يؤدِّبْك، وإذا لم يشتغل هو بالدنيا فمن يشتغل بها؟ هلا قلت كما قال جدِّي جريرٌ في عمر بن عبد العزيز:
فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضِيعٌ لِدِينِه ... وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهْ (١)
وفي رواية أنه قال له: "ما زدتَ على أن جعلتَ أميرَ المؤمنين عجوزًا في محرابها". (٢)
• "أو يكون في البيت حِشْوٌ لا طائلَ فيه" (٣)، "الحِشْو" بكسر الحاء، هو الكلام الذي ليس فيه فائدةٌ في الغرض بمعنى المحشو؛ لأنه لا جدوَى له إلا الزيادة في الكلام، كقول مَصْقَلَة بن هبيرة:
стр. 1472
ألِكْنِي إِلَى أَهْلِ العِرَاقِ رِسَالَةً ... وَخُصَّ بِهَا - حُيِّيتَ - بَكْرَ بنَ وَائِل (١)
فقوله "حييت" دعاءٌ لا جدوى له في هذا المقام. ومنه قولُ أبي فراس:
وَلَكِنَّنِي - والحَمْدُ لله - حَازِمٌ ... أَعِزُّ إِذَا ذَلَّتْ لَهُنَّ رِقَابُ (٢)
فحمد الله هنا حشو؛ إذ لا جدوى في الغرض. ومن قبيحه قولُ بعضهم:
أُمَّ سَلَّامٍ أَثِيبِي عَاشِقًا ... يَعْلَمُ اللهُ يَقِينًا رَبُّهْ
أَنَّكُمْ مِنْ عَيْشِهِ فِي نَفْسِهْ ... يَا سُلَيْمَى فَاعْلَمِيهِ حَسْبُهْ (٣)
فقوله "يقينًا ربه" حشوان، وكذلك "فاعلميه يا سليمى".
стр. 1473
• "إلى غير ذلك مما يحصِّله لك تأملُك جُمَلَ المحاسن وتفصيلَها، وتتبعُك ما يُضادُّها وينافيها، وهذا هَيِّنٌ قريب" (١)،
أي أن المحاسنَ وأضدادَها لا تنحصر فيما ذكره، فقد تُذكرُ بعضُ المحاسنِ ولا تُذكرُ أضدادُها، وقد تُذكرُ بعضُ العيوب ولا تُذكرُ محاسنُ الخلوِّ عنها. والتأملُ في الجميع يحصل للمتأمل انتباهًا إلى إدراك ما عسى أن يغفلَ عنه.
واسم الإشارة في قوله: "وهذا هَيِّنٌ"، راجعٌ إلى المذكور آنفًا من قوله: "واعلم أنه قد يعرف الجيد من يجهل الرديء" إلى قوله: "وهذا هين قريب"، يعني أنه إنما اهتم ببيان المقابح إجمالًا ثم تفصيلًا، لتكون نموذجًا من علل النقد وأسباب السقوط، بحيث يتمكن مزاولُها والمتأملُ فيها وفي ما يماثلها أن يبين وجهَ رَدَاءَةِ ما يحكم برداءته من الشعر؛ لأن بيانَ أسباب الرداءة أيسرُ من بيان أسباب الجودة. وقد تقدم قولُ الآمدي في الموازنة: "وأُبِينُ الرديء وأرذله" (٢).
• "وإنما قلت هذا؛ لأن ما يختاره الناقد الحاذق قد يتفق فيه ما لو سئل عن سبب اختياره إياه، وعن الدلالة عليه، لم يمكنه في الجواب إلا أن يقول: هكذا قضيةُ طبعي، أو ارجع إلى غيري ممن له الدربةُ والعلم بمثله، فإنه يحكم بمثل حكمي. وليس كذلك ما يسترذله النقد، أو ينفيه الاختيار؛ لأنه لا شيءَ من ذلك إلا ويمكن التنبيهُ على الخلل فيه، وإقامةُ البرهان على رداءته، فاعلمه" (٣)،
مُرادُ المؤلف بقوله: "لأنه لا شيء إلا ويمكن التنبيه على الخلل فيه وإقامة البرهان على رداءته فاعلمه"، إظهارُ الفرق بين حالة الحكم بالإجادة وحالة الحكم بالرداءة، فإن الأولى قد يكون الرجوع فيها إلى الطبع والذوق، وإن الثانية لا يعسر
стр. 1474
معها الاحتجاج بعلة الرداءة. ولعله يشير بقوله "فاعلمه" إلى الرد على الآمدي، إذ سوّى بين الحالتين في الموازنة، فقال: "وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التخليص، وتحيط به العناية. ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره بالاحتجاج. وهو علة ما لا يعرف إلا بالدُّرْبة، ودائم التجربة، وطول الملابسة. وبهذا يفضل أهلُ الحذاقة بكل علم وصناعة مَنْ سواهم ممن نقصت تجربتُه وقلت دربتُه" (١).
وأما قوله: "فاعلمه"، فإشارةٌ إلى إبطال قول سائله: "مع أنه لا فضيلةَ لذلك ولا نقيصةَ لهذا إلا ما فاز به من الجَدِّ عند الاصطفاء والقَسْم". وقد اكتفى بهذه الإشارة؛ لأن فيها بسطًا من القول في أسباب التفاضل والاختيار، غنيَّة عن التصريح بالإبطال. وقد تقدم ذلك عند شرح قول المرزوقي: "وأما غلب على ظنك من أن اختيار الشعراء موقوف على الشهوات. . ." إلخ.
• "وأما تمنيك معرفة السبب في تأخر الشعراء عن رتبة الكتاب والبلغاء والعذر في قلة المترسلين وكثرة المفلقين والعلة في نباهة أولئك وخمول هؤلاء ولماذا كان أكثر المفلقين لا يبرعون في إنشاء الكتب وأكثر المترسلين لا يفلقون في قرض الشعر فإني أقول في كل ذلك (٢) بما يحضر، والله ولي توفيقي وهو حسبي وعليه توكلي" (٣)،
جمع المؤلف هذه الأسئلة جمعًا واحدًا؛ لأنه أراد الجوابَ عنها برُمتها، إذ كان بيانُ أسبابها آخِذًا بعضُه بحُجَزِ بعض، كما سيأتي. واعلم أن هذا البحث خارجٌ عن مقام النقد إلى ميدان التفاضل بين الصناعتين وأهلهما، اقتضاه الجوابُ عما أورده السائل.
стр. 1475
• "اعلم أن تأخرَ الشعراء عن رتبة البلغاء موجِبُهُ تأخرُ المنظوم عن رتبة المنثور عند العرب لأمرين: أحدُهما أن ملوكَهم قبل الإسلام وبعده كانوا يتبجحون بالخطابة والافتنان فيها، ويَعُدُّونها أكملَ أسبابِ الرئاسة وأفضل آلات الزعامة. فإذا وقف أحدُهم بين السماطين لحصول تنافر أو تضاغن أو تظالم أو تشاجر، فأحسن الاقتضابَ عند البداهة، وأنجع في الإسهابِ وقت الإطالة، أو اعتلى في ذروة منبر فتصرف في ضروب من تخشين القول وتليينه، داعيًا إلى طاعة، أو مستصلحًا لرعية، أو غير ذلك مما تدعو الحاجة إليه، كان ذلك أبلغ عندهم من إنفاق مال عظيم وتجهيز جيش كبير" (١)
ابتدأ المبحثَ بالتفضيل بين الكلام النثر والنظم، وبنى تأخرَ الشعراء عن رتبة الخطباء والكتاب على أساس تأخر المنظوم على رتبة المنثور، فأثار مبحثًا قديمًا خاض فيه الأدباء. وقد احتفل به ابن الأثير في كتابه "الجامع الكبير" فقال: "اعلم أن الأقوال متعارضة في تفضيل كل واحد من هذين القسمين على الآخر، إلا أن المذهب الفحل والقول القوي هو أن الكلامَ المنثور أفضلُ من الكلام المنظوم. . ." إلخ (٢).
