← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

فهذا النوعُ لا يُعَدُّ به اختلافُ حالة الكلمة ترادفًا؛ لأن كلَّ قبيلة تنطق بصورة من صور ذلك اللفظ؛ لأن العربي يعسر عليه النطقُ بخلاف لهجته، ولا ينطق بالصورة الأخرى. بخلاف الترادف، فإن القبيلةَ الواحدة تستعمل الألفاظَ كلَّها إذا شاءت. ومن أجل ذلك رُخِّص لقبائل العرب أن يقرؤوا القرآن بلهجاتهم في ألفاظ القرآن: في مد، وإمالة، وتخفيف همزة، ونحو ذلك. وهذا أحدُ التأويلات لحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" (١) وخرج به أيضًا - من باب أَوْلَى - اختلافُ الكلمتين في حركة العين في المضارع من الأفعال التي جاء فيها وجهان، نحو الضم والكسر في يَعْتِلُ مضارع عتل، ونحو الكسر والفتح في يحسب مضارع حسب، ونحو الضم والكسر في يشدّ مضارع شدّ. وقولي: "بشرط استقلال تلك المرادفات في الاستعمال"، لإخراج ما يسمى بالإتباع، وهو لفظ يتبع لفظًا آخر في الاستعمال يماثله في الميزان وفي الحرف الأخير. وفي أكثر الحروف يُقصد من الثاني تأكيدُ الأول بحكاية ما يقارب لفظَه، فلا يُستعمل ثانيها بدون الأول. وهذا نحو قولهم: حسن بسن، وعطشان نطشان، وحَقْر ونَقْر. وقد ذُكر منها في المزهر عددٌ مهم (٢). وقد عُرِف كونُ الثاني مقصودًا للإتباع فقط من عدم استعماله مستقلًّا في كلامهم، ومن عدم وجود معنى للفظ الثاني، وبذلك فارق التوكيدَ اللفظي. وقال

стр. 1052

ابنُ الأعرابي: "سألتُ بعضَ العرب عنه فقال لي: هو شيء نَتِدُ به كلامَنا" (١) أي: نشده ونقويه، كما يُشَدُّ البيتُ بالوتد. وقولي: "في الدلالة"، لإخراج التوكيد المعنوي، وهو لفظ النفس والعين؛ فإنهما لا يدلان على ما يدل عليه الاسمُ الموكد قبل جلبهما للتأكيد. واعلم أن اللفظَ المترادف قد يرادف لفظًا من نوعه، وهو الغالبُ الكثير، كمرادفة الاسم للاسم، والفعل للفعل، والحرف للحرف. وقد يرادف لفظًا من غير نوعه، وهو قليل، كمرادفة أسماء الأفعال للأفعال الدالة على معناها، كمرادفة شتان لـ (بَعُدَ)، وصَهْ لـ (اسْكُتْ). ولا يرادف فعلٌ اسْمًا، ولا يرادف فعلٌ حرفًا، إلا نادرًا جدًّا، كمرادفة ليس لا النافية. ولا يرادف حرفٌ اسْمًا بحال؛ لأن ما في الحرف من المعنى الجزئي يمنع من دلالته على تمام يدل عليه الاسم (٢). ولا يرادف حرفٌ فعلًا

стр. 1053

إلا نادرًا، كمرادفة (لكن) لفعل استدرك، و (كأن) لفعل أُشَبِّه، و (ليت) لفعل أتمنى، و (لعل) لفعل أترجى. والحروف يرادف بعضُها بعضًا، وفي عد ترادف بعضها لبعض تسامح، بينتُه في محاضرة اللفظ المشترك. وإنما سُمِّيَ هذا المترادف مترادفًا؛ لأنه ردفه لفظٌ آخر في الدلالة على معناه، أي لحقه، وردفه الآخر في ذلك المعنى، وحيث كان مجهولًا أولُ اللفظين أو الألفاظ المترادفة في الدلالة على المعنى، اشتُقَّ لذلك صيغةُ تفاعل الدالةُ على وقوع الفعل من جانبين أو أكثر غير معين منهما المبتدئ بالفعل مثل تخاصم وتقاتل وتعاقب. واعلم أن النسبةَ بين المترادف والمشترك نسبةُ العموم والخصوص الوجهي، أعني أن كلَّ مشترك فهو مترادف، ولا عكس؛ إذ اللفظُ المشترك حين يدلُّ على معنى ثان أو أكثر يكون بتلك الدلالة مرادفًا للفظ آخر على ذلك المعنى. ولم أظفر بلفظٍ مشترك هو مختصُّ الدلالة على بعض معانيه، بحيث لا يكونُ لذلك المعنى لفظ آخر، فالعين حين يدل على معنى الذهب يكون مرادفًا للفظ ذهب ولفظ عسجد، وحين يدل على معنى منبع الماء يكون مرادفًا للفظ ينبوع. فظهر أن لفظَ الترادف هو دلالة لفظ على معنى دل عليه لفظٌ آخر فصاعدًا في اصطلاح التخاطب، سواء أكان اللفظان فصاعدًا دالَّيْن على ذلك المعنى بالأصالة - أي بالحقيقة - أم كان بطريق النقل وغلبة الاستعمال المساوي للحقيقة. فالسيف والحسام مترادفان لدلالة كلٍّ من هذين اللفظين على شيء واحد، سواء أكان الحسام في القديم دالًّا على وصف في السيف أم لم يكن؛ لأن لفظ الحسام قد أصبح مساويًا في الدلالة للفظ السيف.

стр. 1054

وظهر أن ليس من المترادف أن نؤول دلالةَ اللفظين أو الألفاظ إلى مآل واحد، إذا كان المعنى المدلولُ لأحد اللفظين مختلفًا بالمفهوم، فإن كثيرًا من الألفاظ المتقاربة المعاني تفيد عند الاستعمال مَفاداتٍ متحدة. وأُمَثِّل لذلك بما ذكره أبو الفتح في الخصائص: " [ومن ذلك ما جاء عنهم في] الرجل الحافظ للمال، الحسن الرِّعْيَة له [والقيام عليه، يقال: ] هو خَالُ مَالٍ، وخَائِلُ مَال، وصَدَى مال، وسُرسُوْر مال، وسُؤْبان مال، ومِحْجَن مال، وإِزَاءُ مال، وبِلْوُ مال، وحِبْل مال، وعِسْل مال، وزِرُّ مال. وجميع ذلك راجعٌ إلى الحفظ لها، [والمعرفة بها] ". (١) وكذلك مآل اللفظين إذا كان أحدهما حقيقةً والآخر مجازًا غير منقول إلى الحقيقة. وأمثل أيضًا باللفظ الدال على معنى واللفظ الدال على نفي نقيضه، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [طه: ٧٩]، وقول أبي طالب: وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ قَائِمًا ... قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ (٢) المبحث الثاني: هل المترادف واقع في اللغة العربية ؟ هذا مُخْتَلَفٌ فيه بين أئمة العربية اختلافًا غريبًا منشؤه اختلافُ وجهة أنظارهم في عده لمزًا للغة وعدم عده إياه (٣)، وذلك أنه لا خلافَ في أن المقصد من اللغة الإبانةُ عن المراد، فوضع الأسماء للمسميات طريقٌ للإبانة، فإذا وضع للمسمى اسمٌ حصلت فائدةُ الإبانة، فيكون وضعُ اسم ثان فصاعدًا لذلك المسمى زيادة على اللازم للإبانة، فمن هنا سلكوا مسلكين:

