وابن جني، فنبهوا على أغلاط كثيرة. من ذلك قصةُ أبي علي الفارسي مع ابن خالويه في أسماء السيف.
ولذا ألَّف الأئمةُ وبوبوا أبوابًا للفروق بين الكلمات المتقاربة المعاني، كما فعل ابن قتيبة في "أدب الكاتب" (١)، وأبوابًا لإيضاح الألفاظ الدالة على معان كلية يقع اللفظُ منها على جزئياتِ المعنى الكلي بسبب كونها جزئيات معنى واحد لا بسبب الترادف، كما فعل أبو منصور الثعالبي في مقدمة "فقه اللغة" (٢).
والواجبُ على الساعين في تجديد شباب العربية، وانتشالها من وصمة عدم الانضباط، أن يجدوا وسائلَ لبيان جميع الفروق في اللغة، حتى لا يبقوا من المترادف إلا ما هو مترادفٌ بلا شبهة. وكذلك يجب على الذين يتهمَّمُون بإتقان علم اللغة، ويتنافسون في التحلي بحلية الكتَّاب والبلغاء، أن يتوخوا جهدهم مطابقةَ الألفاظ لأكمل معانيها الموضوعة لها في اللغة.
وسأمثل لك مثالًا يكون لك في نسيج هذا النمط منوالًا: تجد في العربية كلمةَ "غير"، وكلمة "دون"، تجدهما لفظين ملازمين للإضافة دالَّيْن على معنى كالواحد، وهو الشيء الذي لا يلاقي ما تُضافان إليه، فيُخَيَّل إليك صحةُ استعمال أحدهما في مكان الآخر عند التعبير على مغايرة شيء لآخر.
وربما جرَّأك على ذلك وجدانُك كثيرًا من المتكلمين يُطلقون أحدَهُما في مكان الآخر، إلا أنك إذا رجعتَ إلى أصل الوضع فوجدتَ "غير" اسمًا دالًّا على إثبات المغايرة، ووجدتَ "دون" ظرفًا دالًّا على مكانٍ ناء عن المضاف إليه، خالَجَك الظنُّ
стр. 1087
بأن اختلافَ وضعِهما لا بد أن يكون مؤثِّرًا في فرق ما بينهما، فيظهر له أثرٌ في مواضع استعمالهما، فتظنَّ أن "غيرًا" تكون أولَى بالتعبير عن المعنى المقصودُ منه إثباتُ شيءٍ موجودٍ مغايِرٍ للمضاف إليه، وتظن أن "دون" أولَى بالتعبير عن معنى مقصودٌ منه الإخبارُ بالمضادة والتجافي للمضاف إليه، فإذا تأملتَ في قول المعرّي:
لَا تَطْلُبَنَّ مِنْ غيرِ حَظٍّ رُتْبَةً ... قَلمُ البَلِيغِ بِدونِ حَظٍّ مِغْزَلُ (١)
بان لك تضلعُ المعرِّي في العربية، وحسنُ اختياره لوقع الكلام؛ لأنه لمَّا أراد اليأسَ من تطلب المرتبة الرفيعة بشيء من الأشياء غير البخت أتى بلفظة "غير" الدالة على الذات لمناسبة تعلق الطَّلَب بالذات، ولما أراد إفادةَ عدم جدوى البلاغة بدون بخت أثبت أن قلم البليغ إذا حلَّ في مكان بعيد عن الحظ، كان كالمِغْزل. فلو أن المعري عكس فجاء بدون في الأول، وغير في الثاني، لكان صحيحًا في الظاهر خطأ عند التأمل، إذ لا يتعلق المطلب بالدون، ولا يكون قلم البليغ مصاحبًا لأشياء هي مغايرة لحظ، ولو أتى بكلمة غير فيهما أو بدون فيهما لمَا سلم من الخطأ في أحد اللفظين.
ومع تحذيرك من الغفلة عن هاته الفروق، ينبغي لك أن تحذر من الغلوِّ في دعوى وجود الفرق بين مترادفات كثيرة. فيرمى بك ذلك إلى تعسفاتٍ ثقيلة، مثل مَنْ تطلَّب الفرقَ بين القعود والجلوس، وبين النأي والبعد، وبين الكذب والمين.
стр. 1088
عطف أحد المترادفين على الآخر:
من غرائب استعمال العرب في المترادف عطفُهم أحدَ المترادفين على الآخر بالواو، لقصد التأكيد. وكان أصلُ العطف في العربية أن يدل على مغايَرةِ المعطوف للمعطوف عليه، لأن الواو حرفٌ يفيد مطلقَ تشريك المعطوف للمعطوف عليه في الحكم. وقصدُ التشريك يقتضي شيئين يشتركان في شيء، فالشيءُ الواحد لا يشارك نفسه وإن تعددت ألفاظُه. فإذا جاز تعقيبُ اللفظ بمرادفه للتوكيد، لم يجز اقترانُ ذلك بحرف التشريك، وكأن العربَ قصدوا من عطفَ أحد المترادفين اقترانَ ذلك بحرف التشريك.
وكأن العربَ قصدوا من عطف أحد المترادفين المبالغةَ في التأكيد بإيهام السامع أنه يُلقَى إليه خبرٌ آخر، حتى إذا وجده عينَ الأول استقرَّ في ذهنه أشدَّ استقرار، وتمكن منه أكملَ تمكن.
وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] وقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] وقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ [المدثر: ٢٨] وقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧].
قال طرفة بن العبد:
فَمَالِي أُرَانِي وَابنَ عَمِّي مَالِكًا ... مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعَدِ؟ (١)
وقال الحطيئة:
стр. 1089
أَلَا حَبَّذَا هِنْدٌ وَأَرْضٌ بِهَا هندُ ... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالبُعْدُ (١)
وقال عدي بن زيد:
وقَدَّدَتِ الأدِيمَ لِرَاهِشَيْه ... وألفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمِينَا (٢)
وهذا هو الذي أوهم بعضَ الأئمة انتفاءَ ترادف المترادفات، وهو تعلقٌ بالاستعمال النادر لإبطال أصلٍ ظاهر.
стр. 1090
فرق لغوي مغفول عنه: "لا ضرر ولا ضرار " (١)
هو الفرقُ بين كلمة الضُّر بالإدغام وكلمة الضَّرر بالفك. أجملتْ كتبُ اللغة في هاتين الكلمتين إجمالًا سَرَتْ منه إلى ألسُن المستعملين أخطاءٌ باستعمالهم كلمةَ الضَّرر بالفكِّ فيما يساوي معانِيَ كلمة الضر بالإدغام، غافلين عما تضمنه سرُّ عدم إدغام الحرفين في كلمة الضرر من التنبيه على الاحتراز من استعمالها فيما يساوي معنى كلمة الضر المدغمة.
فوجب بسطُ هذا البحث وتحقيقُه، ذلك أن في اللغة فرقًا في اعتبار بنية الفعل يظهر أثرُه في حالة مصدره. فالمصدر الذي على وزان فَعَل، إنما يجيء مصدرًا من الفعل الذي ماضيه على زنة فَعِل بكسر العين، ومضارعه على وزن يفعَل. وهذه البنية مصوغة لأفعال السجايا والوجدان، مثل فهم وفرح وجوى، ولأفعال الاتصاف بالعاهات، مثل مرض وعمي وشلل وزمن.
فلأجل ذلك ففعل ضر الماضي إذا استعمل متعديًا فحركة عينه في الماضي تقدر بالفتح؛ لأن مضارعه مضموم العين. قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]، ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فهو جارٍ على قاعدة أن المضاعَف المتعدِّي المفتوح العين في الماضي ينقاس في مضارعه ضمُّ العين عدا ما استثنى مما جاء بالكسر على خلاف القياس، أو جاء بالوجهين (الضم والكسر). ومصدر ضرّ
стр. 1091
هذا المتعدي الضَّرّ، بوزن فَعْل، كالنصر مفتوح الضاد. وقد وجب فيه إدغامُ أول مثليه؛ لأن أولهما ساكنٌ وثانيهما متحرك. فالإدغام واجب، فلذلك قالوا: ضَرَّ، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [الفرقان: ٣].