وأقول: إن مناطَ التفاضل وموضوعَه إنما هو النثرُ الخاصُّ الذي يُقصد منه تأثُّرُ السامع وإقناعُه بغرض، وذلك هو النثر الذي يُصاغ في قالب البلاغة والفصاحة، كالخُطَب والرسائل والأمثال والقصص التي يُقصد حفظُها والتأدبُ بها، والأحاجي والنكت المستطْرَفَة، فيقصد واضعوها التأنقَ فيها لتكون أبقَى في ذهن السامع. فليس من موضوع التفاضل ما يجري بين الناس من المخاطبات في الشؤون المعتادة والمحادثات العادية، ولا نحو كتابة ديوان الجند وكتابة الأموال.
стр. 1476
والمؤلف بنى تفضيلَ النثر على ما حفَّ بصناعته من العوارض العُرفية والدينية، وذكر لتفضيل النثر على الشعر سببين وعزَّزَهما بثالث، وابن الأثير ذكر أربعةَ أسباب، واثنان منها يتداخلان مع ما ذكر المؤلف، واثنان منها محلُّ نظر، وما ذكره المؤلفُ أمتن (١).
وقول المؤلف: "عن رتبة البلغاء"، أراد بالبلغاء غيرَ الشعراء؛ لأن الشعراءَ وإن كانوا من أهل البلاغة، إلا أنهم لَمَّا كان لصناعة الشعر اسمٌ خاص من بين الكلام البليغ، شاع إطلاقُ وصف الشعراء عليهم، وبقيَ وصفُ البلغاء مطلقًا على من عداهم من الخطباء والكتاب، وهو إطلاقٌ قديم مشهور، ومنه قولُ أبي العلاء المعري:
стр. 1477
لَا تَطْلُبَنَّ مِنْ غيرِ حَظٍّ رُتْبَةً ... قَلمُ البَلِيغِ بِدونِ حَظٍّ مِغْزَلُ (١)
يعني بالبليغ الناثرَ المتطلِّبَ لرتبة الكاتبة الديوانية أو الوزارة.
وابتدأ المؤلفُ بحالةِ العصر الجاهلي، فقصر كلامَه على الخطباء؛ إذ لم تكن في الجاهلية رسائل. واعتبر المؤلفُ من عصر الجاهلية العصرَ الذي عُنِيَ الأدباءُ بتدوين آثاره دون ما قبل ذلك، فقد قيل إنه مضى عصرٌ كان الشاعرُ فيه يُعَدُّ أرفعَ منزلةً من الخطيب. قال ابنُ رشيق في "العمدة" في باب التكسب بالشعر: إن الشاعر كان "في مبتدأ الأمر أرفعَ منزلةً من الخطيب، لحاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة، وتهيُّبِهم عند شاعر غيرهم من القبائل، فلا يُقْدِمُ عليهم خوفًا من شاعرهم على نفسه وقبيلته. فلما تكسَّبوا به، وجعلوه طعمة، وتولوا به الأعراضَ وتناولوها، صارت الخطابةُ فوقه". (٢) وهو مأخوذٌ من كلام الجاحظ عن أبي عمرو بن العلاء، كما سيأتي قريبا.
ووقع في كلام المؤلف "الزعامة"، وهي الشرفُ وسيادة القوم. ووقع فيه لفظ "السَّماطين"، وهو تثنيةُ سِماط بكسر السين، وهو الصف. وأراد سِمَاطيْ المجمع من الناس؛ إذ يقف كلُّ شيعة سماطًا مقابلَ سماطِ ضدهم، ووقع مثلُ هذا اللفظ في
стр. 1478
"البيان والتبيين" للجاحظ في "باب ذكر ناس من البلغاء والخطباء" (١). ووقع فيه لفظ "الاقتضاب" وهو القطع، واستعاره للكلام الفصل، الذي هو كالحكم.
• "وكانوا يأنَفُون من الاشتهار بقَرْضِ الشعر، ويَعُدُّه ملوكُهم دناءة، وقد كان لامرئ القيس في الجاهلية مع أبيه حُجْر بن عمرو حين تعاطى قولَ الشعر، فنهاه عنه وقتًا بعد وقت، وحالًا بعد حالٍ، ما أخرجه إلى أنْ أمر بقتله وقصتُه مشهورة، فهذا واحد" (٢)،
عدَّ المؤلفُ أَنَفَةَ سادةِ العرب في الجاهلية - من الاشتهار بقرض الشعر - تكملةً للأمر الأول من أسباب تأخر الشعراء عن رتبة الكتَّاب، وهو عنايتُهم بالخطابة على نحو عنايتهم بعد عصر الجاهلية بالكتابة. وكان الأولى للمؤلف أن يجعلَه من جملة الأمر الثاني؛ لأن الأنفةَ من قرض الشعر عندهم أوجبَها اعتيادُ الشعراء التلبُّسَ بالأحوال التي هي من شأن أهل البطالة، والتي لا تليق بالسؤدد في عرف زمانهم. ومن ذلك ما سيذكرُه المؤلفُ عند تعرُّضِه لأحوال الشعراء في مقابلة أحوال الكُتَّاب؛ إذ لا فرقَ - في تلك الأحوال - بين شعراء الجاهلية والإسلام، وما قصةُ امرئ القيس مع أبيه إلا من ذلك القبيل. فكان الوجهُ تأخيرَ هذا ليستقيم قولُ المؤلف: "فهذا واحد".
وأشار المؤلفُ إلى قضية امرئ القيس مع أبيه حُجْرٍ ملك بني أسد، وحاصلُها حسبما يؤخذ من "الشعراء" لابن قتيبة و"الأغاني" و"صبح الأعشى": "كانت الملوكُ تأنف قول الشعر، وكان امرؤ القيس يخالط شُذَّاذَ العرب، من طيء وكلب وبكر بن وائل، وكان قد عشِق فاطمةَ التي لَقَبُها عنيزة، وكان يطلبُها زمانًا، ويطلب منها
стр. 1479
غِرَّةً، إلى أن أصاب منها غرةً يوم الغدير بدارة جلجل، وقال فيها القصيدَة المشهورة: "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ" (١).
فلما بلغ ذلك أباه حجر بن عمرو، وهو ملك بني أسد، نهاه وأغلظ له، وتوعَّده بالقتل فلم ينته، فطرده من وجهه. وقيل إن حجرًا سمع امرأ القيس يترنم في مجلس بقوله:
اسْقِيَا حُجْرًا عَلَى عِلَّاتِهِ ... مِنْ كُمَيْتٍ لَوْنُهَا لَوْنُ العَلَقْ (٢)
فهَمَّ بقتله (٣). ولعل القصص متعددة.
• "والثاني أنهم اتخذوا الشعر مكسِبَةً وتجارة، وتوصَّلوا به إلى السُوَقة، كما توصلوا به إلى العلية، وتعرضوا لأعراض الناس، فوصفوا اللئيمَ عند الطمع فيه بصفة الكريم، والكريمَ عند تأخر صلته بصفة اللئيم، حتى قيل: "الشعر أدنى مروءة السَّريِّ وأسرى مروءة الدنِيِّ" (٤)، فهذا البابُ ظاهر. وإذا كان شرفُ الصانع بمقدار
стр. 1480
شرف صناعته، وكان النظمُ متأخرًا عن رتبة النثر، وجب أن يكون الشاعرُ أيضًا متخلفًا عن غاية البليغ" (١)،
يعني أن الشعراءَ في الجاهلية اتخذوا الشعرَ مكسِبة، وتعرضوا به للعطاء - مثل الأعشى والنابغة الذبياني وزهير - فغضَّ منهم. وفي "صبح الأعشى" - في موادِّ البيان - يُروى أن النابغةَ الجعدي ﵁ "كان سيِّدًا في قومه، لا يقطعون أمرًا دونه، وأن قولَ الشعر نقَصَهُ وحطَّ رتبته". (٢) وبعضُهم تعرَّض به إلى أعراض الناس بالطعن في الهجاء، مثل الزبير بن عبد المطلب (٣) والحطيئة، أي فكره الناسُ ذلك منهم. وسكت المؤلِّفُ عن الذين اتخذوه للغزل واللهو، فشغلهم عن عظائم الأمور.