стр. 1055

١ - فَمَنْ رأى تلك الزيادةَ فضولًا وعبثًا، جزم بوجوب تنزيه اللغة العربية عن اللفظ المترادف؛ لأنه لا يتناسب وما عُرفت به اللغةُ العربية من إتقان الوضع. ٢ - ومَنْ رأى تلك الزيادةَ غيرَ خاليةٍ عن فائدة، جزم بوقوع الترادف. وقد اتفق الفريقان على أننا نجد في الكلام المستعمل ما يلوح منه ببادئ الرأي أنه مترادف. وإنما اختلفوا في الأخذ بها يلوح بادئ الرأي حتى نجزمَ بوقوع المترادف، أو في لزوم اعتبار التفرقة بين الألفاظ التي يلوح ترادفُها حتى نتعمق في البحث عن التفرقة بينها. معنى الوضع: وإذ قد كان نصبَ أعين الفريقين اعتبارُ حكمة الوضع اللغوي، فعلينا أن ننبه الباحثَ في هذا الغرض إلى حقيقة وضع اللغة العربية حتى يكون رأيُه فيصلًا بين الفريقين عقب حكاية خلافهما. وقد تعين أن أُحَرِّرَ القولَ في هذا الغرض؛ لأنه ملاكُ صواب الفهم في هذا المبحث، وهو أيضًا عونٌ على إدراك كثير من أسرار العربية عند عروض النظر فيها. إن معظمَ الذاكرين لفظ "وضع" و"واضع" يسبق إلى أذهانهم عند ذلك ما يُوهمه لفظُ "الوضع" من وجود فردٍ أو طائفةٍ أخذت على نفسها تعيينَ الألفاظ للدلالة على الأشياء. وهذا الرأيُ مِنْ رأْيِ مَنْ رأى أن اللغاتِ اصطلاحية. وغلا بعضُهم فزعم أن الذي تولَّى هذا العملَ الحكيمَ هو الله ، وهذا رأيُ مَنْ زعم أن اللغات توقيفية (١). وكلا القولين ليس بسداد؛ لأننا لسنا نبحث عن وضع اللغة الأُولَى للبشر، وإنَّما نبحث عن لغةِ أمةٍ من أمم البشر تتميز عن غيرها من لغات الأمم بكلماتها وتراكيبها. ومع ذلك نجد أكثرَ اللغويين والأدباء، إذا بسطوا القولَ في شرف اللغة

стр. 1056

أو في وضعها، صدرت منهم كلماتٌ تنبئ أنهم يتخيلون للعربية واضعًا هو شخصٌ واحد أو جماعة. فمن الناس مَنْ يقول: إن واضعَها هو يعرب بن قحطان، ومنهم مَنْ يقول: "الواضع" ولا يعينه. قال ابن الأثير في "المثل السائر": "وحضر عندي في بعض الأيام رجلٌ من اليهود، وكنتُ إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد؛ لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك. فجرى ذكرُ اللغات، وأن اللغة العربية هي سيدةُ اللغات، وأنها أشرفهن مكانًا وأحسنهن وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك، وقد جاءت آخرًا فنفت القبيحَ من اللغات وأخذت الحسن؟ ثم إن واضعَها تصرَّف في جميع اللغات السالفة، فاختصر ما اختصر، وخفف ما خفف. فمن ذلك اسم الجمل؛ فإنه عندنا في اللسان العبراني كوميل مُمالًا على وزن فُوعيل، فجاء واضعُ اللغة العربية وحذف منها الثِّقلَ المسْتبشَع، وقال: جمل، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة. ولقد صدق في الذي ذكره، وهو كلام عالم به". (١) وقال ابن جني في "الخصائص": "اعلم أن واضعَ اللغة لمَّا أراد صوغَها، وترتيبَ أحوالها، هجم بفكره على جميعها، ورأى بعين تصوره وجوهَ جملها وتفاصيلها، وعلم أنه لا بد من رفض ما شَنُع تألفُه منها، نحو هع وقج وكق، فنفاه عن نفسه". (٢) فهذا يُنْبِئُ عما كانوا يتخيلون في صفة الوضع والواضع، وأن ذلك وضعُ شخصٍ أو جماعة تصدوا لوضع اللغة (٣)، فانتصبوا لذلك في أيام وساعات يركبون الحروف، ويبنون منها الكلمات، ويزيدون وينقصون، وقد حفت بهم أقوامٌ

стр. 1057

متشوِّفون إلى نتيجة عملهم طيلةَ مدة الاشتغال بالوضع، فيُلقِّنونَهم كلَّ يومٍ أو كلَّ ساعة ما بثّوا وضعَه (١) من الكلمات الدالة على أشياء. فيخرج أولئك الأقوام سراعًا يتكلمون بما قُسم لهم في ذلك اليوم، ويبثونه في أهلهم وأحيائهم؛ لأن مثلَ هذا العمل لا يساعد على إيجاده حالُ المجتمع القديم في البساطة لاحتياج هذا إلى نظام علمي وتواطؤ عقلي. ولم يكن في أحوال الأمم ما يسمح بتكوين هذا النظام العلمي، بل المعروف أن الأمم لما أخذوا يتدرجون في الحضارة على اختلاف مبالغهم وحظوظهم فيها، وجدوا لأنفسهم لغةً سابقة على يقظتهم المدنية، ثم هو لا تساعد على انتظاره وتلقيه (٢) حاجةُ الناس إلى الإعراب عما في ضمائرهم، إذ لا تطيق أنفسُهم أن يبقوا خرسًا مدة من الزمن حتى يفرغ الواضع من وضعه. وإنما المراد من الوضع عند إطلاقه، هو ما حصل في لغة العرب من مجموع نتائج خطبائهم، وشعرائهم، وحكمائهم، وفصحائهم، وأهل التأنق من محدثيهم في أنديتهم وأسمارهم، من كل من شهدوا له بحسن الذوق، وجرَّبوا منه حسنَ الابتكار، من رجال قبائل كثيرة العدد، وعصور عريقة في القدم، وتصرفهم في اللغة التي نشؤوا عليها، وتلقوها من أسلافهم، تصرفَ التهذيب والاختبار. فلم يزالوا بسلامة أذواقهم، يهذب اللاحقُ منهم ما نطق به سلفُه في صناعته اللسانية من مفردات الكلام، وصيغ التراكيب، ليأتوا بالأحسن فالأحسن، الخفيف المنطق، الحسن المسمع، من غير أن يُودِعُوا ذلك في سِفْر، ولا أن يتراسلوا به في كتاب. وإنما يودعونه أشعارَهم وخطبَهم وأمثالَهم وجوامعَ كَلِمِهم، عند احتشاد المجامع، واكتظاظ الأندية. فيتلقفُه عنهم مَنْ شهد تلك المجامعَ والأندية، ويحفظونه عن ظهر قلب (والعرب معروفون بقوة الحافظة).

стр. 1058

وكانت المجامعُ في عكاظ، وفي ذي المجاز، وفي موسم الحج بمكة وبمنى، قائمةً لهم مقامَ المؤتمرات والمجامع اللغوية. فربما سمعوا اسمَ الشيء عند قبيلة خفيفًا على اللسان، متناسبَ الحروف، فأخذته قبيلةٌ أخرى وكثر في كلامها. فتارة يُميتون مرادفَه في لسانهم، مثل الصبير والجحلنجع (١). وتارة يشيع اللفظان بينهم، فيجيء الترادف. قال أبو هريرة (وهو من دوس): "ما سمعتُ السكينَ حتى سمعتُ قولَ رسول الله في الحديث عن سلمان: "إيتوني بالسكين"، وما كنا نقول إلا المدية". (٢) ولقد بعد عهدُنا بعصر العرب الأول حتى نتقصَّى بعضَ ما صدر من أهل بلاغتهم من مبتَكَرات استعمال الألفاظ في المجامع، فيتسنى لنا التمثيلُ ببعض ذلك في مقامنا هذا. ولكنا نعرف حادثةً قد تصلح أن تكون مثالًا هنا، وهي ما رواه أبو هلال العسكري أن كعب بن زهير لَمَّا أنشد الرسولَ ﵇ قصيدتَه المعروفة فبلغ قوله في وصف الناقة:

стр. 1059

قَنْواءُ في حُرَّتَيها لِلْبَصِيرِ بِهَا ... عِتْقٌ مُبِينٌ وَفِي الخَدَّيْنِ تَسْهِيلُ قال رسول الله للحاضرين: "ما حُرَّتاها؟ "، فقال بعضُهم: عيناها، وسكت بعضُهم، فقال رسول الله: "هما أذناها"". (١) فسؤال الرسول للحاضرين، وعدم اهتداء العرب الحاضرين لمراد الشاعر من إطلاق لفظ الحرتين على الأذنين، دليلٌ على أنه إطلاقٌ لم يكن معروفًا للعرب من قبل، وأن الشاعر أراد بالحُرتين علامةَ الحرية، أي علامة النجابة؛ لأن العرب تطلق وصفَ الحر من كل شيء على مستكمل أوصاف الكمال فيه، وأن الرسول ﵇ علم مرادَ الشاعر من فرط فطنته، إذ كان لا يصلح من شِيَّات الإبل أن يكون دالًّا على النجابة إلا الأذنان. وقريبٌ من مثالنا هذا ما قاله علماءُ العربية من أن أميةَ بن أبي الصَّلْت [كان] ينطق بكلماتٍ لا يعرفُها العرب ثم تشيع، كقوله: "قَمَرٌ وَسَاهُورٌ يُسَلُّ ويُغْمَدُ"، أراد بالساهور الظلمةَ البادية مع الهلال من بقية كرة القمر، وقوله أيضًا: "هُوَ السَّلْطيطُ فَوْقَ الأَرْض مُقْتَدِرُ" (٢)، أراد به الله تعالى، حتى توهم بعضُهم أنها كلماتٌ جاءت من العبرية؛ لأنه كان مِمَّنْ تَحنَّث في الجاهلية وقرأ في كتب اليهود (٣).

