وجدوا فيها من السعة والدقة والإحكام والتنسيق والتفصيل، ما كفاهم المؤنة، ووضع عنهم الحرج؛ إذ مكَّنهم لكل فكرة مهما كانت مخترعةً غريبة عن المعروف في بابها مِنْ قالب تعبير دقيق واضح الانطباق عليها، مُؤَدٍّ لتفاصيلها ومجملاتها، في غير قصور ولا نَبوة ولا حاجة إلى مقارنة أو تسديد. وهذا راجعٌ لا محالةَ إلى أن الفقهاء الذين اشتغلوا من قبلُ بتلك الناحية قد كانوا على جانب من سعة المادة، وحسن التصريف لها، والبراعة في تحميلها المعاني والأفكار التي جعلوها معارضَ لها. وذلك ما سهل للذين جاؤوا من بعدهم أن يجدوا القوالبَ التعبيرية وافرةَ الجهاز، متينة التصرف، مذلَّلَةً لاحتمال المعاني التي أرادوا حملها عليها.
فالناقلون الأولون لنصوص القوانين الأجنبية ونظرياتها - منذ مائة سنة أو تزيد - لم يتوصلوا إلى ما أبدعوا في ما نقلوا إلا بفضل ذلك الكنز الغالي من المصطلحات الفقهية الذي وجدوه بين أيديهم، فأقبلوا ينفقون منه إنفاق مَنْ لا يخشى الفقر. نعم، لقد فاز المتأخرون من القانونيين بذلك الكنز، وأفادوا من معادنه النفيسة صياغةً بديعة للقوانين، ومن درره ترصيعًا عجيبًا لبحوثها ودراساتها. فكيف استطاع الأسلاف الذين أورثونا ذلك الكنز الثمين أن يجمعوا تلك الثروةَ من النفائس التي كنزوها، بعد ما أنفقوا منها طويلًا غير مغلولة أيديهم إلى أعناقهم؟
وإن الذي يتتبع المصطلحاتِ التي يتصرف فيها اليوم رجالُ القانون ويتأمل في الرجوع بها إلى أوضاعها واستعمالاتها في كتب الفقه القديمة، ليَتَبَيَّنُ له أنها استُمِدَّت من المصطلح الفقهي المشترك، المشاع بين المذاهب الفقهية المختلفة، كما استفادت من المصطلحات الخاصة التي ينفرد بها بعضُ المذاهب عن بعض، فما من مذهب من المذاهب الفقهية المدوَّنة إلا للمصطلح الخاص به أثرٌ في إمداد البحوث القانونية المعاصرة.
ولكن الذي يبدو من مقارنة المصطلحات الخاصة بعضها ببعض، في مجال رواجها على أقلام القانونيين المعاصرين، أن المذهبَ المالكي من بين سائر المذاهب الإسلامية، قد كان أقوى إمدادًا، وأوسع أثرًا من غيره في ذلك المجال.
стр. 982
[المصطلح الفقهي بين الوضع اللغوي والنقل الشرعي]:
هذه التأملاتُ والاعتبارات هي التي ترجع بنا إلى وضع المصطلح الفقهي المشترك بين عامة المذاهب الإسلامية، ثم إلى الفوارق التي نشأت في ذلك المصطلح بين مذهب ومذهب، وإلى مناشئ تلك الفوارق، ثم إلى ما كان للمذهب المالكي بالخصوص في تلك الفوارق من مميزات، وما كان لمميزاته من اقتضاءٍ خاص لِمَا انفرد به من المصطلحات، لِمَا شاع من الرجوع إليها أكثر من غيرها في علوم القانون.
لَمَّا كان علمُ الفقه أولَ متكوِّن من روح الثقافة الإسلامية، وكان متصلًا مباشرةً بالكتاب والسنة، فلا جرم كان بذلك هو المظهرَ الأول لما أحدث الإسلامُ من تطور في اللغة العربية، تطورًا جعله الإمامُ جلال الدين السيوطي موضوعَ النوع العشرين من كتاب "المزهر" الذي ترجمه بمعرفة الألفاظ الإسلامية وبناه على فصل من قيِّم كلام أحمد بن فارس. (١)
стр. 983
وإذا كان أحمد بن فارس يجزم بأن ألفاظًا من اللغة العربية نُقلت عن مواضع إلى مواضع أخرى بسبب ما شرع الإسلام من شرائع (ومن تلك الألفاظ: المؤمن، والكافر، والمنافق، والفاسق، والصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، من كل ما أحدث الإسلام من ماهيته ما لم يكن معروفًا عند العرب من قبل، حتى أصبحت الألفاظ تدلُّ عليه)، ويجعل ذلك شأنَ أبواب الفقه كلِّها وشأن سائر العلوم كالنحو والعروض والشعر، فإن علماءَ أصول الفقه يقفون من هذا الذي جزم به ابن فارس موقفَ تحقيق وتفصيل.
فجاء معاصرُه القاضي أبو بكر الباقلاني يُنكر هذا النقلَ للألفاظ من معنى إلى معنى وينفيه، مدعيًا أن الشرعَ لم يضع شيئًا، وإنما استعمل الألفاظَ في مسمَّيَاتها اللغوية المعروفة من قبل، ولم يعتبر معنى جديدًا، إلا أنه اشترط لتحقيق ماهية الشيء شروطًا ربما لم تكن مشترَطةً فيه من قبل. (١) وإنما حدا بالقاضي أبي بكر إلى هذا الموقف قصدٌ جدلِيٌّ، بَيَّنه شهاب الدين القرافي في شرح التنقيح، (٢) مع الفرار من القول بأن القرآن والسنة قد خاطبا الناسَ بما لا يفهمون.
فنشأت من موقفه ذلك أنظارٌ ومناقشات، وذهبت طائفةٌ إلى التمسك باختلاف الوضع الشرعي عن الوضع اللغوي تمامًا وهم المعتزلة، وقالوا إن المعاني
стр. 984
الشرعية مواليدُ جديدة، فلا بد لها من أسماء تدل عليها بوضع جديد. وذهب جماعةٌ من أهل السنة إلى التمسك بموقف الباقلاني، ومنهم أبو نصر ابن القشيري والقاضي عياض.
وذهب جمهورُ أهل السنة - من أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والإمام الرازي وابن الحاجب والقرافي والبيضاوي والسبكي - إلى أن اختلافَ الدلالتين بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي إنما كان على طريقة الاستعمال المجازي بدون نقل، بل بمراعاة المناسبة بين المعنيين، واعتمادًا على القرائن الصارفة عن المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي.
ولم يُهمل هؤلاء وجهةَ نظر القاضي أبي بكر، فقصروا وقوعَ النقل على المعاني الشرعية الفرعية، والتي هي موضوعُ علم الفقه دون المعاني الشرعية الأصلية، التي هي موضوعُ علم العقائد. فأقروا بأن الإيمانَ والإسلام مستَعْمَلان في معناهما اللغوي، بخلاف مثل الصلاة والزكاة مما استعمل في غير معناه الأصلي.
ووقف سيفُ الدين الآمدي بين هاتين الطريقتين، غيرَ جازم بترجيح إحداهما على الأخرى. (١)
هذا هو موقفُ الأصوليين من المصطلحات الشرعية، ويعنون بها الألفاظَ التي ورد استعمالُها في لسان الشرع الأصلي - أي في القرآن والسنة - للتكاليف العملية التي جاء بها الدين، مثل الصلاة والصوم والزكاة.
أما ما عدا ذلك مما شمله كلامُ أحمد بن فارس من المصطلحات التي وضعها أهلُ العلوم ومنهم الفقهاء في ما استنبطوه وفصلوه، فقد كان لهم منها موقفٌ آخر: لم يختلفوا في أنها منقولةٌ عن معانيها اللغوية الأصلية، إن المشكل الذي حمل الباقلاني ومَنْ بعده على أن يحترزوا من القول بالنقل في الألفاظ الشرعية المستعمَلة في الكتاب
стр. 985
والسنة هو مشكِلٌ غيرُ وارد فيما يخص الألفاظَ التي استعملها أصحابُ العلوم من الفقهاء وغيرهم. فلا نزاعَ حينئذ في أن الألفاظ التي استعملها الفقهاء هي مصطلحاتٌ عرفية خاصة بطائفة معينة مثل الكسر في الفرائض (العَرَض) بمعنى المنقول والأصل في مقابلته. وشأنُ الفقهاء في ذلك شأنُ غيرهم من طوائف أصحاب العلوم، كما استعمل العروضيون السبب والوتد، أو استعمل الحكماء الجوهر والعرض والحيز.
