← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

إِنَّمَا مُصْعَبٌ شِهَابٌ مِنَ اللَّـ ... ـهِ تَجَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ (١) وإنما أنكر عليه من أجل أنه عدل به عن بعض الفضائل النفسية، إلى ما هو من صفات الجسم في البهاء والزينة (٢)، فكان كالذي ينسُب بمحاسن الحسناء. واعلمْ أن هذا الأصلَ يختلف باختلاف العوائد، واختلاف أغراض الناس، من عناية بالفضائل النفسية، أو المحاسن الجسمية، أو كليهما، قال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وكذلك اختلاف أحوال المدنية والبداوة، وانظرْ قولَ جعفر بن علبة: إِذَا هَمَّ أَلقَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ... وَنَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَوَاقِبِ جَانِبَا وَلَمْ يَسْتَشِرْ فِي أَمْرِهِ غَيْرَ نَفْسِهِ ... وَلَمْ يَرْضَ إِلَّا قَائِمَ السَّيْفِ صَاحِبَا (٣) تجدْ ما افتخر به جاريًا على خُلُقِ الأبطال وأحوال أهل الشطارة، ولو سمعه الحكيمُ لعده تهورًا وغرورا. ومما يدخل في عكس ما قاله عمر بن الخطاب ﵁، ننقل قول أبي الطيب في شدة تعلقه بسيف الدولة: أَغَارُ مِنَ السُّلَافَةِ وَهْيَ تَجْرِي ... عَلَى شَفَةِ الأَمِيرِ أَبِي الحُسَيْنِ (٤)

стр. 1437

لأنه أتى بمعنى لا يليق بمثله مع مثل الأمير، وإنما هو من المعاني التي تناسب أحوال المتيمين (١). • "فتأمل هذا؛ فإن تفسيره ما ذكرناه" (٢)، أمر بالتأمل لظهور أن عمر لا يريد بما يكون للرجال الاحتراز عن صفات النساء؛ لأن ذلك لو وقع لكان غلطًا. ولا يريد أيضًا أن يكون ما يمدح به ليس بمدح، ولكنه أراد أنه يمدح بما هو كمالٌ حق. وقوله "فإن تفسيره ما ذكرناه"، أي هو جزئِيٌّ من جزئيات قاعدة إصابة الوصف، أي توصيف المعاني المقصودة، فإن المديحَ نوعٌ من أغراض الكلام ومعانيه، فأراد بالتفسير التمثيل. • "وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه ما لا ينتقض عند العكس" (٣)؛ لأن الفطنة هي التي ترشد إلى مشابهة شيء أو أشياء. وأما حسن التقدير فهو الذي يختار الشاعر بواسطته أشبه الأشياء بالمشبه به في الصفات المقصودة. ومعنى "أصدق التشبيه"، أنه الأشد مطابقة لما في نفس الأمر، بحيث لو عكس التشبيهَ فجعل المشبَّهَ به مشبَّهًا لكان صادقًا، وهو التشبيه المقلوب؛ لأنه يتأتى عن شدة المشابهة، كقول المتنبي:

стр. 1438

وَقَابَلَنِي رُمَّانَتَا غُصْنِ بَانَةٍ ... يَمِيلُ بِهِ بَدْرٌ وَيُمْسِكُهُ حِقْفُ (١) فشبه الثديين برمانتين. وقال الآخر: وَرُمَّانَةٌ شَبَّهْتُهَا إِذْ رَأَيْتُهَا ... بَثَدْيِ كِعَابٍ أَوْ بِحقَّةِ مَرْمَرِ (٢) • "وأحسنه ما أُوقِع بين شيئين اشتراكُهما في الصفات أكثرُ من انفرادهما" (٣)، هذه الكلمة لقدامة في كتاب نقد الشعر. • "ليَبِينَ وجهُ التشبيه بلا كلفة، إلا أن يكون المطلوبُ من التشبيه أشهرَ صفات المشبَّهَ به، وأملكها له؛ لأنه حينئذٍ يدل على نفسه، ويحميه من الغموض والالتباس" (٤)، أي أحسنُ التشبيه ما كان وجهُ الشَّبَهِ فيه ظاهرًا حتى لا يُحتاج إلى ذكره. فإن كان خفيًّا كان من المناسب التصريحُ به، كقول المعري في التشبيه المفرد: رُبَّ لَيْلٍ كَأَنَّهُ الصُّبْحُ فِي الحُسْـ ... ـنِ وَإنْ كَانَ أَسْوَدَ الطَّيْلَسَانِ (٥) وقول النابغة في التشبيه المركب:

стр. 1439

فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِي هُوَ مُدْرِكِي ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ المُنْتَأَى عَنْكَ وَاسِعُ (١) • "وقد قيل: أقسام الشعر ثلاثة: مثلٌ سائر، وتشبيهٌ نادر، واستعارةٌ قريبة" (٢)، لم يعزُ هذا القول إلى معيَّن؛ لأنه رآه كلامًا مقبولًا لا مِريةَ في صحته، على حد قولهم: "انظرْ إلى ما قال، لا إلى مَنْ قال". وظاهرُ هذا الكلام حصرُ الشعر في هذه الثلاثة، وهو حصرٌ مقصودٌ به المبالغة، تنويهًا بهذه الثلاثة، كما لا يجفى. والمراد بـ "التشبيه النادر" هو الذي لا يهتدي إليه عامَّةُ الناس، فالآتي به يدلُّ على حُسْنِ فطنته وتخَيُّله. قال في أسرار البلاغة: "والمعنى الجامع في سبب الغرابة أن يكون التشبيهُ المقصود من الشيء مما لا يتسرع إليه الخاطر، ولا يقع في الوهم عند بديهة النظر إلى نظيره الذي يُشبَّه به، بل بعد تثَبُّتٍ وتذكر، وفلي للنفس عن الصور التي يعرفها، وتحريكٍ للوهم في استعراض ذلك [واستحضار ما غاب منه] ". (٣) وقال: "ومما يزيد به التشبيهَ دقة وسحرًا أن يجيء في الهيئات التي عليها الحركات"، كقول الوزير المهلبي: "الشَّمْسُ مِنْ مَشْرِقِهَا قَدْ بَدَتْ ... مُشْرِقَةً لَيْسَ لَهَا حَاجِبُ كَأَنَّهَا بُوتَقَةٌ أُحْمِيَتْ ... يَجُولُ فِيهَا ذَهَبٌ ذَائِبُ". (٤)

стр. 1440

وقول المؤلف: "واستعارة قريبة"، كذا في سائر النسخ بالقاف، قال ابن رشيق: "إنما يستحسنون الاستعارةَ القريبة، وعلى ذلك مضى جلةُ العلماء. وإذا استعر للشيء ما يقرب منه ويليق به، كان أولى مما ليس منه في شيء. ولو كان البعيد أحسن استعارة من القريب، لما استهجنوا قولَ أبي نواس: بُحَّ صَوْتُ المَالِ مِمَّا ... مِنْكَ يَشْكُو وَيَصِيحُ (١) فأيُّ شيء أبعدُ من صوت المال؟ فكيف حتى بح من الشكوى والصياح؟ [مع أن له صوتًا حين يوزن أو يوضع]؟ " (٢) أي نفس إثبات الصوت للمال بعيدٌ جدًّا، وإثبات البَحة لصوت المال أبعد. وحاصلُ مرادهم أن يكون وجهُ الشَّبَهِ الذي بُنِيَتْ عليه الاستعارةُ واضحًا، وأن تكون إرادةُ الاستعارة واضحة، حتى لا يُحتاج إلى القرينة، أو إلى تقوية القرينة. • "وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخَيُّرٍ من لذيذ الوزن، الطبعُ واللسان" (٣)، أراد بالطبع طبعَ الممارس للأدب كما قدمناه في شرح قوله: "اتسع مجال الطبع"، وباللسان لسان الممارس كذلك، وقد فصله بقوله: • "فما لم يتعثر الطبع بأبِيِّه وعقوده، ولم يتحَبَّس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه بلا مَلالٍ ولا كَلَال، فذلك يوشك أن تكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تشابُهًا لأجزائه وتقارنا" (٤). "التعثر" اضطرابُ الرِّجْل في المشي من تعرضِ شيءٍ في الأرض. وأراد بـ "الأبي" الكلام المتكلَّف المستكرَه، كما