стр. 1060

ثم إن لدخول الكلمات المعربة من (١) اللغات غير العربية أثرًا قويًّا في إيجاد المترادف في العربية، مثل الإستبرق والقسطاس. مذاهب العلماء في إثبات المترادف: الآن تعلمُ أنه قد ذهب جماعةٌ إلى إنكارِ وقوع المترادف في العربية، قال بذلك ابنُ الأعرابي، وأحمد بن يحيى ثعلب، وتلميذُه أحمد بن فارس. قال ابن الأعرابي: "كلُّ حرفين أوقعَتْهما العربُ على معنى واحد في كل واحد منهما معنًى ليس في صاحبه، ربما عرفناه [فأخبرنا به]، وربما خفيَ علينا، فلم نُلزم العربَ جهلَه" (٢). وقال ابن فارس: "ويُسمَّى الشيءُ الواحد بالأسماء المختلفة، نحو السيف والمهند والحسام. والذي نقوله في هذا: إن الاسم واحد وهو السيف، وما بعده من الألفاظ صفات. ومذهبنا أن كلَّ صفة معناها غير معنى الأخرى. وقد خالف في ذلك أقوامٌ فزعموا أنها وإن اختلفت ألفاظها، فإنها ترجع إلى معنى واحد؛ وذلك قولنا: سيف وعَضب وحسام. وقال آخرون: ليس منها اسم ولا صفة إلا ومعناه غير الآخر. قالوا: وكذلك الأفعال، نحو مضى وذهب وانطلق، وقعد وجلس، ورقد ونام وهجع. قالوا: ففي قعد معنى ليس في جلس، وكذلك القول فيما سواه. وبهذا نقول، وهو مذهبُ شيخنا أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب". (٣)

стр. 1061

ويظهر أن أبا علي الفارسي يميل إلى هذا؛ قال ابن العربي في "أحكام القرآن" في سورة الأعراف (١): "أخبرنا [. . .] أبو المظفر محمد بن العباس لفظًا، قال: سمعت الأستاذ المُعظَّم عبد القاهر الجرجاني يقول: كنت بمجلس سيف الدولة بحلب، وبالحضرة جماعةٌ من أهل المعرفة فيهم ابن خالَوَيه، فقال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسْمًا، فتبسم أبو علي وقال: ما أحفظ له إلا اسْمًا واحدًا، وهو السيف! فقال ابن خالويه: فأين المهند؟ وأين الصارم؟ وأين الرَّسُوب؟ وأين المِخْذَم؟ وجعل يعدِّد، فقال أبو علي: هذه صفات، وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة". (٢) وربما احتجوا بما وقع في الكلام من عطف أحد المترادفين على الآخر، نحو قول عدي بن زيد: "وألفى قولها كذبًا ومينًا" (٣)، قائلين: إن العطفَ دليلٌ على المغايرة بين المتعاطفين، وسنتعرض له.

стр. 1062

وعندي أن الذي جر المنكرين إلى إنكاره أمران: أحدُهما أنهم خالوا المترادفَ منافيًا لحكمة الواضع؛ لأنه تحصيلُ حاصل. والثاني ما وجدوه في مترادفات كثيرة مشتقة مع الاختلاف في موادّ اشتقاقها اختلافًا يؤذن باختلاف مدلولاتها، مثل الصارم، والفَيصل، والحُسام، المشتقة من الصِّرم، والفَصْل، والحسْم. وهذا الثاني هو الذي يرمى إليه كلامُ أبي علي الفارسي في مناظرته مع ابن خالويه (١). وكشفُ شبهتهم أن نقول: أما منافاتُه للحكمة فممنوعة؛ لأن حكمةَ وضع اللغة المتسعة ليست منحصرةً في الإبانة، بل له حكمةٌ أخرى وهي قصدُ التوسع في الكلام، كما قال قطرب (٢)، وإيجاد مادة لأدب تلك اللغة. وإن منكري الترادف لمَّا قَصَروا نظرَهم على التوجه نحو حكمة الوضع من جهة حصول الإبانة فقط قد غبنوا العربيةَ حقَّها من الشرف إذ نزّلوها بمنزلة اللغات الساذجة التي قصاراها الدلالةُ على بسيط المعاني الجائشة بالنفس. وليس كذلك معظمُ همِّ اللغات الكبرى، فإنها يُقصد منها أن تكون صالِحةً لأَنْ يتملك المتكلمُ بها مشاعرَ السامع في حال الشعر، والخطابة، والمراسلة، والملح. وإن العربية سيدةُ اللغات، فوجب أن يكون لها

стр. 1063

من الثروة، ووسائل الوفاء بآثار تفكير أهلها، وبمقتضيات أحوال الفصاحة والبلاغة في تلك المقامات، أعظمُ حظٍّ وأوفرُه. ولوجود المترادف عونٌ كبير على الوفاء بذلك الغرض الشريف؛ إذ به يتمكن الخطيبُ من استرساله في ارتجاله، والشاعر من التعجل بإقامة ميزان شعره وتسديد قوافيه، والأديب من مراعاة التفنن اللفظي في مجانسة الكلام ومجانبة ثِقَل إعادة الألفاظ إن هو لُزّ إلى إعادة القول في غرضه، والمراسل كذلك في رسائله، وصاحب المُلَح إليه أحوج. وسأبسط ذلك في المبحث الرابع. على أنا نعود هنا إلى ما قدمناه في بيان معنى الوضع، فننفي أن يكون ثمة واضعٌ يوصف بالحكمة، ويُحسب عليه الإخلال بها. فإن المتكلمين باللغة إذا تناقلوا استعمالَ بعضهم بعضًا طفحت عليهم اللغات، فيتكون المترادفُ بلا رغم منهم، ثم ينتفعون به. بيد أن هذا التوجيه وإن كان يدفع النكد عن الواضع، فهو يناكدُ اعتبارَ الوصف الذي لاحظه أبو علي الفارسي ومنكرو المترادف. فوجب السعيُ إلى الاعتراف بأن بعضَ ما يُتوهَّم أنه من المترادف هو غيرُ مترادف، بل هو من الأسماء التي حصلت دلالتُها على معان واحدة باعتبار المآل، فرجع إلى ما أخرجناه من ماهية المترادف عند الكلام على حده بقولي: "وظهر أن ليس من المترادف. . ." إلخ، وأن أهل اللغة تساهلوا في كثير من المفردات بعدِّها من المترادف، وما هي منه على التحقيق. ووجب الاعترافُ بتزييف معظم ما زعمه مُنْكِرُو الترادفِ وأبو علي الفارسي من كون المترادفات مشتملًا بعضها على قيود واعتباراتٍ غير مشتمل البعض الآخر عليها؛ فإني أراها دعوى عريضة. وأما احتجاجُهم بعطف أحد المترادفين على الآخر فلا حجةَ فيه؛ لأنه من النادر، وهو من أفانين البديع في الكلام، بتخييل معنى التوكيد اللفظي في خيال معنى التأسيس، تنزيلًا له منزلةَ إجراء وصفٍ ثان، ليشير المتكلمُ إلى أن الوصف بلغ من