وقد قرر الأصوليون في ذلك كله أنه نقلٌ من المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي نقلًا مجازيًّا للمناسبة بين المعنيين، ثم اشتهر عند تلك الطائفة حتى أصبح باشتهاره مستغنيًا عن القرينة. فلا يتبادر إلى الذهن عند إطلاق اللفظ بين تلك الطائفة إلا المعنى المنقول إليه، فصار حقيقةً عندهم تسمى الحقيقة العرفية. وهي التي قسمت إلى عرفية عامة، مثل إطلاق الدابة على الحمار أو الفرس، باختلاف الأقطار، وعرفية خاصة، مثل الألفاظ التي اصطُلح عليها أهل العلوم والصناعات. وبذلك أصبحت الحقيقة مقسمة إلى ثلاث أقسام: لغوية وشرعية وعرفية، كما ذهب إليه السبكي في جمع الجوامع، (١) أو إلى أربعة بتقسيم العرفية إلى عامة وخاصة، كما درج عليه القرافي في التنقيح. (٢)
ويُستخلص من هذا أن المصطلح الفقهي يتألف من قسمين من تلك الأقسام هي: الحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية الخاصة، وأن ما للحقائق الشرعية من قرب من الحقائق اللغوية، ومتانة الالتصاق بها، حتى قيل إنها غيرُ منقولة أو إنها معتمدة على مناسبات قوية بين المعنيين، وهو الذي ضمن لها الوضوحَ والمتانة والأصالة، زيادةً على أن نقلها بأحكم الوسائل البلاغية قد جنبها عيبَ التعقيد المعنوي الذي هو من قوادح فصاحة الكلام، وأن إجراءها في سياق الكلام الذي وردت فيه قد أعطاها من حسن التناسق وبديع النظم ما بعدت به عن النبوات التي تحصل عادةً
стр. 986
بين الألفاظ الاصطلاحية وبين مجاري التعبير العربي الفصيح. وذلك يرجع إلى مقام الإعجاز الذي وردت به تلك المفرداتُ في القرآن العظيم، وإلى صفة الفصاحة السامية المنزلة التي أوتيها النبي ﷺ فظهرت بها تلك المفردات في الحديث الشريف.
وإذا ثبت أن المفردات المستعملة في المصطلح الفقهي منها ما يرجع إلى الحقيقة الشرعية ومنها ما يرجع إلى الحقيقة العرفية، فإن النظرَ في المقارنة النسبية بين القسمين يفيد أن الأكثر الغالب هو الراجعُ إلى الحقيقة الشرعية المتبع فيه التعبيرُ القرآني أو الحديثي. يتضح ذلك جليًّا لِمَنْ يرجع إلى مصنفات السنة الأولى، فيرى أن تراجم الأبواب التي بُنيت عليها المصنفات هي تراجم الأبواب التي بُنيت عليها كتبُ الفقه في عامة المذاهب منذ القرن الثاني إلى اليوم، كما يتضح ذلك أيضًا لمن يريد أن يختبر هذه القضية بأن يعمد إلى ألفاظٍ من كتب الفقه القديمة أو الحديثة يعرضها على المعاجم المصنفة في لغة الحديث، مثل "مشارق الأنوار" لعياض و"النهاية" لابن الأثير، فيرى أن الأكثرَ منها ما هو من لغة الحديث، وأن أقلَّها ما هو من مصطلحات (١) الفقهاء التي قلنا إن شأنهم فيها شأنُ غيرهم من أصحاب العلوم.
كان عمل الفقهاء استنباطًا للأحكام من أدلتها، وتحقيقًا لمناط الأحكام من معانيها وعللها، وقياسًا للفروع على أصولها. فكانت بذلك نصوصُ الكتاب والسنة التي يسميها الإمام الغزالي "المدارك القولية"، هي قوام تفكيرهم وتعبيرهم، فلم يكن من داع لأن يستعملوا من الألفاظ ما يخرج عن تلك الدائرة إلا لأحد أمرين:
الأول: وصفهم لما يسلكون في فهمهم للمعاني، وتقديرهم للصور التي يُنَزِّلون عليها الأحكامَ المستنبطة من مسالك ذهنية تختلف باختلاف اجتهادهم. وتلك هي صناعة الفقه التي تنتج تقديرَ الأحكام الشرعية مما يرجع إلى الدليل،
стр. 987
والعلة، والحكم وأقسامه، والقياس، والاستحسان، وقول الصحابي، وعمل أهل المدينة، وسدّ الذرائع.
الثاني: تعبيرهم عن صورة الأقضية التي لم يسبق عنها في لسان الشرع، وتناولها الفقهاء لبيان الأحكام الشرعية المنطبقة عليها، بإدخال الجزئياتِ تحت كلياتها وإلحاق الأشياء بأشباهها.
أما الأمر الأول، فإن الإفصاحَ عنه لم يكن رائجًا في القرن الأول الهجري، قرن الجيلين الأولين: جيل الصحابة وجيل التابعين؛ لأن الفقهاء من الجيلين الفاضلين كانوا يفتون في الحوادث ببيان ما ينبغي من فعل أو ترك، ولم يكونوا يعبرون عن التقديرات الذهنية التي يعتمدون عليها في أنفسهم للتوصل إلى معرفة الحكم. فلم يكن الفقهُ مذاهبَ ذات أصول يتميز بعضُها عن بعض بما تتميز به المذاهب والمناهج، ولم يتخذ الفقهُ صورةَ المذاهب إلا من ابتداء القرن الثاني، لمَّا بدأ الفقهاء يعبرون عن استدلالاتهم وتقديراتهم، ويناقش بعضهم بعضًا في ذلك بما يتبين به اختلافُ المذاهب بين فقهاء الأمصار، على نحو ما تجد في المراسلات التي بين الإمامين مالك بن أنس والليث بن سعد في حجيّة عمل أهل المدينة وما نجد في كتب الإمام الشافعي من بحث في حجية الاستحسان وحجية عمل أهل المدينة، وغير ذلك مما تولد منه علمُ أصول الفقه.
وأما الأمر الثاني - وهو تسميةُ صورة الحادثات، وأنواع المعاملات والعقود - فقد كان الفقهاءُ يعبِّرون في ذلك عما يُسألون عنه مما يجري بين الناس، فكان يتلاقى في تعبيرهم ما يُسمِّي به الناسُ الأشياءَ وصورَ العقود المسؤول عنها مع ما يختار الفقيه من مسالك التعبير عن ذلك وعن وجه الحكم الشرعي المتعلق به.
ومن مجموع هذين الأمرين يتبين أن رواجَ الألفاظ العرفية الفقهية غيرِ الواردة في لسان الوحي لم يشع إلا من القرن الثاني، وأن بعض تلك الحقائق العرفية هي التي تكونت بها نواةُ علم أصول الفقه فانفصلت عن علم الفقه، وذهبت تكون
стр. 988
علمًا قائمًا بذاته، ومختصًّا بمصطلحاته وتصانيفه، ولا يدخل في موضوع بحثنا هذا. وإن البعض الآخر من تلك الحقائق العرفية - التي بدأت تشيع في القرن الثاني وهو محل نظرنا في البحث - هو الذي كوَّن عنصرَ المصطلح الفقهي الأخص الذي اتفقت المذاهب في كثير منه، واختلف بعضُها عن بعض في باقيه. وهو الذي أخذ يتسع وينمو في القرون الموالية، ويبعد فيه ما بين المذاهب، بحسب ما اقتضاه توفر المباحث الفقهية وتفتقها وتفننها.
