(ثم قال الونشريسي: ) "قيل: القرونُ كلُّها إذا استقريتها بالنسبة إلى ملوكها وعلمائها في كل قطر لا يخلو أولُ كلِّ قرن من بركة في العلماء أو في الملوك، (لما أجرى الله العادة أن كل قرن فيه خير، وخيره يغلب شره. وقد شاهدنا من ذلك رأسَ القرن التاسع منَّ الله على أهل إفريقية (بأمير المؤمنين المتوكل على الله القائم بأمر الله) أبي فارس عبد العزيز بن الخليفة أمير المؤمنين أبي العباس ابن الأمراء الراشدين الحفصيين، فقطع الله به أهلَ الزيغ والفساد من أهل البادية والبلاد، وقاتل المحاربين (وأهل الخلاف)، كما قائل الكفار حين نزلوا بالمهدية"]. (١)
التحقيق في صفات المجدد وصنفه وعدده:
ولَم أَرَ مَنْ عُنِيَ بتحقيق هذا الأمر، ولا عرضه على شواهد التاريخ وأحوال الدهر. وها أنا ذا أبدي ما وقر في رُوعي من الاختبار في صفة هذا المجدد على العموم، ثم أُتبعه بأفراد هذه الأمة الذين انبروْا للتجديد في وقت الحاجة. وليس ببدع أن يكون ما أراه في هذا الشأن راجحًا في كفة البيان، فليس الحقُّ بمحتكَر، ولا شرب الصواب بمحتضر، والحكم في الترجيح لمحكِّ النظر.
стр. 142
لقد صرَّح الكلامُ النبوي أن هذا المجدد يبعثه الله ويُلهمه لتجديد أمر الدين للأمة، فوجب أن يكون هذا المجددُ قائمًا بعمل مثمرٍ تجديدًا في الدين. وقد أَبَنْتُ فيما مضى معنى التجديد، فيتعين أن تكون لهذا المجدِّد الصفاتُ التي تؤهله لرتق ما فُتِقَ من أمر الدين في زمنه. فإذا كان الفتقُ قد طرأ على ناحية من نواحي علم الدين، تعيَّنَ أن يكون المجددُ في تلك الناحية عالِمًا يؤهله علمُه لإدراك الدين الحق في الغرض المقصود.
وإن كان الفتقُ قد طرأ على الدين من ناحية وَهن نفوذِه ووقوف انتشاره، تعيَّن أن يكون المجددُ في ذلك قادرًا على حماية البيضة، ونصر الشريعة - أي نصر الحق من الدين - لئلَّا يدخل في المجددين مَنْ قام ينصر نِحلةً اعتقادية يعتقد أنها الدينُ وهو فيها زائغ، مثل أبي يزيد راكب الحمار، (١) ومثل أبي عبد الله الشيعي داعية المهدي العبيدي، (٢) أو لإعلان فتنة وانقلاب دولة تحت اسم الدين مثل مهدي
стр. 143
الصومال، والتعايشي. (١)
ويجب أن يكون المجددُ في هذا المقام عالِمًا بالشريعة، وأن يكون مسترشدًا بالعلماء؛ ليصادف الحق الذي يتطلبه الشرع. وإذا كان الفتقُ الذي اعترى الدين من ناحيتين فصاعدًا، تعين أن يكون المجدد كفئًا للنهوض بما يتطلبه التجديد في ذلك، مثل أبي بكر الصديق ﵁ في موقف ارتداد العرب.
стр. 144
ثم إن الأظهر أن يكون هذا المجددُ واحدًا؛ لأن اضطلاعه بالتجديد وهو واحد يكون أوقع؛ إذ يكون عمله متحدًا، ويكون أنفذ؛ إذ يسلَمُ مِنْ تطرُّق الاختلاف باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد. وربما اقتضى حالُ الزمان أن يكون المجدد متعددًا في الأقطار بأن يقوم في أقطار الإسلام مجددون دعوتهم واحدة، أو يكون رجلان فأكثر متظاهرين على عمل التجديد في موضع واحد.
ولقد جَوَّز ابنُ السبكي أن يكون ابنُ سريج وأبو الحسن الأشعري مجددَيْن في نهاية المائة الثالثة: أولهما في الفروع، وثانيهما في الأصول. ولا مانعَ من قيام رجلين بمهم واحد؛ فقد ظهر ذلك في أعظم مهم وهو الرسالة، إذ أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى بني إسرائيل وفرعون وملئه، وأرسل رسولَيْن إلى أهل القرية ثم عززهما بثالث، كما جاء في سورة يس. (١)
ويُشترط أن يكون المجددُ قد سعى لعمل في التجديد من تعليم شائع أو تأليف مبثوث بين الأمة، أو حمل الناس على سيرة، بحيث يكون سعيُه قد أفاد المسلمين يقظةً في أمر دينهم، فسار سعيُه بين المسلمين، وتلقَّوْه وانتفعوا به من حين ظهوره إلى وقت إثماره، سواءً كان حصولُ ذلك دفعة واحدة أم تدريجيًّا.
ويشترط أن يظهر المجدد في جهة تتجه إليها أنظارُ المسلمين، وتكون سمعتُها بموضع القدوة للمسلمين، مثل أن يكون من أهل الحرمين، أو من مقر الخلافة، أو من البلاد التي تعنوا إليها وجوه المسلمين، مثل مصر في بعض عصور التاريخ. ولذلك نجزم بأن مظهر المجددين الذين ظهروا في عصور الإسلام كان هو الشرق؛ إذ يلزم أن يكون عمله نافعًا لجميع الأمة لا لصقع خاص.
стр. 145
وليس يكفي للوصف بالمجدد أن يكون بالغًا حدًّا قاصيًا في الزهد أو في الصلاح أو في التقوى، ولا بالغًا الغايةَ في الفقه، ولا كائنًا من أهل القضاء بالعدل؛ لأن تلك صفاتٌ قاصرةٌ عليه. لذلك نرى عدَّ عمر بن عبد العزيز مجددَ القرن الثاني غيرَ متجه؛ إذ هو وإن كان بحق خليفةَ عدل، إلا أن الإسلام قبل زمانه لم ترهقه رثاثة. وليت الذين عدُّوا عمر بن عبد العزيز في المجددين عللوا ذلك بأنه الذي أمر بتدوين السنة، وفيه نظر. (١)
التوسم في تعيين المجددين بحسب أدلة الحق المبين:
لقد قضيتُ حقَّ البيان في توقيت الزمن الذي نطق فيه رسول الله ﷺ بقوله: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها"، وأوضحتُ أنه مما قاله رسول الله في آخر سني حياته المباركة. فقضى ذلك أن يكون ابتداء الحاجة إلى التجديد من وقت وفاة رسول الله؛ لأن مدة حياة رسول الله هي مدة أكمل أحوال نماء الدين: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
إن وفاة رسول الله أكبرُ نائبة أصابت المسلمين؛ فإن رسول الله هو مظهر الإسلام، وكان جميع أحواله نفعًا للإسلام. ولعل في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إيماءً إلى هذا المعنى، إذ قَصَرَهُ على صفة الرسالة، فكأنه لا صفةَ له إلا الرسالة. فوفاتُه بمنزلة رفع الإسلام من جذوره، وكأن الله أراد أن يُظْهِرَ بركةَ رسوله لَمحة، فيرى الناسُ كيف اضطرب أمرُهم بموته، حتى لا يكون انتقاله هينًا عليهم؛ لأن عواقب المصيبة تزيدها قوة، فكأن الإسلام قد ذهب مشيِّعًا روحَ الرسول، ثم عاد بعد التشييع.
стр. 146
فما شاع نبأُ وفاته ﷺ حتى ارتجت المدينةُ واضطرب أمرُ الأمة، وهجست خواطرُ الشيطان في نفوس الأعراب وحديثي الإسلام. وكاد الخلاف أن يدب بين المسلمين في أمر الخلافة، وأخطر ما فيه توقع دبيب الخلاف بين فريقين لم يختلفا البتة، وهما المهاجرون والأنصار، فكان موقف أبي بكر أولَ يوم عقب وفاة رسول الله موقف مَنْ رتق الفتق، ورأب الثأْي، وبه استقر أمرُ الجماعة في وطن الإسلام، ومدينة أهل الحل والعقد من قادة الأمة، فبايعوا أبا بكر خليفةً لرسول الله في تدبير شؤون المسلمين، فكان ذلك مبدأ تجديد أمر الدين بعد انفتاق نسيجه، ومبدأ إشادة صرحه بعد أن أشرف على الانهيار.
[المائة الأولى]:
وما أن استقر الأمرُ بضعةَ أيام حتى ارتدت العرب، وتسرب الانحلالُ إلى الجامعة الإسلامية، وبقيت سلطةُ الخليفة قاصرةً على المدينة وقليل من القبائل. فوجم أبو بكر، وتحير المسلمون، فاستشارهم أبو بكر في ذلك، فما أقدموا على ارتياء مقاتلة معظم العرب، ولكن أبا بكر قد سدد الله رأيَه وثبَّت فؤاده، فقال: "والله لو منعونِي عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، كيف لا أقاتل من فرَّق بين الصلاة والزكاة؟ فإن الزكاة حق المال". (١)
стр. 147
فشرح الله صدرَ الصحابة إلى تأييد أبي بكر والمقاتلة معه، وامتُشق الحسام لنصر الإسلام، فلم يلبث إلا قليلًا حتى هَزَمت جيوشُه جميعَ قبائل الردة، وردَّ للإسلام قوتَه. فكان ذلك أولَ تجديد للإسلام، وكانت القبائل التي قاتلت معه هم الذين خاطبهم على لسان رسوله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦]. وثاب العربُ إلى الرشد، وعاد لهم إسلامُهم وطاعةُ إمامهم، وكان ذلك دخولًا جديدًا في الإسلام لمعظم قبائل العرب دخولًا لم يخرجوا بعده. ثم رجع السيف إلى قرابه، واستقر أمرُ الإسلام في نصابه، وصلح حالُ المسلمين، وعلم الجميع معنى الإسلام ودوامه، فكان أبو بكر مجددَ معنى الرسالة ومُبَيِّنًا له.