стр. 1064

الشدة في الموصوف مبلغَ إنشاء وصف ثان عنه. ونظيرُه عطفُ المركَّب أو الجملة على معطوف قد أفاد معنى المعطوف عليه دون زيادة، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ [الأنعام: ١٤٠]، وقول الأعشى: "إِمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لَا نِعَالَ لَنَا" (١). وأما وجودُ مترادفاتٍ مُؤْذِنةٍ بأوصاف، فلا يقضي بإنكار الترادف من أصله؛ إذ غايةُ ما يقتضي أن يُحَرَّرَ الخلافُ في ثلة من المترادفات، لا بإنكار الترادف كله، إذ لا محيصَ من الاعتراف بأن الجوامدَ الواقعة على معنى واحد هي مترادفة، كالخمر والعُقار، وبأن المشتقات التي أُجرِيت مجرى الأسماء بغلبة الاستعمال صارت في حكم الجوامد، بقطع النظر عن أصل الاشتقاق. فإن الحسام والصارم والفيصل، وإن كانت أسماء مشتقةً من أوصاف، وكانت في الأصل جاريةً مجرى الأوصاف للسيف باعتبار المعاني المشتقة هي منها، فإنه لما كثر ذكرُها بدون موصوفاتها لتعين الموصوف بذكر وصفه نظير وصفه، نظير قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾ [القمر: ١٣]، استُغنِيَ بذكرها عن ذكر موصوفها حتى ساوته في الاستعمال، فعوملت معاملةَ الجوامد، فصارت مترادفاتٍ بالاستعمال. وبعضُ هذا النوع أقربُ إلى التوصيف من بعض، وبعضه لم يبلغ مبلغ الأسماء، ألا ترى أن إطلاق المشرفي والمهند على السيف أقرب إلى اعتبار التوصيف فيه من إطلاق نحو الحسام والصارم. ألا ترى أنهم أطلقوا على السيف اسْمًا مركَّبًا

стр. 1065

من موصول وصلته في حكم الوصف ولم يجروه على موصوفه؟ ولكنه لم يشتهر بينهم، وذلك في قولهم: "ما ضُمَّتْ عليه الأنامل"، كما في قول النابغة: "وَمَهْرِي وَمَا ضَمَّتْ لَدَيَّ الأَنَامِلُ". (١) وأطلقوا عليه ذا رونق في قول أبي ذؤيب: فَكِلَاهُمَا مُتَقَلِّدٌ ذَا رَوْنَقٍ ... صَافٍ إذا مَسَّ الأَيَابِسَ يَقْطَعُ (٢) ولكنه لم يشتهر، فلم يصر مرادفًا للسيف. وإن الأسماءَ المنقولةَ من المنسوب أدلُّ على سبق الوصفية فيها كقولهم: مشرفي للسيف، وقولهم: رُدَيْني، وخطيّ، وسَمْهَرى، ويَزَنِيّ للرمح، وقولهم: تُبَّعِيّة للدرع، وقولهم: صَرْخَدِيّ وبَابِليَّ للخمر، حتى أصبح لا يطلق المشرفي بدون موصوف إلا على السيف، ولا يُطلق البَابليُّ - مثلًا - بدون موصوف إلا على الخمر، فإذا أردتَ غير الخمر قلت: سحرٌ بابلي، أو رجل بابلي. وقد يُخرج العربُ الوصفَ عن الوصفية إلى اللقبية، أي إلى اعتباره لقبًا، وما يزالون يتعاهدون الوصفية. وهذا مثلُ إطلاق الليث صفةً بمعنى الوثاب، ولذلك

стр. 1066

سموا دويبة من العنكبوت ليثًا، ثم شاع وصفُ الأسد بالليث حتى صار مرادفًا للأسد. وقد يتعاهدون الوصفيةَ فيجرونه صفة للأسد، كقول كعب بن زهير: مِنْ خَادِرٍ مِنْ لُيُوثِ الأُسْدِ مَسْكَنُهُ ... فِي بَطْنِ عَثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ (١) ويظهر ذلك في الغيث، فهو مرادف للمطر، لكنهم لا يستعملونه في المطر الضار كحجارة البرد. وفي القرآن: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقال: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، فسماه غيثًا؛ لأنه مطر نبات. المبحث الثالث: أسباب وقوع الترادف في اللغة: السبب الأول: أن اللغة العربية قد تميزت عن أخواتها من اللغات السامية من حين انفصال العرب عن مواطن بقية الساميين لحلولهم في عربة، وهي تهامة (التي لأجلها سموا عربًا)، وهي الشاطئ الكائن على بحر القلزم (الأحمر) في جنوبه وشماله، وانتشروا حينئذ على ذلك الشاطئ، ثم على شاطئ بحر عدن. واستوطنوا ذلك الشاطئ وبعض سرواته، وهو بلاد اليمن، فتكلموا بلغتهم العربية العتيقة، أعني اللغة القحطانية. وتفرقوا قبائل، فنزلوا حضرموت، والأحقاف، وبلاد عمان، وبلاد البحرين، والسروات الفاصلة بين تِهامة والبحرين، وهي المسماة بنجد ثم بالحجاز. وكانت لغتُهم متماثلةً متقاربة؛ إذ كانوا أمةً واحدة. ثم جاء إبراهيم بن تَارح العبري الكلداني (الخليل ﵇) بامرأته هاجر وابنه الغلام إسماعيل، فأودعهما بديار جُرهم في طريق تِهامة، بمحلٍّ يُقال له مكةَ أو بكة. فنزلت هاجر بغلامها في جوار

стр. 1067

جرهم، وكانت تتكلم باللغة الكلدانية، أخت اللغة العربية، وأصل اللغة العبرانية. فاضطر المتجاوران للتعارف، واقتبس بعضُهم لغةَ الآخر. وكان حكمُ الطبع قاضيًا أن تتغلب لغةُ جُرْهُم على لغة امرأة نزلت بين ظهرانيهم، لكن ذلك لا يمنع أن تكون اللغةُ الغالبة قد اجتذبت بعضَ كلماتٍ انتخبتها من اللغة الجديدة حَسُن وقعُها في أسماع القبيلة. وقد رأيتُ بعضَ الأدباء يزعمون أن اللغةَ العدنانية تميزت عن القحطانية بسبب دخول العَبْرانية فيها، وتصرف العرب في اللغة العبرانية بالتهذيب، كما حكاه ابن الأثير في "المثل" أن بعضَ علماء اليهود بالديار المصرية علَّلَ فصاحةَ العربية بأنها جاءت آخرًا فنفت القبيحَ من اللغات قبلها، وأخذت الحسنَ وخففته؛ فمن ذلك اسم الجمل فإنه في العبراني كوميل فصار في العربية جمل. قال ابن الأثير: "لقد صدق في الذي ذكره، وهو كلامُ عالِمٍ به". (١) وأنا أَعُدُّ هذا جهلًا من اليهودي بقدم العربية، وظنًّا منه أن العربَ تكلموا بالعربية بعد إبراهيم الخليل. والحقيقةُ أن العربية أقدمُ من العبرانية، فإن قحطان أعلى طبقةً في سلسلة النسب السامي من إبراهيم الخليل، وتماثُلُ الكلمات في لغتين لا يعيِّن كونَ أحدهما فرعًا عن الأخرى؛ لأن تعيين الأصل منهما لا يخلو من تحكم. على أنِّي أرى أن إبراهيمَ ما وقع اختيارُه في وضع أهله في بلاد العرب إلا وكان رائدُه الأول في ذلك إمكانَ عيش زوجه وابنه بينهم. وأولُ وسائل ذلك اتحادُ اللغة أو تقاربُها، أو تقاربُ الأخلاق والعوائد. ثم إنِّي لا أستبعد أن إبراهيمَ الذي عُرِفَ بأنه داعيةُ صلاح، وناشرُ حضارة وتهذيب - والذي قد جاب البلادَ يدعو إلى الدين وإلى نبذ الوثنية، وإلى أصول الحضارة والمدنية، فدعا إلى إصلاح التفكير