[عوامل تكون المصطلح الفقهي في المذهب المالكي]:
فإذا نحن وقفنا عند نقطة الافتراق هذه، وتركنا علمَ أصول الفقه يسير بمصطلحاته ونظرياته منحدرًا من رسالة الإمام الشافعي إلى ما تتابع بعدها من تصانيف على الأصول، ثم تعلقنا في موقفنا هذا بالعمل الفقهي في معناه الأخص الذي يُتصور في إفتاء أئمة المذاهب الفقهية في المسائل بتقرير ما يستنبطون لها من الأحكام الشرعية، فرأينا سفيان الثوري وأبا حنيفة ومالكًا والأوزاعي والليث بن سعد، ومَنْ نشأ بعدهم من أضرابهم أو أصحابهم منتصبين لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها والناس يستفتون، رأينا كلَّ واحد من هؤلاء الفقهاء العظام في المصر الذي هو إمامه يَتَلَقَّى الأسئلةَ التي يرجع بها إليه القاصدون إلى معرفة الحكم الشرعي من أهل ذلك المصر، فيرجع في طلب الحكم إلى الأدلة الشرعية، سالكًا المسلكَ الذي تفقه عليه وتخرج فيه، وهو المسلك الذي تأصَّل وتسلسل في ذلك القطر نفسه من عهد فقهاء الصحابة الذين تكونت المراكزُ الفقهية بإقامتهم في تلك الأمصار، واختلفت المسالكُ الاجتهادية فيها بتفرقهم بينها.
فيكون بذلك لاختلاف الأقاليم وبيئتها، بين مكة والمدينة والعراق والشام ومصر، أثرٌ قويٌّ في اختلاف التصوير للحوادث، والتعبير عن الأحكام، كثيرًا ما يقتضي أن تكونَ الألفاظُ الواردة على لسان الفقيه في تقرير الحكم لمحله منطبعةً من ذلك التأثير الإقليمي بما تختلف به لغةُ الفتوى عنده عن لغة الفتوى عند فقيه آخر في
стр. 989
إقليم آخر، زيادةً على ما قد يقتضيه طبعُ الفقيه نفسه وطريقتُه التعبيرية وذوقُه البياني من اختلاف في جوهر الموضوع.
فإن القيود والشروط التي يرى أحدُ الفقهاء أن يضبط بها الماهيةَ المسؤول عنها حتى لا تُحمل فتواه على غير محملها، ثم ما يقرر لمحل السؤال من حكم يرجع إلى معنى الحظر أو معنى الإباحة، وما يوجه به الحكمَ الذي اهتدى إلى تقريريه مما يرجع إلى شرح ماهية الموضوع، كلُّ ذلك يقتضي لا محالة جريانَ ألفاظٍ على لسان الفقيه من التعبير عن صورة الواقع وشرحها، وتوجيه ما ينبغي أن تُعتبر به في مجال تطبيق الحكم الشرعي. وهي الألفاظ التي تتقرر بها الماهيةُ، أو أركانُها وشروطُها، وتصبح أمرًا مصطَلَحًا عليه في تقرير الأحكام الشرعية.
وبذلك يختلف طبعًا التعبيرُ عن الموضوع وصوره بين فقيه وفقيه، اختلافًا يكون بعضُه راجعًا إلى ما لاختلاف الأقاليم من أثر في تصور الوقائع يتبع اختلافَ العوائد أو اختلاف الألفاظ الجارية، ويكون بعضُه الآخر راجعًا إلى ما اختار الفقيهُ من الألفاظ أو ابتكر من أساليب لضبط الموضوع وتحقيق أركانه وشروطه، زيادةً على أن الحكم المقرر للمسألة إن كان راجعًا إلى معنى الإباحة والمشروعية، فإنه يقتضي دخولَ الاسم الدال على موضوع المسألة في المصطلح الفقهي إذ يصير من عناوين الأبواب المعقودة للمعاملات المشروعة والعقود الشرعية الصحيحة. بخلاف ما إذا كان الحكمُ راجعًا إلى معنى الحظر وعدم المشروعية، فإنه يقتضي إلغاءه وإسقاط عنوانه، ولا يبقي احتمالًا لضبط ماهيته وبيان أركانه وشروطه. وعلى ذلك توجد أسماء في مذهب ولا توجد في آخر لا يقر مشروعيتَها، فلا يوجد الحبسُ عند الإمام أبي حنيفة وإن وُجد عند صاحبيه وبقية الأئمة، ولا يوجد ميراثُ ذوي الأرحام عند مالك وإن وُجد عند أبي حنيفة.
[فقه الإمام مالك في الموطأ وتأسيس المصطلح الفقهي]:
على هذه الأصول جرى وضعُ المصطلح الفقهي في المذهب المالكي: ابتداءً على يد الإمام مالك بن أنس، وتطورًا على أيدي أصحابه وأتباع مذهبه حتى القرن
стр. 990
العاشر بالمشرق والمغرب. كان مالك حجازيًّا مدنيًّا، وبذلك عرف عند معاصريه من الفقهاء وغيرهم. وكانت نشأتُه الفقهية على منهج جامع بين النظر والأثر، ولكنه بمراعاة الأثر أعلق. وكانت المدينةُ قد ظهرت فيها نزعةٌ قوية إلى الرأي والفقه، عدَّلت نزعتَها الأصلية إلى الحديث والعلم، وذلك بظهور ربيعة بن عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي، الذي هو شيخُ الإمام مالك، وذو الأثر القوي في تكوينه الفقهي.
فكانت طريقةُ الفقه الجديدة معتمدةً على الفقه المتأصِّل في المدينة الذي عرفت به من عهد الصحابة وعهد فقهاء التابعين، ولا سيما الفقهاء السبعة المشاهير. وكان مالك لم يدرك الطبقة من الفقهاء السبعة وكبار التابعين، ولكنه تلقى فهمَهم ورواياتهم عن الذين أدركوهم، فلم يتلقَّ الذي تلقى من ذلك إلا وهو مفصَّلٌ إلى علم وفقه أو سنة ورأي. فلما ظهر مالك وانتهت إليه إمامةُ دار الهجرة وقصده الناس، وعرفوا فيه شخصية فيها جانبين: جانب العلم وجانب الفقه، فقُصِد للأمرين. وكان القاصدون إليه ثلاثة أصناف:
١ - [الصنف الأول] صنفُ طالبي الرواية الذين شدوا الرحلةَ إلى المدينة ليروُوا عن إمامها الأحاديثَ الصحيحة المنتقاة التي عُرف مالك بتمام التحرِّي في روايتها وضبطها. ومن هؤلاء مَنْ كانوا متكونين تكونًا فقهيًّا كاملًا في أمصار أخرى، وعلى مناهج فقهية لا تساير المنهج الفقهي لمالك بن أنس. فمنهم بالغٌ درجة الاجتهاد المطلق، مثل عبد الله بن المبارك، ومنهم مَنْ هو قريبٌ منها في درجة الاجتهاد المقيد، مثل محمد بن الحسن الشيباني. وعدد هؤلاء الرواة كثير جدًّا، أحصى منهم علماءُ الحديث أكثر من ألف، وقد خصهم بالتصنيف الخطيب البغدادي والقاضي عياض. (١)
٢ - الصنف الثاني: طالبو التخرُّج الفقهي من أهل المدينة، مثل عبد الله بن نافع وابن الماجشون، أو من غير المدينة من المكيين والعراقيين والمصريين والأفارقة والأندلسيين، هؤلاء هم الذين قصدوا مالكًا ليلازموه، ويتتبعوا إفتاءَه في المسائل،
стр. 991
ويستكشفوا أدلتَه ومسالكَه حتى يتخرجوا فقهاءَ على طريقته، أمثال الشافعي، والقعنبي، وابن القاسم، وعلي بن زياد، ويحيى بن يحيى.
٣ - الصنف الثالث: صنف المستفتين من عامة الناس، الذين يأتي الواحدُ منهم بجزئية من جزئيات الوقائع، ليعرف الحكمَ الشرعي فيها حتى يعملَ به. وفي هؤلاء مَنْ هم من أهل الحجاز ومَنْ هم من أقطار أخرى، يأتون المدينة قصدَ الاستفتاء في ما يشكل عليهم، أو يغتنمون فرصةَ حلولهم بها زائرين بعد الحج فيتوجهون لإمامها بالاستفتاء.
وقد كان لتعدد هذه الأصناف أثرٌ في الإكثار من صور المسائل التي تكلم فيها إمامُ دار الهجرة، وأثرٌ في العمل على البسط والتفصيل فيها، وأثرٌ في قيام الفتاوى المخالفة لفتوى الإمام مالك أمام نظره حتى يضطر لمناقشتها والاستدلال على ترجيح ما يرى هو عليها. ولم يكن تعاطي مالك الفقهَ مقتصرًا على الإفتاء بالمشافهة، ولكنه دخل به في التدوين الكتابي بتصنيفه كتاب "الموطأ" الذي كان به أولَ السابقين في التصنيف. فكان تصنيفُه ذلك أدعى إلى تخير الألفاظ، وتحقيق محاملها، وإقرار استعمالها على صورةٍ مصطلح عليها. وقد ظهر أثرُ مالك في ذلك كما ظهر أثره في الصورة الأخرى المعتادة، وهي صورة الجواب الشفهي عن المسائل.
