وعند التأمل نجد هذه المفعَلة قد تَجاذبها ما يقتضي الإعلالَ - وهو قاعدةُ تحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله - وما يقتضي التصحيحَ، وهو: أولًا أن التصحيحَ هو الأصل. ثانيًا أن إعلالَ ما أُعِلَّ من الأسماء كان بالحمل على الفعل، فجريانُه في الأسماء المشتقة - وهي الصفاتُ والمصادر - واضحٌ لمشابهتها الأفعالَ في الاشتقاق. ثالثًا أن الإعلالَ إذا لم يكن موجِبُه تعذرَ النطق بالكلمة ولو لم تُعل - وهو الإعلال الذي لا بدَّ منه إذ يتعذر النطقُ بدونه، مثل قلب ألف ضارب واوًا إذا صغَّرتَ فقلتَ: ضويرب لتعذر النطق بالألف بعد ضمة التصغير - فإن موجِبَه طلبُ التخفيف، مثل إعلال الفاء من ميزان؛ فإنك لو أردتَ أن تنطق بالفاء مصححةً فقلت مِوْزان لم يتعذَّرْ عليك، إلا أن إعلالَها بقلبها ياءً لمناسبة الكسرة أخفُّ في النطق.
وهذا غالبُ ما وقع من إعلالٍ في الكلمات العربية، فحقيقٌ جريانُه في الأفعال؛ لأنها كثيرةُ التداول في الكلام. وجريانُه في الأوصاف المشتقة من أسماء الأحداث تابعٌ لجريانه في أفعالها، لكثرة تداولها أيضًا، ولطرد الباب على وتيرة واحدة.
لهذا فإذا كان الإعلالُ مُوقِعًا في اللَّبس، فمراعاةُ دفع اللبس أَوْلَى من طلب التخفيف. ألا ترى أنَّهم أوْجَبوا تصحيحَ صيغة الإِفْعال إذا لم يكن لها فعلٌ ثلاثيّ، مثل أَغْيَمَتْ السماءُ، وأَعْوَل إذا رفع صوتَه بالبكاء؛ فهما مُصحَّحان! (١) وفي الاستفعال المشتق من اسم المعنى (الحدث)، مثل استَحْوَذَ واسْتَيْأَسَ؛ فهما مصححان، والمشتقّ من اسم جامد مثل استَنْوَقَ الجملُ واستَتْيَسَتِ الشاةُ؛ فهما مصحَّحان. وهذا الذي جزم به ابنُ مالك في التسهيل، وجعله قولًا فصْلًا بين إطلاق الجمهور في منع التصحيح في جميع ذلك، وإطلاق أبي زيد الأنصاري في جواز التصحيح في
стр. 1122
جميع ذلك (١)، وكلامُ ابن مالك معضودٌ بالسماع. وقد تحصل من هذا أن التصحيحَ أوضحُ دلالةً على المراد، ولهذا سَمَّى سيبويه التصحيحَ تبيينًا في كتابه (٢).
فأما صيغة مفعلة المصوغةُ من اسم جامد فبعيدٌ شبهُها بالفعل في المعنى؛ لأنها غير مشتقةٍ من الأحداث (٣)، ولأنها قليلةُ الدَّوران في الكلام، فلا يُحتاج فيها إلى التخفيف، ولأنها لندرة دورانها قد يفضي إعلالها إلى جهل ما أُخذت منه أو التباسها ببعض المصادر الميمية. فتصحيحُ حروفِها متعيِّن؛ لأنه الأصل، وليُؤْمَنَ اللبس، ولضعف الحاجة فيها إلى التخفيف بالإعلال.
ألا ترى أنك لو صُغتَ مَفعلة من اسم عُود، وهو العود الذي يُحرق للتطيب برائحة دخانه، فإنك إن صححته فقلتَ مَعْوَدَة ظهر المرادُ، وإن أعللتَ فقلتَ مَعَادَة التبس ببقعة العَوْد (بفتح العين) وهي المعاد (كما تقول مقام ومقامة) أو بمكان
стр. 1123
عيادة المريض أو ساعتها أو ساعة عيادة الطبيب. وكذلك المفعلة من اسم المكان الذي يكثر فيه الحُوتُ والأرض التي يكثر فيها الفِيل؛ فإن مَحْوَتَة ومَفْيَلة أظهرُ في المراد من مَحاتَة ومَفَالة.
وكذلك إذا قلنا متانة للمكان الذي يكثر فيه التِّين يلتبس بمصدر مَتَن على وزن فعالة؛ تقول: باعه الدارَ بمتانتها، فتؤول إلى الغرابة المنافية للفصاحة، كما وقع في قول العجاج: "وفَاحِمًا وَمَرْسِنا مُسَرَّجَا" (١)، فلم يتضح مرادُه: هل أراد كالسراج أو كالسيف السريجي.
وألا ترى أنهم فرَّقوا بين استقام فأَعَلُّوه وبين استنوق الجمل فصححوه؛ لأنه ليس له فعلٌ ثلاثي؟ وكذلك استحوذ واستيأس صححوهما؛ لأنهم لم يَبْنُوا منهما فعلًا ثلاثيًّا، بخلاف استقام لأنهم بنوا منه قَام كما تقدم.
ومما يجب التنبيهُ له أن صيغةَ المفعلة المصوغة لكثرة الشيء صنفان: صنفٌ يدل على محل يكثر فيه المسمَّى من ذوي الأسماء الجامدة، وصنفٌ يدل على سببِ كثرةِ الشيء من أسماء المعاني المشتقة. فالصنف الأول هو ما خُضنا فيه آنفًا، والصنف الثاني - وهو قرينُه - كقولهم في الصحيح منه: "الولد مَجْبَنَة مَبْخَلة" (٢)، وقول عنترة: "والكفر مَخبَثَةٌ لنفس المنعم" (٣).
стр. 1124
وهذا الصنف ورد تصحيحُ المعتل منه عن العرب في قولهم: الحرب مأتمة، وكثرة الشراب مَبْوَلَة (فهذه كلُّها ليست مصادرَ ميمية لعدم اشتقاقها من معنى المصدرية بل هي دالَّةٌ على كثرة الأحداث).
ونحن وإِنْ لَمْ نعثر على مثالٍ مسموع مِمَّا ورد فيه مفعلة للصنف الأول قد أعلوا عينه، فهذه أمثلةٌ لما صُحَّح فيه الصنفُ الثاني الذي هو نظيرُه، فنجعل هذا الصنفَ الثاني أصلًا يقاس عليه. فالذي يجب اعتمادُه في المفعلة المصوغة من الاسم الجامد للدلالة على المكان الذي يكثر فيه مسمَّى ذلك الاسم إذا كانت العين حرفَ علة، أن نجري على تصحيح حرف العلة وأن لا يُترك الخيارُ للمتكلمين بين أن يصححوا أو يعلُّوا، إذ لا بدَّ أن يجريَ كلامُ الشعوب العربية على طريقة متحدة وصريحة لا احتمالَ فيها؛ لأن وضوحَ المراد هو الغايةُ الأصلية من وضع اللغات وتهذيبها.
ومما يؤكِّد ذلك أن الأسماءَ الجامدة التي عينُ كلماتها ألفٌ، لا يمكن صوغُ المفعلة منها إلا بإرجاع الألف إلى الواو نحو سَاج (اسم خشب متين لا ينخره السوس) وبان (اسم شجر ذي حَب يدهن بزيته)، فصوغ مفعلة للمكان الذي يكثر فيه أحدهما يتعين فيه التصحيحُ فنقول مَسْوَجَة ومَبْوَنَة على المعروف في قلب الألف المجهولة الأصل واوًا إذا عرض لها موجِبُ قلب، كما قُلبت ألفُ خاتِم حين جمع على خواتِم. ولو أعللنا العين بعد أن تُرَد إلى أصلها لآل أمرُنا إلى أنا أرجعنا الألف إلى حالتها التي حَولناها عنها، فيذهب عملنا سُدى.