واسم المصدر منه الضُّرُّ (بضم الضاد)، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾ [النحل: ٥٤]، وقيل الضَّرُّ والضُّرُّ لغتان في مصدر ضر المتعدي جريًا على ما جاء باللغتين في الأسماء، نحو الشَّهْد والشُّهْد، تغليبًا لجانب الجمود في المصدر على جانب الاشتقاق، والقولُ الأول أصح وأقيس.
فأما إذا استُعمل ضر فعلًا لازمًا، فهو حينئذ بمعنى صار ضريرًا، أي: عَمِيَ، فتعين أن يكون وزنُه فعِل بكسر العين في الماضي؛ لأنه وزن أفعال العاهات والأحزان ونحوها. فقياسُ مضارعه أن يكون مفتوحَ العين، فيقال يضَرُّ (بفتح الضاد)، كما يقال عَمِيَ يَعْمَى وشَلِلَ يَشْلَل. واعلم أنِّي لم أعثر على مضارع ضر في كلامهم، إلا في قول بشار:
إِذَا ذُكِرَ الحِبَابُ بِهَا أَضَرَّتْ ... بِهَا عَيْنٌ تَضَرُّ عَلَى الحِبَابِ (١)
وقد وجدته في نسخة ديوان بشار غيرَ مضبوط، فضبطتُه بفتحة على الضاد. ولم أعثر أيضًا على ذكره أو ذكر زنة ماضيه من أصحاب كتب اللغة المعروفة لنا، مثل الأساس [للزمخشري]، والصحاح [للجوهري]، واللسان [لابن منظور]، والقاموس، والتاج، والمخصص لابن سيده، وإصلاح المنطق [لابن السكيت]، ومفردات الراغب، والمشارق لعياض، والنهاية لابن الأثير.
стр. 1092
وإذ لم يذكروا فيه أنه جاء على خلاف القياس، فهو محمولٌ على جريانِه على القياس في الماضي والمضارع. وقد دل على ذلك أيضًا مصدرُه، فإنهم قالوا في مصدره الضرر بدون إدغام؛ لأنه جاء على مثال فعل. وكلُّ ما كان من الأسماء مضاعَفَ المثلين على هذا المثال وشبهه، فإنه يتعين فيه الفكُّ، ولا يجوز الإدغام، وعللوه بالخفة الحاصلة بالفتح مثل: طلل، ولبب، وجلل.
وأنا أرى أن علةَ الفكِّ فيه التفرقةُ بين الفعل والاسم في الأكثر، ثم طُرِدَ البابُ على وتيرة واحدة. فإذن لمَّا قالوا في المصدر ضرر، علمنا أن الماضي بوزن فعِل (بكسر العين)، وأن المضارع بوزن يفعَل (بفتح العين). ومن أجل ذلك، لا يُطلق الضرر بالفك إلا على ما كان من الأضرار عاهة، فالعمى ضرر والزمانة ضرر. قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] أي: العمى والزمانة. وقد فسر المفسرون الآيةَ بذلك (١)، فلا يشمل من أصيب بضر في ماله أو في أهله.
وفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]، فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، فقال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى. فأنزل الله على رسوله ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢). ولم يُستعمل الضرر في غير ما هو من العاهات فيما بلغنا من كلام العرب، ولا رأينا مَنْ صرح به من الأئمة المروي عنهم.
стр. 1093
ولكن وقع في كتاب الأقضية من الموطأ عن يحيى المازني أن النبي ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار"، هكذا رواه المازِنِيُّ مرسَلًا (١)، وإن كان قد أُسْنِدَ بهذا اللفظ عن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وعائشة وابن عباس في غير الموطأ من سنن ابن ماجه ومسند أحمد ونحوهما من الكتب التي تُخرِّج الصحيحَ ودونه بأسانيد مختلفة (٢).
فلْنَنْقُلِ الكلامَ إلى الاحتجاج بالحديث في العربية، وهي قضية مختلفة (٣) مهما سكت عنها المتقدمون. وقد منع الاحتجاجَ به ابنُ الضايع الإشبيلي (٤)، وقال أبو
стр. 1094
حيان: "إن الأئمة من البصريين والكوفيين لم يحتجوا بالحديث، وتبعهم على ذلك المتأخرون". (١) وأجاز الاحتجاجَ بالحديث ابنُ مالك وابنُ هشام الأنصاري (٢).
ويُؤخذ من كلام الأئمة ما يؤيد القولَ الأول؛ إذ قالوا: لا تُقبل روايةُ اللغة إلا من الرواة الثقات، يعنون بالرواة رواةَ العربية المتصدين للرواية؛ إذ لا نشك في أن شرط قبول نقل الناقل في اللغة أن يكون قاصدًا نقلَ اللغة، فلا تؤخذ العربية تبعًا
стр. 1095
لنقله في غرض آخر؛ لأن الناقلَ إنما يضبط ويتحرى في نقله فيما يخص الغرضَ الذي لأجله ينقل؛ لأن المقصود من الخبر النسبةُ الخبرية لا الضمنية.
فالراوي المتصدي لرواية الأحاديث لإفادة أحكام شرعية لا يهمه من الألفاظ إلا مواردُها المفيدة للمعاني دون صيغها المفيدة لاختلاف كيفيات تلك المعاني. فإذا لم يكن نقله صريحًا في غرضه الذي تصدى لأجله، رجع أمرُ نقله إلى أنه احتجاجٌ بحسن الظن به في تحري الصواب من جميع جوانبه، وذلك غيرُ مقنع في إثبات اللغة. وقد عدوا من القواعد الأصلية أن الكلام إذا سيق لمعنى لا يُحْتجُّ به في معنى آخر. على أنه قد حفظ الخطأ عن كثير من الأئمة بتصحيف أو نحوه.
ورواةُ الحديث قد يقع لهم الغلطُ في عربية ما يروونه، وممن عُدَّ من هذا الباب هشيم بن بشير السلمي من أئمة الحديث. قال النضر بن شميل، وهو من أئمة اللغة: وإن هشيم لَحَّانًا، وهو الذي روى حديث: "إذا تزوج امرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز" (١)، رواه بفتح السين من سداد. والصواب سِداد - بكسر السين - في قصة مدونة في كتب اللغة والأدب (٢). فلعل النبي ﷺ قال: "لا ضر ولا ضرار"، فغيرها الراوي لا ضرر.
стр. 1096
فإذا درجنا على عدم الاحتجاج بالحديث في العربية، فهذا الحديثُ لا يثبت به استعمالٌ في العربية لما يتطرقه من الاحتمالات بالنسبة للرواة لا بالنسبة لقائل اللفظ المروي، فلا يكون ذلك شاهدًا لغويًّا. وإذ درجنا على الاحتجاج به تعين:
إما أن نرده إلى الرواية بالمعنى بأن درج الرواة على استعمال مولَّد، وإما أن نؤوله: إما بالحَمل على الشذوذ، مثل قول أبي النجم: "الحمْدُ لله العَليِّ الأَجْلَلِ" (١). والشاذ يغتفر لأهل اللسان، ولا يتابعون عليه في استعمال غيرهم.
