← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

منهم الجلالقةُ بقيةَ بلادهم. وهو وإن كان مأوى ضيقًا، إلا أنه كان مأهولًا بخيرة البلاد وبقية الناس لَمّا خلصت بلادُ الأندلس بأيدي الجلالقة (١) بسقوط كورة ألبيرة وعاصمتها غرناطة في ربيع الأول سنة ٦٩٧ هـ بعد حصار طويل، وبعد أن شرط (٢) الملك فرديناندو الجاثليقي (لوكاتوليك) ملك أرغون وشريكته في الفتح زوجُه إيزابيلا الجاثليقية (لاكاتوليك) (٣) ملكة قشتالة، وأُبعد سلطان المسلمين أبو عبد الله محمد بن علي آخر بني نصر إلى بلاد المغرب الأقصى. وأصبح المسلمون مسلوبِي الملك، وانحازوا إلى سكنى ربض البايزين من مدينة غرناطة، وسكنى القرى من بادية غرناطة وحوزها المسماة بالبشرات. (٤) وكان في عداد الشروط التي اقتطعها المسلمون على الجلالقة تأمينُ المسلمين على دينهم وتمكينهم من البقاء في أوطانهم، ثم لم تلبث الجلالقة إلا قليلًا من السنين حتى نكثوا العهود، وتظاهروا بالجحود، وتطرقوا إلى فتنة المسلمين في إيمانهم وإكراههم على اعتناق دين النصرانية، بعد أن وثقوا بأنهم عُزَّلٌ من كل وسيلة للدفاع، وأعياءٌ من كل حيلة يتخلصون بها من تلك البقاع. قال في أزهار الرياض: "وفي سنة ٩٠٤ هـ

стр. 177

(أربع وتسعمائة) انقطعت كلمة التوحيد من بلاد الأندلس". (١) وأنا أبَيِّنُ لك إجمالَه، وهو أن أول ما ابتدأ به الجلالقةُ أن صدر أمرُ الملك فردينادو والملكة إيزابيلا بإحصاء العائلات الذين تحقق أن أسلافهم كانوا نصارى وأسلموا في مدة ملك الإسلام بتلك الديار، فأكرهوهم على الرجوع إلى النصرانية. ثم ارتقى القسيسون في هذا الأمر، فصاروا يدَّعون على مَنْ شاؤوا أن جدودهم كانوا نصارى، فيُكرِهون مَنْ يدعون عليهم بذلك على أن يتنَصَّروا. فلما شعر المسلمون بالخطر على دينهم ثاروا ثورةً واحدة، وقتلوا حكامَهم النصارى، فصدر الأمر بقتل الثائرين إلا الذين يتنصرون منهم؛ فإن تنصرهم يمنعهم من القتل. فتنصر معظمُ المسلمين من سكان غرناطة وباديتها، عدا بعض القرى مثل بلفيق وأندرش وجبل بلنقة، (٢) وامتنعوا من الإلقاء بأيديهم [إلى التهلكة]، فانتشر القتال بينهم وبين الجلالقة. وكان الغَلَبُ للجلالقة لا محالة، فاستأصلوا سكانَ تلك القرى عدا أهل جبل بلنقة؛ فإنهم لمناعة جبلهم أفنَوْا جيشَ العدو المحيط بهم، ثم انعقد بينهم صلحٌ على تمكين المسلمين من الخروج بأموالهم وأهليهم إلى المغرب الأقصى، ظنًّا منهم أن المسلمين لا يهجرون أوطانهم. فلما رأوا منهم العزمَ على الهجرة منعوهم، ومَنْ خرجوا إلى المراسي بنية الهجرة أرجعوهم. قال السيد محمد بن عبد الرفيع المرسي الأندلسي (٣) - أحد

стр. 178

مهاجري الأندلس إلى تونس - في خاتمة كتابه المسمى بالأنوار النبوية: "ولما رأى العدو العزم منهم (أي من المسلمين) للخروج نقض العهد، وردهم رغم أنوفهم من سواحل البحر إلى ديارهم، ومنعهم قهرًا من الخروج". (١) وهذا الذي وصفه السيد محمد بن عبد الرفيع إجمالًا كان سببه أن سياسة ملوك الجلالقة كانت تضطرب بين الشدة والملاينة، بحسب ما يسنح لهم في أحوال المسلمين، وبحسب ما تكون عليه حالةُ المملكة السياسية من اتحاد أو اختلاف فيما بينهم، ومن مسالمة أو محاربة بينهم وبين جيرانهم من الإفرنج، وبحسب ما كان للأسبان من المطامع في امتلاك تونس والجزائر. فكانوا يكرهون أن تشيع عنهم قسوةُ المعاملة مع مَنْ يدخلون تحت حكمهم، ولذلك دام حالُ المسلمين في الأندلس نحو مائة سنة بين الضغط والتنفس، إلى أن باح العدوُّ بما أضمره وكشر لهم عن نابه في النصف الأخير من القرن العاشر الهجري. فلما ضاقت الأرض بالمسلمين، وأصبحوا مستضعفين في أرض الجلالقة، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، وفشا فيهم الإكراهُ على التنصر بالقتل والحرق وأنواع العذاب، أظهروا التنصر. ولعدم اطمئنان النصارى لهم، حشروهم إلى جهة

стр. 179

واحدة يسكنونها وهي جهة ألبيرة، (١) ووضعوا لهم اسمًا يدل على جماعتهم وهو اسم موريسكو، (٢) وأصبحوا كالعبيد، ولذلك سماهم إخوانُهم من المسلمين الذين خرجوا إلى المغرب باسم المدجنين وأهل الدَّجْن. (٣) وقد كان المسلمون المتنصِّرون يُسِرُّون الإسلامَ في قلوبهم، ويقيمون الصلوات في خاصتهم، ويتكلمون فيما بينهم بالعربية. ولكن الجلالقة أخذوا يرصدون أحوالهم، فلم يتركوا وسيلة ليَحُولوا بينهم وبين الاستمرار على ذلك. قال السيد محمد بن عبد الرفيع الجعفري: "ثم بقي العدو يحتال بالكفر عليهم، فابتدأ يزيل لهم اللباس الإسلامي والجماعات والحمامات؛ لأنها من عادات المسلمين فإن الفرنج لا يتخذونها والمعاملات الإسلامية مع شدة امتناعهم والقيام على العدو مرارًا، وعدو الدين يحرق بالنار مَنْ لاحت عليه أماراتُ الإسلام، ويعذبه بأنواع العذاب، فكم وكم عذبوا وكم نفوا من بلادهم". ووصف السيد محمد بن عبد الرفيع بعض أحوال المسلمين في خاصتهم فقال: "قد أطلعني الله تعالى على دين الإسلام بواسطة والدي رحمة الله عليه وأنا ابن ستة أعوام أو أقل مع أني كنت إذ ذاك أروح إلى مكتب النصارى لأقرأ دينهم، ثم