стр. 1441

تقدم في تفسير قوله: "من الأبي المستنكَر". وفي إحدى نسختَيْ تونس ونسخة الآستانة "بأُبنة"، وضُبِط بضمة على الهمزة وفتحة على الباء، فهو اسم جمع أُبْنَة، وهي العُقدة تكون في العود فتتعرض لكف المثقِّف فتضطرب اليدُ كأنها عثرة، وهذا أنسب بقوله "يتعثر". و"العقود" جمع عَقْد، بمعنى المعقود. وأكثر ما يُطلق هذا الجمع على عقود البناء دون عُقَد الخشب. و"التحبس" انحباس النَّفْسِ على شيء، أي امتناعها من تجاوزه، يقال: تحبَّس على كذا. ولما كان ذلك يقتضي المكانَ عداه المؤلف بحرف الظرفية. ثم إن أراد بـ "الفصول والوصول" المعنى الاصطلاحي عند علماء المعاني المتقدم في تفسير قوله: "تناسب الفصول والوصول"، تعين أن يكون المرادُ بتحَبُّس اللسان في ذلك أن يثقُلَ عليه ما اختلَّ من ربط الجمل بعضِها مع بعض، حتى خرج من معتاد أهل الاستعمال، فيعطف الجملةَ حيث اعتِيد فصلُها، ويفصلها حيث اعتِيد وصلُها. وفي إطلاق التحبس على هذا تكلف. ويجوز أن يكون أراد بالفصول والوصول المعنى اللغوي، فالوصول اتصالُ أبيات القصيدة بعضها ببعض في تناسب معاني الأبيات، والفصول فصول معاني البيت الواحد، وهذا أنسبُ بقوله: "بل استمرَّا فيه واستسهلاه. . ." إلخ. • "وألا يكون كما قيل فيه: وَشِعْرٍ كبَعْرِ الكَبْشِ فَرَّقَ بَيْنَهُ ... لِسَانُ دَعِيٍّ فِي القَرِيضِ دَخِيلِ" وكما قال خلف: وَبَعْضُ قَرِيضِ الشِّعْرِ أَوْلَادُ عَلَّةٍ ... يَكُدُّ لِسَانَ النَّاطِقِ المُتَحَفِّظِ (١)

стр. 1442

وكما قال رؤبة لابنه عقبة، وقد عرض عليه شيئًا مما قاله، فقال: قد قلت لو كان له قران" (١)، في إحدى نسختَيْ تونس ضُبِط بفتحة على نون يكون، فتعين أن تكون (ألا يكون. . .)، فتعين أن تكون همزةُ "ألا" مفتوحة، وهي "أَنْ" المصدرية أُدغِمت في لا النافية، وهو عطف على قوله: "أن تكون" من قوله: "يوشك أن تكون". وأما ضبطُه بهمزةٍ في أسفل الألف فيقتضي أن يُجزم "يكن". وهذا البيت نسبه الجاحظ في "البيان" لأبي البيداء الرياحي، واسم أبي البيداء أسعد (٢)، ترجمه ياقوت في "معجم الأدباء". و"يَكُدُّ" في بيت خلف بالدال المهملة، والكد شدة الطلب، وفعلُ كدَّ يكون قاصرًا، ويكون متعديًا إلى المفعول، وهو الوارد في هذا البيت، أي يجعل لسان الناطق في كد، أي شدة عمل، كنايةً عن الإتعاب. والمراد بـ "المتحفِّظ" المتحفظ من الخطأ، فهو يُكلِّف لسانه النطقَ بالبيت على وجه الصواب، يعني: وأما الناطق الذي لا يبالي بالخطأ، فينطق به كيفما اتفق للسانه. و"العَلَّة" - بفتح العين - ضرة المرأة، وأولادُ العلة الأخوة للأب، وشاع أن يكون بينهم جفوةٌ لأجل جفاء الأمهات. ويُضرب مثلًا للأشياء المتقاربة غير المتناسبة، كما في هذا البيت. وقد يُستعار باعتبار آخر للأمور المتماثلة في الجملة، مع اختلاف قليل، كما في الحديث: "الأنبياء كأبناء علات، أبوهم واحد وأمهاتهم متعددة". (٣)

стр. 1443

وخَلَف هو الملقب بالأحمر، ابن حيان مولى بلال ابن أبي بردة. وهو بصريٌّ، علامةٌ في العربية، وكان قريبَ الأصمعي، وأعلمَ أهل عصره بالشعر. توفي في حدود الثمانين ومائة. وكلمةُ رؤبة هي من الرجز. وفي "البيان" للجاحظ: قال أبو نوفل بن سالم أو عبيد الله بن سالم لرؤبة بن العجاج: "يا أبا الجَحَّاف مُتْ متى شئت؟ قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيتُ عقبةَ بن رؤبة ينشد رَجَزًا أعجبني، قال: إنه يقول "لو كان لقوله قران"، يريد بالقران التشابه والموافقة، كما فسره الجاحظ (١). فالمراد بالقول في "قد قلت" الخبر الذي حكاه المؤلف، ومعنى "إنه يقول" - في الخبر الذي رواه الجاحظ - هو القولُ الحسنُ المقبول، أي هو يقول الرجَزَ الحسن، ولكنه يأتي بالبيت الحسن ومعه البيت الذي لا يماثله في الحسن. وهذا كما قال عمر بن لجأ (٢) لبعض الشعراء: "أنا أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيتَ وابنَ عمه" (٣)، أراد بكونه أخًا شدةَ المشابهة في معنى الشعرية، بحيث يحق أن يوضع إلى جنبه. "القران" المقارنة، وأراد به المماثلة.

стр. 1444

• "وإنما قلنا: على تخير من لذيذ الوزن؛ لأنَّ لذيذَه يَطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يَطْرَبُ الفهمُ لصواب تركيبه، واعتدال نظومه. ولذلك قال حسان: تَغَنَّ فِي كُلِّ شِعْرٍ أَنْتَ قَائِلُهُ ... إِنَّ الغِنَاءَ لهِذَا الشِّعْرِ مِضْمَارُ" (١) ساق بيتَ حسان حجةً على أن ميزان الشعر من نوع الموسيقى، فأوزانُ الشعر وضروبُه تتفاضل بمقدار شدة تناسبِ الحركات والسكنات، كما هو شأنُ الموسيقى. فحسان يرشد الشاعرَ إلى اختبار استقامة ميزانه، بأن ينشد أبياتَه بالترنم كالغناء، ليستبين له مستقيمُ الوزن. فإنه إذا أنشده فلم يتعثرْ لسانُه في تساوي أجزائه، علم استقامتَها، وإلا شعر باختلالٍ فأصلحه بمقدار ما تحصل به المساواة. وذلك أنهم لم تكن عندهم قواعدُ العروض، وإنما كانوا يُدركون الميزانَ بالسليقة. و"المضمار" المسافة التي تُحدَّدُ للسباق بين الخيل. والمعنى أن الغناء تظهر به خصالُ الشعر، كما تظهر بالمضمار خصالُ خيل الحلبة. • "وعيارُ الاستعارة الذهنُ والفطنة، ومِلَاكُ الأمر تقريبُ التشبيه في الأصل حتى يتناسبَ المشبَّهُ والمشبَّهُ به، ثم يُكْتَفَى فيه بالاسم المستعار؛ لأنه المنقولُ عما كان له في الوضع إلى المستعار له" (٢)،

стр. 1445

إدراكُ حُسْنِ الاستعارة كإدراك قربِ التشبيه، ولذلك جعل ملاكَ أمرها قربَ التشبيه. وملاك الشيء - بفتح الميم وكسرها - قوامُه الذي يملك به، أي ما يملك به حسنُ الاستعارة ويحقق، وهو تقريب التشبيه. و"تقريب التشبيه" تقدم. وقوله "لأنه المنقولُ عما كان له في الوضع" إلخ، تعليلٌ لـ "يكتفى منه"، أي لأنه ادعى أن المشبَّهَ من أفراد المشبه به، فنقل اسمَ المشبه به إلى المشبه وأطلق عليه مع عدم ذكر حرف التشبيه؛ لأن الاستعارة مبنيةٌ على تناسي التشبيه. • "وعيارُ مشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية، طولُ الدربة ودوام المدارسة، فإذا حكما بحسن التباس بعضهما ببعض، لا جفاءَ في خلالها ولا نُبُوَّ، ولا زيادة فيه ولا قصور، وكان اللفظُ مقسومًا على رتب المعاني، قد جُعِل الأخصُّ للأخص، والأخسُّ للأخس، فهو البريء من العيب" (١)، أحال المؤلفُ في هذا على طول الدربة ودوام المدارسة، أي مدارسة أهل الفنِّ في مختلف الشعر من نقد واختيار. وهذا من الحوالة على الذوق، وقد قدمناه. وقوله: "لا جفاء في خلالها"، هو بالجيم في أوله، والجفاء التباعد وعدم الملاءمة، وهو مقابل قوله: "بحسن التباس بعضها ببعض". ووقع في بعض النسخ "لا خفاء"، بالخاء المعجمة من فوق، ولا موقع له في هذا المقام. و"الخلال" بكسر الخاء المعجمة: الخلة والود، أي لا تنافرَ ولا تبعدَ في تناسب بعضها لبعض. والمراد بـ "الأخص" الكامل، كأنه جُعل من الخاصة، أي أصحاب الكمال، ولذلك قابله بالأخس. • "وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر، يتشوَّقها المعنى بحقه واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقةً في مقرها، مُجتلَبةً لمستغنٍ عنها" (٢)،