стр. 1097
وإما بتأويله بأن الذي أوجب الفكَّ هو قصدُ الإتباع والمزاوجة بين اللفظين (الضرر والضرار)؛ فإن كليهما لا إدغامَ فيه. فرُوعِيَ ذلك في المقارنة تحسينًا، وهو من ضروب البديع، كما قال النبي ﷺ في حديث وفد عبد القيس في الصحيح: "مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى" (١)، فجمع نادمًا على ندامى لموافقة صيغة خزايا، إذ ليس فَعَالَى من صيغ جمع فاعل، بل هو من صيغ جمع فعلان، والندمان هو المنادم. ومن هذا النوع قولُ الشاعر:
هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ، وَلَّاجُ أَبْوِبَةٍ ... يُخَالِطُ البِرُّ مِنْهُ الجِدَّ وَاللِّينَا (٢)
стр. 1098
إذ جمع بابًا على أبوبة. وقوله ﷺ للنساء: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" (١) بهمز مأزورات، وأصله موزورات؛ لأنه من الوزر وهو الإثم، وإنما همز إتباعًا لقوله "غير مأجورات".
والحاصل أننا إن قبلنا الاحتجاجَ به تعين أن يحمل لفظ النبي ﷺ الذي جاء على خلاف القياس مجملًا يناسب فصاحته وبلاغته (٢). ويستخلص من هذا كله أن
стр. 1099
الضُّر والضَّر أعمُّ من الضرر، فيصح إطلاقُ الضُّر والضَّر على المعنى الذي يطلق عليه الضرر، ولا يصحّ إطلاقُ الضرر على كل ما يُطلق عليه الضُّر والضَّر.
وأما ما وقع في صحاح الجوهري من قوله: "الضَّرُّ خلافُ النفع، [وقد ضره وضاره بمعنًى]. والاسم الضرر. . . ويقال: لا ضرر عليك" (١)، فهو مما انفرد به. وقد ذكر الأئمةُ أن الجوهري لا يُؤخذُ ما انفرد به، وقد أوهمه الفيروزآبادي في مواضع كثيرة. قال التبريزي: "لا يُشك في أن في كتاب الصحاح تصحيفًا لا شك أنه من المصنِّف لا من الناسخ". (٢) وقال الأزهري: "لا يُقبل من الجوهري ما انفرد به". (٣)
стр. 1100
ووقع في "الأساس" ما يوهم ظاهرُه موافقةَ كلام الأزهري (١)، لكنه ليس بنص بل هو محتمل للتأويل.
ومن أهم الواجبات الحفاظُ على فروق العربية ودقائق استعمالها، وإبقاءُ ما شذ عن ذلك غير متجاوِزٍ موقعَه لا يرخص لأحد في اتباعه؛ لأن ذلك يفضي إلى تلاشي رونق العربية وضياعه. فأنا أسترعي أفهامَ الأساتذة أعضاء المجمع لتلقي منها على هذا البحث شعاعًا، فإذا أبدوه اطمأنت نفسٌ تطير من توقع الخطأ شعاعا.
стр. 1101
لفظ "كل" حقيقة في الكثرة أيضًا مثل الشمول (١)
معلومٌ من اللغة أن كلمة (كل) اسم موضوع للدلالة على الإحاطة، وفيه إبهام اقتضى ملازمته الإضافة إلى اسم ذي أجزاء أو أفراد يبين إبهام "كل". ولكونه دالًّا على الشمول، كان ضدُّه لفظ "بعض" بشهادة فصيح الكلام، ففي الحديث الصحيح أن خرباقًا السلمي الملقب ذا اليدين لَمَّا صلى مع النبي ﷺ العصرَ فسلم النبي ﷺ من اثنتين أو ثلاث، قال له خرباق: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال له النبي ﷺ : "كل ذلك لم يكن"، قال له خرباق: "بل بعض ذلك قد كان" (٢).
стр. 1102
فهذا ما لا سبيلَ إلى الشك فيه من وضع اللغة العربية، فلذلك إذا وقع لفظ "كل" بعد اسم مدلوله ذو أفراد أفاد توكيدَه بشمول أفراده حتى لا يُتوهم أن المتكلم أطلقه على غالب أفراده، وأنه غاب عن ذهنه بعضُ أفراده. وهذا هو المعدود في ألفاظ التوكيد المعنوي والملازم الإضافة إلى ضمير موافق للاسم السابق. وأما إذا وقع غيرَ تابعٍ قبله، فلا بدَّ من إضافته إلى اسم ظاهر أو مضمر لغير قصد التوكيد أو يكون منونًا بتنوين عوض عن لفظ المضاف إليه المعلوم من الكلام نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل: ٨٧] حتى لا تفارقه الإضافةُ إلى ما يبينه، وهو دالٌّ على شمول أفراد ما أضيف هو إليه.
هذا هو الذي نجده لاستعمالات لفظ "كل" في دواوين اللغة، مثل صحاح الجوهري ولسان العرب ومغني اللبيب. ولكن الفيروز آبادي زاد عليهم زيادةً أدخل بها إشكالًا في اللغة، فقال في القاموس: "وقد جاء (كل) بمعنى بعض،
стр. 1103
ضِدٌّ" (١)، وأشار صاحبُ تاج العروس في شرحه إلى أن مستَنَدَه في ذلك إلى كلام الفيومي في "المصباح"، وأشار إليه ابنُ السيد البطليوسي في "الإنصاف" (٢).
فأما كلام الفيومي في المصباح، فمخالف لكلام القاموس؛ لأنه قال: "وقد يُستعمل بمعنى الكثير كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، أي كثيرًا؛ لأنها إنما دمرتهم ودمرت مساكنهم دون غيرهم، [ولا يُستعمل إلا مضافًا لفظًا أو تقديرًا] (٣)، وهو كلام غير محمود، وأحسن ما فيه قوله: "بمعنى الكثير".
وأما كلام ابن السيد في الإنصاف، فإنما ذكر في باب الخلاف العارض من جهة العموم والخصوص مثالًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فسنتكلم عليه. وأما قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فهو من العام المخصوص، خصصه قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فعلم أن المدمَّر عينُ المساكن. فقد توارد كلامُ الفيومي وكلامُ ابن السيد على هذا الشاهد المؤوَّل بأنه من العام المخصوص (٤).
стр. 1104
قال في "تاج العروس" نقلًا عن شيخه: "وعلى استعمال "كل" (١) حُمل قولُ عثمان ﵁ حين قيل له: "أبأمرك هذا"؟ فقال: "كل ذلك [- أي بعضُه -] عن أمري، وبعضه بغير أمري". (٢) ومع كون هذا الكلام المنسوب إلى عثمان لم يثبت بلفظه عمن يوثق به من أئمة اللغة، فإنه لا شاهدَ فيه؛ لأن قصاراه أنه عام مخصوصٌ بلفظ متصل به، فلم تخرج كلمةُ (كل) الواقعة فيه عن معنى جميع الأفراد إلا بعد ذكر لفظ آخر. والعام المخصوص مرادٌ عمومه تناولًا، وذلك نظير الاستثناء من لفظ دال على العموم. ثم قال في تاج العروس: "وجعلوا منه أيضًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] ". (٣)
وأقول: أما الآية الأولى فلا شاهدَ فيها؛ لأن الأمر للإلهام والتسخير، فأكلها من كل الثمرات ممكن لها عند تمكنها وما يتيسر لها. وأما الآية الثانية فإن تنوين "شيء" للتعظيم بقرينة استعظام حالة ملكة سبأ، فلا حاجةَ إلى إخراج "كل" عن معنى الإحاطة بما أضيفت إليه. على أن كلامَ القاموس اقتضى أن كلمةَ "كل" تُطلق على مطلق البعض، أي: قليلًا كان أو كثيرًا. ويؤيده قوله: "ضِدٌ"، أي: ضِدٌّ لمعنى جميع الأجزاء؛ لأن أصل الضدية تقتضي تمام المقابلة، ولا أحسب أحدًا يقول بأن لفظ "كل" يطلق على الواحد ولا العدد القليل.
