وله في استبطاء خروج المهدي المختفي أبياتٌ منها:
أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْك نَفْسِي ... أَطَلْتَ بِذَلِكَ الْجَبَلِ المُقَامَا (١)
وقال جمهورُ الشيعة الإمامية: إن للسيد الحسن العسكري ولدًا اسمه محمد، وإنه اختفى صغيرًا، وإنه لا يموت، وإنه المهدي المنتظر، وإنه سيخرج فيملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا. وفي اعتقادهم أنه لا يصلح جميعُ الناس حتى يخرج المهدي، وأنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورًا.
стр. 107
واتفق جمهورُ علماء الأنساب على أن السيد الحسن العسكري ليس له ولد. ومن اللطائف في هذا المقام، الجارية مجرى الإفحام، ما وقع لأبي الفتح المقدسي الشافعي (١) مع أحد رؤساء الشيعة الإمامية؛ فإن الشيعي أخذ يشكو فسادَ الخلق وأن الأمر لا يصلح إلا بخروج المهدي المنتظر. فقال له المقدسي: هل لخروجه ميقات معلوم؟ قال الشيعي: نعم، له ميقات معلوم. قال المقدسي: متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق كلُّهم. قال المقدسي: فلماذا تكونون سببًا في حرمان الأمة من خروجه، قد فسد جميعُ الناس إلا إياكم، فلو فسدتم واتبعتم مذهبَنا لخرج المهديُّ للناس. فلماذا لا تطلقوه من سجنه؟ فأُفْحِم الشيعي. (٢)
تلقف السامعون قصةَ الإمام المنتظر، فرام كلُّ قائمٍ بدولة أن يدخل تحت مظلتها، ويجعل أخبارَها مطابقة لنزعته. فإن هو روج ذلك بين طوائف من الناس، قلب تلك المظلةَ راية، مبرزًا للناس نحلته، ومؤيدًا رأيه. وقد قلت آنفًا: إن من شأن الذين يصنعون أخبار المهدي أن يدسُّوا فيها ذكرَ أماراتٍ تناسب حالَهم، أو صفاتِهم، أو أسماءهم، أو مواطنَهم.
وربما ارتقوا إلى التصريح بأسماء بعض دعاتهم، فإن أعوزهم ذلك جعلوا للداعي لقبًا يناسب انطباقَ ما سبق من مرويِّ الأخبار إن كانت الأخبارُ سابقةً لوقت ظهورهم. فقد صنع أصحابُ الدعوة الهاشمية في خراسان حديثًا عن ابن مسعود قال: "بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله، إذ أقبل فتيةٌ من بني هاشم، فلما رآهم رسولُ الله ذرفت عيناه وتغير لونُه. قال: فقلت: ما لنا نرى في وجهك شيئًا نكرهه؟ فقال: إنا أهلَ البيت اختار الله لنا الآخرةَ على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون
стр. 108
بعدي بلاءً وتشريدًا، حتى يأتِيَ قومٌ من قبل المشرق معهم راياتٌ سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون وينصرون" إلخ. (١)
انظر إلى كلمة "تشريد" المنطبقة على المستعصين من بني هاشم بخراسان، وإلى كلمة "من المشرق"؛ فإن بلادَ فارس شرق بلاد العرب، وإلى "الرايات السود"، فإنها شعارُ أصحاب الدعوة الهاشمية المتمحضة بعد في العباسية.
وقريبٌ من هذا جميعُ الآثارِ المروية في أن المهدي من أبناء العباس، وأن الحقَّ معه، ومع أصحاب الرايات السود، ومع الخارجين من المشرق أو من بلادٍ مصرَّحٍ بأسمائها من بلدان فارس. فقد كان محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى (٢) بالمدينة يتطلع إلى الخلافة، ويُزعم أن أبا جعفر المنصور بايعه بها في مكة في آخر مدة مروان
стр. 109
ابن محمد الأموي، (١) وأنه هو الرضي من آل البيت. ولمَّا حج المنصور بالناس في خلافة أخيه السفاح طلب محمد بن عبد الله بن الحسن في المدينة فاختفى محمد، ثم في خلافة المنصور لم يزل محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى مختفيًا في شعاب جبل رضوى من بلاد جهينة. فمن ذلك دخل ذكر جبال رضوى في قصة المهدي المنتظر، واختلطت القصةُ من عدة حوادث. (٢)
وأيضًا نرى أبا جعفر المنصور، وقد لقب ابنه محمدًا بالمهدي، وأخذ له العهدَ بالخلافة. وساعده أنه سَمِيُّ رسول الله ﷺ ، وأن أباه سَمِيُّ أبي رسول الله ﵇ إذ كان من روايات حديث المهدي الرواية القائلة: "يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي"، كما سيأتي. فالمهدي العباسي أولُ مَنْ تلقب بالمهدي، وتطلع إلى أن يكون هو المعنيَّ من الأخبار المروية في شأن القائم المنتظر. وقد كان لصنيعه ذلك فائدتُه المطلوبة؛ إذ قد انقطعت عند بيعته مطامع العلويين المزاحمين للعباسيين في الخلافة من أواخر مدة مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية.
ثم انتحل هذا اللقبَ أناسٌ من الثائرين والناجمين في الممالك والأمم، مثل المهدي الذي قام بالدعوة العبيدية في إفريقية ودبر الثورةَ على الدولة الأغلبية، ومثل المهدي ابن تومرت الذي قام بدعوة الدولة الموحدة بإفريقية، ومثل الحاكم بأمر الله الفاطمي بمصر الذي انقطع خبرُه وزعم أصحابه أنه اختفى فلا يظهر إلا في زمن مرقوب.
стр. 110
الآثار المروية في المهدي:
لقد كثرت الآثارُ المروية في المهدي، المتضمنةُ أنه يجيء في آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا. وربما خلا بعضُها عن ذكر وصف المهدي، ولكنه يذكر من صفاته ما يوافق الصفةَ التي ذُكرت في الأحاديث المذكورُ فيها وصفُ المهدي. وقد أسندها رواتُها إلى ثمانية عشر من الصحابة، وهم عثمان وعلي وطلحة وعبد الله بن مسعود وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو أيوب وحذيفة وأبو أمامة وعمران بن حصين وثوبان مولى رسول الله وقرة بن إياس وعبد الله بن الحارث بأسانيد مختلفة. ورجال تلك الأسانيد على تفاوتها قسمان:
١ - قسم اختلف أئمةُ الحديث ونقد الرجال اختلافًا متكافئًا في تعديلهم وتجريحهم. وأسانيدهم هي أمثلُ أسانيد هذا الآثار، وتلك هي التي رواها الترمذي وأبو داود وابن ماجه ومجموعُها ثمانيةُ طرق سنذكرها.
٢ - وقسم يأبَى جمهورُ أهل النقد قبولَهم، وهم الذين انفردت بإخراج أحاديثهم في هذا الشأن المصنفاتُ المعروفة بالخلط بين الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والتساهل في قبول الرواة، مثل معاجم الطبراني، ودلائل النبوة للبيهقي، وتاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، ومستدرك الحاكم، وحلية أبي نعيم.