[تنوع أسلوب مالك في التعبير اللغوي عن مسائل الفقه]:
ونستطيع أن نتبين مظاهرَ هذا العمل اللغوي في "الموطأ" على أنحاء متعددة:
١ - منها ما يرجع إلى القصد إلى الحقائق الشرعية لتنزيلها على محالِّها بحسب ما أدى الإمامَ إليه اجتهادُه في ضبط المعنى المقصود من ذلك اللفظ الشرعي. وذلك مثل لفظ "العرية"، فقد ورد في الحديث "أن رسول الله ﷺ أَرْخَصَ في بيع العرية"، (١)
стр. 992
ففسرها مالك وبين وجهَ الرخصة فيها في الموطأ بما جاء مخالفًا لبعض المذاهب وموافقًا لبعض في ما هي العرية، كما بسط ذلك ابن رشيد في بداية المجتهد. (١)
ومثلُ ذلك أيضًا الحديثُ الذي جاء بأن "رسول الله ﷺ نهى عن بيع العُرْبَان"، قال مالك: "وذلك فيما نُرَى - والله أعلم - أن يشتري الرجَّل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تَكَارَى منه: أُعطيك دينارًا أو درهمًا، أو أكثر من ذلك أو أقل، على أني إن أخذتُ السلعةَ أو ركبت ما تكاريتُ منك، فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركتُ ابتياعَ السلعة أو كراء الدابة، فما أعطيتك لَكَ باطلٌ بغير شيء". (٢)
ومن هذا الباب أيضًا "النهي عن الملامسة والمنابذة"، وما فسر به مالك ماهيتهما، وتحقق معنى الضرر فيهما، والفرق بين معناهما ومعنى "بيع الأعدال على البرنامج". (٣) ومن ذلك أيضًا: تفسير "الركاز" بأنه دفن الجاهلية، خلافًا لمن يفسره بالمعادن. ومنه أيضًا تفسير "النَّجْش" الذي في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى عنه، قال مالك: "والنَّجْش أن تعطيه بسلعته أكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراؤها، فيقتدي بك غيرك". (٤) ومثلُ هذا النحو من تقرير الحقائق الشرعية وافرٌ جدًّا في الموطأ.
стр. 993
٢ - وهناك نَحْوٌ ثان يرجع إلى التعبير عن صورةٍ من الأحكام أو باب منها بعبارة لم ترد لذلك الباب بخصوصه في لسان الشرع، ولكنها استُمِدت من تعبير شرعي، فلا يختلف عن المعنى المقصود. فانتُزِعت للمعنى المقصود، وخصصت به، وأصبحت حقيقةً عرفية فيه، كتعبير الإمام في الموطأ عن ميراث الولد والدَهم أو والدتَهم باسم "ميراث الصلب"، وهو التعبير الذي شاع بعد ذلك بين الفرضيين؛ قال القاضي أبو بكر ابن العربي في شرحه على الموطأ المسمى "القبس": إن مالكًا ﵁ هو أول مَنْ عبر بهذه العبارة أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٧]. (١)
٣ - ونَحْوٌ ثالث يرجع إلى تعبير تقرر عند فقهاء المدينة من قبل اعتمده مالك وعبر به، وطبقه على محله، وفصل صوره، كما في لفظ "العُهدة" في تقسيمها إلى عهدة الثلاث، وعُهدة السنَّة، وتخصيصها بالرقيق. (٢)
стр. 994
٤ - ونَحْوٌ رابع يرجع إلى التصرف بالاختيار بين لفظين وردَا مترادفَيْن في استعمال الحقائق الشرعية، ووقع الاقتصار على أحدهما حتى أصبح تخصيصُه بذلك مصطلحًا عرفيًّا، وذلك مثل اختيار لفظة "القراض" على لفظ "المضاربة". قال ابن رشد الجد في كتاب المقدمات الممهدات في القراض: "هذا اسمه عند أهل الحجاز. وأما أهلُ العراق فلا يقولون قراضًا ألبتة، ولا عندهم كتاب القراض. وإنما يقولون مضاربة، و (عندهم) كتاب المضاربة". (١) ومن ذلك الحبس في مقابل الوقف، وقد قال ابن رشد في المقدمات أيضًا: "فأما الحبسُ والوقف فمعناهما واحد، لا يفترقان في وجه من الوجوه". (٢) وقد استعمل الفقهاء - مالكية وغير مالكية - كلًّا من اللفظين بمعنى واحد، إلا أن الإمام في الموطأ أكثرُ مَنِ استعمل لفظَ الصداق وإن استعمل لفظ المهر أحيانًا. (٣)
٥ - ونَحْوٌ خامس من الأنحاء التي ورد عليها التصرفُ اللغوي في الموطأ يظهر في أسماء راجت على ألسنة الناس تبعًا لرواج مسمياتها، فعبر بها في مقام تقرير الحكم الشرعي المنطبق عليها، ومثال ذلك "بيع العينة"، وهو البيع بثمن إلى أجل، ثم اشتراء نفس المبيع بأقل من ذلك الثمن، كما فسرها في القاموس، (٤) وقد عنون بها مالك صورةَ بيع الطعام قبل قبضه. (٥)
ومنه أيضًا لفظ "الصكوك" جمع صك، فقد قال مالك إنه بلغه "أن صكوكًا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار، فتبايع الناس تلك
стр. 995
الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها". (١) ومن مثل هذا أيضًا "الرُّقبى"، وهي تحبيس رجلين دارًا بينهما، على مَنْ مات منهما فحظُّه حبسٌ على الآخر. وقد قال ابن القاسم: "لم يعرف مالك الرُّقْبَى، ففُسِّرت له فلم يجزها". (٢) ومن مثله أيضًا استعمال "الطعام" بمعنى البر، كما هو الجاري في تعبير أهل الحجاز كما صرح به الشيخ الحسن في شرح الرسالة. (٣)
٦ - ونَحْوٌ سادس من هذه الأنحاء هو معان فقهية قال بها الإمام مالك، وارتجل للتعبير عنها ألفاظًا تصلح للوفاء بمعناها, ولكنها لم تُستعمل عند غيره في خصوص ذلك المعنى، مثل "الاعتصار" للرجوع في العطية، وهو في أصل اللغة مطلق الطلب والأخذ. ومثل "البيع على البرنامج" الذي جعله عنوانًا للبيع بالصفات والمقادير الضابطة. وهذا راجعٌ لا محالةَ إلى ما عُرف به مالك من متانة السليقة، وقوة الارتجال في اللغة بتعبير فصيح. نقل السيوطي في المزهر عن كتاب ليس - ولا يوجد ذلك في النسخ التي بين أيدينا - أنه لم يُسمع جمعُ الدجال من أحد
стр. 996
إلا من مالك بن أنس فقيه المدينة فإنه قال: "هؤلاء الدجاجلة". (١)
٧ - وقد يلتحق بهذه الأنحاء نَحْوٌ سابع يرجع إلى مجرد الذوق في اختيار التعبير، أو اختيار المناسبة والترتيب، مما يَخترع له الإمامُ ما انفرد به ولم يُسبق إليه، مثل اختراع "كتاب الجامع" في ختام الموطأ للمعاني المفردة التي لم يتأتَّ له جمعُها في كتاب، فجمعها أشتاتًا في "كتاب الجامع". وهو اختراعٌ له نَبَّه إليه أبو بكر ابن العربي في "القبس". ومن ذلك الجوامع التي ختم بها كتبًا من الموطأ بجمع المسائل المفردة التي تفصَّل على تراجم مثل "جامع الصيام" و"جامع الحج" و"جامع الطلاق" و"جامع بيع الثمار" و"جامع الطعام" و"جامع البيوع" و"جامع ما جاء في القرار" و"جامع القضاء" و"جامع العقول".