стр. 1446

قوله: "يتشوقُها المعنى بحقه"، أي يقتضيها، فجعل اقتضاءَ معنى البيت للقافية كالتشوُّق، وهو شدةُ الشوق. وجعل ذلك الشوقَ ملابسًا للحق، أي يتشوقها تشوقًا حقَّا. وجعل اللفظَ متشوِّقًا للقافية بقسطه، أي بحظِّه من البيت؛ فإن للألفاظ حظوظًا من المناسبة كما تقدم. ألا ترى قولَ أبي الطيب: رَأَيْتُكَ فِي الَّذِينَ أَرَى مُلُوكًا ... كَأَنَّكَ مُسْتَقِيمٌ فِي مُحَالِ (١) فإنك تجد كلمةَ "محال" - وهي قافيةُ البيت - مغتصبةً مجتلبَةً لأجل الرَّوِيِّ، وإلا فإن الاستقامةَ يقابلُها الاعوجاج، بيد أنه غَفَرَ له ذلك قولُه بعده: فَإِنْ تَفُقِ الأَنَامَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... فَإِنَّ المِسْكَ بَعْضُ دَمِ الغَزَالِ (٢) فجاء بمعنًى بديعٍ وقافية متشوِّقة، بحيث لا يمكنُ أن تُعوَّضَ بغيرها. وقد تقدم بيانُ بقية كلام المؤلف في عدِّ الأبواب السبعة. • "فهذه الخصالُ عَمُودُ الشعر عند العرب، فمَنْ لزمها بحقِّها وبَنَى شِعْرَه عليها، فهو عندهم المفلِقُ المعظَّم، والمحسِن المقدَّم. ومَنْ لم يجمعها كلَّها، فبقدر سُهْمَته منها يكون نصيبُه من المتقدم والإحسان. وهذا إجماعٌ مأخوذٌ به، ومتَّبع نهجُه حتى الآن" (٣)، قال قدامة في نقد الشعر: " [وأذكر أسبابَ الجودة، وأحوالَها، وأعدادَ أجناسها، ليكون] ما يوجد من الشعر الذي اجتمعت فيه الأوصافُ المحمودةُ كلُّها وخلَا من الخلال المذمومة بأسرها، يُسمَّى شعرًا في غاية الجودة، وما يوجد بضدِّ هذه الحال يُسَمَّى شعرًا في غاية الرداءة، وما يجتمع فيه من الحالين أسبابٌ يُنَزَّل له

стр. 1447

اسمًا (كذا) (١) بحسب قربه من الجيد أو من الرديء، أو وقوعه في الوسط الذي يُقال لما كان فيه صالح أو متوسط، أو لا جيد ولا رديء". (٢) وقول المرزوقي: "سُهمته" بضم السين المهملة، جمع سَهم بمعنى النصيب والحظ. أي بقدر أنصابه من تلك الخصال، يكون نصيبه من الإحسان. • "واعلم أن لهذه الخصال وسائطَ وأطرافًا، فيها ظهر صدقُ الواصف، وغلوُّ الغالي، واقتصادُ المقتصد. وقد اقتفرها اختيارُ الناقدين" (٣)، كلمة "اقتفرها" بتقديم القاف ثم تاء فوقية ثم فاء، في نسخة الآستانة. يُقال: اقتفر الأثر إذا اتبعه. والمعنى أن الناقدين تتبعوها فاختاروها. وفي نسختي تونس: وقعت بتقديم الفاء على التاء ثم قاف، وهو تحريفٌ لا محالة. • "فمنهم من قال: "أحسنُ الشعر أصدقُه"، قال: لأن تجويدَ قائله فيه مع كونه في إسار الصدق يدل على الاقتدار والحذق. ومنهم من اختار الغلوَّ حتى قيل: "أحسنُ الشعر أكذبُه"؛ لأن قائلَه إذا أسقط عن نفسه تقابُلَ الوصف والموصوف امتدَّ فيما يأتيه إلى أعلى الرتبة، وظهرت قوتُه في الصياغة، وتمهرُه في الصناعة، واتسعت مخارجُه وموَالجُه، فتصرف في الوصف كيف شاء؛ لأن العملَ عنده على المبالغة والتمثيل، لا المصادقة والتحقيق. وعلى هذا أكثر العلماء بالشعر والقائلين له. وبعضُهم قال: "أحسن الشعر أقصدُه"؛ لأن على الشاعرِ أن يبالغَ فيما يصير به القولُ شعرًا فقط. فما استوفى أقسامَ البراعة والتجويد أو جلَّها، من غير غلوٍّ في القول، ولا إحالة في المعنى، ولم يُخرج الموصوفَ إلى أن لا يُؤْمَنَ بشيء من أوصافه، لظهور السَّرَف في آياته، وشمول التَّزيُّد لأقواله - كان بالإيثار والانتخاب أولى" (٤)،

стр. 1448

هذا مقامٌ شاع خوضُ البلغاء فيه من عهد الجاهلية، وقد رُوِيتْ قصةُ طعنِ النابغة على حسان في عكاظ قولَ حسان ﵁: لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بِالضُّحَى ... وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا (١) إذ أخذَ عليه استعمالَ جمع القلة للجفنات، وأنه جعل لمَعانَها في الضحى، وكان عليه أن يقول: في الدُّجى. وهي مشهورةٌ في دواوين الأدب العربي، وقد ذكرها قدامة في باب المعاني الدال عليها الشعر (٢). وقد اختار أئمةُ الأدب الغلوَّ، كما صرح به المؤلفُ هنا، وسبقه إليه قدامةُ في "نقد الشعر" إذ يقول: "إن الغلوَّ عندي أجودُ المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهلُ الفهم بالشعر والشعراء قديمًا"، قال: "وقد بلغني عن بعضهم أنه قال: أحسنُ الشعر أكذبُه". (٣) والاستعارةُ مبنيةٌ على الكذب، وكذلك المبالغة. وعلى هذا الاختلاف جرى كلامُهم في المبالغة المقبولة والمردودة، كما هو مُبَيَّنٌ في فن البديع. وقد نَبَّهَ المرزوقيُّ - تبعًا لقُدامة - على أن مرادَهم بالأكذب هو الغلو، وهو كذبٌ تصاحبه قرينةٌ على أنه مخالفٌ للواقع لغرض لطيف، وليس مرادُهم الكذبَ مطلقًا (٤).