ونحن نقتصر هنا على أسانيد القسم الأول، فإنها أشبهُ ما رُويَ في هذا الشأن، ونترك بقيتها الكثيرة تجنبًا للتطويل. ومجموع أسانيد القسم الأول يرجع إلى ثمانية طرق:
الطريق الأول: روى الترمذي وأبو داود من طريق عاصم بن بهدلة عن زِرِّ بن حُبيش (١) إلى ابن مسعود عن رسول الله ﷺ : "لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ لطوَّل
стр. 111
الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلًا من أهل بيتي، يواطئُ اسْمُه اسمي واسمُ أبيه اسمَ أبِي". (١)
الطريق الثاني: روى أبو داود من طريق فِطْر بن خليفة (٢) بسنده إلى علي عن رسول الله ﷺ : "لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلًا من أهل بيتي يملؤها عدلًا كما مُلِئتْ جورًا". (٣)
الطريق الثالث: روى أبو داود من طريق علي بن نفيل (٤) بسنده إلى أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "المهدي [من عترتي] من ولد فاطمة". (٥)
стр. 112
الطريق الرابع: روى أبو داود من طريق عِمران القطان (١) إلى أبي سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ : "المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، يملك سبع سنين". (٢)
الطريق الخامس: روى الترمذي وابن ماجه من طريق زيد العمي (٣) إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن في أمتي المهدي يخرج يعيش خمسًا أو سبعًا أو تسعًا من سنين، فيجيء إليه الرجلُ فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله"، (٤) وفي بعض رواياته زيادة قليلة.
الطريق السادس: روى ابن ماجه من طريق ياسين العِجْلِيِّ إلى علي أن رسول الله ﷺ قال: "المهدي منا أهل البيت، يصلح الله به في ليلة". (٥)
стр. 113
الطريق السابع: روى ابن ماجه من طريقٍ فيه عبد الرزاق بن همّام (١) إلى ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: "يقتتل عند كنزكم ثلاثةٌ كلُّهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، حتى تطلع الراياتُ السود من قبل المشرق، فيقتلونهم قتلًا لم يقتله قوم"، ثم ذكر شيئًا لا أحفظه. قال: "إذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوًا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي". (٢)
الطريق الثامن: روى ابن ماجه من طريق عبد الله بن لهيعة (٣) إلى عبد الله بن الحارث الصحابي، قال رسول الله ﷺ : "يخرج ناسٌ مِنْ قبل المشرق، فيوطِّئون للمهدي". (٤)
стр. 114
وهذه الطرقُ كلُّها متكلَّمٌ فيها. فأما الأول ففيه عاصم بن بهدلة - المعروف بابن أبي النجود (١) - عن زِرِّ بن حُبَيش، وقد ضعَّفه من جهة ضبطه وحفظه ابنُ سعد ويعقوبُ وأبو حاتم وابن علية وابن حراش والعقيلي ويحيى القطان، وضعفه العجلي في روايته عن زِرِّ بن حُبَيش. ولذلك لم يُخَرِّج له البخاري ومسلم إلا مقرونًا بغيره. فحديثُه قيل: حسنٌ لا يبلغ مرتبةَ الصحة، وقيل: دون الحسن. وهو الظاهرُ الجاري على قاعدة الحديث الحسن، وإن كان الترمذي وسمه بالحسن والصحة. (٢) قلت: على أنه ليس فيه ذكرُ المهدي، ولكن ذكر رجل من آل البيت يلي أمرَ المسلمين.
وأما الطريقُ الثاني، ففيه فِطْر بن خليفة. وقد طعن فيه أحمد بن عبد الله بن يونس والدارقطني وابنُ عياش والجرجاني، على أنه ليس فيه ذكرُ المهدي. وأما الطريق الثالث، ففيه علي بن نُفَيل، وقد ضعفه أبو جعفر العقيلي وابن عدي في الكامل بنقل المقدسي في ذخيرة الحفاظ. (٣) وأما الطريق الرابع، ففيه عمران القطان، وقد ضعَّفه ابن معين والنسائي، وطعن فيه يزيد بن زريع وأبو زرعة. (٤)
стр. 115
وأما الطريقُ الخامس، ففيه زيد العمي، وقد ضعفه أبو حاتم والنسائي وابن عدي وابن معين وأبو زرعة. (١) وأما الطريق السادس، ففيه ياسين العجلي، وقد ضعفه البخاري وابن عدي، وقال: إنه يعرف بهذا الحديث: حديث المهدي. (٢)
وأما الطريق السابع ففيه عبد الرزاق بن همام، وقد ابتدع في آخر عمره، ولا يُحتَجُّ بغير ما هو في مسنده. وهذا الحديثُ لم يذكروا أنه في مسنَد عبد الرزاق، بل هو مما رُوِيَ عنه من غير مسنده. وأما الطريقُ الثامن ففيه عبد الله بن لهيعة، وقد ضعفه ابن معين ووكيع ويحيى القطان وابن مهدي. (٣)
الرأي في هذه الآثار من جهة علم الحديث:
إذا علمتَ حالَ أسانيد هذه الأخبار المروية في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه، علمتَ أنها ليست من مرتبة الأحاديث الصحيحة، ولا هي من مرتبة الحسن؛ إذ لم تستوف شرطَ الحسن - وهو أن يكون رجال سنده سالمين من التهمة، معروفين بالضبط، مقبولي الحديث، لكنهم لم يصلوا في تمام الضبط إلى مرتبة أهل الصحيح. فتكون هذه الأحاديث من قسم الحديث الضعيف؛ لأن أسانيدها لم تَسْلَمْ من الاشتمال على راو ضعيف، وبعض رواة أسانيدها مطعونٌ فيهم.
وإن مَنْ تُكُلِّم فيه منهم وإن كانوا قد قبِلَهم بعضُ أهل النقد، فقد ردهم بعضهم، فتعارض فيهم الجرحُ والتعديل والردُّ والقبول. وقد استقر عند علماء
стр. 116
الحديث وأصول الفقه أن الجرح إذا صدر من أهل المعرفة مقدَّمٌ على التعديل الصادر منهم، فيقدم الجرح لدى غير الطائفتين المجرحين والمعدلين، أي لدى مَنْ يعتمد على أقوال أئمة هذا العلم. وهذه القاعدةُ مسلمةٌ معمولٌ بها. (١)
ولم يزل أئمةُ العلماء، مثل مالك وأصحابه والبخاري ومسلم، يتحَرَّوْن في أخذ الحديث أن يكون [راويه] من أهل العدالة والضبط والبصر بالرجال. وقد ترجم مسلم في مقدمة صحيحه: "باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ومن يرغب عن حديثهم"، و"أن الإسناد عن رسول الله ﷺ هو من الدين، فلا يقبل فيه إلا الثقات الأثبات". (٢) ورُوِيَ عن ابن سيرين أنه قال: "إن هذا العلم [يعني الحديث] دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". (٣)
وروى ابنُ وهب عن مالك ﵀ أنه قال: "أدركتُ بالمدينة أقوامًا لو استُسقيَ بِهم القطرُ لسقوا، قد سمعوا الحديثَ كثيرًا، ما حدَّثْتُ عن أحدٍ منهم شيئًا؛ لأنهم كانوا ألزموا أنفسَهم خوفَ الله والزهد. وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تُقًى وورع، وصيانة وإتقان، وفهم وعلم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدًا". (٤)
وروى مسلم عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: "لم نر أهلَ الخير في شيء أكذبَ منهم في الحديث"، (٥) يريد أنهم يكذبون عن توهم وغلط وحسن ظن بمن يروون لهم شيئًا لا عن عمد، إذ لو كان عن عمد لم يكونوا أهلَ الخير.
