للباصرة، والنابعة بالماء، وسيد القوم، وعينُ المال (الذهب والفضة). ومثل الخال لأخي الأم وللظن، قال الشاعر: "وإن كنت للخال فاذهب فخل" (١). ومثل الجد لأبي الأب، وللحظ والبخت. ومثل قضى بمعنى حكم، وبمعنى دفع الدين، وبمعنى مات. ومثل مَنْ للابتداء وللتبعيض وللتقليل، وإن للتأكيد والجواب، ومتى للاستفهام وبمعنى مَنْ الابتدائية. وأعجبُهُ ما كان منه دالًّا على شيئين متضادَّيْن (٢)، مثل الجون للأبيض والأسود، والجل للأمر العظيم والأمر الحقير، والسدفة للظلمة والضياء، والتلعة للمرتفع من الأرض والمنخفض.
стр. 1017
لا شكَّ أن وقوعَ المشترك في الكلام عجيب؛ لأنه ينافِي الغرضَ الذي لأجله وُضعت اللغة، وهو غرضُ الإبانة عن المراد، وخاصة اللغة العربية؛ فإنها لغةُ البيان. والمشترَكُ يوقِع السامعَ في الحيرة والالتباس بين مختلِف المعانِي، ولا سيما الذي يدلُّ منه على معنيين متضادَّيْن.
من أجل ذلك اختلف علماءُ العربية وأصول الفقه في وجود هذا النوع من الكلام في اللغة العربية، فنفى وقوعَه جماعة، منهم ثعلب اللغوي وأبو بكر الأبهري من الفقهاء. وعلّلوا قولَهم بأن اللغة موضوعةٌ للإبانة، ووجودُ المشترك يُعَدُّ تعمية، وتأولوا ما يتراءى في كلام العرب بتأويلات.
وذهب جماعةٌ إلى أنه لا يقع لِمعنيين متضادَّيْن، قال ابن سيده: نقله أبو علي الفارسي عن بعض شيوخه (١). ومال إلى هذا القول
стр. 1018
أبو الفتح ابن جنّي (١)، ونسبه علماءُ أصول الفقه إلى فخر الدين الرازي (٢).
وقال جمهورُ العلماء: هو واقع في اللغة. ومِمَّنْ قال بذلك الأصمعي، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وأبو زيد الأنصاري، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وابن فارس، وابن الأنباري، وابن دريد (٣). وغلا فريقٌ منهم فقالوا: لولا المشترك لمَا
стр. 1019
تألفت اللغة؛ لأن المعاني غيرُ متناهية والألفاظ متناهية، فيلزم الاشتراكُ ليمكن توزيعُ الألفاظ على المعاني.
الأسباب التي قضت بوقوع المشترك في اللغة:
لقد يخطر بالبال بادئ الرأي أن وقوعَ المشترك في لغة واحدة خللٌ في الوضع؛ لأنه ينافِي قصدَ الواضع من وضع اللغة كما قدمته. فلذلك احتاج القائلون بوقوع المشترك إلى أن يعتذروا للواضع، فقال فريقٌ منهم: يجوز أن يكون المشترك من وضع واضعَيْن لم يطلع أحدُهما على وضع الآخر على سبيل توارد الخواطر. وقال قوم: يجوز أن يكون الواضعُ الواحد يضع اللفظَ لمعنى وينقله الناسُ عنه، ثم ينسى أنه وضعه فيضعه ثانيًا لمعنى آخر.
وأظنُّ أن عبَّادًا الصيمري (١) - الذي قال بأن الألفاظ وُضِعتْ لمعانِيَ بمناسبة
стр. 1020
في تركيب حروفها (١) - لو استيقظ إلى المشترك، لزعم أن الواضعَ وضع اللفظَ الواحد لمعنيين فصاعدًا؛ لأنه رأى أن تلك المعاني جديرةٌ بتلك الحروف، فكان يتخذ من وجود المشترك في كلام العرب حجةً أدبية لمذهبه. لكن يُشكِل عليه الموضوعُ للضدين، وجوابُه: فإن للتضاد تناسبًا بذلك.
وأحسن ما رأيتُ في الاعتذار عن وقوع المشترك هو قولُ ابن درستويه (٢): اللغة موضوعةٌ للإبانة، والمشترك تعمية. ولكن قد جاء منه النادرُ لعلل، فيتوهم مَنْ لا يعرف العللَ أن اللفظَ وُضع لمعنيين، والسماع في ذلك صحيحٌ عن العرب. وإنما
стр. 1021
يجيء ذلك من لغتين، أو لحذف واختصار وقع في الكلام، حتى اشتبه اللفظان، وخفي ذلك عن السامع فتأول فيه الخطأ (١).
وهذا هو القولُ الفصل؛ وذلك أن مِمَّا يجب التيقُّظُ له أننا حين نذكر وضعًا لغويًّا وواضعًا لسنا نريد بذلك أن شخصًا أو جماعةً تصدَّوْا لوضع اللغة، فانتصبوا لذلك في أيامٍ أو ساعاتٍ يُرَكِّبون الحروف، ويصوغون الكلمات، ثم يلقنونها الأقوامَ الحافّين بهم؛ لأن هذا أمرٌ يحتاج إلى نُظم وتواطؤ، ولم يكن في أحوال الأمم السابقة ما يسمح بتكوين هذه الفكرة.
وإنما نريد من الواضع مجموعَ الفصحاء في عصور مختلفة وقبائل متعددة من خطبائها وشعرائها وحكمائها، الذين لم يزالوا يُهذِّبون مفرداتِ كلامهم وصيغَ تراكيبه، ليأتوا بالأحسن فالأحسن في أذواقهم، ويودعوه هم خطبَهم وأشعارهم، فيتلقفه عنهم
стр. 1022
مَنْ يغشى مجالسَهم ومجامعَهم وأنديتهم. فبهذا يتضح لنا إمكانُ حدوثِ اللفظ المشترك من غير تبين للواضع. ولقد تتبعتُ ما استطعت، فانتهيتُ إلى عشرة أسباب لوقوع المشترك في اللغة وكتبها.
السبب الأول: تعدد الوضع وذلك على وجهين: الوجه الأول: تعدد الوضع في العربية أصالة؛ لأن قبائل العرب وإن اتحد معظمُ لغتها، فهي مع ذلك يختص بعضُها ببعض الألفاظ، ولا سيما الشعبان العظيمان عدنان وقحطان. وهذا مثل السدفة للظلمة في لغة تميم وللضوء في لغة قيس. ومثل العَجل، هو ضد البطء في لغة معظم العرب، وهو الطين في لغة حمير. ومثل ييأس، أي: ينقطع رجاؤه في لغة معظم العرب، وهو بمعنى يتبين في لغة هوازن والنخَع (١). فإذا دخل لفظٌ من لغة في لغة أخرى واتفق أن كان مُمَاثِلًا للفظ في اللغة المدخولة، سُمِّيَ مشتركًا.