فمن هذه الأنحاء السبعة تكونت للموطأ قيمتُه ذات الأثر في وضع المصطلح الخاص بالفقه المالكي، المخالف في كثير من تفاصيله لمصطلح المأخوذ في المذاهب الأخرى. وكذلك اتجه المذهب المالكي، بعد تدوين الموطأ، يوسع هذا المصطلح ويقننه بما اقتضاه التوجيهُ الآتي من سير المخترعات التي وضعها الإمام مالك في تدوينه، فأخذ لغة الموطأ قبل فقهه وعلمه مأخذَ الشيء البديع النفيس. وأقبل علماءُ اللغة يتتبعون ألفاظه، ويشرحون غريبه.
стр. 997
وقد ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك ثلاثةً من الذين ألفوا في شرح غريب الموطأ: البراقي والأخفش وأبو القاسم العثماني المصري. وفي خزانة جامع الزيتونة الأعظم بتونس نسخةٌ عتيقة من شرحٍ على غريب الموطأ اسمه "التعليق" لأبي عبد الله ابن السيد البطليوسي الأندلسي من أهل القرن الخامس والسادس، (١) زيادةً على ما اهتم به القاضي عياض في كتاب "مشارق الأنوار" من ضبط وتحقيق وشرح لمفردات الموطأ مع صحيحي البخاري ومسلم. ثم إن لمالك وراء الموطأ مجالًا أوسع في التعبير عن المعاني الفقهية بتعابير تؤثر في وضع المصطلح الفقهي لمذهبه وضبطه، وذلك هو المجالُ المعتاد للإفتاء بالجواب الشفهي عن المسائل المعروضة عليه.
وقد بين عياض في "ترتيب المدارك" أن القاصدين إلى مالك كانوا صنفين: طالبي حديث يسمعون الموطأ، وطالبي فقه يتقدمون بالمسائل. وكان مالك في أجوبة المسائل يتكلم عن روية وتحرّ وأناة، كما هو معروف في ترجمته، فكان ذلك عونًا على ضبط كلامه واتزان عبارته، كما هو معروف في تحرير عبارة الإفتاء مثلًا أو قريبًا مما يبدو منه من تحرير عبارة الموطأ. فكثرت بذلك الاصطلاحاتُ الرائجة في كلامه، واتسع مجالُ التعبير على مثال الأنحاء التي تقدم ذكرها على الموطأ.
وقد اعتنى أصحابُه المتفقهون عليه بتدوين مسائله، وضبط صور تعبيره. وذكر عياض في ترتيب المدارك أن ابن وهب ألف سماعه من مالك في ثلاثين كتابًا، وأن مالكًا لم يكن يتكلم بشيء إلا كتبه ابن وهب. وذكر أن أشهب وابن القاسم وأسد بن الفرات أيضًا دونوا أسماعَهم عن مالك. وفي ترجمة علي بن زياد أنه كتب سماعه من مالك ثلاثة كتب. فتكونت من هذه المجموعة الضخمة مادةٌ واسعة للتعبير الاصطلاحي الفقهي في المذهب المالكي، مما اتفق فيه هذا المذهب مع المذاهب الأخرى أو ما اختلف عنها فيه.
стр. 998
[تطور المصطلح الفقهى بانتشار فقه الإمام مالك]:
ومن المعلوم أن المذهب المالكي قد انتشر بتفرق أصحاب مالك في الأقطار، واتخاذهم مراكزَ متعددة في المدينة والعراق ومصر والقيروان والأندلس. فكان تطبيقُ الفقه على أيدي أصحابه في الأقطار المختلفة، ممكِّنًا لكل مركز من تلك المراكز أن يجد من الصور والأسماء وفنون التعبير ما يمتاز به عن المراكز الأخرى. فاتسعت بذلك مادةُ المسائل، واتسعت لغةُ التعبير عنها، وتلاقت الأسماءُ المتعددة والأساليبُ المختلفة وضبطُ الحقائق الفقهية والتعبير عن مواهيها.
وبدأت كتبُ المسائل تتردد بين الأقطار فتصل - في التعبير عن المواهي وتقريبها - بين قطر وقطر. وإذًا نقل عيسى بن دينار ويحيى بن يحيى - وهما أندلسيان - عن ابن القاسم سماعَه وهو مصري، ونقل أسد الفرات وسحنون - وهما من القيروان - سماعَ ابن القاسم أيضًا، ورجع سحنون لسماعه من علي بن زياد بتونس يعرضه على ابن القاسم بمصر، وروى أبو بكر الأبهري - وهو عراقي - سماعَ ابن عبد الحكم - وهو مصري، فكان ذلك كلُّه زيادةً في التحقيق والضبط لعبارات مالك، وزيادةً في إشاعتها، وإحسانًا لتطبيقها على المحال المختلفة من صور الأحوال التي تُحقق باختلافها مقاصدُ العبارات ومدلولاتُ المصطلحات.
وصدرت بهذا العمل الجليل الموسوعاتُ الأولى للفقه المالكي في القرن الثالث: وهي المدونة لسحنون القيرواني، والواضحة لعبد الملك بن حبيب القرطبي، والمستخرجة لأبي الوليد العتبي القرطبي، وهي المشهورة بالعتبية. فجاءت مشتملةً على عشرات آلاف المسائل - إذ في المدونة وحدها أربعون ألف مسألة - تضمنت أكثرَ ما كُتب من السماع من مالك مما دوَّنه سحنون عن ابن القاسم وهو أوسع من ذلك، أو ما جمعه العتبيُّ من شتات الأسمعة غير ما في المدونة، أو ما جمعه ابنُ حبيب في الواضحة من أسمعة خارجة عن المدونة أيضًا.
стр. 999
وتلاقى في هذه الكتب مع كلام مالك المدوَّن عنه كلامُ تخريج وتوجيهٍ وتفسيرٍ لأصحابه، اكتسب به كلامُ مالك وضوحًا في دلالته، ودقةً في انطباق ألفاظه على معانيها، كما نرى في المدونة في "كتاب حريم الآبار". قال سحنون بن سعيد:
"قلت لابن القاسم: هل للبئر حريم عند مالك، بئر ماشية أو بئر زرع أو غير ذلك من الآبار؟ قال: لا، ليس للآبار عند مالك حريمٌ محدودٌ ولا للعيون إلا ما يضر بها. قال مالك: ومن الآبار آبارٌ تكون في أرض رخوة، وأخرى تكون في أرض صلبة أو في صفًا، فإن ذلك على قدر الضرر بالبئر. قلت: أرأيتَ إن كانت في أرض صُلبة أو في صفًا، فأتى رجلٌ ليحفر قربها فقام أهلها فقالوا: هذا عطنٌ لإبلنا إذا وردت، ومرابض لأغنامنا وأبقارنا إذا وردت، أَيُمنع الحافر من الحفر في ذلك الموضع، وذلك لا يضر بالبئر؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا، إلا أنِّي أرى أن يمنع من ذلك؛ لأن هذا حقٌّ للبئر ولأهل البئر إذا كان يضر بمناخهم، فهو كالإضرار بمائهم. قلت: فإن أراد رجلٌ أن يبني في ذلك الموضع، أكان لهم أن يمنعوه كما كان لهم أن يمنعوه من الحفر فيه؟ قال: نعم، ولم أسمع هذا من مالك، ولكن لما قال مالك إذا كان يضر بالبئر منع ذلك، فهذا كله ضرر بالبئر وأهله". (١)
فنرى أن هذا الحوار قد انتهى إلى إعطاء قول مالك: "ما يضر بالبئر يمنع"، دلالةً واسعة على الضرر بأنواعه، سواء أتعلق بالبئر ذاتها، أم بمرافقتها، أم بمصالح مالكيها. وفي العتبية في سماع عيسى بن دينار عن ابن القاسم:
"سألتُ ابن القاسم عن قوم تفوتهم الجمعة فيريدون أن يجمعوا، قال ابن القاسم: كنتُ مع ابن وهب بالإسكندرية في بيت فلم نحضر الجمعة لأمر خفناه، ومعنا ناسٌ كانوا جاؤونا فأردنا أن نصلي، فقال ابن وهب: نجمع، فقلت أنا: لا، فألح ابن وهب فجمع بالقوم، وخرجت أنا عنهم. فقدمنا على مالك، فسألناه عن ذلك، فقال: لا تجمعوا, ولا يَجمع الصلاةَ مَنْ فاتته الجمعة، إلا أهل الحبس
стр. 1000
والمسافرين والمرضى، فأما غير ذلك فلا". (١)
فنرى في هذا أن السؤال قد انتهى إلى تحديد كلام مالك عند منطوقه، وأنه لا يرى حالاتِ الاضطرار كلَّها مبيحةً لصلاة الظهر جماعةً يوم الجمعة إلا الأعذار الثلاثة التي حصر الأمر فيها.