стр. 117
وقد قرر أئمةُ الحديث أن أسباب الوضع كثيرة: منها الافتراء والنسيان والغلط. ومنها التعمد عن حسن نية باعتقاد أن فيما يرويه حملَ الناس على فعل الخير، كما قال بعضُ الوضاعين لما قيل له: إن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كذب عليَّ متعَمِّدًا فليتبوَّأْ مقعدَه من النار"، (١) فقال: "إنما كذبتُ له لا عليه! " (٢) ويكون [الوضع] لتأييد المذاهب والآراء، وإن ستورَ التمويه والتلبيس في أحوال الرواة وأسمائهم الخلابة أصناف، منها الخصيب ومنها الشفاف.
واتفق علماء السنة على عدم قبول الحديث الضعيف فيما عدا فضائل الأعمال. واختلفوا في قبوله في خصوص فضائل الأعمال، بناءً على أن فضائلَ الأعمال داخلةٌ تحت كلياتٍ شرعية هي الشاهدةُ لقبولِها بوجه كلِّي، فلا يفيدها الحديثُ الضعيف إلا تعيينَ وقت أو عدد.
الرأى فيها من جهة النظر:
لعلَّ فيما مهدتُه أولَ هذا المقال مقنعًا لفطِنٍ لا تفوته معه الدواعي الوافرةُ التي بعثت على ظهور هذه الأخبار بين الناس، وتطايرها في الآفاق، وكثرة رواتها. وأزيد هنا ما هو أخصُّ بغرضنا، وهو أن أخبارَ المهدي لو كانت من الشهرة الصحيحة بالحال الذي نشاهد عليه أسانيدَها من عزوِّها إلى رواية ثمانية عشر من الصحابة بأسانيد مختلفة، وكانت تلك النسبةُ حقًّا وأسانيدُها مقبولة، لمَا فات جميعُها أو بعضُها الإمامين الجليلين البخاري ومسلمًا في صحيحيهما المجعولين لرواية ما صح
стр. 118
عن رسول الله ﷺ في جميع أنحاء العلم حتى كيفية الأكل والاضطجاع؛ إذ لا يجوز أن يفوت مثلَهما في إحاطتهما وحفظهما وخبرتهما بالرجال حديثٌ بلغ من الشهرة ذلك المبلغ لو كانت شهرة صادقة.
ومن هنا نتيقن إلى مغمز لطيف، وهو أن كثرة أسانيد هذا الحديث ورواياته، مما يثير لنا ريبةً قوية في حرص مُشيعيه على رواجه بين الناس، فيكتسب بتلك الطرق المختلفة شهرةً وقوةً حتى يطمئن له عامةُ المسلمين.
وهل نظن أن رسول الله ﷺ الذي سكت عن التعرض للخلافة من بعده مع عظم أمرها وشرف منصبها في الدين ومع ما يُتوقع من الفتنة بين المسلمين عقب وفاة الرسول ﷺ ، لولا أن عصم اللهُ هذه الأمةَ ببركة نبيها حتى التجأ كبراء الصحابة يوم السقيفة إلى استنباط شروط الخليفة من طريق ترسم إشارات أفعال رسول الله في حياته مثل وصايته بالأنصار ولم يوص بالمهاجرين، ومثل تقديمه أبا بكر للصلاة في مرضه، ومن طريق المصلحة العامة مثل قول أبي بكر: "إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش"، (١) أَيَتْرُكُ رسولُ الله ذلك كلَّه ويهتم ببيان قائم يقوم في أمته في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا؟
هذا حالُ أمثل الروايات في شأن المهدي، وخلاصةُ القول فيها من جهة النظر أنها مستبعدة مسترابة. وإننا لو سلمنا جدلًا بارتفاعها على رتبة الضعف، فإنا لا نستثمر منها عقيدةً لازمة ولا مأموراتٍ مندوبة، بله الجازمة.
أما بقيةُ الآثار المروية في هذا الشأن مما هو نازلٌ في الضعف عن مرتبة هذه الطرق، فما زادَتْها كثرتُها إلا اضطرابًا وتناقضًا ونَدًّا على قصد صانعيها. وهذا ملاكُ حالها، ولا حاجةَ إلى التطويل بتشخيص ذلك تفصيلًا، فمَنْ شاء فَلْيَرْجِعْ إليها في
стр. 119
مظانِّها. فإذا تأملها الناقدُ البصير وجد مخيلةَ التحزب والعصبية واضحةً، ووجد معظمَها يرمي إلى اليأس من نجاح أمر الأمة على أيدي خلفاء بني أمية، وأنها لا نجاحَ لها إلا بولاة من بني هاشم وأنصارهم، ثم وجد جميعَها لا يعدو خدمةَ ثلاثة أحزاب: فقسمٌ يلمِّح إلى العلويين وهو معظمُها، وقسمٌ يلوِّح إلى العباسيين، وقسم بقي مطلقًا لبني هاشم. ومن هذا القسم ما يظهر أنه قُصد منه الانتصارُ للزبيرية، والقصدُ من ذلك الحطُّ من الأمويين.
ومن العجب أنك تجد في بعض رواياتها التجاوزَ إلى تعيين المقصود الأخص من منتحليها: فبعضُها يسمي القبائل، مثل تميم وكلب وأهل الشام وأهل العراق. وبعضُها يسمي البلاد: مكة والمدينة، والشام والعراق، والكوفة والزوراء، ودمشق وبيت المقدس، وطبرية والأردن، ومصر والقسطنطينية، وكركة وخراسان، وإصطخر والمشرق. وبعضُها يسمي الأشخاصَ: السفياني، والقحطاني، والنفس الزكية، والمنصور، والسفاح، وشعيب بن صالح التميمي. وكثير منها تصرِّحُ بأن اسم المهدي محمد واسم أبيه عبد الله.
فإذا رجعت إلى ما قدمته لك في التمهيد لم يعوزك التحكمُ في شأنها، فبصرك اليوم حديد.
وهذا المبحث - على تقادم عهده وإخفاق زنده - هو من المباحث التي أرى للمسلمين الإعراضَ عن الاشتغال بها تعضيدًا أو تزييفًا، وأعجب لتفاقم الجدال في شأنها وشأنه أن يكون خفيفًا؛ إذ هي مسألة لا تفيدهم عملًا في دينهم ولا في دنياهم. فما كان لها من الأهمية لدى طوائفهم أن تكون شغلَ أولاهم وأخراهم. لكن حين عنّ فيها الجدالُ وكثر القيلُ والقال، فحقيقٌ بالعلم عندئذ إظهارُ سلطانه، ليُحِقَّ الحقَّ ويدع الباطل راسبًا في أشطانه. (١)
стр. 120
الفَرْعَ الثَّانِي
الفكْر وَالحكْمَة
стр. 121
من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ؟ (١)
[تمهيد]:
أراد الله للإسلام أن يكون خاتمةَ الأديان والشرائع، وأن يكون لذلك دينًا عامًّا سائرَ البشرِ، وباقيًا على امتداد الدهر إرادةً دلت عليها نصوص القرآن، وأيدها متواترُ أفعالِ الرسول ﷺ مما لا يترك مجالًا للشك في نفس المتأمل. فلا جرم قدَّر الله للإسلام التأييدَ والتجديدَ اللَّذَينِ لا يكون الدوامُ في الموجودات إلا بهما.