ولم يزل الإسلام يعلو وينتصر، ويفيض على الأقطار كالسيل المنهمر، ففُتِحت الأمصار الكثيرة، وذلك إلى أواخر خلافة هشام بن عبد الملك من سنة ١٠٥ هـ إلى سنة ١٢٥ هـ. ودُرِّست العلوم، وعَلِم الناسُ أمرَ دينهم، وأمن المسلمون كيدَ أعدائهم، وانتصبوا لنظام أمرهم، وتأييد أمور دينهم، وتلقي علوم الكتاب والسنة، وتدوين الآثار المروية عن الرسول ﷺ .
وانقضى عصرُ الصحابة، وحمل العلمَ من كل قطر عدولُه وأفاضلُه، وصار الناسُ متعطشين إلى ما يُؤْثَرُ عن رسول الله وخلفائه، ومصيخين لكل مَنْ يقول: قال رسول الله، فَتَهَمَّم بالرواية أقوامٌ كثيرون، وصار التصدي والتلقي غايةَ أولي الألباب. ولكن تفاوت الأفهام وتباينها في الضبط والتقوى قد حدا بقوم إلى الاستكثار من الرواية عن رسول الله، والاستهتار بِحُبِّ الإغراب في ذلك، وبالإصغاء لكل مَنْ يتظاهر بأن له علمًا بسنة أو تفسيرًا لآية، فكثر الدخيلُ وعظم القالُ والقيل.
стр. 148
وتفطن علماءُ الأمة لهذا الخطب الجليل، وبدأت الشكايةُ من تساهل الضعفاء وغلاة الرواة تئن بها صدورُ أهل العلم والضبط، ففي صحيح مسلم أن عبد الله بن عباس قال: "إنا كنا مدة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا. فلما ركب الناسُ الصعبَ والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". (١)
لقد تصدى للرواية عن رسول الله، ولتفسير القرآن، أصنافٌ من الناس في العلم: فمنهم أهلُ الضبط والتحري، من أهل الفقه والإفتاء والرواة. ومنهم أصحابُ التساهل من أصحاب السِّيَر، المتبعين لكل ما جاء فيه من أثر. ومنهم الوعاظُ الذين تعلقوا بما يناسب دعوتهم من الآثار، وأبهجهم ما أعانهم من أثر يروى يعضد مقصدَهم.
ومنهم القُصَّاصُ في المساجد والنوادي، والمتجولون في الحواضر والبوادي، يُلْقون إلى اللفيف ما تقبله عقولهُم وتبلغ إليه أفهامُهم، فيتوخَّوْن أن يلتقطوا من المرويات كلَّ ما يسهل على العامة قبولُه، ويطابق ما في مخيلاتهم وإن كان ضعيفَ المعنى واللفظ. (٢) ومنهم أهلُ الأهواء والنحل الذين تعمدوا الكذبَ على رسول الله، أو تساهلوا بحسب جرأتهم على التدليس والترويج، فقد وضع الكَرّاميةُ (٣) عشرةَ آلاف حديث.
فكان أهلُ هذه الأصناف الأخيرة غيرَ مكترثين بالبحث عن صحة نسبة الآثار المروية إلى رسول الله ﷺ كاكتراثهم بمناسبة الآثار لأغراضهم، وحبُّ الشيء
стр. 149
يُعمي ويُصِم. وهنالك اختلط الحابلُ بالنابل، والخاثر بالزباد، ولم يزل تفاقمُه في ازدياد، حتى بلغ السيل الزُّبَى، وكادت أن تذهب السُّنَّةُ أيادي سبا.
ولم تزل طائفةٌ من الأمة ظاهرين على الحق، باحثين عن مراتب الخلق، متهمِّمين بانتقاد ما صح عن رسول الله من الآثار، لم يخلُ عن طائفةٍ منهم قطرٌ من الأقطار. إلا أن جمهرة هؤلاء كانت من علماء المدينة، يتلقَّى الخلفُ عن السلف رواية الصحيح؛ إذ كانوا عاكفين على معاهد الرسول وآثاره، سالمين مما تطرق من الابتداع في بعض أقطاره، والإيمان يأرِز إليهم، وسنة الرسول شائعة بين ظهرانيهم.
وانحصر ذلك في فقهاء المدينة ورواتها، وهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، ولحق بهم محمد بن شهاب الزهري؛ فكانوا قدوةَ الرواة.
[المائة الثانية]:
ثم انحصر علمُهم في مالك بن أنس عالم المدينة، فأزبد عنده ذلك المخض، وأفصح عن الخالصِ المحض، فانفرد في زمنه بحمل السنة الصحيحة، وعرض المرويات على محك النقد، وكان اعتماده في النقد من ثلاثة معايير: عمل أهل المدينة، وقواعد الشريعة، وصفات الرواة، ولم تجتمع هذه المعايير لغير مالك. وكان ظهور مالك في أوائل القرن الثاني في حدود سنة ١١٢ هـ؛ لأن مالكًا قد نبغ وهو شاب، وكانت ولادته سنة ٩٣ هـ وقيل ٩٦ هـ، فيكون في حدود سنة ١١٠ هـ قد بلغ الحلم أو تجاوزه. قال شعبة: "دخلت المدينة بعد موت نافع، فإذا لمالك حلقة"، (١) وموت نافع سنة ١١٧ هـ.
стр. 150
وقد اتفق العلماءُ من أهل عصره على تأويل ما روي عن رسول الله بروايات متقاربة في سنن الترمذي، وكتاب النسائي، ومسند أحمد بن حنبل ومستدرك الحاكم ومسند الشافعي من قوله: "يوشك أن يضرب الناسُ أكبادَ الإبل في طلب العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة"، (١) أنه إشارة إلى مالك بن أنس، قال بذلك سفيان بن عيينة، وابن مهدي، ويحيى بن معين، وابن المديني، وجمع كثير.
ثم إن ما بلغه مالك من توقير خلفاء الدولة العباسية، وبرِّهم إياه، ووقوفِهم عند نصائحه، مع ما كان له من شدةٍ على المتساهلين في الحديث وتلقي السنة، قد أعان على نفاذ أصوله في تحمل الحديث، ومكَّنه من التقريع والتأديب لكل مَنْ يبلغه من المتساهلين والمبتدعين وأهل الأهواء. وحسبُك أن المنصور أبا جعفر قد همَّ همًّا قويًّا بأن يأمرَ الناسَ في أقطار الإسلام باتباع ما في الموطأ دون غيره؛ (٢) فانثال الناسُ على الأخذ عن مالك.
وقد اختص بأشياء لم تتأت لغيره: وهي التعمير، وكثرةُ الآخذين عنه، وتفرقُهم في سائر الأمصار، وإعلانُه بطريقته، وتزييفُ الطرائق المخالفة لها، واجتماع إمامة الفقه والحديث فيه. وهذه صفاتٌ لم يشاركه فيها غيرُه ممن كان يدانيه في صحة الرواية مثل يحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج، وعبد الرحمن بن مهدي، مع شدته في متابعة أصوله، لا ينحرف عنها قيد أنملة. ولأجل تخليد عمله، وتخطيط طريقه، ألَّف كتاب الموطأ، وهو أول كتاب أُلِّف في الإسلام.
стр. 151
فذلك كلُّه عيَّن عندي أن يكون مالكٌ مجددَ أولِ القرن الثاني، وأرى أنه لم يشاركه أحدٌ في تجديد أمر الدين من ناحية لحقت الدين منها رثاثة. فطريقةُ مالك ﵀ هي التي كانت الطريقَةَ المثلى للتمييز بين الصحيح والسقيم من الآثار، وقد ذهب بها جُفاء ما طرأ على الرواية من الخلل. وقد أصبحت تلك الطريقة مسلوكة إلى يومنا هذا، فهو مجددُ طريقة، وأصلٌ عام في التحمل.
[المائة الثالثة]:
وما فرغ المسلمون من علم قواعد التحمل، ومعرفة المقبولين والضعفاء والمدلسين، حتى طفحت الرواياتُ عليهم من كل مكان: فمن صحيح وعليل، وأصيل ودخيل، فأصبح الناسُ في حيرة في مقام التمييز، لاحتياجه إلى علاج بوسائل القواعد، وذلك على الناس عزيز. فكانوا بحاجة إلى تدوين كتاب يجمع صحاحَ الآثار في كل نوع من أنواع التشريع، ويدحض ما عداها، فكان محمد بن إسماعيل البخاري للأمة شمسَ هداها؛ إذ ألف الجامع الصحيح فاطمأنت نفوسُ المؤمنين، وألغوا كل معروف بالوضع وكل ظنين.
كان ابتداءُ ظهور عمل محمد بن إسماعيل البخاري في مبتدأ القرن الثالث من يوم قال رسول الله ﷺ مقالته تلك، أعني في حدود سنة ٢١١ هـ. وقد كان هذا التجديد لناحية من الرثاثة في الدين، وهي رثاثةُ التساهل في الحديث من حيث جزئيات الأحاديث، لا من حيث الأصلُ الكلي. فذلك وجهٌ غير الذي لمالك، وإن جرى على أصل مالك؛ لأن البخاري جدد طريقةَ تمييز أعيان الأحاديث، ومالكًا جدد طريقةَ تأصيل قواعد الأخذ للسنة، وتخريج الأحاديث التي هي أصولٌ للتفقه في الدين من صحيح الآثار.
