وأعلم أن القصدَ الأول للمخبر من خبره هو إفادته المخاطبَ الحكم (١)، وقصد المتكلم بالجملة الإنشائية إيجادُ مدلول الإنشاء. ففي الأمر يُقصد إيجادُ المأمور به، ويُسمَّى الامتثال. وفي النهي يُقصد عدمُ إيجاد الفعل، ويُسمَّى الانكفاف. وفي الاستفهام يُقصد الجواب بالإفهام، وهكذا.
وقد يُخاطَب بالخبر مَنْ يعلم مدلولَه، ويخاطب بالإنشاء من يحصل منه الفعلُ المطلوب، فيُعلم أن المتكلم قصد تنزيلَ الموجود منزلةَ المعدوم لنكتة قد تتعلق بالمخاطب:
إما لعدم جري العالم على موجب علمه كقول عبد بني الحسحاس: "كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيًا" (٢)، فإن المقصود منه تذكيرُ مَنْ لم يزعه الشيب والإسلام، إذ قد علم كلُّ الناس أنهما وازعان.
وإما لأن حاله كحال ضده، كقولك للتلميذ بين يديك إذا لم يتقن الفهم: يا فتى، فإنك تطلب إقباله وهو حاضر، لأنه كالغائب.
стр. 1157
وإما لقصد الزيادة من الفعل، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، فطلب منهم الإيمان بعد أن وصفهم به لقصد الزيادة والتملي منه. وإما لاختلال الفعل حتى كان غير مجد لفاعله، مثل قوله ﷺ للذي رآه يصلي ينقر نقرَ الديك: "صلِّ فإنك لم تصل" (١).
وهذا كثيرٌ في كلامهم. وقد تتعلق النكتة بالمتكلم ليريَك أنه عالمٌ بالخبر، كقولك لصاحبك: سهرت البارحة بالنادي، وقول عنترة:
إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا ... زُمَّتْ رِكَابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ (٢)
وعلامةُ هذا أن يكون الكلام دالًّا على أن المخاطب لا يجهل الخبر، فإنك إذا حدثته عن أحواله لا تقصد أن تعلمه بما هو معلوم لديه. وللكلام في قوة الإثبات والنفي مراتبُ وضروبٌ بحسب قدر الحاجة في إقناع المخاطب، فإن كان المخاطَبُ خالِيَ الذهن من الحكم ولا ترددَ له فيه، فلا حاجةَ إلى تقوية الكلام. وإن كان المخاطب متردِّدًا في الحكم، فالأحسن أن يُقَوَّى له الكلامُ بمؤكِّدٍ لئلا يصير ترددُه
стр. 1158
إنكارًا، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾ [يس: ١٤]؛ لأنهم كذبوا الرسولين الأولين، فلما عززا بثالث كان القوم بحيث يترددون في صدقه.
وإن كان المخاطَب منكِرًا وجب توكيدُ الخبر على قدر الإنكار، نحو: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥؛ نوح: ٢]، ونحو: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، ونحو: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾ [يس: ١٦].
ويُسمَّى الضربُ الأول ابتدائيًّا، والثاني طلبيًّا، والثالث إنكاريًا.
وأدواتُ التوكيد إن وأن ولام الابتداء، ولام القسم، والقسم، والحروف الزائدة، وحروف التنبيه، وضمير الفصل، ولن النافية، هذه في الأسماء. وقد، وإما الشرطية، ونون التوكيد في الأفعال.
وقد يُنَزَّلُ المخاطَبُ المستحِقُّ لأحد هذه الأضرب منزلةَ صاحب غيره منها لنكتة، فيسمى ذلك إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر. قال طرفة:
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى ... لَكَالطِّوْلِ المُرْخَى وَثِنْيَاهُ بِاليَدِ (١)
فأتى بثلاثة مؤكدات: القسم وأن ولام الابتداء، لقصد الرد على مَنْ كان حالُه في لومه إياه على الكرم وتناول اللذات حالَ مَنْ ينكر إدراكَ الموت إياه، مع أن مجيء الموت ولو بعد طول العمر أمرٌ معلوم لكل أحد.
وقد يجيء التوكيدُ بـ "إن" لمجرد الاهتمام بالخبر دون إنكار، كقول النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا" (٢). ومن ذلك أن يكون في الخبر
стр. 1159
غرابةٌ، كالمثل: "إن البُغاث بأرضنا يَسْتَنْسِر"، أو تهويلٌ نحو: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾ [هود: ٣٧]؛ لأن شأنَ هذين النوعين أن ينكرهما السامعُ، فيؤكد له من قبل حصول الإنكار احتياطًا، تنزيلًا له منزلةَ المنكِر.
والإسناد نوعان: حقيقةٌ عقلية، ومجاز عقلي. فالحقيقة العقلية إسنادُ الشيء إلى شيء هو من الأمور الثابتة له في متعارَف الناس إثباتًا أو نفيًا. والإثباتُ كقول الصلتان العبدي (١):
أَشَابَ الصَّغِيرَ وَأَفْنَى الكَبِيـ ... ـرَ كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ العَشِي (٢)
стр. 1160
لأن الشاعر جاهلي، وظاهرُ كلامه يُشعر بأنه يعتقد أن مرورَ الزمان هو سبب الشيب، إذ لم ينصب قرينةً على أنه يعلم أن ذلك ليس سببًا للشيب. والنفي كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦، الأنعام: ١٤٠، يونس: ٤٥].
والمجاز العقلي إسنادُ الشيء إلى غير ما هو له في متعارَف الناس إثباتًا أو نفيًا، لملابسة بين المسنَد والمسنَد إليه. ومعنى الملابسة المناسبةُ والعلاقة بينهما. فأشهر ذلك أن يُسند الفعلُ إلى المتسبِّب فيه، كقول أم زَرْع: "أَنَاسَ مِنْ حُلِيِّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمِ عَضُدَيَّ" (١)؛ فإن زوجها لَمَّا اشترى لها النواسَ لتلبسه في أذنيها فهو قد أناس أذنيها، وهذا قريبٌ من الحقيقة. ولَمَّا أفاض عليها الخيرَ والراحة حتى سمنت، فقد تسبَّب في ملء عضديها بالشحم، وهذا مجازٌ عقلي لملابسة السببية.