стр. 180

أرجع إلى بيتي فيعلمني والدي دين الإسلام، فأخذ والدي لوحًا من لوح الجوز كأني أنظر الآن إليه مملسًا من غير طفل ولا غيره، فكتب لي فيه حروف الهجاء، ويسألني حرفًا حرفًا عن حروف النصارى تدريبًا وتقريبًا، فإذا سميت له حرفًا أعجميًّا يكتب لي حرفًا عربيًّا، فيقول لي حينئذ: هكذا حروفنا، حتى استوفَى لي جميعَ حروف الهجاء في كرتين. فلما فرغ من الكرة الأولى، أوصانِي أن أكتم ذلك حتى عن والدتي وعمي وأخي وجميع قرابتنا، وألا أخبر أحدًا من الخلق. ثم شدد علي الوصية، وصار يرسل والدتي إلي فتسألني وتقول: ما الذي يعلمك والدك؟ فأقول لها: لا شيء، فتقول: أخبرني بذلك ولا تخف؛ لأني عندي خبر بما يعلمك، فأقول لها: أبدًا ما يعلمني شيئًا. وكذلك كان يفعل عمي، وأنا أنكر أشد الإنكار. ثم أروح إلى مكتب النصارى وآتي الدار فيعلمني، إلى أن مضت مدة، فأرسل إلي من إخوانه في الله الأصدقاء يسألونني فلم أقر لأحد قط بشيء مع أنه ﵀ قد ألقى نفسه للهلاك لإمكان أن أخبر بذلك عنه فيُحرَق لا محالة، لكن أيدنا الله بتأييده وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته بين أظهر أعداء الدين. وقد كان والدي رحمه الله تعالى يلقنني حينئذ ما كنت أقول عند رؤيتي للأصنام. . . إلخ. فلما تحقق والدي رحمه الله تعالى أني أكتم أمورَ دين الإسلام عن الأقارب فضلًا عن الأجانب، أمرني أن أتكلم بإفشائه لوالدتي وعمي وبعض أصحابه والأصدقاء فقط، وكانوا يأتون إلى بيتنا فيتحدثون في أمر الدين وأنا أسمع. فلما رأى حزمي مع صغر سني فرح كثيرًا غاية [الفرح]، (١) وعرفني بأصدقائه وأحبائه وإخوانه في دين الإسلام، فاجتمعت بهم واحدًا واحدًا، وسافرت الأسفار لأجتمع بالمسلمين الأخيار من جبان إلى غرناطة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من مدن

стр. 181

الجزيرة الخضراء، أعادها الله تعالى للإسلام. فتخلص لي من معرفتهم أني ميزت سبعة رجال منهم كانوا كلهم يحدثون بأمر غرناطة وما كان بها في الإسلام حينئذ، فسندي عال لكوني ما ثَمَّ إلا واسطةٌ واحدة بيني وبين أيام الإسلام بها". (١) وما قاله محمد بن عبد الرفيع من التعذيب والقتل والتحريق، هو إشارةٌ إلى ما تقوم به محاكمُ التفتيش الدينية النصرانية التي أسستها الكنيسة الرومية في أهم البلاد المسيحية من أواسط القرن الثالث عشر المذكورة في التاريخ. ففي سنة ١٤٣٦ أصدر الملك فيليبو الثاني أمرًا بأن الموريسكو لا يتكلمون باللغة العربية فيما بينهم، ولا يسمون أولادهم بأسماء المسلمين، وأن يرسلوا أولادهم ممن بلغ ثلاث سنين إلى من عمره خمس عشرة سنة إلى المدارس النصرانية. وفيما قبل هذه المدة كانت حاجةُ الجلالقة إلى الاستعانة بمعارف المسلمين في العلوم والصنائع قد سمحت للمسلمين بالانتشار في كثير من البلاد الواقعة في حكم الجلالقة، فكان كثيرٌ منهم في جيان وبلنسية وإشبيلية وطليطلة ومرسية، زيادة على معظم المسلمين الذين كانوا في غرناطة وألبيرة ومالقة وأحوازهن. وقد خرجت جماعاتٌ منهم إلى فرنسا لأسباب لم أطلع عليها، فاشتُرط عليهم هنالك أن لا يفارقوا النصرانية، فبقوا هنالك مترددين فيما يصنعون، وكانت فرنسا في تلك المدة قد اصطلحت مع إسبانيا بسبب الاتحاد الكبير بين ممالك أوروبا الذي أسسه ملك فرنسا هنري الرابع سنة ١٦٠٣ م. ولَمَّا لم يُبقِ الجلالقةُ أملًا للتسامح مع الموريسكو في إقامة عوائدهم الإسلامية، وأقاموا عليهم العيونَ في تتبع أعمالهم في خويصتهم، ضاق الأمرُ بالموريسكو فثاروا ثورةً كبرى في كورة ألبيرة وجبالها، ودام بينهم وبين الجلالقة قتالٌ مدةَ أربع سنين

стр. 182

إلى أن كانت الهزيمة على الموريسكو سنة ٩٦١ هـ، فأخدوا على الطاعة. ولولا حروبٌ نشبت عقب ذلك بين الجلالقة وبين الأنجليز أخذ فيها المسلمون نفسًا من العيش، لمَا استطاعوا الدوامَ على تلك الحال إلى أوائل القرن الآتي. وقد يسر الله للمسلمين بقاءهم على إيمانهم، وإقامة شعائر دينهم، ودوام التآمر بينهم على ذلك، مع انتشارهم وشدة المراقبة عليهم، فلم يضمحِلَّ الإسلامُ منهم بحسب الإمكان، حتى استطاعوا السعيَ للخلاص حين سنحت لهم الفرصة. وذلك تحقيق لوعد الله تعالى في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٥ - ٧]. وتُوُفِّيَ الملك فيليبو الثاني، وخلفه ابنه فيليبو الثالث، وكان يميل إلى التسامح مع الموريسكو، فظلوا في سكون وجثوم مدة سنين إلى أن أتيح لنفرٍ منهم أن ارتحلوا عن الأندلس سنة ١٠١٣ هـ قاصدين بلغراد من مدن السلطنة التركية. وهنالك لقوا الوزير مراد بكلربيك باشا الملقب قيوجي، وكان هو الصدر الأعظم للخليفة السلطان أحمد خان الأول، فأخبروه بما حل المسلمين من الشدة والتضييق عليهم في دينهم في إسبانيا وفرنسا. فبسط الوزيرُ الحالَ إلى السلطان الذي كان غير عالم بما حاق بالمسلمين، وكان يحسبهم قد اختاروا التنصر على الإسلام بدون إكراه، فصدر إذنُ السلطان إلى الوزير بأن يصدر كتابًا إلى الملك هنري الرابع ملك فرنسا وحليف سلطان تركيا. وقد حكى السيد محمد بن عبد الرفيع ذلك فقال: "فكتب الوزير المشار إليه إلى صاحب فرنسا. . . بإذن من السلطان نصره الله يأمره بأن يخرج مَنْ كان من المسلمين الأندلس محمولين في أغربته (١) ويوجههم إلى بلاد الإسلام في سفر من عنده بما يحتاجون إليه. فلما قرئ الأمر السلطاني في ديوان الفرنسيس بباريس دار مملكته، وسمعه مَنْ كان عنده مرسلًا من قبل صاحب الجزيرة

стр. 183

الخضراء (في إسبانيا) وهو فيليبو الثالث، أرسل إلى سيده يخبره بأن السلطان أحمد أرسل أمرَه إلى ملك فرنسا وأمره أن يُخْرِج مَنْ عنده من المسلمين، فلما علم فيليبو الثالث هذا دخله الرعبُ والخوف الشديد. (١) فأمر حينئذ بجمع أكابر القسيسين والرهبان والبطارقة، وطلب منهم الرأيَ وما يكون عليه العملُ في شأن المسلمين الذين هم ببلاده كافة، فأجمعوا كلُّهم على إخراج المسلمين كافة من مملكته". ثم ذكر الظهير الذي أصدره الملك فيليبو الثالث، ونحن نذكره لما فيه من النكت التاريخية الموضحة لحالة آخر المسلمين بالأندلس. (٢) "لَمَّا كانت السياسة الحسنة الجيدة لإخراج من يكدر على كافة الرعية النصرانية في مملكتها التي تعيش عيشًا رغدًا صالِحًا والتجربة أظهرت لنا عيانًا أن الأندلس (٣) الذين هم متولدون من الذين كدروا مملكتنا فيما مضى بقيامهم علينا مرارًا، وقتلهم أكابر مملكتنا والقسيسين الذين كانوا بين أظهرهم وقطعهم لحومهم وتعذيبهم بأنواع التعذيب مع عدم توبتهم مما فعلوه، وعدم رجوعهم رجوعًا صالِحًا من قلوبهم لدين النصرانية، ولم تنفع فيهم وصايانَا ولا وصايا أجدادنا الملوك،