الوجه الثاني: اشتراكٌ يعرض من إدخال العرب في لغتهم لفظًا من غير لغتهم، فإن عادتهم أن يغيروا اللفظَ المعرَّب ليصيِّروه على زِنَةٍ قريبة من أوزانهم، فيصادف تارة أن يشبه لفظًا عربيًّا سابقًا. وهذا مثلُ الجُلّ اسم للورد، وأصله فارسي "كُلْ"، وهو في الفارسية بين الجيم والقاف والكاف. فلما عرّبوه جعلوه بالجيم فأشبه الجُلّ، وهو الرداء الذي يُجعل على كَفَل الفرس أو ظهر البعير، يقول الأعشى:
وَشَاهِدُنا الجُلُّ وَاليَاسَمِيـ ... نُ والمُسْمِعَاتُ وقُصُّابُها (٢)
стр. 1023
فزعم مَنْ لم يعرفْ أصلَ الكلمة أن في البيت تحريفًا وأن صوابَه الفُل، والأعشى تنقَّل في القبائل وعرف مختلف اللغات. ومثل السَّري فهو الشريف بلغة العرب، وهو أيضًا النهر معرب من السريانية. قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ [مريم: ٢٤] , فاختلف المفسرون: هل أريد به النهر مثلما خلق لها الرطب، أو أريد به الابنُ الذي ولدته؟ وكذلك الشطرُ هو النصف عربي، والشطر بمعنى الجهة حبشي دخل في لغة العرب، قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] (١).
السبب الثاني: الاشتراك العارض من المجاز الذي يكثر في كلامهم حتى يساويَ الحقيقةَ أو يقاربها. وهذا أوسعُ مداخلِ الاشتراك إلى كلام العرب، وأمثلتُه كثيرة، منها: عضّه الكلب، وعضّه الدهر. ومنه البعل: السيد، ثم صار للزوج، ثم صار بمعنى الذكر، فسمّي به النبتُ الذي لا يسقى.
وقد رأيتُ أحسنَ ما يُؤْذِنُ بنشأة الاشتراك عن هذا السبب ما رُوِيَ في الصحيح أن عبد الله بن مسعود قال: "كنا إذا صلينا خلف رسول ﷺ قلنا: السلام
стр. 1024
على الله، السلام على النبي، على فلان، فالتفت إلينا رسولُ الله ﷺ فقال: "إن الله هو السلام (أي هو الذي يؤمننا)، فإذا صلَّى أحدُكم فليقل: التحيات لله" إلخ (١). فعوَّض لهم لفظَ السلام بالتحيات المرادفة للفظ السلام، لرفع ما يُوهِمُه لفظُ السلام من معناه الأصلي، وهو الأمان. ونظيرُ هذا في القرآن قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣] , قالوا النسي: الشيء الحقير (٢). فكان من بديع نسج القرآن أن أجرى عليه صفةً تُنَبِّه إلى أصله، فإنه نُقل من الشيء المنسِيِّ فصار بمعنى الحقير؛ لأن شأنَ الحقير أن يُنسى.
стр. 1025
السبب الثالث: ما يأتِي من عوارض تصريفية. وهذا لا يمكن التحرزُ منه؛ لأنه يقع في الكلام اتباعًا لقواعد مطردة لم يخطر ببال الواضعين أنها إذا جرت على بعض المواد نشأ منها التباس، وقلما استحضر المتكلمُ جميعَ النظائر التي تشابهها. وذلك مثل فُلك للمفرد والجمع، بضم اللام وسكونها، فإن أصلَ المفرد بالسكون وأصل الجمع بالضم. ثم إنهم - أي العرب - يُتْبِعُون حركةَ العين لحركة اللام، وقد يخففون العينَ بالسكون فيهما، فاستويا عند الاستعمال في التقادير كلها.
ومنها وقوف مصدر وقف، ووقوف جمع واقف. فالأول بقاعدة مصدر فَعَل اللازم، والثاني بقاعدة جمع فاعل وصفًا. قال: "وقوفًا بها صحبي" (١). ومنه "مختار" مشترك بين اسم الفاعل واسم المفعول، و"يضار" مشترك بين المبنِيِّ للمعلوم والمبنِيِّ للمجهول، ووقع في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
ومن أجل ذلك اختلفوا: هل يجب على الشاهد التحملُ إذا كان ذلك يشغله عن عمله؟ وهذا النوعُ من الاشتراك عدّه ابنُ جني في الخصائص بناءً على ظهوره في الاستعمال في زِنَةٍ واحدة بقطع النظر عن كون بعضها أصلًا وبعضها عارضًا (٢).
السبب الرابع: ما يعرض من الحذف كحذف المفعول في نحو: وجد الضالة، ووجد على فلان، أي: غضب، ووجد عليه وجدًا شديدًا، أي: حزن. فهذه المعاني راجعةٌ إلى معنى حصول ما لم يكن حاصلًا. وقد يعرض من حذف الحرف، مثل علّ فِعل لمعنى سقى ثانيًا
стр. 1026
بعد سقْي أول، وعلّ لغة بمعنى لعل بحذف اللام. وكذلك اشتراك إِنْ المخفَّفة من الثقيلة مع أن النافية، وأَنْ المخففة مع أن المصدرية. ومن هذا خير بمعنى الأمر المبارك، وخير الذي هو تفضيل بمعنى أَخْيَر، وكذلك شر في ضديهما.
السبب الخامس: ما يعرض من التخفيف والتثقيل، مثل قِط لذَكَر الهر، وقط بالإدغام أصله قسط (١)، ومثل أَدْفَأَ مهموزًا، أزال عنه البرد، فإذا خففه القرشي على لغته في تخفيف الهمزة صار أدفا، فشارك أدْفَا بمعنى قَتَل من دَفَوْتَ الجريح إذا أجهزتَ عليه، وسأنبه على قصةٍ في هذا.
السبب السادس: الإبدال كإبدال الفاء ثاء، مثل القوم اسم الحنطة، فيصير كاسم البقلة المعروفة. وكذلك أرَّج مشتق من الأريج، وهو طيب الرائحة، وأرّج الذي أصله هرّج بالهاء وهو الشغب. يقال: هرج الأسد، وأسد مؤَرّج بالهمزة مبدلة من الهاء. وكذلك قالوا في هرج: حرّش، بابدال الهاء حاءً والجيم شينًا، جاء مشتركًا مع حرّش إذا أكثر صيد الضِباب (وقالوا فيه: أرش بإبدال الهاء بل بإبدال الحاء همزة، فصار مشبهًا مما يصاغ من الأرش، وهو غُرم الجراحات).
السبب الرابع: إطلاق اسم الشيء على ضد معناه الموضوع له، لتفاؤل أو تشاؤم أو تلطف أو تنزه، كإطلاق اسم السليم على الملدوغ، وإطلاق الجون على الأسود، وإطلاق البصير على الأعمى. والقاعدة في هذا هي أن نجزم أن المعنى الأصلي هو المعدول عنه، والمعنى العارض هو المعدول إليه.
السبب الثامن: ما طرأ على اللغة من المصطلحات الشرعية، كالإيمان والإسلام والتيمم من قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦]. وكذلك المصطلحات العلمية، مثل المصدر والإضافة.