هكذا مضى المسلمون آمنين في طريق نقل الآثار الشرعية، ومسالك التفقه في الدين والتفريع فيه؛ فظهر الحقُّ من الباطل، واستبانت السننُ من الابتداع. فكان أهلُ السنة وأهلُ الحق غالبين مَنْ يغالبهم من أهل الأهواء والبدع الذميمة، وكان
стр. 152
العلمُ الغالب في تلك القرون هو النقل والآثار، ولم يكونوا بحاجة إلى تجديد في علم الفقه، ولا في علم التوحيد.
[المائة الرابعة]:
وفيما هم على تلك الحال من الهدى إذ نبعت فيهم فئاتٌ يخوضون في أصول الدين خوضًا يشوب الأدلةَ الشرعية بالأصول الفلسفية، ويُعلنون أن الحقَّ هو الذي يجب أن يكون رائدَ المسلم في أصول الاعتقاد، ويردُّون الأدلةَ السمعية التي تخالف الأصول التي أصَّلوها ردًّا بالتأويل أو الإبطال. وكانوا قد درسوا ما تُرْجِم من علوم الأوائل، وأصبحت مبثوثةً بينهم وبين أتباعهم. وصاروا يتبجحون على مخالفيهم بأنهم لا ثقةَ بعلومهم؛ لعدم ارتياض عقولهم بالعلوم الحقيقية. فدخلت بذلك على الأمة فتنٌ في عقائدها، كانت أولاها فتنة القدر، ثم فتنة خلق القرآن، وتبعتها فتنةُ الاستثناء في الإيمان، وفتنة صحة إيمان المقلد، وفتنة خلق الأفعال، وغيرها.
فوجم أهلُ السنة وجمةً عضُّوا عندها على اعتقادهم بالنواجذ؛ فرثَّ الإسلامُ من ناحية العقيدة رثَّةً استدعت رحمة الله بأهله وضمانه لحفظه لأن يقيض مَنْ يذبُّ عن السنة، ويزيف مذاهبَ أهل الأهواء بنصب أدلة من نوع ما موَّهوا به على الناس، وذلك هو إمام المسلمين الشيخ أبو الحسن الأشعري.
كان الشيخُ من أتباع مذهب الاعتزال، فأنهضه الله للذب عن السنة، وبَيَّنَ له سُقمَ كثير من أصول المعتزلة، فانبرى لتأييد العقيدة الإسلامية السنية. وكان انتقالُه إلى أتباع السنة منذ سنة ٣٠٠ هـ، وأخذ يدلل العقائدَ بالأدلة الفلسفية، ويُعَضِّدُ بِها الأدلةَ السمعية، فتم عمله في حدود سنة ٣١٠ هـ. وتوفي سنة نيف وثلاثمائة وثلاثين، وقيل سنة ٣٣٠ هـ ببغداد. فهو مجددُ رأس المائة الرابعة، ولا أجدرَ منه بهذه المزية من علماء ذلك القرن.
لا بأسَ على المسلمين بعد ذلك في أمور شرعهم واعتقادهم وسلطانهم، ولكن ما طلع القرن الرابع، ولاح ظلُّه حتى حدثت في الإسلام دول كثيرة، وادعى
стр. 153
كلُّ زعيم في صقعه السلطانَ لنفسه، وضعف أمرُ الخلافة العباسية لظهور الدولة السامانية (١) فيما وراء النهر، والدولة البويهية في العراق، ودولة بني طولون بمصر، والدولة الصغارية بسجستان وخراسان، ودولة بني حمدان بالموصل والجزيرة والشام.
وفي أول هذا القرن ابتُلِىَ المسلمون بولاية الحاكم الفاطمي مُلْكَ مصر، وتفاقم حزبُ غلاة الشيعة بسائر أقطار الإسلام إدلالًا بملوكهم في مصر، وأنصارهم في الأقطار بالعراق والشام وجباله، وبإفريقية. وآلت الحال بالحاكم إلى أن ادعى الإلهية، واستوزر حمزةَ زعيم الإسماعيلية من الفاطمية، فأصبح المشرقُ والمغرب في مرج وفتنة من جراء تعدد الدول، وظهور ضلال النحل، وأصبحت قوةُ دول الإسلام مسلطة على أنفسهم بالحروب الطاحنة التي أزهقت النفوس، وكانت قصاراها أخذًا وردًّا في أصقاع الإسلام. فضعفت السلطنةُ الإسلامية وجاه أعداءُ الإسلام، وانقطعت الفتوحُ وبَثُّ الدعوةِ الإسلامية الذي كان من أمر الدين منذ ظهر الدين.
فظهر السلطان محمود بن سُبُكْتُكِين الغزنوي يمين الدولة، وصار إليه الملك بغزنة سنة ٣٨٨ هـ، وكان من أشد الثوار المتغلبين على الدولة العباسية، ومسّ بحروبه سائر الممالك التي استبدت على الدولة العباسية. كان محمود بن سُبُكتكين بَدَا له في سنة ٣٩٢ هـ أن يأتي عملًا يكون كفارة عما فرط منه في ابتداء تأسيس سلطانه من قتال المسلمين؛ فصمم العزمَ على أن يفتح للإسلام بلادَ الهند، فأخذ يستعد لغزو الهند، وهجم على تخومها، وكان يفتح البلاد، ويحمل أهلها على الإسلام.
وكانت الحربُ سجالًا، والهدنة تعقب قتالًا، وكان ملوك الهند كلما أحسوا بانصراف يمين الدولة عنهم نقضوا طاعتَه وكفروا، إلى سنة ٤٠٦ هـ[حينما] غزا الهندَ غزوتَه الفاصلة، فجهَّز جيشًا عظيمًا، فابتدأ بغزو بلاد الأفغان، ثم اخترق بلادَ
стр. 154
الهند وعبر نهر الكنك، (١) وأوقع ببلاد الهند وقائعَ عظيمة. فلما رأى ملوكُ الهند أن لا قِبل لهم بمقاومته، اجتمعوا على أن يراسلوه في الصلح، وبذلوا الطاعةَ له، فتم له استصفاء بلاد الهند في سنَتَيْ ٤٠٩ و ٤١٠ هـ، وصارت بلاد إسلام.
واعلم أن يمينَ الدولة محمودًا لم يكن في أعماله خِلْوًا عن إرشاد علماء الشريعة؛ فقد كان من أكبر مرشديه الإمام الجليل الأستاذ أبو حامد الإسفراييني أحمد بن أبي طاهر الفقيه الشافعي المتوفَّى سنة ٤٠٦ هـ، وهو الذي توسط لدى الخليفة القادر بالله في ولايته كورة (٢) خراسان وما إليها، وتلقيبه يمين الدولة. وقد جاء في التقليد الذي صدر له من دار الخلافة هذه الفقرة: "وليناك كورة خراسان، ولقبناك يمين الدولة بشفاعة أبي حامد الإسفراييني". (٣)
[المائة الخامسة]:
وكان من جملة العلماء الذين اتصلوا بيمين الدولة أبو القاسم عبد الله القَفَّال (٤) المروزي، الفقيه الشافعي المتوفَّى سنة ٤١٥ هـ، وهو الذي صلى بحضرته صلاةً لا تصح إلا على مذهب الشافعي - والشافعي موافقٌ فيها للجمهور - وصلاة تصح على مذهب أبي حنيفة، فرأى السلطان ذلك كافيًا في ترجيح مذهب الشافعي في نظر
стр. 155
السلطان ترجيحًا خطابيًّا يناسب أفكار العامة؛ فكانت سببًا في تقلد السلطان مذهب الشافعي.
فالتجديد في صدر هذا القرن تجديدٌ سياسي، وليس تجديدًا علميًّا إلا من فتنة الحاكم بمصر، وتفشي أنصاره في الشام وجبالها وبعض بلاد العراق والموصل، وتطاوله على أهل السنة، [وقد] أفضى ذلك خلال السنين إلى حدوث المَقَاتِل بين أهل السنة والشيعة فكانت في سنة ٤٠٧ هـ فتنة كبيرة بين أهل السنة والشيعة في واسط وفي القيروان بإفريقية، وكان مثار هذه الضلالات والفتن والمقاتلات الحاكم وأتباعه. فيمكن أن نعد في المجددين الرجلين المجهولين اللذين قتلا الحاكم سنة ٤١١ هـ بسعي القائد ابن دوّاس، أحد قواد الحاكم بمصر، وبإغراء ست الملك أخت الحاكم. (١)
[المائة السادسة]:
فإن قال قائل: (٢) كيف تعد محمودًا الزمخشري في مجددي أمر الدين؟ فإن ظاهر كلام الرسول ﵇ ينبئ بأن هذا التجديد مزية دينية، وأن القائم به ميسر من
стр. 156
إلهه لهذا العمل الصالح فيظهر أنه معدود من صالح المؤمنين، وأنت تعلم أن الزمخشري كان معتزلي العقيدة مخالفًا لعقيدة أهل السنة، فهل يتلاقى اعتقاد الاعتزال والقيام بتجديد الدين في ذات واحدة؟
قلت: أنا لا أجهل أن الزمخشري كان من المعتزلة العدلية، فإن صح أنه قد رجع عن ذلك إلى عقيدة أهل السنة كما نحاه كثير من علمائنا، فالجواب عن السؤال ظاهر. غير أنِّي لا أطمئن إلى هذه الأمنية، ولا أحسب الزمخشري قد رجع عن مذهب الاعتزال مع كونه من أساطينه، وحينئذ فأنا أجيب السائل بأن الخلاف بيننا وبين المعتزلة العدلية خلافٌ في أمور خفيفة هي مجالٌ للاجتهاد ومثارة من الأدلة التي تعلقوا بها فيما خالفونا فيه، وتلك الأدلة وإن كان أكثرُها ضعيفًا فليس فيها مخالفة للقواطع.