فالظاهر من كلام لجنة المجمع اللغوي أنهم ما أرادوا إلا أن صيغةَ مَفْعلة لِمَا كثر من ذوي الأسماء الجامدة يتعين فيها التصحيحُ ولا يجوز فيها الإعلال، وهو الذي ينبغي الصَّدَرُ عنه لضعف شبه صيغة المفعلة هذه بالأفعال: في مادتها لأنها مأخوذة من الجامد، وفي صيغتها لأنها صيغةٌ لا نظيرَ لها في الأفعال، ولقلة تداولها في الكلام بحيث لا يُتطلَّب لها التخفيفُ بالإعلال، ولأن قلة تداولها قد تُفضي في بعض صور إعلالها إلى التباسِ مراد المتكلِّم كما تقدم؛ لأن أذهان السامعين متفاوتة في إدراك ما يخيِّل اللبس.
стр. 1125
فإذا تقرر هذا، فلنعُدْ إلى ما جاء في مجلة المجمع العلمي بدمشق ونصه: "ومنه يتضح جوازُ التصحيح (علاوةً على الإعلال) في صوغ مفعلة من أسماء الأعيان الثلاثية الأحرف التي ليس لها أفعال، كتوت وخوخ وتين وأشباهها"، فنؤسس له بأن مقصَدَ أئمة العربية من وضع القواعد التصريفية تجنبُ الحيْدة في التكلُّم بكلام عربِي عن غير الاستعمال المستَقْرَى من تتبع فصيح الكلام، والتنبيهُ على ما ندر استعمالُه بينهم بأنه يُحفظ ولا يُقاس عليه، مع بيان المناسبات الدقيقة التي أفاضتها أذواقُ الأئمة المتتبعين لموارد استعمال الكلام العربي عند اشتقاق الكلمات وصوغها، لتكون تلك الأصولُ صونًا لِلِسانِ الناشئ في هذه اللغة من الخطأ ولتُتَّخذ مقياسًا يقاس عليه ما يُراد اشتقاقُه فيما لم يُسمع استعمالٌ فيه عن العرب.
وما أرادوا من صنعهم هذا إلا ليتَّبع الشاجون في اللغة أشهرَ الاستعمال، ويجتنبوا النادرَ تقليلًا من انتشار ذلك النادر؛ لأن لانتشاره فيما سلف من عصور العرب سببًا تعذّر معه الضبط، وهو تعددُ القبائل، وتباعدُ المواطن، وفقدانُ التدوين، واللُّجأُ إلى السماع دون وضع قواعد. وذلك ما أهلُ العربية اليومَ فيه بمنجاةٍ عن تلك العوائق.
فلنبنِ على هذا الأساس أنا نعتمد أحدَ الوجهين في صيغة المفعلة من المعتل العين، وهو وجهُ التصحيح لرجحانه على الإعلال بأن علته تجنبُ اللبس. فإذا سلمنا بأن الوجهين من الإعلال والتصحيح جائزان، فعلينا الأخذُ بأحدهما لتجريَ لغتُنا على طريقة واحدة، فذلك أسعدُ بمقصدنا من ضبط استعمال اللغة وتحديد وتطبيق فروقها، أخذًا بأفصح الوجوه الواردة عن الفصحاء وأشهرها دورانًا في كلامهم، أو أخذًا بأحد الجائزَيْن إذا كان للأخذ به مرجِّحٌ، كما تبين مما سلف.
стр. 1126
الصوت المجسَّد، تقفية وتأييد (١)
نشر الأستاذ أنستاس الكرملي (٢) عضو المجمع اللغوي مقالًا في الصفحة ٢٦٩ من الجزء الرابع من مجلة المجمع اللغوي استيقظ فيه الأنظارَ إلى ما يقع في
стр. 1127
بعض أمهات الدواوين اللغوية من كلام مغلق يكدُّ حلُّه أفهامَ الناظرين، وتزل في مزالقه أقدامُ الناقلين والمختصرين. فربما شوَّه بعضُهم اللغة تشويهًا شنيعًا، وربما عمد بعضُهم إلى حفظها فأصبح لها مضيعًا. واستظهر لذلك بشاهد واحد، والظن بضلاعته أنه قصد الاختصار لا أنه الآخر غير واحد.
وإني وإن شاطرتُه رأيَه مشاطرةَ تأييد، ورجَّعْتُ نداءَه المهيب بالتقفية على رأيه السديد، فأنا أقفي على أثره مباحثَ على شهده الوحيد. فأقول: إن ما أخذه على صاحب "محيط المحيط" (١) في "الصوت المجسد" مأخذُ فطِنٍ لبيب، واعتراضه عليه
стр. 1128
ممسكٌ بالتلابيب. فالعلامة البستاني قد جاء بمزيج من اختصار وتفسير وتصحيف (١)، لا يسلمه عارف، ويؤاخذه عليه المطلع المنصف. ولقد كفانا الأستاذ الكرملي أمرَ نقده بما لا يزيد عليه من بعده. وأما فريتاغ (٢) فقد احتكم حكمَ المستبد، فجعل وصفَ الصوت المجسد مأخوذًا من المصبوغ بالجساد أو الزعفران تقريبًا، يريد منه ترجيحَ لفظ "محسنة". فبقي أن نعود إلى تحقيق هذه العبارة الواقعة في معاجم اللغة المعتبرة.
وقد ذكر الأستاذ الكرملي عن نسختي القاموس لفظي "مجنة ومحسنة"، ونقل كلامَ صاحب "تاج العروس" في شرحه لتخطئة النسخة التي بلفظ محسنة (٣). فيلزم تخطئةُ صاحب "اللسان" أيضًا؛ لأنه اقتصر عليها.
стр. 1129
وقد رأيتُ في نسخة صحيحة من القاموس - مصرية الخط نفيسة نسخت سنة ٩٣٨ هـ بخط محمد عمر الخفاجي الأزهري (١) - ثبت فيها ما نصُّه: "وصوت مجسَّد - كمعظَّم - مرقومٌ على نغمات ومِجْنَة" (بميم وجيم ونون وهاء، وشكلها بكسرة تحت الميم وسكون على الجيم وفتحة على النون)، وهي من عدة نسخ بخزانة كتبي. وفي نسخة صحيحة أخرى - نسخت سنة ٩٩٣ هـ موجودة بخزانتي أيضًا كتب في آخرها أنها بخط "الصالح الفاضل والعالم الكامل منصور الحلبي نسبًا الزبيدي مولدًا ﵀"، وكتب في آخرها أنها "صححت على أم وأصل صحيح عليه خط المصنف ﵀ سنة ١٠٠٢ هـ" - كتبت كلمة "محنة" بدون نقط أصلًا، وذلك يدل على مثار اختلاف نسخ "القاموس" في ذلك اللفظ. فالظاهر أنه ثبت في أصل الفيروزآبادي بدون نقط، فحاكى الناسخُ صورةَ اللفظ كما وجدها لعدم اهتدائه إلى إعجامه.