السبب التاسع: تساهلُ بعضِ علماء اللغة والنحو في تكثير معاني اللفظ الواحد بحسب اختلاف مؤدّي المعنى باختلاف المواقع، مثل معاني فَوْق. قال في
стр. 1027
أدب الكاتب: "وكذلك فوْق تكون بمعنى دون ذلك، قاله الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] , أي فما دونها، [هذا قولُ أبي عبيدة] " (١)، مع ظهور أن معنى الدون هنا نشأ من كون الفوقية على البعوضة لا تُعقل إلا في تفاوت في الحقارة.
وقد عدّ بعضُ أهل اللغة الزوج مشتركًا بين زوج المرأة وزوجة الرجل. والحق أن كلمة زوج لفظُ عدد يوصف به كلُّ ما يصير مع غيره ثانيًا, ولذلك لا يقولون للمرأة زوجة إلا نادرًا، كما سنبين وجه ذلك.
وقد أكثر النحاةُ من هذا النوع في معاني الحروف، وفي كتاب "مغني اللبيب" من ذلك شيءٌ كثيرٌ من معاني الحروف (٢). وقد أنكر أبو الفتح ابن جنّي في الخصائص على النحاة ادعاءَ وقوع حرف جر بمعنى حرف جر آخر، وأطال فيه بما لا داعيَ إلى ذكره هنا (٣).
стр. 1028
السبب العاشر: التوسعُ في استعمال بعض الأفعال قاصرًا مرة ومتعديًا أخرى، مثل: عاد بمعنى رجع وعاد بمعنى زار، فإن أصله واحد مشتقٌّ من العود وهو الرجوع، تقول: عاد إلى وطنه. فلما استعملوه في العَود إلى زيارة مريض أو حبيب، قالوا: عاده متعديًا بحذف حرف جر على سبيل التوسع، كما قالوا: "تمرون الديارَ" (١)، غير أنهم التزموا حذفَ الحرف إذا أرادوا معنى الزيارة، حتى نشأ من ذلك معنى ثان لعاد.
محاولة العرب إيجاد فروق بين الألفاظ المشتركة (٢):
أحسب أن العرب أحسوا بما يحدثه الاشتراك من الإبهام على الأفهام، فأخذوا يودِعون في كلامهم فروقًا حسنة، لكنهم لم يطردوها ولم يكثروا منها, ولعلنا غفلنا
стр. 1029
عن كثير منها. ولكن الذي انتهى إليه استقرائي في هذه العجالة أنِّي وجدتهم جعلوا فروقًا لفظية وخطية.
فأما اللفظيةُ فمنها التفرقةُ باختلاف المصادر، وهذه قد أشار إليها ابن دَرَسْتويه في شرح فصيح ثعلب عند ذكر فعل "وجدَ" ومعانيه، فقال: "وإنما هذه المعاني كلُّها شيء واحد، وهو إصابةُ الشيء خيرًا كان أو شرًّا. ولكن فرَّقوا بين المصادر؛ [لأن المفعولات كانت مختلفة، فجُعل الفرقُ بين المصادر بأنها أيضًا مفعولة] , والمصادر كثيرةُ التصاريف [جدًّا، وأمثلتها كثيرة مختلفة] , وقياسُها غامض، وعللُها خفية، [والمفتشون عنها قليلون، والصبرُ عليها معدوم]. فلذلك توهَّم أهلُ اللغة أنها تأتِي على غير قياس؛ لأنهم [لم يضبطوا قياسَها] ولم يقفوا على غوْرها". (١)
وهذا بابٌ ينفتح لنا في إدراك أسبابِ كثرة المصادر المخالِفة للقياس. فمصادِرُ وَجدَ: الوجْد والوِجدان والوُجود، وكذلك مصادر ذَكر: ذِكر وذَكْر وذُكْر. وكذلك طال: له مصدر الطُّول بمعنى المحسوس، والطَّوْل للفضل، وفي الحديث: "أطوَلُكن يدًا" (٢)، فظنن (٣) أن المراد الطولُ الحسي.
ومنها التفرقةُ في اسم المفعول، كقولهم في ظنَّ بمعنى مظنون به، وفي ظنّ بمعنى اتهم ظنين. ومنها التفرقة في جمع التكسير، كما جمعوا خُلّة بمعنى الصحبة على خلال: ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] , ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾
стр. 1030
[إبراهيم: ٣١] , وجمعوا خلّة بمعنى الحبيبة على خلائل (أكرم بها خلة) وفي الحديث: "فيبعث بها في خلائل خديجة". (١)
ومنها التفرقةُ بالحركات والسكنات، مثل القُرح بالضم للجراح وبالفتح للمصائب المعنوية كالهزيمة والخسارة. قال امرؤ القيس: "وبدلت قَرْحًا داميًا بعد نعمة". (٢) وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] , أراد به الانهزام يوم أحد. وقال الحريري في المقامة الثانية والثلاثين: "اختار بعضُ أهل اللغة تسكينَ الخاء من الفَخْذ الذي بمعنى العشيرة، ليحصل الفرقُ بينه وبين الفَخِذ الذي هو العضو". (٣)
ومنها التفرقةُ بقطع الهمزة ووصلها، ذكر ابن جنّي في مقدمة شرح أعلام الحماسة أن العَلَم المنقول من فعل الأمر كتسمية فلاة بـ "أُصمُت"، فإن أصله أمر من الصمت" بهمزة وصل، ولكنهم قطعوا الهمزة للدلالة على أنه نقل إلى العلمية. وكذا تسمية مكان أطرِقَا، فهو فعلُ أمرٍ للمثَنَّى، سُمِّيَ به المكانُ، وقطعوا همزته (٤).
стр. 1031
ومنها التفرقةُ بالتأنيث لِمَا لم يؤنِّثوا من قبل. فقد جعل المتأخرون من العرب علامةَ التأنيث في زوجة إذا أريد بها المرأة، مع أن حقَّه أن لا يؤنث؛ لأنه وصفٌ باسم العدد، وهو الزوج ضد الفرد، كما تقدم، قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ولكنهم لمَّا وجدوا التفاسدَ في هذا الإطلاق، ابتدؤوا يُدخلون علامةَ التأنيث على وصف المرأة، فقال الفرزدق:
وإنَّ الذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا (١)
وقال ذو الرمة:
أَذُو زَوْجَةٍ بِالمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ ... أَرَاكَ لَهَا بِالبَصْرَةِ العَامَ ثَاوِيَا (٢)
وكلاهما حجةٌ في العربية، ولذلك اعتمد الفقهاء على هذه التفرقة لشدة حاجتهم إليها.
وأما الفروق الكتابية، فمنها تفرقتُهم بين عضَّه الكلب وعظّه الدهر، فجعلوا الأولَ بالضاد الساقطة والثاني بالمشالة، مع أن الثاني مأخوذٌ من الأول، ذكره ابن عطية عند قوله تعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩] (٣). وكذلك وزن فاعل
стр. 1032
إذا سُمِّيَ به كتبوه بدون ألف، نحو الحارث ومالك، وكما كتبوا (على) بالإمالة لئلَّا تلتبس بفعل (علا) من العلو. وكذلك (بلى) حرف جواب، كتبوه بالإمالة لئلَّا يلتبس بفعل (بلا) بمعنى اخْتَبَرَ. وقال ابن جنّي: "حقُّ الحرف أن لا يُمال، وحق حتى أن تُكتب بالألف، ورأيتها مكتوبةً بالألف بخط محمد بن يزيد" (١)، (يعني المبرد).