стр. 1449

وقوله: "فمنهم من قال أحسن الشعر أصدقه"، قال حسان بن ثابت، وربما نُسب إلى زهير: وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ المَرْءِ يَعْرِضُهُ ... عَلَى البَرِيَةِ إِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمُقَا وَإِنَّ أَشْعَرَ بَيْتٍ أَنْتَ قَائِلُهُ ... بَيْتٌ يُقَالُ إِذَا أَنْشَدْتَهُ: صَدَقَا (١) يعني بذلك أن يكون الشعرُ تعبيرًا عن الأمر الواقع، وقد قدمنا الكلامَ عليه عند الكلام على شرف المعنى. • "ويتبع هذا الاختلافَ ميلُ بعضهم إلى المطبوع، وبعضهم إلى المصنوع. والفرقُ بينهما أن الدواعي إذا قامت في النفوس وحركت القرائحَ، أعملتِ القلوبَ. وإذا جاشت العقولُ بمكنون ودائعها، وتظاهرت مكتسباتُ العلوم وضروريَّاتُها، نبعت المعاني ودَرَّت أخلافُها، وافتقرت خفياتُ الخواطر إلى جليات الألفاظ. فمتى رُفِض التكلُّفُ والتعمُّلُ، وخُلَّيَ الطبعُ المهذَّبُ بالرواية، المدرَّبُ في الدراسة لاختياره، فاسترسل غيرَ محمولٍ عليه ولا ممنوعٍ مما يميل إليه، أدَّى من لطافة المعنى وحلاوة اللفظ ما يكون صفوًا بلا كدَر، وعفوًا بلَا جُهد، وذلك هو الذي يُسمَّى المطبوع. ومتى جُعل زمامُ الاختيار بيد التعمُّل والتكلف، عاد الطبعُ مستخْدَمًا متمَلَّكًا، وأقبلت الأفكارُ تستحمله أثقالهَا، وتردده في قبول ما يؤديه إليها، مطالِبةً له بالإغراب في الصنعة، وتجاوز المألوف إلى البدعة، فجاء مؤداه وأثرُ التكلُّفِ يلوحُ على صفحاته، وذلك هو المصنوع. وقد كان يتفق في أبيات قصائدهم - من غير قصدٍ منهم إليه - اليسيرُ النَّزْر، فلما انتهى قرضُ الشعر إلى المحدَثين، ورأوا استغرابَ الناس للبديع على افتنانهم فيه، أُولِعوا بتورِّده إظهارًا للاقتدار، وذهابًا على الإغراب.

стр. 1450

فمِنْ مُفْرِطٍ ومقتصد، ومحمود فيما يأتيه ومذموم، وذلك على حسب نهوض الطبع بما يُحمَّل، ومدى قواه فيما يُطلب منه ويكلف. فمَنْ مال إلى الأول فلأنه أشبهُ بطرائق الأعراب لسلامته في السبك واستوائه عند الفحص، ومَنْ مال إلى الثاني فلدلالته على كمال البراعة والالتذاذ بالغرابة". (١)، كلامُ المؤلف هنا مفصحٌ أتم الإفصاح، غيرُ محتاجٍ إلا إلى شرح مفرداته. فقوله: "أعملتِ القلوبَ"، أي جعلتها عاملة، والقلوب هي العقول. فالمراد بعملها هو التفكير في ترتيب المعاني للتعبير عنها، ولذلك أعقبه المؤلف بقوله: "وإذا جاشت العقولُ بمكنون ودائعها. . ." إلخ. وقوله: "لاختياره" متعلِّقٌ بقوله: "وخلي الطبع". • "وأما تعجُّبُك من أبي تمام في اختيار هذا المجموع، وخروجه عن ميدان شعره، ومفارقته ما يهواه لنفسه، وإجماع نُقَّاد الشعر بعدَه على ما صحبه من التوفيق في قصده، فالقولُ فيه أن أبا تمام كان يختار ما يختاره لجودته لا غير، ويقول ما يقوله من الشعر بشهوته. والفرقُ بين ما يُشتهى وبين ما يُستجاد ظاهر، بدلالة أن العارف بالبَزِّ قد يشتهي لُبسَ ما لا يستجيده، ويستجيد ما لا يشتهي لُبسه، وعلى ذلك حالُ جميع أغراض الدنيا مع العقلاء العارفين بها في الاستجادة والاشتهاء. وهذا الرجلُ لم يعمِدْ من الشعراء إلى المشتهرين منهم دون الأغفال، ولا من الشعر إلى المتردِّدِ في الأفواه والمجيب لكل داع، فكان أمرُه أقرب. بل اعتسف في دواوين الشعراء، جاهليِّهم ومخضرمهم وإسلاميِّهم ومولَّدهم، فاختطف منها الأرواحَ دون الأشباح، واخترفَ الأثمارَ دون الأكمام، وجمع ما يوافِقُ نظمَه ويخالفه؛ لأن ضروبَ الاختيار لم تخفَ عليه وطرقَ الإحسان والاستحسان لم تستَتِرْ عنه" (٢)، ليست بعد هذا الكلام حاجةٌ إلى الشرح.

стр. 1451

• "حتى إنك تراه ينتهي إلى البيت الجيد فيه لفظةُ تُشينه فيجبر نقيصتَه من عنده، ويبدل الكلمةَ بأختها في نقده" (١)، إنما حدَا أبا تمام إلى ذلك، أنه لما قصد إلى اختيار ما يختار من الشعر لم يقصد صحةَ رواية أشعارهم؛ لأنها كانت مجموعةً مروية، وإنما أراد تقريبَ المختار منها إلى أذواق الناشئين في صناعة الشعر، لتكون لهم مثالًا تحتذيه أذواقُهم، ومنوالًا تُنْسجُ عليه أشعارُهم. ومع هذا فإنه لا يصير إلى هذا التغيير إلا نادرًا عند الاقتضاء، فقد عمد إلى قول الربيع بن زياد في رثاء مالك بن زهير (٢): مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ (٣) فغيَّره، وجعله: "فَلْيَأْتِ سَاحَتَنَا"، وحمله على ذلك كراهيةُ تعليق فعل الإتيان بالنسوة. وكذلك عمد إلى قول تأبط شرًّا: وَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيِبًا ... وَكَمْ مِثْلُهَا فَارَقْتُهَا وَهْيَ تُصْفِرُ (٤)

стр. 1452

فغيره: "ولم أكُ آيبًا"، مراعاةً لكون "ما كدت" يقتضي أنه بظاهره نفى اقترابَ إيابه، مع أنه قد آب. وفي داعي تغييره نظرٌ يُعلم من قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] (١)، ومن قصة ذي الرمة مع خلف الأحمر حين أنشده قوله:

стр. 1453

إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ (١) • "وهذا يَبِينُ لمَنْ رجع إلى دواوينهم، فقابل ما في اختياره بها. ولو أن نقدَ الشعر كان يُدرَك بقوله، لكان مَنْ يقول الشعر من العلماء أشعرَ الناس. ويكشف هذا أنه قد يُمَيِّز الشعرَ مَنْ لا يقوله، ويقول الشعرَ الجيد مَنْ لا يعرف نقدَه. على ذلك كان البحتري؛ لأنه فيما حُكِيَ عنه كان لا يعجب من الشعر إلا بما يوافق طبعَه ومعناه ولفظَه" (٢)، قال في دلائل الإعجاز: " [ومن ذلك ما رُوي عن البحتري: ] روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأله عن مسلم بن الوليد وأبي نواس: أيُّهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقال: إن أبا العباس ثعلبًا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا مِنْ شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لِعِلم الشعر دون عَمَله، إنما يعلم ذلك مَنْ دُفِع في مسْلك طريق الشعر إلى مضايِقِه وانتهى إلى ضروراته". (٣) • "وحكى الصوليُّ أنه سمع المبرَّد يقول: سمعتُ الحسنَ بن رجاء يقول: ما رأيت أحدًا قط أعلمَ بجيِّدِ الشعر قديمه وحديثه من أبي تمام. وحُكِيَ عنه أنه مر بشعر ابن أبي عيينة فيما كان يختاره من شعر المحدثين، فقال: وهذا كله مختار. هذا وشعرُه أبعدُ الأشياء من شعره، وهذا واضح" (٤)،

стр. 1454

تقدمت ترجمةُ الصولي. وأما المبرِّد فهو أبو العباس محمد بن يزيد الثمالي، بضم المثلثة وتخفيف الميم، نسبة إلى "أَزْدِ شَنُوءة" بفتح الشين المعجمة، البصري، الملقب بالمبرِّد، بكسر الراء المشددة على الأصحٍ، المولود سنة ٢١٠ هـ، والمتوفَّى سنة ٣٨٥ هـ. إمام العربية ببغداد، كان فصيحًا علامةً في العربية، صنف كتاب "الكامل"، جمع فيه من أبلغ الكلام وأفصحه نظمًا ونثرا. ولُقِّب بالمبرِّد، وقلَّ مَنْ تعرَّض لضبطه، وقيل: هو بكسر الراء المشدَّدَة، وهو الذي اقتصر عليه ياقوت في "معجم الأدباء"، وأنه لقبه به شيخُه أبو عثمان المازني، ومعناه المثْبِت للحق. وقيل: بفتح الراء، فقال ياقوت: هو تحريف حرفه أهلُ الكوفة (١). وقال ابن خلِّكان عن ابن الجوزي: لقبه به شيخه أبو حاتم السجستاني في قصة ذكرها، فهو المحجول له بُرد (٢). قلتُ: وسمعتُ من بعض مشايخي أن المبرِّد كان يقول: برَّد الله مَنْ برَّدني، أي مَنْ يدعوه المبرَّد بفتح الراء، على أنه لقب نبز من البرودة. وأما الحسن بن رجاء فهو أديبٌ شاعر، كان زمنَ الواثق، ولم أقف على سنة وفاته. وذكر له في "الأغاني" أبياتًا أربعة كتب بها إلى الحسين بن الضحاك الشاعر في ترجمته (٣).