وإذ قد عزا صاحبُ "تاج العروس" تلك الجملة إلى الخليل، ولم يكن كتاب "العين" للخليل موجودًا (٢)، فبنا أن نرجع إلى الكتب المتابعة لكتاب "العين" لنتمكن من فهم هذه الجملة التي هيَ من أمهات الكلمات اللغوية. فلما وجدنا الزبيدي قد عدل عن ذكرها في "مختصر العين"، ووجدنا ابن سيده عدل عنها أيضًا في كتابه "المحكم والمحيط الأعظم" الذي هو كالمختصر لكتاب "العين" (٣)، علمنا
стр. 1130
أن هذه العبارة موضعُ إشكال، فلذا حذفها مختصِراه. ولكن ابن سيده نفسه أثبت هذه العبارة في كتاب "المخصص" في "باب الملاهي والغناء"، فقال ما نصه: "صاحب العين: صوت مجسَّد: مرقوم على محنة ونغمات" (١)، وضبط مصحِّح "المخصص" كلمة محنة بكسر الميم وسكون الحاء وفتح النون.
وهذه العبارة عينُ عبارة "القاموس"، سوى أن صاحب "القاموس" قدم لفظ نغمات على لفظ محنة (٢)، بخلاف كلام الخليل. ولا شك أن لصاحب "القاموس" مقصدًا في هذا التصرف، ولعله رأى أن كونَ الصوت على نغمات هو مقوِّم معنى كونه مجسدًا، وأن لفظ محنة تكملة للمعنى. وأما صاحب "اللسان" فتصرف فيه بتغيير لفظ "محنة" بلفظ "محسنة" (٣) - إن كان ذلك من أصل ابن منظور لا من تصرفات الناسخ - وبتعويض لفظ نغمات بلفظ نغم، وهو هين.
وعلى هذا فالظاهر أن المجسَّد مشتق من الجسد وهو الجسم، خلافًا لما ظنه فريتاغ. فمجسَّد مثل قولهم: مجسَّم بمعنى مضخم في نوعه، تشبيهًا له في الغلظة بالجسم، أي: ضخم، حتى صار كالجسم بناءً على أن اللحون والنغمات تضاعف الحروفَ وترددها حتى تكاد الألفاظُ أن تصير أجسامًا. والعبارة جارية على أسلوب القدماء من أهل العربية، كشأن عبارات كتاب سيبويه قد تكون محلَّ توقف أنظار الناظرين كما هو معلوم. ولا بد من الاستعانة على فهم المراد منها بتتبع أساس
стр. 1131
تعبيرهم وما تفيده المفرداتُ اللغوية المناسبة للغرض المسوقة إليه العبارة ومقتضى كتابة العبارة الجارية على طريقة الكتابة في ذلك العصر.
فبنا أن نتأمل في المعنى من قوله: "مرقوم". فالمرقوم الذي جعل له الرقم، والرقم علامة ترقم، أي: تُنقش. فقد يكون حروفًا، وقد يكون علامة، ومنه الرقم في الثوب. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [المطففين: ٩]، فقيل في وجه وصف الكتاب بالمرقوم: إن المراد كتاب معلم متميز. ولما وصف الصوت بالمرقوم تعين أنه رقم اعتباري، أي: صوت مكيف بكيفية تميزه عن غيره، وهي كيفية اللحن الخاص. ومعنى كلمة "على" الاستعلاء المجازي - لا محالة - الذي يؤول إلى معنى الملابسة، مثل [قوله تعالى]: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة/ لقمان: ٥]، أي: مميز بكيفية خاصة ملابسة لنغمات. وتفسيره المجسد بالمرقوم على نغمات يدل على أن وصفه بالمجسد؛ لأنه صوتٌ محدد بلحن خاص يعينه ويشخصه ويميزه عما سواه، وذلك بنغمات مخصوصة يصير بها الصوتُ مضبوطًا مُعيَّنًا يشبه الجسدَ المحدد بالشكل؛ لأن الرقم يكون واضحًا متميزًا في الطرس أو الثوب.
فاللحونُ كلها حدودٌ للأصوات تُعرف بها، فيكون الصوتُ المجسَّد على هذا هو الصوتُ الملحن المتغنَّى به، شأن الأصوات المذكورة في "كتاب الأغاني" (١).
و[بنا] (٢) أن نتأمل في سبب التردد في كلمة "محنة أو مجنة"، وذلك أنها كلمةٌ مركبة من أربعة حروف: الأول منها يتعين لكونه ميمًا، والرابع يتعين لكونه هاء تأنيث، والثالث لم يختلفوا في كونه نونا.
стр. 1132
فأما الحرف الثاني فشكله يحتمل الجيم والحاء المهملة والخاء المعجمة؛ لأن أشكال هذه الحروف الثلاثة في الرسم العربي متحدةٌ ولا تتمايز إلا بأحد أمرين: الإعجام إن كانت الكتابة معجمة، أو دلالة المقام إن كانت الكتابةُ خاليةً عن الإعجام، كما هو غالب حال الكتابة في عصر الخليل حين كان الكتاب يعدون الإعجام عيبًا.
فأما احتمال الخاء معجمة الذي وقع في "محيط المحيط" للبستاني فهو خطأ لا يستقيم معه المعنى بحال، ولم ينقل عن كتاب من الكتب، فلنضرب عنه صفحا.
فبقي احتمالان: أن يكون جاء مهملة وهو أصل الإهمال، أو جيمًا وهو ما بقي. فأما الحاء فهو الأصل في إهمال مثل ذلك الحرف، وعلى ذلك الاعتبار جرت طبعة "المخصص" وغالب نسخ القاموس، وهو الموافق لنسخة من القاموس بخط ومقابلة وتحقيق العلامة الأديب اللغوي محمد الورغي التونسي كاتب دولة الأمير علي بن حسين بن علي سنة ١١١٧ هـ. وإما أن يكون الحرف جيمًا، وهو الذي وقع في النسخة المصرية التي بخط الخفاجي.
وقيام كلا الاحتمالين هو الذي حمل ناسخَ النسخة الحلبية على ترك الإعجام.
ثم ينشأ احتمالُ أن تكون الكلمةُ مركبةً من خمسة حروف بأن تكون المطَّةُ التي بين الحرفين الثاني والثالث سينًا؛ لأن كثيرًا من الخطوط المشرقية يكتب حرف السين دون أسنان بل يكتفي بمطة طويلة، وإن كان ذلك لا يلتبس على الممارسين لكيفيات الخطوط. وبهذا الاحتمال تصير كلمة مركبة من خمسة أحرف فيحدث حرف ثالث هو "سين" وهو الذي نشأت عنه كلمة محسنة الواقعة في نسخة "القاموس" حسبما ذكره صاحب "تاج العروس"، ولعلها من تصرفات بعض الناسخين للقاموس.
فإذا كان هذا اللفظ هو المثبت في أصل كتاب "المخصص"، فالظن أن بعضًا ممن نسخوا القاموس -[و] لهم (١) اطلاعٌ على كتاب "لسان العرب" - يحسبون أنهم
стр. 1133
يصلحون عبارة "القاموس"، ولا يبعد أن يكون وقوعُ ذلك في نسخة اللسان من تصرفات الناسخ أيضًا، فينبغي أن نشتغل بتفسير لفظة محنة الذي هو المشهور من عبارة الخليل.
والمحنة ما يُمتحن به المرء من المصائب؛ فصوتُ ذي المحنة يكون فيه غلظ وبحة، ويقال له: صوت أجش، وهو الذي يخرج من أعلى الحلق والخياشيم. وذلك مما يضخم الصوتَ فيصير كأنه جُسِّد، فيكون المجسَّد بمعنى المضخَّم. وقريبٌ منه وصفُ الأصوات بالثقيل تارة وبالخفيف أخرى، كما تجده في كتاب الأغاني. والثِّقل والخفة من صفات الأجسام، فعلى صحة هذا اللفظ يكون الصوتُ المجسَّد من صفات أصوات الحزن في النياحة ونحوها.