والحاصلُ أن في نحلة الشعر ما كان مجلبةً للغضِّ من أصحابه بالرغم مما يعترفُ لهم به الناسُ من حسن البيان. فقول من قال: "الشعر أدنى مروءة السَّرِي، وأسرى مروءة الدني"، قولٌ صادر عمَّنْ لحظ من الشعر بعضَ عوارضه. وإلا فقد كانوا يعدون الشاعرَ ينافح عن القبيلة ويرفع من ذكرها، فقيل كانوا يُولمون إذا نبغ فيهم شاعر، وقد قال النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة". (٤)
стр. 1481
وقد تصدَّى عبدُ القاهر في أول "دلائل الإعجاز" لإبطال شُبَه مَنْ ساء اعتقادُهم في الشعر، فانظره (١). قال الجاحظ في البيان: "قال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يُقّدَّمُ على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقَيِّد مآثرهم، ويُفخم شأنَهم ويُهول على عدوهم إنْ غزاهم، ويُهيبُ من فرسانهم، ويُخوف من كثيرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم، فلما كثر الشعرُ والشعراء واتخذوا الشعر مكسبَة، ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيبُ عندهم فوق الشاعر. ولذا قال الأوَّل: "الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدني. . . ولقد وضع الشعرُ من قدر النابغة الذبياني، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة". (٢)
وقولهم: "أدنى مروءة السَّرِي"، هو من الدناءة، بمعنى الحِطَّة؛ أي هو أحط مروءة السري. فالمروءةُ اجتماع الصفات التي تعتبر في الرجال، وقد اشتُقَّت من لفظ المرء، كما اشتقت الرُّجلة من لفظ الرجل. فالشعر من المزايا التي يمتاز بها صاحبُها؛ إذ لا يحصل لكل أحد، فجعلوه أقلَّ كمالاتِ الإنسان الشريف، وجعلوه أشرفَ كمالاتِ الدَّنِيِّ، وحسبُك بهذا ثناءً عليه. ولكن غرضَ المؤلف التنبيهُ إلى أعراضٍ أوجبت تنقُّصَ الشعر، وأن النثر سالم من تلك الأعراض، وأنه - وإن شغل أصحابَه عن عظائم الأمور - لم يخلُ من إفادتهم قبولًا في قومهم، ونفعًا يجره إليهم. وقد قال بعضُ شعراء بكر بن وائل:
أَلْهَى بَنِي تَغْلَبٍ عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ ... قَصِيدَةٌ قَالَهَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومِ
стр. 1482
يُفَاخِرُونَ بِهَا مُذْ كَانَ أَوَّلُهُمْ ... يَا لَلرِّجَالِ لشعر غير مسؤوم (١)
ووقع في كلام المؤلف "مكسِبة"، وهو بفتح الميم وكسر السين، اسم مصدرٍ لمعنى الكسب، أي سبب كسب. ووقع في كلامه لفظُ "السُّوَق"، وهو بضم السين وفتح الواو بوزن صُرد، اسم جمع سوقة، والسوقة اسم للجماعة المنسوبة إلى السوق، وهم العامةُ من الناس (٢). و"العِلية"، بكسر العين وسكون اللام، الجماعةُ المعتَلُون، أهلُ الرِّفعة والخصوصية.
• "ومما يدل على أن النثرَ أشرفُ من النظم أن الإعجاز من الله تعالى جده والتحدي من الرسول ﵇ وقعا فيه دون النظم، يكشف ذلك أن معجزاتِ الأنبياء ﵈ في أوقاتهم كانت من جنس ما كانت أُممُهم يولَعون به في حينهم، ويغلبُ على طبائعهم، وبأشرف ذلك الجنس. على ذلك كانت معجزةُ موسى ﵇؛ لأنها ظهرت عليه وزمنُه زمنُ السِّحر والسَّحرة، فصارت من ذلك الجنس وبأشرفه. وكذلك كان حالُ عيسى ﵇؛ لأن زمنَه كان زَمنَ الطب، فكانت معجزتُه - وهي إحياء الموتى - من ذلك الجنس وبأشرفه. فلما كان زمنُ النبي ﷺ زمنَ الفصاحة والبيان، جعل الله معجزتَه من جنس ما كانوا يُولَعون به وبأشرفه، فتحدَّاهم بالقرآن
стр. 1483
كلامًا منثورًا لا شعرًا منظومًا. وقد قال الله في تنزيه النبي ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقال أيضًا: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾ [الشعراء: ٢٢٤, ٢٢٥]. ولمَّا كان الأمرُ على ما بينَّاه، وجب أن يكون النثرُ أرفعَ شأنًا وأعلى سمكًا وبناءً من النظم، وأن يكون مزاولُه كذلك، اعتبارًا بسائر الصناعات وبمزاوليها" (١)،
ساق المؤلفُ هذا الكلامَ كتكملةٍ للسبب الثاني في تفضيل النثر على الشعر (٢)، وكان حقُّه أن يُجعلَ سببًا ثالثًا، فقد عده ابنُ الأثير في "الجامع الكبير" سببًا مستقِلًّا (٣). وهو أيضًا راجعٌ إلى التفاضل بين الصناعتين، خارجٌ عن مقام النقد. وحاصلٌ بهذا أن فضلَ النثر على الشعر ثبت من عهد الجاهلية، وعززه الإسلام.
стр. 1484
وفي نسخة الآستانة بعد قوله: "على أن النثرَ أشرفُ من النظم"، زيادة: "وأن النظم أقصرُ درجة من النثر"، وهي مستغنًى عنها.
• "وأما السببُ في قلة المترسلين وكثرة المفلِقين وعِزِّ من جمع بين النوعين مبرِّزًا فيهما، فهو أن مَبْنَى "الترسُّل" أن يكون واضحَ المنهج، سهلَ المعنى، ممتدَّ الباع، واسعَ النطاق، تدل لوائحُه على حقائقه، وظواهرُه على بواطنه؛ إذ كان مورده على أسماعٍ مفترقة من خاصِّي وعامي، وأفهامٍ مختلفة من ذكِيٍّ وغبي. فمتى كان متسهَّلًا متساوقًا، ومتسلسلًا متجاوبًا، تساوت الآذانُ في تلقيه، والأفهامُ في درايته، والألسن في روايته، فيسمح شارده إذا استُدعي ويتعجل وافده إذا استُدنِي، وإنْ تطاول أنفاسُ فصوله وتباعَد أطراف حزونه وسهوله. ومبنى "الشعر" على العكس من جميع ذلك؛ لأنه بُنِيَ (١) على أوزانٍ مقدرة، وحدودٍ مقسمة، وقوافٍ يُساق ما قبلها إليها مهيأة، وعلى أن يقوم كلُّ بيت بنفسه غيرَ مفتقر إلى غيره، إلا أن يكون مضمنًا بأخيه وهو عيب فيه. فلما كان مداه لا يمتد بأكثرَ من مقدار عَرُوضه وضربه وكلاهما قليل، وكان الشاعرُ يعمل قصيدته بيتًا بيتًا، وكلُّ بيت يتقاضاه بالاتحاد، وجب أن يكون الفضلُ في أكثر الأحوال في المعنى، وأن يبلغ الشاعرُ في تلطيفه والأخذ من حواشيه حتى يتسعَ له اللفظ، فيؤديَه على غموضه وخفائه حدًّا يصير المدركُ له والمشرفُ عليه كالفائز بذخيرة اغتنمها، والظافرِ بدفينة استخرجها. وفي مثل ذلك يحسن انْمحاءُ الأثر (٢)، وتباطؤ المطلوب على المنتظر. فكلُّ ما يُحمد في الترسل ويُختار يُذَمُّ في الشعر ويُرفض. فلما اختلف المبنيان كما بينَّا، وكان المتولِّي لكلِّ واحد منهما يختار أبعدَ
стр. 1485
الغايات لنفسه فيه، اختلفت فيهما الإصابتان، لتباين طرفيهما، وتفاوت قُطريهما، فبعد (١) على القرائح الجمعُ بينهما" (٢)،
انتقل المؤلفُ إلى بيان فضل النثر البليغ على الشعر البليغ في عصور دول الإسلام، وجمع هنا الجوابَ عن مسألتين: مسألة السبب في قلة المترسِّلين من الكتاب وكثرة المفلقين من الشعراء، ومسألة السبب في عزة مَنْ يجمع بين الترسل والشعر.