стр. 1455

وابن أبي عيينة اسمه أبو عيينة (١)، وكنيتُه أبو المنهال. ونُسب إلى جده، فهو أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، البصري (٢). كان شاعرًا مطبوعًا من شعراء دولة الأمين، ومدح طاهرَ بن الحسين في خلافة المأمون. قال ابن الأثير في "الكامل" إنه أنشد طاهر بن الحسين: مَا سَاءَ ظَنِّي إِلَّا بِوَاحِدَةٍ ... فِي الصَّدْرِ مَحْصُورَةٍ عَنِ الكَلِمِ يُعرِّض بقتل طاهر محمدًا بن يزيد المهلبي، فتبسم طاهر وقال: "أما والله ساءني من ذلك ما ساءك، وآلمني ما آلمك" إلخ (٣). ترجمه في الأغاني، وقال: "كان [أبو عيينة ابن محمد] بن أبي عيينة يهوى فاطمةَ بنت عمر بن حفص الملقب هزَارَ مَرْدَ" من قواد الدولة العباسية (٤). وعن المبرد أنه قال: "لم يجتمع لأحدٍ من المحدَثين في بيتٍ واحد هجاءُ رجلٍ ومديح أبيه، كما اجتمع لابن أبي عيينة في قوله يهجو خالدًا عمَّه: أَبُوكَ لنَا غَيْثٌ نَعِيشُ بكنفِهِ ... وَأَنْتَ جَرَادٌ لَيْسَ يُبْقِى وَلَا يَذَرُ" (٥)

стр. 1456

وعاش ابنُ أبي عيينة بعد موت المأمون، ولم أقف على تعيين عام وفاته. وقول أبي تمام في شعره: "وهذا كله مختار"، هو السبب في أنه لم يثبت شيئًا من شعره في "ديوان الحماسة". • "وأما ما غلب على ظنك من أن اختيار الشعراء موقوفٌ على الشهوات؛ إذ ما كان يختاره زيد يجوز أن يزيفه عمرو، وأن سبيلها سبيل الصور في العيون، إلى غير ذلك مما ذكرته، فليس الأمر كذلك" (١)، أشار المرزوقي بقوله: "إلى غير ذلك مما ذكرته" إلى الجواب عما تقدم من حكاية كلام مَنْ خاطبه بقوله: "بل تعتقد أن كثيرًا مما يستحسنه زيدٌ يجوز أن لا يصادقه عليه عمرو. . ." إلخ. وقد استغنى المرزوقي بما بيَّنه هنا من الأسباب عن التصريح بإبطال قول السائل هناك: "مع أنه لا فضيلةَ لذلك، ولا نقيصةَ لهذا، إلا ما فاز به من الجَد عند الاصطفاء"، ولذلك قال المؤلف هناك: "إلا أنه إذا وضح السبيلُ، وقعت الهدايةُ بأيسر دليل". وقد ظهر من بيان المؤلف إبطالُ اعتقادِ أن يكونَ التفاضُلُ خليًّا عن أسبابٍ ظاهرة علمية، وأنه ليس معلولًا لعلل وهمية يتعلل بها الضعفاءُ في صناعة الأدب، إذا ضعفت مقدرتُهم عن مجاراة السابقين في حلبة الأدب، فيزعمون أن تفوقَ المتفوقين لأجل أنهم مبخوتون، وقديمًا اعتلَّ المشركون لعجزهم عن معارضة القرآن بأن قالوا هذا سحر. وأما قول المعري: لَا تَطْلُبَنَّ مِنْ غيرِ حَظٍّ رُتْبَةً ... قَلمُ البَلِيغِ بِدُونِ حَظٍّ مِغْزَلُ (٢) فإنما جعل الحظَّ سببًا في نوال الرتب، لا في استجادة الكلام، وأيضًا هو من مشايعة الأوهام.

стр. 1457

"لأن من عرف مستورَ المعنى ومكشوفَه ومرفوض اللفظ ومألوفَه، وميَّز البديعَ الذي لم تقتسمه المعارض ولم تعتسفه الخواطر، ونظَرَ وتبَحَّر، ودار في أساليب الأدب فتخَيَّر، وطالت مجاذبتُه في التذاكر والابتحاث، والتداول والابتعاث، وبان له القليلُ النائب عن الكثير، واللَّحْظُ الدالُّ على الضمير، ودرى تراتيبَ الكلام وأسرارَها، كما درى تعاليقَ المعاني وأسبابَها، إلى غير ذلك مما يُكمِّل الآلةَ ويشحذ القريحة - تراه لا ينظر إلا بعين البصيرة، ولا يسمع إلا بأُذُنِ النَّصَفَة، ولا ينتقد إلا بيد المَعْدِلة، فحكمُه الحكم الذي لا يبدَّل، ونقده النقد الذي لا يُغيَّر" (١)، بين المرزوقي بهذا الكلام أسبابَ الاختيار عند أهل النقد بأنها أسبابٌ حقيقية لا وهمية. قال الآمدي في الموازنة: "وأنبه على الجيد وأفضله على الرديء، وأبين الرديء وأرذلَه، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص وتحيط به العناية. ويبقى ما لم يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما لا يعرف إلا بالدُّربة ودائم التجربة وطول الملابسة. وبهذا يفضُل أهلُ الحذاقة بكل علم وصناعة مَنْ سواهم ممن نقصت قريحتُه وقلت دُربته، بعد أن يكون هناك طبعٌ فيه تقبُّلٌ لتلك الطباع وامتزاج، وإلَّا لا يتم ذلك". (٢)

стр. 1458

وقد أطنب المرزوقي في صفات الناقد الذي يُقبلُ نقدُه، وجعله كالحاكم المصيب حكمُه. وقد قال بعضُ الشعراء: يَا أَبَا جَعْفَرٍ أَتَحْكُمُ فِي الشِّعْـ ... ـرِ وَمَا فِيكَ آلَةُ الحُكَّامِ إِنَّ نَقْدَ الدِّينَارِ إِلَّا عَلَى الصَّيْـ ... ـرَفِ صَعْبٌ فَكَيْفَ نَقْدُ الكَلَامِ ومراد المؤلف بـ "البديع" المعنى المبتَدع، وقد تقدم. و"المعارض" جمع مِعرض كمنبر، وهو الثوبُ للجارية، وقد تقدم بيانُه، وأراد بها الألفاظَ التي هي للمعاني كالمعارض للجواري. و"الاعتساف" المشيُ في الرمل. و"الابتحاث" المبالغة في البحث. و"النَّصَفة" - بالتحريك - اسم الإنصاف. و"المَعْدِلة"، بفتح الميم وكسر الدال، العدل. • "واعلَمْ أنه قد يعرِف الجيِّدَ مَنْ يجهل الرديء. والواجبُ أن تَعرِف المقابحَ المتَسخَّطة، كلما عَرَفتَ المحاسنَ المرتضاة" (١)، هذا شروعٌ في التنبيه على علل اختلال الشعر وصفات رديئه، بعد أن انتهى من بيان أسباب الجودة والاختيار. وأراد بقوله: "قد يعرف الجيد من يجهل الرديء"، أنه قد يتمحَّضُ بعضُ الأدباء للانكباب على مطالعة المختارات والدواوين المشهود لها بالإجادة، ولا يشتغل بتتبع ساقط الأشعار؛ لأن في طباع الناس اتباعَ الكمال ومحبةَ العكوف على الحسن، إرضاءً لميل النفس إلى محاسن الأشياء وجمالها، فيبقى غيرَ عالمٍ بالرديء. وبتطاول الإعراض عن تتبع الرديء، يضعُف انتباهُه إلى علل السقوط وأسباب الرداءة.