أثر المشترك في التخاطب:
للمشترك آثار في أدب العرب:
١ - منها التورية، وهي إطلاقُ لفظٍ له معنيان قريب وبعيد، قال عنترة:
جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ (٢)
البِكرُ (بكسر الباء): السحابةُ السابق مطرُها، والحرّةُ الخالصة من البرد. وقال المعري:
٣ - ومنها الأسلوبُ الحكيم، ومثالُه المشهور قولُ الحجاج للقَبَعْثَرى: "لأحملنك على الأدهم، وعنى القيد فتجاهل [أي ابن القبعثري]، وقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب" (١).
وقال خالد بن الوليد لعبد المسيح الغساني كبير الحيرة: "ما سنُّك؟ قال عظْم، فقال له مغضبًا: أتعقل لا عقلت؟ قال: إي والله أعقِل وأقيِّد" (٢).
ومنها الإلغاز، وقد ذكر من ذلك صاحبُ كتاب "اللفظ الرائق والمعنى الفائق" كثيرًا، فمنه قوله:
إِنِّي رَأَيْتُ - وَفِي الأَيَّامِ تَجْرِبَةٌ - كَبْشًا ... عَلَى العَرْشِ وَالأقْوَامُ قَدْ حَضَرُوا (٣)
стр. 1035
أراد بالكبش سيد القوم.
وكذلك ما جاء به الحريري في المقامة الثانية والثلاثين مثل قوله: "قال: فإن حمل جِرْوًا وصلَّى؟ قال: هو كما لو حمل باقِلَّى - الجرو صغار القثاء والرمان. . . قال: فإن أمَّهم مَنْ فَخْذُهُ بادية؟ قال: صلاتُه وصلاتُهم ماضية. الفَخْذ: العشيرة، وبادية أي: يسكنون البدو". (١)
٤ - ومنها اتساعُ اللغة في التعبير عن المعاني بطرق مختلفة.
٥ - ومنها قصدُ الإبهام كقول الرسول ﵇ لأزواجه: "أسْرَعُكُنَّ لحَاقًا بِي أطولُكُنَّ يدا" (٢). وللإبهام آثارٌ سيئة: منها اللبسُ الذي تَحْدُث عنه مضار، من ذلك ما رُوي أن ذا جدَن - ملك حمير - كان بظَفار، فوفد عليه رجلٌ من مُضر من بني عامر، فأُدخل على الملك، وكان الملك جالسًا على سطح مرتفع، فلما سلّم وتمثل قائمًا قال له الملك: ثِبْ، فقال العامري: ليعلم الملك من فعله وسأل عن سبب رميه
стр. 1036
بنفسه، فقيل له: إن ثب عند مضر بمعنى الطفر، قال الملك: ليس عندنا عَرَبِيَّتْ من ظفر حَمَّرَ، أي: من دخل ظفار تكلم بالحميرية (١).
وقد ذكروا أن سببَ قتل مالك بن نويرة أنه أُتِيَ به أسيرًا إلى خالد بن الوليد وكان يُرعَد من شدة البرد، فقال لهم خالد: أدْفوه (مُخَفَّفًا) لا أدفئوه؛ لأن قريشًا يخففون الهمزة، فظنَّ السامعون أنه أراد الأمر من: دفَوْتَ الجريح، إذا أجهزت عليه (٢).
٦ - ومنها أنه يوقع المتكلم في الهزء به، كقول أبي تمام:
أَعْطَيْتَ لِي دِيَةَ القَتِيلِ وَلَيْسَ لِي ... عَقْلٌ وَلَا حِلْفٌ هُنَاكَ قَدِيمُ (٣)
стр. 1037
فكان في قوله: "ليس لي عقل" معرِّضًا نفسَه لأن يقول له قائل: نعم! ليس لك عقل، أو يوقعه بمرمى التكفير، كما وقع لأبي الطيب في قوله:
يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِي رَشَفَاتٍ ... هُنَّ أَحْلَى عِنْدِي مِنَ التَّوْحِيدِ (١)
فرماه أعداؤه بالزندقة، وقالوا: إنه فضَّل رشفات الثغور على توحيد الله، وحملهم على ذلك الجهلُ والحسد.
٧ - ومنها اختلاف الفقهاء في كثير من الأحكام اختلافًا ناشئًا عن الاشتراك كالاختلاف في قدر عدة المطلقة، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقد عدّ أبو محمد ابن السِّيد البَطَلْيوسي (٢) في كتابه "الإنصاف" المشتركَ من أسباب إثارة الخلاف بين فقهاء الإسلام (٣).
стр. 1038
وسائل علاج الأثر السيئ للمشترك:
لا سبيلَ إلَى إبطال الاشتراك، ولا غايةَ من ذلك. فإن جميعَ اللغات مملوءةٌ بالتسامح والمجاز ونحوه، ولا ضيرَ في ذلك مع الاعتماد على القرائن. ولكن سبيلنا أن نزيِّف اعتقادَ كون الاشتراك جاء من أصل الوضع، وأن نسعى في تقليله من قواميس اللغة بقدر الإمكان، ونعوضه بنزع بعض الألفاظ المترادفة ووضعها لبعض معاني الألفاظ المشتركة. إذ ما من لفظٍ مشترك إلا ولبعض معانيه لفظٌ آخر مختصٌّ بذلك المعنى، فيصير بهذا الاعتبار مترادفًا. فتعين للنهوضِ باللغة أن نعالِجَ هذه الآثار، ويسعُنا ما وَسع العربَ فيما حاولوه من الفروق.
الوسيلة الأولى: يجب أن نسعى إلى تأليف قاموس تُحَقَّقُ فيه معانِي الألفاظ التي يتراءى لنا أنها مشتركة، فنبين عروض الاشتراك لها من الاستعمال لا من الوضع، أو من توسع المستعملين لا من حق الاستعمال، لنرفع بذلك الملامَ عن واضعي اللغة؛ وذلك بأن نُرجِع الألفاظ المشتركة إلى الأنواع التي ذكرناها آنفًا في أسباب وقوع الاشتراك. وهذا يدفعنا إلى التنقيب عن أصول الكلمات ومساربها، وهو ما تعرو منه قواميسُنا الآن في غالب موادها.
وقد أحس بالحاجة إلى هذه الوسيلة بعضُ المحققين من أئمة اللغة، فقد تكلم أبو الفتح ابن جنّي في كتاب "الخصائص" على نيابة حروف الجر بعضها عن بعض، وورود بعضها بمعنى بعض، فقال: "لا سبيلَ إلى إطلاق القول فيه؛ لأنه يفضي إلى إفساد الكلام، ولا وجهَ لإنكاره مع وروده في الكلام الفصيح". (١) وبين أن العرب
стр. 1039
تحرص على الاختصار مع توفير المعاني، فربما أتوا بالفعل وعدّوه بحرف غير الحرف الذي حقه أن يتعدى به ليشعر السامع بفعل محذوف فيكون كمن غير جملتين كقوله تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨)﴾ [النازعات: ١٨]؛ لأن العرب تقول: "هل لك في كذا؟ "، وتقول: "أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى" (١).