والذي يجب في هذا أن كلمة "كل" تُطلق على الكثير من جنس ما تضاف إليه، وعلى العظيم منه القائم مقامَ الكثير؛ لأن ذلك قريبٌ من أصل المعنى الموضوع له كلمة "كل"، إذ هو مبنيٌّ على تنزيل الأكثر أو المهم منزلةَ الجميع لعدم الاعتداد بما عدا ذلك. وهو استعمالٌ مجازي، ثم شاع وكثر في الكلام؛ لأن كلامَ العرب مبنيٌّ على التوسع، واستغنى عن قرينة المجاز حتى ساوى الإطلاقَ الحقيقيَّ في كثرته أو
стр. 1105
قاربها في مقامات لا يُقصد فيها الادعاء ولا المبالغة. فطرأ بذلك معْنًى جديدٌ لهذا اللفظ خارجٌ عن حد المجاز، لعدم احتياجه إلى القرينة. وقد يكون اللفظُ مجازًا، فيكثر استعمالُه حتى يساويَ الحقيقةَ فيصير حقيقة.
قال السيوطي في المزهر: "إن المجاز متى كثر استعمالُه صار حقيقة عرفًا، وإن الحقيقة متى قل استعمالُها صارت مجَازًا عرفا" (١). وذكر القرافي في تنقيح الفصول أن الوضع يطلق على جعل اللفظ دليلًا على المعنى وهو الوضع اللغوي، ويطلق على غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهرَ فيه من غيره (٢).
ومن أسباب كثرة المفردات اللغوية اشتهارُ المجازات، والاتساعُ في الإطلاقات؛ فإن المجاز إذا كثر استعمالُه في الكلام اشتهر فاستغنى عن نصب
стр. 1106
القرينة. فحينئذ يساوي الحقيقة، أو يقاربها، أو يصير أشهرَ منها. وقد عدوا من أسبابِ المصير إلى المجاز دون الحقيقة في الكلام شهرةَ المجاز. ولقصد ضبط هذا الاستعمال وضع العلامة الزمخشري كتابه "أساس البلاغة" في اللغة (١).
وما اتسعت اللغةُ وكثرت مفرداتها إلا بمثل هذه التوسعات التي هي مسمى الوضع عند التحقيق، إذ ليس وضعُ اللغة بتصدي أفراد أو جماعات لجمع حروف تتركب منها كلمات تجعل لمعان مخصوصة.
وشواهد استعمال لفظ "كل" غير محتمل إلا معنى الكثرة لا تنحصر، فمن القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٦, ٩٧]؛ فإن "كل آية" وإن وقعت في حيز المبالغة هنا لا تُتصور إلا على معنى الكثرة الشديدة؛ لأن جنس الآيات الدالة على الصدق لا يقبل النهاية، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ [الحج: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥]. وقال النابغة:
بِهَا كُلُّ ذَيَّالٍ وَخَنْسَاءَ تَرْعَوِي ... إِلَى كُلِّ رَجَّافٍ مِنَ الرَّمْلِ فَارِدِ (٢)
وقال ذو الرمة:
بِهَا كُلُّ خَوْثَاءِ الحَشَا مَرْئِيَّةٌ ... رَوَّادٌ يَزِيدُ القُرْطُ سوء قذالُهَا (٣)
стр. 1107
وقال أيضًا:
بِهَا كُلُّ خَوَّارٍ إِلَى كُلِّ صَعْلَةٍ ... ضَهُولٍ وَرَفْضِ المُدْرِعَاتِ القَرَاهِبِ (١)
وقد تكرر ذلك في شعر النابغة وذي الرمة، وتكرر هذا المعنى ثلاث مرات في بيتين من شعر عنترة وهو قوله:
جَادَتْ عَلَيْهَا كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ
سَحًّا وَتَسْكَابًا، فكُلَّ عَشِيَّةٍ ... يَجْرِي عَلَيْهَا المَاءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ (٢)
لا جرم أن كثرةَ استعمال "كل" في معنى الكثير يوجب إثباتَ هذا المعنى في دواوين اللغة، ويقتضي إصلاحَ قول القاموس: "وقد جاء استعمال كل بمعنى بعض، ضدٌّ" (٣)، بقولنا: "وبمعنى الكثير"، ويزاد ذلك أيضًا في المستدركات على لسان العرب وتاج العروس، وتُذكر له شواهد على طريقة لسان العرب والتاج.
стр. 1108
قولهم: "كان مما يفعل كذا " (١)
[تقديم]
لقد صدق ابن فارس إذ قال: "ما بلغنا أن أحدًا ممن مضى ادعى حفظَ اللغة كلها" (٢). وقال: "إن كثيرًا من الكلام ذهب بذهاب أهله" (٣). وبنى على قوله ذلك أن زعم أن الفقرة الأخيرة الواقعة في كتاب العين، وهي: "هذا آخرُ كلام العرب"، لا يُظن أنها من كلام الخليل؛ فإن الخليل أجلُّ من أن يقول هذه الكلمة (٤).
وقال الإمام الشافعي في كتاب الرسالة في أصول الفقه: "لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها، حتى لا يكون موجودًا فيها مَنْ يعرفه" (٥). ثم قال:
стр. 1109
"فإذا جُمِع علمُ عامة أهل العلم أتى على لغتهم، وإذا فُرِّق علمُ كلِّ واحد منهم ذهب عليه الشيء منها ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيره" (١).
وهذا نصٌّ جيد من الشافعي ذي المكانة السامية في العربية، البالغ بها مرتبةَ الذين يُحتج في العربية بأقوالهم. فيتبين أن العربية، وإن جلت عن أن يحيط بها علم أحد كما قال ابن فارس، لا تعدم عنايةَ أئمة اللغة والنحو والأدب والتفسير والحديث بحفظ كثير منها بحيث يلتئم من مجموع الجهاز اللغوي المحفوظ جميعُ لغة العرب أو معظمُها المهم منها. فإن فات منها فائت أو أميت مائت فما هو عليه بالمأسوف، ولأهل اللغة غنية عن ندوره بالفصيح المألوف.
هذا واللغة تنقسم إلى كلم؛ أي مفردات، وإلى كلام؛ أي مركبات. فالمفردات منها أسماء أعيان، وأسماء أحداث - أي أحوال الأعيان -، وروابط وهي الكلمات التي تفيد معانِيَ نسبية من قبيل الأكوان صالحةً للربط بين أسماء الأعيان بعضها مع بعض بأن تفيد حدوثَ معنى بين اسمين من أسماء الأعيان، وتسمى حروف المعاني، وهي شبيهة بأسماء الأحداث؛ فإن قوله تعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] ربطت الباء بين ضمير الشجرة وبين الدهن فكان المعنى أنها موصوفة بالنبات وأنها متلبسة بالدهن، فأفادت الباء معنى لم يتوصل إلى إفادته باسم الحدث، فإن النبت لا يفيد إلا نابتًا، فإذا أريد التأليف بين النابت وبين مسمى اسم آخر ولم يمكن تَعلُّق فعل النبات به، احتيج إلى حرف يصل بينهما على معنى كون من الأكوان الخاصة، وهذه الأكوان الخاصة هي المعبر عنها بالمعاني الجزئية.
стр. 1110
وهذه الأنواع الثلاثة موضوعةٌ بالوضع الشخصي، وقد دون لإحصائها علم متن اللغة. ومنها - أي المفردات - المشتقات، وهي كلماتٌ ذاتُ صيغ تدل على ما قامت به الأحداثُ وما تعلقت به، وعلى أزمانها. ومعظمُها مصوغةٌ من أسماء الأحداث، أو مصوغة مما نزل منزلةَ أسماء الأحداث بما يؤخذ من أسماء الذوات فيصير كالحدث، مثل تحجر وتنمر. ولكونها كذلك، كانت موضوعةً بوضع تابع لوضع ما تُصاغ منه.