стр. 184

ورأينا عيانًا أن كثيرًا منهم أحرقناهم بالنار لاستمرارهم علي دين المسلمين بعيشهم فيه خفية، ولاستنجادهم كذلك إعانة السلطان العثماني لينصرهم علينا، وظهر لنا أن بينهم وبين السلطان مراسلاتٍ إسلامية ومعاملات دينية تيقنت ذلك من أخبار صادقة وصلت إلي، ومع هذا لم يأت إلينا أحدٌ منهم يخبرنا بما يدبرونه في هذه المدة بينهم وفيما سبق من السنين بل كتموه بينهم، وظهر لي ولأرباب العقول والمتدينين الصالحين من القسيسين الذين جمعتهم لهذا الأمر أن بقاءهم بيننا ينشأ عنه فسادٌ كبير بسلطاننا، وأن بإخراجهم من بيننا يصلح الفساد الناشئ من إبقائهم بمملكتي، أردت إخراجهم كافة ورميهم إلى بلاد المسلمين أمثالهم لكونهم لم يزالوا مسلمين". وقد تُوُفِّيَ الملك فيليبو الثالث عقب هذا، وولي ابنه فيليبو الرابع، فخرج المسلمون من الأندلس في زمانه سنة ١٠١٧ هـ (سبع عشر وألف هجرية)، قاصدين المغرب الأقصى، والمغرب الأوسط، وتونس، ومصر، وبلاد الدولة العثمانية. وكان عددُ الخارجين على أظهر التقادير ألف ألف نسمة، وقيل سبعمائة ألف، وقيل ستمائة ألف، وكان الداخلون منهم إلى البلاد التونسية نحو ثلاثمائة ألف. فأنت ترى أن الله أنقذَ أمةً من المسلمين من حبائل المكر، وأرجعهم إلى دينهم القويم، فنجَوْا هم ومَنْ تناسل منهم من ذلك المصاب، وقطع الله بذلك مطامعَ صرف المسلمين عن دينهم في مستقبل الحوادث التي وقع فيها المسلمون تحت حكم غير المسلمين. وحُسب للخلافة الإسلامية حسابُها، وقُدرت حقَّ قدرها، فكان ذلك الحادثُ نجاةً في نفسه، ومثالًا صالِحًا للحوادث التي جرت من بعده، وكل ذلك بهمة السلطان الصالح أحمد خان الأول ووزيره الناصح مراد باشا قيوجي. فلا يعترِضُنا ترددٌ في أن نعد هذين الرجلين الصالحين مجددَيْ أمرِ الدين على رأس المائة الحادية عشرة (أي سنة ١٠١٣ هـ)، من يوم إخبار الرسول الصادق المصدوق ﷺ . إذا ألِمنا وعجبنا لحادث تنصير المسلمين الشهير في غرب الأرض بالأندلس، ورأينا كيف تخلصوا منه بعناية إلهية بعد التورط فيه أعوصَ ورطة، فقد حق علينا أن

стр. 185

لا نغفل عن حادث من قبيله حصل في أقصى الشرق في ذلك العصر. وهو حادثٌ قل مَنْ يعلم نبأه، وقد تعرض لمجمله بعضُ المؤرخين في ترجمة أكبر خان، وبسطه الأستاذ العلامة شكيب أرسلان في تعاليقه القيمة على كتاب "ماضي الإسلام"، نقله عما كتبه محررو "دائرة المعارف الإسلامية" وغيرُهم من علماء أوروبا عن تاريخ الهند، مستندين إلى ما كتبه المؤرخون الهنود. ذلك أن سلطان الهند محمد بن همايون الملقب "أكبر شاه" (١) كان قد صار إليه ملك دلهي وما إليها من بلاد الهند. ثم ضم إلى مملكته معظم ممالك الهند الإسلامية وغيرها، فكان في سنة ١٠٠٩ هـ قد هزم جميع معانديه، واستقر ملكه. فطرأ عليه في آخر سنوات سلطانه ذبذبةٌ وخذلان، فظهرت منه بوادرُ تدل على مروقه من الإسلام والعمل بما ينافي عقيدةَ المسلمين. فابتدأ باتباع الإشراق الهندي، ثم توسع في متابعة المذاهب والأديان، وابتدأ بأن أبطل كونَ الإسلام هو الدين الرسمي للسلطنة. وأصدر سنة ١٠٠٢ هـ أمره بأن كلَّ مَنْ أُجبِر من الهنود على الإسلام في مدة السلاطين أسلافه يرجع إلى دين قومه، وأمر بترجمة كتب البراهمة من اللغة السنسكريتية الهندية إلى اللغة الفارسية. ثم استُؤْتِيَ إليه طائفة من الرهبان البرتغاليين الذين كانوا في الهند، فأرسلوا إليه بالإنجيل، فأمر بترجمته بالفارسية، وعهد إلى الرهبان بتعليم ابنه مراد. وكان يذهب إلى الكنائس، وزعموا أنه كان يشاركهم في معظم الصلوات، فيجثو على ركبته. وقد وضع عقيدةً تدعو إلى التوحيد، وترخص للذين يحبون أن يجعلوا للإله رمزًا بأن يجعلوا الشمس رمزًا له تعالى. وحاول تركيبَ دين يجعله مزيجًا من الإسلام والبرهمية والنصرانية، ويسميه فصاحة الأديان! فكاد صنيعُه هذا أن

стр. 186

يقضي على الإسلام بالممالك الهندية التي تحوي ملايين عظيمة من المسلمين. (١) ولكنه ما لبث أن توُفِّيَ سنة ١٠١٤ هـ، وخلفه في سلطنة الهند ابنُه سليم جهانكير، وعندما وَلِيَ نبذ طريقةَ أبيه في أمور الدين، واعتصم بالإسلام وبمذهب أهل السنة وانتصر له، فأنقذ الله به الإسلامَ في الشرق كما أنقذه في الغرب بالسلطان أحمد خان الأول. فإذا صح ما ورد في أخبار أكبر شاه ولم تكن مبالغة، فإن ابنه سليمًا جهانكي جديرٌ بأن يُعَدَّ مجدِّدًا أيضًا على رأس المائة الحادية عشرة من وقت إخبار الصادق المصدوق ﷺ (٢) [انحلال الجامعة الإسلامية وتزايد الفتن]: ما كانت الأدواءُ التي انتابت هيكلَ الجامعة [الإسلامية] في القرن الحادي عشر الهجري بالتي تتركه سليمًا من أخطار تنخر عظمه، وتنزف دمه، وتشرف به على الهلاك. وبإجالة نظرةٍ واسعة على تاريخ الإسلام في ذلك القرن، نرى حالةً هي أعصبُ الأحوال التي عرضت للمسلمين عامة. فلقد تفككت الجامعةُ الإسلامية في كل مكان بما اعتراها في دخيلتها من فتن الثوار، وانقسام الأهواء، واضطراب الحياة الاجتماعية، وفقدان الأمن في سائر البلاد شرقًا وغربًا. فقد تضاءل نورُ العلوم، وحل الفساد في الأخلاق، وساد المسلمين الوهنُ وحبُّ الدعة، وغشيت