وأما على ما في نسخة "القاموس" الخفاجية من لفظ "مجنة" - بالجيم وبالضبط بكسر الميم وسكون الجيم كما تقدم، في صيغة هيئة مشتقة من المجن، والمجن يرجع إلى معاني اللهو والهزل والانخلاع. وشأن اسم الهيئة إذا لم يضف إلى ما يميز هيئته أن يكون اسْمًا لهيئة الجنس المشتق هو من لفظه، أعني أن يكون اسْمًا للمصدر كقولهم الحيطة بمعنى الاحتياط والحيضة بمعنى الحيض - فإذا صحت هذه اللفظةُ على هذا الوجه، كان المعنى واضحًا؛ فإن شأن الغناء أن يكون في مقام المجون والطرب.
فأما لفظ "محسنة" الواقع في طبعة "اللسان" وبعض نسخ "القاموس"، فلا أراه يستقيم له معنًى مع دخول حرف الاستعلاء عليه. ولا أشاطر الأستاذَ الكرملي في توجيهه؛ لأن المعنى المقصود من الصوت المجسد لا يختص بالمرأة المغنية، بل أكبر الأصوات إتقانًا وإبداعًا هو من صنعة مغنين كالموصلي ومعبد ومخارق وأضرابهم. على أني لا أرى في الفقرات التي استشهد بها الأستاذ الكرملي لتوجيه لفظ "محسنة" ما يقتضي اعتبارهم ذلك اللفظ اعتبار الأسماء الصناعية، بل ليس هو إلا من الأوصاف المشتقة المعروفة، وحسبك أنه لم يثبت له ذلك المعنى في شيء من دواوين اللغة.
فهذا ما بدا من النظر في إقامة هذه الكلمة الخليلية نكله إلى تحقيق رجال المجمع ونشفعه بأطيب تحية.
стр. 1134
مراجعة الأستاذ إبراهيم مصطفى:
" وصل إلي اليوم بحثكم الدقيق العميق في تحقيق "الصوت المجسد"، ونقلت مما ظفرت به من النسخة الصحيحة النفيسة من نسخ القاموس ما نصه: "وصوت مجسد كمعظم مرقوم على نغمات ومحنة". وبذلك حققتم وصححتم كلمة "مجسد"، ثم أخذتم في تحقيق كلمة "محنة" وقلبتموها على وجوهها التي تحتملها قراءاتها، وقد بدا لي أن أسألكم: ألا يمكن أن تقرأ "مِحَنَّة"، ومن معاني الحنين النزوع والصوت والطرب فيكون المعنى (مرقوم على نغمات وأطراب)؟
وقد رأيت أن أكتب إليكم هذا الخاطر، وأنتم أقدرُ على تحقيقه لما بأيديكم من النصوص، ومالكم من موالاة النظر فيها".
جواب المصنف:
الجواب عنها: أن الوجه والمعنى اللذين ذكرتموهما يقتضيان أن تكون الميمُ التي في كلمة "محنة" حرفًا زائدًا، وأن تكون تلك الكلمة مصدرًا ميميًّا. وحينئذ فلا يصح ضبطُ الميم بالكسر؛ إذ ليس في المصادر الميمية ما هو بكسر الميم. فيتعين على ذلك التفسير أن تكون الميمُ مفتوحة، لكن يعكر على اعتبارها مفتوحةً أن الكلمة قد ضُبطت فيما ضبطت فيه من كتب اللغة بكسرة تحت الميم. ثم هو يقتضي أن يكون عطفُ الطرب على محنة عطفَ مرادف، وهو خلاف أصل العطف؛ لأن أصل العطف أن يكون لمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وذكر المرادف مع مرادفه من قبيل التوكيد اللفظي الذي لا يقترن بواو العطف.
فإن التزمنا كسر الميم تبعًا للضبط الواقع في المعاجم اللغوية، اضطرنا ذلك إلى جعل الكلمة بوزن مِفعلة بكسر الميم، فتتعين لأن تكون من أسماء الآلة، مثل مِزَجّة، فتفسر حينئذ بآلة الحنين إلى الطرب. وهذا المحمل لا يلتئم مع عبارة الخليل بن أحمد
стр. 1135
في الصوت المجسد التئامًا واضحًا؛ لأنه يجعل من مقوِّمات معنى الصوت المجسد أن يكون مرقومًا على آلة طرب وعلى طرب أيضًا؛ لأن واو العطف دالةٌ على الجمع. اللهم إلا أن تجعل الواو للتقسيم بمعنى "أو"، وهو استعمال نادر في كلام المؤلفين وإن كان صحيحًا، حتى احتاج من استعمله منهم إلى الاعتذار عن ذلك في التعليق على كلامه.
стр. 1136
الفَرْعَ الثَّانِي
دِراسَات فِي عُلوم البَلَاغَة
стр. 1137
الجزالة (١)
يكثر لك العثورُ في كلام أئمة النقد وصناعة الإنشاء والشعر على ذكرهم وصفَ الجزالة في محاسن الألفاظ. وربما عدَّها بعضُهم في محاسن المعاني أيضًا، فقد قال المرزوقي في مقدمة شرحه لديوان الحماسة: "فطلبوا المعاني المعجبة من خواص أماكنها، وانتزعوها جزلة عذبة". (٢)
ولَمْ أر منهم مَنْ أفصح عن مقومات هذه الصفة وشرائط حصولها. وأنا أبذل مبلغ جهد الفكر في الكشف عن مفاد هذا الوصف، وأقدم ما هو منه وصف اللفظ ثم أتبعه بما هو منه وصف للمعنى.
فأمَّا الجزالة فهي وصفٌ للفظ، مأخوذة من صفات الناس؛ إذ الجزالة في الإنسان هي جودةُ رأيه، وكمالُ عقله، وإتقان فهمه. فيها يكون الإنسان جَزْلًا، أي كامل الإنسانية. وقد استحسن الفقهاء في القاضي أن يكون ذا جزالة رأي، وأرادوا هذا المعنى. وجزالةُ اللفظ عرَّفها ابنُ مكرم في لسان العرب فقال: "الكلام الجزل القوي الشديد، واللفظ الجزل خلاف الركيك". (٣) وظاهرٌ أن مَرْجِعَ هذا إلى معنى
стр. 1138
اللفظ المركَّب أو المفرد، لا إلى مبناه وصورته. فليست الجزالةُ تنافرَ الحروف، ولا تنافرَ الكلمات، ولا غرابةَ الكلمة.