فكما جَعَل في كل حيٍّ وسائلَ الدفاع عن كيانه - وهو ضربٌ من التأييد - وجعل له وسائلَ لإخلاف ما يضمحل من قوته بالتغذية ونحوها وهو التجديد، كذلك جعَلَ للإسلام حين أراد حياته. (٢) فالتأييدُ بعلمائه يذودون عنه ما يطرقه من التعاليم الغريبة عن مقاصده، حتى تبقى مقاصدُه سالمة واضحة، ومحجته بيضاء للسالكين لائحة، والتجديدُ بما نفحه من قائمين بدعوته، ناهضين بحجته، صياقل
стр. 122
يجلون صفائحَه البواتر، وزعماء بِسُرَى الأساحر، وتأويب البواكر.
إن هذه الشريعة إرشادٌ صِرْف، وإن للفضائل والصالحات تضاؤلًا وتخلُّقًا بكرور الأزمان، وإن لدأب النفوس في المسير حنفًا وانْحرافًا إذا امتد الميدان. من أجل ذلك، ضمن الله لهذا الدين حفظَه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]؛ وإن لحفظه ثلاثةَ مقامات:
أولُها: مقامُ الرجوع إلى أصل التشريع عند الإشكال، وهو مقام العمل بآية: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
وثانيها: مقامُ تجديد ما رثَّ من أصول الدعوة، وهو مقام العمل بآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤].
وثالثها: مقام الذب عنه وحمايته، وهو مقام: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧].
وكلا المقامين الأولَيْن لا يقفه إلا الفقيهُ في الدين؛ وهو المجتهدُ العارف بالطرق الموصلة إلى الغايات المقصودة من التشريع الإسلامي، بحيث تصير معرفةُ الشريعة - وسائلها ومقاصدها - مَلَكَةً له؛ أي عِلْمًا راسخًا في نفسه، لا تشذ عنه مراعاتُه والإصابةُ فيه عند جَوَلان فكره في أمور التشريع. وبمقدار ما يكون عددُ هؤلاء الفقهاء مبثوثًا بين المسلمين تكون حالتُهم قريبة من الاستقامة، كما يكون أمرُهم صائرًا إلى التضاؤل بمقدار قلة وجود هذا الفريق بين أظهرهم.
ففي الحديث الصحيح: "لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا
стр. 123
يضرُّهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمرُ الله"، قال البخاري: "وهم أهل العلم". (١) وفي الحديث: "العلماء ورثة الأنبياء"، (٢) وهو حديث حسن. وفي الحديث: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، وهو حديثٌ ضعيفُ السند، لكنه صحيح المعنى. (٣) فوجود هؤلاء العلماء في عصور عدم الاضطرار إليهم، منة من الله تعالى على الأمة لتحسين حالها، ووجودُهم في حالة اضطرار الأمة عصمة من الله تعالى للأمة ولطف بها، لإنقاذها من التهلكة.
стр. 124
وقد يحتاج الدينُ وأهلُه إلى الاجتنان (١) بِجُنَّة القوة لحماية الحق، وإقامة الشريعة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فذلك هو موقع المقام الثالث. (٢)
لذلك منح الله الأمة مجدِّدًا على رأس كل مائة سنة. روى أبو داود في سننه في أول كتاب الملاحم: "حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة عن أبي هريرة - فيما أعلم - عن رسول الله قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدِّد لها دينها"، قال أبو داود: "رواه عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، لم يَجُز به
стр. 125
شراحيل"؛ (١) يعني أن عبد الرحمن بن شريح وقف عند شراحيل ولم يعرفه، فهو في رواية ابن شريح مقطوع، وليس مرفوعًا إلا في رواية ابن وهب. (٢)
قال ابن عدي في الكامل: "لا أعلم يرويه غيرُ عبد الله (يعني ابن وهب) عن سعيد بن أبي أيوب. ورواه عنه (أي عن ابن وهب) عمرو بن سوَّاد، وحرملة بن يحيى، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخيه (أي ابن أخي ابن وهب) ولم يروه عنه غيرُ هؤلاء الثلاثة". (٣) فابنُ عدي لم يطلع على رواية سليمان بن داود عن ابن وهب التي ثبتت عند أبي داود، وبهذا السند رواه البيهقي في سننه، والحاكم في المستدرك. (٤)
وذكر ابنُ السبكي أن أحمد بن حنبل رواه بزيادة: "رجلًا من أهل بيتي يجدد لهم أمرَ دينهم". (٥) وظاهرٌ أن زيادة كونه من أهل البيت من موضوعات الشيعة على العادة، لتنحرف بالحديث إلى مهيع الأحاديث المصنوعة في المهدي المنتظر. (٦)
стр. 126
ومعنى "يبعث الله من يجدد" أنه يقيمه، وييسره لهذا المهم؛ لأن حقيقةَ البعث الإرسال، قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. وقال طريف العنبري:
أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ ... بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفَهَمْ يَتَوَسَّمُ (١)
ثم تُطلق مَجازًا على الإقامة والتنصيب، قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ومنه قولهم: بعث فلانٌ بعيره، إذا أقامه في مبركه. وهو المراد هنا؛ لأن الله لا يبعث المجدد بأن يرسله، ولكنه يوفقه، ويرشده، ويهيئ له. فالبعث هنا بعثٌ تكويني لا بعثٌ تشريعي، فهو كقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥].
стр. 127
و"مَنْ يجدِّد" اسم موصول، وهو صادقٌ على من اتصف بِعِلَّتِه، وهو التجديد للدين، سواء كان المجددُ واحدًا أو متعددًا. ومعنى التجديد إرجاعُ الشيء جديدًا؛ أي إزالة رثاثته وتَخَلُّقِه، وهو هنا مجازٌ في إيضاح حقيقة الدين، وتجريده عما يلصق به من اعتقاد أو عمل أو سيرة، ليس شيءٌ من ذلك في شيء من الدين، في حال أن الناس يتوهمون شيئًا من ذلك دينًا. و"أمر الدين" شأنه وماهيته. ودين هذه الأمة الإسلام لا محالة، وهو اعتقاد وقول وعمل وشريعة وجامعة؛ فتجديدُه إرجاع هذه الأمور أو بعضها إلى شبابه وقوته وجدّته.
دعائم الإسلام:
يقوم الإسلام على ثلاثة دعائم لا ينتظم أمرُه بدونها: الدعامة الأولى: العقيدة؛ لأن العقيدة الحقة هي أصلُ الإسلام، وهو المقصد الأعظم المسمَّى بالإيمان، والذي هو المدخل إلى التدين بدين الإسلام. ومبنى هذه الدعامة على صحة التلقي لما يجب اعتقادُه في الإسلام عن الرسول، ومن البراهين القاطعة التي يهتدي إليها العقل.
الدعامة الثانية: شرائعُ الإسلام التي لا يستقيم أمرُ الأمة الداخلة في الإسلام إلا بمتابعتها؛ إذ فيها صلاحُ أمرهم في الدنيا بانتظام جماعتهم، وسيادتهم، وبها صلاحُ أمرهم في الآخرة بسلامتهم من العذاب، من قول باللسان وعمل بالجوارح. ويدخل فيها ضمائرُ قلبية، كمحبة المؤمنين وسلامة الطوية، إلا أنها لَمَّا كانت آثارُها أعمالًا أُلْحِقت بقسم عمل الجوارح.
ومبنى هذه الدعامة على تلقِّي الشريعة من لفظ القرآن، ومن سنة الرسول وأعماله، وأفهام أئمة الدين الذين تلقوه صافيًا من شوائب الضلالات؛ حيث يكون هذا التلقي سالِمًا من اختلال نقل الرواة، ومن سوء فهم المنتمين لحمل الشريعة، ومن دخائل الملاحدة ورقاق الديانة.