وتكلم العلامة الزمخشري في طالعة كتاب "أساس البلاغة" على التفرقة بين ما هو حقيقة وما هو مجاز، فقال في تعداد منافع كتابه: "ومنها تأسيسُ قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح، بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح" (٢). وكذلك حاول العلامة السكاكي - في باب الإنشاء من المفتاح - إرجاعَ معاني بعض الأدوات إلى جمع معنَيَيْ أداتين، مثل حروف التنديم والتحضيض نحو "هلَّا"
стр. 1040
و"أَلَا" و"لولا" و"لو ما"، فادعى أنها مأخوذةٌ من هل ولو اللتين للتمني مركبتين مع لا أو لو وما (١).
الوسيلة الثانية: يجب إبطالُ اشتراك الضديّة في استعمال المتكلمين بالعربية في المستقبل، ونعتبر ما وقع من ذلك أنه مما أثارته عوائد قد اضمحلت، كعوائد التشاؤم والعيافة التي كانت تمحق عقولَ أهل الجاهلية.
الوسيلة الثالثة: أن نعتمد على لغة قريش؛ لأنها انتخبت الأفصح من لغات العرب، فنجعلها حكمًا في كل لفظ مشترك نشأ اشتراكُه من لغتين من لغات العرب، فنُمِيتُ ما كان منه من لغة تخالف لغةَ قريش، فضلًا عن إماتة ما كان من لغة أخرى كالجلّ للورد والسَّرِيّ للنهر.
الوسيلة الرابعة: أن نُمِيت سائرَ الأحوال التصريفية التي تؤدي إلى المشترك، مثل جمع فَلَكَ على فُلْك بل نجمعه على أفلاك. وكذلك نجتنب بعضَ صيغ الاشتقاق، فإذا أردنا تعديةَ مشى إلى مفعول نقول: مشّى بالتضعيف، ولا نقول: أمشى بهمزة التعدية، لئلا يشترك مع أمشى بمعنى صار ذا ماشية. وكذلك نجتنب كلَّ تخفيف أو إدغام أو إبدال يفضي إلى الاشتراك والإلباس.
وكذلك إذا أردنا أن نجمع نية نجمعها على نوايا، ولا نجمعها على نوى الذي أصله نَوَيٌ، لئلا يلتبسَ بالنوى الذي هو جمع نواة، ولئلا يلتبس بالنَّوى الذي هو مفرد بمعنى البعد. وإذا كان العربُ قد أماتوا بعضَ الأفعال تجنبًا للثِّقل، مثل ماضي "ودع" و"وذر"، وأثبتوا مضارعَهما لِمَا فيه من خفة الحرف، فكيف لا نُميت ما يؤدي إلى أضر من الثقل وهو الإلباس؟
الوسيلة الخامسة: أن نُخَصِّص بعضَ الأفعال ببعض المصادر، وأن نرسم بعضَ الكلمات برسم يميز بعضَها عن بعض في الكتابة، كما فعلوا في عضّ وعظ، كما تقدم.
стр. 1041
ولعل هذه الوسائل تسد الفوهاتِ التي نبع لنا منها اللفظُ المشترك، وليس فيه حرجٌ ولا اعتداء على ما سبق من الاستعمال؛ لأنا نريد أن نقتصرَ على بعض ما كان متكاثرًا من الألفاظ في هذا الباب في استعمالنا من دون أن نبطل معانِيَ ما سبق استعمالُه منها فيما سلف، ولا أن نحمل الناسَ على جهل معانيه. ألا ترى أن المولَّدين هجروا استعمالَ كلماتٍ كثيرة كانت شائعةً في شعر الجاهلية - مثل المعلقات وغيرها - من دون أن تُجهل معاني تلك الكلمات.
كيفية استعمال المشترك:
إطلاق المشترك على معنى من معانيه هو أصل استعماله، وهو بين لا يحتاج إلى البحث. وبقي النظرُ في أنه هل يُستعمل في جميع معانيه أو عددٍ منها في إطلاق واحد، بأن يُطلقَ لفظُ العين مثلًا ويراد به جميعُ معانيه أو عددٍ من معانيه. وقد منع من ذلك معظمُ علماء العربية، وكأنهم رأوا أن حكمةَ وضع اللغة تُحَتِّم على الناطق بها سلوكَ سُبل البيان بقدر الإمكان.
فعلى فرضِ أنْ وُجد اللفظُ المشترك لسببٍ من الأسباب الماضية، فإن تعددَ المعانِي يدل على أن أهلَ اللغة وضعوه أو استعملوه فيها على شريطة أن لا يُطلَق إلا إطلاقًا موَزَّعًا، نظير وضع أهل العلم، فإنه صالح لأن يُسمَّى به كلُّ أحد من الصنف المعلم به، ولكن على شريطة أنه إذا سُمِّيَ به هذا لا يُطلق على الآخر. ولذلك يقولون في المعارف كلها: إنها كلياتٌ بحسب الوضع، جزئياتٌ بحسب الاستعمال (١). فنحن نقول في المشترك: إنه موضوعٌ لمتعدد، بشرط استعماله في واحد بعد واحد.
стр. 1042
وجوّز بعضُ علماء أصول الفقه إطلاقَ المشترك على عدة معان في إطلاق واحد، ونُسب هذا إلى الإمام الشافعي وإلى أبي بكر الباقلاني وأئمة المعتزلة (١). غير أنهم لم يستشهدوا له بشيءٍ من كلام العرب، واستأنس لهم المتأخرون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، بناءً على أن معنى الصلاة من الله غيرُ معنى الصلاة من الملائكة؛ لأن صلاةَ الله إحسانٌ وصلاة الملائكة استغفار. قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، وهو استشهادٌ قابلٌ للتأويل بإرادة معنى الصلاة الصالح لأن يُسند إلى الله والملائكة والمؤمنين، ولم أر لهذا الاستعمال شاهدًا في كلام العرب، فالظاهرُ أن هذا مفروضٌ على سبيل البحث.
ومن العلماء مَنْ سوَّغ جمعَ معاني اللفظ المشترك إذا وقع في حيِّز النفي بلا النافية للجنس، بناءً على أن النفيَ قرينةٌ على نفي جميع المعاني. وهو غلط؛ لأن النفي في كلام العرب يتعلق بأفراد معنى اللفظ لا بالمعاني المنفردة للمادة اللغوية.
وتتفرع عن هذه المسألة مسألةُ تثنية اللفظ المشترك وجمعه باعتبار معنيين أو معان، بناءً على أن التثنية والجمع هل يُشترط فيهما أن يكون اللفظُ المثنى أو المجموع متعددًا بالذات متحدًا بالنوع أم يجوز كونُه متعددًا بالنوع أيضًا؟ فإن اشترطناه، لم
стр. 1043
يجز تثنيةُ المشترك، وإن لم نشترطه، جازت تثنيةُ المشترك؛ لأن تعدد المعاني اختلافٌ في النوع لا محالة.