وهناك ملابساتٌ كثيرة نحو ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]، مع أن الراضي صاحب العيشة، ونحو: نهر جار مع أن الجاري ماؤه، وأنبت الربيع العشب؛ لأن الربيع زمنُ الإنبات، [ونحو] ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ [المزمل: ١٧]، ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ [الإنسان: ١٠]. والنفي كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، فإن نفيَ الربح لم يُتعارَفْ إسنادُه للتجارة، بل إنما يثبت الربح وينفى عن
стр. 1161
التاجر، وهو محتاجٌ إلى قرينه لفظية أو معنوية ليفارق كلامُ البليغ كلامَ الغالط والهاذي والغبي.
٢ - عوارض أحوال المسند إليه:
المُسْنَد إليه هو كاسمه ما ضُمَّ إليه غيرُه كما تقدم مثل المبتدأ، والفاعل، ونائب الفاعل، واسم كان، واسم إن. والأصل أن يكون المسندُ إليه مذكورًا في الكلام، وقد يُحذف إذا دلت عليه قرينةٌ، نحو قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ [الذاريات: ٢٩] أي: أنا عجوز، أو لضيق المقام نحو قول رفيق الصياد: "غزالّ"، أو ليجري اللفظُ مجرى المثل فيكون موجزًا نحو "رمية من غير رام"، أي: رميتك هذه.
والأصلُ في المسند إليه التعريف؛ لأن الحكم إنما يكون على معروف، فيكون المسنَدُ إليه معرفةً من المعارف الستة المذكورة في النحو (١). فإذا تعين طريقٌ من تلك الطرق الستة، وجب الاقتصارُ عليه. وإن أمكن الإتيانُ في تعريفه بطريقين فصاعدًا، كما إذا أمكن التعبير عنه باسمه العلم أو بالموصول وصلته أو بالضمير، تخير البليغُ في ذلك وهو يراعي ما هو أنسب. فقد يختار تعريفه باسمه العلم؛ لأن في الاسم تعظيمًا، مثل معز الدين والرضا، أو فيه إهانة نحو بَوْلَان ويسير، فيقصد المتكلمُ الإشارةَ إلى أن المسمى له حظٌّ من اسمه. فلذلك قال الشاعر: "وفضل يسير في البلاد يسير" (٢)، وقال النبي ﷺ : "عُصَيَّة عصت الله ورسوله" (٣). أو لأن في الاسم محبة وابتهاجًا بذكره، كما قال:
стр. 1162
بِالله يا ظُبَيَّاتِ القَاعِ قُلْنَ لَنَا: ... لَيْلَايَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ البَشَرِ (١)
فلم يقل أم هي من البشر، ليعيد اسمها (٢).
وقد يختار الموصول؛ لأن الصلة تُشعر بمعنى لا يمكن أن يؤدَّى بغير الجملة، مثل معنى شعار الصلة بالتفخيم في قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ [طه: ٧٨]، وكاختيار الموصول على المعرف بأل في قول زهير:
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ ... يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ (٣)
стр. 1163
فإنه لم يقل: المستسلم مهضوم مثلًا، بل أتى بالموصول ليشير بالصلة إلى علة الحكم؛ وكاختيار المضاف على الاسم العلم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١].
وقد يُؤتَى بالمسند إليه نكرةً لعدم الداعي للتعريف، نحو [قوله تعالى]: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]، فدل على أن المسند إليه فردٌ مبهم من جنس، ثم يتوصل المتكلم بذلك إلى إفادة التعظيم تارة والتحقير أخرى. وقد جمعهما قولُ مروان بن أبي حفصة (١):
لَهُ حَاجِبٌ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يُشِينُهُ ... وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طَالِبِ العُرْفِ حَاجِبُ (٢)
стр. 1164
ويعرف ذلك بالقرينة وسياق الكلام، كقول العباس بن مرداس:
وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ (١)
أي: لم أعط شيئًا عظيمًا بقرينه قوله ولم أمنع.
ومن أهم أحوال المسند إليه حالة تقديمه، فإن تقديمه وإن كان هو الأصل إلا أن المتكلِّمَ قد يشير باختيار تقديمه مع تأتِّي تأخيره - كأن يأتي به مبتدأ مع إمكان الإتيان به فاعلًا إذا كان الخبر فعلًا، وكالإتيان به مبتدأ وهو نكرة والخبر فعل مع أن الأصل حينئذ تقديم الفعل كما في قولهم: بقرة تكلمت - إلى أن ذلك للاهتمام بشأنه، إما لأن فيه فأْلًا نحو سعد أتاك، وإما للتشويق نحو قول المعري:
وَالَّذِي حَارَتِ البَرِيةُ فِيهِ ... حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ (٢)
يريد حشرَ الأجساد.
стр. 1165
ومما التزمت العرب فيه التقديم لفظ مثل وغير في قولهم: "مثلُك لا يبخل، وغيرُك لا يجود"، إذا أريد أنت لا تبخل وأنت تجود، فجعل مثل وغير كنايةً عن المخاطب (١). ويشيرون إلى هذا الجعل بالتقديم المفيد للاهتمام، إذ لا وجهَ لهذا الاهتمام إلا التنبيه إلَى أن المراد بـ "مثل" و"غير" معناهما الكنائي.
٣ - عوارض أحوال المسند
قد عرفت أن المسند هو الكلمة المضمومة إلى غيرها لإفادة مدلولها محكومٌ به لذلك الغير، فالمسند هو: خبر المبتدأ، وفعل الفاعل أو نائبه إذا كان الفعل تامًّا، واسم الفعل، والمبتدأ الوصف المستغني بمرفوعه عن الخبر؛ لأن ذلك المبتدأ في قوة الفعل فلذلك عمل في الفاعل، وخبر كان وأخواتها، وخبر إن وأخواتها.
وقد نبهك هذا إلى أن المسند قد يكون اسْمًا، وقد يكون فعلًا. فلا جرم أنك تتطلب الفرقَ بين الداعي للبليغ أن يأتي بالمسند مرة اسْمًا ومرة فعلًا. فاعلم أنه يأتي به فعلًا إذا أراد التقييد بأحد الأزمنة: الماضي والحال والمستقبل، على أخصر وجه، فيغنيه أن يقول: قدم صديقك عن أن يقول قدوم صديقك أمس. فيكون الإتيان بالفعل طريقًا من طرق الإيجاز عند إفادة الزمان، مع ما في الفعل من إفادة كون الوصف غير ذاتي للمسند إليه.