ومعنى الصيغة أنها كيفيةٌ خاصة وقوالبُ مختلفة تشتمل على حروف الأحداث أو بعض حروفها، بجعلها على حركات معينة أو بضميمة حروف إليها. ولكون هذه الصيغ معينةَ الأشكال ومختلفتَها، كانت موضوعةً بالوضع النوعي المعروف في فن الوضع؛ أعني أنها وضعت بقواعد كلية تنطبق كلُّ قاعدة منها على الجزئيات التي تتحقق القاعدةُ فيها، وقد دُوِّن لها علمُ الصرف.
وأما المركَّباتُ فهي موضوعة بالوضع النوعي، سواء في كيفية انتظام بعضها مع بعض وتقديم بعضها على بعض بحسب ما يفيد مراد المتكلم من حصول معاني مفرداتها، أو في كيفية ذكر ما يُذكر منها وحذف ما يُحذف في اللفظ وهو منوِيٌّ في النفس أو في أحوال أواخر الكلم المتركبة هي منها، بحسب ما يعجل بفهم مراد المتكلم أو ما يدفع اللبس عن مراده. وتلك أحكامُ الإسناد والتعلق وآثارها في المفردات من هذه الحيثية، وقد دُوِّن لها علمُ النحو.
وقد يتداخل بعضُ علوم العربية مع بعض في التعرض إلى أحوال الشيء الواحد بناءً على اختلاف اعتبار أهل العلوم في تلك الأحوال، فكلٌّ يرى لبعض الاعتبارات مزيدَ اختصاص بعلمه، فتجد له ذكرًا في علمين أو أكثر. ولكن إذا لم تكن اعتباراتٌ مختلفة للألفاظ تعيَّنَ أن يختصَّ بها العلمُ المدوَّنُ لموضوعها في الاصطلاح بعد تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها. فإذا ذُكرت ألفاظٌ في غير كتب العلم المختص بها باعتبار موضوعها عُدَّ ذكرُها في تلك الكتب تطفلًا، وإن كان هذا
стр. 1111
التطفلُ شائعًا في كتب العربية وبخاصة كتب النحو. فبان بهذا أن لعلم متن اللغة مزيدَ اختصاص بالبحث عن مفاد الكلم المفردة، ذلك المفاد الذي يختلف عند التركيب في الكلام.
ثم قد يكون استعمالُ العرب تركيبًا في معنى ليس مما يُفاد بواسطة اجتماع معاني مفردات ذلك التركيب، ولكنه يشابه استعمالًا جمليًّا، فيصير ذلك التركيبُ بمنزلة مفرد موضوع للدلالة على معنى واحد بحيث لا يفي تفكيكُ معاني مفرداته بجميع المعنى المراد منه، فينعزل هذا المصنف عن الانضواء تحت موضوع النحو، ويأوي إلى الانضواء تحت موضوع علم متن اللغة.
وسبب ذلك ليس هو بالخاصية والبحث، بل لحدوث استعمال استعمل به بعضُ أهل اللسان تركيبًا في معنى واحد يفاد منه عند إطلاقه إما باعتماد على مجاز أو كناية أو تمثيل. ثم يتكرر استعمالُه كذلك في ذلك المعنى تكررًا ناشئًا عن استجادة أذواق سامعيه باستعماله في منتدياتهم أو أسواقهم عقب سماعهم إياه المرة بعد المرة، حتى يصير التركيب - في دلالته على مجموع ذلك المعنى - مُماثِلًا لحال دلالة المفردات على معانيها الموضوعة هي لها، بحيث ينتقل المعنى الحاصل منه عما كان ينحلُّ منه بحسبها اجتماعُ معاني مفرداته إلى معنى جديد مصطلح عليه غير منحل من مجموع مفرداته، بحيث لو سمعه غيرُ الممارس لاستعمالهم لما فهم منه ما أرادوه وإذا سمعه الممارس لهم وقع في نفسه موقعًا عظيمًا لما فيه من جزيل المعنى وخفة اللفظ.
وهذا مثل التراكيب التي خفيت فيها ملاحظةُ المعاني الموضوعة هي لها نحو قولهم: "كذب عليك كذا"، بمعنى التحريض على تحصيله. ومثل التركيب الذي ينطلق به ناطق بليغ في قصة جرت، فيؤخذ منها ويستعملونه لقصد التذكير بما احتوت عليه تلك القصة، وهي الأمثال. حتى ترى ما كان كلامًا قد صار بمنزلة كلمة مفردة فتحتاج إلى ما تبنى عليه من لفظ ظاهر أو مقدر.
فإذا صارت المركباتُ إلى هذا الحد كانت حَرِيَةً بأن تُدرج في دواوين متن اللغة، ولهذا نراهم يذكرون الأمثالَ في مواد كتب اللغة. وأحقُّ منها بذلك الكلامُ
стр. 1112
الذي خَفِيت فيه المناسبةُ بين معاني مفرداته وبين المعنى الذي يُراد منه في الاستعمال، أو تردَّدَ الأئمةُ في أيِّ مفرداته كان منشأً لإفادة ذلك المعنى، فيكون صنيعُ أهل اللغة الجزم بحصول ذلك المعنى بقطع النظر عن منشئه.
المقصد:
فمن المركبات التي استعملت استعمالَ كلمةٍ مفردة ما وقع في صحيح البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]، قال ابن عباس: "كان رسول الله يعالج من التنزيل شدةً إذا نزل عليه الوحي، وكان مما يحرك لسانه وشفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧] ". (١) وقد أهمل معنى قوله: "مما يحرك شفتيه" ابنُ الأثير في النهاية، وبينه عياض في المشارق، قال: "معناه كثيرًا ما يحرك به شفتيه. . . قال ثابت (٢) في مثل هذا: كأنه يقول هذا من شأنه ودأبه، فجعل
стр. 1113
(ما) كناية عن ذلك، يريد ثم أدغم النون. وقال غيره: معنى مما هنا ربما، وهو من معنى ما تقدم؛ لأن ربما تأتي للتكثير أيضًا". (١)
وفي مسلم في حديث النجوم أمنة السماء: "وكان كثيرًا مما يرفع رأسه إلى السماء" (٢)، تكون "مما" هنا بمعنى ربما التي للتكثير، وقد تكون فيها زائدة. وأقول: شواهدُ هذا الاستعمال كثيرة في الحديث والشعر، ذكر عياض منها قولَ ابن عباس المتقدم، ومنها قول رافع بن خديج: "كنا نُكرِي الأرض بالناحية، منها مُسَمًّى لِسَيِّد الأرض، قال: فمما يُصاب ذلك وتسلم الأرض، ومما يُصاب الأرض ويسلم ذلك" إلخ (٣). ومنها قولُ ابن عباس: "إن رسول الله كان مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا فلْيقصَّها أعبرها له"" (٤). ومنها قول البراء بن عازب: "كنا إذا صلينا خلف رسول الله مما نحب أن نكون عن يمينه". (٥) ومنها قولُ أبي حية النميري:
стр. 1114
وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ (١)
وأنا أزيد منها قولَ مالك بن أسماء الفزاري:
وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَشْتَهِي السَّامِعُونَ يُوزَنُ وَزْنَا (٢)
أي كثيرًا ما يشتهيه السامعون، وهو موزون لا فضولَ فيه.
وقد أغفلت كتبُ اللغة هذا اللفظ، لولا أنْ تنبه له شراحُ الحديث. ولكن تعرض إليه السيرافي في "شرح كتاب سيبويه"، وهو متأخِّرٌ عن ثابت السرقسطي. قال سيبويه: "اعلم أنهم مِمَّا يحْذفون الكلمَ وإن كان أصله في الكلام غير ذلك" إلخ (٣).