فلْنَتَطَلَّبْ حقيقةَ الجزالة عند أئمة النقد، ونَتَقصَّها من آثار كلماتهم، ونتعرَّفْها من تعرف ضدها الذي يقابلونها به. فابنُ رشيق في العمدة ذكر الجزالة، وعطفها على الفخامة عطفًا يظهر منه أنه أراد به التفسير، قال: " [ثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم مَنْ يُؤْثِر اللفظَ على المعنى، فيجعله غايته ووكده، وهم فرق]: قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع كقول بشار:
إذا ما غضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ مَطَرَتْ دَمَا
[إذَا ما أَعَرْنَا سَيِّدًا مِنْ قَبِيلَةٍ ... ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَيْنَا وَسَلَّمَا] " (١)
وقال: "وشبه قومٌ أبا نواس بالنابغة؛ لِمَا اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة". (٢) ووصف عبد القاهر الجزالة فقال: "من البراعة والجزالة وشبههما مما ينبئ عن شرف
стр. 1139
النظم. . ." (١)، وقال عند ذكر النظم: "أن تقتفيَ في نظم الكلام آثار المعاني وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس". (٢)
وذكر ابنُ شرف القيرواني في "رسالة الانتقاد" الجزالة، فقال عند ذكر لبيد: "شعره ينطق بلسان الجزالة عن جنان الأصالة، فلا تسمع إلا كلامًا فصيحًا، ومعنى مبينًا صريحًا". (٣) وقال في ابن هانئ الأندلسي: "إلا إنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق" (٤)، فجعل الجزالة وصفًا للمباني، أي الألفاظ. وقال ابن الأثير في "المثل السائر" في المقالة الأولى في الصناعة اللفظية: "وقد جاءت لفظةٌ واحدة في آية وفي بيت، فجاءت في القرآن جَزْلةً متينة، وفي الشعر ركيكةً ضعيفة، فأثَّر التركيبُ فيها هذَيْن الوصفين الضِّدَّيْن. أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وأما بيت الشعر، فهو قولُ أبي الطيب المتنبي:
стр. 1140
تَلَذُّ لَهُ المُرُوءَةُ وَهْيَ تُؤْذِي ... وَمَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ لَهُ الغَرَامُ (١)
وهذا البيتُ من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية، فحطَّتْ من قدر البيت، لضعف تركيبها، وحَسُنَ موقعُها في تركيب الآية". (٢)
وقال أبو البقاء الكفوي في كلياته: "الجزالةُ هي إذا أُطلقت على اللفظ يُراد بها نقيضُ الرقة". (٣) وقلت: قد رأيتهم يقابلون الجزالة مرة بالرقة، ومرة بالضعف، ومرة بالكراهة. فتحصَّل لنا من معنى الجزالة أنها كونُ الألفاظ التي يأتِي بها البيلغُ الكاتب والشاعر ألفاظًا متقاربةً في استعمال الأدباء والبلغاء، سالِمةً من ركاكة المعنى، ومن أثر ضعف التفكير، ومن التكلف، ومما هو مُستَكْرَهٌ في السمع عند النطق بالكلمة أو بالكلام، فهذه الجزالة صفة مدح. وقد مثلوا للركاكة بقول بعضهم:
يَا عُتْبَ سَيِّدَتِي! أَمَا لَكِ دِينُ؟ ... حَتَّى مَتَى قَلِبِي لَدَيْكِ رَهِينُ؟
فَأَنَا الصَّبُورُ لِكُلِّ مَا حَمَّلْتِنِي ... وَأَنَا الشَّقِيُّ البَائِسُ المِسْكِينُ (٤)
стр. 1141
وفيه ركاكة من جهات منها: كون المعنى أجوف دائرًا بين جميع العامة، وكون جلِّ الألفاظ مرذولًا، وذكر البائس والمسكين بعد الشقي وفي الشقي ما يغني عنهما. ومن الركاكة قولُ الخوارزمي يخاطب بديعَ الزمان الهمذاني خطابَ مفاخرة:
وَإذَا قَرَضْتُ الشِّعْرَ فِي مَيْدَانِهِ ... لَا شَكَّ أَنَّكَ يَا أُخَيَّ تَشَقَّقُ (١)
فقوله: "في ميدانه" لا موقع له، وقوله: "يا أخي" لا مقام له؛ لأن الكلام في مقام مناظرة ومشادة. وكذلك لفظ "لا شك"، فإنه ليس من الألفاظ الشعرية.
وإذا قابلوا الجزالة بالرقة، فإنما يريدون بها نسج الكلام على منوال القدماء في الشدة والقوة، كقول أشجع (٢):
стр. 1142
وَعَلَى عَدُوِّكَ يَا ابْنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ ... رَصَدَانِ: ضَوْءُ الشَّمْسِ وَالإِظْلَامُ
فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا ... سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الأَحْلَامُ (١)
ويريدون بالرقة نسجَه على منوال المحدثين في اللين والظرف، وأظهر مثال جمع هذين الوصفين قول جميل:
أَلَا أَيُّهَا النُّوَامُ وَيْحَكُمْ هُبُّوا ... أُسَائلُكُمْ هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ
قال بعض أئمة الأدب: "هذا البيت أوله أعرابي في شملته، وآخره مخنث من مخنثي العقيق يتفتك". (٢) ألا ترى أن قوله: ويحكم من كلمات التعجب وهي جزلة، فلو قال: أفيدكم لاعتاض عن الجزالة بالرقة.
стр. 1143
وقد تقال الجزالة في هذا الإطلاق على الكلام الذي يصدر في أغراض تناسبها الشدة كالرثاء والحماسة، وتقال الرقة على كلام في أغراض يناسبها اللين واللطافة كالنسيب والزهريات والملح. والجزالة في هذا كله من صفات الألفاظ باعتبار المعاني، ويظهر تصرفُ البليغ في صناعتها بالخصوص في صوغه المعاني التي يصوغها في نفسه من مجاز، واستعارة، وتمثيل، وتشبيه، وكناية، وأنواع البديع. وأما المعاني الوضعية فتأتي بطبع سياق الكلام، وتأتي الألفاظ تبعًا للمعاني، وعلى هذا الاعتبار ينبني وصفُهم المعنى بالجزالة.
стр. 1144
موجز البلاغة (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
[استهلال: ] هذا موجز علم البلاغة:
أما بعد، حمدًا لله الذي أنطق البلغاء وفضّل النبغاء، وميزهم عمَّنْ يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء، والصلاة والسلام على المرسل بالحنيفية لا أَمْتَ فيها ولا شُغَاء (٢)، وكلِّ مَنْ صغى إلى دعوته أفضل صغاء، فإنِّي رأيتُ طلبةَ العلم يُزاولون علمَ البلاغة بطريقة بعيدة عن الإيفاء بالمقصود إذ يبتدئون بمزاولة رسالة الاستعارات لأبي القاسم الليثي السمرقندي (٣)، وهي زبدةٌ مستخلصة من تحقيقات المطول والمفتاح
стр. 1145
يحتسونها قبل إبانها، ثم يتناولون مختصر التفتازاني قبل أن يأخذوا شيئًا من علم المعاني، وفي ابتدائهم شوطٌ وفي انتقالهم طفرة.
فرأيتُ أن أضع لهم مختصرًا وجيزًا يُلم بِمُهِمَّات علم البلاغة، ليكون لهم كال مقدمة لمزاولة دروس مختصر التفتازاني؛ وضعتُه وضعَ مَنْ يقصد إلى تثقيف طلبة هذا العلم بالمسائل النافعة المجردة عن المباحث الطفيفة في فنون البلاغة الثلاثة. فإن هم أتقنوه فهمًا، ضمِنْتُ لهم أن ينطقوا بلسان فصيح، ويملؤوا أوطابَ أذهانهم من المحض الصريح.
مقدمة:
البلاغة فَعالة، مصدر بَلُغ - بضم اللام - كفقُه، وهو مشتقٌّ من بلَغ - بفتح اللام - بلوغًا، بمعنى وصل. وإنما سُمِّيَ هذا العلمُ بالبلاغة؛ لأنه بمسائله وبمعرفتها يبلغ المتكلمُ إلى الإفصاح عن جميع مراده بكلام سهل وواضح، ومشتمل على ما يُعين على قبول السامع له ونفوذه في نفسه. فلما صار هذا البلوغُ المعنوي سجيةً يُحاوَل تحصيلُها بهذا العلم، صاغوا له وزن فعُل - بضم العين - للدلالة على السجية، فقالوا: علم البلاغة (١)؛ فإن المتكلم إذا تكلم فإنما اهتمامُه بأن ينقل ما في ضميره إلى ذهن سامعه، فهو محتاجٌ قبل كل شيء إلى معرفة اللغة التي يريد أن يخاطب بها من مفرداتها وكيفية تركيبها، فإذا لم يعلم ذلك لم يكد كلامه أن يفهم.
