنسية، واستوطن مالقة واتخذها دار إقامة إلى أن توفي بها ﵀ يوم الثلاثاء التاسع عشر لشهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وكان ﵀ ساكنا وقورا ذا سمت وعقل. وكان رفاء يعمل بيده، ويقصده رؤساء الكتاب والشعراء يأخذون عنه ويسمعون منه. وحدثني الفقيه أبو عمرو بن سالم ﵀ ومن خطه نقلت. قال: حدثني الوزير الحسيب أبو الحسين شاكر ابن الفقيه الأديب أبي عبد الله بن الفخار المالقي ﵀، قال: ما رأيت في عمري رجلا أحسن سمتا وأطول صمتا من أبي عبد الله الرصافي (٣). وحدثني صاحبنا الفقيه أبو عبد الله بن عمار الكاتب بمحضر الأديب أبي علي بن كسرى، قال: كان الفقيه أبو عبد الله الرصافي من أعقل الناس وكان رفاء، فما سمع له أحد من جيرانه كلمة في أحد. وكان بإزائه أبو جعفر البلنسي، وكان رحمه

стр. 87

الله متوقد الخاطر، فربما تكلم مع أحد التجار، فكانت منه هفوة فيقول له: شتان بينك وبين أبي عبد الله في العقل والصمت. وربما طالبه بأشياء ليجاوبه عليها، فما يزيد على الضحك. فلما كان في أحد الأيام جاء ليفتح دكانه، فتعمد أن ألقى الغلق من يده، فوقعت على رأس أبي عبد الله وهو مقبل على شغله، فسال / دمه فما زاد على أن قام ومسح الدم، ثم ربط رأسه وعاد إلى شغله. فلما رأى ذلك منه أبو جعفر المذكور ترامى عليه وجعل يقبل يديه، ويقول: والله ما سمعت برجل أصبر ولا أعقل منك. والله لقد تعمدت ذلك، وهو يضحك ويقول: بارك الله فيك وغفر لك. قال أبو عمرو ﵀: لقيت الفقيه أبا عبد الله الرصافي ﵀ غير مرة. وكان صاحبا لأبي. وكان له موضع يخرج إليه في فصل العصير، فكنت أجتاز عليه في أكثر الأيام مع أبي ﵁، فألثم يده. فربما قبل رأسي ودعا لي. وكان أبي يسأله الدعاء فيخجل ويقول: أنا والله أحقر من ذلك. وكان من أعقل الناس وأحسنهم خلقا وخلقا. وكان ﵀ أديبا بليغا متصرفا. وشعره مجموع بأيدي الناس. حدثني به الفقيه الأديب أبو عمرو عن الأديب أبي علي بن كسرى سماعا من لفظه، وقراءة عليه، عن أبي عبد الله بن الرصافي (١)، وعن الأستاذ أبي عبد الله بن الحجاري عن أبي عبد الله بن الرصافي. وأقيد منه إن شاء الله جملة يتذكر بها إن شاء الله. من ذلك قصيدته المشهورة في الخليفة عبد المؤمن بن علي، أنشده إياها بجبل الفتح عند إجازته إلى الأندلس. وهي مما سمعه أبو علي بن كسرى من لفظه رحمه الله تعالى، وهي (٢): [بسيط] لو جئت نار الهدى من جانب الطّور … قبست ما شئت من علم ومن نور من كلّ زهراء لم ترفع ذؤابتها … ليلا لسار، ولم تشبب لمقرور (٣) فضّيّة القدح من نور النّبوّة أو … (٤) نور الكرامة تجلو ظلمة الزّور ما زال يقضمها التّقوى بموقدها … صوّام هاجرة، قوّام ديجور حتّى أضاءت من الإيمان عن قبس … قد كان تحت رماد الكفر مكفور

стр. 88

نور طوى الله زند الكون منه على … سقط إلى زمن المهديّ مذخور وآية كإياة الشّمس بين يدي … غزو على الملك القيسيّ منذور يا دار. دار أمير المؤمنين بسف … ـح الطّود، طود العلى: بوركت في الدّور ذات العمادين من عزّ ومملكة … على الأساسين من قدس وتطهير ما كان بانيك بالواني الكرامة عن … قصر على مجمع البحرين مقصور مواطئ من نبيّ طال ما وصلت … فيها الخطى بين تسبيح وتكبير حيث استقلّت به نعلاه، بوركتا … فطيّبت كلّ موطوء ومعبور / وحيث قامت قناة الدّين ترفل في … لواء نصر على البرّين منشور في كفّ منشمر البردين ذي ورع … على التّقى وصفاء النّفس مفطور يلقاك في حال غيب من سريرته … بعالم القدس مشهود ومحضور (١) تسنّم الفلك من شطّ المجاز وقد … نودين يا خير أفلاك العلى سيري فسرن يحملن أمر الله من ملك … بالله منتصر، في الله منصور تومي له بسجود كلّ تحركة … منها ويوليه حمدا كلّ تصدير (٢) لمّا تسابقن في بحر الزّقاق به … تركن شطّيه في شكّ وتحيير أهزّ من موجه أثناء مسرور … أم خاض من لجّه أحشاء مذعور كأنّه سالك منه على وشل … في الأرض من مهج الأسياف مقطور من السّيوف التي دانت لسطوته … وقد رمى نار هيجاها بتسعير (٣) ذو المنشآت الجواري في أجرّتها … شكل الغدائر في سدل وتضفير أهدى المياه وأنفاس الرّياح لها … ما في سجاياه من لين وتعطير (٤) من كلّ عذراء حبلى في ترائبها … ردعان من عنبر ورد وكافور تخالها بين أيد من مجاذفها … يغرقن في مثل ماء الورد من جور وربّما خاضت التّيّار طائرة … بمثل أجنحة الفتخ الكواسير