стр. 1068

بمفارقة الوثنية، وإلى إصلاح العمل بتأسيس أصول الحنيفية - قد كان يبث بين أصحاب أمانته كلماتٍ من لغته ليسَ عندهم ما يرادفها، أو تكون أخفَّ من مرادفها في لغتهم، ويبث فيهم أساليبَ من لغته تكون أتقنَ من أساليبهم، فيكون بمقامه بينهم قد أدخلَ في لغتهم كثيرًا من آثار اللغة التي كان ينطق بها، إذا جوزنا أن تكون لغتُه يومئذ أتقنَ من لغتهم. السبب الثاني: اختلاف قبائل العرب في أسماء بعض الأشياء، فتشيع الأسماء التي ينطقون بها كلها في جميع قبائلهم لا سيما في الحجاز؛ لأنها قرار القبائل. قال الجاحظ في البيان والتبيين: "القمح لغة شامية، والحنطة لغة كوفية، والبر لغة حجازية. وقال أمية بن أبي الصلت: "لبَابَ البُرِّ يُلْبَكُ بالشِّهَادِ". (١) قلت: وأهل يثرب يسمونه الفوم، قاله المفسرون في قوله تعالى: "وفومها" في سورة البقرة، وأنشدوا على ذلك قولَ أُحيحة بن الجُلَاح (٢): قَدْ كُنْتُ أغْنَى الناسِ شخْصًا واحدًا ... سَكَنَ المَدِينةَ مِنْ مَزَارِعِ فُومِ (٣)

стр. 1069

وعليه فقد نطق القرآن بلغة أهل يثرب دون لغة أهل مكة. ثم قال الجاحظ: "وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب. ولذلك تجد الاختلاف بين أهل الكوفة والبصرة، والشام ومصر. [حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح قال: ] قال أهلُ مكة لمحمد بن المناذر (الشاعر البصري) (١): ليست لكم معاشرَ أهل البصرة لغةٌ فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظُنا فأَحْكَى الألفاظ للقرآن، وأكثرُها له موافقة، [فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم]. أنتم تسمون القِدْرَ بُرْمة، وتجمعون البُرمة على بِرام، ونحن نقول قِدْر ونجمعها على قُدُور، قال الله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]. وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت عُلِّيَّةٌ وتجمعون هذا الاسم على عَلَالِي، ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غُرُفات وغُرَف، وقال [الله تبارك] وتعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ [سبأ: ٣٧]، وقال: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر: ٢٠]. وأنتم تسمون الطَّلْعَ الإِغْرِيض والكَافور، ونحن نسميه الطَّلع، قال الله تعالى: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ [الشعراء: ١٤٨] ". (٢) ثم قد يكون أحدُ اللفظين مجهولًا في بعض القبائل، كما رُوي أن عبد الله بن مسعود أقرأ بعضَ العرب: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ [الدخان: ٤٣, ٤٤]، فقرأ العربي: طعام اليتيم، فقال ابن مسعود: الأثيم. فقال العربي: اليتيم.

стр. 1070

فأراد ابنُ مسعود أن يبين له فقال: الفاجر، فقرأ: طعام الفاجر". (١) وهذا يدل على أن العربِيَّ لم يكن يعرف الأثيم، فلذلك أَكْذَبَ سَمعَه، وتوهم أن ابنَ مسعود يريد اليتيم، وأنه لم يُحسِنْ الإفصاحَ عن اللفظة. وقد تكون إحدى اللفظتين أغلبَ على الأخرى، مثل المدية عند بعض العرب، فإنها أغلبُ من السكين، كما سيأتي. وقد تساءل كثيرٌ من الصحابة عن معنى الأبِّ في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]. وسأل عمر عن معنى التخوف في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧] حتى قال شيخٌ من هذيل: هذه لغتنا. التخوف: التنقص، وقد قال شاعرُنا أبو كبير: تَخَوَّف الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا ... كَمَا تَخَوَّف عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ (٢) السبب الثالث: اختلاف نطق قبائل العرب لبعض الحروف، مثل قولهم: ذُرُّوح وذُرْنُوح، وقولهم: صِراط وسِراط وزِراط، وقو لهم: صَقَر وسَقَر، وزُفَّة (اسم للطائر المعروف)، وقولهم: سَاطَ وشَاطَ، بمعنى خَلَط، وقولهم: ادَّكَر واذَّكَر (٣). وكما قال معظمُ العرب: بَقِيَ ورَضِيَ، وقالت طيِّئ: بَقَى ورَضَى. وكما قالوا: قَلَيْته أُقْلِيه

стр. 1071

وقَلَيْته أقْلَاه في المضارع، وسَلَوته أسلوه وسَلَيْته أَسْلاه (١). وكما قالوا: جَدَث وجَدَف، وثُوم وفُوم، وقمّة الجبل وقُنّة الجبل، وتابوت وثَابوت (٢). قال المبرد في الكامل: "وبنو سعد بن زيد مناة من تميم يبدلون الحاء هاء، ولذلك قال النعمان بن المنذر لحَجْل بن نضلة: "أردت أن تَذِيمه فمدهته (يعني معاوية بن شكل) ". (٣) وقال رؤبة بن العجاج (٤): "لله دَرُّ الغانياتِ المدَّهِ"، أراد

стр. 1072

المدح، وقال: "بَرَّاقُ أَصْلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ"، وأراد الأجلح (١). وقال التبريزي في شرح ديوان الحماسة: أزد شنوءة يقلبون القاف جيمًا، قال الشنفرى: وَلَوْ عَلِمَتْ جُعْسُوسُ أَنْسَابَ وَالِدِي ... وَوَالِدِهَا ظَلَّتْ تَقَاصَرُ دُونَهَا واسمها قُعسوس" (٢). ومن هذا قولُ العرب جَثَلْ بمعنى جزَلْ، قال العجاج (٣): "قُرُونَ جَثْل وَارِدٍ

стр. 1073

مُجَثَّلِ" (١). ومثل لثام ولفام، ورُضَاض بمعنى حطام العود، ورُفَاض بمعناه، وسَجَحَت، أي: سجعَت. وقالوا: سلحب وسلهب للطويل، وبنو فُقيم يبدلون الياء المشددة في آخر الكلمة جيمًا فيقولون في العشي العشجّ، وفي عليّ علجّ. السبب الرابع: تخفيفُ بعض قبائل العرب بعضَ الكلمات، فتصير الكلمةُ بالتخفيف ككلمة أخرى مرادفة لمعنى الكلمة قبل التخفيف، كما قالوا حِظَة بمعنى حُظْوة، قالت ابنة الخُس: "إِنْ هِيَ إِلَّا حِظَةٌ أَوْ تَطْلِيق" (٢). وفي شرح الحماسة للتبريزي أن أزد شنوءة يقولون: كاك بمعنى كذلك (٣). قلت: وتقول العرب: هَيْدَ مَا لَكَ، وكلاهما اختصار لقولهم: يا هذا مَا لَكَ، وقالوا: علّ بمعنى لعل، وكي بمعنى كيف، وكذلك قالوا: سِوى وسُوى وسُواء، وقالوا: أكد ووكد. وحاشا وحاشَ وحشَى وإما وإيما، وعابٌ وعَيْبٌ، وذامٌ وذَمٌّ.