ولقد انتشر المذهب المالكي وتفرع في هذا الدور، وكثرت فيه التخاريج والآراء، وتعددت الاصطلاحات وتداخلت بين المدوَّن من كلام مالك واللاحق به من تفسير وبيان أو اجتهاد مخالف لاجتهاده، فاحتاج إلى مزيد الضبط وتجديد التخليص والتهذيب، حتى تتحد الصور، وينسجم التعبير، ويتألف ما تفرق بين الأسمعة، ويجتمع ما تشتت من الأقوال. فكانت القيروان في القرن الرابع هي التي وفت للمذهب المالكي في عامة مراكزه شرقًا وغربًا بهذه الحاجة، وكان الذي تولى إمامة المذهب في هذا الدور الهام هو الشيخ أبو محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني. فلقد قال القاضي عياض في ترجمته لترتيب المدارك: "إمام المالكية في وقته، وقدرتهم، وجامع مذهب مالك، وشارح أقواله". (٢)
فكان ابن أبي زيد - بسعة فقهه، وفصيح بيانه، وقوة تحريره - هو الذي ضبط المصطلح الفقهي في المذهب المالكي الضبطَ الدقيق المتين. وفي مقامه الأدبي يقول عياض: " [وكان] فصيحَ القلم، ذا بيان ومعرفة بما يقوله. . . يقول الشعر ويجيده"، فكان أثره من فقه الأدباء لا من أدب الفقهاء، فهو كما يقول عياض: "الذي لخص المذهب وضم كسره". (٣) فعمد إلى تلخيص المستخرجة، وألف كتاب النوادر والزيادات على المدونة، وألف كتابه الشهير السائر في الأمصار والأعصار: كتاب الرسالة.
стр. 1001
فشاعت كتبه، وأقبل الناس عليها، وتناولوها بالشرح، حتى كان من شراح الرسالة معاصره بالعراق: القاضي عبد الوهاب. وكان من أعظم آثار ابن أبي زيد في المصطلح الفقهي أنه ردَّ إلى الفقه لغةَ الموطأ، بعد أن انصرفت عنها المدونات. فتحرَّى في الرسالة عباراتِ الموطأ وجعلها الأصل، ولخص الأحاديث. وقد نبه على ذلك شراحُ الرسالة في كثير من مواضعها، وأنه الذي لَخَّص المسائلَ التي كانت مبسوطةً بطريقة الحوار والتصوير الجزئي في الكلمات الجامعة المحدودة الدلالة، كما يستعمل كلمة "الصفة" لما يقابل "العين". فيريد بالصفة ما يشمل الجنس والمقدار، كما عبر بذلك في السلف وفي السلم، وأنه يضبط النظريات الشاملة للصور الكثيرة فيعطيها صيغةَ القاعدة الكلية التي ترجع إليها الصورةُ في وضوح، كما يقول مثلًا: "يباع جزاف بمكيل من صفته"، أو يقول: "ولا يجوز سلف يجر منفعة"، أو يقول في الإجارة: "إذا ضربا لذلك أجلًا وسَمَّيا ثمنًا".
وكانت طريقة ابن أبي زيد هي التي ضربت المثل للاختصار، وفتحت الباب للمختصرات التي توالت على تجديد التعبير وضبط المصطلح، فظهر أبو القاسم البراذعي (١) القيرواني تلميذ ابن أبي زيد بتهذيبه للمدونة واختصاره للواضحة. فشاع تهذيبه للمدونة وأقبل الناس على شرحه، وصار المرجع في المذهب، وتُركت المدونة، فأصبحت مسائلها لا تؤخذ إلا من طريقه. وظهر معاصرًا له القاضي عبد الوهاب بالعراق، فألف مختصره الذي سماه "التلقين". وظهر معاصرًا لهما أيضًا أبو عبد الله محمد بن أبي زمنين ألبيري الأندلسي، فألف مختصره للمدونة الذي سماه "المقرب". وجميع هذه المختصرات رائجة ومعتمد عليها، وعلى تعبيرها تأسست
стр. 1002
كتبُ المذهب المالكي التي توالت حتى القرن التاسع، من كتب اللخمي والمازري وعياض في الخامس والسادس، وابن الحاجب والقرافي في السابع، وابن عرفة وخليل وابن عاصم في الثامن، وابن ناجي في التاسع.
وإلى جنب هذه الطريقة التي تأصلت ورسخت منذ القرن الرابع، نشأت طريقةٌ أخرى ظهر بها ابن أبي زمنين في الأندلس في كتابه "المنتخب". وهي طريقة التأليف في الأحكام، وإجراءات النوازل، وتحقيق النكت المتعلقة بالأحكام والوثائق والعقود، فزادت في توسيع المعاثي الفقهية من حيث تطبيقها على الحياة العملية، وأحكمت الربط بين الأعراف الجارية في العوائد وفي الأوضاع التجارية والفلاحية والصناعية، وبين مقتضيات الحكم الشرعي في إجراء النوازل.
واستفاد هذا البابُ سعةً زائدة مما في أصل المذهب المالكي من أعمال الخط وقبول الاحتجاج بالشهادة المودعة بالكتابة قبل نشر القضية، بين يدي غير القاضي، وهي "وثيقة الاسترعاء". فتتابع على التأليف في هذه الناحية وتفصيل مسائلها ونظرياتها بعد ابن أبي زمنين: ابن فتوح في القرن الخامس فألف "الوثائق المجموعة"، والمتيطي في القرن السادس فألف "النهاية والتمام في مسائل الأحكام" وتعرف بالمتيطية، والجزيري في القرن السادس أيضًا فألف "المقصد المحمود في أحكام الوثائق والعقود" اختصر فيه وثائق ابن فتوح، وابن هشام في أواخر السادس وأوائل السابع فألف كتاب "مفيد الأحكام"، وابن عات (١) في أوائل السابع كذلك فألف طررًا على وثائق ابن فتوح. وهؤلاء كلهم أندلسيون، وكتبُهم كلُّها توجد محفوظةً بتونس وغيرها.
стр. 1003
وتبعهم - من الأندلسيين والتونسيين في القرن الثامن - أمثالُ ابن راشد القفصي (١) الذي ألف كتاب "الفائق في أحكام الوثائق" في أربع مجلدات، وابن هارون وابن يلمون (٢) وابن فرحون مؤلف "تبصرة الأحكام"، وهو الجامع لما تفرق في غيره، والمشتمل من دقائق العبارات وبدائع التقاسيم والتصاريف على ما جعله المرجعَ الأعلى في هذا الفن، بما أحكم في ضبط التقاسيم والفروق، وتفصيل الأصناف، وتحقيق محامل الألفاظ.
وجاء قريبًا منه القاضي أبو بكر ابن عاصم الأندلسي، (٣) فأظهر في أرجوزته
стр. 1004
السلسلة البديعة "تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام" ما قرب مصطلحات هذه الناحية من الفقه، وأشاعها بشيوع حفظ العاصمية وكثرة شروحها واعتمادها في الدراسة، حتى أصبحت مسائلُ التوثيق والأحكام غالبةً على مسائل الفقه المالكي، واصطلاحاتُها جاريةً سائغة على الألسن والأقلام.
[منهجان في الفقه المالكي]:
وبهذا أصبح الفقه المالكي منذ القرن السابع يسير على منهجين:
المنهج الأول: منهج متابعة التلخيص من التحرير والتهذيب لمسائل الأحكام الموضوعية على السلوب الذي تركناه في القرن الخامس. وقد ظهر على هذا المنهج في القرن السابع على التعاقب الفقهاء المصريون الذين طال باعُهم في تحرير المذهب المالكي واختصاره: ابن شاس، ثم ابن الحاجب، ثم القرافي، ثم خليل.