وابتدأ بجواب المسألة الثانية في سبب عزة الجمع بين الترسل والشعر بقوله: "فهو أن مبنى الترسل" إلى قوله "أولى وأخص". وحاصلُ السببِ أن مقتضى الصناعتين مختلف، فكان ذلك الاختلافُ سببًا في نُدرة العقول التي تُجيدُ كلتا الصناعتين؛ لأن العناية بأحد الأسلوبين وإجادتَه تُباعد الفكرَ عن الاهتمام بالآخر والاشتغال به. والانصرافُ والتوجُّهُ إلى إحدى الصناعتين حتى تستولِيَ على الذهن هو أمرٌ يتبع اختلافَ توجهِ النفوس وميلها.
وقوله: "فَيَسمح شاردُه إذا استُدعي، ويتعجَّل وافدُه إذا استُدنِي"، بفتح حرف المضارعة في يسمح ويتعجل مبنيين إلى الفاعل. وأراد بـ "الشارد" المعنى العزيزَ الممتنِع، وبـ "الوافد" المعنى السهل. استعار الشاردَ للنادر لقلة حضوره، واستعار الوافدَ للسهل؛ لأنه كالذي يأتي بدون استدعاء. واستعار لمحاولة اختراع المعنى النادر وللتمكُّنِ من تقويمه في الذهن فعلَيْ التعجل والاستدناء؛ لأن الوافدَ يُستدنَى للإكرام والقِرى.
وقوله: "وإنْ تطاول أنفاسُ فصوله. . ." إلخ، مبالغةٌ في أحوال تأثير الترسُّلِ على (٣) الأسماع والأفهام، أي تساوت الأفهامُ في درايته، والألسنُ في روايته، في جميع
стр. 1486
الأحوال، حتى في حالة طول فقراته، وبعد ما بين أوائل قرائنه وأواخرها. فالواو في كلامه واوُ الحال، وحرف "إن" وصليَّة، مثل "لو" الوصلية، كما هي في قول عمرو بن معد يكرب:
لَيْسَ الجمالُ بِمِئْزَرٍ ... فاعْلَمْ، وإِنْ رُدِّيتَ بُرْدَا (١)
وضمائر "فصوله"، و"حزونه" و"سهوله" عائدة إلى الترسل. وأثبت للفصول أنفاسًا على طريقة المجاز العقلي، وإنما هي أنفاس الكاتب والتالي لذلك الترسل. وجعل للترسل حُزونًا وسهولًا استعارةً لأوائل الترسل وأواخره، أوائل كل فقرة منه وأواخرها؛ لأن أول الشيء يُشبِهُ أعلى الأَكَمة، وآخره يشبه السهل من الجبل.
وعطفُ "وعز" على "قلة وكثرة" عطفُ الفعل على الاسم الشبيه بالفعل، وهو كثير. وجرد "تطاول" من تاء التأنيث؛ لأن فاعله وهو "أنفاس" جمعُ تكسير، فيجوز فيه حذفُ التاء.
وقول المؤلف: "إلا أن يكون مضمنًا بأخيه وهو عيب فيه"، أشار إلى ما يُسَمَّى عند علماء العروض بالتضمين، وهو أن يتوقَّف فهمُ معنى البيت على معرفة البيت الذي بعده، وهو عيبٌ في الشعر العربي. ومع ذلك وقع في شعر فحول الشعراء، ووقع لنابغة في عدة قصائد كقوله:
فَهُمْ دِرْعِي الَّتِي اسْتَلْأَمْتُ فِيهَا ... وَهُمْ أَصْحَابُ يَوْمِ عُكَاظٍ إِنِّي
стр. 1487
شَهِدْتُ لَهُمْ مَوَاطِنَ صَادِقَاتٍ ... شَهِدْنَ لَهُمْ بِصِدْقِ الوُدِّ مِنِّي (١)
وقوله: "كل بيت يتقاضاه بالاتحاد"، وقع في نسخة الآستانة مخالفةٌ بالترتيب وبالإعجام، فكتب: "يتقاضاه كلُّ بيتٍ بالاتخاذ"، بالخاء والذال المعجمتين. والمعنى على نسختَيْ المهملتين؛ أن كلَّ بيتٍ يطالب الشاعرَ بأن يجعله متحدًا مع الأبيات أقرانه. ففي ذلك التقاضي زيادةُ كُلْفَةٍ للشاعر وعمل، ليناسب بين البيت وأخيه، كما قال رؤبة: "وقد قلت لو كان له قران"، فتأمل (٢). وأما "الاتخاذ" بالمعجَّمتين فلا يظهر له معنى؛ لأن الشاعر إذا نظم البيت فقد اتخذه، فهذا تحصيلُ حاصل.
وقوله: "وفي مثل ذلك يحسن انمحاء الأثر": انمحاءُ الأثر هو زوالُ آثار السائرين على الطريق، وهو كنايةٌ عن كثرة التَّرْداد على الطريق حتى لا تَبِينَ فيه آثارُ أقدامٍ معينة. وقد جعله تمثيلًا لحالة وفرة المحاولين لانتزاع المعاني وتهذيبها، ولإفراغها في قوالب النظم، بحالةِ كثرة السائرين في جادَّة الطريق حتى تصيرَ الطريقُ صُلبةً لا تظهر فيها آثارُ أقدام السائرين ولا سنابك الرِّكاب، كما يُقال "بيض الطرائق". والمعنى أن في هذا العمل ومثله يحسن الدَّأَبُ على الطلب، ومحاولةُ الظفَر بالغاية.
وقوله: "وتباطؤ المطلوب على المنتظِر"، أي هذا تباطؤٌ حسنٌ غيرُ مذموم، وانتظارٌ لذيذٌ لأجل ما يجده المنتظر في أثناء انتظاره من توسِّم نوال غُنم نفيس، وظهور بشائر اقترابه، كما قال أبو الطيب:
стр. 1488
وَمِنَ الخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِكَ عَنِّي ... أَسْرَعُ السُّحْبِ فِي المَسِيرِ الجَهَامُ (١)
• "يكشف ذلك أن الرَّجَزَ وإنْ خالف القصيدَ مخالفةً قريبة ترجع إلى تقطيع شأو اللفظ فيه، وتزاحُمِ السَّجْعِ عليه، قلّ عددُ الجامعين بينهما لتقاصر الطباع عن الإحاطة بهما. فإذا كان الرَّجَزُ والقصيدُ - مع أنهما من واد واحد - أفضت الحالُ بمتعاطيهما إلى ما قلتُ على خلاف يسير بينهما، فالنثرُ والنظم - وهما في طرفين ضِدَّيْن وعلى حالتين متباينتين - أولى وأخص" (٢)،
كان العربُ قد خصُّوا الرَّجَزَ بأغراض غير مهمة، وهي الحداء، والمتح على المياه، وترقيص الأمهات أطفالهن، وكانوا ينظمونه على حالةِ عجلة وكيفما اتفق. فلذلك لم يكن يَعبأُ به الشعراء. وربما ارتجز البطلُ عند الخروج إلى صف المقاتلة، يُرهِبُ الناسَ بما يذكره من بأسه، إلى أن ظهر منهم الرجاز المجيدون، مثل العَجَّاج وأبي النجم. وكانوا كلهم من أهل البداوة، فبقي الرجز شعارَ الأديب البدوي، ولم يبرِّز فيه أهلُ الحضر. وقد عُد من مقدرة بشار بن برد أنه ارتجز بأراجيز فاق فيها مشاهير الرُّجَّاز، مثل أرجوزته الطويلة:
يَا طَلَلَ الحَيِّ بِذَاتِ الصَّمْدِ ... بِالله حَدِّثْ: كَيْفَ عُدْتَ بَعْدِي (٣)
وقصتُه فيها مع عقبة بن رؤبة مذكورة في ترجمة بشار (٤).