стр. 1074

السبب الخامس: ما دخل في لغات العرب من الألفاظ الأعجمية، وهي ما يُسمَّى بالمعرب، وهي كثيرة جدًّا في العربية. وقد قيل: إن القرآن اشتمل على ما يُنيف على مئة كلمة من المعرب، وفي عد بعضها تسامح. وقد استوفاها السيوطي في الإتقان، مثل القسطاس للعدل من الرومية قاله مجاهد، ومثل الجُلّ اسم للورد (من الفارسية) في قول الأعشى: وَشَاهِدُنا الجُلُّ وَاليَاسَمِيـ ... ـنُ والمُسْمِعَاتُ وقُصَّابها ومثل بستان (الحائط) بالفارسية؛ فإنه مركَّبٌ من كلمتي "بو" بمعنى فاكهة (١)، و"سَتان" بمعنى موضع. قال الجاحظ في البيان: "ألا ترى أن أهلَ المدينة لما نزل فيهم ناسٌ من الفرس في قديم الدهر، علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمون البِطِّيخ الخِرْبِز، ويسمون السَّميط الزَّرْدَق، ويسمون المصوص المزوز، ويسمون الشِّطْرَنْج الإشترنج إلى غير ذلك من الأسماء. وكذلك أهلُ الكوفة يسمون المسحاة بال، وبال بالفارسية. . . ويسمي أهلُ الكوفة الحَوْك (أي: البقلة الحمقاء) الباذروج، والباذروج بالفارسية، والحوك كلمة عربية. وأهلُ البصرة إذا التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهلُ الكوفة الجهار سُوك؛ والجهار سوك بالفارسية. ويسمون السوق أو السُّوَيْقة وازار؛ والوازار بالفارسية، ويسمون القِثَّاء خيارًا والخيار فارسية، ويسمون المجدوم وَيْذِى بالفارسية". (٢)

стр. 1075

السبب السادس: كثرة المجاز في كلام شعراء العرب حتى يشيع شيوعًا يقربه من الحقيقة فتحدث بسبب ذلك ألفاظ مرادفة في المعنى المراد للألفاظ الحقيقية، وينسى منها اعتبار العلاقة التي أوجبت المجاز بها، فالمجاز مفتاح باب المترادف. فإن الشاعر يطلق لفظ معنى على معنى آخر على طريقة المجاز والمرسل والاستعارة، فيعجب السامعين فينطقون به لظرافته، حتى إذا شاع صار لفظًا جديدًا يعبر عن المعنى المقصود. ومثال هذا إطلاقُ لفظ البكر على السحابة، وإطلاق لفظ الحرة على كثيرة الماء في قول عنترة: جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ (١) فإنك لا تشك أن كلا اللفظين على سبيل المجاز بالاستعارة؛ لأن البكر حسنة المنظر والحرة كثيرة الولادة؛ لأنهم كانوا يتجنبون استيلاد الإماء. وقد أطلق كعب بن زهير - كما تقدم - لفظ الحرة على أذن الناقة في قوله: قَنْواءُ في حُرَّتَيها للبَصير بها ... عِتقٌ مبِينٌ وفي الخَدَّينِ تسهيلُ السبب السابع: التوسع في الاستعمال ثم اشتهاره. من ذلك إطلاق الوصف المشهور بدون ذكر الموصوف، نحو إطلاق المدام والمدامة على الخمر؛ لأن أصل المدام أنه وصف، أي الذي أديم في الدن حتى تعتق، ثم شاعت حتى صارت اسْمًا من أسماء الخمر. ومن ذلك إطلاقُ اسم الشيء على ما يشتمل على معناه، مثل المنحة هي في الأصل الناقة أو الشاة يعطيها الموسرُ من أصحاب الأنعام للفقير يشرب لبنها ثم يردها، فكثر استعمالُها حتى صارت المنحةُ بمعنى مطلق العطية. قال ذلك أبو عبيدة في تفسير قول النابغة:

стр. 1076

إِنّي أتَمِّمُ أَيْسَارِي وَأَمْنَحُهُم ... مَثْنَى الأَيَادِي، وَأَكْسُو الجَفْنَةَ الأُدُمَا (١) ومن ذلك إهمالُ العرب ما بين اللفظين اللذين من جنس واحد من الفروق وإطلاقهما على معنى متساو، مثاله أن ثمر الأراك إذا كان رطبًا يُسَمَّى البَرَم، فإذا أدرك سُمِّيَ المَرد، فإذا يبس سميَ الكَبَاث. مع أنك تجدهم يطلقون أحدَ هذه الأسماء على حالة غيره، كقول النابغة: "ولا تبيعُ بِجَنْبَيْ نخلَةَ البَرَما" (٢)، والبَرَم لا يأكله الناسُ إلا إذا صار كباثًا، كما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص (٣). وقد استعمل طرفة بن العبد في قصيدته اسمين من هذه الأسماء في معنى واحد، إذ قال: "وَفِي الحَيِّ أَحْوَى ينْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ"، وقال: "تَنَاولُ أطْرَافَ البَرِيرِ وَتَرْتَدِي" (٤).

стр. 1077

السبب الثامن: وهو نادر، ادعاءُ بعضِ علماء اللغة معانِيَ كلماتٍ رادفت بها كلماتٍ أخرى. مثال ذلك ما حكاه الخليل في كتاب "العين" عن بعض أهل اللغة في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، أن العجل الحمأة، قال: ولم يستشهد عليه (١). قال الشريف المرتضى في أماليه: "كما قال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧]، ووجدنا قومًا يطعنون في هذا الجواب، ويقولون ليس بمعروف أن العجل هو الطين". (٢)

стр. 1078

وأنا في زمرة الطاعنين على هذا التفسير، ولا أرى حَمَلَهم عليه إلا الولعُ بمقابلة الآي بعضها ببعض، فلما وجدوا آيةً فيها ذكر "خلق الإنسان" وفيها وجودُ "من" داخلة على ما خلق من الإنسان، وهي: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٧]، حملوا عليها آيةً صادفَ أن كانت مثلها، وهي: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. وكأني بهؤلاء لو قيل لهم: ما المرادُ بأحسن تقويم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤]؟ لقالوا، هو بطن الأم؛ لقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الزمر: ٦]، إذ نجد في الآيتين خلقًا وحرف "في" داخلة على شيء، فيجب أن يكون دخولُها في الموضعين متحدا. السبب التاسع: ضرورةُ الشعر، وبخاصة القافية؛ فإن الشعراء تسامَحوا لأنفسهم في تغيير أحكام بعض الكلمات، وتسامح لهم العربُ في ذلك (١). فربما غيروا الكلمةَ بحكم الضرورة، فصادف ذلك التغييرُ إحداثَ حسن في الكلمة يبعث الناسَ على استعمال أمثاله كثيرًا في الشعر، ثم يصير شائعًا في الكلام نظمًا ونثرًا، وهذا مثلُ كلمة عَلَا المرادفة لعلو، فقد قال امرؤ القيس: "كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ" (٢) للضرورة، وقال غيره:

стр. 1079

وقد حَدَوْناها بِهَيْدٍ وهَلَا ... حَتّى تَرَى أسفلَها صارَ علَا (١) السبب العاشر: ما نشأ من اختلاط العرب بعد الإسلام في الفتوح، فكثر بذلك المترادف، إذ زِيدَ في دخول المعرب من الفارسية والرومية شيءٌ كثير، وإذ زيد ما دخل من لغات أهل الأمصار ما لم يكن يعْلقُ بمسامع العرب، مثل الدراقن للتفاح، والقط للهر، وعَلُو بمعنى علَى، كل ذلك في لغة أهل بغداد. ولقد اقتحموا فأدخلوا الكلماتِ الفارسية والحضرية في الشعر قبل أن يسبق تعريبُها، كما قال العُمانِيُّ (٢) في رجز يمدح الخليفةَ الرشيد: مَنْ يَلْقَهُ مِنْ بَطَلٍ مُسْرَنْدِ فِي ... زَغْفَةٍ مُحْمَكَةٍ بِالسَّرْدِ يَجُولُ بَيْنَ رَأْسِهِ وَالكَرْدِ لمَّا هَوَى بَيْنَ غِيَاضِ الأُسْدِ ... وَصَارَ فِي كَفِّ الهِزَبْرِ الوَرْدِ آلَى يَذُوقُ الدَّهْرَ آبَ سَرْدِ (٣)

стр. 1080

فالكرد اسم العنق بالفارسية. وقال غيره: وَتَرْمِينِي حَبِيبَةُ بِالدُّرَاقِنْ ... وَتَحْسبُنِي حَبِيبَةُ لَا آرَاهَا وقال آخر: سَلُورٌ فِي القِدْرِ وَيْلِي عَلُوهُ ... جَاءَ القِطُّ فَأَكَلَهُ وَيْلِي عَلُوهُ أي: عليه (١). السبب الحادي عشر: القلب في الكلمة، وهو يقع لبعض قبائل العرب، كقولهم للأصلع أصعل. وحكى ابن جني عن عيسى بن عمر، قال: "سمعت ذا الرمة ينشد: وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ يَابِسِ الشَّخْتِ وَاسْتَعِنْ ... عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْكَ لَهَا سِتْرَا