الدعامة الثالثة: جامعةُ الإسلام المسماة بالبيضة، وهي سلطانُ المسلمين، وقوتهم، وانتظامُ أمرهم انتظامًا يقيم فيهم الشريعة، ويدفع عنهم العواديَ العادية
стр. 128
عليه من المجاهرين بعداوته، ومن المسيئين معاملتَه من أتباعه، الذين يحق عليهم المثل: "عدوك العاقل خير من حبيبك الأحمق". (١) ومبنى هذه الدعامة على إقامة الحكومة الإسلامية في عظمة، وقوة، ومنعة، ونشر الإسلام بالفتوح الصالحة.
وقد رأى الصحابةُ القتالَ لإقامة جامعة الشريعة، وذود أهل العقائد الضالة، المريدين حملَ الناس على عقائدهم، كالقتال للدفاع عن بثّ الإسلام في أول أمره؛ فلذلك امتشقوا السيوف في الثأر لعثمان، وفي الانتصار لعلي على مَنْ خرج عنه، وقد قال عبد الله بن رواحة:
الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهْ ... كَمَا ضَرَبْناكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهْ (٢)
стр. 129
معنى التجديد
تجديد الشيء هو إرجاعه إلى حالة الجدة، أي الحالة الأولى التي كان الشيء عليها في استقامته وقوة أمره. وذلك أن الشيء يوصف بالجديد إذا كان متماسكةً أجزاؤه، واضحًا رَواؤه، (١) مترقرقًا ماؤه. ويقابل الجديدَ الرثيثُ، والرثاثةُ انحلالُ أجزاء الشيء، وإشرافُه على الاضمحلال. ولقد أفصح عن معنى الجدة والرثاثة قولُ الشاعر:
قَدْ كَانَ رَثَّ هَوَايَ فَابْـ ... ـتَسَمَتْ فَرَدَّتْهُ جَدِيدَا (٢)
فهذا الدين قد أظهره الله تعالى ونصره؛ فتكامل أمرُه حين قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. فكان في زمن رسول الله ﷺ دينًا واضحًا بيِّنًا قويًّا، لا يتطرقه تضليل، ولا يحول دون نفوذه قويٌّ ولا ضئيل. وذلك الكمال في أمور: أولُها: العمل به، وتحقيق مقاصده. الثاني: نصره وإقامته. الثالث: انتشاره، وزيادته، وتسهيل بثِّه. الرابع: حراسته، وحفظه من تدخل الضلالات. الخامس: دفع نائبة حلت بالإسلام إذا استمرت أفضت إلى طمس معالم الدين، أو إفساد الإيمان، أو ذهاب سلطانه.
وقد تمتد إليه يدُ الرثاثة من إحدى نواحي جِدَّتِه، فهو لا يرثُّ من جميع نواحيه؛ لأن الله قد ضَمِنَ حفظَه. ولكنه قد تتسرب إليه أسبابُ الرثاثة من إحدى
стр. 130
النواحي، فَيُشاهَد الضعفُ فيها، فيبعث الله له مَنْ يجددُه بأن يزيلَ عنه أسبابَ الرثاثة، ويرده جديدًا ناصعًا.
فالتجديدُ الديني يلزم أن يعود عملُه بإصلاح للناس في الدنيا: إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه.
مضي مائة سنة مظنة لتطرق الرثاثة والاحتياج إلى التجديد:
ليست حكمةُ الله بالمضَاعة، ولا فعلُه بالعبث، فقد أنبأنا رسولُ الله: أن الله يبعث للأمة على رأس كل مائة سنةٍ مَنْ يجدد لها أمرَ دينها، فعلمنا أن لهذا الأمر أثرًا في تطرق الرثاثة إلما بعض الأمور؛ ذلك أن مدة مائة سنة تنطوي فيها ثلاثةُ أجيال، ويكثر أن يتسلسل فيها البشرُ آباءً وأبناءً وحفدة.
فإذا فرضنا كمالَ أمر الدين كان في عصر الآباء عن مشاهدتهم أمرَه، كما نفرضه في عصر النبوة حين شاهد الصحابةُ الدين في منعة شبابه، جاء الأبناءُ فتلقوا عن الآباء صورَ الأمور الدينية عن سماع وعلم دون مشاهدة، فكان علمُهم به أضعف. ومن شأن الجيل إحداثُ أمورٍ لم تكن في الجيل السابق، لكنهم يغلب عليهم ما كان في الجيل السابق. فإذا جاء جيلُ الحفدة تُنُوسِيَت الأصولُ، وكثر الدخيلُ في أمور الدين، فأشرف الدينُ على التغيير، فبعث الله مجددَ أمور الدين، تحقيقًا لِمَا وعد الله به في حفظ الدين. (١)
وهذا التيسيرُ الإلهي بقيام المجدد على رأس كل مائة سنة تجديدٌ مضمونٌ منضبط، وهو لا يمنع من ظهور مجددين في خلال القرن ظهورًا غير منضبط، فقد ظهر في خلال القرن الأول علي بن أبي طالب وعبد الملك بن مروان وعمر بن
стр. 131
عبد العزيز، وظهر في خلال القرن الثاني محمد بن إدريس الشافعي وظهر في خلال القرن الرابع أبو حامد الغزالي. (١)
كيف يكون مبدأ تعيين المائة السنة ؟
جاء في لفظ الحديث أن ظهورَ المجدد يكون على رأس كل مائة سنة، والرأس في كلام العرب يطلق على أول الشيء، يقال: فلان على رأس أمره، أي: أن أمره أُنُفٌ كأنه لم يكن له قبل أمر. وفي الحديث أن "رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره". (٢)
فيظهر أن المراد في رأس مائة سنة مبدأ مائة سنة. فمقتضاه أن يكون العدُّ مِنْ يوم قال الرسول ذلك، إلا أن قرينة قوله: "مَنْ يجددُ لهذه الأمة أمر دينها" دلت على أن ذلك لا يكون ما دام رسول الله بين أظهر المسلمين؛ لأن وجود رسول الله وقاية للدين من الرثاثة، وسلامة له من التخلق؛ فلا يحتاج إلى التجديد. فيتعين أن يكون ابتداء العدِّ عَقِبَ وفاةِ الرسول؛ ليُحمل لفظُ الرأس على ما يناسبه من الأولية بحسب المقام؛ فإن أول كل شيء بحسبه.
ويُحتمل أن يُرادَ من رأس مائة مبدأُ مائةٍ بعد مائةِ سنةٍ تمضي بعد اليوم الذي صدر فيه هذا القولُ من الرسول ﵇، على حدِّ قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح المروي في صحيح البخاري وسنن الترمذي من حديث الزهري عن سالم بن عبد الله وأبي بكر بن خيثمة عن ابن عمر أن رسول الله صلى صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى
стр. 132
ممن هو على ظهر الأرض أحد"، (١) إذ يتعين أن يكون قوله فيه: "فإن رأس مائة سنة"؛ أي مبدأ مائة سنة من تلك الليلة بقرينة السياق.