стр. 187

على عقولهم الأوهامُ والغرور، واحتارت العقولُ باضطراب الفتن التي أعمى الأمةَ عَجَاجُها وغمرهم عجَّاجُها. (١) فأما الشرقُ الإسلامي فقد كان معظمُه يومئذ للدولتين العثمانية والفارسية، فبلاد الدولة العثمانية (وهي بحق يومئذ سيدة الممالك الإسلامية) قد صارت بؤرة فتن بجنود الانكشارية، وآلت كمثل الكرة تتلقفها أيدي زعماء الجنود يترامون بها على حسب أهوائهم. ابتدأت ثورة هؤلاء الجنود على السلطان مصطفى خان الأول سنة ١٠٢٧ هـ، فلا نجد مَنْ سلم بعده من سلاطين آل عثمان من ثورة آلت إلى قتل أو خلع، فصارت الدولةُ مهزلةً في أيدي شياطين الفتنة ودعاة الضلالة المشتهرين بتطلب الرزق من وجوه الغدر والحرابة. وكانت المملكةُ الفارسية في ذلك القرن منتزى أمراء بيت الملك الصفوي والأزابكة رؤساء الجنود بعد وفاة الشاه طَهْماسَب بن الشاه إسماعيل، واختلاف أولاده الكثيرين في ابتزاز أمر المملكة، حتى انبرى لجمع الكلمة الشاهُ عباس بن طهماسب. ولكنه لمَّا جمع الكلمة في بلاده، حدثت بينه وبين السلطان مراد الرابع العثماني حروبٌ من أثناء عام ١٠٣٢ هـ، تلك الحروب التي يظهر أن سببها إحنٌ ودخائلُ قلبية كانت قد نبتت في قلوب الفرس أتباع المذهب الشيعي، إذ كانت تضيق صدورُهم أيام تفوق الدولة العثمانية عليهم من جراء ما كانوا يلقون منها من الغضاضة والاضطهاد في المعاملة يسبب اختلاف النزعتين. فلما تنسَّمُوا نسيمَ القوة، نشطت نفوسُهم، فأثمرت تلك الإحنُ طلبَ الانتصاف لنصرة مذهبهم على مذهب سكان البلاد العثمانية من الأشاعرة والماتريدية، فأخذت الفتنُ تظهر في بغداد التي هي برزخ بين المملكتين، وملتقى أتباع البلادين، حتى ملأت القلوبَ إحنًا، والعصورَ بعدها فتنًا.

стр. 188

واستولَى الفرسُ على بغداد استيلاءَ الجبابرة، فأحرقوا خزائنَ كتبها، وخربوا ضريحَ الشيخ الجيلي. وكانت بلادُ العراق تبعًا لحال هاتين الدولتين: إن قامت الفتنُ بينهما كان مَجَالُها العراق، وإن آلت إلى ملك الدولة العثمانية كان اختلالُ حالها تبعًا لاختلال حال الدولة العثمانية. وكذلك كان حالُ الممالك الشامية، وكانت الصولةُ للجند في هذين القطرين العراقي والشامي. وكانت بلادُ الْحجاز في فوضى عظيمة من أثناء سنة ١٠٧٧ هـ حين توفِّي أمير الحجاز العظيم زيد بن محسن، فاضطرب الحجازُ بنزاع بين الشريف سعد بن زيد المحصل على الإمارة وبين أخيه محمد يحيى، والشريف محمود الداعي لنفسه. فأصبح الحرمُ الأمين مطارَ شرر الفتن، وعم النهبُ والسلب إلى منتهى القرن الحادي عشر، ففي سنة ١٠٩٩ هـ قطع العرب طريقَ الحاج المصري والمغربي، وكان بالحجاز خوفٌ عظيم. وأما مصر - وهي واسطةُ البلاد الإسلامية بين الشرق والغرب - فكانت في خلال القرن الحادي عشر بحالة فوضى وإهمال؛ لأن حضارتها قد أخذت في الانتفاص من وقت انقراض خلفاء العباسيين منها حين دخلت تحت الدولة التركية في مدة السلطان سليم، إذ صار حكمُها لباشوات في القاهرة، وللكُشَّاف (جمع كاشف)، والسناجق في كور مصر الأربع والعشرين. وكان دأب الجميع الْجَوْر والعسف والسلب وإذلال الأمة، حتى ماتت الهمم، وصار السير إلى الوراء بعد الأمم. قال المؤرخ محمود فهمي (١) في البحر الزاخر: "وفي ظرف القرنين اللذين

стр. 189

أعقبا التغلب العثماني (العاشر والحادي عشر) كانت مصر محكومةً بباشوات وسناجق من طرف الدولة العثمانية، فأخذت هذه المملكة في الاضمحلال في الأنفس والأموال، وصار هؤلاء الباشوات والسناجق في طريق السلب والنهب". وقال الجبرتي: إن السلطان سليمًا لَمَّا أخذ مصر وخرج راجعًا إلى بلاد سلطنته، "أخذ معه الخليفة العباسي، وأخذ معه ما انتقاه من أرباب الصنائع التي لا توجد في بلاده، بحيث إنه فقدت من مصر نيف وخمسون صناعة". (١) فما ظنُّك بعاقبةِ هذه الحالة؟

стр. 190

وما كان المغربُ بأهنأ عيشًا من المشرق تلك المدة، فإن طرابلس وتونس والجزائر كانت تابعةً للدولة العثمانية، فكانت أدواءُ تلك الدولة تتسلل إلى هذه الإيالات، وتزيد بما تزيد به من الفقر والجهل وقلة النظام، وكان الحكم في هذه الأقاليم بيد الجند وزعمائه. فطرابلس خَيَّم عليها الجهل، وأرهقها ظلمُ الولاة الذين من آخرهم خليل باي الذي كان نصيرًا لمراد باي أبي بالة - والِي تونس - على تخريب القيروان سنة ١١١١ هـ. وتونس كانت قرارةَ فتن وأكدار من حروب قائمة بين أهل الجزائر من سنة ١٠٩٦ هـ، ومن اشتداد مظالم مراد باي المرادي الملقب بأبي بالة، (١) والمتوثب على إمارة تونس سنة ١١١٠ هـ، فإنه عاث في البلاد إفسادًا، وقتلًا وتمثيلًا، ومجاهرةً بالفواحش، وهدم مدينة القيروان وقرًى كثيرة من البلاد. قال الوزير المؤرخ الشيخ أحمد بن أبي الضياف التونسي في تاريخه ما ملخصه: "ولي مراد باي في رمضان سنة ١١١٠ هـ، ولم يلبث أن سلَّ سيفَ بغيه وفعل ما لم يؤثر عن غيره قديمًا وحديثًا، وانهمك في العبث بالخلق. وكان يؤتى بالرجل الذي يغضب عليه، فيقوم بنفسه ويذبحه، ويقطع أعضاءه، ويشق بطنه، ويدخل يده ويخرج أمعاءه. أُتِيَ إليه بالفقيه المفتي الشريف محمد العواني القيراني فقتله بنفسه، وجعل يشوي لحمه ويأكل منه. وكان يعبث بالعلماء ويمتهنهم، ويُكره بعضَهم على الحضور في مجلس خموره، وأخرج شِلْوَ (٢) سَلَفِه عَمِّه رمضان باي فأحرقه بالنار، وجمع رماده فألقاه في البحر بسوسة. وفعل بأهل باجة ما حملهم على مفارقة بلدهم، فخرجوا منها إلى الشعاب والأودية. وقاتل أهلَ القيروان، وأباحها لخليل باي والي

стр. 191

طرابلس فنهبها وسبى نساءها وذراريها. ثم إن مراد باي أمر بهدم جميع بناء القيروان عدا الجوامع والمساجد والزوايا، وجمع خيلًا اورجالًا لغزو بلاد الجزائر، وعاضده على ذلك خليل باي طرابلس. وحاصر قسنطينة خمسة أشهر، ثم دخلها عنوة، وأثخن في أهلها وجيشها قتلًا وأسرًا، وهدم معظم أبنيتها". (١) وبلادُ الجزائر كانت في فتن مع أهل البلاد التونسية أيام مراد أبي بالة كما قلنا، وكان مراد قد خرَّب قرًى كثيرة بين البلاد التونسية وبين قسنطينة. وكانت أيضًا في حروب مع سلاطين المغرب من جهة تلمسان وسجلماسة، فكانت تلتهمها النيرانُ من أطرافها. وأما المغرب الأقصى - وهو المملكة الوحيدة في المغرب المستقلة عن حكم الدولة العثمانية - فكان في فتن مضطرمة: من ثورات القبائل، واختلاف الدعاة، وعصيان المدن بما حولها من القبائل، فعصت تازا وفاس ومراكش وتارودانت وغيرها في أواخر القرن الحادي عشر من سنة ١٠٧٠ هـ. وكان الإسبنيول [الإسبان] قد انقضَّ على مدينة المهدية المغربية المعروفة بالمعمورة من عام ١٠٢٠ هـ إلى عام ١٠٩٢ هـ, وأخذوا الجديدة والعرائش وأصيلة وسبتة. وأما ما انتاب الجامعةَ الإسلامية من الخارج، فإن دولَ أوروبا الذين كانوا يحسبون محاربةَ الدولة العثمانية لهم وقت ظهورها جهادًا دينيًّا، وكانوا قد مُلئت قلوبُهم رعبًا من عواقب تلك الحروب قرونًا طويلة، فلما رأوا وهنَ تلك الدولة من وقت نشوب الحرب بينها وبين دولة الفرس وما عقبه من فوضى الجند، نشطت تلك الدولُ لاستزداد قواها. فالذين كانوا منها تحت حكم الدولة العثمانية طمحوا إلى الخروج عنها، وجعلوا يظهرون التذمر من مظالم ولاة الترك إياهم، ويخيلون تعليلَ ذلك بأنه الكراهيةُ الناشئة عن التعصب الديني.