ولذلك فهم أقربُ المخالفين لنا في مسائل الاعتقاد، وجميع ما خالفنا المعتزلةُ فيه من مسائل العقائد لا يترتب عليه استحلالُ حرام، ولا استباحةُ دمِ المخالف ولا ماله ولا تكفيرُه. فهم يعتقدون عصمةَ الرسل، وعدالةَ أصحاب رسول الله ﷺ ، ويعظمون آلَ رسول الله، ويرون حُرمةَ دم ومال وعرض مَنْ قال: لا إله إلا الله. ولا يكفرون أحدًا بذنب من أهل القبلة، ويثبتون صفات الكمال له تعالى، ولا يعطلون آيات الوعد والوعيد، ولم يقع بينهم وبين أهل السنة قتال. وغايةُ أمرهم أنهم يتطاولون في الاستدلال على أهل السنة بعبارات بذيئة، وذلك لا يخلو منه المختلفون في المسائل العلمية بإفراط أو إقلال.
وأيضًا فإن جميع المعتزلة العدلية متبعون في الأعمال الفرعية أحدَ مذاهب السنة فيها، لا سيما مذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي رحمهما الله؛ لأن الاعتزال لا علاقةَ له بالأعمال، ولأنهم لا ينتقصون أئمة المذاهب. فمعتقدُهم لا أثرَ له في الأمور العلمية، ولا يُفضي إلى ارتكاب ما يُخالف شرائعَ الإسلام.
إذن فاعتقادُ الاعتزال ليس فسقًا، وقد صرح علماؤنا بأن حالَ المخالفين لنا في الاعتقاد مع التزام عقيدة الإسلام إذا لم يصرحوا بالكفر، بل قالوا مقالاتٍ تجر إلى
стр. 157
الكفر أو إلى مخالفة ظواهر الأدلة من الكتاب أو السنة، يرجع النظرُ في تكفيرهم أو تفسيقهم إلى قاعدة أصلية، وهي قاعدةُ المؤاخذة بلازم المذهب. فمِنَ العلماء مَنْ يرون لازمَ المذهب مذهبًا، فيرتِّبون على أقوال الفرق المخالفة لنا في الأصول ما يلزم أقوالَهم لزومًا بيِّنًا، فإن لزم منه إبطالُ أصلٍ من أصول الإيمان، أو إنكارُ معلوم بالضرورة يعتبرونهم كفارًا أو فَسَقة، على تفاوت قوة اللزوم وضعفه، وهؤلاء أمثال الشيعة الغرابية والباطنية.
وعلى اختلاف العلماء في اعتبار اللازم مساويًا للملزوم، أو اعتباره دون ملزومه فيما يترتب عليه وإن لم يلزم من مذهبهم كفر، ولكن يلزم منه فسق، مثل الحرورية الذين يكَفِّرون الفرقَ الإسلامية عدا فرقهم، ومثل الخطابية المجوِّزين للكذب في الرواية والشهادة، ومثل المرجئة النافين للوعيد، ومثل الذين يقولون بكفر مرتكِبِ الكبيرة.
فهؤلاء فساقٌ عندنا وليسوا كفارًا؛ لأن مقالاتهم لا تفضي إلى إنكار أصلٍ من أصول الإيمان، ولكنها نشأ عنها أعمالٌ هي كبائر، كاستباحة دماء كثير من المسلمين العصاة. وإن لم يلزم من مقالاتهم شيءٌ إلا الخطأ في العلم والدين في مسائل النظر، فهم مخطئون وليسوا كفارًا ولا فساقًا، مثل المعتزلة. وكذلك فرقُ الشيعة الإمامية الذين يفضلون عليًّا على أبي بكر. والخطأ العلمي لا ينافِي الصلاحَ في الأعمال.
وأما العلماء الذين لا يرون لازمَ الذهب مذهبًا، فهم لا يعتبرون إلا حالةَ لوازم أقوالهم وما يترتب عليها من أعمالهم، فكانوا يعدون غلاةَ الفرق المخالفة فساقًا، ولا يعدون من عداهم فساقًا. قال شهاب الدين القرافي في تنقيح الفصول: " [وأما المبتدعة] فقد قبل البخاريُّ وغيره روايتهم، كعمرو بن عبيد وغيره من المعتزلة، نظرًا إلى أنهم من أهل القبلة"، (١) يعني نظرًا إلى أنهم ليس في أقوالهم ما ينشأ عنه ارتكابُ أعمال من الكبائر.
стр. 158
وفي كتاب الجنائز من المدونة قال مالك: "لا يُصَلَّى على أحد من أهل الأهواء". قال أبو الحسن في شرحه: "اختلف المالكيةُ في تأويل قول مالك: فقال سحنون: إنما أراد به التأديبَ وكراهيةَ مخالطتهم، ووافقه ابنُ رشد على ذلك وجماعة، أي: لا يصلي عليهم أهلُ السنة، وإنما يصلي عليهم أهلُ نحلتهم. ألا ترى أن مالكًا لم يُفتِ بأنهم لا يُدفنون في مقابر المسلمين ولم يصرح بأنهم يُتركون بدون صلاة عليهم؟ ولأنه لو لم يوجد في البلد الذي مات فيه أحدٌ من أهل الأهواء مَنْ يصلي عليه من أهل نحلته، يُترك بدون صلاة عليه. وقال غير سحنون: أراد مالك أن أهلَ الأهواء كفار، وأنهم لا يُصلَّى عليهم، ولا يُدفنون في مقابر المسلمين". (١)
стр. 159
وإن فقهاءَنا اختلفوا في صحة الصلاة خلفَ المبتدعة، فقال ابنُ القاسم: "يعيد المصلي في الوقت"، فلم ير الابتداعَ مبطلًا للصلاة. وقال كبارُ أصحاب مالك وسحنون: لا إعادةَ عليه الصلاة. وعن الإمام ﵀ التوقفُ في الإعادة. (١) وقال ابن عبد الحكم: يعيد أبدًا. (٢)
وإن ذلك كله في أهل الأهواء، أي الذين يفسرون متشابهَ القرآن على حسب هواهم. ألا ترى أن أئمة الحديث قالوا بقبول رواية المسلم العدل الذي يعتقد عقيدةً باطلة لا تنافِي الإسلامَ بشرط أن تكون بدعتُه لا تبيح له الكذب؟ وزاد مالك ﵀ على ذلك شرطًا، وهو أن لا يكون داعية إلى عقيدته. (٣) ولم يزل كثيرٌ من عظماء المعتزلة مشهودًا لهم بالتقوى والورع، منهم عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الذي قال فيه أبو جعفر المنصور:
"كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْد ... كُلُّكُم يَطْلُبُ صَيْد
غَيْرَ عَمْرو بنِ عُبَيْد". (٤)
стр. 160
وقد كتب الإمام الحافظ أبو الطاهر أحمد السِّلَفي (١) الأصفهاني الشافعي (المتوفَّى سنة ٥٧٦ هـ) إلى العلامة محمود الزمخشري يطلب منه الإجازةَ في جميع سماعاته وإجازاته ورواياته من الحديث والعلوم. وكتب القاضي أبو الفضل عياض المالكي الشهير إلى الزمخشري يستجيزه كذلك. (٢)
وهل يُظَنُّ بأمثالهما روايةُ حديث رسول الله عمَّنْ في دينه مَغْمَز؟ وقد كان العلامة الزمخشري في الورع والتقوى بتلك المثابة حتى لقد بلغت به الخشيةُ مبلغًا عظيمًا كما هو مسطور في ترجمته، ولقد لقبه علماء الإسلام بلقب "جار الله"، وقد كتب تفسير الكشاف في المسجد الحرام.
وقد جَوَّز ابنُ الأثير في جامع الأصول أن يُعَدَّ في مجددي رأس المائة الرابعة الشريفُ الرضا علي بن موسى من أئمة الإمامية، وأن يُعد في مجددي رأس المائة الثالثة أبو جعفر محمد بن يعقوب الرازي من الإمامية، مع أن الإمامية يخالفون أهلَ السنة في عقائدهم خلافًا أشدَّ من خلاف المعتزلة. وحسبُك منه مسألةُ التفضيل، ومسألة تفسيق كثير من الصحابة. (٣) وحيث قد توفر فيه المقتضي وانتفى المانع، فما أنا في عده مع المجددين ببادع. على أننا لو شئنا أن نقول بالتفكيك بين الصلاح الاعتقادي والقيام بتأييد الدين عن حسن نية، لم يكن ذلك بعيدًا؛ إذ قد أصَّلْنا أن للدين في كل ناحية تجديدًا.
стр. 161
اشتد ساعدُ الدولة الإسلامية، ونضجت حضارةُ المسلمين من سائر نواحيها، فأصبحوا أمةً مستكلمةَ الجهاز في كل ما تسابقت فيه الأمم الماضية والمجاورة من ميادين الحضارة والرقي: تفكيرًا وعلمًا، ونظامًا ورفاهية، وقوة وسيادة على العالم.