ولذلك قدَّر شُرَّاحُ الحديث قوله: "فإن رأس مائة سنة"؛ أي من تلك الليلة، أي: بعد مُضِيِّها. (٢) وقد قيل بمثل هذا في إطلاق رأس مائة سنة في قولهم في الحديث: "بعثه الله على رأس أربعين سنة"، أي: عند تمام الأربعين من عمره الشريف، فيكون ابتداء العدِّ أيضًا من يوم قال رسول الله ذلك. ومثال الاحتمالين واحد إلا في عدِّ المرة الأولى من التجديد، وعدِّ أول المجددين.
وأيًّا ما كان، فالظاهرُ أن رسولَ الله ﷺ قال ذلك في آخر حياته؛ إذ قد دلت أدلةٌ من السنة على أن رسول الله ﵇ قد أكثر في آخر حياته من أقوال تُؤْذِنُ بقرب انتقاله، تأنِّيًا للمسلمين بتلقي مصيبة وفاته بصبر، وتنبيهًا لهم ليتهيؤوا إلى سدِّ ما تُعقِبه وفاتُه من ثلمة في أمور المسلمين، وبشارةً لهم بما يعرفون به توَلِّي الله تعالى حفظَ هذا الدينِ كما جمعه قوله: "حياتِي خيرٌ لكم، ومَماتِي خير لكم". (٣)
стр. 133
وفي ذلك الغرض جاء قولُه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] إلى آخر السورة. وقد صرح عبد الله بن عمر في حديثه الذي ذكرته آنفًا بأن رسول الله قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه". . . إلخ في آخر حياته، وهو نظير هذا الحديث. فالظاهرُ أن رسولَ الله قال هذا الكلام في شأن المجدد في سنة عشر، أو في سنة إحدى عشرة من هجرته، لا سيما وقد كانت سنةُ عشرٍ التي حج فيها رسول الله ﷺ حجة الوداع سنةً استدار فيها الزمان، فقد قال رسول الله في خطبة اليوم التاسع أو العاشر من ذي الحجة آخر تلك السنة: "ألا وإن الزمانَ قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض". (١)
فمبدأ سنة إحدى عشرة هو مبدأ السنة الإسلامية التي درج عليه أهلُ الحنيفية، وهي الموالية للسنة التي ابتدأ فيها أهلُ الجاهلية عملَ الشهر، فهي مبدأ جديد للسنين الإسلامية التي جعلها الله، كما دل على جعلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٦ - ٣٧].
فإن كان المرادُ من رأس مائة سنة تأتي كما هو الظاهر، فالمجدد الأول هو أبو بكر الصديق ﵁، وهذا هو الأظهر. وإن كان المرادُ رأس مائة سنة تمضي، فالمجددُ الأول هو من ظهر لتجديد الدين في حدود سنة عشر ومائة من الهجرة.
стр. 134
وكلُّ ذلك يوقنك بأن ما سلكه تاجُ الدين السبكي في تعيين المجددين للدين، وضبطه ذلك بموافقة وفاة من نَحَلَهُمْ صفةَ المجدد مبادئَ مرور المئين من السنين ابتداءً من يوم الهجرة، قد أخطأ فيه من وجهين عظيمين وإن كانا خفيين:
أحدهما إناطةُ ذلك بوقت وفاة مَنْ تُوُسِّم فيه صفةُ المجدد، مع أن مقتضى الحديث أن يكون عملُ المجدد منوطًا بوقت ظهوره أو انتشار أمره، وقوة عمله في تجديد الدين، كما يُفْصِحُ عنه لفظُ "يبعث" الواقعُ في الحديث الذي هو بمعنى يقيم الله، ولفظ "يجدد" المقتضي أن يكون معظمُ حياةِ المجدد في رأس القرن؛ إذ العمل من أثر الحياة لا من مقارنة الممات.
الوجه الثاني أنه جعل ابتداء عد رأس القرن من يوم الهجرة، وشأن العدِّ أن يكون من يوم الوعد بذلك؛ فإن اعتبارَ سنة الهجرة مبدأً للقرون الإسلامية أمرٌ اصطلح عليه المسلمون بعد وفاة رسول الله في خلافة عمر؛ فكيف يفسر به كلامٌ واقع قبل ذلك بسنين؟
رأي ابن السبكي في نعت المجدد وزمنه:
قال تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكي في كتاب طبقات الشافعية في مقدمته المسهبة وذكر حديث أبي هريرة في المجدد والحديث الذي فيه زيادة "من أهل بيتي"، وذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: "نظرت في سنة مائة فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ : عمر بن عبد العزيز، ونظرت في رأس المائة الثانية، فإذا هو رجل من آل رسول الله ﷺ : محمد بن إدريس الشافعي". ثم قال ابن السبكي:
"ولأجل ما في هذه الرواية الثانية من الزيادة (أي زيادة من أهل بيتي) لا أستطيع أن أتكلم في المئين بعد الثانية؛ فإنه لم يُذْكَر فيها أحد من آل النبي ﵇، ولكن هنا دقيقة ننبهك عليها، فنقول: لَمَّا لم نجد بعد المائة الثانية من أهل البيت مَنْ هو بهذه المثابة، ووجدنا جميع مَنْ قيل إنه المبعوث في رأس كل مائة سنة مِمَّنْ تمذهب بمذهب الشافعي وانقاد له، علمنا أنه (أي: الشافعي) الإمامُ المبعوث الذي استقر
стр. 135
أمرُ الناس على قوله، وبُعث بعده في رأس كل سنة مَنْ يقرر مذهبه. وبهذا تعين عندي تقديمُ ابن سريج في الثالثة على الأشعري؛ فإن الأشعري - وإن كان أيضًا شافعيَّ المذهب (١) - إلا أنه رجل متكلِّم, كان قيامُه للذَّبِّ عن أصول العقائد دون فروعها، (٢) وكان ابنُ سريج رجلًا فقيهًا، فكان ابن سريج أولَى بهذه المنزلة، لا سيما
стр. 136
ووفاة الأشعري تأخرت عن رأس القرن إلى بعد العشرين (١). . . وعندي لا يبعد أن يكون كلٌّ منهما مبعوثًا، هذا في فروع الدين وهذا في أصوله، وكلاهما شافعي. وأما المائة الرابعة فقد قيل: إن الشيخ أبا حامد الإسفراييني هو المبعوث فيها، وقيل: بل الأستاذ سهل [بن أبي سهل] الصعلوكي، وكلاهما من أئمة الشافعيين. قلت: والخامس الغزالي، والسادس فخر الدين الرازي، ويحتمل أن يكون الرافعي؛ لأن وفاته تأخرت إلى بعد العشرين وستمائة، والسابع الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد". (٢)
فهذا حاصلُ كلام ابن السبكي بعد تجريده من التطويل، وقد قَفَّى جلالُ الدين السيوطي على أثر تاج الدين ابن السبكي، ورجا لنفسه أن يكون هو مجددَ المائة التاسعة. (٣) وكلاهما حجَّر واسعًا من نعمة الله، فاحتكراها لعلماء الشافعية. ولا أعجبَ من إصرار السبكي في مطاوي ذلك أن يومئ إلى أن الدينَ عنده هو مذهبُ الشافعي إذ يقول: "ووجدنا جميعَ مَنْ قيل إنه المبعوثُ في رأس كل مائة مِمَّنْ تَمَذْهَبَ بمذهب الشافعي؛ فعلمنا أنه (أي الشافعي) الإمامُ المبعوث الذي استقر أمرُ الناس على قوله، وبعث بعده في رأس كل مائة سنة من يقرِّر مذهبه"، (٤) وإذ يقول في منظومةٍ له نظمَ فيها المجددين على حسب اختياره:
стр. 137
هَذَا عَلَى أَنَّ المُصِيبَ إِمَامُنَا ... أَجْلَى دَلِيلٍ وَاضِحٍ لِلْمُهْتَدِ (١)