стр. 192

وزاد الطينَ بلةً وجسدَ الإسلام علةً أن التكافؤ الفكري والتمديني بين الأمم في الشرق والغرب قد اختل، فكانت الأممُ العظيمة في أوروبا قد تفوقت في العلم والتفكير على الأمم الإسلامية بنشاط أولئك وخمول هؤلاء. والتحفز إلى طلب الكمال من أولئك وغرور هؤلاء، فكانت دول أوروبا قد زالت أدواؤها، وقوي ساعد نفوذها، وانبث سفراؤها وعلماؤها ومفكروها في دواخل البلاد الإسلامية، يسبرون أحوالها، فشعروا شعورًا كاملًا بانحلال الجامعة الإسلامية، وتحفزوا لاحتلال مكانها من سيادة العالم. ولكنهم لم يلبسوا لها جلد النمر، بل دفنوا تحت الرماد شواظَّ الجمر، وجعلوا يكيدون كيدًا، ويتخطون إلى بلاد الشرق رويدًا. فطمعت جمهوريةُ البندقية في السلطة العثمانية، واستولَى أسطولُها العتيد على دواخل الدردنيل، وتساجل الفريقان حروبًا كانت الانهزاماتُ فيها أكثرَ حظوظ الجيوش التركية. على أنه وإن كانت من بين تلك الدول دولٌ تُظهر المودة من غير عداء، فهم وإن لم يباكروها الغارة، ما كانوا يؤملون لجيشها على عدوه انتصارَه، فقالوا في نفوسهم نحن أولى بالغنيمة، وحبائبُ العروس أحقُّ بانتهاب طعام الوليمة: قَالَتْ رَأَيْتُ الأعَادِي غِرَّةً ... والشَّاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هُوَ مُرْتَمِ (١) فأما الدولةُ الفارسية فقد كانت في ذلك القرن بعد وفاة الشاه عباس في حالة سكون، وكانت دول أوروبا لاهيةً عنها بتوجه همتها إلى الدولة المزاحمة لعظمتها، وهي الدولة العثمانية. ثم إن قوةَ أساطيل الدول المحاربة للدولة العثمانية كانت قد رجحت رجحانًا عظيمًا على أساطيل دول الإسلام، فكانت القرصنةُ تنال من المسلمين ما لا تناله قرصنةُ هؤلاء من الأوروبيين، فأصبحت أسرى المسلمين في البلاد الأجنبية أوفرَ

стр. 193

بكثير مما بيد المسلمين من الأسرى، وذلك كلَّف المسلمين إنفاقَ ذهب كثير لفداء أسرى المسلمين من أيدي البندقيين والجنويين والإسبنيول. وبإجالة نظرة واسعة على حالة المسلمين في القرن الحادي عشر يظهر للناظر أن لَمَّ شَعت المسلمين قد أصبح أمرًا عسيرًا، وأن تجديد أمرها بمعناه الكامل أوشك أن يكون متعذرًا، وأن حالة التجديد لم يبق مطمعٌ فيها إلا أن تكون بمنزلة التنفيس على الأمة من أضرار حائقة، ونوائب حالقة. كان أمرُ الدين حينئذ في أشد الحاجة إلى استتباب الأمن برًّا وبَحرًا، وإلى تفوق حربي أو صلح سياسي تلم به بلادُ الإسلام شعثَها، لتسلم من الرزايا، وتستبقي مالها، ويقبل أهلُها على العلم والعمل، فهي أحوجُ شيء إلى ذلك. [المائة الثانية عشرة]: ففي ظلمات هذه الفتن، بزغ نورٌ في مقر الخلافة باعتلاء السلطان مصطفى الثاني ابن السلطان محمد الرابع عرشَ السلطنة في جمادى الثانية سنة ١١٠٦ هـ. (١) وصادف أن كانت الدولةُ استراحت من مزاحمة الدولة الفارسية إثر وفاة الشاه عباس، ثم بانعقاد الصلح بين الدولتين في سنة ١٠٤٩ هـ. وقد دعت السلطانَ أوصافُه الجليلة إلى العمل للم شعث الدولة، فقاد الجيوشَ بنفسه، وانتصر انتصاراتٍ على البولونيين والروس والمجر، أعادت للدولة حسنَ سمعتها في الحروب، ووفق الله هذا السلطان إلى اختيار وزير صالح وهو الوزير حسين باشا كوبرلي، فأسند إليه الصدارة العظمى سنة ١١٠٩ هـ. (٢) ولما

стр. 194

استتب له النصر في معظم وقائعه، دبر مع وزيره كوبرلي في استثمار تلك الفرصة لفائدة الأمة، فعقد صلحًا مع مملكة النمسا التي لم تزل شديدةَ الصراع مع جيوش العثمانيين، وتم الصلحُ في رجب سنة ١١١٠ هـ صلحًا اقتضى إرجاعَ بلاد المجر إلى النمسا، وإرجاعَ بعض مراسي البحر الأسود إلى الروسيا.

стр. 195

وبذلك الصلح توجهت همةُ السلطان إلى إصلاح ما انهرش من أحوال المملكة وتوابعها، وتجديد ما رث من حالة جيشها. وكان السلطان قد قمع جند الانكشارية، وضرب على أيدي زعمائهم، وأبطل الرشوة. ثم توجهت هِمتُه إلى تحسين حال الممالك التابعة له، وفي مقدمتها مصر والحجاز، إذ أصبح أمراء القطرين يحسبون للسلطنة حسابَها بعد تحقق صرامة السلطان مع جند الانكشارية، وضربه على أيدي المرتشين والمفسدين. ومن أحسن الصدف أن كان مراد أبو بالة والي تونس الجائر المفسد لَمَّا أَفْنَتْ حروبُه مع المسلمين عساكرَه، أرسل أحد قواد جيشه - آغة صبايحية (١) الترك المسمى إبراهيم الشريف - إلى بلاد السلطنة العثمانية ليجمع له جندًا من المتطوعة، فصادف بعثةً هنالك بعثها باشا الجزائر إلى الحضرة السلطانية في التشكي من أحوال مراد أبي بالة، فظهر للسلطان أن جمع بين بعثة الجزائر وبعثة تونس، وأمرهم أن يبلغوا باشا الجزائر وباي تونس وجوبَ عقد صلح بينهما وذلك في سنة ١١١٣ هـ، فكاتب إبراهيم مراد بذلك، فامتنع وعصى. وقد تحقق السلطان جورَ مراد أبي بالة، فاستحلف إبراهيمَ الشريف على المصحف أن لا يكذبه فيما يسأله عنه من أحوال مراد أبي بالة، فحلف أن يصدقه، فسأله عما تشكى منه أهلُ الجزائر فأخبره الصدق. فعزم السلطان على توجيه جيش للقبض على مراد أبي بالة وكف جوره عن الناس وخلعه من الولاية. ثم إنه وثق من إبراهيم الشريف أن يكون هو الذي يتوَلَّى قتلَ مراد أبي بالة وكف عاديته، فأعطاه منشورًا سلطانيًّا بيده مخاطبًا به جندَ الترك بتونس يأمرهم