وكان لمنهج الاختصار المحكم الذي ظهر به الإمام الغزالي في المذهب الشافعي بكتاب "الوجيز" تأثيرٌ قويٌّ في دفع العمل الفقهي على ذلك المنهج، كما صرح بذلك مقدَّمُ هذه الحلبة ابن شاس في خطبة كتابه "الجواهر الثمينة"، (١) وهو الذي سار على خطته ابن الحاجب والقرافي ومن بعدهم.
стр. 1005
المنهج الثاني: منهج التفاصيل في الصور العملية لمسائل الأحكام والتوثيق، ودراستها من حيث الوفاء بتحقيق المصالح الشرعية المنوطة بها حسب مقتضيات الأحوال. وقد ظهرت على هذا المنهج الثاني كتبُ الأحكام والتوثيق التي نوهنا بها، وتبعها ازدهارُ التحقيق الفقهي في جزئياتِ المسائل العملية الذي طفحت به الفتاوى والرسائل في مسائل الالتزام، وصيغ الأحباس، وعقود المغارسة، وبيع الصفقة، ومسائل الأبنية والجدران، وحقوق الجوار، والإنزال والخلو، وبيع الهواء، وأحكام العرصة، والساباط والدكانة، وحقوق الطريق.
إلى غير ذلك مما برزت به أنظارٌ فقهية جديدة، وقوالبُ تعبيرية مبتكرة، حققت مواضيعَ تلك الأنظار، وأضافت في كل المواضيع شيئًا جديدًا إلى المصطلح الفقهي مأخوذًا مما تطلَعُ به الحوادث وتنزل به صورُ الأقضية، ولا سيما في الأندلس والمغرب. وإن ذلك ليتمثل في مجاميع الفتاوى والرسائل، مثل كتاب "جامع مسائل الأحكام" للبرزلي فقيه تونس في القرن التاسع، (١) وكتاب "المعيار" للونشريسي فقيه الجزائر في القرن نفسه، وهو موسوعةٌ كاملة طُبعت بفاس في اثني عشر مجلدًا في أوائل هذا القرن. (٢)
وقد نشأ من هذا الاتجاه القضائي التوثيقي في الفقه المالكي أن انفتحت للقضاء أبوابٌ واسعة للاجتهاد في الأخذ بالأحكام المنصوص عليها في دواوين المذهب على وجه قد يحملهم على مخالفة المنصوص أو المشهور، إذ يرون ذلك أدعى إلى تحقيق مقصد الشرع من صلاح الناس، فيصبح جريانُ العمل القضائي مخالفًا في جزئياته لما هو مأخوذ به في كتب الفقه.
стр. 1006
وقد جرى هذا كثيرًا في الأندلس، وذكر ابنُ عاصم منه صورًا في "تحفة الحكام". وكان معاصره بتونس الشيخ ابن عرفة قد سار على منهجٍ في دراسته الفقهَ بُني على مناقشة الأنظار المختلفة بينها، وحسب ما يرى من أدلتها قوة وضعفًا، فانتهى به ذلك إلى الخروج في بعض اختياراته عما اختاره أصحاب المختصرات، مثل ابن الحاجب. تأثر بمنهجه ذلك تلاميذُه من التونسيين والجزائريين والمغاربة والأندلسيين والليبيين، وذهب القضاةُ منهم ينتهجون نهجَ الاختيار في أقضيتهم، وأكدت عليهم الاضطرابات الاجتماعية لزومَ اتباع ذلك المنهج قطعًا لِمَا فشا من الفساد والحيل.
فبدأ يتقرر بذلك في الأقطار المغربية عمل قضائي جار على خلاف المعروف من دواوين المذهب المالكي، وكانت اليد الطولى في اختيار أوجهه لقاضي القيروان في القرن التاسع الشيخ أبي القاسم ابن ناجي. فاهتم المعتنون بفقه القضاء بجمع تلك الأقضية، ونظموا فيها أراجيز عرفت باسم "كتب العمليات"، وألفت عليها شروح. فأصبحت العمليات وشروحها مادة لأسماء ومصطلحات كثيرة لا توجد إلا في القرون والأقطار التي جرى فيها العمل بتلك الأحكام، مثل "بيع الهواء" لإعطاء حق الاعتلاء على العقار بعوض، و"الخلو" لإعطاء حق الحبس "بوظيفة"، والإنزال للكراء المؤبد للحبس، و"المعاوضة" لدفع الحبس في مقابلة ما يشترى به عقار يعوض الحبس، و"الرسم" بمعنى وثيقة التملك، و"المفاصلة" لتصفية ما بين الشريكين عند انحلال الشركة، و"المبارأة" للاتفاق المنهي للمخالطة باعتراف كلٍّ من الطرفين ببراءة ذمة الآخر، و"العقلة" بمعنى توقيف الشيء وإخراجه من يد أحد المتنازعين، و"المناقلة" لتبادل وقفين بين المستحقين لهما، و"القطعة" بمعنى التبريء من تبعات أعمال الغير، و"شهادة اللفيف" بمعنى الذين لم يتحقق فيهم شرط العدالة الشرعية ويعتمد القاضي على استفسارهم. إلى غير ذلك مما أكثر في كتب العمليات وفي كتب التوثيق، وتجدد متتابعًا إلى أوائل القرن الحاضر، واختلف باختلاف البلدان بين تونس وقسنطينة وبجاية وتلمسان وفاس، وهي أم صناعة التوثيق ومصدر فقه القضاء وجريان العمل. واستتبع ذلك دخولَ ألفاظ كثيرة من لهجة التخاطب في استعمالات القضاء والتوثيق.
стр. 1007
ولقد سبق هذا التطورَ الذي دخل على المعاني الفقهية وألفاظها الاصطلاحية نزعةٌ قوية إلى تحليل المعاني وتمحيصها، أنتجت تدقيقًا في المصطلحات والضوابط ارتبطت به التحاريرُ الفقهية في المذهب المالكي، وحفلت به الرسائل والفتاوى، واستندت إليه تصرفاتُ القضاة التي تولد عنها اختلافُ جريان العمل وتطوير الصيغ التوثيقية.
وهذه النزعة النظرية هي التي ظهر بها شهاب الدين القرافي بمصر في أواخر القرن السابع، وأبرزها في كتابه الشهير "كتاب الفروق" بما أحكم فيه من تحقيق المعاني الفقهية الهامة، وتدقيق العبارات المفصحة عنها بصورة تدفع الالتباس وتقابل بين المعاني بأسلوب حكيم، إذ تنبه إلى معاقد الفرق بينها.
وذلك ما زاد الفقهاء تعلقًا بالضبط، وحرصًا على وضع المعاني في نصابها، وأجرى على أقلامهم في القرن الثامن وما بعده دقائقَ العبارات التي اخترعها القرافي. فأصبحت مصطلحاتٍ مرجوعًا إليها ومحالًا عليها في تحقيق مناط الأحكام، مثل الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة، والفرق بين مَنْ مَلَك أن يملك ومن انعقد له سبب المطالبة بالملك، والفرق بين الملك والتصرف، والفرق بين الذمة وأهلية المعاملة، والفرق بين الحكم والثبوت، والفرق بين النقل والإسقاط.
وذلك ما زاد في صقل المصطلحات الفقهية وجلائها بإرجاعها إلى هذه الفروق والضوابط العامة وربطها إليها، وفتح الباب لرجال من أئمة الفقه بالمغرب في القرن الثامن والقرن التاسع أن يمضوا في وضع القواعد والفروق مثل المقري والونشريسي.
وقد انضم إلى هذا العمل عملٌ آخر قُصِد به إلى ضبط المعاني الفقهية الفرعية بذاتها، بوضع حدود لأبواب العبارات وضروب المعاملات والعقود، بطريقة التحديد المنطقي الجامع المانع، وذلك ما قام به الإمام ابن عرفة التونسي في "المختصر" الذي ألفه في الفقه المالكي، واهتم فيه على الخصوص بما سماه "تعريف ماهيات
стр. 1008
الحقائق الفقهية الكلية". (١) والتزم ذلك بصورة مطردة في كل باب من أبواب الفقه التي اشتمل عليها مختصره، حتى إن تعاريفه تلك جُرِّدت عن المختصر فكُتب عليها شرحٌ مستقل من وضع أحد تلاميذه وهو الشيخ محمد الرصاع التونسي في آخر القرن التاسع. والتزم دارسو الفقه حدودَ ابن عرفة عمدةً يقيمون عليها بحوثهم وتجاربَهم، فتداولتها الكتب والدروس شرقًا وغربًا على توالِي القرون.