стр. 1146
وهذه المعرفة تحصل له من علم اللغة والنحو والصرف، فإن حاول تكلمَها بدون هذه المعرفة كان مثله كما قال الحطيئة في الشعر: "يريد أن يُعْربه فيُعْجِمه" (١).
ولكنه إذا علم اللغة والنحو والصرف، فإنما يستطيع أن يعبر عن حاصل المراد وأصل المعنى، ولا يستطيع أن يُفصِحَ عن تمام المراد. فلو أراد أن يخبرك بحضور تلميذ واحد من تلامذة درسه وتخلُّف الباقين فقال لك: "حضر زياد"، لم تفهم إلا أنه أخبرك بحضور زياد لئلا تكتبه متخلفًا، ثم إذا علمت أن بقية التلامذة لم يحضروا فقلت له: ما بالك لم تخبرني بعدم حضور أنس ونافع وغيرهما؟ قال لك: ألستُ قد أخبرتك بحضور زياد ولم أذكر لك غيره؟
[البلاغة]
فدلَّك بقوله ذلك على قصوره في معرفة أداء جميع مراده. على أنه لو تنبه لزيادة البيان لقال: حضر زياد، ولم يحضر أنس، لم يحضر نافع لم يحضر زهير، وأخذ
стр. 1147
يعدد بقية التلامذة، أو استعان بحركة يديه فقال لك: حضر زياد، ثم ضرب بيديه كالنافض لهما، كأنه يشير إلى معنى فقط. فحينئذ أدى جميعَ مراده، لكن بعبارة غير سهلة ومع إشارة.
فإذا كان قد علم الكيفيةَ الخصوصية للتعبير عن هذا المراد، وهي أن يقولَ ما حضر إلا زياد، كان قد بلغ إلى أداء جميع مراده بكلام سهل. وكذا إذا أراد أن يخبرك عما أبلاه عنترة من الشجاعة والفتك في يوم من أيامه، فجعل يقول: قتل فلانًا، وجرح فلانًا، وضرب فلانًا، وضرب الفرس فأدماه وهرب راكبه، وسبى نساءهم، وحطم مشاتهم، فإنه قد دلك على جميع مراده بعبارة غير واضحة في الدلالة على جميع المراد بكلام واضح الدلالة عليه.
ولَمَّا كانت الكيفياتُ المذكورة لا تقع إلا في كلام خاصة أهل اللسان العربي، سموها بالخصوصيات نسبةً إلى الخصوص، وهو ضدُّ العموم الذي هو بمعنى الجمهور، وتسمى بالنكت أيضًا.
فالعلمُ الباحث عن القواعد التي تُصيِّر الكلامَ دالًّا على جميع المراد وواضحَ الدلالة عليه، يُدعى علم البلاغة. ثم إن هنالك محسناتٍ للكلام متى اشتمل عليها اكتسب قبولًا عند سامعه.
ولمَّا كان حُسنُ القبول يبعث السامعَ على الإقبال على الكلام بشراشره، وكان في ذلك عونٌ على إيعاء (١) جميع المراد، جعلوا تلك المحسنات اللفظية من لواحق مسائل هذا العلم، سواء كان حسنُها عارضًا للفظ من جهة موقعه المعنوي (٢)
стр. 1148
كالمطابقة في قول أبي ذؤيب الهذلي (١):
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي ... أَمَاتَ وَأَحْيَى وَالَّذِي أَمْرُهُ الأَمْرُ (٢)
أم كان حسنُها عارضًا له من جهة تركيب حروفه، كالجناس في قول الحريري:
سِمْ سِمَةً تُحْمَدُ آثَارُهَا ... وَاشْكُرْ لِمَنْ أَعْطَى وَلَوْ سِمْسِمَه (٣)
فكلُّها تُسمَّى المحسناتِ وتوابعَ البلاغة، ويلقبونها بالبديع. فانحصر علمُ البلاغة لذلك في ثلاثة فنون:
стр. 1149
١ - فن المعاني، وهو المسائل التي بمعرفتها يستطيع المتكلمُ أن يُعَبِّرَ عن جميع مراده بكلام خاص. وسُمِّيَ علم المعاني؛ لأن مسائلَه تُعلمك كيف تفيد معانِيَ كثيرة في ألفاظ قليلة، إما بزيادة لفظ قليل يدل على معنى حقُّه أن يؤدى بجمل، مثل صيغة إنما في الحصر، وكلمة إن في التأكيد ورد الإنكار معًا. وإما بأن لا يزيد شيئًا، ولكنه يرتِّب الكلامَ على كيفية تؤدي بذلك الترتيب معنًى زائدًا، مثل تقديم المفعول والظرف لإفادة الحصر في نحو: الله أحد، وإياك نعبد. وهذا الفن هو معظم علم البلاغة.
٢ - وفن البيان، وهو المسائل التي بمعرفتها يُعرف وضوحُ الدلالة على المراد كقولك: عنترة أسد، وحاتم كثير الرماد.
٣ - وفن البديع، وهو المسائل التي تبحث عن المحسنات اللفظية كما تقدم.
فتعريفُ علم البلاغة: هو العلمُ بالقواعد التي بها يُعرف أداءُ جميع التراكيب حقَّها، وإيرادُ أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وإيداعُ المحسنات بلا كُلفة مع فصاحة الكلام.
تاريخ علم البلاغة:
كان هذا العلمُ منثورًا في كتب تفسير القرآن عند بيان إعجازه، وفي كتب شرح الشعر ونقده، ومحاضرات الأدباء، من أثناء القرن الثاني من الهجرة. فألف أبو عبيدة معمر بن المثنى (المتوفَّى سنة ٢٠٩ هـ أو ٢١٠ هـ) كتاب "مجاز القرآن"، وألف الجاحظ عمرو بن بحر (المتوفَّى سنة ٢٥٥ هـ) كتبًا كثيرةً في الأدب. وكان بعضٌ من هذا العلم منثورًا أيضًا في كتب النحو، مثل كتاب سيبويه. ولم يُخَصَّ بالتأليف إلا في أواخر القرن الثالث، إذ ألف عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي (المولود سنة ٢٤٧ هـ والمتوفَّى سنة ٢٩٦ هـ قتيلًا بعد أن بويع له بالخلافة ومكث يومًا واحدًا خليفة (١)) كتاب البديع أودعه سبعة عشر نوعًا وعد الاستعارة منها.
стр. 1150
ثم جاء الشيخ عبد القاهر الجرجاني الأشعري الشافعي (المتوفَّى سنة ٤٧١ هـ)، فألف كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، أولهما في علم المعاني والثاني في علم البيان. فكانا أولَ كتابين ميزا هذا العلمَ عن غيره، ولكنهما كانا غير ملخصين ولا تامَّيْ الترتيب، فهما مثل در متناثر كنزه صاحبه لينظم منه عقدًا عند تآخيه. فانبرى سراجُ الدين يوسف بن محمد بن علي السكاكي الخوارزمي المعتزلي (المولود سنة ٥٥٥ هـ والمتوفَّى سنة ٦٢٦ هـ) إلى نظم تلك الدرر، فألف كتابه العجيب المسمَّى "مفتاح العلوم في علوم العربية"، وأودع القسمَ الثالث منه - الذي هو المقصود من التأليف - مسائلَ البلاغة، دوَّنها على طريقة علمية صالحة للتدريس والضبط. فكان الكتابَ الوحيد اقتبسه من كتابَيْ الشيخ عبد القاهر ومن مسائل الكشاف في تفسير القرآن للزمخشري، فأصبح عمدةَ الطالبين لهذا العلم. وتتابع الأدباءُ بعده في التأليف في هذا العلم الجليل.