стр. 196

بطاعة إبراهيم الشريف فرجع إلى تونس سنة ١١١٣ هـ على مراد أبي بالة فقتل، ونشر الأمر السلطاني إلى الجند فبايعوا إبراهيم الشريف. وكان معروفًا قبل ولايته بالخير والعفة والإنصاف، وقد سار سيرةً حسنة بعد ولايته، إلا أنه كان يتهم بالشعوبية. ودامت تونس في مدته في حالة حسنة، ربما خالطها ما لا تخلو عنه بلادُ الإسلام من حدوث ثورات قليلة. أما الجزائر والمغرب فقد كان من حسنات السلطان مصطفى وقوع صلح بينهما، وذلك في صدر سنة ١١٠٩ هـ، قال في الاستقصا: "وفي يوم عرفة من سنة ١١٠٨ هـ قدم عشرة رجال من إصطنبول ومعهم كتاب من السلطان مصطفى بن محمد العثماني صاحب القسطنطينية العظمى إلى السلطان المولى إسماعيل يندبه إلى الصلح مع أهل الجزائر، فانتدب ﵀ وامتثل". (١) وقد استرجع السلطان مولاي إسماعيل في أوائل القرن الثاني عشر الهجري عدة مراس من أيدي الإسبنيول والبرتغال وغيرهم، بحيث لم تأت سنة ١١٠٣ هـ إلا وقد استخلص معظمَ بلاد المغرب، وطاعت له، (٢) وأقبل على تحصينها وتحسنها. فما أطلت سنة ١١١٣ هـ (إحدى عشرة ومائة وألف) إلا ومعظمُ [بلاد] الإسلام في هدوء وأمن، وتراجع إلى الحسنى. وتلك السنة هي رأسُ المائة الثانية عشرة من عام إخبار الصادق المصدوق ﷺ ، فبحق نعد السلطان مصطفى الثاني مجددَ أمرِ المسلمين في رأس المائة الثانية عشرة. (٣)

стр. 197

التقوى وحسن الخلق (١) عن أبي ذر ومعاذ بن جبل ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْت، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَن". (٢) هذا الحديثُ الشريف من جوامع كلمه ﷺ ، فقد اشتمل على نهاية الإيجاز وما يقرب من حدِّ الإعجاز. فإنه مع قلة ألفاظه وعذوبة نظمه، جمع ﷺ فيه ما يلزم الإنسانَ في دار التكليف من أداء حقوق الخالق ومعاملة المخلوق، وذلك مدارُ كلية التكليف كما لا يخفى. والخطاب وإن كان لجزئية استعماله يقتضي قَصْرَ الحكم على المواجَه به، لكنه يعمُّ كلَّ مكلَّف صالح للخطاب عمومًا حقيقيًّا، على ما هو طريقةُ الحنابلة المنسوبة إليهم في المستصفى؛ (٣) إذ كلُّ مكلَّف موجَّهٌ له الخطابُ القرآني الذي هو عنوانُ الحكم التكليفي. والمبلِّغُ الأول الرسولُ صلواتُ الله عليه، ثم المتأهِّلُ لذلك من

стр. 198

الصحابة وعلماء الأمة الوارد فيهم: "علماءُ أمتي كأنبياء بني إسرائيل". (١) و"اتق" أمر من الاتقاء، افتعال من الوقاية التي هي في اللغة فرطُ الصيانة وشدةُ الاحتراس من المكاره. ومنه فرس واق، إذا كان يقي أدنَى شيء يصيبه. ومن الصيغة بذلك المعنى قولُ الشاعر: فَألْقَتْ قِنَاعًا دُونَهُ الشَّمْسُ وَاتَّقَتْ ... بِأَحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ: كَفٍّ وَمِعْصَمِ (٢) ومنه قولُ النابغة: سَقَطَ النَّصِيفُ وَلَمْ تُرِدْ إسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ (٣)

стр. 199

ومواقعُ استعمال الصيغة في البيتين تقتضي إرادةَ التكلُّف والاتخاذ، كما هو أحدُ استعمالات افتعل، وهو المفهوم من كلام أهل اللغة. قال الراغب: "التقوى هي جعل النفس في وقاية مِمَّا يُخَاف". (١) وظاهرُ قول صاحب الكشاف - في تفسير المتقي أنه اسم فاعل من قولهم: وقاه فاتقى - أن الصيغة للمطاوعة، وتبعه القاضي عليه. (٢) وقرره [كُتَّابُ] (٣) حواشيه، فتكلفوا للمطاوعة وجهًا - مع بعده في نفسه - يوجب التأويلَ في تعلق التكليف بالتقوى بصرفه إلى التكليف بتحصيل أسباب القبول. وإلا فالمطاوعة انفعالٌ، ولا تكليفَ إلا بفعل، كما قُرِّر في الأصول. وعلى المختار فيها جاء تفسيرُها من لسان أهل الشريعة فقالوا: هي حفظ النفس عن كل ما يؤثم. (٤) وسأل عمر بن الخطاب ﵁ أُبيًّا عنها فقال: "هل أخذتَ طريقًا

стр. 200

ذا شوك؟ فقال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: شمرتُ وحذرت، قال: فذلك التقوى". (١) ولقد أجاد ﵁ في تمثيل معقولها بالمحسوس المفيد أنها التحذرُ والصَّوْنُ من الوقوع في المخالفات. وقد أحسن الغايةَ ابنُ المعتز (٢) في عقد ذلك نظمًا حيث قال: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا ... وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَى وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ... ضِ الشَّوْكِ وَيَحْذَرُ مَا يَرَى لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ... إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى (٣) ثم إن نظم ابن المعتز مبنيٌّ على أن تركَ الصغائر من مفهوم التقوى في عرف الشرع، وإليه ذهب طائفةٌ من المحدثين. وأهلُ السنة متمسِّكون بأن فرطَ الصيانة الذي هو أصلُ التقوى يقتضي التخليَ عن الصغائر، وبحديث: "لا يبلغ العبدُ أن يكونَ من المتقين حتى يدعَ ما لا بأس به حذرًا مِمَّا به بأس"، أخرجه الترمذي وابن ماجه. (٤)

стр. 201

ومذهبُ الجمهور أنه لا يُشترط في المتَّقي شرعًا اجتنابُ الصغائر، وحجتُهم واضحة؛ فإن الصغائر قلما ينجو منها أحد. ومنهم مَنْ لا يسبق [عنده] (١) إلى اسم المتقي بعد الأنبياء غيرُهم كالصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم من السلف الصالح. والتمسك بالحقيقة اللغوية غيرُ معتبَرٍ في الحقائق العرفية لكثرة التغاير بين الاصطلاحين، بل ما كان تعدد الحقائق إلا باعتبار التغاير. على أن الشهاب (٢) في حواشي القاضي أنكر زيادةَ لفظ الفرط، وقال: "المذكور في كتب اللغة تفسيرها بالحفظ والصيانة، وما ذكره من الزيادة زيادة". و [أجاب] عن الحديث بأنه مسوقٌ لبيان الكامل في الحقيقة، بسند لزوم خروج من بيناه، وفيه نظر، وبأن حمله على ظاهره يوجب خروجَ غير المتورِّع عن التقوى؛ لأن ترك ما لا بأس به حذرًا من الوقوع فيما به بأسٌ هو الورع، ولا قائلَ بذلك من الفريقين، فوجب تأويله على كلا القولين. (٣) على أن الحديث يُحمل محملَ حديث: "من وقع في الشبهات وقع في المحرمات"، (٤) المرادُ به التنبيهُ على شدة الحذر وعدم التساهل. فمعنى "حتى يدع ما