стр. 89

كأنّها (١) عبرت تختال عائمة … في زاخر من ندى يمناه معصور حتّى رمت جبل الفتحين من كثب … بساطع من سناه غير مبهور لله ما جبل الفتحين (٢) من جبل … معظّم القدر في الأجبال مذكور من شامخ الأنف في سحنائه طلس … له من الغيم جيب غير مزرور (٣) معبّرا (٤) من ذراه عن ذرى ملك … مستمطر الكفّ والأكناف ممطور تمسي النّجوم على إكليل مفرقه … في الجوّ حائمة مثل الدّنانير وربّما مسحته من ذوائبها … بكلّ فضل على فوديه مجرور وأدرد من ثناياه بما أخذت … منه معاجم أعواد الدّهارير محنّك حلب الأيّام أشطرها … وساقها سوق حادي العير للعير مقيّد الخطو جوّال الخواطر في … عجيب أمريه من ماض ومنظور / قد واصل الصّمت والإطراق مفتكرا … بادي السّكينة مغفرّ الأسارير كأنّه مكبد (٥) ممّا تعبّده … خوف الوعيدين من دكّ وتسيير أخلق به وجبال الأرض راجفة … أن تطمئنّ (٦) غدا من كلّ محذور كفاه فضلا أن انتابت مواطئه … نعلا مليك كريم السّعي مشكور مستنشقا (٧) بهما ريح الشّفاعة من … ثرى إمام بأقصى الغرب مقبور ما انفكّ آمل أمر منه بين يدي … يوم القيامة محتوم ومقدور حتّى تصدّى من الدّنيا على زمن (٨) … يستنجز الوعد قبل النّفخ في الصّور مستقبل الجانب الغربيّ مرتقبا … كأنّه باهت (٩) في جوّ أسمير لبارق من حسام سلّه قدر … بالغرب من أفق البيض المشاهير إذا تألّق قيسيّا أهاب به … إلى شفا من مضاع الدّين موتور ومنها:

стр. 90

ملك أتى عظما فوق الزّمان فما … يمر منه بشيء غير محقور ما عن في الدّين والدّنيا له أرب … إلاّ تأتّى له من غير تعذير ولا رمى من أمانيه إلى غرض … إلاّ هدى سهمه نجح المقادير حتّى كأنّ له في كلّ آونة … سلطان رقّ على الدّنيا وتسخير مميّز الجيش ملتفّا مواكبه … من (كلّ) (١) مثلول عرش الملك مقهور من الألى خضعوا قهرا له وعنوا … لأمره بين منهيّ ومأمور من بعد ما عاندوا دهرا فما تركوا … إذ أمكن العفو ميسورا لمعسور بقيّة الحرب فاتوها وما بهم … في الطّعن والضّرب سيماء لتقصير ومنها: لا ينكر القوم ممّا في أكفّهم … بيض مفاليل أو سمر مكاسير إذا صدعت (٢) بأمر الله مجتهدا … ضربت وحدك أعناق الجماهير لا يذهلنّ (٣) لتقليل أخو سبب … من الأمور ولا يركن لتكثير فالبحر قد عاد من ضرب العصا يبسا … والأرض قد غرقت من فور تنّور وإنّما هو سيف الله قلّده … أقوى الهداة يدا في دفع محذور فإن يكن بيد المهديّ (قائمه) (١) … فموضع الحدّ منه جدّ مشهور والشّمس إن ذكرت موسى فما نسيت … فتاه يوشع قمّاع الجبابير / وله ﵀ يمدح أبا سعيد السيد (٤): [بسيط] من عاند الحقّ لم يعضده برهان … وللهدى حجّة تعلو وسلطان ما يظهر الله من آياته، فعلى … أتمّ حال، وصنع الله إتقان من لم ير الشّمس لم يحصل لناظره … بين النّهار وبين اللّيل فرقان

стр. 91

الحمد لله حمد العارفين به … قد نوّر القلب إسلام وإيمان عقل وثابت حسن يقضيان معا … للأمر. إنّ سراج الأمر عثمان السّيّد المتعالى كنه سؤدده … عمّا تأوّل ألباب وأذهان من زار حضرته العليا رأى عجبا … الملك في الأرض والإيوان كيوان كنّا إلى الملإ الأعلين (١) ننسبه … لو ناسب الملأ العلويّ إنسان كأنّما يتعاطى فصل منطقه … عند التّكلّم لقمان وسحبان يغضي عن الذّنب عفوا وهو مقتدر … ويترك البطش حلما وهو غضبان ففطنة من وراء الغيب صادقة … منها على فضلها في الحكم عنوان مزيّة ما أراها قبله حصلت … لواحد من ملوك الأرض مذ كانوا أستغفر الله إلاّ قصّة سلفت … قد كان قيّمها يوما سليمان ومنها: سار من النّقع في ظلماء فاحمة (٢) … والشّهب في أفق المرّان خرصان ومغتد ومن الخطّيّ في يده … عصا تلقّف منها الجيش ثعبان ومنها: غرناطة شغفت حبّا ومنك لها … بالحلّ وصل، وبالتّرحال هجران مولاي ماذا عليها مذ حللت بها … في أن يغاربها (٣) ناس وبلدان إذا تذكّرت أوطانا سكنت بها … فلا يكن منك للأضلاع نسيان وهي طويلة. ومن شعره (٤) ﵀: [طويل] خليليّ ما للبيد قد عبقت نشرا … وما لرءوس الرّكب قد رجحت (٥) سكرا هل المسك مفتوقا بمدرجة الصّبا … أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا

стр. 92

أكلّ مكان (راح) (١) في الأرض مسقطا … لرأس الفتى يهواه ما عاش مضطرّا ولا مثل مدحوّ من المسك تربة … تملّي الصّبا فيه حقيبتها عطرا نبات كأنّ الخزّ (٢) يحتمل نوره … تخال لجينا في أعاليه أو تبرا / وماء كترصيع المجرّة جلّلت … نواحيه الأزهار واشتبكت زهرا أنيق كريّان الحياة التي خلت … طليق كريعان الشّباب الذي مرّا (٣) وقالوا: هل الفردوس ما قد علمته … فقلت (٤): وها الفردوس في الجنّة الأخرى بلنسيّة تلك الزّبرجدة التي … تسيل عليها كلّ لؤلؤة نهرا كأنّ عروسا أبدع الله حسنها … فصيّر من شرخ الشّباب لها عمرا يؤبّد فيها شعشعانية الضّحى … مضاحكة الشّمس المنيرة، والبحرا (٥) تزاحم أنفاس الرّياح بزهرها … رجوما فلا شيطان يقربها ذعرا وكتب إليه أبو بكر الكتندي رحمه الله تعالى: [طويل] أعندكم يا ساكن الودّ أنّكم … بمرأى على بعد المسافات من حمص أتقضي اللّيالي أن تلمّ بمنزل … ألفناه ما بين الأراكة والدّعص وإنّي حريص أن يعود بما مضى … زمان، وما حرص المقادير من حرصي فجاوبه ﵀: [طويل] سلام أبا بكر عليك ورحمة … تحيّة صدق من أخ لك مختصّ لعمري وما أدري بصدع زجاجة … عليك، فقد تدني اللّيالي لما تقصي لقد بان عنّي يوم ودّعت صاحبا (٦) … بريء أساليب الوداد من النّقص أقول لنفسي حين طارت بك النّوى … أخوك فريشي من جناحك أو قصّي فباتت على ظهر النّزوع إليكم … تطير بما في الوكر أجنحة الحرص

стр. 93

إلى كم أبا بكر نحوم بأنفس … ظماء إلى عهد الأجيرع أو حمص كأن لم تزر تلك الرّبا وكأنّها … عرائس تزهى بالمواشيط لا القصّ (١) ولا رنّقت تلك الأراكة فوقنا … فلوّت إزار الظّلّ في كفل الدّعص وكانت لنا فيما هناك مآرب … تطيع الهوى العذريّ فينا ولا تعصي ليالينا بالرّيّ، والعيش صالح … وظلّك عنها غير منتقل الشّخص وما ذكرها لولا شفا من علالة (٢) … تتبّعها نفسي تتبّع مستقص وددت أبا بكر لو أنّي عالم … وللكون زند ليس يقدح بالحرص هل الغيب يوما فارج (٣) لي بابه … فأنظر منه كيف أنسك في حمص / بأزرق سلاّل الحسام وقد بدا … يداعب في كأس تحرّك للرّقص وما معصم ريّان دار سواره … على مثل ماء الدّرّ في بشر رخص بأبهج منه في العيون إذا بدا … ولا سيّما والشّمس جانحة القرص خليج كخيط الفجر ينجرّ فوقه … ذيول عشيّات مزخرفة القمص وله يصف الدّولاب (٤): [مخلع البسيط] وذي حنين يكاد شجوا … يختلس الأنفس اختلاسا إذا غدا للرّياض جارا … قال له المحل: لا مساسا يبتسم الزّهر حين يبكي … بأدمع ما رأين باسا من كلّ جفن يسلّ سيفا … صار له غمده رياسا وله ﵀ يصف جدول ماء عليه سرحة (٥): [كامل] ومهدّل الشّطين تحسب أنّه … متسيّل من درّة لصفائه فاءت عليه مع الهجيرة سرحة … صدئت لصفحتها (٦) صفيحة مائه

стр. 94

فتراه أزرق في غلالة سمرة … كالدّارع استلقى لظلّ لوائه وله ﵀ في صبي يظهر البكاء تباكيا (١): [طويل] عذيري من جذلان يبدي كآبة … وأضلعه ممّا يحاوله صفر أميلد ميّاس إذا قاده الصّبا … إلى ملح الإدلال أيّده السّحر يبلّ مآقي زهرتيه بريقه … ويحكي البكا عمدا كما ابتسم الزّهر أيوهم أنّ الدّمع بلّ جفونه … وهل عصرت يوما من النّرجس الخمر وله ﵀ في تفّاحة: [مخلع البسيط] تفّاحة أهديت إليه … حمراء في لون وجنتيه همّ بتقبيلها فزارت … فاه على رغم مقلتيه بالله يا زهر محجريه … دعني أسلّ آس عارضيه لم باكرت أقحوان فيه … بقرع باب المنى عليه لعلّه قد أعار يوما … نكهتها طيب مرشفيه فباكرته على حياء … تصرف أنفاسه إليه / وله في حائك وسيم (٢): [بسيط] قالوا وقد أكثروا في حبّه عذلي … لو لم تهم بمذال القدر مبتذل فقلت: لو أنّ أمري في الصّبابة لي … لاخترت ذاك، ولكن ليس ذلك لي في كلّ قلب غريزات مدلّلة … للحسن، والحسن ملك حيث حلّ ولي (٣) علّقته حببيّ الثّغر عاطره … درّيّ لون المحيّا أكحل المقل (٤) إذا تأمّلته أعطاك ملتفتا … ما شئت من لحظات الشّاذن الغزل

стр. 95

هيهات أبغي سواه في الهوى بدلا … أجدي اللّيالي، وهل في الحبّ من بدل (١) إذا يعاب عليه شغل راحته … من يحسن الفرق بين الحلّ والعطل (٢) غزيّل لم تزل في الغزل جائلة … بنانه جولان الفكر بالغزل جذلان تلعب بالمحواك أنمله … على السّدى لعب الأيّام بالأمل (٣) ما إن يني تعب الأطراف مشتغلا … أفديه من تعب الأطراف مشتغل جذبا بكفّيه أو فحصا بأنمله … تخبّط الظّبي في أشراك مختبل (٤) وله ﵀ في فتى صفار (٥): [طويل] تعلّم صفّارا فقلت استعارها … غداة رنا من صفرة (٦) العاشق الصّبّ يعود النّحاس الأحمر اللّون (٧) عسجدا … بكفّيه عند السّبك والمدّ والضّرب فحمرته مشتقّة من حيائه … وصفرته ممّا يخاف من العتب وله ﵀ في مثله: [وافر] ولم أر مثل صفّار تصدّى … كما صدئ الصّقيل من السّيوف غدا يعطو بأنملتي حديد … عيون القطر كالذّهب الشّريف إذا ما النّار مجّتها إليه … كمثل الخمر رائعة الحفوف تلألأ نورها فخبا سناها … كما ظهر القويّ على الضّعيف وإلاّ ما لها تزداد سودا … كأنّ شموسها قطع الكسوف وله ﵀ في فتى نجّار (٨): [طويل] يقولون لي يوما وقد عن حائرا … كما عن ظبي السّرب يتّبع السّربا