стр. 1081

قال: قلت له: أنشدتَنِي قبل اليوم من بائس؟ فقال ذو الرمة: بائس ويابس واحد". (١) المبحث الرابع: فوائد المترادف في اللغة: لا تحسبن بقاء المترادف في اللغة العربية مسبَّبًا عن اختلاط لغات قبائل العرب في عموم اللغة الجامعة لهم حيث لم يستطع فريق أن يجرد اللغة من ألفاظ الفرق الأخرى؛ لأنه لوكان ذلك هو السبب لَما اقتضى إلا أن يكونَ المترادفُ ثابتًا في مجموع اللغة العربية، وأن يكون غيرَ شائع الاستعمال لدى جميع قبائل العرب. فأما ونحن نجده فاشيًا في جميع القبائل، فذلك ينبئنا بأن بقاءه في اللغة كان عن اختيار جميع العرب. لو شاء العرب أن ينفوا الترادفَ عن لغتهم لكان ذلك يسيرًا عليهم، إذ كانوا يقتصرون على أفصح الألفاظ المترادفة نطقًا وأحسنها سمعًا، فيستعملونها في كلامهم، ويهجرون ما عداها من مرادفاتها بالطريقة المعروفة عند علماء العربية بالإماتة (٢)؛ فإنهم أماتوا كلمات بلا موجب كما أماتوا مفرد إبل وناس وماضي يدع ويذر. فإذا كان ثم موجِبٌ للإماتة، فهم أحرى بإماتة مسببه، كما تناسَوْا من كلامهم الألفاظَ الوحشية والمتنافرةَ الحروف، وتجنبوا ما ينشأ من تنافر الكلمات في التركيب. [الفائدة الأولى: ] فما أبقَوْا المترادفَ مستعملًا في كلامهم إلا لأنهم قد اختاروا بقاءه على إماتته، ولم يعبؤوا بما يقتضيه من توسع اللغة؛ إذ كان في اعتمادهم على حوافظهم وخطور لغتهم ببالهم ما يدرأ عنهم كُلفةَ تزويد حوافظهم بمفردات اللغة كما يعرض للمولَّدين بعدهم، وللدخلاء في لغتهم، وكان علمهم لمعارف غير ذلك.

стр. 1082

ولم يكن الداعي لهم إلى استبقاء المترادف مجردَ الإدلال بحوافظهم، بل رأوا في بقائه عونًا لهم على مقصدهم الأهم من أدب لغتهم، وهو مقصدُ الارتجال في الكلام والفصاحة عن تركيبه. فكانوا بحاجة إلى التوسعة على أنفسهم في طرائق التعبير والسلامة من العِيِّ والإرتاج والحصَر عند الكلام، وقديمًا ما تعوذوا بالله من ذلك. أَعِذْنِي رَبِّ مِنْ حَصَرٍ وعِيٍّ ... وَمِنْ نَفْسٍ أُعَالجُها عِلَاجَا (١) وقد أشرنا فيما مضى إلى أن أدب العربية معظمُه شعرٌ وسجع؛ كان أهل الأدب بحاجة إلى المترادف يَلْحَمُون منه نسجَ الأسجاع، ويَتِدون به متعاصي القوافِي، ويستعينون باختلاف موازين الكلمات المترادفة على إقامة ميزان العروض، بحسب ما تسمح به الأسبابُ والأوتاد. مثاله أن لفظ دابة لو لم يكن له مرادفٌ لتعذر التعبيرُ به في الشعر؛ لأنه يشتمل على ساكنين متواليين حصل أحدُهُما بالإدغام والآخر بالأصالة، إذ لا يجتمع في الشعر العربي حرفان ساكنان؛ إذ أوزانُ الشعر كلُّها مركبة من أسباب وأوتاد. فالسبب هو حرف ثان موال للحرف المتحرك المبتدأ به في النطق، فإن كان الحرف الثاني متحركًا فالسبب سببٌ ثقيل نحو فَعَ، وإن كان الحرف الثاني ساكنًا فالسبب خفيف؛ نحو فَعْ.

стр. 1083

ثم يتركب من الأسباب أوتاد، وهي الحروفُ اللاحقة للأسباب، نحو فَعَل وفَعْل. فإن كان قبل الوتد سبب خفيف سمي وتدًا مجموعًا نحو فَعَل، وإن كان قبل الوتد سبب خفيف سمي وتدًا مفروقًا نحو فَعْل. ومن الأسباب والأوتاد تتكون تفاعيلُ العروض، فلا يصح بحال وقوعُ كلمة في الشعر تشتمل على ساكنين متواليين، نحو دابة والضالين. فلولا وجودُ الترادف، لتعذر التعبير عن مدلول مثل هذين اللفظين في الشعر. وأمثل لك مثالًا آخر يريك حاجةَ الشاعر إلى المترادف، وهو أن النابغة قال قصيدته التي أولها: وَدِّعْ أُمَامَةَ والتَّوْدِيعُ تَعْذِيرُ ... وَمَا وَدَاعُكَ مَنْ قَفَّتْ بِهِ العِيرُ ثم قال في ذكر ناقته: وَقَارَفَتْ وَهْيَ لَمْ تَجْرَبْ وَبَاعَ لَهَا ... مِنَ الفَصَافِصِ بالنُّمِّيِّ سِفْسِيرُ (١) السفسير هو السمسار بالفارسية، فلولا وجودُ هذا المرادف الذي هو المعرب لعسر عليه التعبيرُ عن مقصده، مع مراعاة ياء الردف اللازم في القافية؛ لأن الرِّدفَ إذا كان واوًا أو ياء لا يجوز تعويضُه بردف هو ألف، وكذلك العكس. والفائدة الثانية في إبقاء الترادف، أنهم يتوسلون به إلى العدول عن كلمة إلى أخرى أخف منها أو أفصح مفردة أو عند التركيب، وفي حالة إفرادها أو حالة تثنيتها، أو جمعها، أو في حالتي الوصل والوقف، مثل المدية والسكين، ومثل النأي والبعد. فالنأي ثقيل وهو مصدر، فلذلك لم يستعمل في القرآن مصدرًا إلا البعد بخلافه فعلًا، قال تعالى: ﴿أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]. وكذلك الرجع مصدرًا أخفُّ من الحوْر، ويحور مضارعًا أخف من يرجع، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾

стр. 1084

[الطارق: ٨]، وقال: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤]. ولبعض الألفاظ في حالة التثنية ثقلٌ يُحْوِج إلى العدول إلى تثنية مرادفها. وللكلمات المشتملة على حرف المد ملاءمةٌ بالوقف لا توجد في غيرها، فنحو "يحور" عند الوقف أحسن من "يرجع"، ولذلك اختير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ [الانشقاق: ١٤]؛ لأنه نهايةُ كلام؛ لأن الوقف على العين يسكنها فتثقل في نهاية الكلام. وقد ذكر عبد القاهر في "دلائل الإعجاز" أن كلمة الأخدع حسُنت في قول محمد بن بشير (١): تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتَّى رَأَيتُنِي ... وَجِعْتُ مِنَ الإِصْغَاءِ ليْتًا وَأَخْدَعَا (٢) وكُرِهت في قول البحتري: يَا دَهْرُ قَوِّم مِنْ أَخْدَعَيْكَ فَقَدْ ... أَضْجَجْتَ هَذَا الأَنَامَ مِنْ خُرُقِك (٣)

стр. 1085

وهو كما قال (١)، إلا أني أخالفه فيما وجَّه به، وأرى الموجِبَ للفرق بين اللفظين حالَ الإفراد والتثنية. الفائدة الثالثة أن العربية لغة تفنن، فهم يكرهون التكرار والإعادة، إلا في مقاماتٍ قليلة تسمح بذلك. وفي المترادف عون على تجنب إعادة اللفظة إذا اقتضى الحالُ إعادة الحديث عن مدلولها، وهذا من أسباب التعبير في القرآن بلفظ في موضع آخر مثله. وإن بعض علماء البلاغة قد يتكلفون لإبداء التعليل في وجه ذلك الاختلاف، ولا يعرجون على أنه قد يكون لمجرد قصد التفنن، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾ [يونس: ٣٥] إلى آخر الآية. فعدّى يَهْدِي مرة بإلى، ومرة باللام، كراهية تكرير التعدية باللام ثلاثَ مرات. التحذير من الغفلة عن الفروق بين الكلمات: التطرفُ يعلم القصد. فلما وجدنا متطرفين في إنكار الترادف، وجب علينا أن نقتصد في دعوى وقوعه، فلا نقع فيما وقع فيه ظاهريةُ اللغويين من الحكم بالترادف بين كلماتٍ تقاربت معانيها فجَرَّؤُوا الشادين في اللغة على اعتقاد ترادفها، وعلى استعمال بعضها موضعَ بعض. فكان ذلك مبدأ أخطاء كثيرة، ومسرَى داءٍ وبيل لانحلال عَقْد العربية. وقديمًا أهمَّ ذلك كثيرين من النحارير مثل أبي علي الفارسي،