стр. 202

لا بأس به إلخ"، حتى يكون على غاية الحذر من الوقوع في المحرمات، بأن يكونَ متيقظًا حازمًا غير متساهل بالأمور. ونحن نقول: إن ذلك معتبَرٌ في مفهوم التقوى، كما لا يخفى. ويؤيده أن التهاونَ بالصغائر والتساهلَ فيها يُصَيِّرانِها كبيرة، كما صرحوا به، وإليه أشار ابنُ المعتز في ثالث أبياته. ولك باعتباره هذا أن ترجع بالخلاف إلى الوفاق، والله أعلم. ثم الواجبُ من التقوى المأمورُ به في غير ما آية صونُ العبد نفسَه عن وعيد مخالفة الخالق بفعل المستطاع من المأمورات، واجتناب المنهيات. وذلك هو مقامُ عبوديته، وهو المراد بالحق في قوله جل اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال القاضي: " (أي) حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم، كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ". (١) ومن البيِّن أن فعلَ المأمور به وتركَ المنهِيِّ عنه لا يكون تقوى إلا بملاحظة الأمر والنهي، وخوف الوعيد. يدل لذلك قوله ﷺ في حديث مسلم عن أبي هريرة: "التقوى ها هنا"، (٢) ويشير إلى صدره ثلاثًا، أي عمادها الذي هو الخوف في القلب. [وقد]

стр. 203

أخذه علي ﵁ فقال حين سُئل عن التقوى: "هي الخوفُ من الجليل، والعملُ بالتنزيل، والقناعةُ بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرحيل". (١) ومن حيث إن التقوى اتقاء وعيد المخالفة، تعددت أنواعُها بتعدد المأمورات والمنهيات، وقبلت التفاوت في نفسها. وفي التنزيل: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)﴾ [الليل: ١٧]، بصيغة التفضيل أي الذي اتقى الشرك والمعاصي، وكأن التقوى في كل شيء التزام العبودية الخاصة به من أمر ونهي. قال أكثر المفسرين: إن عوف بن مالك الأشجعي أسر المشركون ابنًا له، فأتى رسول الله ﷺ وشكى الفاقة، وقال: إن العدو أسر ابني وجزعت الأم فما تأمرنا؟ فقال ﵊: "اتق الله واصبر، وآمرك وإياها أن تستكثرَا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". فعاد إلى بيته وقال لامرأته ما قال له رسول الله ﷺ ، فقالت: نِعْم ما أمرنا به، فجعلا يقولان، وغفل العدوُّ عن ابنه فساق غنمهم وكانت أربعة آلاف شاة، وجاء بها إلى أبيه، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢, ٣]. (٢) وقوله في الحديث: "حيثما كنت" لإفادة تعميم الأمكنة، أي في كل مكان كنت فيه، المراد من ذلك التنبيه على ملازمة التقوى على كل حال. واختار عنوان المكان لما أن الغالب على الإنسان التستر بمكان الانفراد حال التلبس بالمخالفة، لغلبة الجهالة عليه إذاك حتى يغفل عن إحاطة علمه تعالى بكل مكان. ولله در بعضهم حيث يقول: "إذا أردت أن تعصي الله فاعصه حيث لا يراك". ومن ثم عظُم شأنُ الخلوة، وكانت خاتمة خصال السبعة الذين يظلهم الله بظله معبَّرًا عنه بقوله ﵇: "ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه". (٣)

стр. 204

قوله ﷺ : "وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحسنةَ تَمحُها" (بفتح همزة أتبع)، بمعنى أن تفعل بعدها بقرب كما هو ظاهر الاتباع. و"أل" في السيئة والحسنة جنسية. وظاهرُ ذلك إرادةُ السيئة بما يشمل الصغيرةَ والكبيرة، ويراد من الحسنة ما يشمل التوبةَ وغيرها من أفعال البر. فالثاني يكفر الأول من السيئات، والأول يكفر الثاني منها. وظاهرُ لفظ المحو كلفظ الإذهاب في قوله جل اسمه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، أنها تُزال من صحف الكاتبين. وهو مدلول قوله جل اسمه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]. وحاصلُ معنى هذه الجملة الشريفة أن السيئة إذا أُتبِعت بِحسنة مُحِيت. وتفصيلُه - كما أشرنا إليه - أن السيئة إذا كانت صغيرةً مَحتها الحسنةُ التابعة كيفما كانت، وإذا كانت كبيرة كان مَحوُها بحسنة مخصوصة هي التوبة. والمرادُ السيئاتُ التي هي من غير حقوق العباد، فلا تُكفَّر إلا بالاستحلال. (١) واعلم أن تقسيمَ الذنوب إلى كبائر وصغائر مذهبُ جمهور المتكلمين، وعليه تدل آياتُ الكتاب المجيد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقوله: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. فالفسوق الكبائر والعصيان الصغائر، وإلا لزم التكرار. ومناطُ التقسيم ذات الفعلة وما فيها من المفسدة، دون الالتفات إلى مخالفة الله؛ فإنها بالنظر إلى ذلك على حد واحد، وهي شُبهةُ مَنْ نفي الصغائر. وعلى مذهب الجمهور اختُلف في تمييز الكبائر من الصغائر اختلافًا أفضى إلى عدم الاعتماد فيه على محصَّل: فمنهم مَنْ سلك طريقَ العد على اختلاف في القلة والكثرة، ومنهم مَنْ سلك طريقَ الضبط بما ورد فيه الوعيدُ بالنار أو ترتب عليه حدٌّ فهو الكبيرة. وكل ذلك لا يفيد تمييزًا، كما يُعلم بمراجعة ما للعلماء في ذلك من

стр. 205

الأقاويل. وجنح شهاب الدين القرافي إلى التمييز بعظم المفسدة وحقارتها، فقال في التاسع والعشرين والمائتين من قواعده: "الصغيرة في المعاصي ليس من جهة من عصي، بل من جهة المفسدة الكائنة في ذلك الفعل. فالكبيرة ما عظمت مفسدتُها، ورُتَبُ المفاسد مختلفة، وأدنى رتب المفاسد يترتب عليها الكراهة. ثم كلما عظمت المفسدةُ ارتفعت الكراهة حتى تكون أعلى رتب الصغائر يليه أدنى الكبائر، ثم تترقَّى رتبُ الكبائر بعظم المفسدة حتى تكون أعلى رتب الكبائر يليها الكفر". (١) وقدح فيه ابنُ الشاط (٢) بأن النظرَ إلى مقادير المفاسد في ضبط الصغائر والكبائر لا يصح؛ لأنه بناءٌ على قواعد المعتزلة، ثم إنه رجوعٌ إلى عدم التمييز لجهلنا بمقادير المفاسد وعدم وصولنا إلى العلم بحقيقته. (٣) قلت: أما الأول فبَيِّنُ الفساد؛ فإن بناءَ الشريعة المطهرة على اعتبار المصالح والمفاسد أمرٌ معلوم أثبته الاستقراء لها، كما وقع التصريحُ به في أول كتاب المقاصد من الموافقات. (٤) والخلاف بين أهل السنة والمعتزلة إنما هو في الوجوب وعدمه، وكونِ العقل يتوصل إلى المصلحة فيعلم الأمر وإلى المفسدة فيعلم النهي، أو لا يدرك ذلك إلا بعد ورود الأمر والنهي. بالأولين قال المعتزلة، وبالثانيين قال أهلُ السنة.

стр. 206

وأما الثاني فهو وإن كان متجهًا ظاهرًا، إذ يقال لا يُعلم من النهي إلا وجودُ المفسدة، وأما اعتبار مقدارها فقد لا يُدرك كونُه عظيمًا أو حقيرًا، لكنه مدفوعٌ بالالتفات إلى مقصد الشرائع وحفظ كلياتها. فإذا تبين ما قصدَ الشارع حفظَه، تبينت رُتبُ المفاسد ومقاديرُها بالنسبة إلى الخلل اللاحق لذلك المحفوظ. وقد شرح ذلك بما لا مطمعَ للنفس وراءه حَبْرُ هذه الأمة أبو حامد الغزالي، فقال في كتاب التوبة من الإحياء: "لنا سبيلٌ كلِّيٌّ يمكننا أن نعرف به أجناسَ الكبائر وأنواعها بالتحقيق، وأما أعيانها فنعرفه بالظن والتقريب. ونعرف أيضًا أكبر الكبائر، فأما أصغر الصغائر فلا سبيلَ إلى معرفته. وبيانه أنا نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعًا أن مقصودَ الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه، وأنه لا وصولَ لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي ليكونوا عبيدًا لي. ولا يكون العبد عبدًا ما لم يعرف ربَّه بالربوبية ونفسه بالعبودية، ولا بد أن يعرف نفسه وربه. فهذا هو المقصد الأقصى ببعثة الأنبياء، ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا، وهو المعني بقوله ﷺ : "الدنيا مزرعة الآخرة"، فصار حفظُ الدنيا مقصودًا تابعًا للدين؛ لأنه وسيلة إليه. والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان: النفوس والأموال، فكل ما يسد بابَ معرفة الله فهو أكبر الكبائر، ويليه ما يسد حياةَ النفوس، ويليه بابُ ما يسد التي بها حياة النفوس، ويليه باب ما يسد المعايش التي بها حياة الناس. فهذه ثلاث مراتب، [فحفظ المعرفة على القلوب، والحياة على الأبدان، والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يُتصور أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أن الله تعالَى يبعث نبيًّا يريد ببعثه إصلاحَ الخلق في دينهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله، أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك الأموال] ". (١)