стр. 96

تعلّم نجّارا فقلت لعلّه … تعلّمها من نجر مقلته القلبا / شقاوة أعواد تولّى عذابها (١) … فآونة قطعا وآونة ضربا غدت خشبا يجني ثمار ذنوبها … بما استرقت من لين معطفها قضبا (٢) وله رحمه الله تعالى: [كامل] نشوان ما فوق الكثيب مهفهف … تثنيه في روض الشّباب رياحه ليل كلمته لو انّ ظلامه … ينشقّ عن ديجوره إصباحه هبني أقول لهم جنى متعمّدا … (قتلي) (٣) فأين دمي وأين سلاحه وله من قطعة يصف خطّا في كاغد مقطوع (٤) بمقص: [طويل] بعيشك هل أبصرت من قبل أحرفا … كتبن بماء الحسن في طرر الزّهر سحاءة قرطاس تثنها كما ترى … ملاعبة المقراض سطرا على سطر أليس عجيبا أن يعوّض كاتب … بكافوره القرطاس عن مسكة الحبر وله من قصيدة يصف بها إجازة الخليفة البحر: [بسيط] خفضتم للمعالي نحو أندلس … أعنّة الماء بين الفلك والفرس وأخجل (٥) البحر إن لم يحل مشربه … وإن غدا عنبريّ اللّون والنّفس وله يصف نهرا قل ماؤه (٦): [كامل] فتوالت الأمحال تنقصه … حتّى غدا كذؤابة النّجم وله في معذّر: [كامل]

стр. 97

أقوى محلّ من شبابك آهل … فأقمت أندب منه رسما عافيا مثل العذار هناك نؤي داثر (١) … واسودّت الخيلان فيه أثافيا وحدثني الفقيه الأديب أبو عمرو، قال: حدثنا الفقيه الكاتب أبو علي بن كسرى (٢)، قال: كنت كثيرا ما أقعد عند الفقيه الأستاذ أبي عبد الله الرصافي ﵀ على جهة التبرك بأخباره والاقتباس من أنواره، وأنا إذ ذاك في حال الشبيبة، فسنح خاطري بأبيات شعر، فكتبتها في لوح وعرضتها عليه، ولم أذكر له قائلها. فعرف الأمر وأخذ القلم من يدي وأزال ثوبا كان في يده، وكتب على البديهة: [مجزوء الخفيف] اجعل العلم أوّلا … واجعل الشّعر آخرا فإذا ما فعلت ذا … كنت لا شكّ شاعرا قال: فوقعت كلمته في أذني فلازمت القراءة فانتفعت، والحمد لله /. ووجدت بخط الفقيه الأديب أبي عمرو بن سالم ﵀، قال: وجدت بخط شيخنا أبي عمرو بن عبد ربه، قال: أنشدني بعض الأصحاب لأبي عبد الله الرصافي ﵀ في فتى رفاء من أهل تلمسان يعرف بابن موارة مما ارتجله فيه (٣): [خفيف] وبنفسي من لا أسمّيه إلاّ … بعض إلمامة (وبعض) (٤) إشاره هو والظّبي في الجمال سواء … ما استفاد الغزال منه استعاره أغيد يمسك الحرير بفيه … مثل ما يمسك الغزال العراره ما بقلبي حوته (منه) (٥) ضلوعي … كالرّداء انطوى وفيه شراره داره القلب وهو يحتلّ أخرى … قدّس الله حيث ما حلّ داره

стр. 98

وله ﵀ في قلم نظما ونثرا من مقامة (١): [متقارب] قصير الأنابيب لكنّه … يطول مضاء كطول (٢) الرّماح إذا عبّ للنّفس في دامس … ودبّ من الطّرس فوق الصّفاح تجلّت له مشكلات الأمور … ولان له الصّعب بعد الجماح فلولاه لغدت أغصان الاكتساب ذاوية، وبيوت الأموال خاوية، وأسرعت إليه البؤسى، وأصبحت كفؤاد أمّ موسى، فهو لا محالة متجرها الأربح (٣)، وميزانها الأرجح. به تدرّ ألبانها، وتثمر أفنانها، ويستمرّ أفضالها وإحسانها. هو رأس مالها، وقطب عمّالها وأعمالها، وصاحب القلم قد حوى المملكة (بأسرها) (٤)، وتحكّم في طيّها ونشرها. (وهو) (٥) قطب مدارها، وجهينة أخبارها، وسرّ اختيارها واختبارها، ومظهر مجدها وفخارها. يعقد الرّايات لكلّ وال، ويمنحهم من المبرّة كلّ صافية المنهل (٦) ضافية السّربال، يطفئ جمرة الحرب العوان، ويكابد العدوّ بلا صارم ولا سنان. يفلّ (٧) المفاصل، ويتخلّل الأباطح والمعاقل، ويقمع الحواسد والعواذل. وشعره ﵀ كثير مدون. وسأذكر منه قطعة في باب موسى، وفي مراثي ابن أبي العباس (٨). ومنهم:

стр. 99

١٢ - محمد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز ابن أبي العافية الأزدي (١) المعروف بالكتندي، يكنى أبا بكر، من أهل غرناطة، وسكن مالقة مدة. وكان كاتبا لبعض ولاتها، وتردد عليها. وكان صاحبا لأبي عبد الله الرصافي، ولأبي علي ابن كسرى، وبينهم بمالقة مقامات أدبية ومجالس / شعرية وارتجالات نبيهة. وكان أبو بكر هذا من أهل الأدب البارع والنظم الفائق. وذكرته، وإن لم يكن من أهل مالقة لسكناه بها، وما بينه وبين أدبائها … فمن شعره ﵀ ما حدثني به الفقيه أبو القاسم بن عبد الواحد ﵀، وذلك في قوله يصف صفيحة نحاس عليها أسود نحاس أربعة: [مخلع البسيط] انظر إلى الماء وانصبابه … يجري من افواه أسد غابه أزرق ينساب ذا حباب … كأنّه الأيم في انسيابه فاعجب لمرأى يروع، لكن … قد زاد أنسا محلّنا به من كلّ ليث إزاء ليث … يمجّ رقطاء من لعابه أمنك من أنف ذي وفيها … آمن (٢) من ظفر ذا ونابه وقوله: [كامل] ومهفهف هزّ الحسام وربّما … فلّت لواحظه مضارب حدّه حيّى فبالغ في تحيّته وقد … أبدى الحياء تورّدا في خدّه فسألت ما هذا، فقال مجاوبا: … أنسيت نيسانا ويانع ورده لا تنكروه فمن دم أهريقه … بلحاظ من ساورت منه بودّه (٣) الورد خدّي، والمهنّد ناظري … ودم المحبّ هديّة من عنده وقوله ﵀، قال شيخنا أبو القاسم: وهو مما ارتجل فيه: [بسيط] يا نخبة الظّرف بل يا نخبة الأدب … (هل) (٤) للهوى غير ذاك الحسن من سبب

стр. 100

البدر أطلعت من قدّ على غصن … متى ظفرت بأفلاك من القضب وقوله ﵀ في النّارنج: [سريع] انظر إلى النّارنج مستغربا … فما على إغرابه (من) (١) مزيد ألّفت الضّدّين أشجارها … وذاك من أغرب ما في الوجود وقوله ﵀ (٢): [وافر] لأمر ما بكيت وهاج شوقي … وقد سجعت على الأيك الحمام لأنّ بياضها كبياض شيبي … فمعنى شذوها (٣): قرب الحمام ومن شعره ما حدثني الأديب أبو عمرو بن سالم عن الأديب أبي علي بن كسرى عنه، / وهو قوله رحمه الله تعالى (٤): [مخلع البسيط] يا سرحة الحيّ يا مطول … شرح الذي بيننا يطول عندي مقال فهل مقام … تصغين فيه لما أقول ولي ديون عليك حلّت … لو انّه ينفع الحلول ماض من العيش، كان فيه … ملبسنا ظلّك الظّليل زال وماذا عليه، ماذا … يا سرح لو لم يكن يزول وقوله ﵀ في الزهد: [بسيط] أنت الغنيّ وإنّ الفقر برّح بي … فأغنني بالغنى المغني عن الوصب إن تدرّكني برحمى لم أخف دركا … وإن تكلني إلى نفسي فيا نشبي وحدثني الأديب أبو علي بن كسرى، قال: دخلت يوما بستان الوزير أبي عمران بن مرزوق (٥)، فوجدت أبا بكر الكتندي، وفي يده إناء قد ملأه ماء، وهو

стр. 101

يسقي به أصل بهار قد ظهرت فيه نوارة في غير أوانها، فعجبت من كلفه بها. فقلت: هل حضرك شيء فيها؟ فأطرق ساعة ثم أنشدني ﵀: [مخلع البسيط] وحقّكم إنّه بهار … يوجب أن تصبح العقار عزّه تشرين. أيّ يوم … إليه من حسنه يشار بعد احتجاب وطول عهد … أبدى فما، خدّه البهار في روضة سال كلّ شرب … منها كما تنتضى الشّفار سقيت وسميّة هموعا … يا روضة حثّها ابتكار قال الأديب أبو علي: ثم اتفق أن دخلت البستان المذكور في أول البهار فكتبت إلى أبي بكر الكتندي ﵀: [مخلع البسيط] يا مولعا بالبهار زرنا … فروضنا زاره البهار وانشط إلى قهوة أرتنا … شمس نهار ولا نهار في روضة إن حللت فيها … حلّ بها الأنس والوقار باكر أبا بكر المفدّى … كأسا وزهرا له ابتكار راق سناه العيون لمّا … واسط مبيضّه اصفرار / كأنّه كأسنا المدار … فذا زجاج، وذا عقار يبسم ثغر الرّياض منه … عن درر، حشوها نضار قال أبو علي: فلم ألبث إلاّ يسيرا حتى سمعنا صوته وهو يقول: ها أنا بالباب عبد قنّ … أتى به طيفك الهنيّ قال أبو علي بن كسرى: كنت في أحد الأيام (قد) فارقت الأديب أبا بكر الكتندي على أن أجتمع معه عشي ذلك اليوم في البستان المذكور. ثم اتفق أن خرجت مع جملة أصحاب، وتركت أبا بكر المذكور. فأعلم بجمعنا فكتب إليّ: [مخلع البسيط] يا مولما قد ألام (عنّا) (١) … لم يثن قوما إلى مزاره