ومن أمثلة هذه التعاريف: تعريف الرهن بقوله: "مالٌ قبضه توثُّقٌ به في دين"، (٢) والحوالة بقوله: "طرحُ الدين عن ذمة بمثله في أخرى"، (٣) والإقرار بقوله: "خبَرٌ يوجب حُكمَ صدقه على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه"، (٤) والشفعة بقوله: "استحقاقُ شريكٍ أخذ مبيعِ شريكه بثمنه". (٥)
ولا يخفى أن هذا العمل قد كان مُعِينًا على ضبط المصطلحات الفقهية بتعيين معانيها وإقرار أسمائها، وتكوين ملكة التصرف فيها والتوليد منها. كما كان مدخلًا لألفاظٍ كثيرة استُعْمِلت في التعاريف، فراجت في اصطلاح الفقهاء، مثل "الصفة الحكميّة"، و"المكايسة"، و"التمليك"، و"الإعطاء"، و"المنفعة"، و"ذي المنفعة".
فهذه على الإجمال هي الصورة التي تكون بها المصطلح الفقهي المالكي.
стр. 1009
جَمْهَرةُ مَقَالَاتٍ وَرَسَائِل
الشَيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِر ابْنِ عَاشُور
جمعها وقرأها ووثقها
محمد الطاهِر الميسَاوي
المجَلّدُ الثَالِث
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
حُقوق الطبع محفوظة C
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
الطبعة الأولى
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية
٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
ابن عاشور، محمد الطاهر
توجيهات وأنظار جمهرة مقالات ورسائل ومراجعات ابن عاشور/ محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي. - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٤
() ص.
ر. إ.: ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الالكتروني، تحت طائلة المسائلة القانونية.
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
ردمك ISBN
٩٧٨٩٩٥٧٨٠١٥٧١
العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس
ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن
هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠
فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١
Email: alnafaes@hotmail.com
www.al-nafaes.com
стр. 1013
المِحْوَر الرَّابع
فِي اللُّغَةِ وَالأَدَبِ
стр. 1014
الفَرْع الأَوّل
بحُوث وَتحقيقات لُغويَّة
стр. 1015
اللفظ المشترك في اللغة العربية (١)
مفرداتُ اللغة العربية، إذا قسناها إلى المعانِي الموضوعة هي لها من حيث كميةُ معاني اللفظ أو ألفاظ المعنى، ثلاثةُ أنواع: مختص ومشترك ومترادف. فالمختص اللفظُ الواحد الدالُّ على معنى لا يدلّ على غيره، ولا يدلُّ غيرُه عليه. والمشتركُ اللفظُ الدالُّ على معنيين فصاعدًا، مستقلٍّ كلُّ معنى منها عن الآخر (يخرج الدال على معنى مركب مثل الرسْف). والمترادف اللفظُ الدالُّ على معنى له لفظٌ آخر يدل عليه (ونعني باللفظ الحروف المخصوصة المحركة بحركات مخصوصة).
فالنوع الأول جارٍ على الغرض الذي وُضعت له اللغة. والنوع الثالث توسعٌ في اللغة نفع أهلَ الشعر والخطابة في ارتجال الكلام، وتسهيل القافية، والسلامة من العِيِّ والإرتاج (الرّتج) (٢)، ولعله أن ينفعنا في النهوض باللغة العربية، ولنا في البحث عن أحواله وغاياته فرصةٌ أخرى (٣).
والنوع الثاني هو أغربُ الأنواع وقوعًا في اللغة، فهو هدفُ بحثنا اليوم. وهو أن يكون اللفظُ دالًّا على معانٍ متعددة مستقلة دلالةً أولية، أي غير محتاجةٍ إلى تطلُّب علاقةٍ ولا إلى نصب قرينة، سواءً أكان اسْمًا أو فعلًا أو حرف. وذلك مثل العين
стр. 1016
للباصرة، والنابعة بالماء، وسيد القوم، وعينُ المال (الذهب والفضة). ومثل الخال لأخي الأم وللظن، قال الشاعر: "وإن كنت للخال فاذهب فخل" (١). ومثل الجد لأبي الأب، وللحظ والبخت. ومثل قضى بمعنى حكم، وبمعنى دفع الدين، وبمعنى مات. ومثل مَنْ للابتداء وللتبعيض وللتقليل، وإن للتأكيد والجواب، ومتى للاستفهام وبمعنى مَنْ الابتدائية. وأعجبُهُ ما كان منه دالًّا على شيئين متضادَّيْن (٢)، مثل الجون للأبيض والأسود، والجل للأمر العظيم والأمر الحقير، والسدفة للظلمة والضياء، والتلعة للمرتفع من الأرض والمنخفض.
стр. 1017
لا شكَّ أن وقوعَ المشترك في الكلام عجيب؛ لأنه ينافِي الغرضَ الذي لأجله وُضعت اللغة، وهو غرضُ الإبانة عن المراد، وخاصة اللغة العربية؛ فإنها لغةُ البيان. والمشترَكُ يوقِع السامعَ في الحيرة والالتباس بين مختلِف المعانِي، ولا سيما الذي يدلُّ منه على معنيين متضادَّيْن.
من أجل ذلك اختلف علماءُ العربية وأصول الفقه في وجود هذا النوع من الكلام في اللغة العربية، فنفى وقوعَه جماعة، منهم ثعلب اللغوي وأبو بكر الأبهري من الفقهاء. وعلّلوا قولَهم بأن اللغة موضوعةٌ للإبانة، ووجودُ المشترك يُعَدُّ تعمية، وتأولوا ما يتراءى في كلام العرب بتأويلات.
وذهب جماعةٌ إلى أنه لا يقع لِمعنيين متضادَّيْن، قال ابن سيده: نقله أبو علي الفارسي عن بعض شيوخه (١). ومال إلى هذا القول
стр. 1018
أبو الفتح ابن جنّي (١)، ونسبه علماءُ أصول الفقه إلى فخر الدين الرازي (٢).
وقال جمهورُ العلماء: هو واقع في اللغة. ومِمَّنْ قال بذلك الأصمعي، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، وأبو عبيد، وأبو زيد الأنصاري، والخليل بن أحمد، وسيبويه، وابن فارس، وابن الأنباري، وابن دريد (٣). وغلا فريقٌ منهم فقالوا: لولا المشترك لمَا
стр. 1019
تألفت اللغة؛ لأن المعاني غيرُ متناهية والألفاظ متناهية، فيلزم الاشتراكُ ليمكن توزيعُ الألفاظ على المعاني.
الأسباب التي قضت بوقوع المشترك في اللغة:
لقد يخطر بالبال بادئ الرأي أن وقوعَ المشترك في لغة واحدة خللٌ في الوضع؛ لأنه ينافِي قصدَ الواضع من وضع اللغة كما قدمته. فلذلك احتاج القائلون بوقوع المشترك إلى أن يعتذروا للواضع، فقال فريقٌ منهم: يجوز أن يكون المشترك من وضع واضعَيْن لم يطلع أحدُهما على وضع الآخر على سبيل توارد الخواطر. وقال قوم: يجوز أن يكون الواضعُ الواحد يضع اللفظَ لمعنى وينقله الناسُ عنه، ثم ينسى أنه وضعه فيضعه ثانيًا لمعنى آخر.
وأظنُّ أن عبَّادًا الصيمري (١) - الذي قال بأن الألفاظ وُضِعتْ لمعانِيَ بمناسبة
стр. 1020
في تركيب حروفها (١) - لو استيقظ إلى المشترك، لزعم أن الواضعَ وضع اللفظَ الواحد لمعنيين فصاعدًا؛ لأنه رأى أن تلك المعاني جديرةٌ بتلك الحروف، فكان يتخذ من وجود المشترك في كلام العرب حجةً أدبية لمذهبه. لكن يُشكِل عليه الموضوعُ للضدين، وجوابُه: فإن للتضاد تناسبًا بذلك.
وأحسن ما رأيتُ في الاعتذار عن وقوع المشترك هو قولُ ابن درستويه (٢): اللغة موضوعةٌ للإبانة، والمشترك تعمية. ولكن قد جاء منه النادرُ لعلل، فيتوهم مَنْ لا يعرف العللَ أن اللفظَ وُضع لمعنيين، والسماع في ذلك صحيحٌ عن العرب. وإنما