стр. 1459

وليس مرادُه يجهل الرديء العجزَ عن أن يدرك رداءةَ الرديء؛ فإن مَنْ عرف الجيدَ لا يعدم إدراكَ ما ليس بجيد، كما دل عليه قوله: "والواجب أن تعرف المقابح. . ." إلخ. فكما يجب معرفةُ أسبابِ الاختيار، يجب معرفةُ علل النقد. فلا جَرَم أن كان واجبًا على مَنْ يُعْنَى بالأدب اهتمامُه بمطالعة ما للشعراء من أسقاط (١) وأغلاط، كما يهتم بما لهم من بدائع أنماط؛ فإن ذلك يزيد في نفسه حسنًا، ولأنَّ ذلك يُكسِبُه ملكةَ الحكم ومقدرةَ الإقناع بأسباب الارتفاع والانحطاط. • "وجِمَاعُها إذا أُجْمِلتْ أنها أضدادُ ما بيَّنَّاه من عَمَدِ البلاغة وخصال البراعة في النظم والنثر" (٢)، أراد بـ "عَمَد البلاغة" ما سماه فيها تقدم "عمود الشعر"، وهو الأبوابُ السبعة، والعَمَد بفتحتين، وبـ "خصال البراعة" ما سبق من شروط الإجادة عند البلغاء. • "وفي التفصيل كأن يكون اللفظ وحشيًّا، أو غير مستقيم" (٣) , قوله "وفي التفصيل" عطفٌ على قوله "إذا أجملت". وهذا تفصيلُ ما أجمله آنفا. وقوله "كأن يكون اللفظ وحشيًّا"، يقال وحشي، ويقال حوشي، بطريق القلب المكاني. والوحشيُّ اللفظُ الذي يقِلُّ استعمالُه في الكلام الفصيح، أو يكون مرادُ الشاعر به غيرَ معلوم. ومثالُه ما وقع في شعر أبي حزام غالب العُكْلي، من شعراء زمن المهدي، من قوله: تَذَكَّرْتُ سَلْمَى وَإِهْلَاسَهَا ... فَلَمْ أَنْسَ وَالشَّوْقُ ذُو مَطْرُؤَه (٤)

стр. 1460

وأنشد أحمدُ بنُ جحدر ابنَ الأعرابي أبياتًا، منها قولُه: حَلَفْتُ بِمَا أَرْقَلَتْ نَحْوَهُ ... هَمَرْجَلَةُ خَلْقُهَا شَيْظَمُ فقال له ابنُ الأعرابي: "إن كنت جادًّا فحسيبك الله" (١) أي إن لم يكن مقصدُك بجلب هذين اللفظين المزحَ، فقد أسأتَ في صناعة الشعر، فلذلك دعا عليه بـ "حسيبك الله"، الذي يُستعمل كنايةً عن جزاء ارتكاب السيئة، لا دعاء. "أو غير مستقيم" (٢)، أراد به ما خالف قياسَ اللغة، كقول أبي النجم: "الحمدُ لله العَلِيِّ الأَجْلَل" (٣) بفك الإدغام، أو ما خفي اشتقاقُه كقول العجاج: "وفاحمًا ومرسنًا مسرجًا" (٤)، فلم يُدْرَ أَأَراد أنه منسوبٌ إلى السيف السُّرَيْجِيِّ في الدقة والاستواء، أم إلى السراج في البريق؟

стр. 1461

• "أو لَا يكون مستعملًا في المعنى المطلوب" (١)، يعني به الغلطَ في استعمال اللفظ، كما تقدم من قول المسيَّب بن عَلَس: "بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَريَّةُ مِكْدَمِ". ومثلُه الاستعارةُ المذمومة، كقول أبي تمام: لَا تَسْقِنِي مَاءَ المَلَامِ فَإِنَّنِى ... صَبٌّ قَدِ اسْتَعْذَبْتُ مَاءَ بُكَائِي (٢) حيث شبَّه اللوم بالماء المشروب. • "فقد قال عمر ﵁ في زهير: لا يتتبع الوحشيَّ، ولا يعاظل في الكلام" (٣)، ساقه المؤلفُ حجةً على السلامة من الوحشية ومن عدم الاستقامة، ولذلك لم يقتصر على إحدى الجملتين كما اقتصر على الجملة الثالثة فيما تقدم من قول عمر: "ولا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال"، حيث كانت ترجع إلى حسن معنى الوصف. وقول عمر: "لا يعاظل "الكلام"، وقع في النسخ: "ولا يعاظل الكلام"، بسقوط حرف الظرفية، ولا يتعدى فعل يعاظل إلى الكلام بنفسه، فهو من باب نزع الخافض. وفي كتاب "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد: "ولا يعاظِل بين الكلامين" (٤)، وفي "نقد الشعر" و"الموازنة" و"المثل السائر": "ولا يعاظل بين الكلام" (٥). وإضافة

стр. 1462

"بين" إلى الكلام وهو مفرد؛ لأنه على تقدير الأجزاء، أي بين أجزاء الكلام ومفرداته. ومعنى "يعاظل" يجعل الكلام متعاظلًا، كما جاء في الحديث: "سابق بين الخيل" (١)، أي جعلها تتسابق. واختلفت أقوالهُم في تفسير المعاظلة اختلَافًا يتبعون فيه ما يقتضيه اشتقاقُ اللفظ: ففسر أبو زيد المعاظلة بأن يُرَدِّدَ الكلامَ في قافيةٍ لمعنى واحد، يعني الإيطاء. وفسرها قدامة بأنها أن يُدْخِل في الكلام "ما ليس من جنسه، وما هو غيرُ لائقٍ به" (٢)، وهذا تفسيرٌ غلَّطه فيه الآمدي في الموازنة. وفسَّر هو المعاظلةَ بأنها شدةُ تعليق الشاعر ألفاظَ البيت بعضها ببعض، وأن يُداخِلَ لفظةً من أجل لفظة تُشبِهُها أو تُجانِسُها وإن اختلَّ المعنى بعضَ الاختلال، كأنه يعني الإفراطَ في التجنيس، ومثَّلها بقول أبي تمام: خَانَ الصَّفَاءَ أَخٌ خَانَ الزَّمَانُ لَهُ ... أَخَا فَلَمْ يَتَخَوَّنْ جِسْمَهُ الكَمَدُ (٣) لكثرة ألفاظ خان وتخون وأخ وأخا (٤). وفسَّرها ابنُ الأثير في كتاب "المثل السائر" بما يشمل التعقيدَ اللفظي، والتعقيدَ المعنوي، والتنافرَ، وتكرارَ العوامل،

стр. 1463

وتتابعَ الإضافات (١). ويظهر أن المؤلف يجعل المعاظلةَ كونَ اللفظ غير مستقيم الدلالة، أو غيرَ مستعمل في المعنى المطلوب. وهذا تفسيرٌ يشمل جميعَ ما فسروا به المعاظلة، فلله دره في إيجازه وإعزازه. وأيًّا ما كان تفسير المعاظلة، فهي عيب يتعلق بالألفاظ من حيث هي دالةٌ على المعاني التي تُفهم منها. • "أو يكون فيها زيادةٌ تُفسد المعنى أو نقصان" (٢)، أما "الزيادة المفسدة" فكقول الشاعر: بِأَطْيَبَ مِنْ فِيهَا لَوْ أَنَّكَ ذُقْتَهُ ... إِذَا لَيْلَةٌ أَسْجَتْ وَغَارَتْ نُجُومُهَا فقوله: "لو أنك ذقته" زيادةٌ تُفسد المعنى؛ لأنها "توهم أنه لو لم يذقه لم يكن طيبا". (٣) وأما "النقصان المفسد للمعنى" فهو أن يترك من اللفظ ما به تمامُ المعنى المراد، كقول الشاعر: لَا يَرْمَضُونَ إِذَا حَرَّتْ مَشَافِرُهُمْ ... وَلَا تَرَى مِنْهُمْ فِي الطَّعْنِ مَيَّالَا (٤) وَيَفْشِلُونَ إِذَا نَادَى رَبِيئُهُمْ ... أَلَا ارْكَبُنَّ فَقَدْ آنَسْتُ أَبْطَالَا (٥)