стр. 102

جدت له من دمي بمزن (١) … وضنّ بالرّشف من قراره جنّته أزلفت لغيري … وبرّزت لي جحيم ناره وقال أبو علي: فلما قرأت البطاقة خجلت، وخجل من كان معي من الفتيان، فكتبت إليه: [مخلع البسيط] يا لائما قد ألام لمّا … أجريت فعلي على اختياره فرّق ما بيننا اجتماع … أشفقت منه على وقاره لمّا اضطررنا له، ولكن … لا عذر للمرء في اضطراره وحدثني الأديب أبو عمرو قال: أنشدنا أبو الحسن الوقّشي، قال: أنشدنا أبو بكر الكتندي، وأمر أن تكتب على قبره ﵀ (٢): [مديد] حيّ قبرا بالبقيع حوى … ذا اغتراب حطّ أرحله جدّ في تسياره وجرى … طلقا ما شاء أطوله فهو قد ألقى عصاه ولم … يدّخر إلاّ توكّله وله رحمة الله عليه: [بسيط] إلى أبي القاسم المختار من مضر … حنّت (له) الجدع قبلي، فاز بالكرم أنام ملء جفوني لا يمثّل لي … في نومة فكأنّ العين لم تنم فالنّفس في يأسها منكم مولّهة … ليست من الأمل الأسنى على أمم كم رمتها يا رسول الله مرتبة … لو كنت آمل أن ألقاك في الحلم وشعره ﵀ كثير (٣). ومنهم: ١٣ - محمد بن عيسى بن محمد بن زنون يكنى أبا عبد الله، من أهل مالقة. كان ﵀ من أهل الفقه والمعرفة

стр. 103

بالوثائق، سريع القلم سهل الألفاظ، مشتغلا بصنعة التوثيق. وكان ﵀ مسارعا إلى الخير، / حافظا لكتاب الله ، مداوما عليه، قائما، كثير المعروف والصدقة. وكان الفقيه الزاهد أبو الحجاج ابن الشيخ ﵀ صاحبا له، وكثيرا ما كان يوجه له المساكين والفقراء، فيرفدهم ويقضي حوائجهم. وتوفي ﵀ في حدود الثمانين وخمسمائة. ورثاه الفقيه الزاهد الخطيب أبو محمد عبد الوهاب بن علي ﵀ برثاء. منه: [مجزوء الكامل] إيه، بنيه وأهله … حاشاكم ممّا يشين أنتم عيون للورى … ولسوف ترمقكم عيون كي تقتدي بكم وبال … ـحركات منكم والسّكون فارضوا وإلاّ فاصبروا … فالصّبر أحسن ما يكون لا تبطلوا أعمالكم … لا تخسروا العلق الثّمين فشهادتي أن كان ميّـ … ـتكم أخا فضل ودين وقد كان الأستاذ أبو علي ذكره إلى أهل سبتة في رسالته فقال فيه: ذكي يزري في ذكائه بإياس، وفقيه يعد بما عنده من الفقهاء الأكياس. وهو ممن نال بدهائه ظهورا على أمثاله ورياسة، واستقرّ عنده علم ما يوصّله إلى مآربه وسياسة. ينادي باسمه من التخّ (١) عليه أمره ويهتف، لأنّه يعلم من حيث تؤكل الكتف. رأس في صناعة التّوثيق حتّى نال من نفعها أوفى نصيب، وورد موردها العذب ورتع (في) (٢) مربعها الخصيب. ومنهم: ١٤ - محمد بن عبد الله بن ذمام (٣) يكنى أبا عبد الله .. كان شيخا جليلا من أهل الفضل والدين. وكان أستاذا في

стр. 104

الأدب والنحو والعروض، وكان ساكنا ببلش، ثم انتقل إلى مالقة. حدث (عنه) الأديب أبو عمرو بن سالم وغيره. وكان مداعبا مليح النادرة. وحدثني أبو عمرو ﵀ قال: جئته يوما للقراءة عليه، فطرقت الباب، فقال: من؟ قلت: سالم، فقال: ما أظن. ثم أذن في الدخول، فدخلت عليه وهو يضحك. وحدثني الأديب أبو عمرو أيضا قال: لشيخنا الأستاذ أبي عبد الله بن ذمام ﵀ أبيات قالها عند موته عفا الله عنه، قال: أنشدناها صاحبنا الفقيه (ولده) أبو محمد (١)، وأخوه أبو الحجاج، والتزم فيها ما تراه (٢): [خفيف] كيف أرجو من المنون خلاصا … وأرى من صحبت صار دفينا وأرى النّاس ينقلون سراعا … كلّ يوم إليهم مردفينا سربلوا اليوم بينهم سابغات … فتراهم إذا اغتدوا مغدفينا قد أصابتهم سهام المنايا … وسترمى السّهام لا بدّ فينا وتوفي ﵀ … /. ومنهم: ١٥ - محمد بن إبراهيم بن خلف بن أحمد الأنصاري (٣) يكنى أبا عبد الله ويعرف بابن الفخار. من أهل مالقة، الحافظ الإمام. كان ﵀ حافظا للحديث وأسماء الرجال، وكان فقيها ذاكرا. قال شيخنا أبو جعفر ابن عبد المجيد (٤): كان أبو عبد الله ﵀ حسن الخلق، حسن الملاقاة، كثير الذكر مع دعابة كانت فيه. ووصفه شيخنا أبو علي ﵀ في رسالته إلى أهل سبتة، فقال: صقل أيّام