فن المعاني:
المعاني علمٌ تُعرف به أحوالُ اللفظ العربي التي بها يكون بليغًا فصيحًا في إفراده وتركيبه (١). فالفصاحةُ أن يكون الكلامُ خالصًا, أي: سالِمًا مما يُعَدُّ عيبًا في اللغة بأن يَسْلَم من عيوبٍ تعرض للكلمات التي تركَّب منها الكلام، أو تعرض لمجموع الكلام (٢). فالعيوبُ العارضة للكلمات ثلاثة: الغرابة، وتنافر الحروف،
стр. 1151
ومخالفةُ قياس التصريف. والعيوب العارضة لمجموع الكلام ثلاثة: التعقيد (١)، وتنافر الكلمات، ومخالفة قواعد النحو، ويسمى ضعف التأليف.
أما الغرابةُ فهي قلةُ استعمال الكلمة في متعارَف أهل اللغة أو تناسيها في متعارَف الأدباء، مثل الساهور اسم الهلال، ومثل تكأكأ بمعنى اجتمع، وافرنقع بمعنى تفرق في قول أبي علقمة أحد الموسوسين وقد أصابه صرعٌ فأحاطت به الناس: "ما لكم تكأكأتم علي كما تكَأْكَؤُونَ على ذي جِنَّة؟ افرنقعوا" (٢).
وأما تنافرُ الحروف فهو ثقل قوي في النطق بالكلمة لاجتماع حروف فيها يحصل من اجتماعها ثقل نحو: "الخعخع"، نبت ترعاه الإبل. وأقلُّ منه في الثقل "مستشزرات"؛ بمعنى مرتفعات (٣). وأما الثقلُ الذي لا يُضجر اللسان، فلا يضر نحو "وسَبِّحْهُ"، وقول زهير: "وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ" (٤).
стр. 1152
وأما مخالفةُ قياس التصريف، فهو النطقُ بالكلمة على خلاف قواعد الصرف، كما يقول في الفعل الماضي من البيع بَيَعَ، لجهله بأن حرف العلة إذا تحرك وانفتح ما قبله يُقلَبُ ألفا.
وأما التعقيد، فهو عدمُ ظهور دلالة الكلام على المراد لاختلال في نظمه، ولو كان ذلك الاختلالُ حاصلًا من مجموع أمور جائزة في النحو، كقول الفرزدق يمدح إبراهيم بن هشام المخزومي خال الخليفة هشام بن عبد الملك:
وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكًا ... أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقَارِبُهْ (١)
أراد: وما مثله في الناس حي يقاربه، أي في المجد إلا ملكًا أبو أم الملك أبو هذا الممدوح، فشتت أوصال الكلام تشتيتًا تضل فيه الأفهام (٢).
وأما التنافر فهو ثقلُ الكلمات عند اجتماعها حين تجتمع حروفٌ يعسر النطقُ بها، نحو قول الراجز الذي لا يُعرف:
وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكانِ قَفْرٍ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ (٣)
стр. 1153
فكلُّ كلمةٍ منه لا تنافرَ فيها، وإنما حصل التنافرُ من اجتماعها، حتى قيل إنه لا يتهيأ لأحد أن ينشد النصف الآخر ثلاث مرات متواليات، فلا يتلعثم لسانُه.
وأما مخالفةُ قياس النحو فهو عيب كبير؛ لأنه يصير الكلام مخالفًا لاستعمالات العرب الفصحاء، فهو يعرض للمولَّدين. والمرادُ منه مخالفةُ ما أجمع النحاةُ على منعه، أو ما كان القول بجوازه ضعيفًا ووروده في كلام العرب شاذًّا، نحو تعريف "غير" في قول كثير من طلبة العلم "الغير كذا"، ونحو تقديم التأكيد على المؤكد في قول المعري:
تَعَبٌ كُلُّهَا الحَيَاةُ فَمَا أَعْـ ... ـجَبُ إِلَّا مِنْ طَامِعٍ فِي ازْدِيَادِ (١)
وكذلك كل ما جوزوه في ضرورة الشعر إذا وقع شيء منه في النثر، فضعف التأليف عيب لا يوجب انبهام المعنى بخلاف التعقيد.
والبلاغة اشتمال الكلام على أحوال خصوصية (٢) تستفاد بها معان زائدة على أصل المعنى (٣) بشرط فصاحته، كاشتمال قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾
стр. 1154
على حالة خصوصية وهي التأكيد بـ "إن" لإفادة معنى زائد وهو توكيد الخبر لأجل إبطال تردد المخاطبين فيه، وذلك أمر زائد على أصل المعنى، وهو الإعلام بكونهم رسلًا الذي يكفي لإفادته أن يقال "أرسلنا إليكم" أو "نحن إليكم مرسلون". وتسمى هذه الأحوال الخصوصية بالنكت وبالخصوصيات، وهي تكثر وتقل في الكلام بحسب وجود الدواعي والمقتضيات من كثرة وقلة، كالأدوية فإنها تشتمل على عقاقير كثيرة تارة وقليلة أخرى بحسب ما يحتاجه المزاجُ لإصلاحه.
انظر مثلًا قولَه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، فنجد في قوله "ينزل" خصوصيتين: إحداهما التعبيرُ بصيغة "فعَّل" الدالة على التكرير، والثانية التعبيرُ بصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار؛ لأن المقام للتبشير بزيادة الإخراج من الظلمات إلى النور يومًا فيومًا وفي كل حال، وانظر قوله في الآية الأخرى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣]، فلا تجد في "نزل" إلا خصوصيةً واحدة وهي التعبير بصيغة "فَعَّل"؛ لأن المقام للامتنان، والامتنان يكون بما وقع لا بما سيقع.
والبليغ في إتيانه بهذه الأحوال في كلامه يراعي أحوالَ المخاطبين ومقامات الكلام (١)، فلا يأتي بنكتة وخصوصية إلا إذا رأى أن قد اقتضاها حالُ المخاطَب واستدعاها مقامُ الكلام. وبمقدار تفاوت المتكلمين في تنزيلها على مواقعها، يتفاوت الكلامُ في مراتب البلاغة إلى أن يصل إلى حد الإعجاز الذي يعجز البشر عن الإتيان بمثله، وهو الذي اختصَّ به نوابغُ بلغاء العرب، مثل امرئ القيس، والنابغة، والأعشى، وسحبان في أكثر كلامهم.
стр. 1155
وحيث كانت البلاغةُ يتصف بها الكلامُ باعتبار إفادته عند التركيب والإسناد، فلا جرمَ أن كان ملاكُ الأمرِ فيها راجعًا إلى ما يتقَوَّم به الإسناد، وكذلك كيفيات الإسناد والمسند إليه والمسند. ثم تتفرع البلاغةُ في متعلقاتها، من المعمولات وأحوال الجمل، وسيجيء كلُّ نوعٍ من ذلك في بابه.