وتوفر لدى المسلمين في خلال القرون الخمسة التي مضت من وقت ابتداء الجامعة الإسلامية ما لم يتوفر لغيرهم من الأمم الحاضرة والغابرة، فطنوا أن الدهر طوع أمرهم والحوادث لا تسير إلا على حسب مناهم، وأنساهم توالِي النعم ما تأتِي به الحوادثُ من الرزايا. وما درَوْا أن الدهر الذي يواجههم بقوله: "ملكت يداك"، (١) هو ينشد من ورائهم في التفاته: "غير لاه عداك". (٢)
стр. 162
[المائة السابعة]:
أُصيب المسلمون في آخر القرن السادس وأول القرن السابع بمصائب يتلو بعضُها بعضًا، ولا يخلصون من واحدة إلى غيرها إلا كالمستجير بالنار من الرمضاء. فكانت الفتنُ متأججة فيما بين أنفسهم وفيما بينهم وبين أعدائهم: هنالك مواثبة الإسماعيلية، وتخالف ورثة السلطان صلاح الدين بن أيوب، وحروب خوارزمشاه مع الغورية في بلاد العجم وغيرها. وهناك وصول الإفرنج والألمان إلى شطوط الشام ومصر، وقد أشرفوا على امتلاك سائر القطرين. فارتبك حالُ القرن السابع على مريد التمييز، ولم يتعين من انبرى فيه لأمر المسلمين بالتجديد والتعزيز.
فكان حقًّا علينا أن نصف حالَ هذا القرن وصفًا نترك فيه الحكمَ للناظر المتبصر، ذلك أنه ما استهل القرن السابع حتى كانت الحروبُ قائمةً في بلاد الإسلام من كل مكان. فكان النصارى آخذين بمخانق البلاد الشامية والمصرية التي كانوا يتنازلونها من أواخر القرن السادس، (١) وكان قد عرض لهم فتورٌ في أوائلَ القرن السابع، فنهض البابا صاحبُ رومة، وندب ملوكَ النصارى إلى إمداد الجيوش المحتلة بالشام ومصر، فوصلت إليهم أمداد عظيمة فيما بين سنة ٦١٢ هـ وسنة ٦١٤ هـ.
وكان صاحبُ مصر والشام والجزيرة يومئذ الملك العادل ابن أيوب أخي صلاح الدين، فندب الملكُ العادل ابنَه الملك الكامل ليخرج يواجه جيوش النصارى في دمياط، وما لبث أن مرض الملك العادل واضطرب أمرُ المسلمين، وتنمَّر الأعداءُ للمسلمين في البلاد المصرية والثغور الشامية. وتوُفِّيَ الملكُ العادل، وخلفه ابنه الكامل في ملك مصر، وخاف الناس على مصر والشام أن يمتلكها
стр. 163
النصارى، وصاروا يتوقعون البلاءَ صباحًا ومساء، حتى أراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفًا من العدو الذي أحاط بهم من كل مكان.
ولولا أن الملكَ الكامل منعهم من الجلاء لتركوا البلاد خاوية على عروشها. فلما جلَّ الخطبُ وعظم الكرب، تابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه الملك المعظم صاحب دمشق والملك الأشرف صاحب الجزيرة وأرمينية يستنجدهما ويحثهما على الحضور بأنفسهما أو يرسلان العساكر إليه. فسار الملك المعظم إلى أخيه الملك الأشرف لينضم إليه ويسيرا معًا، فوجده مشغولًا عن الإنجاد بما دهمه من اختلاف الكلمة في مملكته، مع بعد مملكته عن أن يمسها ضرر من الفرنج.
فرجع الملك المعظم، ولم يجد هو ولا أخوه الملك الكامل وسيلةَ خلاصٍ من تلك الورطة إلا بعثَ الرسل بين المسلمين وبين الإفرنج في تقرير قاعدة للصلح بين الفريقين، وبذل المسلمون للفرنج بيت المقدس، وعسقلان، وطبرية، وجبلة، واللاذقية، وجميع ما فتحه صلاح الدين من البلاد الشامية مما كان استحوذ عليه الفرنج في القرن السادس ما عدا الكرك. بذلوا ذلك للفرنج على أن يسلم الفرنج دمياط للمسلمين، فلم يرض الفرنج بذلك، وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضًا عن تخريب المقدس ليعمروه بها، وأن يكون الكرك أيضًا في جملة ما يسلم للفرنج. ولم يتم بينهم وبين المسلمين تراض، وبقيت الحرب ترسل من لهيبها كل شواظ.
وما عَتَّمَ أن زال الخلافُ من مملكة الأشرف، وأطاعه الملوك الخارجون عنه، واستقامت الأمورُ هنالك، فعادت المراجعةُ بينه وبين أخويه الكامل والمعظم. سار الملك الأشرف إلى دمشق بجند عظيم، ولما رأى قوةَ الفرنج غير منصبة على البلاد الشامية أكمل السيرَ إلى مصر، وواجه مع أخيه الكامل جيش الفرنج في بحر أشمون. (١) ونزل جيشُ المعظم دمياط، ثم عرج إلى أشمون، فاستبشر المسلمون
стр. 164
بذلك وتفاءلوا، وقويت نفوسُهم، ودبروا المكيدةَ لجيش العدو أن يفجروا النيل إلى الجهة التي بها ذلك الجيش فغمرتها المياه، ولم يبق لجيش الفرنج جهةٌ يسلكون منها إلا جهة واحدة ضيقة.
وانتصبت جسورُ المسلمين على النيل عند أشمون، وعبرت عليها عساكرهم، فملكوا الطريقَ الذي يستطيع الفرنج سلوكه إلى دمياط، وقاتلوا سفائن الفرنج المشتملة على الذخائر الحربية والميرة. فلما لم يبق للفرنج مخلص، سُقط في أيديهم، وراسلوا الملكين الكامل والأشرف يطلبون الأمان، وتم الصلح على إرجاع دمياط للمسلمين، وأخذ المسلمون عشرين بين ملك وأمير من الفرنج رهائن على تسليم دمياط. فيكون الملك الكامل صاحبُ مصر هو المجدد على رأس المائة السابعة، بمعونة أخويه الملك الأشرف والملك المعظم.
وفيما الناسُ بَهِجُونَ بخضد شوكة المعتدين من النصارى وإجلائهم عن معظم البلاد بالشرق، إذ طلعت سنةُ سبع عشرة وستمائة (٦١٧ هـ) بنار فتنة طار شررُها ولم يلبث أن صار لهيبًا، تلك هي فتنةُ ظهور جنكيز خان ومَنْ معه من التتر - وهم يومئذ كفرةٌ مفسدون في الأرض، مناوئون للمسلمين - إذ خرجوا من تخوم الصين في حدود تركستان، وجاسوا خلال بلاد الإسلام، وتكالبوا على المسلمين. وحسبك وصفا لحالهم كلامُ ابن الأثير في تاريخه الكامل، وقد شهد وقت ظهورهم وخرج من الدنيا ولم يدر إلى أين مصيرهم، قال: "من ذا الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن ذا الذي يهون عليه ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عمت الخلائقَ وخصت المسلمين، فلو قال قائلٌ إن الناس منذ خلق آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا". (١)
стр. 165
قصد التتر كاشغر من بلاد تركستان، ثم منها إلى سمرقند وبخارى. وعبرت طائفةٌ منهم خراسان، ثم الري وهمذان وبلاد الجبل إلى حدود العراق، ثم قصدوا أذربيجان وأرانية وإيران ودربند وشروان وإبلان واللكز وبلاد قفجاق. ومضت طائفةٌ منهم إلى غزنة وما جاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان، فما مضت سنةٌ حتى احتلوا أكثرَ بلاد الشرق وأهمَّ معمور البلاد الإسلامية وأحسنَه وأكثره عمارة، فأوسعوا أهلَ تلك الأقطار قتلًا ونَهْبًا والبلاد تخريبًا وإفسادًا، حيث لم يبق أحد من المسلمين إلا وهو خائف وجل، ولم ينج منهم إلا قليلٌ من الناس فروا إلى الغياض ورؤوس الجبال.
ولا يُجهَلُ ما أصاب مدينةَ بغداد وحضارتها من جراء عبثهم على يد سلطانهم هولاكو سنة ٦٥٦ هـ. ومما أعانهم على هذا الانتشار أنهم لا يحتاجون إلى ميرة ولا إلى مدد يأتيهم؛ لأنهم استصحبوا معهم بقرَهم وغنمهم وخيلهم يأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها، ولا يعلفون دوابهم؛ لأنهم عودوها أن تبحث في الأرض بحوافرها وتأكل عروقَ النبات، وكادوا أن يستأصلوا الإسلام في أهم مواطنه.