стр. 105

شبيبته، وكهولته صوارم الاجتهاد وشحذ مداه، حتّى طبّق مفصل الحمل وأدرك من العلم غايته وبلغ مداه. فقيّد بخطّه من العلم شوارده، وثقفها حتّى حمد الغادي والرّائح مصادره وموارده، فرأس بعد ما درس، وأحيا بمعرفته ما ذهب من العلم ودرس. وقد عوّل عليه في مشورته وفتاويه، فليس أحد من نظرائه يجاريه ولا يساويه. بذّ (أقرانه) في حفظ المتون والنّصوص، فهو فذّ على العموم والخصوص. وأمّا طرق الحديث ومعرفة رجاله، فليس أحد يتصرّف فيها تصرّفه ولا يجول كمجاله. قد أتقن ذلك الباب وأحكم طرائقه، وتربّى بمحاسن جمّة وآداب رائقة. وكان (١) ﵀ في أول أمره يعقد الوثائق بمالقة. وكان مع ذلك لا يفتر عن الدرس والنظر. ويحكى عنه أنه كان أيام الفتنة بمالقة ربما طلب بالمبيت في السور أو نحو ذلك مما يجمع الناس إليه، فكان لا يفارق كتابه ولا يفتر عن درس دولته. ولم يزل على اجتهاده وهو إمام يرحل إليه حتى توفي ﵀. وكان (قد) وظف على نفسه وظائف من الكتب التي كان يحفظ. يستظهرها حتى يختمها. وحدثني الطبيب أبو محمد بن الفخار، وهو قريبه، قال: سافرت مع خالي أبي عبد الله من مالقة إلى مراكش حين استدعي إليها، وكان ذلك في فصل الشتاء، وصادفنا الأمطار والأوحال، فكان مع ذلك لا يفتر عن القراءة ليلا ولا نهارا، مستظهرا من حفظه. وسمعته ليلا وقد ختم ودعا، فتوهمت أنه ختم القرآن، فكلمته في ذلك، فقال: ختمت كتاب الموطأ (٢). ولد ﵀ في التاسع من رجب عام أحد عشر وخمسمائة. واستدعاه أمير المؤمنين المنصور أبو يوسف إلى حضرة مراكش في عام ثمانين وخمسمائة. وتوفي بمراكش في السابع عشر من شعبان المكرم سنة تسعين وخمسمائة. حدث ﵀ عن الأستاذ أبي مروان بن محمد، وعن الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الغفور، وعن الفقيه الزاهد أبي عبد الله بن معمر، وعن أبي مروان بن مسرة، / وعن الإمام أبي بكر بن العربي، وعن الشريف أبي عبد الله القرشي

стр. 106

المرواني، وعن الأستاذ أبي محمد بن فائز، وعن غيرهم حسبما تضمنه برنامج روايته. وحدث عنه شيوخنا ﵏ وجماعة من أصحابنا. وقد أخبرني (١) بعض أصحاب خالي أبي الحسن ﵀ أن خالي ﵀ كان قد استجازه (لي) (٢) في آخرين ممن أدركتهم ولادتي فأجازوني. ولكن لم أقف على ذلك، فلم أسامح نفسي في الرواية بهذه الإجازة. وكان ﵀ كثيرا ما يملي في مجالسه من حفظه الحكايات الأدبية والأمثال العربية والأشعار. قرأت على شيخنا الأستاذ أبي علي بن عبد المجيد ﵀، قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله قال: حدثني الفقيه أبو عبد الله بن معمر، عن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن خليفة، عن العذري، عن أبي عمرو عثمان بن أبي بكر الصدفي، قال: حدثنا أبو حازم، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أبو حاتم: [بسيط] اليأس أبقى لماء الوجه من طمع … والصّبر أفضل في المكروه من جزع ولست مدرك شيء أنت طالبه … إن كان شيء من المقدور لم يقع وقرأت على الأستاذ أبي علي ﵀ عن الحافظ أبي عبد الله، عن أبي بكر (ابن العربي، عن) (٣) ابن طرخان، قال: أنشدني أبو عبد الله الحميدي لأبي محمد الحجاري (٤): [متقارب] ألا أيّها العائب المعتدي … ومن لم يزل بالعدا مرتد مساعيك يكتبها الحافظان … فبيّض كتابك أو سود وحدثني الأديب أبو عمرو بن سالم قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله لفظا، قال: قال الأصمعي: كنت مقبلا في الهاجرة من أرض بني عذرة راكبا على بعيري فسمعت صوتا (يقول) (٥): قف يا أصمعي. فالتفتّ فلم أر أحدا. ثم نوديت الثانية:

стр. 107

قف يا أصمعي. فالتفت فلم أر أحدا. فاقشعرّ جلدي. ثم نوديت الثالثة، فرفعت رأسي، فإذا شخص راكب بين السماء والأرض على كركي، وهو معمّم بثعبان، وقد جعل رأسه مما يلي جبهته، وبيده أفعى يضرب بها الكركي، فقال: من أين أقبلت يا أصمعي؟ قلت: من بني عذرة. قال: ما صنعت عندهم؟ قلت: كتبت عنهم الأشعار واللغات والأخبار. قال: أتعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا إبليس، أتيت رجلا من الجن فسألته حاجة، فأبى عليّ فيها، وقد قلت في ذلك بيتي شعر، فاروهما عنّي، ثم أنشد: [مجزوء الكامل] ما بقى في الإنس حرّ … لا ولا في الجنّ حرّ (١) قد مضى حر الفريقي … ـن فطعم العيش مرّ ثم ضرب كركيه ومشى. فلا أراه إلاّ كلّف رجلا من الجنّ أن يغوي له مؤمنا من الإنس، فأبى عليه، والله أعلم. /. قال الأديب أبو عمرو: وأنشدني بعض الأدباء قبل هذين البيتين: ذهب النّاس ومرّوا … ومضى العيش الأغرّ ومن نحو ذلك ما حدثني به الشيخ الصالح أبو جعفر بن عبد المجيد ﵀. ونقلت من خط خالي (٢) ﵀، عن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم ابن الفخار قال: حدثنا الفقيه أبو مروان بن بونة، قال: حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، قال: قال أبو العباس الكسائي، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أبي بكر المرادي الوزير، قال: قال الحسن التنيسي، قال: رأيت إبليس راكبا على ثعبان ملجم بأفعى وهو يقول: [سريع] ألم ير القاضي وأصحابه … ما فعل الله بأهل الورى بلى ولكن ليس من سفلة … إلاّ إذا استعلى أذلّ الورى يا ليتني قد متّ فيما مضى … ولم أعش حتّى أرى ما أرى