قال السيرافي: " [قوله: مِمَّا يَحذفون]، أراد رُبَّما يحذفون، وهو يستعمل هذه الكلمة [أي: مِمَّا] كثيرًا في كتابه. والعربُ تقول: أنت مما تفعل كذا، أي: ربما تفعل. وتقول العرب أيضًا: أنت مما أن تفعل، أي: أنت من الأمر أن تفعل. فتكون ما بمنزلة الأمر (أي الشيء)، وأن تفعل بمنزلة الفعل (أي مصدر فعل، أي: بمنزلة هذا اللفظ)، ويكون أن تفعل في موضع رفع بالابتداء وخبره مما، وتقديره: أنت
стр. 1115
فعلك كذا وكذا من الأمر الذي تفعله". (١) وأخذه منه ابن هشام في "مغني اللبيب" عند الكلام على معاني من. فقال: "العاشر (من معانيها) مرادفة ربما، وذلك إذا اتصلت بما كقوله:
وإنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ... عَلَى رَأْسِهِ تُلْقِى اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ
قاله السيرافِيُّ وابنُ خروف وابنُ طاهر والأعلم (٢)، وخرَّجوا عليه قولَ سيبويه: واعلم أنهم مما يحذفون كذا". قال ابن هشام: "والظاهر أن مِنْ فيهما ابتدائية وما مصدرية، وأنَّهم جُعلوا كأنَّهم خُلِقوا من الضرب والحذف مثل: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] " (٣).
فاحتمل كلامُه مخالفتَهم في أن جعلوها بمنزلة "ربما"؛ لأن "ربما" لا تتعين للتكثير. واحتمل أنه فسر كلامَهم بحمله على إرادة التكثير. وكذلك فسر عياض كلامَ ثابت السرقسطي، وانتقلوا من كونها بمعنى ربما؛ لأن ربما التي حمل عليها هي المفيدة معنى التكثير.
стр. 1116
وقد أشار ثابت السرقسطي والسيرافي وابن هشام إلى إبداء الرأي في كيفية الحذف التي اعتورت هذا التركيب، وأبقت فيه إفادةَ معنى التكثير أو معنى ربما أو غير ذلك، وهو واضحٌ من كلامهم. ومنه يظهر ترددُهم في منشأ معنى التكثير من هذا التركيب: فمقتضى كلام السرقسطي وما نقله عياض عن غيره أن منشأه هو حرف ما، ومقتضى كلام ابن هشام أن منشأ ذلك هو حرف من، ولذلك ذكره في عداد معاني "من".
وقد مضت عصورٌ على هذا التركيب لَم يُحظ فيها بالنزوع إلى عِكْرِه (١) وحضن فراخه في وكره؛ فقد أهمله الجوهري في الصحاح، وابن منظور في كتاب لسان العرب، وأهمله أصولهُما (٢) لا محالة، وأهمله ابن الأثير في النهاية. فكان ذلك قصورًا في إحصاء اللغة إلى أن قُيِّضت له يقظةُ العلامة الفذ الفيروزآبادي فآواه إلى "القاموس المحيط"، فقال في باب الألف اللينة عند الكلام على حرف ما: "وإذا أرادوا المبالغةَ في الإخبار عن أحدٍ بالإكثار من فعل كالكتابة، قالوا: إن زيدًا مما أن يكتب، أي أنه مخلوقٌ من أمر، ذلك الأمر هو الكتابة". (٣)
وأقره صاحبُ تاج العروس، فلم يشرحه ولا تَعَقَّبه، ولا بَيَّنَ مأخذَه، ولا استشهد له، خلافًا لطريقته، فدل على أنه لَم يطَّلع في هذا على شيء يرجع إليه. وإن اهتداء صاحب "القاموس" إلى ذكر هذا الاستعمال، وتفطنَه إلى أنه يأوي إلى موضوع علم اللغة، واختصاصه بذلك دون سائر كتب اللغة، لَمِنْ جملة تدقيقاته وخصائصه، فلله دره!
ثم إنه بلا شك أخذه من كلام السيرافي، وإن سكوتَ صاحب التاج (تاج العروس) عن بيانه تقصيرًا في التزامه الذي اعتاده، لدليلٌ على سكوت المعلِّقين على
стр. 1117
القاموس من قبل صاحب التاج، وأنه لم يطلع على كلام السيرافي ولا على كلام ابن هشام. وبعد فإن كلام القاموس منتقَدٌ من أربع جهات:
الأولى: أنه اقتصر على الاستعمال الغريب الذي ثنى به السيرافي، ولم يذكر الاستعمال الخلي عن حرف أن الذي ابتدأ به السيرافي.
الثانية: أنه جعل المستفاد منه المبالغة في التكثير وهذا لم يدعه أحد، وإنما هو يفيد أصل التكثير.
الثالثة: أنه خص ذلك بالإخبار عن أحوال الناس لقوله: "عن أحد" مع أن ذلك لم يخصصه الذين تكلموا على معناه فهو يأتي في الإخبار عن أحوال الناس وعن أحوال الأشياء، كما في بيت مالك بن أسماء.
الرابعة: أنه ذكره في معاني ما، فأنبأنا بأنه جعل منشأ معنى الكثرة من حرف ما، وهو يخالف تفسيرَ الأئمة ويخالف ما فسره هو نفسه، إذ قال: "أي أنه مخلوق من أمر"، وجعل مفاد "ما" مبهمًا يبينه ما بعده من الفعل. فكان حقُّه أن يذكره في معانِي "من"، كما فعل ابن هشام في مغني اللبيب، والغفلات تعرض للأريب.
تذييل:
ينبغي التنبيه إلى أن هذا التركيب إذا استعمل هذا الاستعمال يجيء في موضع خبر المبتدأ، كما في بيت أبي حية وبيت مالك بن أسماء، ويجيء في موضع خبر كان كما في حديث ابن عباس في البخاري ومسلم وحديث البراء بن عازب في مسند ابن أبي شيبة، ويكون في موقع الحال كما في حديث رافع بن خديج. فمن ظن اختصاص ذلك بخبر كان فقد وهم.
والتنبيه إلى أن أصل استعماله في المعنى أن لا يصرح معه بلفظ الكثرة، فما وقع فيه لفظ كثير فهو جارٍ مجرى التفسير من الراوي أو مجرى التأكيد من القائل لخفاء دلالة التركيب على التكثير، ومثاله قول سمرة بن جندب: "كان رسول الله ﷺ يعني
стр. 1118
مما يُكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحدٌ منكم من رؤيا؟ "" (١)، وقول أبي موسى: موسى: "وكان رسول الله كثيرًا مما يرفع رأسَه إلى السماء" (٢).
والتنبيه على أن قول السيرافي: "وتقول العرب أيضًا أنت مما أن تفعل" إلخ، غريبٌ لا يُعرف شاهدُه من فصيح الكلام، فضلًا عن كون حرف "أن" فيه غير واقع موقعًا [مناسبًا] (٣)، مع ما فيه من اجتماع ثلاثة حروف من حروف المعاني متوالية، وهي من وما وأن، سواء جعلت ما مصدرية أو زائدة.
الاقتراح:
فأقترح على المجمع اللغوي أن يسجل إلحاقَ هذا التركيب في القاموس الأكبر المزمع على تأليفه، وأن يكون إثباته في حرف من، وأن يستشهد له بشواهده التي ذكرتها وما عسى أن يلحق بها من الشواهد، وأن يثبت التنبيه على ما في كلام السيرافي من التوقف. والله يعصمنا من الزلل، ويزين معلوماتنا بالعمل.