فابن السبكي ظهر بمظهر التعصب المذهبي، وأتى بدليل مصنوع بيده، فكان هو واضعَ الدعوى وواضعَ الدليل، وقد غفل عن أن هذا يعطل عليه وجودَ مجدد في المائة الأُولَى. ثم إنا نرى مُعظم مَنْ عَدَّهم السبكي مجددين لا يزيد معظمُهم على أن كانوا مدونين مذهبَ الشافعي، وليس ذلك كافيًا في وصف المجدد، وأين معنى التجديد من معنى التدوين؟
رأي مجد الدين ابن الأثير في تعيين المجددين
وفِي أول نوازل الأقضية والشهادات من كتاب "المعيار المعرب" للشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي:
"وفِي جامع الأصول لفخر لدين المبارك بن عبد لكريم بن الأثير ما نصُّه: قد تكلم العلماءُ في تأويل هذا الحديث، كل واحد في زمانه، وأشاروا إلى القائم الذي يجدد للناس دينَهم كلَّ مائة سنة. وكأَنَّ كلَّ قائل قد مال إلى مذهبه، وحمل تأويل الحديث عليه. والأولَى أن يُحمل الحديثُ على العموم، فإن قوله ﷺ : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدد لها دينها"، لا يلزم منه أن يكون المبعوثُ على رأس المائة رجلًا واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة "مَنْ" تقع على الواحد والجمع. وكذلك لا يلزم منه أنه أراد بالمبعوث الفقهاءَ خاصة، كما ذهب إليه بعضُ العلماء، فإن انتفاع الأمة بالفقهاء وإن كان انتفاعًا عامًّا في أمور الدين، فإن انتفاعهم بغيرهم أيضًا كثير، مثل أولِي الأمر، وأصحاب الحديث، والقراء، والوُعَّاظ، وأصحاب الطبقات من الزهاد. فإن كلَّ قوم ينفعون بفنٍّ لا ينفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين حفظُ قانون السياسة، وبث العدل والتناصف الذي تُحقَنُ به الدماء، ويُتمكن من إقامة قوانين الشرع، وهذه وظيفة أولي الأمر.
стр. 138
وكذلك أصحابُ الحديث: ينفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع، والقراء ينفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات، والزهاد ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا. فكل واحد ينفع بغير ما ينفع به الآخر.
لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوثُ على رأس المائة رجلًا معروفًا، مشهورًا، مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون. فإذا حُمل تأويلُ الحديث على هذا الوجه، كان أولَى وأبعد عن التهمة وأشبه بالحكمة. فإن اختلاف الأئمة رحمة، وتقرير أقوال المجتهدين متعيِّن. فإذا ذهبنا إلى تخصيص القول على أحد المذاهب، وأَوَّلنا الحديثَ عليه، بقيت المذاهبُ الأخرى خارجةً عن احتمال الحديث لها، وكان ذلك طعنًا فيها. فالأحسن والأجدرُ أن يكون ذلك إشارةً إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة، يجددون للناس دينَهم، ويحفظون مذاهبَهم.
ونحن نذكر الآن المذاهبَ المشهورة في الإسلام التي عليها مدارُ المسلمين في أقطار الأرض، وهي مذهب الشافعي، وأبِي حنيفة، ومالك، وأحمد، ومذهب الإمامية، ومَنْ كان المشار إليه من هؤلاء على رأس كل مائة سنة، وكذلك من كان المشار إليه من باقي الطبقات. وأما مَنْ كان قبل هذه المذاهب المذكورة، فلم يكن الناسُ مجتمعين على مذهب إمام بعينه، ولم يكن قبل ذلك إلا المائة الأولى. وكان على رأسها من أولِي الأمر عمر بن عبد العزيز، ويكفي الأمةَ في هذه المائة وجودُه خاصة؛ فإنه فعل في الإسلام ما ليس بخافٍ.
وكان من الفقهاء بالمدينة: محمد بن علي الباقر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر. وكان بمكة منهم مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح. وكان باليمن طاووس، وبالشام مكحول، وبالكوفة عامر بن شراحيل الشعبي، وبالبصرة الحسن البصري ومحمد بن سيرين. وأما القراء على رأس المائة الأولى، فكان القائم بها عبد الله بن كثير. وأما المحدثون فمحمد بن شهاب الزهري، وجماعةٌ كثيرة من التابعين وتابعي التابعين.
стр. 139
وأما مَنْ كان على رأس المائة الثانية، فمن أولِي الأمر المأمون بن الرشيد، ومن الفقهاء الشافعي والحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحاب أبي حنيفة، وأشهب بن عبد العزيز من أصحاب مالك. وأما أحمد فلم يكن يومئذ مشهورًا؛ فإنه مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. ومن الإمامية علي بن موسى الرضا، ومن القراء يعقوب الحضرمي، ومن المحدثين يحيى بن معين، ومن الزهاد معروف الكرخي.
وأما مَنْ كان على رأس المائة الثالثة، فمن أولي الأمر المقتدر بأمر الله، ومن الفقهاء أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي، وأبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي من أصحاب أبِي حنيفة، . . . (١) من أصحاب مالك، وأبو بكر بن هارون الخلال من أصحاب أحمد، وأبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي (٢) من الإمامية. ومن المتكلمين أبو الحسن الأشعري، ومن القراء أبو بكر محمد بن موسى ابن مجاهد، ومن المحدثين أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي، ومن الزهاد أبو بكر الشبلي.
وأما مَنْ كان على رأس المائة الرابعة فمِنْ أولِي الأمر القادرُ بالله، ومن الفقهاء أبو حامد أحمد بن طاهر الإسفراييني من أصحاب الشافعي، وأبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي من أصحاب أبي حنيفة، وأبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر من أصحاب مالك، وأبو عبد الله الحسين بن علي بن حامد من أصحاب أحمد، ومن الإمامية المرتضى الموسوي أخو الرضي الشاعر. ومن المتكلمين القاضي أبو بكر بن
стр. 140
الطيب الباقلاني والأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك. (١) ومن المحدثين محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بالحاكم ابن البَيِّع، (٢) ومن القراء أبو الحسن علي بن أحمد الحمامي، ومن الزهاد أبو محمد بن علي الدينوري.
وأما مَنْ كان على رأس المائة الخامسة، فمن أولِي الأمر المستظهر بالله، ومن الفقهاء الإمام أبو حامد محمد بن محمد الغزالي من أصحاب الشافعي، والقاضي فخر الدين الأرسابندي المروزي من أصحاب أبي حنيفة، . . . (٣) من أصحاب مالك، وأبو الحسن علي بن عبد الله بن الزاغوني من أصحاب أحمد. ومن المحدثين رُزين بن معاوية العبدري، ومن القراء أبو العز محمد بن الحسين بن بندار القلانسي.