стр. 108

فكلّ ذي خفض وذي رفعة … لا بدّ أن يعلو عليه الثّرى قال: فاستوقفته، فوقف لي، وقال لي: يا حسن، إن لي نفسا تحبك. ولقد كنت إلى لقائك بالأشواق. جالس العلماء وزاحمهم بركبتك، تعش بينهم محبّبا. وإيّاك والحسد، فإن الحسد أوقعني فيما أوقعني. ومخرق على الناس ومخرق بهم، فإنما الدنيا مخاريق. فولّى وهو يقول: [سريع] إذا أردت الآن أن تكرما … فأرسل الدّينار والدّرهما وكلّما أبصرت شيئا ولم … تسطع بأن يأتي فأرسلهما فليس في الأرض وما فوقها … أقضى لما أحببته منهما وحدثني الأديب أبو عمرو، قال: حدثنا الحافظ أبو عبد الله بن الفخار بسند اختصرته مخافة التطويل. قال علي بن عبد الصمد الكوفي: خدمت بهلولا عشر سنين ألتقط من نوادره وأتلقف من أشعاره، وأذب عنه من يؤذيه، ففقدته أياما على شدة طلبي له، فوجدته يوما، وحوله جماعة من الصبيان يرمونه بالحصى، فسلمت عليه، فلم يردّ. إلا أنه قال: نحّ عنّي أولاد بني الطّوامث، فأزلتهم عنه. ثم سألته عن حاله. فقلت له: ما تشتهي؟ فقال: أشتهي بريد الباقل بدهن شيدج أو بدهن جوز، فصنعتها وهيأتها. ثم أدخلته مسجدا ووضعتها بين يديه. فجعل يأكل أكلا دلّني على أنه جائع. فقلت له: أيها الأستاذ، هل أحدثت شيئا في رقّة الشّعر؟ فهمّ أن يضرب رأسي بالقصعة. / فتركته حتّى شبع، وسكن، وطابت نفسه. ثم قلت له: أيها الأستاذ ما قلت؟ قال: اكتب: [سريع] أضمر أن أضمر حبّي له … فيشتكي إضمار إضمار رقّ فلو مرّت به نملة … لخضّبته بدم جار فقلت: أرقّ من هذا. فقال: اكتب: [بسيط] شبّهته قمرا إذ مرّ مبتسما … فكاد يجرحه التّشبيه إذ علما ومرّ في خاطري تقبيل وجنته … فسيّلت فكرتي من عارضيه دمّا فقلت: أرقّ من هذا. فقال: اكتب: [منسرح]

стр. 109

أضمر أن يأخذ المرآة لكي … ينظر تمثاله فأدناها فجاز وهم الضّمير منه إلى … وجنته في الهوا فأدماها فقلت: أريد أرقّ من هذا. فقال: يا ابن الفاعلة! أيّ شيء أرق من هذا. انتظرني حتى نطبخ في المنزل حريرة تكون أرقّ من هذا. ومنهم: ١٦ - محمد بن عبد الله بن علي بن هاشم بن أبي العباس (١) يكنى أبا بكر، من أهل مالقة وأعيانها. وكان أبو بكر هذا أديبا نبيها بارع الخط. وذكره الأستاذ أبو علي في رسالته إلى أهل سبتة فقال: أديب بحلى الأدب تحلّى، حتى سما قدرا ومحلا. له أولية في الشرف، ولقد ارتقى إلى المجد فما زلت به القدم، وشب فتخلق بالأناة والحلم، ومال إلى أهل الصيانة والعلم. سربل ملابس المعلوات (٢) سربالا ضافيا، وحام على منهل الأدب فورده صافيا. وأظن أنه توفي في. ومنهم: ١٧ - محمد بن عبد السلام بن مطرف (٣) يكنى أبا عبد الله. من أهل مالقة، من بيوت أعيانها. كان من أهل الطلب والنباهة والعدالة. ذكره الأستاذ أيضا في رسالته فقال فيه: له مآثر ألبسته من السّؤدد جلبابا، ومدّت إلى المرتقى الأعلى أسبابا. وآداب شفّ بها على أقرانه ونظرائه، وعظم بها في أنفس أعدائه وسجرائه، ومعارف أنجب فيها من أنجب، وأوجب له من التّعظيم والتّخصيص والتّقديم ما أوجب. وأما الفقه فإنّه يتقلّب في قواليبه، ويصرّف في متصرّفاته ويجري على أساليبه. وتوفي ﵀ في حدود الإحدى والثمانين وخمسمائة /.

стр. 110

ومنهم: ١٨ - محمد بن يحيى بن تلكعت المسوفي يكنى أبا عبد الله. ولي أعمال مالقة في سنة ثمانين، واستمرت ولايته ودامت إلى نحو الستمائة. وقد كان خلال ذلك نقل إلى إشبيلية، وبقي ابنه أبو زكريا مشتغلا بمالقة. ثم عاد إلى مالقة آخر عام ستمائة. وولي بعد ذلك مواضع. ثم ولي أعمال فاس، فنفذ الأمر بقتله عند توجه أمير المؤمنين أبي عبد الله الناصر لفتح شلبطيرة. أظن ذلك في سنة ثمان وستمائة. خ م (١): «إنما قتل في عام تسعة وستمائة. ذكر ذلك الأديب أبو عمرو في بعض تعاليقه». وكان في ولايته جهما مقداما على الأمور، كثير النفع والضرر. وكان عالي الهمة في المبنى. بنى بمالقة مواضع فخمة، بقيت الآن منها قنطرة بين الربض والمدينة عام تسعين وخمسمائة. ثم تهدّمت بعد ذلك، فابتدأ بناء الأخرى، وأكملها ابن حسون بعده. وتهدّمت أيضا. وكان معتنيا بالكتب، جمع منها ما لم يجمع غيره. وانتفع به شيخنا الأستاذ أبو محمد ﵁، فإنه كان ينبهه عليها، فيعتني بها حتى يحضرها، فينتفع بها الأستاذ، إمّا بنسخ، أو بمقابلة، رحم الله جميعهم. ومنهم: ١٩ - محمد بن جعفر بن أحمد بن حميد (٢) يكنى أبا عبد الله. كان أستاذا جليلا عارفا بصناعة النحو والقراءة، من أهل الفضل والديانة. وولي القضاء. قال الأستاذ الجليل أبو علي الرندي ﵀: لقيته بمالقة، وأجازني في شعبان سنة خمس وسبعين وخمسمائة. روى عن أبي القاسم بن الأبرش، وعن أبي
следующие страницы →