ومِمَّنْ جوّز تثنيةَ المشترك وجمعَه ابن الأنباري، والحريري، وابن مالك. واحتجوا بقول الرسول ﵇: "الأيدي ثلاث: يد الله [العليا]، ويد المعطي [التي تليها]، ويد السائل [السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال ما استطعت] " (١)، وعليه بنى الحريري قولَه في المقامة العاشرة:
جَادَ بِالعَيْنِ حِينَ أَعْمَى هَوَاهُ ... عَيْنَهُ فَانْثَنَى بِلَا عَيْنَيْنِ (٢)
أراد بالعين الأولى الذهب، وبالثانية البصيرة.
ومنع ذلك الجمهور، ولَحَّنوا الحريري. ولعلهم أجابوا عن الحديث بأن إضافة اليد إلى اسم الجلالة على طريق المشاكلة، فكان جمع الأيدي بهذا الاعتبار. وقال ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي ثم التونسي (٣): "إن اتفق معنى الاسم المشترك في موجب تسميتهما باللفظ المشترك، نحو عين للذهب والبصيرة". (٤)
стр. 1044
مثال من المشترك هو أغرب تصرفاته:
ذلك فعل (كذب) في قول العرب "كذب عليك"، ذلك أن أصل كذب أخبر بخلاف الواقع، ثم صار كذب في معنى ضلّل وغلط. من ذلك قوله: كذبتك عينك، وفي الحديث: "وكذب بطنُ أخيك" (١). ثم صار بمعنى استخفّ به؛ لأن الذي يضلل أحدًا فقد استخف به. ثم نُقِل إلى معنى الإغراء على الانتقام؛ لأن العرب أباة الضيم لا يرضون باحتقار، قال الأسود بن يعفر:
كَذِبْتُ عَلَيْكَ لَا تَزَالُ تَقُوفُنِي ... كَمَا قَافَ آثَارَ الوَسِيقَةِ قَائِفُ (٢)
ثم أُطلق على الإغراء مطلقًا في قول عمر بن الخطاب: "كذب عليكم الحج، وكذبت عليكم العمرة، وكذب عليكم الجهاد، ثلاثة أسفار كذبن عليكم". (٣)
стр. 1045
قالوا: مر أعرابِيٌّ بعيسى بن عمر الربعي فرآه يعلف بعيرًا له، فقال له: "كذب عليك البزر والنوى"؛ أي النابل ونوى التمر. قال الزمخشري: "هذا اللفظُ جرى مجرى المثل، فلذلك لزم طريقةً واحدة". (١)
ومضر ترفع الاسمَ الواقع بعده على الأصل، ويجعلون (على) حرف الجرِ لتعدية كذب. وقحطان ينصبون الاسم، ويجعلون (عليك) اسم فعل، بمعنى الْزَم، مثل "عليكم أنفسكم"، وهو عندهم كلامان أصلُهما كذَب عليك كذا عليك كذا، فحذف من الأوائل لدلالة الأواخر. وقد قيل إن النصب غير معروف، فلعل عرب اليمن نقلوا هذا التركيب عن مضر، فنصبوه على اعتقاد أن عليك اسم فعل، والعربي إذا خرج عن لغة قومه وتكلم بلغة قوم آخرين يعتريه الغلط؛ لأنه يكون متصنِّعًا، كما وقع للفرزدق - وهو تميمي - في قوله:
فَأَصْبَحُوا قَدْ أعَادَ اللهُ نِعْمَتَهُمْ إِذْ ... هُمْ قُرَيْشٌ وَإِذْ مَا مثلَهُمْ بَشَرُ (٢)
بنصب مثلَهم، تَوهَّم أن قريشًا يُعمِلون "ما" عمل "أن" بلا شرط، مع أنه مشروطٌ بأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وإلا فإنها تهمل، فيستوي قريش وتميم في رفع الاسمين بعدهما.
стр. 1046
المترادف في اللغة العربية (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاةً وسلامًا على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وتابعيه بإحسان إلى يوم الدين.
قد سبق لي حينما ألقيتُ محاضرة في اللغة المشتركة، لدى مؤتمر الآداب لإفريقية الشمالية المنعقد في تونس سنة ١٣٥٠ هـ - وهي المحاضرة التي نشرت بعد في مجلة "الهداية الإسلامية" الغراء في المجلد التاسع يومئذ - أن وعدتُ أن أُقَفِّيَها بمحاضرة في اللفظ المترادف، إذ بين هذين النوعين من ألفاظ العربية نسبة متينة. ولَم أكنْ، حين قطعتُ وعدي وعقدت عهدي، بمظنة مُضمِرِ المطال، ولا بمقدِّرٍ مرورَ زمنٍ قد نَأَى مِنْ بعدُ وطال. ذلك أن شواغلَ ومهماتٍ ألهَتِ الذهن، وأغلقت اللهاة، فكان مثلي بعكس مثل قوله: "واللُّها تفتح اللَّها" (٢)، وبحال قول الآخر: "فقولا لها: لها" (٣).
стр. 1047
حتى أظلَّ موسمُ افتتاح مجمع اللغة العربية الملكي، فأحببتُ أن أَجريَ مع رُبانيه في بحر العربية فلكي، ولكن أين زورقي من تلك السفائن؟ وشتَّان بين ملَّاحٍ يظل من خوفه معتصمًا بالخيزرانة، وبين أمثال ابن يامن! (١) فالآن أوان أن أَفِيَ بوعدي، وأن أقتدحَ لتنوير مشكلةٍ من العربية زندي. وقد بذلتُ الجهدَ لإجلاء هذا المبحث مجلَى تحقيقٍ لَم أُسبق إليه، فإن لم أكن فيه مجليًا كنت مرتاحًا بإقبال فرسان الحلبة عليه. وأنا أحمِّل زورقي حمولةً من عنبر التحية (٢) للجهابذة حماة اللغة العربية الذين جمعتهم الكنانةُ لإصابة أغراضٍ سنية.
стр. 1048
المبحث الأول: في ما هو الترادف وتحقيقه:
أختار أن أَحُدّ المترادف بأنه "لفظ مفرد دالّ بالوضع على معنى قد دل عليه بالوضع لفظ آخر مفرد يخالفه في بعض حروفه الموضوع عليها بحيث تنطق به قبائل العرب كله، إذا شاءت، أو ألفاظ مفردة كذلك بشرط استقلال تلك المفردات في الاستعمال وفي الدلالة".
فقولِي: "لفظ" يشمل الاسم والفعل والحرف، وقولي: "دال بالوضع على معنى"، أردتُ به أن يفيد بأصل الوضع مفهومًا معينًا؛ لأن الدلالةَ هي ما ينشأ عن وضع اللغة، إذِ الوضعُ قد فسروه بأنه جَعْلُ اللفظِ (١) دليلًا على المعنى، وسنوضح كيفيتَه. وقد خرج عن ذلك استعمالُ الألفاظ في معان مجازية أو كنائية؛ لأن ذلك الاستعمال دالٌّ بالقرينة المانعة أو المعينة.