стр. 1489
• "وأما السبب في قلة البلغاء وكثرة الشعراء ونباهة أولئك وخمول هؤلاء" (١)،
هذا جوابٌ عن المسألة الأولى في كلام السائل، وأراد بالبلغاء الكتَّابَ البلغاء، كما يبينه قوله: "منها أن المترسل محتاج. . ." إلخ، ويبينه أيضًا أنه موضوع البحث لقوله في حكاية السؤال: "معرفة السبب في تأخر الشعراء عن رتبة الكتاب والعذر في قلة المترسلين وكثرة المفلقين". وقد تقدم وجهُ هذه العبارة عند شرح قوله: "اعلم أن تأخر الشعراء عن رتبة البلغاء. . ." إلخ.
وكأن اللام في "البلغاء" للعهد؛ لأنه لما ذَكَرَ في صدر المقدمة رغبةَ السائلِ الكشفَ عما تحيَّر فيه قال هنالك: "وقلتَ أيضًا: أتمنى أن أعرف السبب في تأخر الشعراء عن رتبة الكتاب البلغاء. . ." إلخ، وسببُ ذلك كلِّه أن أغلبَ المترسلين كانوا في عِدَادِ كُتَّاب الدولة، فصار الترسُّلُ مُقارِنًا في الأذهان لصناعة الكتابة التي لها نباهةٌ في الدولة. ولذلك لم يتعرض المؤلفُ للخطباء في الإسلام، اكتفاءً بما ذكره من فضل الخطابة في العصر الجاهلي، واعتدادًا بأن الكتابةَ غطت على الخطابة وغَمَرَتْها بين أهل الدولة.
و"النباهة" مصدر نَبُهَ بضم الباء، ويجوز فيها الفتحُ والكسر، وهي الشرفُ وعلوُّ القدر. و"الخمولُ" ضِدُّ النباهة، ولم يصرِّح بحركة الخاء منه، ولكن قياسه ضمُّ الخاء؛ لأن مصدر فعل المفتوح العين اللازم يكون على وزن فَعول - بضم الفاء - باطراد، إلا في أفعال الامتناع، وأفعال الاضطراب، وأفعال الأدواء (٢).
• "فهو أن المترسِّلَ محتاجٌ إلى مراعاة أمور كثيرة، إن أهملها أو أهمل شيئًا منها، رجعت النقيصةُ إليه، وتوجهت اللَّائمةَ عليه" (٣)،
стр. 1490
يبين كلامَ المؤلف هنا كلامٌ صدر عن ابن الأثير في الفصل الثاني من مقدمة "المثل السائر" إذا قال: "وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كلُّ ذي علم يسوغ له أن ينسُبَ نفسَه إليه فيقول: فلانٌ النحوي، وفلانٌ الفقيه، وفلان المتكلم، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول: فلانٌ الكاتب، وذلك لِمَا يفتقر إليه من الخوض في كل فن". (١) وذكر ابنُ الأثير أن فنَّ الكتابة يفتقر إلى سبعةِ أنواعٍ من الآلات، هي علوم العربية، وعلم اللغة، وأمثال العرب، والاطلاع على تآليف مَنْ تقدمه من أرباب الصناعة المنظومة والمنثورة، ومعرفة الأحكام السلطانية، وحفظ القرآن، وحفظ ما يحتاج إليه من الأخبار الواردة عن النبي ﷺ (٢).
وقال القلقشندي: "إن كاتبَ الإنشاء في الحقيقة لا يستغني عن علم، ولا يسعه الوقوف عند فن" (٣). وعلى هذا الاعتبار توسع القلقشنديُّ فألف كتابه "صبح الأعشى في صناعة الإنشاء" في عشرين جزءًا. وقال: "واعلمْ أنَّ كاتب الإنشاءَ وإن كان يحتاج إلى التعلق بجميع العلوم، فليس احتياجُه إلى ذلك على حدٍّ واحد، بل منها ما يحتاج إليه بطريق الذات، وهي موادُّ الإنشاء التي يستمد منها [ويقتبس من مقاصدها]، كاللغة [التي منها استمدادُ الألفاظ]، والنحو [الذي به استقامةُ الكلام، وعلوم] البلاغة [من المعاني والبيان والبديع التي هي مناطُ التحقيق والتحسين والتقبيح ونحو ذلك مما يجري هذا المجرى]. . . ومنها ما يحتاج إليه بطريق العَرَض كالطب والهندسة [والهيئة ونحوها من العلوم]؛ فإنه يحتاج إلى الألفاظ الدائرة بين أهل كل علم، وإلى معرفة المشهورين من أهله، ومشاهير الكتب المصنفة فيه. . . بل ربما احتاج إلى معرفة مصطلح سفل الناس لكتابة أمور هزلية. . ." إلخ (٤). وهذا الكلام تقييدٌ لكلام ابن الأثير.
стр. 1491
وأقول: إن الكتَّابَ المشروطةَ فيهم هذه الشروطُ هم كُتَّابُ الرسائل السلطانية، ومَنْ كان في مرتبتهم. وهمُ الذين منهم تُختار الوزراء دون أصنافٍ آخرين من الكتاب، مثل كاتب القاضي، وكاتب الخراج، وكاتب الجند، وكاتب الحساب وغيرهم، وهم مراتب، وشروطُهم كذلك، وهي منحصرة فيما به إجادة عملهم.
• "منها تَبَيُّنُ مقادير مَن يكتب عنه وإليه، حتى لا يرفع وضيعًا ولا يضع رفيعا. ومنها وزنُ الألفاظ التي يستعملها في تصاريفه، حتى تجيءَ لائقةً بمن يُخاطب بها، مفخِّمةً لحضرة سلطانه التي يصدر عنها. ومنها أن يعرف أحوالَ الزمان وعوارضَ الحدَثَان، فيتصرَّفَ معها على مقاديرها في النقض والإبرام، والبسط والانقباض. ومنها أن يعلم أوقاتَ الإسهاب والتطويل، والإيجاز والتخفيف، فقد يتفق ما يُحتاج فيه إلى الإكثار حتى يستغرق في الرسالة الواحدة أقدارَ القصائد الطويلة؛ ويتفق أيضًا ما تغني فيه الإشارةُ وما يجري مجرى الوحي في الدلالة. ومنها أن يعرف من أحكام الشريعة ما يقف به على سواء السبيل، فلا يشتطُّ في الحكومة، ولا يعدل فيما يخط عن المحجة؛ فهو إنما يترسل في عهود الولاة والقضاة، وتأكيد البيعة والائتمان، وعمارة البلدان، وإصلاح فساد، وتحريض على جهاد، وسد ثغور، ورتق فتوق، واحتجاج على فئة، أو مجادلة لملة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهي عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية برزية، أو ما شاكل ذلك من جلائل الخطوب وعظائم الشؤون التي يحتاج فيها إلى أدوات كثيرة ومعرفة مفتنة" (١).
أشار إلى أشد ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء، وهو أهمُّ ما ذكره صاحبُ "صبح الأعشى" آنفا. ومرجع ذلك كله إلى أن يكون ما يصدر عن الكاتب مصادفًا للصواب، سالمًا من أن يرد عليه طعنٌ أو تخطئة؛ لأنه إن عُرِّصت الدولةُ إلى الطعن أو التخطئة فيما يصدر عنه، زالت حُرمَةُ السلطان، أو نُسِب إلى الجور.