стр. 1119
صوغُ "مفعلة" من أسماء الأعيان الثلاثية الأحرف مما وسطُه حرفُ علة (١)
طالعتُ في الجزء الثاني من المجلد الخامس والثلاثين من مجلة المجمع العلمي العربي ص ٣٢٦ بحثًا أُثيرَ في لجنة المجمع عن صوغ زنة مَفْعَلَة التي تدل على أرض فيها شيء ذو اسم معتل مثل تُوتٍ وخَوْخٍ وتِيْنٍ: هل تُصاغ بإعلال العين فيقال: متَاتة ومَخَاخَة وَمَتَانَة، أو تُصحَّح العينُ فيقال: مَتْوَتَة ومَخْوَخَة ومَتْيَنَة؟
وجاء فيه أن البحثَ أحيل على مجمع اللغة العربية في القاهرة ليقرر فيه ما يسهِّل عملَ واضعي المصطلحات العلمية، وأن لجنةَ الأصول في مجمع اللغة العربية أخذت فيه قرارًا هو: "أن القاعدة في صوغ مفعلة مما وسطه حرفُ علة هي الإعلال، ولكن وردت ألفاظٌ كثيرة بالتصحيح مثل مثْوَبَة ومَشْرَرَة ومَصْيَدَة ومَقْوَدَة ومَبْوَلَة، وأن بقاء الكلمة من غير إعلال أبيَن في الدلالة على المعنى. والإعلال في هذا الباب غير مستحكم، وقد أجيز التصحيح في الأفعال. فالإجازة في الأسماء مقبولة لأن الأسماء في هذا الباب محمولةٌ على الأفعال في الإعلال، وأن مؤتمر المجمع في جلسته يوم ١٧ ديسمبر ١٩٥٩ وافق على قرار لجنة الأصول". قال المحرر: "ومنه يتضح جوازُ التصحيح (علاوةً على الإعلال) في صوغ مفعلة من أسماء الأعيان الثلاثية الأحرف (التي ليس لها أفعال) كتُوت وخَوْخ وتِيْن". (٢)
стр. 1120
وأنا أُقَفِّي على قرار المجمع اللغوي، ثم أعود إلى ما استخلصته مجلةُ المجمع العلمي العربي، وسأُلفت نظرَ المجمع العلمي إلى ضبط هذه القاعدة وتحديد انتشار استعمالها في الكلام، فأقول:
الصيغة التي جرى البحثُ والتحقيق بصددها هي خصوصُ صيغة مفعلة المصوغة من اسم جامد للدلالة على مكان يكثُر فيه مسمَّى ذلك الاسم. وهذا نوعٌ خاص من أنواع صيغة مَفْعَلة، وهو النوع الذي ليس مصدرًا نحو مَشْوَرَة، ولا اسمًا نحو مَشْيَخَة جمع شيخ، أو مفردًا نحو المشيخة اسمَ ولاية نحو مشيخة الإسلام ومشيخة الأزهر. فهذا النوع إذا كانت عينُه حرفَ علة متحرك إثر حرفٍ صحيح ساكن فتقتضي نقلَ حركة حرف العلة إلى الساكن الصحيح قبله، فينقلب حرفُ العلة إِذَنْ ألفًا.
غير أن هذه القاعدة إنما ضبطها علماءُ العربية بزَكانتهم في الأفعال بالأصالة، وفي الأسماء المشابهة للأفعال المضارعة في حركات الحروف وفي حرف زائد قبل أصول الأسماء. فكانت القاعدةُ مقصورةً على الأسماء المشتقة من أسماء المعاني (الأحداث)؛ لأنها لما أشبهت الأفعالَ في المادة وزادت بشبهها المضارعَ في الصورة استحقت الالتحاقَ بالفعل المضارع في وجوب نقل حركة العين المعتلة إلى الساكن الصحيح قبلها، وكلّ ذلك تعليلٌ وتوجيهٌ لما سُمِع من الكلام العربي الفصيح.
أما صيغة مفعلة المشتقة من أسماء الأعيان الجامدة، فقد سكت أئمةُ التصريف عن التصريح بتطبيق قاعدة النقل والإبدال فيها، وعن استثنائها من تلك القاعدة. فيُظَنُّ أن قياسَ قواعد النقل والإبدال مطَّردٌ فيها، وقد يُشك في ذلك. لكنا قد نأخذ آراءهم فيها من الأمثلة التي يجري التمثيلُ بهل لِمَا استُثْنِيَ من قاعدة نقل حركة العين المعتلة إلى الساكن الصحيح قبلها، مثلما استثنَوْا صيغةَ مِفعال ومِفْعَل من تلك القاعدة، نحو مِسْواك ومِقْياس ومِقْوَل (وهو اللسان؛ لأنه آلةُ القول) ومِخْيَط.
стр. 1121
وعند التأمل نجد هذه المفعَلة قد تَجاذبها ما يقتضي الإعلالَ - وهو قاعدةُ تحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله - وما يقتضي التصحيحَ، وهو: أولًا أن التصحيحَ هو الأصل. ثانيًا أن إعلالَ ما أُعِلَّ من الأسماء كان بالحمل على الفعل، فجريانُه في الأسماء المشتقة - وهي الصفاتُ والمصادر - واضحٌ لمشابهتها الأفعالَ في الاشتقاق. ثالثًا أن الإعلالَ إذا لم يكن موجِبُه تعذرَ النطق بالكلمة ولو لم تُعل - وهو الإعلال الذي لا بدَّ منه إذ يتعذر النطقُ بدونه، مثل قلب ألف ضارب واوًا إذا صغَّرتَ فقلتَ: ضويرب لتعذر النطق بالألف بعد ضمة التصغير - فإن موجِبَه طلبُ التخفيف، مثل إعلال الفاء من ميزان؛ فإنك لو أردتَ أن تنطق بالفاء مصححةً فقلت مِوْزان لم يتعذَّرْ عليك، إلا أن إعلالَها بقلبها ياءً لمناسبة الكسرة أخفُّ في النطق.
وهذا غالبُ ما وقع من إعلالٍ في الكلمات العربية، فحقيقٌ جريانُه في الأفعال؛ لأنها كثيرةُ التداول في الكلام. وجريانُه في الأوصاف المشتقة من أسماء الأحداث تابعٌ لجريانه في أفعالها، لكثرة تداولها أيضًا، ولطرد الباب على وتيرة واحدة.
لهذا فإذا كان الإعلالُ مُوقِعًا في اللَّبس، فمراعاةُ دفع اللبس أَوْلَى من طلب التخفيف. ألا ترى أنَّهم أوْجَبوا تصحيحَ صيغة الإِفْعال إذا لم يكن لها فعلٌ ثلاثيّ، مثل أَغْيَمَتْ السماءُ، وأَعْوَل إذا رفع صوتَه بالبكاء؛ فهما مُصحَّحان! (١) وفي الاستفعال المشتق من اسم المعنى (الحدث)، مثل استَحْوَذَ واسْتَيْأَسَ؛ فهما مصححان، والمشتقّ من اسم جامد مثل استَنْوَقَ الجملُ واستَتْيَسَتِ الشاةُ؛ فهما مصحَّحان. وهذا الذي جزم به ابنُ مالك في التسهيل، وجعله قولًا فصْلًا بين إطلاق الجمهور في منع التصحيح في جميع ذلك، وإطلاق أبي زيد الأنصاري في جواز التصحيح في
стр. 1122
جميع ذلك (١)، وكلامُ ابن مالك معضودٌ بالسماع. وقد تحصل من هذا أن التصحيحَ أوضحُ دلالةً على المراد، ولهذا سَمَّى سيبويه التصحيحَ تبيينًا في كتابه (٢).
فأما صيغة مفعلة المصوغةُ من اسم جامد فبعيدٌ شبهُها بالفعل في المعنى؛ لأنها غير مشتقةٍ من الأحداث (٣)، ولأنها قليلةُ الدَّوران في الكلام، فلا يُحتاج فيها إلى التخفيف، ولأنها لندرة دورانها قد يفضي إعلالها إلى جهل ما أُخذت منه أو التباسها ببعض المصادر الميمية. فتصحيحُ حروفِها متعيِّن؛ لأنه الأصل، وليُؤْمَنَ اللبس، ولضعف الحاجة فيها إلى التخفيف بالإعلال.