والتتر يومئذ يدينون بالمجوسية: يعبدون الشمس، ويسجدون لها عند طلوعها، وليس في دينهم تحريمٌ لشيء من الأعمال. (١) وأولُ مَنْ قصدوه بالحرب من ملوك الإسلام محمد خوارزمشاه الذي انفرد يومئذ بملك المشرق، وقاتل معظم ملوك
стр. 166
البلاد. فهزموا خوارزمشاه، فلما هزموه لم يبق في البلاد مَنْ يحمي الممالك من هؤلاء المفسدين. دام حالهُم على ذلك نحوًا من تسعين سنة إلى أن أسلم ملكُهم خربند بن أرغو بن أبغابن هولاكو، وقتل قطلوشاه آخر المشاهير من أمرائهم وقواد جيشهم. (١)
وقد ابتدأ تطرقُ الديانة الإسلامية بين أمراء التتر من منتصف القرن السابع، ولكنه كان تطرقًا بالهوينا؛ ذلك أن شمس الدين الباخوري - كبير الصوفية في بخارى وأحد أصحاب نجم الدين - خاطب أميرهم بركا بن دوشي خان الذي وَلِيَ مُلك التتر سنة ٦٥٢ هـ يدعوه إلى الإسلام، فأعمل بركا الرحلة إلى بخارى للقاء شمس الدين وأسلم، وعاهده على إظهار الإسلام بين قومه، وبنى مساجد ومدارس في جميع البلاد - إيران، وهمذان، وتبريز والمراغة. ووصى الشيخُ الباخوري السلطانَ بركا بأن يكون صديقًا للخليفة المستعصم العباسي. غير أن إسلام السلطان لم يتجاوزه إلى عامة التتر، فبقوا كفرة ولم يستطع كفَّهم عن الهجوم على ممالك الإسلام، سوى أنه صد أخاه منكوفان أحد قواد جيوش التتر عن الهجوم على ممالك الخليفة المستعصم. (٢)
ولم يُجْدِ ذلك أمام عزم هولاكو على غزو بغداد سنة ٦٥٦ هـ، ومضت فترةٌ من الزمن إلى أن وَلِيَ تكدار بن هولاكو سنة ٦٨١ هـ فأظهر الإسلام. وكان الذي دعاه إلى الإسلام الشيخ قطب الدين محمود الشيرازي العلامة الجليل الشهير وهو يومئذ قاضي سيواس، (٣) وكتب الملك بذلك إلى ملوك عصره. (٤) ولا شك أنه كان يرمي
стр. 167
بذلك إلى تحصيل هدوء الممالك الإسلامية في وجهه بعد أن صار معظمُها في دائرة مفتوحاته، إلا أن قومه نقموا عليه الانتقالَ من دينهم، فثاروا عليه وقتلوه.
[المائة الثامنة]:
ثم مضت فترة أخرى إلى سلطنة خربند بن أرغون بن أبغا بن هولاكو سنة ٧٠٢ هـ، فأسلم وتسمى محمدًا، وأناب عنه قطلوشاه أحد أمرائهم الكفرة في غزو البلاد، فدامت النكاية بالمسلمين. ولم يُخلص التتر الإسلامَ إلا بعد موت قطلوشاه سنة ٧١٤ هـ، فحينئذ قُطعت جرثومةُ الوثنية في ملوك التتر وجندهم، فصاروا إخوةً لبقية المسلمين، وسلم المسلمون من مصائب استئصالهم، واعتز بِهم الإسلامُ بعد أن كانوا يُعجِّلون إلى نكايته.
فبحق يعد الملك خربند التتري ومَنْ حَفَّ به من العلماء والصوفية هم مجددي رأس المائة الثامنة. ومِمَّنْ يُعرف من هؤلاء العلماء نظامُ الدين محمود الشيباني، وبدر الدين محمد بن جماعة الشافعي، وتقي الدين أحمد بن تيمية الحنبلي، وجلال الدين محمد القزويني الشافعي، ﵏ أجمعين.
لم يكن المشرقُ الإسلامي في هذا القرن منفردًا بالمصائب والمحن، فقد شاركه المغرب في ذلك. ففي بلاد الأندلس قد اشتدت شوكةُ ملوك الجلالقة على ملوك الإسلام بعد وقعة العُقاب سنة ٦٠٠ هـ، ثم تلتها حوادثُ في مدة السلطان محمد بن محمد بن يوسف من بني الأحمر - ملك غرناطة من سنة ٦٧٢ هـ، إلى سنة ٧٠٢ هـ - تكالب فيها العدوُّ على بلاد الأندلس إلى أن جرى النصرُ على يد السلطان إسماعيل بن فرج من بني الأحمر سنة ٧١٩ هـ، فتنفس الحال عن المسلمين بالأندلس مدة طويلة. فلا يبعد أن يكون السلطان إسماعيل فرج سلطان غرناطة في عداد المجددين للإسلام في رأس المائة الثامنة.
وُجد الإسلام في قارة آسيا مقر الحضارة العتيقة، فنشأ بالحجاز في وسط حضارة بسيطة، وسرى متدرجًا في أقطار الحضارات الكبرى من العراق والشام
стр. 168
وفارس، ثم تطرق إلى قارة إفريقيا، فدخل مصر وبرقة وإفريقية والمغربين (١) والصحراء. فمازج الحضاراتِ العتقيةَ كلَّها ومازجته، فلم يكن المسلمون في القرون الأولى من تاريخ الإسلام تقصر حضارتُهم عن حضارة أفضل الأمم المتمدنة، بل كانت تفوقها بما عليه المسلمون من التخلق بالفضائل الإسلامية.
وكانت أوروبا أيامئذ منقسمة قسمين: قسم شرقي وهو المجاور لبلاد الشام وهو المسمى بيزنطة وعاصمته القسطنطينية، وحضارته تساوي أو تفوق حضارات أفضل الأمم الأخرى، وقسم غربي وهو المجاور لإفريقيا، وأشهر عواصمه رومة، ولم يكن يومئذ يداني حضارة القسم الشرقي، على أن معظم بلاده لم يكن ذا حضارة معتبرة. ولقد وطئت أقدامُ المسلمين غربَ أوروبا بفتح بلاد الأندلس، وتوغلوا فيها زمنًا مستقرين أو مناوشين، فنشروا هنالك حضارةً وقعت من أمم غرب أوروبا بمحل الإعجاب، وكانت لفتح عين نهضتهم أكبرَ الأسباب.
وقد أخذت ممالكُ أوروبا في القرن الرابع عشر من تاريخهم المسيحي تسعى بخطًى واسعة إلى تأسيس تمدن منتظم، وحضارة فكرية سامية ومتماثلة تؤذن بما سيكون لممالك هذه القارة من الشأن والاتحاد التمديني في تاريخ التمدن الحديث، وسيادة العالم عن قريب. وكانت أوروبا الشرقية حينئذ مندحرة إلى السقوط والانحلال، فكان مستقبل سيادة العالم صائرًا إلى غرب أوروبا. ويومئذ كان المسلمون متزحزحين عن ممتلكاتهم الوحيدة في أوروبا، وهي كُوَر بلاد الأندلس؛ إذ قد استرد ملوكُ الجلالقة معظمَ تلك البلاد التي انتزعها منهم المسلمون.
فانحصر مُلْكُ المسلمين في أواخر القرن الثامن الهجري وأوائل التاسع في رقعة ضيقة من أرض الأندلس هي كورة ألبيرة، وهي قطعة بين مدينة رندة (٢)
стр. 169
ومدينة ألبيرة (١) من الغرب إلى الشرق في مسافة عشر مراحل (أي ثلاثمائة ميل)، وفيما بين البحر الأبيض وبين غرناطة من الجنوب إلى الشمال في مقدار مسافة واحدة (أي ثلاثين ميلًا). على أن تلك القطعة لم تلبث أن سُلبت منهم فيما بعد، فيعد المسلمون يومئذ في حكم المسلوبين من الملك في أوروبا.
فلو بقيَ المسلمون منزوين في آسيا وإفريقيا لكانوا عاكفين على حضارة قديمة، ولمَا نالهم شيءٌ من سريان تلك الحضارة الجديدة، وما استطاعوا أن ينغمروا فيها، ولكان حظُّهم عند استتباب العظمة لأوروبا هو الخمول والخضوع تحت سلطان أوروبا للعجز عن مجاراة أممها الناهضة. ولا ندري مقدارَ ما كان يحصل من الوهن والضعف في السلطنة الإسلامية، وإلى أين يرمي ذلك الضعفُ بحكومة الإسلام من مرامي الإهمال تجاه الأمم المعاصرة.
فكان لزامًا لاستبقاء حضارة المسلمين وقوتهم وحظِّهم من السيادة في العالم المتمدن الذي هو بصدد التكون، أن تكون لهم قدمٌ في أوروبا - مهد تلك الحضارة الجديدة. وكان امتلاكُ عاصمة شرق أوروبا أجدَى على المسلمين من امتلاك بلاد الأندلس؛ لأن تلك العاصمة هي بابُ أوروبا كلها. وهي الحدُّ الجامع بين آسيا وأوروبا، وهي برزخُ الحضارات المتنوِّعة الكائنة حولها ووراءها، فلا يُجهل ما يكون لِمَالكها من الفائدة في عظمة السلطان وارتقاء المدنية والحضارة. وهي من جهة أخرى مجاورةٌ لأعظم ممالك المسلمين ولمقار قوتهم وعتيد جيشهم، فهم فيها أمكنُ
стр. 170
قدمًا منهم في بلاد الأندلس؛ فإن توغل المسلمين في بلاد الأندلس وإن كان مفخرًا تاريخيًّا ومنبعًا لحضارة دامت عدةَ قرون، كان أيضًا غلطًا سياسيًّا، يشبه غلطَ المسيحيين في توغلهم في بلاد الشام ومصر في عهد الحروب الصليبية.
وقد ظهرت نتائجُ ذلك الغلط عندما ضعف نفوذُ الخلافة الإسلامية في الأندلس حين قيام عبد الرحمن بن معاوية الأموي باستقلال الأندلس، وزادت نتائجُ تلك الغلطة اتضاحًا عندما انفصلت إفريقية عن الخضوع إلى الخلافة الفاطمية في مدة المعز بن باديس الصنهاجي سلطان إفريقية، فلم يبق بين قوة المسلمين في الشرق وبين مسلمي الأندلس اتصال، وهناك انفتحت أبوابُ الخطوب على مسلمي الأندلس، وصارت بلادُهم تنقص من أطرافها.
وكان نشرُ سلطان المسلمين في أوروبا قد خطر ببال خلفاء الإسلام من عهد معاوية الأول الخليفة الإسلامي الأموي الجليل، إذ كانوا جرَّدوا حملاتٍ لفتح القسطنطينية في سنة ٣٢ هـ وفي سنة ٤٣ هـ وسنة ٥٠ هـ التي حضر فيها أبو أيوب الأنصاري ﵁، فلم يخرج عملُ المسلمين في فتحها عن حيز المحاولة والمناوشة.