ويزيد المضارع فيدل على تجدد الحصول (٢) آنًا بعد آن، نحو: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ويأتي البليغ بالمسند اسْمًا عند إرادة عدم التقييد بأحد الأزمنة وإرادة عدم التجدد، فقولك: زيد منطلق، لا تعرض فيه لأكثر من إثبات وصف الانطلاق له، فهو شبيه حينئذ بالصفات التي لا دلالة لها على شيء من الحدوث، نحو زيد
стр. 1166
طويل. مثال ذلك قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤]، أشاروا إلى أن الاستهزاء بالمؤمنين صفةٌ ملازمة لهم ليست بأمر حادثٍ فيهم.
ثم من أحوال المسند الفعلي أن يقيد بالشرط على معنى أداة من أدواته المذكورة مع معانيها في كتب النحو، فلا فائدة في ذكر تفاصيلها في هذا العلم. وإنما يتعلق الغرض ببيان الفرق بين الشرط بإن والشرط بإذا؛ لأن النحاة أهملوه، فإنهما مشتركتان في الدلالة على أصل التعليق والاستقبال دون زيادة، لكن الغالب في الشرط بـ "إن" أن يدل على عدم اليقين بوقوع الشرط سواء كان مستقرب الوقوع لكن بلا جزم كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ [محمد: ٣٦]؛ فإن إيمانهم وتقواهم واقعان (١)، أو كان مشكوكًا في وقوعه ضعيف الاحتمال كقول المعري:
فَإِن أَسْتَطِعْ فِي الحَشْرِ آتِكَ زَائِرًا ... وَهَيْهَاتَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَشْغَال (٢)
وأما "إذا" فأصلُها الدلالةُ على اليقين بوقوع شرطها نحو: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] الآية. هذا هو الأصل، وقد جاء على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]؛ لأن نعم الله على العباد كثيرة والمصائب نادرة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]. وقد تستعمل "أن" في مقام اليقين لتنزيل اليقين منزلة الشك كما إذا كان حال المخاطب حال من يشك في الأمر اليقين كقول طرفة:
стр. 1167
أَلَا أَيُّهَا ذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوَغَى ... وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
فَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي ... فَدَعْنِي أُبَادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي (١)
وتستعمل "إذا" في مقام عدم اليقين كتصور الأمر المحبوب كثيرًا وقوعه لشدة تعلق القلب بكثرته كقول النابغة:
إِذَا تَغَنَّى الحَمَامُ الوُرْقُ ذَكَّرَنِي ... وَلَوْ تَرَحَّلْتُ عَنْهَا أُمَّ عَمَّارِ (٢)
وأصل المسند التأخير عن المسند إليه. وقد يقدم ليفيد تقديمُه قصرَ المسند إليه على المسند نحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، أي أن عدم الغَوْل مقصورٌ على الكون في خمر الجنة، وسيأتي في القصر. وقد شاع عند العرب تقديمُ أسماء الأعداد عند قصد جمع أشياء ليفيد التقديم تشويقًا للمعدود نحو قوله ﷺ : "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: الإمام العادل. . ." إلخ (٣)، ونحو: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن" الحديث (٤). ونحو قول محمد بن وُهَيب في مدح المعتصم العباسي:
стр. 1168
ثلاثةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ (١)
وهذا كلُّه ما لم يكن التقديمُ لسبب يحتم التقديمَ في النحو، مثل تقديم أدوات الصدر في نحو: كيف أنت؟ وأين اللقاء؟ ومتى الظعن؟ أو لسبب يُعرف أنه لفظي لا غرضَ فيه لغير اللفظ، مثل التقديم لأجل السجع، كقول الحريري في المقامة الأولَى: "فوجدته مثافنًا لتلميذ، على خبز سَميذ، وجَدْيٍ حَنيذ، وقُبالَتَهما خابيةُ نبيذٍ" (٢)، فتقديم قوله "قبالتهما" على المسند إليه لقصد السجع إذ لا يحتمل معنى القصر. وأصلُ المسند التنكير، وقد يُعرَّف لأغراض أهمُّها إفادةُ القصر، كما سيأتي في بابه.
٤ - عوارض أحوال متعلقات الفعل:
وهي المفاعيل والظروف والمجرورات والحال والتمييز. وأهمُّ ما يتعلق به غرضُ البليغ هو أحوال المفاعيل، وخاصةً المفعول به. فإنه الذي تعرض له أحكامُ الحذف دون غيره من المفاعيل؛ لأنه إذا لم يُذكر علمنا أنه محذوف، إذ الفعل المتعدي يطلب مفعوله طلبًا ذاتيًّا ناشئًا عن وضع معنى الفعل المتعدي. فإن الفعلَ اللازم وُضع ليدل على حدثٍ صادر من ذات واحدة، والفعل المتعدي وُضع ليدل على حدث صادر من ذات ومتعلق بأخرى.
أما بقيةُ المفاعيل فإنها إذا لم تُذكر لا يوجد دليل يدل على أن المتكلمَ قصد ذكرَها (٣) ثم حذفها. وكذلك أحكامُ التقديم إنما تغلب مراعاتُها في المفعول به. فإذا
стр. 1169
لم يذكر المفعول به مع فعله المتعدي إليه ولم تكن قرينةٌ على تقديره، فحذفه حينئذ قد يكون لإظهار أن لا غرضَ بتعليق ذلك الفعل بمفعوله فينزل الفعل حينئذ منزلةَ اللازم بحيث يكون النطقُ به ليس إلا لقصد الدلالة على أصل معناه الحدثي إذا لم يجد المتكلم فعلًا آخر يدل على ذلك المعنى، أو لم يستحضره. فحينئذ لا يقدر لذلك الفعل مفعول نحو: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقول البحتري يمدح المعتز بالله العباسي:
شَجْوُ حُسَّادهُ وَغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاع (١)
فلم يذكر مفعولَ يرى ويسمع؛ لأنه أراد أن يوجد راءٍ وسامع، فلا غرض لمعرفة مفعول. والمعنى أن الرائي لا يرى إلا آثارَ الخليفة الحسنى والسامع لا يسمع إلا ثناءه. وقرينة ذلك قوله: "شجو حساده"؛ لأن ذلك هو الذي يشجو حسادَه ويغيظ عداه.
وقد يكون الحذف لقصد التعميم مثل: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]؛ أي: يدعو كل أحد. وإنما قلنا آنفًا: "ولم تقم قرينةٌ على تقديره"؛ لأنه إن كان المفعول مقدَّرًا منويَّ اللفظ فهو كالمذكور، والقرينة إما من نفس الفعل بأن يكون مفعولُه معينًا، لأنه لا يتعدى إلا إليه كقول عمرو بن معد يكرب:
стр. 1170
فَلَوْ أنَّ قَوْمِي أَنْطَقَتْنِي رِمَاحُهُمْ ... نَطَقْتُ، وَلَكِنَّ الرِّمَاحَ أَجَرَّتِ (١)
فإن فعل "أجرَّ" معناه شق اللسان، فمفعوله متعيِّن. وإما بأن يكون عليه قرينةٌ لفظية، وهو كثير.
وأما تقديم المفعول وما بمعناه كالجار والمجرور والظرف، فقد يكون للحصر نحوك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وفي الحديث الصحيح: "ففيهما فجاهِدْ"، يعني الأبوين (٢). وهو كثيرٌ في كلامهم. وقد يكون لمجرد الاهتمام نحو: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] في قراءة النصب (٣). وقد يكون
стр. 1171
لغرض لفظي كالسجع والفاصلة في نحو: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ [الحاقة: ٣١, ٣٢].
القصر (١):
القصرُ تخصيصُ حكم بمحكوم عليه، بحيث لا يثبت ذلك الحكمُ لغير ذلك المحكوم عليه، أو تخصيصُ محكومٍ عليه بحكم، بحيث لا يتصف ذلك المحكومُ عليه بغير ذلك الحكم، بواسطة طريقةٍ مختصرة تفيد التخصيصَ قصدًا للإيجاز، فخرج بقولنا: "بواسطة طريقة مختصرة" إلخ نحوُ قول السموأل:
تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَّاتِ نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّبَّاتِ تَسِيلُ (٢)
فإن هذا المثال اقتضى تخصيصَ سيلان النفوس، أي: الدماء بالكون على حد الظبات، لكن ذلك ليس مدلولًا بطريقة مختصرة بل بجملتي إثبات ونفي.
والمرادُ بالحكم والمحكوم عليه الأمرُ المقصود قصرُه أو القصرُ عليه، سواء كان أحدَ ركني الإسناد نحو: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، أم كان متعلق أحدهما كالمجرور المتعلق بالمسند في قول كعب بن زهير:
لَا يَقَعُ الطَّعْنُ إِلَّا فِي نُحُورِهِمُ ... مَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ المَوْتِ تَهْلِيلُ (٣)
стр. 1172
فقصرَ وقوعَ الطعن على الكون في نحورهم. وكالحال المخصصة للمسند إليه نحو: إنما الشاعر زهير راغبًا، إذا أردت قصرًا ادعائيًّا في حالته هذه، لقولهم: "زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا ركب". (١) وكالظروف في قول عمر بن أبي ربيعة:
فَقَالَتْ وَأَلقَتْ جَانِبَ السِّتْرِ إِنَّمَا ... مَعِي فَتَحَدَّثْ غَيْرَ ذِي رِقْبَةٍ أَهْلِي (٢)
أي: إنك لا تتحدث الآن إلا معي، فقل ما شئت.
فالمخصوصُ بشيء يُسمَّى مقصورًا، والمخصوصُ به شيءٌ يُسمَّى مقصورًا عليه. والمقصور هو الذي لا يتجاوز المقصورَ عليه لغيره، والمقصور عليه هو الذي لا يشاركُه غيرُه في الشيء المقصور. فالاختصاصُ والحصرُ مترادفان.
والقصرُ إما قصرُ موصوفٍ على صفة، بمعنى أن لا يتجاوز الموصوفُ تلك الصفة إلى صفة أخرى، وإما قصرُ صفةٍ على موصوف. والمرادُ بالصفة والموصوف هنا الحكمُ والمحكوم عليه، لا الصفة المعروفة في النحو.
стр. 1173
وطرقُ القصر ستة وهي: النفي مع الاستثناء، وإنما، والتقديم لما حقُّه التأخير من مسند ومفعول ومعمول فعل، والعطفُ بلا وبل ولكن، أو ما يقوم مقامَ العطف من الدلالة على الاستدراك بإثباتٍ بعد نفي أو عكسه، وتعريف المسند، وتوسيط ضمير الفعل. وهذه أمثلتُها على الترتيب:
قول لبيد:
وَمَا المَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْئِهِ ... يَحُورُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ (١)
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦].
وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦].
ومثالُ طريق العطف بـ "لكن" بعد الواو قولُه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وكذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]، فهو قصرٌ بعد قصر؛ لأن قوله: "إلا من أكره" أخرج المكره من الكافر، ثم أخرج منه مَنْ شرح بالكفر صدرًا. فالتقدير: مَنْ كفر بالله مُكْرَهًا لا غضبَ عليه، ولكن مَنْ شرح بالكفر صدرًا. وأعلم أن هذه الآية فيها ثلاثةُ طرق من طرق القصر.
стр. 1174
ومثالُ العطف بلا: "اللهم حوالينا ولا علينا" (١)، فالواو زائدة، والمعنى لا تنزل المطر إلا حوالينا.
وأما طريقُ تعريف المسند، فاعلم أن التعريفَ الذي يفيد القصرَ هو التعريف بلام الجنس، فإذا عُرِّف المسندُ بها أفادَ قصرَ الجنس على المسند إليه نحو: "أنت الحبيب" قصر تحقيق، و"هو العدو" قصر ادعاء، و"الحزم سوء الظن بالناس" قصر قلب، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] كذلك.
وأما توسيطُ ضمير الفصل فنحو: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، ونحو: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، و ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾ [الكهف: ٣٩]. وضميرُ الفصل هو ضمير يتقدم على الخبر ونحوه، ولا يفيد أكثر مما أفادته النسبةُ لعدم الحاجة إليه في ربط.
وأعلم أن طريقَ النفي والاستثناء وإنما والعطف بلا وبل ولكن، متعَيِّنةٌ للقصر. وأما التقديم وتعريف المسند والفصل، فقد تكون للقصر وقد تكون لغيره، ولكن الغالب كونُها للقصر، فيُستدل عليه منها بمعونة القرائن في المقام الخطابي.
стр. 1175
والقصر نوعان: حقيقي وإضافي؛ لأن التخصيص لشيء إن كان مبنيًّا على أنه كذلك في الواقع ونفس الأمر فهو القصر الحقيقي، وإن كان مبنيًا على النظر لشيء آخر يقابل الشيء المخصَّص به فقط لإبطال دخول ذلك المقابل، فهو قصرٌ إضافِيٌّ تدل عليه القرينة. فالأول كقولك: "إنما الخليفة فلان"، والثاني كقولك: "إنما الكاتب زيد"، أي: لا عمرو ردًّا على من زعم أن عمرًا كاتب، ولا تريد أن زيدًا هو الكاتب في الأرض أو في البلد دون غيره. والحزم سوء الظن بالناس، أي: ليس حسن الظن بحزم، ولم يرد أن الحزم كله في سوء الظن.
ومن القصر الحقيقي ما يُسمَّى بالادعائي، وهو أن تدعيَ قصرَ الصفة على الموصوف لقصد المبالغة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ [النساء: ١١٧]، مع أنهم دعوا هبل ويغوث ويعوق، لكنهم لمَّا أكثروا دعوةَ اللات والعزى ومناة جُعِلوا كالذي لا يدعو إلا إناثًا. وقوله في حق المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، مع أن المتظاهرين بالشرك والكفر أعداء، لكن لمَّا كانت مضرةُ عداوة المنافقين أشدَّ جُعِلت عداوةُ غيرهم كلا عداوة.
الإنشاء:
الكلامُ كلُّه إما خبر أو إنشاء. فالخبر هو الكلام الذي يحتملُ الصدقَ والكذب بأن يكون للنسبة المعنوية التي تضمنها الكلام خارج، أي: وجودٌ في نفس الأمر يوافقها تارةً ولا يوافقها أخرى. فإن وافقها الخارجُ فهي صادقة، وإن خالفها فهي كاذبة؛ لأن الخبر يُقصد منه حكايةُ ما في الوجود الخارجي. فلا جرم لزم عَرْضُ نسبته على ما في الخارج، فإن نشأ عن ذلك العرض علمٌ بأنها مطابقة للخارج المحكي فهي صادقة، أو عُلِم بأنها غير مطابقة بل هي مخالفة للخارج فهي كاذبة.
والإنشاءُ الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب؛ لأنه لم يُقصد منه حكايةُ ما في الخارج، بل هو كاسمه إحداثُ معنى بالكلام لم يكن حادثًا من قبل في قصد المتكلم. وكلُّ ما تقدم من الأحكام في الأبواب الماضية يجري في الخبر والإنشاء، فلا
стр. 1176
غرضَ لذكر بابٍ يخص الإنشاء هنا إلا للتنبيه على الفرق بينه وبين الخبر، وللإشارة إلى أحكام قليلة بلاغية تختص بالإنشاء.
ينقسم الإنشاء إلى قسمين: طلبي وغير طلبي. فالطلبي هو الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والترجي، والنداء. وغير الطلبي: القَسَم، والتعجب، وإنشاء المدح والذم نحو نعم وبئس، وإنشاء الوجدانيات كالتحسر والفرح والترحم، وصيغ العقود نحو أبيع وأشهد، والأجوبة الدالة على الامتثال كجواب النداء نحو لبيك وسمعًا وطاعة. وصيغُها وأدواتُها وأحكامُها مقررةٌ في النحو. وإنما الذي يهم البليغَ من أحوال الإنشاء مسائل:
الأولى: قد يأتي الإنشاء في صورة الخبر، وهو ما يعبرون عنه بالخبر المستعمل في الإنشاء، مثل استعماله في الدعاء في نحو: "﵀"، وفي الطلب نحو قول الظمآن: إني عطشان، والتحسر نحو قول جعفر بن علبة الحارثي (١):
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمَانِينَ مُصْعِدٌ ... جَنِيبٌ، وَجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ (٢)
والسؤال نحو: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾ [القصص: ٢٤].
المسألة الثانية: يستعمل بعض صيغ الإنشاء في بعض فيجيء الأمر للتمني نحو قول امرئ القيس:
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِ ... بِصُبْحِ، وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ (٣)
تنبيه: هذه الاستعمالات المذكورة في المسألتين من قبيل المجاز المركَّب المرسل، والعلاقة العامة في جميعها هي اللزوم ولو بعيدًا، وقد تُتطلب لبعض استعمالاته علاقاتٌ أخرى بحسب المواقع.
المسألة الثالثة: قد تُستعمل صيغُ الإنشاء في مَنْ حالُه غيرُ حالِ مَنْ يُساق إليه ذلك الإنشاء، كأمر المتلبس بفعل بأن يفعله نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، وكنهي من لم يتصف بفعل عن أن يفعله نحو: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
والقصد من ذلك طلبُ الدوام، فينزل المتصف منزلةَ غير المتصف تحريضًا على الدوام على الاتصاف.
وكنداء المقبل عليك، نحو قولك للسامع: "يا هذا". ونداء مَنْ لا ينادى بتنزيله منزلةَ مَنْ ينادى نحو: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس: ٣٠] أي: احضري فهذا موضعك. وهذه مجازات ظاهرة وتفريعها سهل.
هذا نهايةُ القول في الأبواب المختصة بذكر الأحكام البلاغية التي تعرض للمفردات في حال تركيبها. ومن الأحكام ما هو عارض للجمل المؤتلف منها الكلام البليغ تفريقًا وجمعًا، وتطويلًا واختصارًا. وقد خص لذلك بابان: باب الوصل والفصل وباب الإيجاز والإطناب والمساواة. وها أنذا شارع فيهما إكمالًا لأبواب علم المعاني.
الوصل والفصل
الوصل عطف بعض الجمل على بعض، والفصل تركه. وحقُّ الجمل إذا ذكر بعضُها بعد بعض أن تُذكر بدون عطف؛ لأن كلَّ جملة كلام مستقل بالفائدة، إلا أن أسلوب الكلام العربي غلب فيه أن يكون متصلًا بعضُه ببعض بمعمولية العوامل
стр. 1179
والأدوات، أو بالإتباع، أو بالعطف (١)، فلا تذكر جمل الكلام ولا كلماته تعدادًا إلا في الواقع التي يقصد فيها التعداد نحو قوله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ [الغاشية: ١٢, ١٣]، أو في حكاية المحاورات نحو: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ [هود: ٦٩]، وقولنا: سئل فلان أجاب (٢)، أو إملاء الْحُسبان نحو واحد اثنان، أو قصد إظهار انفصال الجمل واستقلالها كقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٥, ١٦]. أو في مواقع الفصل الآتية:
стр. 1180
فعطفُ الجمل إما بالواو المقتضية لأصل التشريك في الحكم المتكلَّم فيه، وإما بحرف آخر يدل على معنى زائد على التشريك أو على ضد التشريك إذا وجد معنى ذلك الحرف نحو الفاء وحتى وأو وبل. وهذا الأصلُ الذي أشرت إليه يُعدَلُ عنه لأحد أمرين: لمانع يمنع منه، أو لشيء يُغْني عنه.
ثم شَرطُ صحة العطف مطلقًا في المفردات والجمل وبالواو وبغيرها، وجودُ المناسبة التي تجمع الجملةَ المعطوفة والجملةَ المعطوف عليها في تعَقُّل العقول المنتظمة بحسب المتعارف (١) عند المتكلمين بتلك اللغة.
وهاته المناسبةُ لا تعدو التماثلَ أو التضاد أو القرب من أحدهما نحو: زيد يكتب ويشعر، ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ [الرحمن: ٧ - ١٠]. بخلاف نحو زيد يكتب (٢)، وينام، ويعطي، وينظم الشعر، وخرجت من السوق، وأبدع امرؤ القيس في شعره، وإن كان كلُّ ذلك كلامًا صادقًا، حتى كان العطف في المقام الذي لا توجد فيه المناسبة مؤذِنًا بمقصد كمقصد التشبيه في قول كعب: "إِنَّ الأَمَانِيَّ وَالأَحْلَامَ تَضْلِيلُ" (٣). فإن الكلامَ على مواعيد سعاد وأمانيها، ولا كلام على الأحلام، فلما عطف الأحلامَ على الأماني علمنا أنه قصد
стр. 1181
تشبيهَ أمانيه الناشئة عن دعواها بالأحلام في اللذاذة وعدم التحقق. وهذا وجهُ الاحتراز فيما مضى بقولي: "المنتظمة بحسب المتعارف".
وقد يكون التناسب موهومًا، ومجرد دعوى، في المقامات الشعرية واللطائف، كقوله:
ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا ... شَمْسُ الضُّحَى وَأبُو إِسْحَاقَ وَالقَمَرُ (١)
وقد يكون التناسبُ غريبًا نابعًا لتناسب شيئين آخرين، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦]، فإن التناسب أوجده ما يأتي بعده من قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾؛ لأن النجم من توابع السماء والشجر من توابع الأرض. ثم يكفي في هذه المناسبة التقارنُ في الغرض المسوق له الكلام.
ولهذا كان العطف بالفاء وثم وحتى أوسعَ في هذه المناسبة المشروطة؛ لأن الترتب أو المهلة أو الغاية كلها مناسبات كافية لتصحيح العطف لأنها دالة على التقارن في الوجود. وهذا التقارن مهيِّئ للمناسبة ومسوِّغٌ للعطف، لكنه يزداد حسنًا إذا قوِيَ التناسب. ولذا كان أصل الفاء التفريع ما لم تبعد المناسبة، ألا ترى كيف حسن العطف في قول عمرو بن كلثوم:
نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّا ... فَأَعْجَلْنَا القِرَى أَنْ تَشْتُمُونَا (٢)
стр. 1182
وكيف يقبح العطف بالفاء لو قلت: جاء زيد فصفعوه، ويزيدُ قبحًا لو قلت: جاء زيد فنهق الحمار، لبعد المناسبة (١). وكيف يحسن أن تقول: طلع الفجر فأذن المؤذن؟
وقول ابن زمرك (٢):
هَبَّ النَّسِيمُ عَلَى الرِّيَاضِ مَعَ السَّحَرْ ... فَاسْتَيْقَظَتْ فِي الدَّوْحِ أَجْفَانُ الزَّهَرْ (٣)
ويكون دونه حسنًا: "طلع الفجر فصاح الديك"، وكيف يقبح أن تقول: طلع الفجر فاستيقظ زيد إذا لم يكن الحديث قبل ذلك على زيد؟
إذا تحققت هذا، فاعلم أنه يتعين الوصلُ إذا أُريد تشريكُ الجملة المعطوفة للجملة المعطوف عليها في حكمها في الإعراب، كعطف الجمل المعمولة لعاملٍ واحد بعضها على بعض (٤)، أو التشريك في حكمها في المعنى وإن لم يكن للمعطوف عليها محلٌّ من الإعراب.
стр. 1183
والمراد من الحكم الكيفية الثابتة لمفهوم الجملة المعطوف عليها، مثل حكم القصر في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧]، فقد عطف جملة "ولكل قوم هاد" على جملة إنما أنت منذر؛ لأن المقصود تشريكها في حكم القصر، إذ المقصود من الجملتين الردُّ على من اعتقد خلافَ ذلك (١)، وليس للجملتين محلٌّ من الإعراب.
ويتعين الفصلُ إذا أُريد التنبيهُ على أن الجملة الثانية منقطعةٌ عن الأولى، أي غير مشاركة لها لا في الحكم الإعرابي نحو قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] لم تعطف جملة "الله يستهزئ بهم" لئلا يظن السامع أنها من قولهم، ولا في مجرد الحكم المعنوي حيث لم يكن إعراب، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ [الرعد: ٧, ٨] , لم تُعطف جملةُ "الله يعلم"؛ لأنه لم يُقصد دخولُها في حكم القصر، إذ لا قصد للرد على معتقد أن الله لا يعلم ما تحمل كلُّ أنثى، إذ لم يكن في المخاطَبين من المشركين وأهل الكتاب من يعتقد ذلك. وكذا قولهم: "مات فلان ﵀"، فلو عطف "﵀" لظن أن الجملة الدعائية إخبارٌ عن فعل الله معه.
فالفصلُ في هاته الأمثلة كلها لأجل انقطاع الجملتين بعضهما عن بعض، كما رأيت. ويتعين الفصلُ أيضًا إذا كانت الجملةُ الثانية عينَ الأولى في المعنى، أو في محصل الفائدة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. فالتي هي عين الأولى في المعنى نحو قول الشاعر الذي لم يعرف:
أَقُولُ لَهُ ارْحَلْ لَا تُقِيمَنَّ عِنْدَنَا ... وَإِلَّا فَكُنْ فِي السِّرِّ وَالجَهْرِ مُسْلِمَا (٢)
стр. 1184
فإن معنى "لا تقيمن" هو ما يفيده معنى قوله: "ارحل"، فكانت الجملةُ الثانية كبدل الاشتمال من الأولَى (١).
والتي هي عين الأولى في محصل الفائدة مثل المؤكدة نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، فجملة "لا ريب فيه" مؤكدة لمعنى "ذلك الكتاب".
ومن أنواع الوصل عطفُ طائفةٍ من الجمل على مجموع طائفة أخرى، بحيث تعطف قصةٌ على قصة أو غرضٌ على غرض في الكلام، فلا تُلاحَظ إلا المناسبةُ بين القصة والقصة، والغرض والغرض، لا بين أجزاء كلٍّ من القصتين، حتى إذا وليت الجملة الأولى من القصة المعطوفة إحدى جمل القصة المعطوف عليها لا يُتطلب وجهٌ لتلك الموالاة لأنها موالاةٌ عارضة. وهذا نحو عطف قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥] إلخ، على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]؛ لأن قوله: "وإن كنتم في ريب" مسوقٌ لبيان عقاب الكافرين وقوله: "وبشر" مسوقٌ لبيان ثواب المؤمنين.
ونظيرُه من عطف المفردات قولُه تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] فإنه لو قُصد عطفُ الظاهر على الآخر لم يحسن، وإنما القصد عطفُ وصفين متقابلين على وصفين متقابلين، وكلُّها لموصوف واحد.
عطف الإنشاء على الخبر وعكسه:
منع بعضُ علماء العربية عطفَ الإنشاء على الخبر، وعطف الخبر على الإنشاء. والحقُّ أن ذلك ليس بممنوع، وهو كثيرٌ في الكلام البليغ. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)
стр. 1185
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ١٧ - ٢١]، عطف "وهل أتاك" على أخبار داود.
واعلم أنه قد يُخالَف الظاهر، فيُؤتى بالوصل في مقام الفصل وبعكسه، لقصد دفع إيهامٍ ينشأ عن ارتكاب مقتضى الظاهر، كما جاء الفصلُ في قول الشاعر الذي لم يعرف:
وتظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِي أَبْغِي بِهَا ... بَدَلًا أُرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيمُ (١)
كان الظاهر عطف جملة "أُراها"، لكنه فصلها لئلا يَتوهَّم السامعُ أن ذلك مما تظنه سلمى، فالوصل سببٌ منع منه مانع.
وكما جاء الوصل في نحو قولهم: "لا وأيدك الله"، فإن الظاهر الفصل؛ لأن الجملتين غيرُ مشتركتين في الحكم (٢)، ضرورةَ أن إحداهما خبر والأخرى إنشاء. فقد وُجد مانعُ الوصل، ولكنه خلفه مقتضٍ إذ لو فُصل لتُوُهِّم الدعاءُ بنفي تأييده.
هذه معاقدُ أحوال الفصل والوصل، وفي وجوه الاتصال والانفصال المرتب عليهما الوصلُ والفصل تفاصيل واعتباراتٌ دقيقة يجب إرجاؤها لكتب مرتبة أرقى من هذه (٣).
стр. 1186
الإيجاز والإطناب والمساواة:
الأصل في الكلام أن يكون تأدية للمعاني بألفاظ على مقدارها، أي: بأن يكون لكل معنى قصده المتكلم لفظ يدل عليه ظاهر أو مقدر (١). وتسمى دلالةُ الكلام بهاته الكيفية مساواة؛ لأن الألفاظ كانت مساويةً للمدلولات. فإذا نقصت الألفاظُ عن عدد المعاني مع إيفائها بجميع تلك المعاني، فذلك الإيجاز، مثل الحذف لما شأنه أن يُذكر في كلامهم إذا قامت القرينة، ومثل توخي لفظٍ يدل على مجموع معان إذا كان الغالب في الكلام الدلالة على تلك المعاني بعدة ألفاظ. فقول بشار:
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ ... وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الفَاتِكُ اللهجُ
مساواةٌ، وقول سَلْم (٢):
مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غمًّا ... وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الجَسُورُ (٣)
стр. 1187
إيجاز؛ وإذا زادت الألفاظ على عدد المعاني مع عدم زيارة المعاني، فذلك الإطناب مثل التوكيد اللفظي والتكرير، وذكر الخاص بعد العام والتفسير نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)﴾ [المعارج: ١٩, ٢٠] إلخ. ومثل قوله:
الألمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ الظَّنْـ ... ـنَ كأَنْ قَدْ رَأَى وَقَدْ سَمِعَا (١)
ومبنى كلام العرب على الإيجاز ما وجدوا إليه سبيلًا؛ لأن الأمة العربية أمةٌ ذكية، فابتنى كلامُها على مراعاة سبق أفهامها (٢). فقول المبرد في كامله: "من كلام
стр. 1188
العرب الإيجاز المفهم والإطناب المفخم" (١)، تنويعٌ للكلام لا قصد للتساوي بينهما، وكلها تجري على حسب مقتضى الحال.
أما المساواة فنحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، والإيجاز يكون إيجاز حذف، وإيجاز اختصار أو قِصَر (بكسر القاف وفتح الصاد). فإيجاز الحذف كحذف المسند إليه والمسند والمفعول والتحذير والإغراء، وحذف المفعول أكثرُ أنواع الحذف في الإيجاز نحو: "قد كان منك ما يسوء"، أي كلّ أحد، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، وحذف المضاف نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وحذف الصفة نحو: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩] أي: صالحة، وحذف الجملة أو الجمل التي يدل عليها السياق نحو: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، أي: فضرب ونحو: ﴿فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٥, ٤٦]، أي: فأرسلوه فقال: وكثير من أمثال العرب يشتمل على إيجاز لحذف.
وإيجاز الاختصار أداء المعاني بألفاظ أقل منها عددًا دون حذف، بل بتوخِّي ما يفيد من الألفاظ عدةَ معان، نحو قولهم في المثل: "القتل أنفى للقتل"، وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله في الحديث: "ليكن ثوبك إلى الكعبين فإنه أنقى وأبقى" (٢)، وقول المعري: "أولو الفضل في أوطانهم غرباء"، أراد أن يقول
стр. 1189
إنهم مخالفون لأحوال عامة الناس، كما بينه في بقية البيتين (١).
وكثيرٌ من أمثال العرب يشتمل على إيجاز الاختصار، وكذلك حِكمُ الحكماء. وأما الإطناب فبالتكرير في مقام التهويل، نحو: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ في
стр. 1190
سورة المرسلات، ونحو: "قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي" في قصيدة الحارث بن عباد من أبطال حرب البسوس (١)، وكنحو ذلك.
واعلم أن الإطناب والإيجاز قد يُطلقان على التوسع في الغرض المسوق له الكلام والاقتصاد فيه، فيُعَدُّ من الإطناب الإتيانُ بالجملة المعترضة أو كثرة البيان
стр. 1191
والإيضاح. ومن الإيجاز تركُ المقدمات في الخطب لضيق المقام ونحوه (١) , وتعلقُ هذا النوع بفن البلاغة ضعيف بل هو من مباحث صناعة الإنشاء (٢).
فن البيان
هو علم به يعرف البليغ كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على حسب مقتضى الحال فتلك الطرق هي: الحقيقة، والمجاز، و التشبيه ، والتصريح، والكناية.
التشبيه:
هو من الحقيقة، ولكنه لكثرة وروده في كلام البلغاء وشدة عنايتهم به منذ حفظ الشعر العربي استحق التخصيصَ بالتبويب، واستحق التقديمَ على المجاز
стр. 1192
لتوقف بعض أنواع المجاز عليه. فالتشبيه الدلالة الصريحة على إلحاق شيءٍ بشيءٍ في وصف اشتهر فيه الملحق به، تقريبًا لكمال الوصف المراد التعبير عنه، كقولك: "هذا الفرس كالطائر في سرعة المشي" (١). والمراد بالصريحة ما كانت بلفظ دال على إلحاق ملفوظ أو مقدر، وخرج به الاستعارةُ والتجريد.
وأركانه أربعة: طرفاه وهما المشبَّه والمشبه به، ووجهُه وهو ما يشترك فيه الطرفان، وأدواتُه وهي ما يدل على الإلحاق.
أما الطرفان فقد يكونان حسيين، وهو الغالب. وقد يكونان عقليين، كتشبيه العلم بالنور، والسيوف بأنياب الأغوال. وأما وجه الشبه، فهو ما يتوهمه المتكلم وصفًا جامعًا، سواء كان ثابتًا في نفس الأمر كالشجاعة في الأسد أم كان ثابتًا في العرف كتشبيه العجوز بالسّعلاة وتشبيه المعاقب على ذنب غيره بسبابة المتندم حين يعضها في قول ابن شرف القيرواني (المتوفَّى سنة ٤٩٠ هـ):
غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَاقَبُ فِيكُمُ ... فكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمِ (٢)
أم كان ثابتًا في الوهم والخيال، كتشبيه النجوم في الظلام بالسنن في خلال الابتداع في قول القاضي التنوخي (المتوَفَّى سنة ٣٤٢ هـ):
стр. 1193
وَكَأَنَّ النُّجُومَ بَيْنَ دُجَاهَا ... سُنَنٌ لَاحَ بَيْنَهُنَّ ابْتِدَاعُ (١)
والأكثرُ حذفُه في الكلام، وقد يُذكر لِخفائه. وأداتُه الكاف، وكأن، ومثل، وشبه، ومثل، ونحوها. وهي إما ظاهرة نحو: كالبحر وكلامه كالدر، أو مقدرة نحو: هو أسد، وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]. ويُسَمَّى بالتشبيه البليغ، وليس باستعارة على أصح القولين.
واعلم أن وجهَ الشبه إذا كان وصفًا منتَزَعًا من أمرين فأكثر سُمِّيَ ذلك التشبيهُ تشبيهَ التمثيل، سواء كان طرفاه مُركَّبين كقول بشار:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافِنَا لَيْلٌ تهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٢)
أم كان أحدُهما أو كلاهما مفردًا، كقول النابغة:
стр. 1194
لَكَلَّفْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ ... كَذِي العِيرِ يُكوَىَ غَيْرُهُ وَهوَ رَاتِعُ (١)
فإنه شبه نفسه بالبعير المكوي لمرض غيره؛ لأن ذلك هو المقصود، كما شبه المريضَ بذي العير. وكلا المشبهين مفرد، والمشبه به الهيئة، وتركبُ الطرفين معًا يستلزم تركبَ وجه الشبه.
ويسمى بالتشبيه البليغ ما حُذفت أداتُه، فصار المشبه به خبرًا عن المشبه نحو "وجهك البدر" في قول:
وَجْهُكَ البَدْرُ لَا بَلِ الشَّمْسُ لَوْ لَمْ ... تُقْضَ لِلشَّمْسِ كِسْفَةٌ وَأُفُولُ (٢)
أو صار حالًا، نحو ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢؛ غافر: ٦٤]. ومنه قول أبي الطيب:
بَدَتْ قَمَرًا وَمَالَتْ خُوطَ بَانٍ ... وَفَاحَتْ عَنْبَرًا وَرَنَتْ غَزَالَا (٣)
أو مضافًا إلى المشبه نحو: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ونحو ذهب الأصيل ولجين الماء. وفي قول شاعر لم يعرف:
وَالرِّيحُ تَعْبَثُ بِالغُصُونِ وَقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ المَاءِ (٤)
وقد يعكس التشبيه ادعاء، كقول محمد بن وهيب:
стр. 1195
وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ (١)
وقد يُحذف المشبَّهُ به، فيكون التشبيه مكنيًا، ويُشار إليه ببعض ما هو من خصائص المشبَّهِ به، كقول النابغة:
فَبِتُّ كَأَنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَ لِي ... هَرَاسًا بِهِ يُعْلَى فِرَاشِي وَيُقْشَبُ (٢)
فالمشبه به هو المريض الذي يشتد ألمه بالليل، وقد حذفه وأشار إليه بالعائدات؛ لأن المقصود تشبيهُ نفسه لا تشبيه العوائد. وإنما جاء بذكر "فرشن لي" زيادةً في تهويل آلامه. وهذا النوع هو الذي تتفرع منه الاستعارةُ المكنية، ولم يذكره المتقدمون.
الحقيقة والمجاز:
الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وُضعت له، والمجاز اللفظُ المستعمل في غير ما وُضع له لعلاقة، مع قرينة مانعةٍ من إرادة الحقيقة. وإنما قلنا: "اللفظ" دون "الكلمة" ليشمل هذا التعريفُ المجازَ المفرد والمجازَ المركَّب كما سيأتي. وإنما قلنا: "المستعمل في غير ما وضع له" دون غيره من العبارات؛ لأن الكلمة تُعد مجازًا إذا استعملت في غير المعنى الموضوعة هي له في اللغة، سواء كان استعمالُها في المعنى المجازي أقلَّ من استعمالها في المعنى الحقيقي أم مساويًا أو أشهر، فإن المجاز قد يشتهر ويُسمَّى بالحقيقة العرفية مثل الزكاة والتيمم، ومثل الفاعل والقياس (٣).