باب الإسناد:
الإسنادُ ضمُّ كلمة إلى أخرى ضمًّا يُفيد ثبوتَ مفهوم إحداهما لمفهوم الأخرى، نحو حاتم كريم وأكْرِمْ حاتِمًا، أو انتفاءه عنه، نحو: ما خالد جبانًا ولا تقاتل خالدًا، سواء كان بالتعيين أم بالترديد (١). وحكم ما يجري مجرى الكلمة نحو الضمير المستتر، والجملة الواقعة خبرًا حكم الكلمة (٢). فالكلمةُ الدالة على المحكوم عليه حكمًا ما تسمى مُسْنَدًا إليه، والكلمة الدالة على المحكوم به تسمى مُسْنَدًا، والحكم الحاصل من ذلك يسمى الإسناد. ولكلٍّ من المسند إليه والمسند والإسناد عوارضُ بلاغية تختص به.
١ - عوارض الإسناد وأحواله:
شاع أن الإسناد من خصائص الخبر، فلذلك أكثر أن يصفوه بالخبري بناءً على أن الإنشاء - كالأمر والنهي والاستفهام - لا إسنادَ فيه. والتحقيق أن الإسناد يثبت للخبر والإنشاء؛ فإن في الجمل الإنشائية مسندًا ومسندًا إليه، فالفعل في قولك "أكرم صديقك" مسنَد، والضمير المستتر فيه مسند إليه.
стр. 1156
وأعلم أن القصدَ الأول للمخبر من خبره هو إفادته المخاطبَ الحكم (١)، وقصد المتكلم بالجملة الإنشائية إيجادُ مدلول الإنشاء. ففي الأمر يُقصد إيجادُ المأمور به، ويُسمَّى الامتثال. وفي النهي يُقصد عدمُ إيجاد الفعل، ويُسمَّى الانكفاف. وفي الاستفهام يُقصد الجواب بالإفهام، وهكذا.
وقد يُخاطَب بالخبر مَنْ يعلم مدلولَه، ويخاطب بالإنشاء من يحصل منه الفعلُ المطلوب، فيُعلم أن المتكلم قصد تنزيلَ الموجود منزلةَ المعدوم لنكتة قد تتعلق بالمخاطب:
إما لعدم جري العالم على موجب علمه كقول عبد بني الحسحاس: "كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيًا" (٢)، فإن المقصود منه تذكيرُ مَنْ لم يزعه الشيب والإسلام، إذ قد علم كلُّ الناس أنهما وازعان.
وإما لأن حاله كحال ضده، كقولك للتلميذ بين يديك إذا لم يتقن الفهم: يا فتى، فإنك تطلب إقباله وهو حاضر، لأنه كالغائب.
стр. 1157
وإما لقصد الزيادة من الفعل، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فطلب منهم الإيمان بعد أن وصفهم به لقصد الزيادة والتملي منه. وإما لاختلال الفعل حتى كان غير مجد لفاعله، مثل قوله ﷺ للذي رآه يصلي ينقر نقرَ الديك: "صلِّ فإنك لم تصل" (١).
وهذا كثيرٌ في كلامهم. وقد تتعلق النكتة بالمتكلم ليريَك أنه عالمٌ بالخبر، كقولك لصاحبك: سهرت البارحة بالنادي، وقول عنترة:
إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا ... زُمَّتْ رِكَابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ (٢)
وعلامةُ هذا أن يكون الكلام دالًّا على أن المخاطب لا يجهل الخبر، فإنك إذا حدثته عن أحواله لا تقصد أن تعلمه بما هو معلوم لديه. وللكلام في قوة الإثبات والنفي مراتبُ وضروبٌ بحسب قدر الحاجة في إقناع المخاطب، فإن كان المخاطَبُ خالِيَ الذهن من الحكم ولا ترددَ له فيه، فلا حاجةَ إلى تقوية الكلام. وإن كان المخاطب متردِّدًا في الحكم، فالأحسن أن يُقَوَّى له الكلامُ بمؤكِّدٍ لئلا يصير ترددُه
стр. 1158
إنكارًا، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس: ١٤]؛ لأنهم كذبوا الرسولين الأولين، فلما عززا بثالث كان القوم بحيث يترددون في صدقه.
وإن كان المخاطَب منكِرًا وجب توكيدُ الخبر على قدر الإنكار، نحو: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥؛ نوح: ٢]، ونحو: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، ونحو: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ [يس: ١٦].
ويُسمَّى الضربُ الأول ابتدائيًّا، والثاني طلبيًّا، والثالث إنكاريًا.
وأدواتُ التوكيد إن وأن ولام الابتداء، ولام القسم، والقسم، والحروف الزائدة، وحروف التنبيه، وضمير الفصل، ولن النافية، هذه في الأسماء. وقد، وإما الشرطية، ونون التوكيد في الأفعال.
وقد يُنَزَّلُ المخاطَبُ المستحِقُّ لأحد هذه الأضرب منزلةَ صاحب غيره منها لنكتة، فيسمى ذلك إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. قال طرفة:
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطِّوْلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ (١)
فأتى بثلاثة مؤكدات: القسم وأن ولام الابتداء، لقصد الرد على مَنْ كان حالُه في لومه إياه على الكرم وتناول اللذات حالَ مَنْ ينكر إدراكَ الموت إياه، مع أن مجيء الموت ولو بعد طول العمر أمرٌ معلوم لكل أحد.
وقد يجيء التوكيدُ بـ "إن" لمجرد الاهتمام بالخبر دون إنكار، كقول النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا" (٢). ومن ذلك أن يكون في الخبر
стр. 1159
غرابةٌ، كالمثل: "إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِر"، أو تهويلٌ نحو: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾ [هود: ٣٧]؛ لأن شأنَ هذين النوعين أن ينكرهما السامعُ، فيؤكد له من قبل حصول الإنكار احتياطًا، تنزيلًا له منزلةَ المنكِر.
والإسناد نوعان: حقيقةٌ عقلية، ومجاز عقلي. فالحقيقة العقلية إسنادُ الشيء إلى شيء هو من الأمور الثابتة له في متعارَف الناس إثباتًا أو نفيًا. والإثباتُ كقول الصلتان العبدي (١):
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الكَبِيـ ... ـرَ كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي (٢)
стр. 1160
لأن الشاعر جاهلي، وظاهرُ كلامه يُشعر بأنه يعتقد أن مرورَ الزمان هو سبب الشيب، إذ لم ينصب قرينةً على أنه يعلم أن ذلك ليس سببًا للشيب. والنفي كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦، الأنعام: ١٤٠، يونس: ٤٥].
والمجاز العقلي إسنادُ الشيء إلى غير ما هو له في متعارَف الناس إثباتًا أو نفيًا، لملابسة بين المسنَد والمسنَد إليه. ومعنى الملابسة المناسبةُ والعلاقة بينهما. فأشهر ذلك أن يُسند الفعلُ إلى المتسبِّب فيه، كقول أم زَرْع: "أَنَاسَ مِنْ حُلِيِّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمِ عَضُدَيَّ" (١)؛ فإن زوجها لَمَّا اشترى لها النواسَ لتلبسه في أذنيها فهو قد أناس أذنيها، وهذا قريبٌ من الحقيقة. ولَمَّا أفاض عليها الخيرَ والراحة حتى سمنت، فقد تسبَّب في ملء عضديها بالشحم، وهذا مجازٌ عقلي لملابسة السببية.
وهناك ملابساتٌ كثيرة نحو ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]، مع أن الراضي صاحب العيشة، ونحو: نهر جار مع أن الجاري ماؤه، وأنبت الربيع العشب؛ لأن الربيع زمنُ الإنبات، [ونحو] ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧]، ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ [الإنسان: ١٠]. والنفي كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، فإن نفيَ الربح لم يُتعارَفْ إسنادُه للتجارة، بل إنما يثبت الربح وينفى عن