стр. 1492
وأراد بـ "أحوال الزمان" أحوالَ الناس في زمانه ليخاطبهم بما يناسب عقولهم، ولا يحملهم على ما يَعُدونه إرهاقًا وإعناتا. والمرادُ بـ "النقص" إبطالُ عملٍ عمله الناس، أو تغيير سيرة، أو منعهم مما يريدونه. والمراد بـ "الإبرام" الإلزامُ بفعل، والحمل على سيرة خاصة، شبَّه الإلزامَ بفتل الحبل وهو الإبرام، وشبَّهَ الإبطالَ بحل الحبل المفتول، قال تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: ٩٢]. و"البسط" التوسِعةُ في شيء، وإظهار الرضا عن حال. و"الانقباض" التضييق في التصرف، وإظهار الكراهية من الشيء. و"الإسهاب" إكثار الكلام، أي الإكثار في عبارات الرسالة، وأراد به الإطناب؛ لأنه قابله بالإيجاز، وهما وصفان للتراكيب كما هو معلوم في علم المعاني. و"التطويل" تطويل الرسالة بإكثار الأغراض، أو بالاستطراد ونحوه. ويقابله التخفيفُ، وهو الاقتصارُ على أقل ما يلزم في الغرض.
وقولُ المؤلِّف: "فهو إنما يترسَّلُ. . ." إلخ، تفريعٌ على ما ذكره من قوله: "فهو أن المترسِّلَ محتاجٌ إلى أمورٍ كثيرة. . ." إلخ، أتى به كالدليل على ذلك الاحتجاج، ولذلك ختمه بقوله: "التي يُحتاج فيها إلى أدواتٍ كثيرة، ومعرفة مفتنَّة".
• "فلما كان الأمرُ على هذا، صار وجودُ المضطلعين بجودة النثر أعز، وعددُهم أنزر. وقد وسمتهم الكتابةُ بشرفها، وبوأتهم منزلةَ رئاستها، فأخطارُهم عاية بحسب عُلُوِّ صناعتهم، ومعاقد رئاستهم، وشدة الفاقة إلى كفايتهم" (١)،
جعل السببَ في قلة الكتاب هو السبب أيضًا في رفعة شأنهم، وقد يكون للسبب الواحد مسببان فأكثر. وحاجةُ السلاطين والأمراء والسادة إلى الكتاب معلومة، وفي تضاعيف شواهد التاريخ منها كثير. وقصةُ غَناء عبد الله بن المقفع الكاتب عن مخدومه علي بن عبد الله بن عباس في صده كيد السفاح عنه بما كتبه من صيغة الأمان الذي رضيَ السفاح ببذله لعمه علي بن عبد الله بن عباس مذكورة في ترجمة ابن المقفع، ويقال هي كانت سببَ نكبة ابن المقفع (٢).
стр. 1493
وذكر الحريريُّ في المقامة الثانية والعشرين (الفراتية) بعضَ مزايا الكتاب أهل الإنشاء وبعضَ وجوه الحاجة إليهم، فقال: "والمنشئُ جهينةُ الأخبار، وحقيبةُ الأسرار، ونجيُّ العظماء، وكبيرُ النُّدماء. وقلمُه لسانُ الدولة، وفارس الجولة، ولقمان الحكمة، وترجمان الهمَّة. وهو البشير والنذير، والشفيع والسفير، به تُستخلص الصياصي، وتُملك النواصي، ويُقتاد العاصي، ويُستدنَى القاصى. وصاحبه بريء من التبعات، آمن كيد السعاة" (١).
وفي "صبح الأعشى" من كلام أبي جعفر الفضل بن أحمد: "للكتّاب أقرت الملوك بالفاقة والحاجة، وإليهم ألقوا الأعنة والأزمة، وبهم اعتصموا في النازلة والنكبة، وعليهم اتكلوا في الأهل والولد، والذخائر والعقد، وولاية العهد، وتدبير الملك، وقرع الأعداء، وتدبير الفيء، وحياطة الحريم، وحفظ الأسرار، وترتيب المراتب، ونظم الحروب" (٢).
• "والشعراء إنما أغراضُهم التي يسددون نحوها، وغايتهم التي ينزِعون إليها، وصفُ الديار والآثار، والحنينُ إلى المعاهد والأوطان، والتشبيبُ بالنساء، والتلطيفُ في الاجتداء، والتَّفَنُّنُ في المديح والهجاء، والمبالغةُ في التشبيه والأوصاف. فإذا كان كذلك، لم يتدانَوْا في المضمار، ولا تقاربوا في الأقدار. وإذ قد أتينا بما أردنا، ووفينا بما وعدنا، فإنا نشتغل بما هو القصد من شرح الاختيار، والله الموفق للصواب، والصلاة والسلام على رسوله وآله الأخيار" (٣)،
أشار إلى أن أغراضَ الشعراء وإن كانت رائقةً للنفوس، ومرغوبةً عند أهل الذوق السليم، فإن للكتَّاب المرتبةَ المَهِيبة، والآثارَ العجيبة.
стр. 1494
جَمْهَرةُ مَقَالَاتٍ وَرَسَائِل
الشَيْخِ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الطَّاهِر ابْنِ عَاشُور
جمعها وقرأها ووثقها
محمد الطاهِر الميسَاوي
المجَلَّدُ الرَّابِع
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
حُقوق الطبع محفوظة C
١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م
الطبعة الأولى
رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية
٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
ابن عاشور، محمد الطاهر
توجيهات وأنظار جمهرة مقالات ورسائل ومراجعات ابن عاشور/ محمد الطاهر بن عاشور، ت: محمد الطاهر الميساوي. - عمان - دار النفائس للنشر والتوزيع، ٢٠١٤
() ص.
ر. إ.: ٢٢٠٣/ ٦/ ٢٠١٣
يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بكافة أنواع النشر العادي أو الالكتروني، تحت طائلة المسائلة القانونية.
دار النفائس
للنشر والتوزيع - الأردن
ردمك ISBN
٩٧٨٩٩٥٧٨٠١٥٧١
العبدلي - مقابل مركز جوهرة القدس
ص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن
هاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠
فاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١
Email: alnafaes@hotmail.com
www.al-nafaes.com
стр. 1498
بشار بن برد: حياته وشعره (١)
مقدمة:
جلَّ الذي جعل الفصاحةَ وقفًا على لغة العرب، وسخرها للمولعين فأنطق بها الألسنةَ من كل حدب، حتى رفع رايتَها المجلي والتالي، وتزامل في اقتعاد صهوتها الصميمُ والأحلاف والموالي، سابقين بها إلى غايات، آتين في سبقهم ببدائع الآيات. وهي بمراسها تُكسب سائسها السبق، وتسيغ من حلق صادحها الشَّرَق. فتراها يهدر بشقشقتها المهرِيُّ والهجين، وينطبع باسمها الذهب واللُّجين. فإذا حيَّةُ النوبِيُّ (٢)
стр. 1499
يَخْطُرُ بين بني أسد بالشعر الجزل، وإذا بشار فارسيُّ الأصل يصفه بنو عُقيل بالقرم والفحل، وإذا خلفاء الأمة العربية وأُمراؤها يرفعون على أرائكهم من ترقرق بشعره ماءُ الفصاحة ورواؤها. وما تلك إلا منقبةٌ من مناقبها، تشَرِّف بينهم من قصَّر به جِذمُه، وتشهد بأن قيمة المرء عندهم نفسُه وعلمه. حتى قال قائلُهم: "إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها" (١)، وحتى شهدت لهم بتقدير قدر الكمال الدنيا بملء فيها.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل: "إنما المرء بأصغريه" (٢)، صلاةً وسلامًا ينطق بهما المسلم بملء شدقيه، ويعمان صحبَه وآله ومَنِ انتمى إليه.
