← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

والإيضاح. ومن الإيجاز تركُ المقدمات في الخطب لضيق المقام ونحوه (١) , وتعلقُ هذا النوع بفن البلاغة ضعيف بل هو من مباحث صناعة الإنشاء (٢). فن البيان هو علم به يعرف البليغ كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة على حسب مقتضى الحال فتلك الطرق هي: الحقيقة، والمجاز، و التشبيه ، والتصريح، والكناية. التشبيه: هو من الحقيقة، ولكنه لكثرة وروده في كلام البلغاء وشدة عنايتهم به منذ حفظ الشعر العربي استحق التخصيصَ بالتبويب، واستحق التقديمَ على المجاز

стр. 1192

لتوقف بعض أنواع المجاز عليه. فالتشبيه الدلالة الصريحة على إلحاق شيءٍ بشيءٍ في وصف اشتهر فيه الملحق به، تقريبًا لكمال الوصف المراد التعبير عنه، كقولك: "هذا الفرس كالطائر في سرعة المشي" (١). والمراد بالصريحة ما كانت بلفظ دال على إلحاق ملفوظ أو مقدر، وخرج به الاستعارةُ والتجريد. وأركانه أربعة: طرفاه وهما المشبَّه والمشبه به، ووجهُه وهو ما يشترك فيه الطرفان، وأدواتُه وهي ما يدل على الإلحاق. أما الطرفان فقد يكونان حسيين، وهو الغالب. وقد يكونان عقليين، كتشبيه العلم بالنور، والسيوف بأنياب الأغوال. وأما وجه الشبه، فهو ما يتوهمه المتكلم وصفًا جامعًا، سواء كان ثابتًا في نفس الأمر كالشجاعة في الأسد أم كان ثابتًا في العرف كتشبيه العجوز بالسّعلاة وتشبيه المعاقب على ذنب غيره بسبابة المتندم حين يعضها في قول ابن شرف القيرواني (المتوفَّى سنة ٤٩٠ هـ): غَيْرِي جَنَى وَأَنَا المُعَاقَبُ فِيكُمُ ... فكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ المُتَنَدِّمِ (٢) أم كان ثابتًا في الوهم والخيال، كتشبيه النجوم في الظلام بالسنن في خلال الابتداع في قول القاضي التنوخي (المتوَفَّى سنة ٣٤٢ هـ):

стр. 1193

وَكَأَنَّ النُّجُومَ بَيْنَ دُجَاهَا ... سُنَنٌ لَاحَ بَيْنَهُنَّ ابْتِدَاعُ (١) والأكثرُ حذفُه في الكلام، وقد يُذكر لِخفائه. وأداتُه الكاف، وكأن، ومثل، وشبه، ومثل، ونحوها. وهي إما ظاهرة نحو: كالبحر وكلامه كالدر، أو مقدرة نحو: هو أسد، وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]. ويُسَمَّى بالتشبيه البليغ، وليس باستعارة على أصح القولين. واعلم أن وجهَ الشبه إذا كان وصفًا منتَزَعًا من أمرين فأكثر سُمِّيَ ذلك التشبيهُ تشبيهَ التمثيل، سواء كان طرفاه مُركَّبين كقول بشار: كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافِنَا لَيْلٌ تهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٢) أم كان أحدُهما أو كلاهما مفردًا، كقول النابغة:

стр. 1194

لَكَلَّفْتَنِي ذَنْبَ امْرِئٍ وَتَرَكْتَهُ ... كَذِي العِيرِ يُكوَىَ غَيْرُهُ وَهوَ رَاتِعُ (١) فإنه شبه نفسه بالبعير المكوي لمرض غيره؛ لأن ذلك هو المقصود، كما شبه المريضَ بذي العير. وكلا المشبهين مفرد، والمشبه به الهيئة، وتركبُ الطرفين معًا يستلزم تركبَ وجه الشبه. ويسمى بالتشبيه البليغ ما حُذفت أداتُه، فصار المشبه به خبرًا عن المشبه نحو "وجهك البدر" في قول: وَجْهُكَ البَدْرُ لَا بَلِ الشَّمْسُ لَوْ لَمْ ... تُقْضَ لِلشَّمْسِ كِسْفَةٌ وَأُفُولُ (٢) أو صار حالًا، نحو ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢؛ غافر: ٦٤]. ومنه قول أبي الطيب: بَدَتْ قَمَرًا وَمَالَتْ خُوطَ بَانٍ ... وَفَاحَتْ عَنْبَرًا وَرَنَتْ غَزَالَا (٣) أو مضافًا إلى المشبه نحو: ﴿تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ونحو ذهب الأصيل ولجين الماء. وفي قول شاعر لم يعرف: وَالرِّيحُ تَعْبَثُ بِالغُصُونِ وَقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الأَصِيلِ عَلَى لُجَيْنِ المَاءِ (٤) وقد يعكس التشبيه ادعاء، كقول محمد بن وهيب:

стр. 1195

وَبَدَا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ (١) وقد يُحذف المشبَّهُ به، فيكون التشبيه مكنيًا، ويُشار إليه ببعض ما هو من خصائص المشبَّهِ به، كقول النابغة: فَبِتُّ كَأَنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَ لِي ... هَرَاسًا بِهِ يُعْلَى فِرَاشِي وَيُقْشَبُ (٢) فالمشبه به هو المريض الذي يشتد ألمه بالليل، وقد حذفه وأشار إليه بالعائدات؛ لأن المقصود تشبيهُ نفسه لا تشبيه العوائد. وإنما جاء بذكر "فرشن لي" زيادةً في تهويل آلامه. وهذا النوع هو الذي تتفرع منه الاستعارةُ المكنية، ولم يذكره المتقدمون. الحقيقة والمجاز: الحقيقة الكلمة المستعملة فيما وُضعت له، والمجاز اللفظُ المستعمل في غير ما وُضع له لعلاقة، مع قرينة مانعةٍ من إرادة الحقيقة. وإنما قلنا: "اللفظ" دون "الكلمة" ليشمل هذا التعريفُ المجازَ المفرد والمجازَ المركَّب كما سيأتي. وإنما قلنا: "المستعمل في غير ما وضع له" دون غيره من العبارات؛ لأن الكلمة تُعد مجازًا إذا استعملت في غير المعنى الموضوعة هي له في اللغة، سواء كان استعمالُها في المعنى المجازي أقلَّ من استعمالها في المعنى الحقيقي أم مساويًا أو أشهر، فإن المجاز قد يشتهر ويُسمَّى بالحقيقة العرفية مثل الزكاة والتيمم، ومثل الفاعل والقياس (٣).

стр. 1196

وقولي: "لعلاقة" لإخراج الغلط وإخراج المشاكلة الآتية في البديع. وقولي: "مع قرينة مانعة"، لإخراج الكناية، ولبيان شرط ماهية المجاز. والقرينة ما يُفصح عن المراد لا بالوضع من كلمة، نحو: رأيت أسدًا يرمي، أو صيغة نحو: قول المستنجد: أين الأسود الضارُون؟ فإن صيغة جمع العقلاء قرينةٌ وإلا لقال الضارية، أو حال الكلام نحو: لقيت أسدًا والمتكلم من أهل الحاضرة. وتقييدُ القرينة بالمانعة لإخراج المعيِّنة لمعنى، كقرينة إرادة أحد معاني اللفظ المشترك أو التي تعين نوعَ المجاز من بين أنواع يحتملها المقام؛ فإن تلك لا بد منها إذا لم يكن المراد إذهابَ نفس السامع كلَّ مذهب ممكن، كما تقول: هو بحر، فيحتمل الكرمَ والعلم. والعلاقةُ هي المناسبة التي بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، والعلاقات كثيرةٌ أنهاها بعضُهم إلى ثمان وعشرين (١). وأشهرُها المشابهة، والسَّببية، والمجاورة، والبعضية (ويُعبَّر عنها بالجزئية، نسبة للجزء)، والتقييد، أي إطلاق اللفظ الموضوع لمعنى مقيد على المعنى المطلق (٢)، والمآل، وأضدادها. ويمكن ردُّها إلى المشابهة والتلازم؛ لأن المراد اللزوم عرفًا.

стр. 1197

فالمجاز إن كانت علاقتُه المشابهة سمي استعارة وإن كانت علاقتُه غير المشابهة سُمِّيَ مجازًا مرسلًا، وقد يختلط مجازُ اللزوم بالكناية. وأهم أنواع المجاز هو الاستعارة، لشدة عناية بلغائهم بالتشبيه وتنافسهم فيه منذ زمن امرئ القيس. ولذلك سموا ما لم يُبن على المشابهة بالمرسل؛ لأنه المطلقُ عن التشبيه المعتبر عندهم (١). ولْنبْدَأْ بالكلام على المجاز المفرد، ثم نُتبعه بالمجاز المركب. أما المجازُ المفرد فقد تقدم تعريفُه. فالمجاز المرسل المفرد كإطلاق الأيادي على النعم في قوله: "أَيَادِي لَمْ تَمْنُنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ" (٢)، وإطلاق العين على الرقيب، وإطلاق اللسان على

стр. 1198

الذكر الحسن في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤] ونحو ذلك، وتفاصيلُها غير صعبة. والاستعارةُ المفردة تجري في الأسماء والأفعال والحروف، فكل كلمة من هاته الأنواع إذا استُعمِلت في غير ما وُضعت له لمشابهةِ ما استُعملت فيه لِمَا وُضعت له، فهي استعارة. فاستعارة الأسماء كثيرة، واستعارة الأفعال والحروف نحو: "فلسانُ حالِيَ بالشِّكاية أَنْطَقُ" (١)، واستعارة الحرف في نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] (٢).

стр. 1199

ولا جدوى في تسميتها تبعية (١)، ولا يُستعار الاسمُ العلم إلا إذا تضمن وصفًا مشتهرًا كحاتم بالجود وسحبان بالفصاحة. تنقسم الاستعارة إلى مصرحة ومكنية. فالمصرحة هي التي صرح فيها بلفظ المشبه به واستعمل في المشبه ملفوظًا به أو مقدَّرًا نحو "لدي أسد"، ونحو قول المجيب نعم لِمن قال له مثلًا: "تناغي غزالًا عَند باب ابن عامر؟ " والمكنية - ويقال استعارة بالكناية - وهي أن يُستعار لفظُ المشبَّه به للمشبَّه، ويحذف ذلك اللفظُ المستعار، ويشار إلى استعارته بذكر شيء من لوازم مسماه، نحو قول أبي ذؤيب: وَإِذَا المَنِيَةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... ألفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ (٢) فقد ظهر من ذكر الأظفار أن المنية شُبهت بالسبع. وقول أبي فراس: فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الهَيْجَاءُ كُنَّا ... أَشَدَّ مَخَالبًا وَأَحَدَّ نَابَا (٣)

стр. 1200

ولا يضر بقاءُ لفظ المشبه في الكلام؛ لأنه صار مذكورًا لغير قصد التشبيه، بل لإكمال معنى اللازم المذكور. ألا ترى أنه يجيء مضافًا إليه كما في بيت أبي ذؤيب أو يكون مذكورًا في الخبر السابق كما في بيت أبي فراس؟ (١) واعلم أن هذا اللازم الذي هو مِنْ مُلائمات المشبَّه به في المكنية قد يكون غيرَ صالِحٍ للاستعارة، فالإتيانُ به إذن لمجرد كونه من لوازم ماهية اللفظ المحذوف، كالأظفار في بيت أبي ذؤيب، وكقول لبيد في المعلقة: وَغَدَاةِ رِيحٍ قَدْ كَشَفْتُ وَقَرَّةٍ ... إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا (٢) فشبه ريح الشمال براكب أمسك بزمام فرس البرد وجعل له يدًا، ولا يصلح اليد لأن تكون تشبيهًا لشيء في معاني هذا البيت. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، شبه المال المأخوذ بالطعام والشراب وجعل له الهناء والمري. وقد يكون هذا اللازم صالِحًا للاستعارة أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧]، فإن النقض من لوازم الحبل الذي شُبِّه به العهد. ويصح مع ذلك أن يكون مستعارًا لإبطال العهد. وكالأظفار في قول حسين بن الضحاك يخاطب عمرو بن مسعدة ليشفع له لدى المأمون الخليفة: أَنْتَ يَا عَمْرُو قُوَّتِي وَحَيَاتِي ... وَلِسَانِي وَأَنْتَ ظُفْرِي وَنَابِي (٣)

стр. 1201

فإنه أراد تشبيهَ نفسه بسبع، وتشبيهَ المخاطب بالشيء الذي به يُدافع السَّبُعُ عن نفسه، وذلك لا يُبطِل دلالتَه على المكنية؛ لأن مجردَ إشعار اللفظ بلازم من لوازم المشبَّه به المكنى كافٍ في كونه دليلًا على المكنية (١). وأما المجاز المركب فهو الكلام التام المستعمل في غير ما وضع للدلالة عليه لعلاقة مع قرينه كالمفرد. ولا يختص بعلاقة المشابهة، بل قد تكون علاقتُه غير المشابهة كالخبر المستعمل في التحسر لعلاقة اللزوم، نحو "هواي مع الركب اليمانين مُصَعَّد"، وكالإنشاء المراد به الخبر، كقوله: "جَاؤُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ" (٢)، فيُسمَّى حينئذ مجازًا مركَّبًا فقط. وقد تكون علاقتُه المشابهة، فيُسمى استعارةً تمثيلية وتمثيلًا، نحو: "إني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى" (٣)، شبهت حالة

стр. 1202

حالة المتردد في الرأي بحال المتردد في المشي، واستعير المركَّب الدال على التردد في المشي للدلالة على معنى التردد في الرأي، وكذا قول عبد الله بن المعتز: اصْبِرْ عَلَى مَضَضِ الحَسُو ... دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْ فَالنَّارُ تَأْكُلُ نَفْسَهَا ... إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهْ (١) فقوله: "فالنار تأكل" إلخ مركَّبٌ مستعملٌ في غير ما وُضع للدلالة على معناه، إذ هو الآن مستعملٌ في معنى أن الحسود يرجع وبالُ حسده عليه ولا يضر به إلا نفسَه، كالنار تأكل نفسها إذا تُركت، ولم يُلقَ فيها شيءٌ تُحرقه (٢). وكذلك قولُهم: "انتهز الفرصة" شبَّهَ هيئةَ المبادر للفعل بالبادر لنوبة شرب الماء. والاستعارةُ التمثيلية تتفرع عن التشبيه المركَّب المتقدم ذكره. هذا والبلغاء يتفننون، فيأتون مع الاستعارة بما يناسب المعنى المستعارَ إغراقًا في الخيال، فيُسمَّى ذلك ترشيحًا، نحو قول زهير:

стр. 1203

لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ ... لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقْلَمِ (١) فقوله "له لبد أظفاره لَمْ تُقْلَمِ" ترشيحان، وقول النابغة: وَبَنُو قُعَيْن لَا مَحَالَةَ أَنَّهُمْ ... آتُوكَ غَيْرَ مَقَلَّمِي الأَظْفَارِ (٢) وقد يأتون مع الاستعارة بما يناسبُ المعنى المستعارَ له إغراقًا في الخيال أيضًا، بدعوى أن المشبَّه قد اتحد بالمشبَّهِ به فصارا حقيقةً واحدة، حتى إن الأسدَ يحمل بيده سيفًا في قوله: "لدى أسد شاكي السلاح"، وحتى إن ريح الشمال تُمسِكُ بيدها زمامًا في قوله: "بيد الشَّمال زِمامُها". ويسمون ذلك تجريدًا؛ لأن الاستعارة جُرِّدت عن دعوى التشبيه إلى الحكم بالاتحاد والتشابه التام. ويكون ذلك مع المصرحة والمكنية، كما علِمْتَه في المصرحة. وأما المكنية فإن ما يُذكَرُ من لوازم المشبه به صالِحٌ أبدًا ليكون ترشيحًا، فكلٌّ من التجريد والترشيح إكمالٌ للاستعارة وإغراقٌ في الخيال. ومن ثم لم يمتنع الجمعُ بينهما في كثير من كلامهم، كما في بيت زهير المتقدم. وهذا يحقق لكم أن كلًّا من الترشيح والتجريد مشتمِلٌ على مبالغة في التشبيه من جهة (٣)، وان الترشيح والتجريد يخالفان القرينة (٤)، وأن التجريد ليس

стр. 1204

بنكولٍ عن الاستعارة (١)، وأن الترشيح قد يكون باقيًا على حقيقته إذا لم يكن لمعناه الوضعي شبيهٌ كما في قوله: "له لبد"، وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، إذا كان معنى "فكلوه" فخذوه أخذًا لا رد فيه، والهنيء المري من صفات الطعام. ولم يقصد هنا استعمالهما في وصفٍ للمال كالإباحة؛ لأن معنى الإباحة قد استفيد من الأمر في قوله: "كلوه"؛ لأن الأمر هنا للإباحة. وقد يكون استعارة إذا كان لمعناه شبيه يناسب التشبيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فهو استعارة على استعارة. وإذا كان صالِحًا لذلك لم يظن بالبليغ أن يفلته. ومن النادر أن يقصد المتكلم من التجريد إبطالَ الاستعارة، فيكون التجريد بمنزلة إخراج الخِبْء، كقولها: أَسْتَغْفِرُ اللهَ لأَمْرِي كُلِّهْ ... قَتَلْتُ ظَبْيًا نَاعِمًا فِي دَلِّهْ انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَلَمْ أُصَلِّهْ (٢)

стр. 1205

فإنها لمَّا أرادت تشبيهَ القرآن في براعة مستمعه بالظبي في براعة المنظر، نبهت على أن الظبي قرآن يُصلى به. وإذا جُعل الترشيحُ استعارةً لم يبطل ترشيحُه للاستعارة الأولى؛ لأن استفادة الترشيح حاصلةٌ من صورة لفظه (١). وما يجري من الترشيح والتجريد في المجاز المفرد يجري في التمثيل. فمثال التجريد فيه قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فإن جمع الضمير مراعاة للمشبه لا للمشبه به؛ لأنه مفرد. ومثال ترشيح التمثيلية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، فجملة "اثاقلتم" تمثيلٌ لهيئتهم في التنصل من الخروج بهيئة الجسم الثقيل في صعوبة تنقله، وقوله: "إلى الأرض" ترشيح. الكناية: [الكناية] هي ما يقابل التصريح، والمرادُ بها هنا لفظٌ أُرِيدَ به ملزومُ معناه، مع جواز إرادة المعنى اللازم. وبهذا القيد الأخير خالفت المجازَ المرسلَ الذي علاقتُه اللزوم (٢). والأصلُ فيها أن يُراد المعنى مع لازمه، ويكون اللازمُ هو المقصود الأول. فإن البدوي إذا قال: "فلان جبانُ الكلب ومهزولُ الفصيل" (٣)، أراد أن كلبه

стр. 1206

وفصيله كذلك، والمقصد وصفه بالكرم. فإذا شاع ذلك صح إطلاقُه ولو لم يكن له كلب ولا فصيل، كما إذا قيل في وصف الحضري: "فلان جبان الكلب". وهي تنقسم إلى واضحة وخفية: فالواضحةُ هي التي لا تحتاج إلى إعمال روية، نحو قولهم: "طويل النجاد"، كنايةً عن طول القامة، وقول العرب: "مثلك لا يفعل كذا، وغيرك لا يفعل" يريدون أنت لا تفعل، قال تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، أي: لا يتبع سبيل المؤمنين. والخفية التي تحتاج لإعمال روية، إما لخفاء اللزوم نحو "عريض القفا" كنايةً عن الغباوة، وإما لكئرة الوسائط نحو "كثير الرماد" بمعنى كريم (١). والكنايةُ أبلغ من التصريح لِمَنْ كان ذكيًا.

стр. 1207

تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر اعلم أن البلغاء يتفننون في كلامهم، فيأتون فيه بما لا يجري على الظاهر الشائع بين أهل البلاغة، يقصدون بذلك التمليحَ والتحسين، أو يعتمدون على نكت خفية يقتضيها الحالُ ولا يتفطن لها السامعُ لو لم يلق إليه ما يخالف ظاهر الحال (١). فلا ينبغي أن يُعَدَّ في خلاف مقتضى الظاهر ما كان ناشئًا عن اختلاف الدواعي والنكت مع وضوح الاختلاف، كالوصل في مقام الفصل وعكسه لدفع الإيهام، ولا الإطناب في مقام الإيجاز لاستصغاء السامع، لظهور نكتة ذلك. وكذا لا يُعَدُّ ما كان ناشئًا عن علاقة مجازية، كاستعمال الخبر في الإنشاء، ولا ما كان ناشئًا عن تنزيل الشيء منزلةَ غيره مع وضوح؛ لأنه من المجاز، كالقصر الادعائي وكعكس التشبيه. فتعين أن يوضع ذلك ونظائره في مواضعه من أبوابه، وإن كان فيه رائحةٌ من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، من حيث إن الأصل خلافُه، وإن الذهن لا ينصرف إليه ابتداء. وإنما يُعَدُّ من تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ما لم يكن ناشئًا عن نكتة أصلًا، وهذا لا يوصف بموافقة مقتضى الحال ولا بمخالفته. وكذا يعد منه ما كان ناشئًا عن نكتة خفية لا يتبادر للسامع إدراكُها بسهولة، وهذا يوصف بأنه مقتضى حال لكنه خفيٌّ غيرُ ظاهر. فمن الأول الالتفات، وهو انتقالُ المتكلم من طريق التكلم أو طريق الخطاب أو طريق الغيبة إلى طريق آخر منها انتقالًا غير ملتزم في الاستعمال (٢)، نحو [قوله

стр. 1208

تعالى]: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥]، فإن مقتضى الظاهر أن يقول: إياه نعبد، وقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩]، فإن مقتضى الظاهر أن يقال: فساقه. وله نكتٌ تزيده حُسْنًا في الكلام، لها بيانٌ في المطولات (١).

стр. 1209

ومنه أيضًا الأسلوب الحكيم، وهو تلقي مَنْ يخاطبك بغير ما يترقب، أو سائلك بغير ما يتطلب، بأن تحمل كلام مخاطِبك (بكسر الطاء) على خلاف مراده، تنبيهًا على أنه الأولى له بالقصد، كقول [ابن] القبعثري للحجاج وقد قال له الحجاج متوعدًا إياه: "لأحملنك على الأدهم"؛ يعني القيد فقال له [ابن] القبعثري: "مِثْلُ الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، صير مرادَه للفرس (١). ومنه قولُ [حاتم الطائي] (٢): أَتَتْ تَشْتَكِي مِنِّي مُزَاوَلَةَ القِرَى ... وَقَدْ رَأَتْ الضِّيفَانَ يَنْحُونَ مَنْزِلِي فَقُلْتُ لَها لمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهَا: ... هُمُ الضَّيْفُ جِدِّي فِي قِرَاهُمْ وَعَجِّلِي (٣)

стр. 1210

وبأن تجيب سؤال السائل بغير ما يتطلب تنبيهًا على أنه الأولى بحاله أو المهم له، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ومنه القلب، وهو جعلُ أحد أجزاء الكلام مكانَ الآخر لغير داع معنوي دون تعقيد ولا خطأ ولا لبس (١)، ويقصده البلغاء تزيينًا للكلام. فمنه ما ليس بمطرد، نحو "عرضت الناقة على الحوض"، و"أدخلت الخاتم في إصبعي". ومنه مطرد في الكلام كثير عندهم حتى صار أكثرَ من الأصل، نحو قولهم: "ما كاد يفعل كذا" يريدون كاد ما يفعل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١]، وقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]. ومن هذا النوع التشبيهُ المقلوب المذكورُ كله في البيان، وعليه قول رؤبة: وَمَهْمَهٌ مُغْبَرَّةٌ أَرْجَاؤُهْ ... كَأنَّ لَوْنَ أَرْضِهِ سَمَاؤُهْ (٢) وقد ظهر أن هذا النوع كله لا حالَ تقتضيه، ولكنه تمليح في الكلام. ومن النوع الثاني من أنواع تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ما تقدم في باب الإسناد من تنزيل غير السائل منزلةَ السائل، ومنه مخاطبةُ الذي يفعل بالأمر بالفعل لقصد الدوام على الفعل كما في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء: ١٣٦]، ولعدم الاعتداد بفعله كما في الحديث: "صلّ فإنك لم تصل" (٣).

стр. 1211

ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، تنبيهًا على تحقيق وقوعه؛ لأن المستقبل مشكوكٌ في حصوله. فإذا أردت أن تحققه عبرت عنه بالماضي، إذ الماضي فعلٌ قد حصل، نحو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] (١). ومنه التغليب، وهو إطلاقُ لفظ على مدلوله وغيره، لمناسبة بين المدلول وغيره. والداعي إليه إما الإيجاز، فيغلب أخف اللفظين، نحو قولهم: الأبوين والعمرين لأبي بكر وعمر ﵄، وإما مراعاة أكثرية استعمال لفظ أو صيغة في الكلام، فتغلب على اللفظ أو الصيغة المرجوحة، نحو قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢]، وإما لتغليب جانب المعنى على اللفظ نحو: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ [النمل: ٥٥]، ولعل هذا من الالتفات. فن البديع البديع هو المحسِّناتُ الزائدة في الكلام على المطابقة لمقتضى الحال. وتلك المحسنات إما راجعةٌ إلى معنى الكلام باشتمال المعنى على لطائف مفهومة تحسنه وتُكسبه زيادةَ قبولٍ في ذهن المخاطب، وإما راجعةٌ إلى لفظ الكلام باشتماله على لطائف مسموعة تُونقه وتوجب له بهجةً في سمع السامع. وقد مر في مقدمة هذا الموجز أن فن البديع هو أولُ ما أُفرد بالتأليف من فنون البلاغة، وأن مدونه هو عبد الله بن المعتز العباسي (٢).

стр. 1212

والمحسِّناتُ البديعية كثيرة لا تنحصر عدًّا وابتكارًا، ويكفي المبتدئَ أن يعرف مشهورَها من القسمين: اللفظي والمعنوي. أما المعنوي فمنه التجريد، وهو أن يُنتزع من أمرٍ ذي صفةٍ أمرٌ آخر مثلُه في تلك الصفة انتزاعًا وهميًّا حتى تصير الذاتُ الواحدةُ ذاتين مبالغة لكمال الوصف في تلك الذات، كقولهم: "لي منك صديق حميم" و"لئن سألت فلانًا لتسألن به بحرًا". ومن هذا مخاطبةُ المرء نفسَه، وذلك كثيرٌ في الشعر كقول النابغة: دَعَاكَ الهَوَى وَاسْتَجْهَلَتْكَ المَنَازِلُ ... وَكَيْفَ تَصَابِي المَرْءِ وَالشَّيْبُ شَامِلُ (١) ومنه طالعُ قصيدة البردة البصيرية "أمن تذكر جيران" البيت (٢). ومنه المبالغةُ المقبولة، وهي ادعاءُ بلوغِ وصفٍ في شدته أو ضعفه مبلغًا يبعد أو يستحيل وقوعُه. وأصدقُها ما قُرن بلفظ التقريب، نحو ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ [النور: ٣٥]، ودونه ما عُلِّق على ما لَا يقع، كقول المتنبي: عَقَدَتْ سَنَابِكُهَا عَلَيْهَا عِثْيَرًا ... لَوْ تَبْتَغِي عَنَقًا عَلَيْهِ أَمْكَنَا (٣)

стр. 1213

وما عدا ذلك يحسن منه ما تضمن تمليحًا، كقول المتنبي: كَفَى بِجِسْمِي نُحُولًا أَنَّنِي رَجُلٌ ... لَوْلَا مُخَاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي (١) ومن التورية - وهي أن يُذكرَ لفظٌ له معنيان قريب وبعيد، ويراد المعنى البعيد اعتمادًا على القرينة لقصد إيقاع السامع في الشك والإيهام. ولم تكن معروفةً في شعر العرب إلا في قول لبيد يذكر قتلاهم ويوري بأبيه ربيعة قتل يوم ذي علق: وَلَا مِنْ رَبِيعِ المُقْتِرِينَ رُزِئْتُهُ ... بِذِي عَلَقٍ فَاقْنَيْ حَيَاءَكِ وَاصْبِرِي (٢) وقول عنترة: جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ ... فَتَرَكْنَ كلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ (٣) البكر السحابة السابق مطرها والحرة الخالصة من البرد، وقد اشتهر بالإبداع في هذا النوع علي الغراب الصفاقسي (٤) المتوَفَّى سنة ١١٨٣ كقوله: جَمَعْتُ هَوَى ظَبْيٍ وَقَدْ كَانَ جَامِعًا ... لِزَيْتُونَةٍ مِنْ فَوْقِ أَغْصَانِهَا التَوَى

стр. 1214

فَيَا جَامِعَ الزَّيْتُونَةِ الفَاتِنَ الوَرَى ... تَفَضَّلْ بِمَعْرُوفٍ عَلَى جَامِعِ الهَوَى ومنه التلميح - بتقديم اللام على الميم - وهو الإشارةُ في الكلام إلى قصة أو مسألة علمية أو شعر مشهور، كقول أبي تمام: فَوَالله مَا أَدْرِي أَأَحْلَامُ نَائِمٍ ... أَلمَّتْ بِنَا أَمْ كَانَ فِي الرَّكْبِ يُوشَعُ (١) يشير إلى القصة المذكورة في الإسرائيليات أن الشمسَ رُدَّت ليوشع النبي ﵇ في بعض غزواته لئلا يدخل السبت وهو بصدد فتح القرية (٢)، وقول ابن الخطيب شاعر الأندلس: وَرَوَى "النُّعْمَانُ" عَنْ "مَاءِ السَّمَا" ... كَيْفَ يَرْوِي "مَالِكٌ" عَنْ "أَنَسِ" (٣) يشير إلى نَسب النعمان ملك العرب، وإلى رواية الإمام مالك عن الصحابي مسقطًا الواسطة، وهو الحديثُ المرسل، أي أن شقائق النعمان روت عن ماء السماء بواسطة الأرض. ومنه المشاكلة، وهي أن يعمَد المتكلِّمُ إلى معنى غير موجود فيقدره موجودًا من جنس معنى قابله به مقابلةَ الجزاء أو العوض ولو تقديرًا، كقوله تعالى:

стр. 1215

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، عبر عن العقاب بالخداع لوقوعه جزاء عن الخداع، وقول أبي الرقعمق (١): قَالُوا: اقْتَرِحْ شَيْئًا نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ: اطْبَخُوا لِي جُبَّةً وَقَمِيصَا (٢) عبر عن صنع الجبة والقميص بالطبخ لوقوعه عوضًا عن الطبخ. وقولي: "ولو تقديرًا"، لإدخال المشاكلة التي لم يجتمع فيها لفظان، ولكن معنى أحد اللفظين حاضرٌ في الذهن، فيُؤتَى باللفظ المناسب للفظ المقدر، نحو قول أبي تمام: مَنْ مُبلِغٌ أَبْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا ... أَنِّي ابْتَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ (٣) ومنه تأكيد الشيء بما يشبه ضده، حتى يخيل للسامع أن الكلام الأول قد انتقض، فإذا تأمله وجده زاد تأكدًا، كقول النابغة: وَلَا عَيْبٌ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ (٤)

стр. 1216

ومنه براعة الاستهلال، وهي اشتمالُ أولِ الكلام على ما يشير إلى المقصود منه، كقوله في طالع قصيدة هناء: بُشْرَى فَقَدْ أَنْجَزَ الإِقْبَالُ مَا وَعَدَا ... وَكَوْكَبُ المَجْدِ فِي أُفُقِ العُلَا صَعَدَا (١) وأما المحسنات اللفظية، فمنها التجنيس ويسمى الجناس، وهو تشابه اللفظين في النطق مع اختلاف المعنى. وهو قديم في كلام العرب، كما في المثل العربي القديم: "هذا جناي وخياره فيه، إذ كل جان يده إلى فيه" (٢). وفي القرآن منه كثير. وقول أبي تمام:

стр. 1217

مَا مَاتَ مِنْ كَرَمِ الزَّمَانِ ... فَإِنَّهُ يَحْيَا لَدَى يَحْيَى بنِ عَبْدِ الله (١) وقول الحريري: سِمْ سِمَةً تَحْسنُ آثَارُها ... واشكر لِمَنْ أعطى ولو سِمْسِمَهْ وَالمَكْرَ مَهْمَا اسْطَعْتَ لَا تَأْتِهِ ... لتقتنيَ السؤْدَدَ وَالمَكْرُمَهْ (٢) فإن كان التشابه في غالب حروف اللفظين، فهو غير تام، كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤]. ومنه القلب، ويُسمَّى الطرد والعكس. وهو أن يكون الكلامُ إذا ابتدأتَه من حرفه الأخير وذهبتَ كذلك إلى حرفه الأول، يحصل منه عينُ ما يحصل من ابتدائه، كقول القاضي أحمد الأَرَّجاني (٣) (نسبةً إلى أَرَّجان - بفتح الهمزة وتشديد الراء المفتوحة - كورة من كور الأهواز، ويجوز تخفيفُ رائها):

стр. 1218

مَوَدَّتُهُ تَدُومُ لِكُلِّ هَوْلٍ ... وَهَلْ كُلٌّ مَوَدَّتُهُ تَدُومُ (١) فهذا البيت إذا ابتدأته من حرفه الآخر إلى حرفه الأول كان مثلَ ابتدائه من حرفه الأول. ومنها الاقتباسُ والتضمين. فالاقتباس هو أخذُ شيء من القرآن أو كلام النبوة، والتضمين أخذُ شيء من الشعر المشهور ومزجه مع الكلام نظمًا أو نثرًا، ولو مع اختلاف الغرضين، ولو مع تغيير يسير. فمن الاقتباس قولُ الحريري في المقامة الثانية: "فلم يكن إلا كلمح البصر أو هو أقرب، حتى أنشد فأغرب" (٢). ومن التضمين قولُ ضياء الدين موسى بن ملهم الكاتب في هجاء الرشيد عمر الفَوِّي، وكان أصلع وأسنانه بارزة: أَقُولُ لِمَعْشَرٍ جَهَلُوا وَغَضُّوا ... مِنَ الشَّيْخِ الرَّشِيدِ وَأَنْكَرُوهُ هُوَ ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعِ الثَّنَايَا ... مَتَى يَضَعُ العِمَامَةَ تَعْرِفُوهُ (٣)

стр. 1219

ويجوز فيهما التغييرُ اليسير، كما في المصراع الأخير المتقدم، وكقول أبي القاسم ابن الحسن الكاتبي: إنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ عَلَى هَجْرِنَا ... مِنْ غَيْرِ مَا جُرْمِ فَصَبْرٌ جَمِيلُ وَإِنْ تَبَدَّلْتِ بِنَا غَيْرَنَا ... فَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ (١) وهذا آخرُ ما أردتُ إملاءَه في علم البلاغة، وأرى فيه للقانع من هذا العلم مقنعةً وبلاغة. وكان تمَامُه في منتهى شهر رمضان من عام ثلاثة وأربعين وثلاثمائة وألف (١٣٤٣ هـ) بمرسى جرَّاح بالمرسى.

стр. 1220

ملاحق موجز البلاغة ١ - تقريض الكتاب بقلم شيخ الإسلام الحنفي حمدًا لمن نظم جواهر البلاغة بأسلاك البيان، وألهم كل بليغ لمقتضى الحال والشان، وأكرم من شاء بفضيلة الإحسان، والكلم الحسان، وصلاة وسلامًا على سيدنا ومولانا محمد أفصح من نطق بالضاد من بني مَعَدِّ وعدنان، المؤيد بالقرآن، الذي أعجز مصانع البلغاء من قاص ودان، فلم يكن لهم في معارضته يدان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الفصحاء الجلة الأعيان، وبعد: فقد أجلتُ النظرَ في غضون هذه الرسالة الوجيزة، والدرة الثمينة العزيزة، فوقفت منها على روضة زاهرة زاهية، قطوفها دانية، لا تسمع فيها لاغية. فيها من تقريب العبارة، وتوضيح الإشارة، ما تتلقاه المدركة بمجرد الالتفات، ولا تخشى فيه الحافظة الفوات، معززة القواعد بمختارات الشواهد، وفرائد الفوائد، إلى اعتبارات لطيفة، وتحقيقات شريفة، وإنها لتبصرة للناشئين، وتذكرة للشادين والمتبصرين، جديرة بالتخصيص لأن تكون مبدأ لدراسة التلخيص، حسنة من حسنات ذلك الهمام، ناشر ألوية العلوم، وكشاف غوامض المفهوم، مدبج صفحات المهارق ببدائع التحبير والتحرير، العلامة الجهبذ الأستاذ الدراكة النحرير، صفوة الخيرة أبي عبد الله الشيخ سيدي محمد الطاهر ابن عاشور شيخ الإسلام المالكي أدام الله فضله، وكم له في الفنون من يد حميدة، ومصنفات رائقة مفيدة، متع الله الأمة بمواهبه العلمية، ومحرراته العبقرية، بمنه تعالى وكرمه. كتبه الفقير إلى ربه محمد بن يوسف شيخ الإسلام الحنفي، لطف الله به في ١٢ ربيع الثاني ١٣٥١ هـ

стр. 1221

٢ - قرار النظارة العلمية الحمد لله، أما بعد، فقد قررت النظارة العلمية تدريس "موجز علم البلاغة" لأهل السنة الأولى في المرتبة المتوسطة عوضًا عن "رسالة الوضع". وكتب في ١٠ جمادى الأولى وفي ١٠ سبتمبر سنة ١٣٥١/ ١٩٣٢. محمد بن يوسف، محمد الطاهر ابن عاشور، محمد الطيب بيرم، بيرم صالح المالقي

стр. 1222

أصول الإنشاء والخطابة (١) [أصول] الإنشاء [استهلال] بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله منشئ الخلق ومعيده، وواهب البيان لراغبه ومستزيده، والصلاة والسلام على رسوله الذي أيده بمعجِزِ القرآن، وأرسله بالبينات وأنزل معه الكتاب والميزان، وعلى آله وأصحابه أفضل من فَرَع المنابر (٢)، وسطرت فخرَه الأقلامُ في الدفاتر، أما بعد: فإن مزيةَ فنِّ الإنشاء قد ترجمت عنها كثرةُ طالبيه، ونباهةُ شأن النابغين فيه. كيف وهو الذي يُفصِح به المرءُ عما يريد من المقصد، وطالما كفى قلمُ الكاتب مُهِمَّه فما ضره أن لا يُهَزَّ المهنَّد (٣). وقد كنتُ أمليتُ على بعض المتعلمين عجالةً تلم بالمُهِمِّ

стр. 1223

من أغراضه إلمامًا، وتريش (١) لقُناص شوارده سهامًا، وتمكن بأيديهم لصعابه زِمامًا، تجنبتُ فيها طريقةَ جمهور المؤلفين في هذا الفن؛ إذ ملؤوا كتبهم بمسائل علم المعاني والبيان، وربما تجاوزوا إلى بقية علوم اللسان، وتركوا جانبَ المسائل الخاصة بهذا الفن ظِهريًّا، إلا قليلًا منها لا يفيد المطالع كمالًا أدبيا. وقد تلقفوا ذلك الصنيع، فتابع المتأخرُ المتقدم، وتشبَّه فيه الظالعُ بالضليع (٢). والعُذر للمتقدِّمِين منهم أن علم الأدب لَم يكن في عصرهم منخولًا بعضُ فنونه من بعض (٣)، أما المتأخرون فاتبعوا طريقةَ المتقدّمين بعد أن تمايزت الفنون، حتى أصبح طلبةُ هذا الفن إن هم شرعوا فيه نُقلت لهم المسائلُ التي قرأوها في علم البلاغة فلم يجدوا فائدةً يستزيدونها، ولا مُهِمَّةً ينقلونها. فربما أُدخل على أذهانهم بذلك شيءٌ من التهويس (٤)، زيادةً على ما أضيع من وقتهم النفيس. ولذلك جعلنا بعضَ مسائل فنون البلاغة لهذا الفن كالأصول نُحيل عليها المتعلِّم، ونكتفي فيها بتوقيف المعلِّم، لئلا يطولَ الفنُّ بلا طائل. وأخذنا من كلام أئمة الفن المتناثر ما جعلنا له قواعدَ وكليات، وأدرجناه تحتها كالشواهد، فجاء

стр. 1224

شبيهًا بقطارٍ نُظِمَ من مُرْتَاضَ الشوارد (١)، وجاء أولَ إملاءٍ فيما علمتُ ظهر به فنُّ الإنشاءُ مهذَّبًا ممتازًا عما سواه. ومَنْ خَبَرَ ما سلفَ من كتبه علمَ قيمةَ ما صنعنا، وكيف تتبعنا مواقعَ القطر فانتجعنا. وكان العزمُ معقودًا على أن نعودَ إلى تلك الأمالي فنهذِّب ديباجَها (٢)، ونعالج مزاجَها، فحالت دون ذلك شواغل، وصرفت الذهنَ خصومٌ ونوازل (٣)، إلى أن اشتدت حاجةُ الراغبين في تعلم الإنشاء إلى كتاب يبين طرائقَه، ويدنِي لجانيه حدائقَه. فرأيتُ من اختلاف طرق المزاولين وتعطشهم لكتاب مذكِّر أو معين ما حدانِي إلى أن نفضتُ عنها عُثَّ (٤) الهِجران، وأمطتُ عنها عناكبَ النسيان. ورجائي من أهل الأدب ورواته وأطباء اللسان وأساته، أن يتلقوها تلقِّي الجيش للربيئة (٥)، ويضموا إليها ما توضحه شمس أفهامهم المضيئة. مقدمة الغرضُ من تدريس الإنشاء هو إبلاغُ المتعلِّم إلى الإفصاح عن مُراده كتابةً أو قولًا من أقرب طريق، وسلوك سبل الإفهام بأحسن ما يستطاع من التعبير. ومن الواضح أن ذلك لا يحصل بقواعد مطردة، بل الأصلُ فيه هو الممارسةُ ومزاولةُ مآثر

стр. 1225

نوابغ الكتاب في ألفاظهم ومعانيهم، لتحصلَ منها في ذهن المطالع قوالبُ غيرُ جزئية تُفرغ فيها أمثالُها (١). وإنما القواعدُ التي تُدرَس في هذا الفن ليست غيرَ أنموذج من طرق التعبير، أو كلياتٍ في حسن التنسيق، واختلاف أغراض الكلام، ونحو ذلك مما يجعل بصيرةَ المتعلِّم قادرةً على الحكم والتمييز بين ما يجب أن يأخذَه وما يجب أن يتركه. إذن فالإنشاء علمٌ تُعرف به كيفيةُ أداء المعاني التي تخطرُ بالذهن أو تُلقى إليه على وجهٍ تتمكن به من نفوسِ المخاطَبين من حيثُ حسنُ ربطِ أجزاء الكلام، واشتمالُه على ما يستجاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب مع بلاغته. فقولنا: "تُعرف به كيفيةُ أداء المعاني"، يدخل فيه علومُ اللغة كلُّها، وقولنا: "التي تخطر بالذهن أو تُلقى إليه"، لقصد التعميم؛ لأن من الناس مَنْ لا يُحسن التعبيرَ عن غير المعاني التي تخطر بذهنه، فإذا كُلِّف إنشاءَ شيء يُقترح عليه لَم يستطع، حتى قيل إن الأفضلَ للكاتب أن يكتب كما يُريد ويُراد منه (٢). وقيل إن الحريري

стр. 1226

صاحب المقامات لمَّا أُحضر من العراق لديوان الإنشاء ببغداد، وكُلِّف كتابةَ كتاب أُفحم، حتى قيل فيه: شَيْخٌ لَنَا مِنْ رَبِيعَةِ الْفَرَسِ ... يَنْتفُ عُثْنُونَهُ مِنَ الْهَوَسِ أَنْطَقَهُ اللهُ بِالْعِرَاقِ كَمَا ... أَلْجَمَهُ فِي بَغْدَاد بِالْخَرَسِ (١)

стр. 1227

وقولُنا: "على وجه تتمكن به من نفوس المخاطبين بها"، خرج به علمُ اللغة والنحو والصرف؛ إذ لا يُشترط فيها ذلك. وقولنا: "من حيث حسن ربط أجزاء الكلام" إلخ، لإخراج علم البلاغة؛ لأنه لا تُشترط فيه تلك الحيثية. وبذلك فارق هذا الفنُّ بقيةَ فنون الأدب اللساني. وقولنا: "ما يُستجاد من الألفاظ ويحسن من الأساليب"، إشارةٌ إلى أن من أخصِّ وظائف المنشِئين التدربَ على اختيار أخفِّ الألفاظ استعمالًا و [أحسنِها] (١) رونقًا، وتحسينِ أسلوب الخطاب، واختيار ما يُناسِبُ المقامَ منها. وسيأتي الكلامُ على اختيار الألفاظ في القسم اللفظي، والكلامُ على الأساليب بعد هذا. وقولنا: "مع بلاغته"، لإخراج ما ليس ببليغ، فليس من الإنشاء المبحوث عنه عرفًا، وإنما هو التعبيرُ عن المعاني كيفما اتفق. وذلك لا يتوقَّفُ إلا على معرفة المفردات، وكيفية ربط الكلم بعضها ببعض، والبحثُ عنه في أوليات علمي النحو والصرف. وموضوعُه (٢) الكلامُ العربي من حيث ربطُ جملِه، ومحاسن كلمه. وبذلك فارق موضوعَ البلاغة؛ إذِ الإنشاء لا يتعلق إلا بالكلام المشتمل على جُمَلٍ كثيرة، ولا يدخل الجملةَ الواحدة المفيدة. إلا أن بعضَ أبوابٍ من البلاغة لا تخلو من شديد انتسابٍ بمسائل (٣) الإنشاء، كالفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، وبعض المحسنات البديعية. واستمدادُه من كلام البلغاء وخطبهم، ورسائلهم، وأشعارهم، وآداب العرب وعوائدهم، ومشهورِ أحوال الأمم المعروفة وأمثالها. قال ابن الأثير في المثل

стр. 1228

السائر: "وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم" (١)، وأهم ما يفتقر إليه أنواع ثمانية: علم العربية، وأمثال العرب العاربة ومن بعدهم، وأيا مهم ووقائعهم، والاطلاع على كلام المتقدمين من الكتاب في النظم والنثر وحفظ كثير منها، ومعرفة الأحكام السلطانية، وحفظ القرآن والتدرب به، و [حفظ] مشهور الأخبار النبوية (٢). ولم يكن فنُّ الإنشاء مخصوصًا بالتأليف، ولكنه كان من جملة فنون آداب اللغة العربية، فيوجد بعضُ مسائله متناثرًا في كتب البلاغة ومختارات خطب العرب وملحهم وبدائه أجوبتهم وأمثالهم، فتكون مسائلُه مشمولةً بالرواية من أواخر عصر الدولة الأموية؛ إذ كان ابنُ القرية (٣) قد عُني بنوادر العرب ومُلَحهم. ثم

стр. 1229

شُمِلت بالتدوين في أوائل الدولة العباسية ضمن كتب أدب العرب، مثل كتب أبي عبيدة وأضرابه. ثم كان بعدُ مُدرَجًا في كتب بلاغة العربية، إلى أن شب شبابُ ديوان الإنشاء في الدولة العباسية وما تفرع عنها، فأصبح بلغاءُ الكتاب يميزون مسائلَ هذا الفن بالتدوين، وذلك من منتصف القرن الثالث، فمنهم مَنْ جمع ما صدر عنه من بديع المراسلات أو الخطب أو المقامات، ومنهم مَنْ جمع أفضلَ ما يُؤثر عن العرب ومَنْ يليهم من غرر الخطب وبدائع الجمل، كما صنع الجاحظ في بيانه (توفِّيَ سنة ٢٥٥ هـ)، ومنهم مَنْ جمع أمثال العرب وموجز أقوالهم، كما فعل أبو منصور الثعالبي في جل كتبه (توفِّيَ سنة ٤٣٠ هـ). ثم جاء الذين حاموا حول ضبطِ الأصول وتدوين القواعد، فمزجوا الفنَّ بمسائل علوم البلاغة والمحسنات، وأكثروا فيما عدا ذلك من الوصاية بتتبع منشآت البلغاء من الكتاب، وأتوا بجملة منها، ووازنوا بينها، لتحصل للمتعلم ملكةٌ يقتدر بها على تمييز الحسن من غيره، والنسج على منوال ما يراه حسنا. وفي هذه الطريقة ظهرت أفضلُ كتب الفن وأقربُها إلى الطريقة التعليمية، كما فعل ابنُ الأثير، وسبقه لذلك أبو هلال العسكري في "كتاب الصناعتين" (توفِّيَ سنة ٣٩٥ هـ). وعلى وقع خطاهم اقتفى السالكون المطولون كتبَهم والمقصرون.

стр. 1230

وملكةُ الإنشاء تُكتَسبُ من جهة المعنى ومن جهة ما يعبر عن المعنى، وهو اللفظ والكتابة (١). فالأولُ ينحصر في معرفة إيجاد المعنى في الفكر، وترتيبه، والاستنتاج منه. والثاني يبحث عن حال اللفظ، ومناسبته للمعنى مفردًا أو مركبًا، وذلك أصولُ أساليب الكتابة. هذا وللإنشاء فضيلةٌ واضحة؛ فإنه لم يخل عصرٌ من رجال تمكَّنوا من سَوْقِ غيرهم بعِصِيَّ آرائهم، ففي الحديث: "إن من البيان لسحرا". (٢) وقد اختار الله تعالى المعجزةَ لأصحاب اللسان العربي بلاغةَ القرآن. وقديمًا ما عالج ديموستين (٣) - الخطيبُ اليوناني - من العناء ليتدرَّب على الخطابة التي تمكَّن بها بعدُ من قهر فيليبوس ملك مقدونيا ووالد الإسكندر. وسمع أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ زياد بن أبي سفيان - وكان يومئذ لا يُدعى لأبيه - يخطب في زمن عمر ﵁ فقال: "لو كان هذا الفتى قرشيًّا لساق العربَ بعصاه". (٤) ولولا مكانةُ عبد الله ابن المقفع الشهير في الكتابة لمَا سلم عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس أخو السفاح من غدر
следующие страницы →