وقولِي: "قد دل عليه بالوضع لفظ آخر"، جملةٌ هي صفة لمعنى. وإنما عبرتُ فيها باللفظ دون الكلمة؛ لأنِّي أردتُ كلَّ ما يدل على معنى في العربية، لكي لا يظن ظانٌّ أن المترادف لا يكون إلا بين الكلماتِ المختلفة في حروف مادة الاشتقاق، كما يسبق إلى أذهان الباحثين فيقصرون الترادفَ على الكلمات المفردة، مثل القمح والبر، ومثل الذهب والعسجد. والصوابُ أن الترادفَ أوسعُ من ذلك، فإن الصيغَ المختلفةَ الدالَّةَ على معنى واحد - أي المؤديةَ مؤدًّى واحدًا - هي من المترادف، كدلالة صيغ جمع السلامة، وجمع التكسير على مطلق الجمع، ودلالة الجموع المتعددة للمفرد الواحد على الجمع في التكسير أو التقليل.
стр. 1049
وكذلك دلالةُ الأدوات على معنى واحد، كدلالة الأمر وصيغة الأمر على معنى الطلب الجازم، ودلالة بعض الحروف على ما يدل عليه حرفٌ آخر نحو مذ ومنذ. ودلالة جمع الكثرة للمفرد الواحد على معنى الجمع مثل جبال وأجبال، فإذا شاع استعمالُ كليهما في معنى القلة أو في معنى الكثرة (وذلك واقع بكثرة في العربية) صارا مترادفين.
والتقييد بالمفرد؛ لأنه لا ترادفَ بين المركَّبات التقييدية والإضافية والإسنادية (١)؛ فإن المركبات قد تفيد معاني متساوية، لكن تلك الإفادة بسبب ما يحصل في جمع الكلمتين، نحو إفادة رجل معنى آدمي ذكر، وكذلك عبد الله يساوي عابد الرحمن، وكذلك غربت الشمس يساوي انقضى النهار، فليس شيء من ذلك بمترادف.
وقولِي: "يخالفه في بعض حروفه الموضوع عليها بحيث تنطق به قبائل العرب كله إذا شاءت"، لأُريَك أن الاعتداد في اعتبار اللفظين مترادفَيْن إنما هو الاختلافُ في الحروف الموضوعين (٢) عليها أصالة. ولذلك زدتُ الحيثيةَ لزيادة البيان، لئلا يُعَدَّ من الترادف ما كان بين اللفظين أو الألفاظ من الاختلاف في كيفية نطق قبائل العرب أو القبيلة الواحدة من إثبات همز وتسهيله، ومن إشباع حركة أو ضده، ومن إثبات حرف وحذفه تخفيفًا، ومن إبدال حرف بمقاربه، ومن زيادة بعض الحروف لغير معنى جديد، ومن إبدال حركة بغيرها، ومن اختلاف اللغات في الواوي واليائي. ومن اختلاف في النطق بالحرف كما قالوا: ذئب وذيب، وبئس وبيس، وكما كانت بعضُ قبائل العرب تبدل السين تاء في النطق، لا يحولون عن ذلك فيقولون في الناس والأكياس النات والأكنات، قال راجزُهم:
стр. 1050
يَا قَبَّحَ اللهُ بَنِي السِّعْلَاتِ ... عمرَو بن يَربوعٍ شرارَ النَّاتِ
غَيْرَ أَعِفَّاء وَلَا أَكْيَات (١)
وبعضُ العرب ينطق بالتاء دالًا، يقول في ستار سدار. ومن هذا القبيل عجعجةُ قضاعة، وكشكشة تميم وعنعنتهم (٢). ومن العرب مَنْ يبدل واوَ فُعْلَى ياءً، ويبدل الضمةَ كسرةً للمناسبة، فيقول في طُوبَى طِيبَى، ولا يكاد يستطيع النطقَ بها واوًا، رُوي عن أبِي حاتم قال: قرأ عليّ أعرابِيٌّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩]، فقال الأعرابي طِيبى، فقلت: طوبَى، فقال: طيبى. فأردت أن أبين له فقلت: طو طو، فقال: طي طي، فأبَى أن يرجع عن لغته (٣).
стр. 1051
فهذا النوعُ لا يُعَدُّ به اختلافُ حالة الكلمة ترادفًا؛ لأن كلَّ قبيلة تنطق بصورة من صور ذلك اللفظ؛ لأن العربي يعسر عليه النطقُ بخلاف لهجته، ولا ينطق بالصورة الأخرى. بخلاف الترادف، فإن القبيلةَ الواحدة تستعمل الألفاظَ كلَّها إذا شاءت.
ومن أجل ذلك رُخِّص لقبائل العرب أن يقرؤوا القرآن بلهجاتهم في ألفاظ القرآن: في مد، وإمالة، وتخفيف همزة، ونحو ذلك. وهذا أحدُ التأويلات لحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" (١) وخرج به أيضًا - من باب أَوْلَى - اختلافُ الكلمتين في حركة العين في المضارع من الأفعال التي جاء فيها وجهان، نحو الضم والكسر في يَعْتِلُ مضارع عتل، ونحو الكسر والفتح في يحسب مضارع حسب، ونحو الضم والكسر في يشدّ مضارع شدّ.
وقولي: "بشرط استقلال تلك المرادفات في الاستعمال"، لإخراج ما يسمى بالإتباع، وهو لفظ يتبع لفظًا آخر في الاستعمال يماثله في الميزان وفي الحرف الأخير. وفي أكثر الحروف يُقصد من الثاني تأكيدُ الأول بحكاية ما يقارب لفظَه، فلا يُستعمل ثانيها بدون الأول. وهذا نحو قولهم: حسن بسن، وعطشان نطشان، وحَقْر ونَقْر. وقد ذُكر منها في المزهر عددٌ مهم (٢).
وقد عُرِف كونُ الثاني مقصودًا للإتباع فقط من عدم استعماله مستقلًّا في كلامهم، ومن عدم وجود معنى للفظ الثاني، وبذلك فارق التوكيدَ اللفظي. وقال
стр. 1052
ابنُ الأعرابي: "سألتُ بعضَ العرب عنه فقال لي: هو شيء نَتِدُ به كلامَنا" (١) أي: نشده ونقويه، كما يُشَدُّ البيتُ بالوتد.
وقولي: "في الدلالة"، لإخراج التوكيد المعنوي، وهو لفظ النفس والعين؛ فإنهما لا يدلان على ما يدل عليه الاسمُ الموكد قبل جلبهما للتأكيد.