стр. 1500
أما بعد، فليس بخافٍ على أحد ممن زاول أدب اللغة العربية مزاولة مغرم، ما يجده الأديب من الحسرة على نَزارَة ما بين يديه من شعر بشار بن برد، ذلك الشاعر القرم الذي هو فاتح باب شعر المولَّدين وخاتم عصر الشعراء المتقدمين، وذلك الشعر الذي هو مظهر من مظاهر تحول الشعر العربي من طور إلى طور، والذي يعد بحقٍّ واسطةَ عقدين تضم حواليهما سِمطَي الشعر القديم والشعر الجديد. ويزيده كَلَفًا به وتعطشًا إليه ما يُرى من تَهَمُّمِ أئمة البلاغة لالتقاطه، بعد انفصام عقده وانفراطه.
من أجل ذلك لم يزل ولا يزال المتأدبون يشدون بما تناله أيديهم من شعره، فيزينون به مدوَّنَاتِهم، ويرصعون بفرائده مجموعاتهم. فما خلا غرضٌ من أغراض الشعر إلا وضعوا على رأس مباحثه تاجًا من فرائد بشار، ثم تراهم يتساقطون على التقاط جواهره تساقطَ الطير حيث يُلتقط الحب، سواء في ذلك الحكيم والبليغ والخليع وصريع الحب. وكأنك لا يغيب عنك تلهفُهم على ما تلاشى منه، وتبجحُهم بما يحصلونه تبجحًا له كنه.
وإذ كنت قد حظيت باقتناء جزء ضخم من ديوانه، أحببت أن أعلق عليه شرحًا يقرب للمجتني بعضَ معانيه ونكته؛ لأني رأيتُ شعرَه مفعمًا بخصائص اللغة العربية ونكت بلاغتها، ومحتاجًا إلى بيان ما فيه من غريبها، فعلقت عليه هذا الشرح متوسطًا بين التطويل والاختصار، بينتُ فيه غريبَ لغته وخفيَّ معانيه، ونكت بلاغته وأدبه، وما يشير إليه من عادات العرب وتاريخهم وعادات عصره وتاريخ الرجال والحوادث التي تضمنها شعره بالصراحة أو الإشارة.
وخصصت الاستعمال العربي الفصيح بالبيان، وذكرت في طالع كل قصيدة الغرض أو الحادثة التي قيلت فيها مما ذكره علماء الأدب والتاريخ مع زيادة بيان لما أهملوه، واصطلحت على أن غرض القصيدة إذا كان مذكورًا في أصل الديوان أضعه في الشرح بين هلالين، وإذا لم يكن مذكورًا وذكرته أنا لم أضعه بين الهلالين، ليعلم المطلع أن تعيين الغرض مروِيٌّ في كتب الأدب أو مستخرجٌ من القصيدة نفسها.
стр. 1501
ولما رأيت أبناء الأدب العربي في غالب البلاد قد زهدوا في علم العروض والقافية نبهت في كل قصيدة على بحرها وعروضها وضربها، ولم أبين الزحاف والعلة العارضة في الأبيات إلا في مواضع جديرة بالبيان، ثقة بأن التنبيه على بحر القصيدة وعروضها وضربها يفتح للمطالع طريق البحث عن معرفة ما يعتور بعضها من زحاف أو علة.
ولِمَا في نسخة الديوان من التحريف والتصحيف عُنِيتُ بالتنبيه على ذلك غالبًا في ضبط بعض الكلمات الذي الخطأ فيه واضح، فإني أعرض عن التنبيه عليه لكثرة ذلك في خط ناسخه، ولا سيما رسمه ونقطه وضبطه. والقصد من ذلك أن يعلم المتأمل ما ثبت في الأصل، فعسى أن يكون من بعض المطلعين قولٌ فصل ورأي جزل. مكللًا ذلك بوضع مقدمة وافية التعريف بما تهم معرفته من ترجمة بشار وأحواله وأدبه ومكانته من العربية والبلاغة وذكر ديوانه وما لحقه، ومذيلًا إياه بجزء يحتوي على ما ألتقطه من شعره في كتب الأدب مما ليس محويًّا للجزء من الديوان.
ورجائي من أهل الأدب ورواته، وأطباء اللسان وأُساته، أن يقدُرُوا قدر ما بذلت من الجهد، وألا يكون نقدُهم إلا كما تكون إبر النحل دون الشهد.
نسب بشار:
هو بشار بن بُرد بن بَهْمَن (وقيل ابن يرجوخ) بن أذركند بن بَيْبرسان (وقيل شروستان) بن بهمن بن دارا بن فيروز بن كرديه بن ماهَيَّذار (أو ماهيفان) بن نَاذان (دادان) ابن بَهْمن بن أذركند بن حسيس بن مَهْرَاز بن خُسْرُوان بن أخشيت بن شهزاذ ابن بُنْدار بن سيحان (بنداراسيحان) بن مَكرز بن أذريرس بن بشتاسف الملك (أو يستاسب) بن لَهْرَاسف الملك (أو يهراسب) بن فتوخي (أو فنوخي) بن كَيْشَن (أو كيمنش) ابن كبانيه (أو كيابنه) بن كِيْقَبَاذ الملك بن راي بن بوذكاب بن ماشوي بن نوذ (أو نوذر) ابن منُوشهر الملك بن كبانيه بن منشَخُورانَا بن بدك بن نبروسبح (كذا) إبراهيم الخليل. وقد بينتُ ضبطَها في أول شرح الديوان.
стр. 1502
هذا سياقُ نسبه، مأخوذًا كاملُه من أول الديوان في ورقة ١ منه - وهو موافقٌ في بعضه لما في ترجمته من كتاب "الأغاني" - ومن تاريخ الخطيب البغدادي، إذ لا توجد سلسلةُ نسبِه كاملةً إلا في هذا الديوان (١) - ونَجد في بعض الأسماء مخالفةً بين ما في الديوان وما في "الأغاني" وتاريخ الخطيب - ومن ترجمة "الشاهنامه" (٢) في
стр. 1503
أسماء مَنْ عدَّ في أجداده من ملوك الفرس، وقد وضحتُ ذلك في شرح ديباجة الديوان (١).
وفي هذه السلسلة أفرادٌ من ملوك الفرس، فلذلك كان بشار يفتخر بمَحْتِده. وسيأتي أن أباه هو أول من أسلم، وهم لم يذكروا ماذا كان اسمه قبل إسلامه، وأحسب أن اسمه يرجوخ. ولذلك وقع اضطرابٌ في سياقة نسب "برد": هل هو برد بن بهمن أو ابن يرجوخ؟ فلعل ذلك من وجدانهم اسمَ يرجوخ عقب اسم برد على وجه البدلية، فظنه بعضُ الناقلين اسمَ والد بُرد. وتسميةُ العبيد ببُرد معروفةٌ عند العرب، فقد كان ليزيد بن مُفَرِّغ الحميري (٢) من شعراء صدر الدولة الأموية غلامٌ اسمه بُرْد، باعه أو بيع عليه في دين، فأسف على بيعه، فقال:
стр. 1504
وَشرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ... مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ (١)
وبشار من الموالِي، من أبناء الفرس بلا خلاف. قال أبو الفرج عن حُميد بن سعيد قال: "كان بشار من شَعب أدريرس بن يستاسب الملك بن لهراسب الملك" (٢). وهو من خراسان، وقد افتخر بذلك في شعره فقال:
وإنِّي لَمِنْ قومٍ خُرَاسانُ دَارُهم ... كرامٍ وفَرْعِي فيهم ناضِرٌ بَسَقْ
وذكر ذلك الجاحظ في "البيان والتبيين" (٣). وقال أيضًا:
مِنْ خُرَاسَانَ وَبَيْتِي فِي الذُّرَى ... وَلَدَى المَسْعَاةِ فَرْعِي قَدْ بَسَقْ (٤)
وقال أيضًا:
أَبِي خَرَاسَانُ وَأَدْعُو عَامِرًا ... أَكْرَمَ حيٍّ أَوَّلًا وَآخِرَا (٥)
وقال أيضًا:
نَمَتْ فِي الكِرَامِ بَنِي عَامِرٍ ... فُرُوعِي وَأَصْلِي قُرَيْشُ العَجَمْ (٦)
стр. 1505
قيل: أراد بقريش العجم أشرافَ الفرس، وقيل: أراد موالي قريش من الفرس، نقله الخفاجي في "شفاء الغليل" عن ابن المعتز في كتاب البديع (١). وقيل: قريش العجم هم الأكراد (٢)، ولا يصح هذا؛ لأن بشارًا وصم الأكرادَ بقطع الطريق في قصيدته التي طالعها: "بكِّرا صاحبَيَّ قبلَ الهَجير" التي امتدح بها سَلم بن قتيبة (٣). والصوابُ أنه أراد ما قاله عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب "الرد على الشعوبية": إن أهل خراسان "لَمْ يزالوا في ملك العجم لقَحًا، لا يؤدون إلى أحد إتاوة ولا خراجا" (٤). وقد كانت قريش تلقب باللقاح؛ لأنهم لم يدينوا لِمَلِكٍ من الملوك.