إن ما توالَى على المسلمين من الفتن الداخلية والحروب الخارجية في خلال القرنين السابع والثامن الهجريين، قد حال دونهم ودون التقدم في الحضارة ومجاراة جيرانهم في تناول ما انبلج عنه عصرُهم منها، إذ كانت همةُ المسلمين في تلك المدة منصرفةً إلى دفع العدو عن كيانهم، وفي ذلك ما يُلهيهم عن زيادة تحسن حالهم. وكان الترك هم أصحاب الزعامة الإسلامية في أواخر القرن الثامن، وقد بلغت فتوحُهم تخومَ أوروبا، إذ قد أخذ مراد خان الأول مدينة أدرنة وجعلها عاصمة ملكه سنة ٧٦٢ هـ.
[المائة التاسعة]:
ثم صار الملك إلى ابنه بايزيد يلدرم فعظم ملكه، ولقب بلقب سلطان، فأخذ يستعد لفتح القسطنطينية ببناء أسطول بحري، ويستعد لفتح المجر حدود سنة
стр. 171
٧٩٧ هـ. ولقد صار صاحبَ النفوذ على إمبراطور البيزنطيين بالقسطنطينية "المحصور" في عاصمة ملكه وفي قطعة من الأرض حولها، فكانت العاصمةُ في سنة ٨٠٣ هـ على وشك السقوط في قبضة بايزيد لو شاء هو أن يتعجل بذلك.
وفيما هو بذلك الصدد إذ حدث حادث ظهور الطاغية تيمورلنك، وقصد بلاد السلطنة التركية فحدثت بينه وبين بايزيد حروب (من سنة ٨٠٣ هـ إلى سنة ٨٠٧ هـ) انتهت بأسر بايزيد ثم بموت تيمور، فكفى الله شره. (١) وعقبها نزاعٌ بين أبناء بايزيد إلى أن انتصر عليهم ابنه محمد جلبي الملقب بالأول سنة ٨١٣ هـ، وخلص له الملك، وأقبل على تعزيز مملكته، فهو الذي أعاد الحالة التي تركها والده العظيم. ويعد ذلك مبدأ فتح تلك العاصمة العظيمة، ومبدأ انتقال التاريخ من العصور الوسطى إلى التاريخ الحديث. وفي تلك المدة أخذ الإسلامُ ينتشر في أوروبا بمن احتلها من جيش الترك المسلمين، وبدعوة مشايخ الصوفية إلى الإسلام بين سكان مدن أوروبا.
فيحق علينا أن نَعُدَّ السلطانين بايزيد يلدرم وابنه محمدًا جلبي (٢) مجددي أمر الأمة في رأس المائة التاسعة. وقد كان في هذا الوقت بإفريقية السلطان أبو فارس عبد العزيز الحفصي، وكان من السلاطين المصلحين بإفريقية. وقد خضد شوكةَ أهل الفساد، وأزهر في زمانه العلم، وساد الأمن. فهو بحق مِمَّنْ قيَّضهم الله لتجديد أمر الأمة في بعضِ بلاد الإسلام، وقد عدَّه البُرْزُلي (٣) في كتابه "الحاوي" مجدد القرن التاسع، وتقدم الكلامُ على ذلك.
стр. 172
قد مثلَتْ حالةُ المسلمين في القرن الثامن للناظر إليها من خلال كلامنا المتقدم حتى كأنها منه رأيُ العين، وحتى برئ أن يخالجه في استجلائها اشتباهٌ أو مين. (١) وقد رأى كيف انصدع بناءُ الجامعة الإسلامية مرارًا، ثم كيف مُنح صدعُه انجبارًا يعقب انجبارًا. ولقد وهت من جراء انصداعه المتكرر شرفةٌ كانت حاميةَ جلاله وأبهة جماله، ألا وهي شرفة الخلافة، فقد نشأ الإسلام مقارنًا لمنصب عظيم هو ولاية أمور أتباعه، والتيقظ لتنفيذ مقاصده في سائر أصقاعه، ولي ذلك الرسول ﷺ في حياته وقام به خلفاؤه من بعده.
فكانت الخلافةُ الإسلامية أكبرَ ضمانٍ لوحدة المسلمين، يستظلون بلوائها، وإذا انتابها خطبٌ تألموا للأوائها. ثم زالت حرمةُ الخلافة بثورة دعاة العباسيين وتمزيقهم إهاب الخلافة الأموية، فما استتبَّ الأمرُ للعباسيين بعد لأي حتى تطرق الوهنُ للخلافة حين انشقت عنها الدولةُ الأموية بالأندلس والحسنية بالمغرب الأقصى. ولقد تحمل خلفاءُ العباسيين ذلك على تبرم، ولسان الحال ينشدهم:
فَلَا تَجْزَعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أَنْتَ سِرْتَهَا ... فَأَوَّلُ رَاضٍ سُنَّةً مَنْ يَسِيرُهَا (٢)
стр. 173
وإن ذلك الانشقاق، وإن كان صدعًا عميقًا في محيط الجامعة الإسلامية، لم يظهر ضررُه أيامئذ، إذ كانت حرمةُ الخلافة الإسلامية في الشرق - وهو أشهر العالم يومئذ - ما برحت قائمةً في النفوس، مرموقةً بالجلالة في العيون. وظلت المملكة الإسلامية - فيما عدا ذينك القطرين - مجتمعةَ الكلمة، قائمةَ الشوكة. ثم انفتقت الفتوقُ بظهور استقلال الأمراء والقواد في أطراف الخلافة الإسلامية، وضعف الخليفة عن الظفر بهم.
ابتدأ ذلك من عهد المعتصم بالله العباسي أواخر القرن الثالث، ثم استفحل في صدر ولاية المطيع سنة ٣٣٨ هـ. فلم يزل أمرُ الخلافة يتضاءل، والفتق يتواصل، حتى اتسع الخرقُ على الراقع، وأصبحت رباعها وهي بلاقع، يوم أقصى هولاكو خان بقيةَ العباسيين من بغداد فثَوَوْا بمصر، وكان فيها الإبلاس والحصر. فلم يبق للخلافة إلا الدعاءُ في الجمَع والأعياد، وما حياةُ مَنْ ليس حظُّه غيرَ الرفع على الأعواد؟ !
لقد زُلْزِلت الخلافةُ بدخول التتر بغدادَ سنة ٦٥٦ هـ وسلطانهم هولاكو خان، والخليفة يومئذ المستعصم بالله عبد الله بن المستنصر، فقتلوه وأعملوا السيف في بني العباس، فلم ينج منهم إلا من عصمه الأجل. وقد كان أحمد بن الظاهر العباسي عمُّ
стр. 174
المستعصم قد نجا مترددًا في أحياء العرب إلى أن وصل مصر سنة ٦٥٩ هـ وسلطان مصر يومئذ الظاهر بيبرس، فبادر الظاهر إلى مبايعة أحمد بالخلافة، وحاول أن يخضد به شوكةَ التتر فسيره بجيش إلى بغداد، فلما جهزه بجيشه تلقاه جيش هولاكو في موضع يقال له غانة فقتل هنالك.
[المائة العاشرة]:
ثم ظهر بعد مدة غير طويلة رجلٌ من عقب المسترشد العباسي، وهو أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن المسترشد. وقدم إلى مصر فسُرَّ به الملكُ الظاهر، وبايع له بالخلافة ولقَّبه بالحاكم، وفوض إليه أمورَ العامة والخاصة، كما فوض هو للملك الظاهر عُهدةَ البلاد. فبقي هو وعقِبُه بمصر يدعَى لهم في الخطب، وتُكتب أسماؤهم في السكة، ويُتبرك بأسمائهم على أنهم حفظةُ سياج الدين. وكان ملوكُ الإسلام يكتبون إلى الخليفة بمصر يستمنحون منه التقليدَ بالولاية، فكان ذلك مبلغَ الخليفة من الخلافة، فكان مقامُ الخلافة في هذه المدة مقامًا صوريًا.
ولمَّا ظهر شبابُ دولة آل عثمان وفتحوا القسطنطينية، أصبحوا أعظمَ سلاطين الإسلام، وصار سلطان القسطنطينية أجدرَ ملوك الإسلام بأن يكون ولِيَّ أمر عموم المسلمين حقًّا. ولمَّا بويع السلطانُ سليم ابن السلطان بايزيد الثاني سنة ٩١٨ هـ ضم إلى مملكته بلادَ الأكراد، والعراق، والشام، ومصر، والحجاز. وحين دخل مصر، كان الخليفة بها يومئذ محمدًا المتوكل على الله العباسي، فرأى من الخرق استمرارَ ادعاء الخلافة لنفسه حين ذهبت حقيقتُها ثم ذهبت صورتها، فتنازل للسلطان سليم قائلًا لسان حاله: "بيدي لا بيد عمرو"، (١) وأحضر بين يدي السلطان شعارَ الخلافة
стр. 175
- وهو البردة والراية والسيف (المنسوبة ثلاثتها إلى رسول الله ﷺ ) ومفاتيح الحرمين، فسلمها إلى السلطان، وذلك أول سنة ٩٢٣ هـ.
فلُقِّب السلطان سليم بخليفة المسلمين، وخادم الحرمين الشريفين. وبذلك أصبحت الخلافةُ الإسلامية في حقيقتها قولًا وفعلًا، وحصلت بها وحدةٌ إسلامية أعادت لنفوس المسلمين الشعور بعزتهم. وبذلك تأتَّى لدولة آل عثمان أن تضم أقطارًا إسلامية جمة إلى مملكتها الواسعة دون كبير عناء، وحسبت الأمم المعادية للمسلمين يومئذ لهم حسابَهم، وعلموا أن لسان حال السلطان يقرأ ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥)﴾ [الغاشية: ٢٥].