стр. 1464

فقوله "ويفشلون" أراد أن يقول: "ولا يفشلون"، فحذف "لا" فصار إلى ضد المعنى (١). ومن هذا النوع الإيجازُ الذي لا يفي بالمقصود، كقول الحارث بن حلزة: وَالعَيْشُ خَيْرٌ فِي ظِلَا ... لِ النُّوكِ مِمَّنْ عَاشَ كَدَّا (٢) أراد العيشَ الناعم في حالة الحماقة خير من العيش بكد في حالة العقل، فقصر عن المراد. - ٧ - • "أو لَا يكون بين أجزاء البيت التئام، أو تكون القافيةُ قلقةً في مقرها أو معيبةً في نفسها" (٣)، تقدم الكلامُ على هذا عند الكلام على باب التحام أجزاء النظم، وعند الكلام على عيار التحام أجزاء النظم. أما قول المؤلف: "أو تكون القافيةُ قلقةً في مقرها"، فهو ما تقدم الكلامُ عليه عند الكلام على باب شدة اللفظ والمعنى للقافية من الأبواب السبعة التي هي عمود الشعر، وعند الكلام على عيار شدة اقتضاء اللفظ والمعنى للقافية. وأما قوله: "أو معيبةً في نفسها"، فالمرادُ به أن تكون كلمةُ القافية معيبةً بعيبٍ مما يرجع إلى عيوب اللفظ، مثل قول المتنبي: يَصِيحُ القَطَا فِيهَا صِيَاحَ اللَّقَالِقِ (٤)

стр. 1465

وقوله: لَوِ اسْتَطَعْتُ رَكِبْتُ النَّاسَ كُلَّهُمُ ... إِلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الله بُعْرَانَا (١) فإن "اللقالق" و"بعرانا" لا يخلوان عن كراهة في السمع. • "أو يكون في القَسْمُ أو التقابل أو في التفسير فساد" (٢)، أما "فساد التقسيم" فهو ضد صحة التقسيم، وهو يكون على وجهين: أحدهما أن يأتِيَ الشاعرُ بتقسيم وليس هو بتقسيم، كقول هذيل الأشجعي: فَمَا بَرِحَتْ تُومِي إِلَيَّ بَطَرْفِهَا ... وَتُومِضُ أَحْيَانًا إِذَا خَصْمُهَا غَفَلْ (٣) فإن "تومي" و"تومض" متساويان. وقريبٌ منه قول لبيد: كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا ثم قال بعده فيها: كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٍ أَسْنَامُهَا (٤)

стр. 1466

وثانيهما: أن يترك شيئًا من التقسيم، كقول جرير: كَانَتْ حَنِيفَةُ أَثْلَاثًا فثُلْثُهُمُ ... مِنَ العَبِيدِ وَثُلُثٌ مِنْ مَوَالِيهَا (١) وسكت عن الثلث الثالث. وأما "فساد التقابل"، فهو فساد التضاد المقصود، كقول أبي عدي: رُحَمَاءُ لِذِي الصَّلَاحِ وَضرَّابُو ... نَ قِدْمًا لِهَامَةِ الصِّنْدِيدِ (٢) فقابلَ ذا الصلاح بالصنديد، وقد يكون الصنديدُ صالِحًا لهم، أفيضربون هامته؟ وقد يكون غير الصنديد شريرًا، أفلا يضربون هامته. وأما "فساد التفسير"، فهو فساد البيان بأن لا يلاقي البيانُ مَا أُجمل سابقًا، كقول بعضهم مادحًا: فَيَا أَيُّهَا الحيْرَانُ فِي ظُلَمِ الدُّجَى ... وَمَنْ خَافَ أَنْ يَلْقَاهُ بَغْيٌ مِنَ العِدَى تَعَالَ إِلَيْهِ تَلْقَ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ ... ضِيَاءً وَمِنْ كَفَّيْهِ بَحْرًا مِنَ النَّدَى (٣)

стр. 1467

فتبيينُ ما يترقبه في ظلمة الدجى بحصول ضياء وجه الممدوح تفسيرٌ صحيح، ولكن تبيين ما يترقبه خائفُ البغي بحصول الكرم تبيين فاسد. ومن فساد التفسير سخافتُه، كقول عز الدين الموصلي في بديعيته: ذِكْرُ الإِمَامِ وَابْنَيْهِ يُفَسِّرُهُ ... عَلِيٌّ وَالحَسَنَانِ أَكْرِمْ بِذِكْرِهِمِ (١) على ما في البيت من ضرورات ركيكة ثلاث. • "أو فِي المعنى تناقض" (٢)، بحيث يقتضي بعضُ المعاني نقيضَ البعض الآخر في الغرض الواحد، بلا تأويل. ومن المعلوم مراعاةُ شروطِ التناقض في هذا، وهي ما يُعبَّر عنها بالوحدات الثمان في علم المنطق (٣)، وإلا فإن من التناقض ما هو معدودٌ من لطائف الأساليب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] (٤). ومنه ما يُسمى بالطباق، وهو الجمعُ بين معنيين متضادَّين ولو في الجملة:

стр. 1468

قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِي لَمْ يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلَى، وغَيَّرَهَا الأَرْوَاحُ، وَالدَّيَمُ (١) إذ جمع بين قوله "لم يعفها" وبين نقض النفي بحرف "بلى". وقد يُغتفر ذلك لضرب من التمليح، كقول بعض الأدباء: أَسْكَرُ بِالأَمْسِ إِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشُّرْ ... بِ غَدًا إنَّ ذَا منَ الْعَجَب (٢) وليس ذلك بظريف، لما فيه من الغلو. وكذا قولُ ابن الفارض: شَرِبْنَا عَلَى ذِكْرِ الحَبِيبِ مُدَامَةً ... سَكِرْنَا بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ (٣) وقد عابوا على عبد الرحمن بن عبد الله القَس قولَه: وَإِنِّي إِذَا مَا المَوْتُ حَلَّ بِنَفْسِهَا ... يَزَالُ بنَفْسي قَبْلَ ذَاكَ فَأُقْبَرُ لأن شرط إذا يقتضي المستقبل، أي إذا هي ماتت يموت هو قبل ذلك (٤).

стр. 1469

• "أو خروج إلى ما ليس في العادة أو الطبع" (١)، سماه خروجًا؛ لأنه مخالفةٌ لصحة الكلام، فكأن صاحبه خرج من حظيرة معاني الشعر إلى الهَوَس، وهو يرجع إلى الخطأ في المعاني. مثالُ الخروج إلى ما ليس في العادة قولُ أبي الطيب: يُرَادُ منَ القَلْب نِسْيَانُكُم ... وَتَأْبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِلِ (٢) إذ ليس من عادة المحبين الرغبةُ في نسيان الأحباب، إلا أن يكون الذي أراد منه ذلك غيرَ نفسه، فتأمله! ومثال الخروج إلى ما ليس في الطبع قولُ المرار:

стр. 1470

وَخَالٍ عَلَى خَدَّيْه يَبْدُو كَأَنَّهُ ... سَنَا البَرْقِ فِي دَعْجَاءَ بَادٍ دُجُونُهَا (١) فجعل الخال مفرِطًا في البياض وطبيعة الخال السواد وإلا فقد انقلب بهقا. • "أو يكون الوصف غير لائق للموصوف" (٢)، من أغلاط الشعراء في الجاهلية في الوصف قولُ المسيَّب بن علس: وَقَدْ أَتَلَافَى الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ ... بِنَاجٍ عَلَيْهِ الصَّيْعَرِيَّة مُكْدَم الناجي الجمل الفحل، والصيعرية سمة يسم بها أهلُ اليمن النوقَ الكرائم، فلا يوسم بها الجمل. وأنشد هذا البيتَ بمحضر طرفة بن العبد وهو يومئذ صبي، فقال طرفة: "استنوق الجمل" وضحك منه، فأرسلها مثلا (٣). وقد ورد في كتب الأدب كثيرٌ من هذا، كما في الموازنة للآمدي، ولذا قال المؤلف فيما مضى: "وعيارُ الإصابة في الوصف الذكاء، وحسنُ التمييز". وقد يجيءُ الخطأُ من حَصَر في التعبير، كما وقع لعبد الله بن أبي السِّمط في مدح الخليفة المأمون العباسي قولُه: أَضْحَى إِمَامُ الهُدَى المَأْمُونُ مُشْتَغِلًا ... بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ قالوا: لما سمعه المأمون نظر إليه نظرة كاد أن يصْطَلِمَهُ عليها، فلما حدّث عبدُ الله بذلك عمارةَ بن عقيل بن بلال بن جرير، قال عمارة: "لقد أحسَنَ إذ لم