وأما رفع نسبه إلى إبراهيم الخليل ﵇، فذلك من أغلاط ثلة من المؤرخين والقصاصين القاصرين الذين توهموا أن الفرس من ذرية إبراهيم، وذلك لم يقله أحدٌ من علماء الأنساب. والمظنون أن ذلك من موضوعات بعض مؤرخي الفرس في الإسلام، إذ يرمون التقرب من العرب.
стр. 1506
وكان بشارٌ مولًى لبني عُقيل بن كعب من بني عامر، وقع أبوه بُرد في الفَيْء في سبي المهلب من أعجام ما وراء النهر في حدود سنة ٨٠ هـ, وأصله من طخرستان (١)، فصار عبدًا لخِيرَةَ القُشَيرية زوج المهلب بن أبي صُفرة، ثم وهبتْه مولاته خيرةُ لامرأة من بني عُقيل، وتزوج عند امرأة المهلب. وكان برد طيَّانًا (٢) حاذقًا، وُلد له بشار وهو عند العُقيلية، وأعتقت العقيلية بشارًا بعد موت أبيه، فصار مولى عُقيل، ولذلك كان أئمةُ الأدب يلقبونه ببشار العقيلي (٣). وقد قال في شعره:
إِنَّنِي مِنْ بَنِي عُقَيْلِ بنِ كَعْبٍ ... مَوْضِعَ السَّيْفِ مِنْ طُلَى الأَعْنَاقِ (٤)
وقال:
وَقَامَتْ عُقَيْلٌ مِنْ وَرَائِيَ بِالقَنَا ... حِفَاظًا وَعَاقَدْتُ الهُمَامَ المُحَجَّبَا (٥)
وفي البيان للجاحظ عن حمّاد عَجْرَد (٦) أنه كان يقول: إن بشارًا مولى لبني سَدُوس، وكان مولى امرأة منهم يقال لها: أم ظِباء (٧). والتحقيق أن بشارًا كان ينزل
стр. 1507
في بني سدوس كما في أمالي الشريف المرتضى، وليس مولًى لهم (١). وكيف يكون مولاهم، وقد افتخر على أبي المنذر جرير السدوسي بقوله:
أَمِثلُ بني مُضَرٍ وائِلٌ ... فَدَيْتُكَ مِنْ فَاخِرٍ ما أَجَنْ؟ (٢)
وربَّما انتسب بشارٌ إلى ولاء قَيس عَيلان، وقد افتخر بهم وبمواقعهم، وأدخل نفسَه فيهم في قصيدته التي طالعها: "جفا ودّه فازورَّ أو مَلَّ صاحبُهْ". (٣) وفي قوله مع قيس:
وَمَا نَلْقَاهُمُ إِلَّا صَدَرْنَا ... بِرِيٍّ مِنْهُمُ وَهُمُ حِرَارُ (٤)
وأما انتماؤه إلى بني عامر فكثيرٌ في كلامه، وقد قال:
نَمَتْ فِي الكِرَامِ بَنِي عَامِرٍ ... فُرُوعِي وَأَصْلِي قُرَيْشُ العَجَمْ (٥)
قال الصفدي في شرح رسالة ابن زيدون: "كان بشار يتلوّن في ولائه؛ فتارة يدعي لقيس، وتارة يدعي لغيرهم". (٦) وإن الذي يسمع بشارًا ينتسب إلى عُقيل
стр. 1508
ابن كعب، وإلى بني عامر، وإلى قَيس عَيلان، يظن ذلك تلونًا. والحق أن ذلك ليس من التلون في ولائه؛ لأن بني عُقيل بن كعب هم من بني عامر بن صعْصعة، وبنو عامر بن صعصعة هم من قبائل قيس عَيلان بن مضر، إذ عُقيلٌ هو ابن كعب بن ربيعة بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصْفَة بن قيس عَيلان، ويقال: قيس بن عيلان ابن مضر. فما قاله الصفدي قصورٌ في تقصي أنساب العرب.
اسمه وكنيته ولقبه:
صرح بشار باسمه في موضعين فيما بين أيدينا من شعره: الأول قولُه في ورقة ٢٥٦: "ليس ابن نِهيا من رجال بشار" (١)، والثاني قولُه (في الملحقات):
إِذَا أَنْشَدَ حَمادٌ ... فَقُلْ أَحْسَنَ بَشَّارُ (٢)
стр. 1509
وكان بشار يُكَنَّى أبا معاذ، وكان يُلقَّب بالمرعَّث (بفتح العين المشددة)، والرَّعَث (بالتحريك) الاسترسال والتساقط، أو هو مشتق من رَعْثَة الديك وهي اللحمة الحمراء المتدلية على حنك الديك. وقيل: لُقِّب بذلك بسبب وقوع هذه الكلمة في شعره، إذ يقول:
قَالَ رِيمٌ مُرَعَّثٌ ... سَاحِرُ الطَّرْفِ وَالنَّظَرْ
لَسْتَ وَالله نَائِلي ... قُلْتُ أَو يَغْلِبَ القَدَرْ (١)
فيكون من جملة الشعراء الذين لُقبوا بكلمات وقعت في أشعارهم. وقيل: لأنه حين كان صغيرًا كان في أذنيه قُرطان، والقُرط يسمى الرَّعثَة. وقيل لأنه كان لقميصه جَيْبانِ يمينًا وشمالًا، فشُبِّهت تلك الجيوبُ بالرَّعثة (٢)، يدل لهذا قولُه في ورقة ١٤٨:
لمَّا رَأَتْ لمْحَةً مِنِّي مُرَعَّثَةً ... خُضْرًا وَحُمْرًا وَصُفْرًا بَيْنَهَا جُدَدَا
قَالَتْ لِتِرْبٍ لَهَا كَانَتْ مُوَطَّنَةً ... جَاءَ المُرَعَّثُ فَاثْنِي عِنْدَكِ الوُسُدَا (٣)
стр. 1510
وقد لقب نفسه بالمرعَّث في هذا البيت في الديوان، وفي قوله المشهور:
أَنَا المُرَعَّثُ لَا أَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... ذَرَّتْ بِيَ الشَّمْسُ لِلْقَاصِي وَلِلدَّانِي (١)
وفي قوله في ورقة ٤١:
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ بَيْنَهُمُ: ... شَغَفُ "المُرَعَّثِ" دَاخِلُ الحُبِّ (٢)
وقوله في ورقة ١٣٢:
فُتِنَ المُرَعَّثُ بَعْدَ طُولِ تَصَاحِ ... وَصَبَا وَمَلَّ مَقَالَةَ النُّصَّاحِ (٣)
والأقرب أنه يلقب به؛ لأنه كان في أذنه رعثة. وذلك يكون لأحد سببين: أحدهما أن بعض النساء يجعل قرطًا للولد الذكر يزعمون أن ذلك يطيل حياتَه فتفعله المِقلاتُ (٤) ليعيش ولدُها، فلعلَّ أمَّه كانت ثكِلت أولادًا قبله. والسببُ الثاني