стр. 1086

وابن جني، فنبهوا على أغلاط كثيرة. من ذلك قصةُ أبي علي الفارسي مع ابن خالويه في أسماء السيف. ولذا ألَّف الأئمةُ وبوبوا أبوابًا للفروق بين الكلمات المتقاربة المعاني، كما فعل ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (١)، وأبوابًا لإيضاح الألفاظ الدالة على معان كلية يقع اللفظُ منها على جزئياتِ المعنى الكلي بسبب كونها جزئيات معنى واحد لا بسبب الترادف، كما فعل أبو منصور الثعالبي في مقدمة "فقه اللغة" (٢). والواجبُ على الساعين في تجديد شباب العربية، وانتشالها من وصمة عدم الانضباط، أن يجدوا وسائلَ لبيان جميع الفروق في اللغة، حتى لا يبقوا من المترادف إلا ما هو مترادفٌ بلا شبهة. وكذلك يجب على الذين يتهمَّمُون بإتقان علم اللغة، ويتنافسون في التحلي بحلية الكتَّاب والبلغاء، أن يتوخوا جهدهم مطابقةَ الألفاظ لأكمل معانيها الموضوعة لها في اللغة. وسأمثل لك مثالًا يكون لك في نسيج هذا النمط منوالًا: تجد في العربية كلمةَ "غير"، وكلمة "دون"، تجدهما لفظين ملازمين للإضافة دالَّيْن على معنى كالواحد، وهو الشيء الذي لا يلاقي ما تُضافان إليه، فيُخَيَّل إليك صحةُ استعمال أحدهما في مكان الآخر عند التعبير على مغايرة شيء لآخر. وربما جرَّأك على ذلك وجدانُك كثيرًا من المتكلمين يُطلقون أحدَهُما في مكان الآخر، إلا أنك إذا رجعتَ إلى أصل الوضع فوجدتَ "غير" اسمًا دالًّا على إثبات المغايرة، ووجدتَ "دون" ظرفًا دالًّا على مكانٍ ناء عن المضاف إليه، خالَجَك الظنُّ

стр. 1087

بأن اختلافَ وضعِهما لا بد أن يكون مؤثِّرًا في فرق ما بينهما، فيظهر له أثرٌ في مواضع استعمالهما، فتظنَّ أن "غيرًا" تكون أولَى بالتعبير عن المعنى المقصودُ منه إثباتُ شيءٍ موجودٍ مغايِرٍ للمضاف إليه، وتظن أن "دون" أولَى بالتعبير عن معنى مقصودٌ منه الإخبارُ بالمضادة والتجافي للمضاف إليه، فإذا تأملتَ في قول المعرّي: لَا تَطْلُبَنَّ مِنْ غيرِ حَظٍّ رُتْبَةً ... قَلمُ البَلِيغِ بِدونِ حَظٍّ مِغْزَلُ (١) بان لك تضلعُ المعرِّي في العربية، وحسنُ اختياره لوقع الكلام؛ لأنه لمَّا أراد اليأسَ من تطلب المرتبة الرفيعة بشيء من الأشياء غير البخت أتى بلفظة "غير" الدالة على الذات لمناسبة تعلق الطَّلَب بالذات، ولما أراد إفادةَ عدم جدوى البلاغة بدون بخت أثبت أن قلم البليغ إذا حلَّ في مكان بعيد عن الحظ، كان كالمِغْزل. فلو أن المعري عكس فجاء بدون في الأول، وغير في الثاني، لكان صحيحًا في الظاهر خطأ عند التأمل، إذ لا يتعلق المطلب بالدون، ولا يكون قلم البليغ مصاحبًا لأشياء هي مغايرة لحظ، ولو أتى بكلمة غير فيهما أو بدون فيهما لمَا سلم من الخطأ في أحد اللفظين. ومع تحذيرك من الغفلة عن هاته الفروق، ينبغي لك أن تحذر من الغلوِّ في دعوى وجود الفرق بين مترادفات كثيرة. فيرمى بك ذلك إلى تعسفاتٍ ثقيلة، مثل مَنْ تطلَّب الفرقَ بين القعود والجلوس، وبين النأي والبعد، وبين الكذب والمين.

стр. 1088

عطف أحد المترادفين على الآخر: من غرائب استعمال العرب في المترادف عطفُهم أحدَ المترادفين على الآخر بالواو، لقصد التأكيد. وكان أصلُ العطف في العربية أن يدل على مغايَرةِ المعطوف للمعطوف عليه، لأن الواو حرفٌ يفيد مطلقَ تشريك المعطوف للمعطوف عليه في الحكم. وقصدُ التشريك يقتضي شيئين يشتركان في شيء، فالشيءُ الواحد لا يشارك نفسه وإن تعددت ألفاظُه. فإذا جاز تعقيبُ اللفظ بمرادفه للتوكيد، لم يجز اقترانُ ذلك بحرف التشريك، وكأن العربَ قصدوا من عطفَ أحد المترادفين اقترانَ ذلك بحرف التشريك. وكأن العربَ قصدوا من عطف أحد المترادفين المبالغةَ في التأكيد بإيهام السامع أنه يُلقَى إليه خبرٌ آخر، حتى إذا وجده عينَ الأول استقرَّ في ذهنه أشدَّ استقرار، وتمكن منه أكملَ تمكن. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ [المدثر: ٢٨] وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]. قال طرفة بن العبد: فَمَالِي أُرَانِي وَابنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعَدِ؟ (١) وقال الحطيئة:

стр. 1089

أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هندُ ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالبُعْدُ (١) وقال عدي بن زيد: وقَدَّدَتِ الأدِيمَ لِرَاهِشَيْه ... وألفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمِينَا (٢) وهذا هو الذي أوهم بعضَ الأئمة انتفاءَ ترادف المترادفات، وهو تعلقٌ بالاستعمال النادر لإبطال أصلٍ ظاهر.

стр. 1090

فرق لغوي مغفول عنه: "لا ضرر ولا ضرار " (١) هو الفرقُ بين كلمة الضُّر بالإدغام وكلمة الضَّرر بالفك. أجملتْ كتبُ اللغة في هاتين الكلمتين إجمالًا سَرَتْ منه إلى ألسُن المستعملين أخطاءٌ باستعمالهم كلمةَ الضَّرر بالفكِّ فيما يساوي معانِيَ كلمة الضر بالإدغام، غافلين عما تضمنه سرُّ عدم إدغام الحرفين في كلمة الضرر من التنبيه على الاحتراز من استعمالها فيما يساوي معنى كلمة الضر المدغمة. فوجب بسطُ هذا البحث وتحقيقُه، ذلك أن في اللغة فرقًا في اعتبار بنية الفعل يظهر أثرُه في حالة مصدره. فالمصدر الذي على وزان فَعَل، إنما يجيء مصدرًا من الفعل الذي ماضيه على زنة فَعِل بكسر العين، ومضارعه على وزن يفعَل. وهذه البنية مصوغة لأفعال السجايا والوجدان، مثل فهم وفرح وجوى، ولأفعال الاتصاف بالعاهات، مثل مرض وعمي وشلل وزمن. فلأجل ذلك ففعل ضر الماضي إذا استعمل متعديًا فحركة عينه في الماضي تقدر بالفتح؛ لأن مضارعه مضموم العين. قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فهو جارٍ على قاعدة أن المضاعَف المتعدِّي المفتوح العين في الماضي ينقاس في مضارعه ضمُّ العين عدا ما استثنى مما جاء بالكسر على خلاف القياس، أو جاء بالوجهين (الضم والكسر). ومصدر ضرّ
следующие страницы →