стр. 1471

يؤدِّبْك، وإذا لم يشتغل هو بالدنيا فمن يشتغل بها؟ هلا قلت كما قال جدِّي جريرٌ في عمر بن عبد العزيز: فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضِيعٌ لِدِينِه ... وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهْ (١) وفي رواية أنه قال له: "ما زدتَ على أن جعلتَ أميرَ المؤمنين عجوزًا في محرابها". (٢) • "أو يكون في البيت حِشْوٌ لا طائلَ فيه" (٣)، "الحِشْو" بكسر الحاء، هو الكلام الذي ليس فيه فائدةٌ في الغرض بمعنى المحشو؛ لأنه لا جدوَى له إلا الزيادة في الكلام، كقول مَصْقَلَة بن هبيرة:

стр. 1472

ألِكْنِي إِلَى أَهْلِ العِرَاقِ رِسَالَةً ... وَخُصَّ بِهَا - حُيِّيتَ - بَكْرَ بنَ وَائِل (١) فقوله "حييت" دعاءٌ لا جدوى له في هذا المقام. ومنه قولُ أبي فراس: وَلَكِنَّنِي - والحَمْدُ لله - حَازِمٌ ... أَعِزُّ إِذَا ذَلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ (٢) فحمد الله هنا حشو؛ إذ لا جدوى في الغرض. ومن قبيحه قولُ بعضهم: أُمَّ سَلَّامٍ أَثِيبِي عَاشِقًا ... يَعْلَمُ اللهُ يَقِينًا رَبُّهْ أَنَّكُمْ مِنْ عَيْشِهِ فِي نَفْسِهْ ... يَا سُلَيْمَى فَاعْلَمِيهِ حَسْبُهْ (٣) فقوله "يقينًا ربه" حشوان، وكذلك "فاعلميه يا سليمى".

стр. 1473

• "إلى غير ذلك مما يحصِّله لك تأملُك جُمَلَ المحاسن وتفصيلَها، وتتبعُك ما يُضادُّها وينافيها، وهذا هَيِّنٌ قريب" (١)، أي أن المحاسنَ وأضدادَها لا تنحصر فيما ذكره، فقد تُذكرُ بعضُ المحاسنِ ولا تُذكرُ أضدادُها، وقد تُذكرُ بعضُ العيوب ولا تُذكرُ محاسنُ الخلوِّ عنها. والتأملُ في الجميع يحصل للمتأمل انتباهًا إلى إدراك ما عسى أن يغفلَ عنه. واسم الإشارة في قوله: "وهذا هَيِّنٌ"، راجعٌ إلى المذكور آنفًا من قوله: "واعلم أنه قد يعرف الجيد من يجهل الرديء" إلى قوله: "وهذا هين قريب"، يعني أنه إنما اهتم ببيان المقابح إجمالًا ثم تفصيلًا، لتكون نموذجًا من علل النقد وأسباب السقوط، بحيث يتمكن مزاولُها والمتأملُ فيها وفي ما يماثلها أن يبين وجهَ رَدَاءَةِ ما يحكم برداءته من الشعر؛ لأن بيانَ أسباب الرداءة أيسرُ من بيان أسباب الجودة. وقد تقدم قولُ الآمدي في الموازنة: "وأُبِينُ الرديء وأرذله" (٢). • "وإنما قلت هذا؛ لأن ما يختاره الناقد الحاذق قد يتفق فيه ما لو سئل عن سبب اختياره إياه، وعن الدلالة عليه، لم يمكنه في الجواب إلا أن يقول: هكذا قضيةُ طبعي، أو ارجع إلى غيري ممن له الدربةُ والعلم بمثله، فإنه يحكم بمثل حكمي. وليس كذلك ما يسترذله النقد، أو ينفيه الاختيار؛ لأنه لا شيءَ من ذلك إلا ويمكن التنبيهُ على الخلل فيه، وإقامةُ البرهان على رداءته، فاعلمه" (٣)، مُرادُ المؤلف بقوله: "لأنه لا شيء إلا ويمكن التنبيه على الخلل فيه وإقامة البرهان على رداءته فاعلمه"، إظهارُ الفرق بين حالة الحكم بالإجادة وحالة الحكم بالرداءة، فإن الأولى قد يكون الرجوع فيها إلى الطبع والذوق، وإن الثانية لا يعسر

стр. 1474

معها الاحتجاج بعلة الرداءة. ولعله يشير بقوله "فاعلمه" إلى الرد على الآمدي، إذ سوّى بين الحالتين في الموازنة، فقال: "وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص، وتحيط به العناية. ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره بالاحتجاج. وهو علة ما لا يعرف إلا بالدُّرْبة، ودائم التجربة، وطول الملابسة. وبهذا يفضل أهلُ الحذاقة بكل علم وصناعة مَنْ سواهم ممن نقصت تجربتُه وقلت دربتُه" (١). وأما قوله: "فاعلمه"، فإشارةٌ إلى إبطال قول سائله: "مع أنه لا فضيلةَ لذلك ولا نقيصةَ لهذا إلا ما فاز به من الجَدِّ عند الاصطفاء والقَسْم". وقد اكتفى بهذه الإشارة؛ لأن فيها بسطًا من القول في أسباب التفاضل والاختيار، غنيَّة عن التصريح بالإبطال. وقد تقدم ذلك عند شرح قول المرزوقي: "وأما غلب على ظنك من أن اختيار الشعراء موقوف على الشهوات. . ." إلخ. • "وأما تمنيك معرفة السبب في تأخر الشعراء عن رتبة الكتاب والبلغاء والعذر في قلة المترسلين وكثرة المفلقين والعلة في نباهة أولئك وخمول هؤلاء ولماذا كان أكثر المفلقين لا يبرعون في إنشاء الكتب وأكثر المترسلين لا يفلقون في قرض الشعر فإني أقول في كل ذلك (٢) بما يحضر، والله ولي توفيقي وهو حسبي وعليه توكلي" (٣)، جمع المؤلف هذه الأسئلة جمعًا واحدًا؛ لأنه أراد الجوابَ عنها برُمتها، إذ كان بيانُ أسبابها آخِذًا بعضُه بحُجَزِ بعض، كما سيأتي. واعلم أن هذا البحث خارجٌ عن مقام النقد إلى ميدان التفاضل بين الصناعتين وأهلهما، اقتضاه الجوابُ عما أورده السائل.

стр. 1475

• "اعلم أن تأخرَ الشعراء عن رتبة البلغاء موجِبُهُ تأخرُ المنظوم عن رتبة المنثور عند العرب لأمرين: أحدُهما أن ملوكَهم قبل الإسلام وبعده كانوا يتبجحون بالخطابة والافتنان فيها، ويَعُدُّونها أكملَ أسبابِ الرئاسة وأفضل آلات الزعامة. فإذا وقف أحدُهم بين السماطين لحصول تنافر أو تضاغن أو تظالم أو تشاجر، فأحسن الاقتضابَ عند البداهة، وأنجع في الإسهابِ وقت الإطالة، أو اعتلى في ذروة منبر فتصرف في ضروب من تخشين القول وتليينه، داعيًا إلى طاعة، أو مستصلحًا لرعية، أو غير ذلك مما تدعو الحاجة إليه، كان ذلك أبلغ عندهم من إنفاق مال عظيم وتجهيز جيش كبير" (١) ابتدأ المبحثَ بالتفضيل بين الكلام النثر والنظم، وبنى تأخرَ الشعراء عن رتبة الخطباء والكتاب على أساس تأخر المنظوم على رتبة المنثور، فأثار مبحثًا قديمًا خاض فيه الأدباء. وقد احتفل به ابن الأثير في كتابه "الجامع الكبير" فقال: "اعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلامَ المنثور أفضلُ من الكلام المنظوم. . ." إلخ (٢). وأقول: إن مناطَ التفاضل وموضوعَه إنما هو النثرُ الخاصُّ الذي يُقصد منه تأثُّرُ السامع وإقناعُه بغرض، وذلك هو النثر الذي يُصاغ في قالب البلاغة والفصاحة، كالخُطَب والرسائل والأمثال والقصص التي يُقصد حفظُها والتأدبُ بها، والأحاجي والنكت المستطْرَفَة، فيقصد واضعوها التأنقَ فيها لتكون أبقَى في ذهن السامع. فليس من موضوع التفاضل ما يجري بين الناس من المخاطبات في الشؤون المعتادة والمحادثات العادية، ولا نحو كتابة ديوان الجند وكتابة الأموال.
следующие страницы →