ألا ترى أنك لو صُغتَ مَفعلة من اسم عُود، وهو العود الذي يُحرق للتطيب برائحة دخانه، فإنك إن صححته فقلتَ مَعْوَدَة ظهر المرادُ، وإن أعللتَ فقلتَ مَعَادَة التبس ببقعة العَوْد (بفتح العين) وهي المعاد (كما تقول مقام ومقامة) أو بمكان
стр. 1123
عيادة المريض أو ساعتها أو ساعة عيادة الطبيب. وكذلك المفعلة من اسم المكان الذي يكثر فيه الحُوتُ والأرض التي يكثر فيها الفِيل؛ فإن مَحْوَتَة ومَفْيَلة أظهرُ في المراد من مَحاتَة ومَفَالة.
وكذلك إذا قلنا متانة للمكان الذي يكثر فيه التِّين يلتبس بمصدر مَتَن على وزن فعالة؛ تقول: باعه الدارَ بمتانتها، فتؤول إلى الغرابة المنافية للفصاحة، كما وقع في قول العجاج: "وفَاحِمًا وَمَرْسِنا مُسَرَّجَا" (١)، فلم يتضح مرادُه: هل أراد كالسراج أو كالسيف السريجي.
وألا ترى أنهم فرَّقوا بين استقام فأَعَلُّوه وبين استنوق الجمل فصححوه؛ لأنه ليس له فعلٌ ثلاثي؟ وكذلك استحوذ واستيأس صححوهما؛ لأنهم لم يَبْنُوا منهما فعلًا ثلاثيًّا، بخلاف استقام لأنهم بنوا منه قَام كما تقدم.
ومما يجب التنبيهُ له أن صيغةَ المفعلة المصوغة لكثرة الشيء صنفان: صنفٌ يدل على محل يكثر فيه المسمَّى من ذوي الأسماء الجامدة، وصنفٌ يدل على سببِ كثرةِ الشيء من أسماء المعاني المشتقة. فالصنف الأول هو ما خُضنا فيه آنفًا، والصنف الثاني - وهو قرينُه - كقولهم في الصحيح منه: "الولد مَجْبَنَة مَبْخَلة" (٢)، وقول عنترة: "والكفر مَخبَثَةٌ لنفس المنعم" (٣).
стр. 1124
وهذا الصنف ورد تصحيحُ المعتل منه عن العرب في قولهم: الحرب مأتمة، وكثرة الشراب مَبْوَلَة (فهذه كلُّها ليست مصادرَ ميمية لعدم اشتقاقها من معنى المصدرية بل هي دالَّةٌ على كثرة الأحداث).
ونحن وإِنْ لَمْ نعثر على مثالٍ مسموع مِمَّا ورد فيه مفعلة للصنف الأول قد أعلوا عينه، فهذه أمثلةٌ لما صُحَّح فيه الصنفُ الثاني الذي هو نظيرُه، فنجعل هذا الصنفَ الثاني أصلًا يقاس عليه. فالذي يجب اعتمادُه في المفعلة المصوغة من الاسم الجامد للدلالة على المكان الذي يكثر فيه مسمَّى ذلك الاسم إذا كانت العين حرفَ علة، أن نجري على تصحيح حرف العلة وأن لا يُترك الخيارُ للمتكلمين بين أن يصححوا أو يعلُّوا، إذ لا بدَّ أن يجريَ كلامُ الشعوب العربية على طريقة متحدة وصريحة لا احتمالَ فيها؛ لأن وضوحَ المراد هو الغايةُ الأصلية من وضع اللغات وتهذيبها.
ومما يؤكِّد ذلك أن الأسماءَ الجامدة التي عينُ كلماتها ألفٌ، لا يمكن صوغُ المفعلة منها إلا بإرجاع الألف إلى الواو نحو سَاج (اسم خشب متين لا ينخره السوس) وبان (اسم شجر ذي حَب يدهن بزيته)، فصوغ مفعلة للمكان الذي يكثر فيه أحدهما يتعين فيه التصحيحُ فنقول مَسْوَجَة ومَبْوَنَة على المعروف في قلب الألف المجهولة الأصل واوًا إذا عرض لها موجِبُ قلب، كما قُلبت ألفُ خاتِم حين جمع على خواتِم. ولو أعللنا العين بعد أن تُرَد إلى أصلها لآل أمرُنا إلى أنا أرجعنا الألف إلى حالتها التي حَولناها عنها، فيذهب عملنا سُدى.
فالظاهر من كلام لجنة المجمع اللغوي أنهم ما أرادوا إلا أن صيغةَ مَفْعلة لِمَا كثر من ذوي الأسماء الجامدة يتعين فيها التصحيحُ ولا يجوز فيها الإعلال، وهو الذي ينبغي الصَّدَرُ عنه لضعف شبه صيغة المفعلة هذه بالأفعال: في مادتها لأنها مأخوذة من الجامد، وفي صيغتها لأنها صيغةٌ لا نظيرَ لها في الأفعال، ولقلة تداولها في الكلام بحيث لا يُتطلَّب لها التخفيفُ بالإعلال، ولأن قلة تداولها قد تُفضي في بعض صور إعلالها إلى التباسِ مراد المتكلِّم كما تقدم؛ لأن أذهان السامعين متفاوتة في إدراك ما يخيِّل اللبس.
стр. 1125
فإذا تقرر هذا، فلنعُدْ إلى ما جاء في مجلة المجمع العلمي بدمشق ونصه: "ومنه يتضح جوازُ التصحيح (علاوةً على الإعلال) في صوغ مفعلة من أسماء الأعيان الثلاثية الأحرف التي ليس لها أفعال، كتوت وخوخ وتين وأشباهها"، فنؤسس له بأن مقصَدَ أئمة العربية من وضع القواعد التصريفية تجنبُ الحيْدة في التكلُّم بكلام عربِي عن غير الاستعمال المستَقْرَى من تتبع فصيح الكلام، والتنبيهُ على ما ندر استعمالُه بينهم بأنه يُحفظ ولا يُقاس عليه، مع بيان المناسبات الدقيقة التي أفاضتها أذواقُ الأئمة المتتبعين لموارد استعمال الكلام العربي عند اشتقاق الكلمات وصوغها، لتكون تلك الأصولُ صونًا لِلِسانِ الناشئ في هذه اللغة من الخطأ ولتُتَّخذ مقياسًا يقاس عليه ما يُراد اشتقاقُه فيما لم يُسمع استعمالٌ فيه عن العرب.
وما أرادوا من صنعهم هذا إلا ليتَّبع الشاجون في اللغة أشهرَ الاستعمال، ويجتنبوا النادرَ تقليلًا من انتشار ذلك النادر؛ لأن لانتشاره فيما سلف من عصور العرب سببًا تعذّر معه الضبط، وهو تعددُ القبائل، وتباعدُ المواطن، وفقدانُ التدوين، واللُّجأُ إلى السماع دون وضع قواعد. وذلك ما أهلُ العربية اليومَ فيه بمنجاةٍ عن تلك العوائق.
فلنبنِ على هذا الأساس أنا نعتمد أحدَ الوجهين في صيغة المفعلة من المعتل العين، وهو وجهُ التصحيح لرجحانه على الإعلال بأن علته تجنبُ اللبس. فإذا سلمنا بأن الوجهين من الإعلال والتصحيح جائزان، فعلينا الأخذُ بأحدهما لتجريَ لغتُنا على طريقة واحدة، فذلك أسعدُ بمقصدنا من ضبط استعمال اللغة وتحديد وتطبيق فروقها، أخذًا بأفصح الوجوه الواردة عن الفصحاء وأشهرها دورانًا في كلامهم، أو أخذًا بأحد الجائزَيْن إذا كان للأخذ به مرجِّحٌ، كما تبين مما سلف.