فيحق أن نعد السلطان سليمًا هو المبعوث لتجديد أمر الأمة في رأس المائة العاشرة من وقت صدور الخبر النبوي الصادق. وهو وإن كان تجديدُه أمرَ الخلافة متأخرًا عن رأس المائة، فإن ولايته السلطنة قريبٌ من رأس تلك المائة. والعبرة بيوم الظهور، وإن تأخر التجديدُ إلى أن تتهيأ الأمور.
[المائة الحادية عشرة]:
لم يعرف تاريخُ الإسلام حادثًا انتابَ الأمة الإسلامية منذ كيانها، ولا سهمًا أصابَها في قلب إيمانها، مثلَ الحادث الجلل الذي اعترى المسلمين بالأندلس أوائل القرن الحادي عشر من الهجرة. فوجمت له النفوس، وذرفت له العيون، وأوقر ذكرُه الأسماعَ في جميع البقاع، ولم يجد المسلمون مدخلًا لاستلال دائه، ولا ثائرًا يثأر لهم أو مصيخًا لندائه. ألا وهو حادثُ تنصير جميع المسلمين في مملكة غرناطة، تلك الرقعة التي بقيت للإسلام في بلاد الأندلس، والمأوى الذي لجأ إليه المسلمون حين انتزع
стр. 176
منهم الجلالقةُ بقيةَ بلادهم. وهو وإن كان مأوى ضيقًا، إلا أنه كان مأهولًا بخيرة البلاد وبقية الناس لَمّا خلصت بلادُ الأندلس بأيدي الجلالقة (١) بسقوط كورة ألبيرة وعاصمتها غرناطة في ربيع الأول سنة ٦٩٧ هـ بعد حصار طويل، وبعد أن شرط (٢) الملك فرديناندو الجاثليقي (لوكاتوليك) ملك أرغون وشريكته في الفتح زوجُه إيزابيلا الجاثليقية (لاكاتوليك) (٣) ملكة قشتالة، وأُبعد سلطان المسلمين أبو عبد الله محمد بن علي آخر بني نصر إلى بلاد المغرب الأقصى.
وأصبح المسلمون مسلوبِي الملك، وانحازوا إلى سكنى ربض البايزين من مدينة غرناطة، وسكنى القرى من بادية غرناطة وحوزها المسماة بالبشرات. (٤) وكان في عداد الشروط التي اقتطعها المسلمون على الجلالقة تأمينُ المسلمين على دينهم وتمكينهم من البقاء في أوطانهم، ثم لم تلبث الجلالقة إلا قليلًا من السنين حتى نكثوا العهود، وتظاهروا بالجحود، وتطرقوا إلى فتنة المسلمين في إيمانهم وإكراههم على اعتناق دين النصرانية، بعد أن وثقوا بأنهم عُزَّلٌ من كل وسيلة للدفاع، وأعياءٌ من كل حيلة يتخلصون بها من تلك البقاع. قال في أزهار الرياض: "وفي سنة ٩٠٤ هـ
стр. 177
(أربع وتسعمائة) انقطعت كلمة التوحيد من بلاد الأندلس". (١)
وأنا أبَيِّنُ لك إجمالَه، وهو أن أول ما ابتدأ به الجلالقةُ أن صدر أمرُ الملك فردينادو والملكة إيزابيلا بإحصاء العائلات الذين تحقق أن أسلافهم كانوا نصارى وأسلموا في مدة ملك الإسلام بتلك الديار، فأكرهوهم على الرجوع إلى النصرانية. ثم ارتقى القسيسون في هذا الأمر، فصاروا يدَّعون على مَنْ شاؤوا أن جدودهم كانوا نصارى، فيُكرِهون مَنْ يدعون عليهم بذلك على أن يتنَصَّروا.
فلما شعر المسلمون بالخطر على دينهم ثاروا ثورةً واحدة، وقتلوا حكامَهم النصارى، فصدر الأمر بقتل الثائرين إلا الذين يتنصرون منهم؛ فإن تنصرهم يمنعهم من القتل. فتنصر معظمُ المسلمين من سكان غرناطة وباديتها، عدا بعض القرى مثل بلفيق وأندرش وجبل بلنقة، (٢) وامتنعوا من الإلقاء بأيديهم [إلى التهلكة]، فانتشر القتال بينهم وبين الجلالقة. وكان الغَلَبُ للجلالقة لا محالة، فاستأصلوا سكانَ تلك القرى عدا أهل جبل بلنقة؛ فإنهم لمناعة جبلهم أفنَوْا جيشَ العدو المحيط بهم، ثم انعقد بينهم صلحٌ على تمكين المسلمين من الخروج بأموالهم وأهليهم إلى المغرب الأقصى، ظنًّا منهم أن المسلمين لا يهجرون أوطانهم.
فلما رأوا منهم العزمَ على الهجرة منعوهم، ومَنْ خرجوا إلى المراسي بنية الهجرة أرجعوهم. قال السيد محمد بن عبد الرفيع المرسي الأندلسي (٣) - أحد
стр. 178
مهاجري الأندلس إلى تونس - في خاتمة كتابه المسمى بالأنوار النبوية: "ولما رأى العدو العزم منهم (أي من المسلمين) للخروج نقض العهد، وردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهرًا من الخروج". (١)
وهذا الذي وصفه السيد محمد بن عبد الرفيع إجمالًا كان سببه أن سياسة ملوك الجلالقة كانت تضطرب بين الشدة والملاينة، بحسب ما يسنح لهم في أحوال المسلمين، وبحسب ما تكون عليه حالةُ المملكة السياسية من اتحاد أو اختلاف فيما بينهم، ومن مسالمة أو محاربة بينهم وبين جيرانهم من الإفرنج، وبحسب ما كان للأسبان من المطامع في امتلاك تونس والجزائر. فكانوا يكرهون أن تشيع عنهم قسوةُ المعاملة مع مَنْ يدخلون تحت حكمهم، ولذلك دام حالُ المسلمين في الأندلس نحو مائة سنة بين الضغط والتنفس، إلى أن باح العدوُّ بما أضمره وكشر لهم عن نابه في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري.
فلما ضاقت الأرض بالمسلمين، وأصبحوا مستضعفين في أرض الجلالقة، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، وفشا فيهم الإكراهُ على التنصر بالقتل والحرق وأنواع العذاب، أظهروا التنصر. ولعدم اطمئنان النصارى لهم، حشروهم إلى جهة
стр. 179
واحدة يسكنونها وهي جهة ألبيرة، (١) ووضعوا لهم اسمًا يدل على جماعتهم وهو اسم موريسكو، (٢) وأصبحوا كالعبيد، ولذلك سماهم إخوانُهم من المسلمين الذين خرجوا إلى المغرب باسم المدجنين وأهل الدَّجْن. (٣)
وقد كان المسلمون المتنصِّرون يُسِرُّون الإسلامَ في قلوبهم، ويقيمون الصلوات في خاصتهم، ويتكلمون فيما بينهم بالعربية. ولكن الجلالقة أخذوا يرصدون أحوالهم، فلم يتركوا وسيلة ليَحُولوا بينهم وبين الاستمرار على ذلك. قال السيد محمد بن عبد الرفيع الجعفري:
"ثم بقي العدو يحتال بالكفر عليهم، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامي والجماعات والحمامات؛ لأنها من عادات المسلمين فإن الفرنج لا يتخذونها والمعاملات الإسلامية مع شدة امتناعهم والقيام على العدو مرارًا، وعدو الدين يحرق بالنار مَنْ لاحت عليه أماراتُ الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم وكم عذبوا وكم نفوا من بلادهم".
ووصف السيد محمد بن عبد الرفيع بعض أحوال المسلمين في خاصتهم فقال:
"قد أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدي رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام أو أقل مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم
стр. 180
أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فأخذ والدي لوحًا من لوح الجوز كأني أنظر الآن إليه مملسًا من غير طفل ولا غيره، فكتب لي فيه حروف الهجاء، ويسألني حرفًا حرفًا عن حروف النصارى تدريبًا وتقريبًا، فإذا سميت له حرفًا أعجميًّا يكتب لي حرفًا عربيًّا، فيقول لي حينئذ: هكذا حروفنا، حتى استوفَى لي جميعَ حروف الهجاء في كرتين.
فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانِي أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعمي وأخي وجميع قرابتنا، وألا أخبر أحدًا من الخلق. ثم شدد علي الوصية، وصار يرسل والدتي إلي فتسألني وتقول: ما الذي يعلمك والدك؟ فأقول لها: لا شيء، فتقول: أخبرني بذلك ولا تخف؛ لأني عندي خبر بما يعلمك، فأقول لها: أبدًا ما يعلمني شيئًا. وكذلك كان يفعل عمي، وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتي الدار فيعلمني، إلى أن مضت مدة، فأرسل إلي من إخوانه في الله الأصدقاء يسألونني فلم أقر لأحد قط بشيء مع أنه ﵀ قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحرَق لا محالة، لكن أيدنا الله بتأييده وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته بين أظهر أعداء الدين.
وقد كان والدي رحمه الله تعالى يلقنني حينئذ ما كنت أقول عند رؤيتي للأصنام. . . إلخ. فلما تحقق والدي رحمه الله تعالى أني أكتم أمورَ دين الإسلام عن الأقارب فضلًا عن الأجانب، أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وعمي وبعض أصحابه والأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع. فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح كثيرًا غاية [الفرح]، (١) وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدًا واحدًا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار من جبان إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن