وقد كنا وعدناك أيها الناظرُ عند قول المرزوقي آنفًا: "هم أصحاب المعاني"، بأن نبين المراد بالمعنى، فهذا أوان أن نبينه. اعلم أن الشيخ عبد القاهر قال في "دلائل الإعجاز": "إن قولنا المعنى في مثل هذا يُراد به الغرضُ الذي أراد المتكلم أن يبينه أو ينفيه، نحو أن تقصِد تشبيهَ الرجل بالأسد، فتقول: زيدٌ كالأسد، ثم تريد هذا المعنى بعينه فنتول: كأن زيدًا الأسد، فتفيد تشبيهَه أيضًا بالأسد. إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادةً لم تكن في الأول، وهي أن تجعلَه من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد، ولا يُقصَّر عنه حتى يُتوهم أن أسد في صورة آدمي". (١) ثم قال: "الكلام على ضربين: ضربٌ أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تُخبر عن زيد مثلًا بالخروج على الحقيقة فقلت: خرج زيد، [وبالاطلاق عن عمرو فقلت: عمرو منطلق، وعلى هذا القياس]. وضربٌ آخر لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلُّك اللفظُ على معناه الذي يقتضيه موضوعُه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالةً ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل". (٢)
ثم قال عقب ذلك: "وإذا عرفت هذه الجملة، فها هنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى: المفهومَ من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنىً، ثم يُفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، كالذي فسرت لك". (٣) ثم قال: "فالمعاني الأُوَل المفهومة من أنفس الألفاظ، والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني الأول". (٤)
فهذا كلام الشيخ تمييزًا بيَّن المراد بالمعنى.
стр. 1402
ثم إن علماء المعاني قفَّوا عليه بما يزيده بيانًا ويعصِم المتأمِّلَ من اختلاط المقصود بكلمة "معنى" في مختلف إطلاقاتها، مما أفاده السكاكي في المفتاح وشارحو كلامه، من أن المعنى الذي يجيش في نفوس البلغاء ثلاثة أقسام: قسم سمَّوْه أصلَ المعنى، وهو الأغراض المجملة التي يُرادُ إفادتُها من خبر أو إنشاء. وهذا المعنى هو الذي يُفاد بكلامٍ بسيط، وهذا يجيش في الناس من الخاصة والعامة، وليس هو موضوع الاختلاف (١). وقسم سَمَّوْه معنى أول، وهو الأغراض الخاصة التي يقصدها البلغاء لنكتة، مثل ردِّ الإنكار. وقسم سموه معنىً ثانيًا، ويقال له: "معنى المعنى" (٢)، وهو الخواص الكلامية التي تفيد كيفيات في المعاني الأول، مثل القصر والاستغراق والكناية والمبالغة، وهذا خاص ببلغاء الكلام العربي.
فإذا علمتَ هذا، فلْنَرجِعْ إلى بيان كلام المؤلف.
"المحاولة" ابتغاء الشيء وتطلُّبُه، و"الشرف" حصول صفات الكمال النوعي في بعض أفراده. فشرفُ المعنى أن يكونَ من أحاسن المعاني المستفادة من الكلام، بأن يَتلَقَّى فهمُ السامع المعنى مستغنيًا به في استفادة الغرض الذي يُفاد به. وقد وصف المؤلِّفُ المعنى هنا بـ "الشرف والصحة"، ووصفَه فيما تقدم بـ "المعجِبة الجَزْلة، العذبة الحكيمة، الزاهرة الفاخرة".
وطريقةُ صَوْغ المعنى الشريف هي أن يَلحظ البليغُ ما يجيش في نفسه مما يريدُ إبلاغَه إلى نفس السامع، فينشئه في نفسه، ويكيفه بأحسن صورة يَرى أنَّها تقعُ لدى السامعين موقعًا حسنًا يفي بمراد الشاعر، ويليق بالغرض الشاعري، معتمدًا في تحصيل تلك الكيفية على فِطنته ودُربته المتولِّدة في ذوقه بما ورد على ذهنه من محاسن البلغاء والحكماء والعلماء، فأكسب ذوقَه صورًا غيرَ جزئية، يقيس عليها أمثالَها إذا
стр. 1403
أراد التعبيرَ بابتكار مماثلاتٍ لها جديدة، أو بتصرفٍ فيها يغيرها عن حالتها السابقة تصرفًا كثيرًا أو قليلًا، ويندفع إليها ذهنُه سريعا.
ومن أكبر أسباب شرف المعنى أن يكون مبْتَكَرًا غيرَ مسبوق، ثم أن يكون بعضُه مبتكرًا وبعضُه مسبوقًا، وبمقدار زيادة الابتكار فيه على المسبوقية يدنو من الشرف. ولبشار وأبي تمام وأبي الطيب ابتكاراتٌ كثيرة، ويقرُب من ذلك أبو نواس وابن الرومي ثم المعري.
فإذا أنشأ ذوقُ البليغ معنًى، لاحت له منه محاسنُ المعنى ونقائصُه ومعائبه، فاحتفظ بالمحاسن، وأكمله عن النقائص، ومحا عنه المعائب. فإذا تقوَّم فيه ما مِنْ شأنه أن يفيَ بأمله من إرضاء السامعين من أهل الصناعة وامتلاك استحسانهم، فرأوه مَحُوكًا على منوال ما يحوك على مثله البلغاءُ فيما انتهت إليه مزاولتُه ودربته، وثق بأنه معنى شريف.
فعُلِمَ أن شروطَ شرف المعاني تختلف باختلاف محالِّها من أغراض الكلام: من إثارة حماس، أو استعطاف وإبساس (١)، أو غزل، أو نسيب، أو فخر، أو ذب عن شرف، أو نحو ذلك. قال ابنُ الأثير في المثل السائر: "إن الكاتبَ أو الشاعر ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها ما يناسبها من المعاني". (٢) وهذا عملٌ محتاجٌ إلى صفاء قريحة، وكرم سجية، وطول دربة، وحسن اقتداء، وتمييزٍ بين المقبول والمرفوض. وقد ذكر ابن الأثير في "المثل السائر" من المعنَى الشريف قولَ أبي الطيب:
تَلَذُّ لَهُ المُرُوءَةُ وَهْيَ تُؤْذِي ... وَمَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ لَهُ الغَرَامُ (٣)
لولا لفظة تؤذي فيه؛ فإنها تؤذي (٤).
стр. 1404
ولا يُتوهَّم من كلام ابن الأثير ولا من مادة "شريف" أن شرط المعنى كونُه من الفضائل أو المعاني الحميدة؛ فإنه لو كان ذلك مرادَهم لذهبَ معظمُ النسيب والهجاء، ولذهب ما كان من الشعر كذبا. بل مرادُهم ما أفصح عنه قدامةُ في "نقد الشعر" إذ يقول: "إن مناقضةَ الشاعر نفسَه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئًا وصفًا حسنًا، ثم يذمه بعد ذلك ذمًّا حسنًا بيِّنًا، غيرُ منكَرٍ عليه، ولا معيبٍ من فعله، إذا أحسن المدحَ والذم. بل عندي يدلُّ على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها. وإنما قدمتُ هذين المعنيين لما وجدتُ قومًا يعيبون هذين المسلكين، فإني رأيتُ مَنْ يعيب امرأ القيس في قوله:
فمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتُ وَمُرْضِعٍ ... فَألهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِم مُحْوِلِ
إذَا مَا بَكَى مَنْ خَلْفَهَا انْصَرَفَتْ لَهُ ... بِشِقٍّ، وَتَحْتِي شِقُّها لَمْ يُحَوَّلِ (١)
وليس فحاشةُ المعنى في نفسه مما يُزيل جودةَ الشعر فيه". (٢)
وأما "صحةُ المعنى" في كلام المؤلف، فهي الدرجةُ الأولى للصعود في مصاعد الشرف، أي أن لا يكون في المعنى اضطرابٌ أو سوءُ ترتيب أو انتقاضُ بعضه ببعض، فيصيرَ الإنشاءُ أو الترسلُ أجوف، قال ابن رشيق: "وفِرقةٌ (من الشعراء) أصحاب جلبة وقعقعة، بلا طائل معنى إلا القليل النادر، [كأبي القاسم ابن هانئ ومَنْ جرى مجراه]؛ فإنه يقول في أول مذهبته:
أَصَاخَتْ فَقَالَتْ وَقْعُ أجْرَدَ شَيْظَمِ ... وَشَامَتْ فَقَالَتْ لمْعُ أَبْيَضَ مِخذَم
وَمَا ذُعِرَتْ إلَّا لِجَرْسِ حُلِيِّهَا ... وَلَا رَمَقَتْ إِلَّا بُرًى فِي مُخَدَّمِ (٣)
стр. 1405
وليس تحت هذا كله إلا الفساد، وخلاف المراد. وما الذي يفيدنا أن تكون هذه المنسوب بها لبست حليها، فتوهمته - بعد الإصاخة والرمق - وقعَ فرس أو لمعَ سيف، غير أنها مغزوةٌ في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها؟ " (١) على أن في قوله "شامت" خطأ؛ لأن الشيم هو النظرُ إلى البرق ليُعلم أين يذهب، ويُتوسّم أين يُمطر.
واعلم أن ضد المعنى الشريف المعنى السخيف، لقلة جدواه أو لدلالته على تعلق تفكير صاحبه بصور ضعيفة، كما خطب والٍ باليمامة في موعظة فقال: "إن الله لا يعاون عبادَه على المعاصي، وقد أهلك أمة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم"، فلقبوه مقوِّمَ ناقة (٢).
ومن المعاني السخيفة قولُ نُصَيب:
أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمُتْ ... فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ يَهِيمُ بِهَا بَعْدِي (٣)
стр. 1406
وقد عابته سكينةُ بنت الحسين (١).
وضد المعنى الصحيح المعنى الخاطئ والمختل، كما قال شعرورٌ فيما أنشده الراغب الأصفهاني:
أَزُبَيْدَةَ ابْنَةَ جَعْفَرٍ ... طُوبَى لِزَائِرِكِ المُثَابْ
تُعْطِينَ مِنْ رِجْلَيْكِ مَا ... تُعْطِي الأَكُفُّ مِنَ الرَّغَابْ
стр. 1407
فإنه أنشده بحضرتها، فقام إليه الخدم ليضربوه - لقوله: تعطين من رجليك - "فمنعتهم، وقالت: إنه قصد مدحًا، وأراد ما يقول الناس: شمالُك أجودُ من يمينه (١) فظن أنه إذ ذكر الرِّجْل كان أبلغ، وقد حمدنا ما نواه وإن أساء فيما أتاه". (٢)
стр. 1408
ومن عجيب ما عرض للشعراء من سخيف المعنى ما عرض لأبي العتاهية من قوله في رثاء الخليفة:
مَاتَ الخَلِيفَةُ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ... فكَأَنَّنِي أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانِ (١)
فإن المصراع الثاني من سخيف المعنى، وإن بينه وبين المصراع الأول بونًا بعيدا.
وقد نظرتُ في مجموع شرف المعنى وصحته، وكيف يكتسبه البليغ، فرأيتُ أن يقتديَ مريدُ الإجادة بالذين شهد لهم البلغاءُ بالإجادة في غرض من أغراض المعاني، فينسجَ على منواله. فإذا رام إثارةَ حماسٍ جمع في ذهنه ما يلائم حالةَ الاستصراخ،
стр. 1409
واستبطاء النصير، وتخيَّل المستنجِدَ هضيمَ الجانب، ذا جناح كسير، فاجتهد أن يُكثر من المعاني التي من شأنها إثارةُ حَمِيَّةِ المخاطَب واقتداره، وعلى هذا المنوال ينسج.
ومن صور صحة المعنى أن يكون مطابقًا للواقع، كما قال حسان:
وَإِنَّ أحْسَنَ بَيْتٍ أَنْتَ قَائِلُهُ ... بَيْتٌ يُقَالُ إِذَا أَنْشَدْتَهُ: صَدَقَا (١)
لكن ذلك ليس بشرطٍ على الإطلاق، وخاصة في الشعر؛ فإن الشعرَ يُبْنَى على المغالطة والخيال. وهذا الشأن يختلف باختلاف الأغراض والمقامات، فلكل غرضٍ من أغراض الكلام ما يناسبه من صحة المعنى في بابه، وللنثر مناسباتٌ ليست للشعر وبالعكس. وسيأتي للمؤلف ذكرُ الخلاف في أن أحسن الشعر أصدقه، أو أكذبه، أو أصدقه.
ولما كان الخوصُ في صحة المعنى هنا وفيما يأتي متوقِّفًا على معرفة المرادِ من المعنى، وجبَ أن نُبيِّن ما هو المعنى؟ وما هي أقسامُه عند أئمة البلاغة؟ وهو المبحثُ الذي وعدنا به عند شرح قول المرزوقي: "ومن البلغاء من قصد فيما جاش به خاطرُه. . ." إلخ (٢).
- ٥ -
• قال: "وجزالة اللفظ واستقامته": (٣) كثر في كلام أئمة النقد وصناعة الإنشاء والشعر ذكرُ وصف الجزالة في محاسن الألفاظ، وقد عدّها المؤلف في محاسن المعاني أيضًا إذ قال (٤): "فطلبوا المعاني المعجبة من خواصِّ أماكنها، وانتزعوها جزلةً
стр. 1410
عذبة" (١). ولم أر منهم مَنْ أفصح عن مقوِّمات هذا الوصف وشرائط حصولها (٢)، وأنا أبذل مبلغَ جهد الفكر في الكشف عن مَفَاد هذا الوصف، وأُقدِّم ما هو منه وصفٌ للفظ، ثم أُتْبِعه بما هو منه وصفٌ للمعنى على سبيل الاستطراد، وإكمالًا للفائدة.
فأما "الجزالةُ" فهي وصفٌ للفظ مأخوذٌ من صفات الناس، إذِ الجزالة في الإنسان هي جودةُ رأيه، وكمالُ عقله، فبها يكون الإنسانُ كاملَ الإنسانية. وهي في اللفظ، عرّفها ابن مكرم في لسان العرب فقال: "الكلام الجزل: القوي الشديد، واللفظ الجزل خلافُ الركيك". (٣)
وظاهرٌ أن مرجِعَ هذا إلى معنى اللفظ المركَّب أو المفرَد، لا إلى مبناه وصورته، فليست الجزالةُ تنافرَ الحروفِ، ولا تنافرَ الكلمات، ولا غرابة الكلمة. فلْنَتطَلَّبْ حقيقةَ الجزالة عند أئمة النقد، ونتقصَّها من آثار كلماتهم، ونتعرَّفْها من تعَرُّفِ ضدِّها الذي يقابلونها به. فابنُ رشيق في العمدة ذكر الجزالةَ وعطفها على الفخامةِ عطفًا يَظهر منه أنه أراد به التفسير، قال: " [ثم للناس فيما بعد آراء ومذاهب: منهم مَنْ يؤثر اللفظَ على المعنى، فيجعله غايتَه ووكده، وهم فرق: ] قوم يذهبون إلى فخامة الكلام وجزالته على مذهب العرب من غير تصنع، كقول بشار:
إذا ما غَضِبْنَا غضبةً مضريَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أَوْ مَطَرَتْ دَمَا" (٤)
стр. 1411
وقال: "وشبَّه قومٌ أبا نواس بالنابغة لِمَا اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة". (١) ووصف عبد القاهر الجزالة فقال: "وفي عداد ما هو شِبْهُهُما من البراعة البراعة والجزالة وأشباه ذلك مما ينبئ عن شرف النظم" (٢)، وقال عند ذكر النظم: "لأنك تقتفي في نظمها (أي الكلِمِ) آثار المعاني وترتُّبَها على حسب ترتُّبِ المعاني في النفس". (٣) وذكر ابنُ شرف القيرواني في "رسالة الانتقاد" (٤) الجزالة فقال عند ذكر لبيد: " [وأما الشيخ أبو عقيل] فشعرُه ينطق بلسان الجزالة عن جَنان الأصالة، فلا تسمع إلا كلامًا فصيحًا، ومعنى مبينًا صريحًا" (٥). وقال في ابن هانئ الأندلسي: الأندلسي: "إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق، يؤثِّر في النيق" (٦)، فجعل الجزالة وصفًا للمباني، أي الألفاظ. وقال ابنُ الأثير في "المثل السائر" في المقالة الأولى في الصناعة اللفظية: "قد جاءت لفظةٌ واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلة متينة وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب في هذين الوصفين الضدين. أما الآية فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وأما بيت الشعر فهي قول أبي الطيب المتنبي:
стр. 1412
تَلَذُّ المُرُوءَةُ وَهْيَ تُؤْذِي .... وَمَنْ يَعْشَقْ يَلَذُّ لَهُ الغَرَامُ" (١)
وقال أبو البقاء الكفوي في كلياته: "الجزالةُ إذا أُطلقت على اللفظ يُراد بها نقيضُ الرقة، [وإذا أُطلقت على غيره يرادُ بها نقيضُ القلة] ". (٢)
وقلت: قد رأيتُهم يقابلون الجزالةَ مرةً بالرقة، ومرةً بالركاكة، ومرةً بالضعف، ومرةً بالكراهة، فتحصَّل لنا من معنى الجزالة أنها كونُ الألفاظ التي يأتي بها البليغُ - الكاتب أو الشاعر - ألفاظًا مُتعارَفةً في استعمال الأدباء والبلغاء، سالمةً من ضعف المعنى، ومن أثر ضعف التفكير، ومن التكلف، ومما هو مستكرَهٌ في السمع عند النطق بالكلمة أو بالكلام. فهذه الجزالة صفة مدح. وقد مثّلوا للركاكة بقول بعضهم:
يَا عُتْبُ سَيِّدَتِي أَمَا لَكِ دِينُ ... حَتَّى مَتَى قَلْبِي لَدَيْكِ رَهِينُ
فَأَنَا الصَّبُورُ لِكُلِّ مَا حَمَّلْتِنِي ... وَأَنَا الشَّقِيُّ البَائِسُ المِسْكِين (٣)
стр. 1413
وفيه ركاكةٌ من جهات منها: كونُ المعنى أجوفَ دائرًا بين جميع العامة، وكون جل الألفاظ مرذولًا، وذكر البائس والمسكين بعد الشقي وفي الشقي ما يغني عنهما.
ومن الركاكة قولُ الخوارزمي يخاطب بديع الزمان الهمذاني:
وَإِذا قَرَضْتُ الشِّعْرَ فِي مَيْدَانِهِ ... لَا شَكَّ أَنَّكَ يَا أُخَيَّ تَشَقَّقُ (١)
فقوله "في ميدانه" لا موقعَ له، وقوله "يا أخي" لا مقامَ له؛ لأن الكلام في مقام مناظرة ومشادة.
وإذا قابلوا الجزالة بالرقة، فإنما يريدون بها نَسْجَ الكلام على منوال القدماء في الشدة والقوة، كقول أشجع:
وَعَلَى عَدُوِّكَ يَا بْنَ عَمِّ مُحَمَّدٍ ... رَصَدَانِ: ضَوْءُ الشَّمْسِ وَالإِظْلَامُ
فَإِذَا تَنَبَّهَ رُعْتَهُ وَإِذَا غَفَا ... سَلَّتْ عَلَيْهِ سُيُوفَكَ الأَحْلَامُ (٢)
ويريدون بالرقة نسجَه على منوال المحدثين في اللين والظرف، وأظهر مثال جمع هذين الوصفين قولُ جميل:
أَلَا أَيُّهَا النُّوَّامُ وَيْحَكُمْ هُبُّوا ... أُسَائِلُكُمْ هَلْ يَقْتُلُ الرَّجُلَ الحُبُّ
стр. 1414
قال بعض أئمة الأدب: "هذا البيت أولُه أعرابِيٌّ في شملته، وآخره مخنَّثٌ من مخنَّثي العقيق يتفكك". (١) إلا ترى أن قوله "ويحكم" من كلمات التعجب وهي جزلة؟ فلو قال: أفديكم، لاعتاض عن الجزالة بالرقة.
وقد تُقال "الجزالة" في هذا الإطلاق على الكلام الذي يصدر في أغراضٍ تناسبها الشدة، كالرثاء والحماسة. وتقال "الرقةُ" على كلام في أغراضٍ يناسبها اللينُ واللطافة، كالنسيب والزهريات والملح. والجزالةُ في هذا كله من صفاتِ الألفاظ باعتبار المعاني، ويظهر تصرفُ البليغ في صناعتها بالخصوص في صوغه المعاني التي يصوغها في نفسه: من مجاز، واستعارة، وتمثيل، وكناية، وأنواع البديع. وأما المعاني الوضعيَّة فتأتي بطبْعِ سياق الكلام، وتأتي الألفاظُ تبعًا للمعاني.
وأما "استقامة اللفظ" فهي وصفٌ نسبِيٌّ يعرض للفظ في حين انتظامه في الكلام؛ فإن للألفاظ معانِيَ موضوعةً لها، ومعان كثر استعمالُها فيها، وَلَها معانٍ يستعملها المتكلمُ فيها على وجه المجاز، أو الاستعارة، أو الكناية، أو نحو ذلك. فاستقامةُ اللفظ هي وفاؤه بالمراد الذي استعمله فيه البليغ، دون خطأ ولا تقصير ولا غموض. فمن الاستقامة السلامةُ من التعقيد المعنوي، أو السلامة من الخطإ في استعمال اللفظ إما لقصور في معرفة اللغة وإما لغفلةٍ، كاستعمال اللفظ الدال على الأعم في حين إرادة الأخص. وفي بعض هذا المقصد أُلِّفت الكتبُ المنبهة على أخطاء الخاصة، مثل "درة الغواص" للحريري، ومثل مباحث من كتاب "أدب الكتَّاب" لابن قتيبة. وقد أشار المؤلف إلى هذا بقوله الآتي: "وعيار اللفظ الطبع والرواية والاستعمال"، وقوله: "وهذا في مفرداته وجملته مراعى". (٢)
стр. 1415
"والإصابة في الوصف" (١)، المراد بالوصف معناه المصدري وهو التصوير والإيضاح، قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢]. وليس المراد ما يرادف الصفةَ من نحو النعت والحال؛ لأن ذلك أخصُّ من المقصود هنا. فإصابةُ الوصف هي أن يصوِّرَ المتكلمُ ما أراد التعبيرَ عنه من المعنى تصويرًا مطابقًا لما عليه الشيءُ الموصوف في الخارج والواقع، من غير انعكاس ولا انتقاض. وضدُّ إصابةِ الوصف الخطأُ فيه كلًّا وهو الغلط، أو بعضًا وهو العيب، أي عيب النقص في التوصيف. والشاعر أكثر تعرضًا لهذا من الكاتب؛ لأن الشاعر يَكثر منه تخيلُ المعاني من غير مشاهدة، فربما أخطأ في تخيله أشياءَ لم يعتد الإحاطةَ بصفاتها، أو خفيَ عنه بعضُ ما يدق من مشاهدته إياها. وقد عُدَّ بشار بن برد من أعجوبات الشعراء؛ إذ كان مع عماه لا يكاد يُخطِئُ في الأوصاف الدقيقة، وحسبك بيته المشهور:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافِنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٢)
стр. 1416
• "ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائرُ الأمثال وشواردُ الأبيات" (١)، أي أن ما استوفي من النثر والشعر هذه الأسبابَ الثلاثة، فيه توجد الأمثالُ السائرة والأبيات الشاردة، فكثرت في المآثر الأدبية في الجاهليين والمولدين. فالأمثالُ موجودةٌ في الشعر بأن يكون المصراعُ أو جزءٌ منه سارَ مثلًا، كقول أبي أخزم الطائي: "شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمِ" (٢) قبله:
إنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بِالدَّمِ ... مَنْ يَلْقَ أَبْطَالَ الرّجَالِ يُكْلَمِ (٣)
стр. 1417
وقول بشر بن أبي خازم: "أحقُّ الخيل بالركض المعارُ" من أبيات انظرها في "مجمع الأمثال" في باب الحاء (١). وأما ما كان بيتًا كاملًا يتمثل به الأدباء، فذلك لا يسمى مثلًا، وإنما يسمى تمثّلا.
والأمثال في النثر كثيرةٌ أيضًا في كلام البلغاء، وأهمها أمثال القرآن، نحو قوله [تعالى]: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٤] (٢). ومن الأمثال ما لم يقع في أثناء كلام، ولكنَّ أصحابها من البلغاء نطقوا بها منفردة، وهي معظم أمثال العرب التي جمعها الميداني في كتابه "مجمع الأمثال"، ومن قبله الزمخشري في كتابه "مستقصى الأمثال" (٣).
ومعنى "السائرة" الفاشية بين أهل اللسان، فشبَّه الفشوَّ بالتنقل في أمكنة كثيرة بجامع تكرر عروضها للأسماع، كتكرر عروض الشخص في أماكن كثيرة وهو السير. وفي الكشاف: "ولم يضربوا مثلًا، ولا رأوه أهلًا للتسيير، ولا جديرًا
стр. 1418
بالتداول والقبول، إلا قولًا فيه غرابةٌ من بعض الوجوه، ومن ثم حُوفظ عليه، وحُميَ من التغيير". (١) وأراد بـ "الغرابة" أنه قولٌ زائدٌ على المعتاد، لخصائص فيه: من من دقيق المعاني، وخفة اللفظ، مع وفرة المعنى.
وأما "شوارد الأبيات" فهي الأبياتُ البالغة مبلغًا من صحة المعنى وجزالة اللفظ وإصابة المعنى المفاد منها. وأطلق المؤلف عليها وصفَ الشوارد لعزة هذا النوع، فشبَّهه بالوحش الشَّارد في حال كونه مطلوبًا مرغوبًا فيه لقانصه، وعسير الوقوع في يده. فتلك العزة مع شدة الرغبة هي وجه الشبه، فاستعار لها الشرود تمثيلًا للحالة. وإنما جعل المؤلفُ قوامَ سوائر الأمثال وشوارد الأبيات هو اجتماع هذه الأسباب الثلاثة دون سبب مقاربة التشبيه ومناسبة الاستعارة؛ لأن كثيرًا من الأمثال والأبيات خلوٌ من التشبيه والاستعارة كمثل: "لأمر ما جدع قصير أنفه" (٢)، وبيت امرئ القيس: "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ" البيت (٣).
وقوله "سوائر وشوارد" جمع سائر وشارد؛ لأن المثل والبيت مذكران، فجمعه على وزن فواعل: إما على تأويل المثل والبيت بمعنى الكلمة، وإما على وجه الشذوذ كما قالوا فوارس وعواذل.
"والمقاربة في التشبيه" (٤)، عطف على قوله و"الإصابة في الوصف". "المقاربة" "المقاربة" القرب الشديد؛ لأن صيغة المفاعلة فيه للمبالغة، إذ ليس المراد قرب كلٍّ
стр. 1419
من طرفَيْ التشبيه من الآخر في الوصف؛ فإن التشبيه إلحاقُ ناقص بكامل في وصف، وأما ما يُسمَّى بالتشابه (١) كالذي في قول الصابي (٢):
تَشَابهَ دَمْعِي - إِذْ جَرَى - وَمُدَامَتِي ... فَمِن مِثْلِ مَا فِي الكَأْسِ عَيْنِي تَسْكُبُ (٣)
فذلك غلوٌّ في التشبيه، يقرب من التشبيه المقلوب (٤)، كما في قول محمد بن وهيب:
стр. 1420
وَبَدا الصَّبَاحُ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الخَلِيفَةِ حِينَ يُمْتَدَحُ (١)
قال قدامة في نقد الشعر: "فأحسن التشبيه هو ما أوقع بين الشيئين اشتراكَهما في الصفات أكثر من انفرادهما فيها، حتى يدني بهما إلى حال الاتحاد". (٢)
وشدة القرب هي قوةُ وجه الشبه في المشبَّه، بحيث يستغني المشبِّه عن ذكر وجه الشبه. وليس المراد بالمقاربة تمامَ المماثلة بين المشبَّه والمشبَّه به في جميع الصفات، بل قوةُ المشابهة في وجه الشبه. ولذلك كان من محاسن التشبيه الاستدراكُ فيه باستثناء ما لا مشابهةَ فيه من صفات المشبَّه به، لكون المشبَّهِ أعلى من ذلك، كما قال المعري:
تَنَازَعَ فِيكَ الشِّبْهَ بَحْرٌ وَدِيمَةٌ ... وَلَسْتُ إِلَى مَا يَزْعُمَانِ بِمَائِلِ
إِذَا قِيلَ بَحْرٌ، فَهْوَ مِلْحٌ مُكَدَّرٌ ... وَأَنْتَ نَمِيرُ الجُودِ عَذْبُ الشَّمَائِلِ
وَلَسْتَ بِغَيْثٍ، فُوكَ لِلدُّرِّ مَعْدِنٌ ... وَلَمْ نُلْفِ دُرًّا فِي الغُيُوثِ الهَوَاطِل (٣)
والمراد بالتشبيه في كلام المؤلف ما كان بأداة شبه؛ أو كان تشبيهًا بليغًا؛ لأنه عند المحققين من نوع التشبيه لا من الاستعارة، وأما الاستعارة فسيخصها بالذكر.
• "والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن" (٤)،
قال الجاحظ: "وأجود الشعر ما رأيتَه متلائمَ الأجزاء، سهلَ المخارج، فتعلمُ بذلك أنه قد أفُرِغ إفراغًا واحدا". (٥) والالتحام مطاوع لَحَم الثوب يلحمه، إذا نسج لحمته بضم (اللام وبفتحه)، وهي ما يثني به الحائكُ نسجَ الثوب فيجعله أعلى فوق
стр. 1421
السَّدى الذي هو أسفل النسج. وفي الحديث: "الولاء لُحمة كلحمة الثوب"، كذا في رواية (١). فالالتحام أن تكون الكلمات بعد نظمها كالشيء الواحد. وأجزاء النظم كلماته.
و"الالتئام" مطاوع لأَمَه، إذا جعله متلائم الأجزاء - أي مناسبًا موافقًا - بأن تكون كلماتُ النظم متناسبة، بحيث لا يكون في النطق بها بعد اجتماعها ما يَثقلُ على اللسان. فإن الكلمة قد تكون في ذاتها غيرَ ثقيلة، فإذا ضُمَّت إلى غيرها لم تتلاءما،
стр. 1422
وثقلتا على اللسان ثِقلًا لا يتمكن اللسانُ من تخفيفه، ومثاله المشهور في بحث الفصاحة قولُ من لا يُعرف: "وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ" (١)، وقولُ أبي تمام:
كَرِيمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ وَالوَرَى ... مَعِي وَمَتَى لمْتُهُ لمْتُهُ وَحْدِي (٢)
وإنما قلت: فلا يتمكن من تخفيفه، احترازًا من نحو قول البحتري: "أَأَفَاقَ صَبٌّ مِنْ هَوًى فَأُفِيقَا" (٣)، فإن اجتماع الهمزتين ثقيلٌ يمكن التخلصُ من ثقله بتسهيل إحدى الهمزتين (٤).
стр. 1423
وقوله: "على تخيُّرٍ من لذيذ الوزن"، "على" فيه بمعنى مع، وأراد بالوزن وزنَ الشعر، وهو ما يُسمَّى بالبحر في اصطلاح العروضيين، وما فيه من أعاريض وضروب. وقد بين المؤلف فيما يأتي من كلامه هذا القيدَ بقوله: "وإنما قلنا على تخيُّر من لذيذ الوزن؛ لأن لذيذَه يَطربُ الطبعُ لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يَطرب الفهمُ لصواب تركيبه واعتدال نظومه". (١)
وكأن المؤلف يشير إلى أمرين: أحدهما مزيَّة الشعر العربي باشتراط العرب الوزنَ فيه، بحيث لا يكون الكلامُ شعرًا ما لم يكن له وزنٌ خاص. وثانيهما الإشارةُ إلى تجنب الأعاريض والضروب الثقيلة، والزِّحاف والعلة الجائزين المؤثرين ثقلًا في انتساب الحركات والسواكن من الميزان، فيصير كالعِثار في السير، أو كالكلام المقطَّع نُتفًا غير متماثلة. وقد يحصل من تجمع الكثير من ذلك ما يوشك أن يُخرج الشعرَ من كونه شعرًا إلى كونه نثرًا، كما في أبيات من مُجمْهَرة عبيد بن الأبرص التي أولها:
عَيْنَاكَ دَمْعُهُمَا سَرُوبُ ... كَأَنَّ شَأْنَيْهِمَا شَعِيبُ (٢)
وقد قرن المؤلف تخيرَ لذيذ الوزن بالتحام الأجزاء والتئامها؛ لأنهما من واد واحد. على أن بعض العروض في بعض الموازين لا يخلو من ثقل، مثل الضرب الثاني المقطوع من بحر المنسرح (٣). وبعضُها من بعض العروض يكون أشبه بالسجع
стр. 1424
منه بالشعر، مثل عروض المجتث المكفوف (١). وأمثلةُ من استوفى هذا الشرطَ الذي ذكره المؤلف من الشعر كثيرة، وإن شئتَ فانظر شعرَ عمر بن أبي ربيعة كقوله:
أَمِنْ آلِ نُعْيمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ (٢)
• "ومناسبة المستعار منه للمستعار له" (٣)، "المناسبة" شدة الانتساب، وأرادَ بها قوةَ المشابهة. وقد خص المؤلف الاستعارةَ بهذا الشرط، ولم يدمجها في شرط مقاربة التشبيه، مع أن الاستعارة من قبيل التشبيه؛ لأن التشبيهَ إلحاقُ صاحبِ وصفٍ غير بيِّنٍ وصفُه بصاحب وصفٍ مشتهرٍ به، بواسطة حرفٍ يدل على ذلك ظاهر أو مقدَّر. وأما الاستعارة فهي ادعاءُ أن صاحبَ وصف من نوعٍ غير مشهورٍ به الوصفُ قد صار فردًا من نوعٍ مشهورٍ بذلك الوصف، بحيث استحق أن يُطلق عليه اسمُ ذلك النوع المشهور بالوصف. فالاستعارةُ مبنيَّةٌ على تناسي التشبيه، وعلى ادعاء أن المستعارَ له من جنس المستعار منه، فكانت لذلك جديرةً بتمام المشابهة والمناسبة بين المستعار له والمستعار منه. ولما كانت الاستعارة تتفرع إلى مصرحة ومكنية وتخييلية وتمثيلية، وكان منها أصليةٌ وتبعية، ومنها مرشَّحة ومجردة ومطلقة، كانت دقةُ التشبيه فيها أحقَّ وأولى من مطلق التشبيه، ليحسن وقعُ كلِّ قسمٍ من هؤلاء في موقعه.
стр. 1425
قال في دلائل الإعجاز: "وأما الاستعارة، فسببُ ما ترى لها من المزية أنك إذا قلت: رأيتُ أسدًا، كنتَ قد تلطَّفتْ لما أردت إثباتَه له من فرط الشجاعة، [حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوتُ والحصول، وكالأمر الذي نُصِب له دليلٌ يقطع بوجوده]. وذلك أنه إذا كان أسدًا، فواجبٌ أن تكون له تلك الشجاعةُ العظيمة، [وكالمستحيل أو الممتنع أن يَعْرَى عنها]. وإذا صرَّحتَ بالتشبيه فقلتَ: رأيتُ رجلًا كالأسد، كنتَ قد أثبتها إثباتَ الشيء يتَرجَّحُ بين أن يكون وبين أن لا يكون". (١)
ومن مراعاة المناسبة بين المستعار له والمستعار منه كان حقًّا أن لا يغفل الشاعرُ عن استعارته فينقضها، كقول أبي تمام:
تَحَمَّلْتَ مَا لَوْ حُمِّلَ الدَّهْرُ شَطْرَهُ ... لَفَكَّرَ دَهْرًا أَيُّ عِبْأيْهِ أَثْقَلُ (٢)
فإنه لما جعل الدهرُ بمنزلة الإنسان المفكِّر، كان عليه أن لا ينقضَ ذلك بأن يجعل لتفكيره مدةً يسميها دهرًا، فتصير مدته هي عينه.
• "ومشاكلة اللفظ للمعنى" (٣): المشاكلة المماثلة، إذِ الشكلُ الشَّبَهُ والمِثْل. وأرادَ بالمعنى هنا الغرضَ المفاد بألفاظ التركيب لا المعنى الموضوع له اللفظ؛ لأن المعنى الموضوع له لَا يُتصور فيه اشتراطُ مشاكلة بينه وبين اللفظ الدال عليه. فالمراد أن الغرضَ الشريف تناسبُه الألفاظُ الموضوعة لمعان حميدة، وأن الغرضَ الخسيس تناسبه الألفاظُ الموضوعة للمعاني الخسيسة، سواء كانت المعاني حقيقيَّةً أم كانت مجازية ومستعارة.
فمقام المديح والرثاء - مثلًا - تناسبه المعاني الحميدة، ومقام الهجاء تناسبه المعاني الذميمة، كما في مقذِعات شعر بشار، بحيث لا يحسن أن يُستعمل اللفظُ
стр. 1426
الذي يفيد معنًى حميدًا في غرض خسيس. وهذا ما اقتضاه قولُ المؤلِّف فيما يأتي في عبارة مشاكلة اللفظ للمعنى: "وكان اللفظ مقسومًا على رُتب المعاني: قد جُعل الأخصُّ للأخص، والأخس للأخس، فهو البريء من العيب". (١)
وقال الجاحظ في البيان: "جاء رجلٌ إلى محمد بن حرب الهلالي بقوم فقال: إن هؤلاء الفُسَّاق ما زالوا في مسيس هذه الفاجرة، فقال محمد بن حرب: ما ظننت أنه بلغ من حُرمة الفواجر ما ينبغي أن يُكَنَّى عن الفجور بهن"، يعني حيث كنى يلفظ المسيس (٢). وقال ابن زيدون في رسالته إلى الوزير أبي عامر ابن عبدوس الطامع في في صحبة ولادة خليلة ابن زبدون: "الساقط سقوطَ الذباب على الشراب". (٣) وفي ذلك قولُ المتوكل عمرَ بن الأفطس - صاحب بَطَلْيوس - يستدعي الوزيرَ أبا طالب ابن غانم أحد ندمائه ليحضر إلى الأنس في روض:
أَقْبِلْ أَبَا طَالِبٍ إِلَيْنَا ... وَقَعْ وُقُوعَ النَّدَى عَلَيْنَا (٤)
• "وشدة اقتضائها للقافية حتى لا منافرةَ بينهما" (٥): أي أن يكون غرضُ البيت وألفاظُه يستدعيان اللفظَ الذي يقع قافيةً له استدعاءً شديدًا، أي قويَّ المناسبة، حتى تجيء كلمةُ القافية كالموعود المنتظر، فلا تكون مغتصبةً متكلَّفةَ الوضع في مكانها. والقافية أراد بها هنا الكلمةَ الأخيرة من كل بيت، وهذا مأخوذٌ من كلام الأخفش (٦).
стр. 1427
قال الصفدي في شرح لامية الطُّغرائي: "وزعم بعضُهم أن بعضَ الشعراء غير قوافي هذه القصيدة (١) من اللام إلى حرف العين، وهذا عندي يتعذر؛ لأن ألفاظ هذه القصيدة في غاية الفصاحة، وتراكيب كلماتها كلها منسجمة عذبة غير قلقة ولا نافرة، ومعانيها بليغة غير ركيكة، وقوافيها في غاية التمكن. . . والقافية المتمكنة هي التي يُبْنى البيت من أوله إلى آخره عليها، فإذا خُتم البيت بها، نزلت في مكانها ثابتة فيه، متمكنة في محلها، قد رسخت في قرارها، ودُفعت إلى مركزها، فهي لا تتزحزح ولا تتغير منه، بخلاف القافية القلقة التي اجتُلِبت وجيء بها لتمام الوزن وهي أجنبية عنه من تركيبه عارية من الالتحاف به والالتحاق بحسبه. ومتى غيرت القافية المتمكنة بغيرها، جاءت نافرةً عن الطباع. . ." (٢)
وقد ذكر أبو العلاء في "رسالة الغفران" أن خلفًا الأحمر أُنْشِدَ بمجلسه قولُ النَّمْر بن تَوْلَب:
أَلَمَّ بِصُحْبَتِي وَهُمْ هُجُوعٌ ... خَيَالٌ طَارِقٌ مِنْ أُمِّ حِصْنِ
لَهَا مَا تَشْتَهِي: عَسَلًا مُصَفَّى ... إِذَا شَاءَتْ وَحُوَّارَى بِسَمْنِ (٣)
стр. 1428
فقال لهم خلف: لو قال النمرُ في موضع أمِّ حصن أمَّ حفص، ما كان يقول في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال خلف: "وحُوَّارَى بلمص"، يعني الفالوذج. ثم إن المعري أخذ يفرض أن تُغَيَّرَ قافيةُ البيتين على جميع حروف المعجم، على تقدير تغيير كنية "أم حصن" بحرف غير النون، فكانت القوافي متفاوتةً في اقتضاء البيت إياها (١).
وقوله: "حتى لا منافرةَ بينهما"، أي بين المعنى ولفظه وبين القافية، فجعل المؤلف اللفظَ والمعنى كشيءٍ واحد بالنسبة لشدة اقتضائهما للقافية، ولذلك قال: "بينهما"، ولم يقل: "بينها". وهذه المنافرة كقول أبي عدي القرشي في قصيدة دالية:
وَوُقِّيتَ الحُتُوفَ مِنْ وَارِثِ وَا ... لٍ وَأَبْقَاكَ سَالِمًا رَبُّ هُودِ (٢)
فليس لهود مناسبة بالمعنى، ولكنه اجتُلِب لأجل الروي، فهو قافيةٌ مغتصَبَة. وأعلى اقتضاء البيت للقافية أن تكون القافيةُ كالموعود به المنتظر، كما سيأتي في كلام المؤلف.
• "فهذه سبعةُ أبوابٍ هِيَ عمودُ الشِّعر" (٣)، سماها أبوابًا؛ لأن كلَّ واحد منها يُعتبر عنوانَ بابٍ من أبواب فنِّ النقد لو شاء أحدٌ تبويبَه، وقد علمتَ بعضَ ذلك.
стр. 1429
و"العمود" عودٌ عظيم يُرْكَزُ في الأرض تُقام عليه القبةُ أو الخيمة، وتُشد بأعلاه، ويتفرع منه أديمُ القبة أو ثوبُ الخيمة إلى أن تُشدَّ بالأرض بالأوتاد على شكل قبة أو هرم. فما به قِوامُ الشعر فهو كالعمود للبيت، وقد وقعت هذه العبارةُ للحسن الآمدي في "الموازنة" وساق في كلامه ما محصله: إن عمودَ الشعر هو الأسلوبُ الذي سلكه فحولُ الشعراء من عهد الجاهلية وما بعده في بلاغة الكلام، وإحسان المعنى، والبعد عن التكلف، وتجنب استكراه الألفاظ والمعاني (١). وذَكر عن البحتري أنه سئل عن طريقته وطريقة أبي تمام، فقال البحتري: "أنا أقوم بعمود الشعر، وأبو تمام كان أغوص على المعنى" (٢)، فبيَّن أنه امتاز عن أبي تمام بإجادة الناحية اللفظية من شرائط الإجادة، وأن أبا تمام امتازَ بالناحية المعنوية.
فتحصَّل أن عمودَ الشعر هو مجموعُ شرائط الإجادة اللفظية والمعنوية، وهو الذي اعتمده المؤلف.
• "ولكلِّ بابٍ منها معيار" (٣)، المعيارُ اسم آلة للتعيير، والتعيير تحقيق الوزن أو الكيل على ميزان أو مكيال محقَّق المقدار، مضبوطٍ لا زيادةَ فيه ولا نقصان عن المقدار الذي يُستعمل له. يقال: عيَّر الدينار، إذا وزنه بدينار محقق الوزن، وعير المكيال كذلك. ويقال لما به الكيلُ أو الوزن: معيار وعيار أيضًا، كما سيجيء في عبارة المؤلف.
ومعنى كلامه أن لكل بابٍ منها ضوابطَ ورسومًا بها يكون الشعرُ حسنًا مقبولًا، وممَيَّزًا عن القبيح المردود عند أهل النقد، مع بيان ما به إدراكُ تمييز الحسن
стр. 1430
من السيء. وهذا المعيار هو كقول علماء المعاني: إن تمييز الفصيح من غير الفصيح بعضُه يَبِينُ في علم اللغة أو التصريف، وبعضُه يُدرك بالحس. فظهر أن المعيار مجموعُ الشروط وطريقُ إدراكها.
• "فعيارُ المعنى أن يُعرَض على العقل الصحيح والفهم الثاقب" (١)، أي ضابطُ المعنى المشروط - فيما تقدم - بالشرف والصحة. يعني أن الوسيلةَ لتحصيل ملَكَةِ الحكم في استيفاء المعنى ما شُرِط فيه، هي أن يُعرض المعنى على "العقل الصحيح"، أي الفكر المستقيم. و"الفهم الثاقب" هو الفهم الذي لا تخفى عليه دقائقُ المعنى، ولا تلتبس عليه الحقائقُ المتقاربة؛ شُبِّه بآلة الثقب إذ تخترق الأجسامَ الصلبة، وهو يغوص إلى الحقائق التي يعسر فهمُها على غالب الأذهان. ومراده عقل الشاعر وفهمه، وهو المقصود، ومثلُه الكاتب. وكذلك عقلُ السامع، الذي هو من أهل الذوق والنقد الاختيار.
• "فإذا انعطف عليه جنبتا القبول والاصطفاء مستأنِسًا بقرائنه خرج وافيًا، وإلا انتقص بمقدار شوبه ووحشته" (٢).
قوله: "فإذا انعطفَ عليه"، تفريعٌ على "أن يعرض على العقل الصحيح"، أي فإذا العطف عليه جَنَبَتَا قبولِ العقل الصحيح والفهم الثاقب إياه واصطفائه خرج وفيًا إلخ. . . وأراد بهذا إعادةَ التنبيه على أن المعنى لَمَّا كان غيرَ مستغن عن كلام يقع فيه، فجودةُ المعنى مفتقرةٌ إلى جودة الكلام الذي يدل عليه.
واستعار الانعطافَ - الذي حقيقتُه الميلُ والمحبة - لمعنى الرِّضا به والموافقة، أي فإذا صادف المعنى من نفس عقل الشاعر صاحب الذوق المكين وفهمه قبولًا ورضًا، فذلك المعنى وافٍ بشرط الكمال لنوعه، وهو الصحةُ والشرف.
стр. 1431
و"الجنبتان" تثنيةُ جنبة بسكون النون وفتحها، وهي الجانب. أي إذا وافقه جانِبَا القبول والاصطفاء. ووقع في نسخة الآستانة "جُبَّتَا القبول" تثنية جبة، وهي ثوبٌ له جيب، وكان يُلبس فوق الثياب الداخلية. ونسخة "جَنَبتا" أولى، وهي مماثلة لقول أبي العباس المبرد في أول بابٍ من الكامل في اللفظ الغريب إذ قال: "فإذا انعطفت عليه جنبتا القول غطتا على عَوَاره" إلخ (١).
وإضافة جَنبَتَا أو جُبَّتَا إلى القبول والاصطفاء إضافةٌ بيانية؛ لأنَّ المضافَ عينُ المضاف إليه. واستعارةُ جَنبَتَا للقبول والاصطفاء؛ لأن القبولَ والاصطفاء أشبها جانبين يحيطان بالمعنى ويحضنانه. واستعارة جُبَّتَا لهما؛ لأنهما أشبها ما يكتسي به المعنى بهجة. وقد أشار بـ "القبول" إلى صحة المعنى؛ لأن المعنى لا يُقبل إلا إذا كان صحيحا. وكَنَّى بالاصطفاء عن شرف المعنى؛ لأنه إذا جاء شريفًا كان مرضيًا في نفس المخترع فيما يقول، والسامع فيها يسمع، والناقد فيها يختار.
وقوله "مستأنِسًا" - بكسر النون - حالٌ من ضمير "عليه"، ويجوز فتحُ النون أيضًا، على معنى أن قائلَه اصطفاه وقبله واستأنس بما معه. و"الاستئناس" التأنُّس، وهو ضد الوحشة. وكَنَّى به هنا عن المماثلة؛ لأن المماثلةَ تستلزم التأنسَ بالمثل، إذ الشَّيْءُ يألف مثيلَه. فالمراد المماثلة في الصفة بين المعنى المقبول المصطفى وبين ما يقترن به من المعاني، حتى يكون الكلامُ كلُّه مُفْرَغًا في قالب واحد من الكمال، ولا يكون بعضُ معانيه مقبولًا وبعضُها مكروهًا، وذلك ما سماه رؤبة بـ "القران" كما سيأتي.
و"القرائن" جمع قرينة، من الاقتران وهو الاجتماع، وأنث القرائن على تأويله بالكلمات. وبمقدار ما يقترن بالمعاني المرتضاة من معان مكروهة، ينقُص الكلامُ نقصًا قليلًا أو كثيرًا، ويُوحِش السامعَ والناقد.
стр. 1432
• "وعيارُ اللفظِ الطبعُ والرِّوَايةُ والاستعمال" (١)، يعني اللفظ الذي وصفه آنفًا بالجزالة والاستقامة، أي وسيلة اختبار تحقق ذينك الوصفين فيه ثلاثة أشياء:
الأول: الطبع، وهو طبعُ البليغ وذوقه، ودربتُه الحاصلة من كثرة مزاولة الكلام الفصيح، ومعرفة دقائق الاستعمال العربي، حتى تحصل له من ذلك ملكةٌ يُمَيِّزُ بها بين اللفظ المقبول المستحسَن واللفظ المجفُوِّ المستنكَر، فينتقي ما يُستحسن وينبذ ما يُستكره.
والثاني: الرواية، وهي روايةُ ذلك اللفظ فيما يُرْوَى عن العرب وأئمة الاستقراء، ليعلم بذلك مواقعه من الكلام الفصيح، فيتضح معناه عندهم فيكون صريحًا فيه.
والثالث: الاستعمال، ليظهر ما هو حقيقة، وما هو مجاز، ويظهر العامُّ والخاصُّ مثلا.
• "فما سلم مما يهجنه عند العرض عليها فهو المختار المستقيم" (٢)، قال الجاحظ في البيان: "ومتى شاكل [- أبقاك الله - ذلك] اللفظُ معناه، وأعرب عن فحواه، وكان لتلك الحال وفقًا، ولذلك القدر لِفْقًا (٣)، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من فساد التكلف، كان قَمِينًا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع". (٤) و"الهُجنة"، العيب في الكلام.
стр. 1433
• "وهذا في مفرداته وجمله مراعًى؛ لأن اللفظة تُستكره بانفرادها، فإذا ضامَّها ما لا يوافقها عادت الجملة هجينًا" (١)، ومعنى كلامه أن اللفظة قد تكون مستكرهة في حد ذاتها، وقد تكون حسنة، فإذا ضُمَّت إليها لفظةٌ أخرى لا توافقها، صارتا معًا مستكرهتين. ومعلومٌ أنه إذا ضُمَّت المستكرهة إلى المستكرهة قوِيَ الاستكراه، فلم يحتج المؤلف إلى هذه الصورة، ولعل في العبارة حذفا.
قال عبد القاهر: "إنك ترى الكلمة تروقك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتُوحشك في موضع آخر، كلفظ الأخدع في بيت الحماسة:
تَلَفَّتُّ نَحْوَ الحَيِّ حَتَّى رَأَيتُنِي ... وَجِعْتُ مِنَ الإِصْغَاءِ ليْتًا وَأَخْدَعَا (٢)
[وبيت البحتري:
وَإنِّي وَإِنْ بَلَّغْتَنِي شَرَفَ الغِنَى ... وَأَعْتَقْتَ مِنْ رِقِّ المَطَامِعِ أَخْدُعِي]
فإن لها [في هذين المكانين] ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها في بيت أبي تمام:
يَا دَهْرُ قَوِّم مِنْ أَخْدَعَيْكَ فَقَدْ ... أَضْجَجْتَ هَذَا الأَنَامَ مِنْ خُرُقِك
فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعافَ ما وجدت لها هناك من الرِّوْح والخفة، [ومن الإيناس والبهجة] ". (٣) ولم يبين الشيخ سببَ ثقل هذه اللفظة في موضع وحسنها في الآخر؛ لأنه أحاله على الذوق. وزعم ابنُ الأثير
стр. 1434
في "المثل السائر" أن سببَ ذلك هو إفرادُ الأخدع في بيت "الحماسة" وتثنيتُه في بيت أبي تمام (١)، وهو وهمٌ من ابن الأثير.
والحق أن سببَ حسنها في بيت الحماسة مجيئُها مستدعاةً للكلام الذي قبلها، حيث كان ذكرُ وجع الليت يستدعي وجعَ ما حوله وهو الأخدع، فكان لفظُ الأخدع فيه رشيقا. وهو في بيت أبي تمام مغصوبٌ للقافية؛ إذ لا مناسبةَ في استعارة الأخدع للدهر في هذا المقام؛ إذ ليس في أحوال الدهر ما يكون الأخدع رديفًا له، كما يؤخذ من كلام الآمدي في كتاب "الموازنة".
• "وعيار الإصابة في الوصف الذكاء وحسن التمييز، فما وجداه صادقًا في العلوق، ممازجًا في اللصوق، يتعسر الخروج عنه والتبرؤ منه، فذلك سيما الإصابة فيه" (٢)، أي أن الذكاءَ وحسنَ التمييز يُدرَك بهما الوصفُ المصيب في العلوق، أي في في تعلقه بالغرض الموصوف المشخَّص، منطبقًا عليه، ممازجًا له، لا تقصير فيه. و"السيما" بالقصر: العلامة، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
- ٦ -
• "ويُروى عن عمر أنه قال في زهير: "كان لا يمدح الرجلَ إلا بما يكون للرجال" (٣) أراد الاحتجاجَ بكلمة صدرت من أحد أهل الذوق العربي بالسليقة، وهو عمر بن الخطاب ﵁، فإنه قدم زهيرًا بن أبي سلمى على غيره من الشعراء بثلاثة أمور سيجيء ذكرُ الأول والثاني [منها] في كلام المؤلف. وثالثها أنه "لا يمدح
стр. 1435
الرجل إلا بما يكون للرجال"، وفي رواية "إلا بما فيه". (١) وما اقتصر عليه المؤلف أظهرُ في الغرض، يعني أنه يصيب المحزَّ من وصف المعنى، فإذا مدح أحدًا مدحه بصفات الكمال في الرجال، كقوله في معلقته يخاطب هرمَ بن سنان والحارث بن عوف.
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا ... تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطَرَ مَنْشَمِ
عَظِيمَيْنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ هُدِيتُمَا ... وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزًا مِنَ المَجْدِ يَعْظُمِ (٢)
فهذا مدحٌ بصفات الكمال والفتوة، وهو أفضل من قول النابغة:
رِقَاقُ النِّعَال طِيبٌ حُجُزَاتُهُمْ ... يَحَيَّوْنَ بِالرَّيْحَانِ يَوْمَ السَّبَاسِبِ (٣)
ولما مدح عبيد الله بن قيس الرقيات (٤) عبد الملك بن مروان بقوله:
يَأْتَلِقُ التَّاجُ فَوْق مَفْرِقِهِ ... عَلَى جَبِينٍ كَأَنَّهُ الذَّهَبُ (٥)
عتب عليه عبد الملك وقال: إنك قلت في مصعب بن الزبير:
стр. 1436
إِنَّمَا مُصْعَبٌ شِهَابٌ مِنَ اللَّـ ... ـهِ تَجَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ (١)
وإنما أنكر عليه من أجل أنه عدل به عن بعض الفضائل النفسية، إلى ما هو من صفات الجسم في البهاء والزينة (٢)، فكان كالذي ينسُب بمحاسن الحسناء.
واعلمْ أن هذا الأصلَ يختلف باختلاف العوائد، واختلاف أغراض الناس، من عناية بالفضائل النفسية، أو المحاسن الجسمية، أو كليهما، قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وكذلك اختلاف أحوال المدنية والبداوة، وانظرْ قولَ جعفر بن علبة:
إِذَا هَمَّ أَلقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ... وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَوَاقِبِ جَانِبَا
وَلَمْ يَسْتَشِرْ فِي أَمْرِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ... وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا قَائِمَ السَّيْفِ صَاحِبَا (٣)
تجدْ ما افتخر به جاريًا على خُلُقِ الأبطال وأحوال أهل الشطارة، ولو سمعه الحكيمُ لعده تهورًا وغرورا.
ومما يدخل في عكس ما قاله عمر بن الخطاب ﵁، ننقل قول أبي الطيب في شدة تعلقه بسيف الدولة:
أَغَارُ مِنَ السُّلَافَةِ وَهْيَ تَجْرِي ... عَلَى شَفَةِ الأَمِيرِ أَبِي الحُسَيْنِ (٤)
стр. 1437
لأنه أتى بمعنى لا يليق بمثله مع مثل الأمير، وإنما هو من المعاني التي تناسب أحوال المتيمين (١).
• "فتأمل هذا؛ فإن تفسيره ما ذكرناه" (٢)، أمر بالتأمل لظهور أن عمر لا يريد بما يكون للرجال الاحتراز عن صفات النساء؛ لأن ذلك لو وقع لكان غلطًا. ولا يريد أيضًا أن يكون ما يمدح به ليس بمدح، ولكنه أراد أنه يمدح بما هو كمالٌ حق. وقوله "فإن تفسيره ما ذكرناه"، أي هو جزئِيٌّ من جزئيات قاعدة إصابة الوصف، أي توصيف المعاني المقصودة، فإن المديحَ نوعٌ من أغراض الكلام ومعانيه، فأراد بالتفسير التمثيل.
• "وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس" (٣)؛ لأن الفطنة هي التي ترشد إلى مشابهة شيء أو أشياء. وأما حسن التقدير فهو الذي يختار الشاعر بواسطته أشبه الأشياء بالمشبه به في الصفات المقصودة. ومعنى "أصدق التشبيه"، أنه الأشد مطابقة لما في نفس الأمر، بحيث لو عكس التشبيهَ فجعل المشبَّهَ به مشبَّهًا لكان صادقًا، وهو التشبيه المقلوب؛ لأنه يتأتى عن شدة المشابهة، كقول المتنبي:
стр. 1438
وَقَابَلَنِي رُمَّانَتَا غُصْنِ بَانَةٍ ... يَمِيلُ بِهِ بَدْرٌ وَيُمْسِكُهُ حِقْفُ (١)
فشبه الثديين برمانتين. وقال الآخر:
وَرُمَّانَةٌ شَبَّهْتُهَا إِذْ رَأَيْتُهَا ... بَثَدْيِ كِعَابٍ أَوْ بِحقَّةِ مَرْمَرِ (٢)
• "وأحسنه ما أُوقِع بين شيئين اشتراكُهما في الصفات أكثرُ من انفرادهما" (٣)، هذه الكلمة لقدامة في كتاب نقد الشعر.
• "ليَبِينَ وجهُ التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوبُ من التشبيه أشهرَ صفات المشبَّهَ به، وأملكها له؛ لأنه حينئذٍ يدل على نفسه، ويحميه من الغموض والالتباس" (٤)، أي أحسنُ التشبيه ما كان وجهُ الشَّبَهِ فيه ظاهرًا حتى لا يُحتاج إلى ذكره. فإن كان خفيًّا كان من المناسب التصريحُ به، كقول المعري في التشبيه المفرد:
رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْـ ... ـنِ وَإنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ (٥)
وقول النابغة في التشبيه المركب:
стр. 1439
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ (١)
• "وقد قيل: أقسام الشعر ثلاثة: مثلٌ سائر، وتشبيهٌ نادر، واستعارةٌ قريبة" (٢)، لم يعزُ هذا القول إلى معيَّن؛ لأنه رآه كلامًا مقبولًا لا مِريةَ في صحته، على حد قولهم: "انظرْ إلى ما قال، لا إلى مَنْ قال". وظاهرُ هذا الكلام حصرُ الشعر في هذه الثلاثة، وهو حصرٌ مقصودٌ به المبالغة، تنويهًا بهذه الثلاثة، كما لا يجفى.
والمراد بـ "التشبيه النادر" هو الذي لا يهتدي إليه عامَّةُ الناس، فالآتي به يدلُّ على حُسْنِ فطنته وتخَيُّله. قال في أسرار البلاغة: "والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون التشبيهُ المقصود من الشيء مما لا يتسرع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يُشبَّه به، بل بعد تثَبُّتٍ وتذكر، وفلي للنفس عن الصور التي يعرفها، وتحريكٍ للوهم في استعراض ذلك [واستحضار ما غاب منه] ". (٣) وقال: "ومما يزيد به التشبيهَ دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي عليها الحركات"، كقول الوزير المهلبي:
"الشَّمْسُ مِنْ مَشْرِقِهَا قَدْ بَدَتْ ... مُشْرِقَةً لَيْسَ لَهَا حَاجِبُ
كَأَنَّهَا بُوتَقَةٌ أُحْمِيَتْ ... يَجُولُ فِيهَا ذَهَبٌ ذَائِبُ". (٤)
стр. 1440
وقول المؤلف: "واستعارة قريبة"، كذا في سائر النسخ بالقاف، قال ابن رشيق: "إنما يستحسنون الاستعارةَ القريبة، وعلى ذلك مضى جلةُ العلماء. وإذا استعر للشيء ما يقرب منه ويليق به، كان أولى مما ليس منه في شيء. ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب، لما استهجنوا قولَ أبي نواس:
بُحَّ صَوْتُ المَالِ مِمَّا ... مِنْكَ يَشْكُو وَيَصِيحُ (١)
فأيُّ شيء أبعدُ من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح؟ [مع أن له صوتًا حين يوزن أو يوضع]؟ " (٢) أي نفس إثبات الصوت للمال بعيدٌ جدًّا، وإثبات البَحة لصوت المال أبعد. وحاصلُ مرادهم أن يكون وجهُ الشَّبَهِ الذي بُنِيَتْ عليه الاستعارةُ واضحًا، وأن تكون إرادةُ الاستعارة واضحة، حتى لا يُحتاج إلى القرينة، أو إلى تقوية القرينة.
• "وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخَيُّرٍ من لذيذ الوزن، الطبعُ واللسان" (٣)، أراد بالطبع طبعَ الممارس للأدب كما قدمناه في شرح قوله: "اتسع مجال الطبع"، وباللسان لسان الممارس كذلك، وقد فصله بقوله:
• "فما لم يتعثر الطبع بأبِيِّه وعقوده، ولم يتحَبَّس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه بلا مَلالٍ ولا كَلَال، فذلك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تشابُهًا لأجزائه وتقارنا" (٤). "التعثر" اضطرابُ الرِّجْل في المشي من تعرضِ شيءٍ في الأرض. وأراد بـ "الأبي" الكلام المتكلَّف المستكرَه، كما