هؤلاء كانوا المشهورين في هذه الأزمنة المذكورة. وقد كان قُبيل كل مائة أيضًا مَنْ يقوم بأمور الدين، وإنما المرادُ بالذكر مَنِ انقضت المائةُ وهو حيٌّ، عالم، مشهور، مشار إليه". (٤)
стр. 141
(ثم قال الونشريسي: ) "قيل: القرونُ كلُّها إذا استقريتها بالنسبة إلى ملوكها وعلمائها في كل قطر لا يخلو أولُ كلِّ قرن من بركة في العلماء أو في الملوك، (لما أجرى الله العادة أن كل قرن فيه خير، وخيره يغلب شره. وقد شاهدنا من ذلك رأسَ القرن التاسع منَّ الله على أهل إفريقية (بأمير المؤمنين المتوكل على الله القائم بأمر الله) أبي فارس عبد العزيز بن الخليفة أمير المؤمنين أبي العباس ابن الأمراء الراشدين الحفصيين، فقطع الله به أهلَ الزيغ والفساد من أهل البادية والبلاد، وقاتل المحاربين (وأهل الخلاف)، كما قائل الكفار حين نزلوا بالمهدية"]. (١)
التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:
ولَم أَرَ مَنْ عُنِيَ بتحقيق هذا الأمر، ولا عرضه على شواهد التاريخ وأحوال الدهر. وها أنا ذا أبدي ما وقر في رُوعي من الاختبار في صفة هذا المجدد على العموم، ثم أُتبعه بأفراد هذه الأمة الذين انبروْا للتجديد في وقت الحاجة. وليس ببدع أن يكون ما أراه في هذا الشأن راجحًا في كفة البيان، فليس الحقُّ بمحتكَر، ولا شرب الصواب بمحتضر، والحكم في الترجيح لمحكِّ النظر.
стр. 142
لقد صرَّح الكلامُ النبوي أن هذا المجدد يبعثه الله ويُلهمه لتجديد أمر الدين للأمة، فوجب أن يكون هذا المجددُ قائمًا بعمل مثمرٍ تجديدًا في الدين. وقد أَبَنْتُ فيما مضى معنى التجديد، فيتعين أن تكون لهذا المجدِّد الصفاتُ التي تؤهله لرتق ما فُتِقَ من أمر الدين في زمنه. فإذا كان الفتقُ قد طرأ على ناحية من نواحي علم الدين، تعيَّنَ أن يكون المجددُ في تلك الناحية عالِمًا يؤهله علمُه لإدراك الدين الحق في الغرض المقصود.
وإن كان الفتقُ قد طرأ على الدين من ناحية وَهن نفوذِه ووقوف انتشاره، تعيَّن أن يكون المجددُ في ذلك قادرًا على حماية البيضة، ونصر الشريعة - أي نصر الحق من الدين - لئلَّا يدخل في المجددين مَنْ قام ينصر نِحلةً اعتقادية يعتقد أنها الدينُ وهو فيها زائغ، مثل أبي يزيد راكب الحمار، (١) ومثل أبي عبد الله الشيعي داعية المهدي العبيدي، (٢) أو لإعلان فتنة وانقلاب دولة تحت اسم الدين مثل مهدي
стр. 143
الصومال، والتعايشي. (١)
ويجب أن يكون المجددُ في هذا المقام عالِمًا بالشريعة، وأن يكون مسترشدًا بالعلماء؛ ليصادف الحق الذي يتطلبه الشرع. وإذا كان الفتقُ الذي اعترى الدين من ناحيتين فصاعدًا، تعين أن يكون المجدد كفئًا للنهوض بما يتطلبه التجديد في ذلك، مثل أبي بكر الصديق ﵁ في موقف ارتداد العرب.
стр. 144
ثم إن الأظهر أن يكون هذا المجددُ واحدًا؛ لأن اضطلاعه بالتجديد وهو واحد يكون أوقع؛ إذ يكون عمله متحدًا، ويكون أنفذ؛ إذ يسلَمُ مِنْ تطرُّق الاختلاف باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد. وربما اقتضى حالُ الزمان أن يكون المجدد متعددًا في الأقطار بأن يقوم في أقطار الإسلام مجددون دعوتهم واحدة، أو يكون رجلان فأكثر متظاهرين على عمل التجديد في موضع واحد.
ولقد جَوَّز ابنُ السبكي أن يكون ابنُ سريج وأبو الحسن الأشعري مجددَيْن في نهاية المائة الثالثة: أولهما في الفروع، وثانيهما في الأصول. ولا مانعَ من قيام رجلين بمهم واحد؛ فقد ظهر ذلك في أعظم مهم وهو الرسالة، إذ أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى بني إسرائيل وفرعون وملئه، وأرسل رسولَيْن إلى أهل القرية ثم عززهما بثالث، كما جاء في سورة يس. (١)
ويُشترط أن يكون المجددُ قد سعى لعمل في التجديد من تعليم شائع أو تأليف مبثوث بين الأمة، أو حمل الناس على سيرة، بحيث يكون سعيُه قد أفاد المسلمين يقظةً في أمر دينهم، فسار سعيُه بين المسلمين، وتلقَّوْه وانتفعوا به من حين ظهوره إلى وقت إثماره، سواءً كان حصولُ ذلك دفعة واحدة أم تدريجيًّا.
ويشترط أن يظهر المجدد في جهة تتجه إليها أنظارُ المسلمين، وتكون سمعتُها بموضع القدوة للمسلمين، مثل أن يكون من أهل الحرمين، أو من مقر الخلافة، أو من البلاد التي تعنوا إليها وجوه المسلمين، مثل مصر في بعض عصور التاريخ. ولذلك نجزم بأن مظهر المجددين الذين ظهروا في عصور الإسلام كان هو الشرق؛ إذ يلزم أن يكون عمله نافعًا لجميع الأمة لا لصقع خاص.
стр. 145
وليس يكفي للوصف بالمجدد أن يكون بالغًا حدًّا قاصيًا في الزهد أو في الصلاح أو في التقوى، ولا بالغًا الغايةَ في الفقه، ولا كائنًا من أهل القضاء بالعدل؛ لأن تلك صفاتٌ قاصرةٌ عليه. لذلك نرى عدَّ عمر بن عبد العزيز مجددَ القرن الثاني غيرَ متجه؛ إذ هو وإن كان بحق خليفةَ عدل، إلا أن الإسلام قبل زمانه لم ترهقه رثاثة. وليت الذين عدُّوا عمر بن عبد العزيز في المجددين عللوا ذلك بأنه الذي أمر بتدوين السنة، وفيه نظر. (١)
التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:
لقد قضيتُ حقَّ البيان في توقيت الزمن الذي نطق فيه رسول الله ﷺ بقوله: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"، وأوضحتُ أنه مما قاله رسول الله في آخر سني حياته المباركة. فقضى ذلك أن يكون ابتداء الحاجة إلى التجديد من وقت وفاة رسول الله؛ لأن مدة حياة رسول الله هي مدة أكمل أحوال نماء الدين: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
إن وفاة رسول الله أكبرُ نائبة أصابت المسلمين؛ فإن رسول الله هو مظهر الإسلام، وكان جميع أحواله نفعًا للإسلام. ولعل في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إيماءً إلى هذا المعنى، إذ قَصَرَهُ على صفة الرسالة، فكأنه لا صفةَ له إلا الرسالة. فوفاتُه بمنزلة رفع الإسلام من جذوره، وكأن الله أراد أن يُظْهِرَ بركةَ رسوله لَمحة، فيرى الناسُ كيف اضطرب أمرُهم بموته، حتى لا يكون انتقاله هينًا عليهم؛ لأن عواقب المصيبة تزيدها قوة، فكأن الإسلام قد ذهب مشيِّعًا روحَ الرسول، ثم عاد بعد التشييع.