واعلم أن اللفظَ المترادف قد يرادف لفظًا من نوعه، وهو الغالبُ الكثير، كمرادفة الاسم للاسم، والفعل للفعل، والحرف للحرف. وقد يرادف لفظًا من غير نوعه، وهو قليل، كمرادفة أسماء الأفعال للأفعال الدالة على معناها، كمرادفة شتان لـ (بَعُدَ)، وصَهْ لـ (اسْكُتْ). ولا يرادف فعلٌ اسْمًا، ولا يرادف فعلٌ حرفًا، إلا نادرًا جدًّا، كمرادفة ليس لا النافية. ولا يرادف حرفٌ اسْمًا بحال؛ لأن ما في الحرف من المعنى الجزئي يمنع من دلالته على تمام يدل عليه الاسم (٢). ولا يرادف حرفٌ فعلًا
стр. 1053
إلا نادرًا، كمرادفة (لكن) لفعل استدرك، و (كأن) لفعل أُشَبِّه، و (ليت) لفعل أتمنى، و (لعل) لفعل أترجى. والحروف يرادف بعضُها بعضًا، وفي عد ترادف بعضها لبعض تسامح، بينتُه في محاضرة اللفظ المشترك.
وإنما سُمِّيَ هذا المترادف مترادفًا؛ لأنه ردفه لفظٌ آخر في الدلالة على معناه، أي لحقه، وردفه الآخر في ذلك المعنى، وحيث كان مجهولًا أولُ اللفظين أو الألفاظ المترادفة في الدلالة على المعنى، اشتُقَّ لذلك صيغةُ تفاعل الدالةُ على وقوع الفعل من جانبين أو أكثر غير معين منهما المبتدئ بالفعل مثل تخاصم وتقاتل وتعاقب.
واعلم أن النسبةَ بين المترادف والمشترك نسبةُ العموم والخصوص الوجهي، أعني أن كلَّ مشترك فهو مترادف، ولا عكس؛ إذ اللفظُ المشترك حين يدلُّ على معنى ثان أو أكثر يكون بتلك الدلالة مرادفًا للفظ آخر على ذلك المعنى. ولم أظفر بلفظٍ مشترك هو مختصُّ الدلالة على بعض معانيه، بحيث لا يكونُ لذلك المعنى لفظ آخر، فالعين حين يدل على معنى الذهب يكون مرادفًا للفظ ذهب ولفظ عسجد، وحين يدل على معنى منبع الماء يكون مرادفًا للفظ ينبوع.
فظهر أن لفظَ الترادف هو دلالة لفظ على معنى دل عليه لفظٌ آخر فصاعدًا في اصطلاح التخاطب، سواء أكان اللفظان فصاعدًا دالَّيْن على ذلك المعنى بالأصالة - أي بالحقيقة - أم كان بطريق النقل وغلبة الاستعمال المساوي للحقيقة. فالسيف والحسام مترادفان لدلالة كلٍّ من هذين اللفظين على شيء واحد، سواء أكان الحسام في القديم دالًّا على وصف في السيف أم لم يكن؛ لأن لفظ الحسام قد أصبح مساويًا في الدلالة للفظ السيف.
стр. 1054
وظهر أن ليس من المترادف أن نؤول دلالةَ اللفظين أو الألفاظ إلى مآل واحد، إذا كان المعنى المدلولُ لأحد اللفظين مختلفًا بالمفهوم، فإن كثيرًا من الألفاظ المتقاربة المعاني تفيد عند الاستعمال مَفاداتٍ متحدة.
وأُمَثِّل لذلك بما ذكره أبو الفتح في الخصائص: " [ومن ذلك ما جاء عنهم في] الرجل الحافظ للمال، الحسن الرِّعْيَة له [والقيام عليه، يقال: ] هو خَالُ مَالٍ، وخَائِلُ مَال، وصَدَى مال، وسُرسُوْر مال، وسُؤْبان مال، ومِحْجَن مال، وإِزَاءُ مال، وبِلْوُ مال، وحِبْل مال، وعِسْل مال، وزِرُّ مال. وجميع ذلك راجعٌ إلى الحفظ لها، [والمعرفة بها] ". (١)
وكذلك مآل اللفظين إذا كان أحدهما حقيقةً والآخر مجازًا غير منقول إلى الحقيقة. وأمثل أيضًا باللفظ الدال على معنى واللفظ الدال على نفي نقيضه، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [طه: ٧٩]، وقول أبي طالب:
وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ قَائِمًا ... قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ (٢)
المبحث الثاني: هل المترادف واقع في اللغة العربية ؟
هذا مُخْتَلَفٌ فيه بين أئمة العربية اختلافًا غريبًا منشؤه اختلافُ وجهة أنظارهم في عده لمزًا للغة وعدم عده إياه (٣)، وذلك أنه لا خلافَ في أن المقصد من اللغة الإبانةُ عن المراد، فوضع الأسماء للمسميات طريقٌ للإبانة، فإذا وضع للمسمى اسمٌ حصلت فائدةُ الإبانة، فيكون وضعُ اسم ثان فصاعدًا لذلك المسمى زيادة على اللازم للإبانة، فمن هنا سلكوا مسلكين:
стр. 1055
١ - فَمَنْ رأى تلك الزيادةَ فضولًا وعبثًا، جزم بوجوب تنزيه اللغة العربية عن اللفظ المترادف؛ لأنه لا يتناسب وما عُرفت به اللغةُ العربية من إتقان الوضع.
٢ - ومَنْ رأى تلك الزيادةَ غيرَ خاليةٍ عن فائدة، جزم بوقوع الترادف.
وقد اتفق الفريقان على أننا نجد في الكلام المستعمل ما يلوح منه ببادئ الرأي أنه مترادف. وإنما اختلفوا في الأخذ بها يلوح بادئ الرأي حتى نجزمَ بوقوع المترادف، أو في لزوم اعتبار التفرقة بين الألفاظ التي يلوح ترادفُها حتى نتعمق في البحث عن التفرقة بينها.
معنى الوضع:
وإذ قد كان نصبَ أعين الفريقين اعتبارُ حكمة الوضع اللغوي، فعلينا أن ننبه الباحثَ في هذا الغرض إلى حقيقة وضع اللغة العربية حتى يكون رأيُه فيصلًا بين الفريقين عقب حكاية خلافهما. وقد تعين أن أُحَرِّرَ القولَ في هذا الغرض؛ لأنه ملاكُ صواب الفهم في هذا المبحث، وهو أيضًا عونٌ على إدراك كثير من أسرار العربية عند عروض النظر فيها.
إن معظمَ الذاكرين لفظ "وضع" و"واضع" يسبق إلى أذهانهم عند ذلك ما يُوهمه لفظُ "الوضع" من وجود فردٍ أو طائفةٍ أخذت على نفسها تعيينَ الألفاظ للدلالة على الأشياء. وهذا الرأيُ مِنْ رأْيِ مَنْ رأى أن اللغاتِ اصطلاحية. وغلا بعضُهم فزعم أن الذي تولَّى هذا العملَ الحكيمَ هو الله ، وهذا رأيُ مَنْ زعم أن اللغات توقيفية (١).
وكلا القولين ليس بسداد؛ لأننا لسنا نبحث عن وضع اللغة الأُولَى للبشر، وإنَّما نبحث عن لغةِ أمةٍ من أمم البشر تتميز عن غيرها من لغات الأمم بكلماتها وتراكيبها. ومع ذلك نجد أكثرَ اللغويين والأدباء، إذا بسطوا القولَ في شرف اللغة