стр. 207

وهو الضابطُ الذي لا يشذُّ عنه فردٌ عند إعمال النظر، ومراعاة تلك المقاصد، ومعرفة ما يوجب الإخلالَ بها من غيره الذي هو مناطُ أنظار الجهابذة النقاد. ولا مِريةَ في تطرق الخلاف إلى بعض منها؛ فإن ذلك شأن الاجتهاديات المشروعة رحمةً للأمة. وبهذا البيان الذي هو من غزل أبي حامد الرقيق، اتجه كلامُ الشهاب، واندفع عنه ذلك الإشكال. ومَنْ كان ذا نباهة وتفطن وغُذِّيَ بلبان التحرير يتيقن أن ذلك الضابط لحجة الإسلام مستنبَطٌ من جملة حديث المجلس. (١) فإن مضمونَ الجملة الأولَى القيامُ بحق الربوبية وواجب العبودية الذي هو المقصدُ الأول من التشريع كما قرره، ومضمونُ الجملة الثانية إفادةُ كيفية جبر ما تقتضيه البشريةُ غير المعصومة من بعض الخلل في القيام بواجب الأولى، فهما جملتان لتحقيق القيام بالواجب الأول أصالةً وجبرا. وبقي القيامُ بالواجبِ الثاني المتعلِّق بالحياة الدنيا، وإليه الإشارةُ بقوله ﷺ : "وخالِقِ الناسَ بِخُلُقٍ حسن". خالق الناس: عاشرْهم بالخلق الحسن، كذا في القاموس، وعليه فذكرُ المتعلَّق لزيادة البيان والإيضاح. والناس عام للمؤمن والكافر، فإن للكافر حقوقًا في المعاملات معروفةً في الشرع بسطها الشهابُ القرافي في الفرق التاسع عشر والمائة من قواعده. وخلاصتُها منعُ الموالاة والتودد بالمودة، ومنع كلِّ ما يفضي إلى إظهار سلطانه على المسلمين وتعظيم رتبته عليهم. أما برُّهم بغير ذلك: من الرفق بهم، ولين القول لهم من غير مذلة، وكل حق يحسن من الأعلى مع الأسفل أن يفعله ومن العدو مع عدوه إذا قصد مكارمَ الأخلاق، فهذا لا مانعَ فيه، بل هو من المطلوب، كما دلت عليه نصوصُ الشريعة. وكفى بقوله تعالى:

стр. 208

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. (انتهى ملخَّصُ كلام الشهاب). (١) وفي الجامع الصغير من طرق عديدة: "إذا أتاكم كريمُ قوم فأكرموه"، وفي شرحه للمناوي تعميمُ الحكم في الكافر والفاسق إذا كان كريمَ قومه، مستدلًّا على ذلك بعنوان الحديث والعدول عن عنوان العلم أو الدين، وبأن معاملته بغير ما آتاه الله من الرتبة ابتلاءً منه يَجُرُّ إلى مفاسد منهي عنها. قال: "وغلط في هذا الباب كثيرٌ غفلةً عن تدبير الله في خلقه، وجمودًا على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]، وما دَرَوْا أن السنة شرحت ذلك وبينته أحسنَ بيان، فموضعُ طلبِ إهانة الكافر والفاسق الأمنُ من حصول مفسدة ذلك، وقد كان ﷺ يتواضع لأكابر كفار قريش ويكرمهم ويرفع منزلتهم". (٢) وههنا بحثٌ من تتمة هذا يجب التنبهُ له، وهو ما حدث في معاشرة الناس ومكارمتهم من الآداب المستحدثة. فربما أنكر ذلك مَنْ لا تضلعَ له في أصول الشريعة بسبب أنها لم تكن في زمنه ﷺ ولا في زمن السلف الصالح بعده، ويراها لذلك بدعةً مذمومةً لما فيها من مخالفة السلف. وتحرير ذلك ما ذكره الشهاب في الفرق التاسع والستين والمائتين من قواعده حيث قال: "اعلم أن الذي يباح من إكرام الناس قسمان: القسم الأول: ما وردت به نصوصُ الشريعة من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وتشميت العاطس، والمصافحة عند اللقاء. . . وغير ذلك مما هو مبسوطٌ في كتب الفقه. القسم الثاني: ما لم يرد في النصوص ولا كان في السلف؛ لأنه لم تكن أسبابُ اعتباره موجودةً حينئذ وتجددت في عصرنا، فتعين فعلُه لتجدد أسبابه لا لأنه شرعٌ مستأنَف. بل عُلم من

стр. 209

القواعد الشرعية أن هذه الأسباب لو وُجدت في زمن الصحابة رضوان الله عليهم، لكانت هذه المسببات من فعلهم وصنعهم، وتأخر الحكم لتأخر سببه ووقوعه عند وقوع سببه لا يقتضي ذلك تجديدَ شرع ولا عدمه. . . وهذا القسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له، والمخاطبة بجمال الدين ونور الدين وغير ذلك من النعوت (المؤذنة بالرفعة). . . والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس العالي والسامي والجناب (المرفع) ونحو ذلك من الأوصاف. . . فهذا كلُّه ونحوه من الأمور العادية لم تكن في السلف، ونحن اليوم نفعله في المكارمات والمودات، وهو جائز مأمور به مع كونه بدعة. ولقد حضرت يومًا عند الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀، وكان من أعيان العلماء وأولي الجد في الدين، والقيام بمصالح المسلمين خاصة وعامة، والثبات على الكتاب والسنة، غير مكترث بالملوك فضلًا عن غيرهم، لا تأخذه في الله لومةُ لائم فقدمت إليه فتيا فيها: ما تقول السادة أئمة الدين وفقهم الله تعالى في القيام الذي أحدثه أهلُ زماننا مع أنه لم يكن في السلف، هل يجوز أم لا يجوز ويحرم؟ فكتب ﵁ إليه في الفتيا: قال رسول الله ﷺ : "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا - عباد الله - إخوانًا". (١) وترك القيام في هذا الوقت يُفضي للمقاطعة والمدابرة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيدًا. هذا نصُّ ما كتب من غير زيادة ولا نقصان". ثم قال الشهاب: "فعلى هذا القانون يجري هذا القسم، بشرط أن لا يُبيح محرمًا ولا يترك واجبًا، فلو كان الملكُ لا يرضى منه إلا بشرب الخمر أو غيره من المعاصي، لم يحل لنا

стр. 210

أن نواده بذلك، وكذلك غيره من الناس، "ولا طاعة في معصية الخالق"". (١) والْخُلُق - بضمتين - هو في الأصل مَلَكَةٌ نفسية تصدر عنها الأفعالُ بسهولة، فإذا صدرت عنها الأفعالُ الحميدة فهي الخلق الحسن، وإلا فضدُّ ذلك. ثم إن هذه الملكة لَمَّا كانت هيئةً للنفس لا يتعلق بها التكليفُ لذاتها، إذ ليست من الفعل في شيء. نعم! يتعلق التكليفُ بالأسباب المحصِّلة لها، الراجعة إلى التبصر، وحمل النفس على تحمل الضيم، ومكابدة الأذى، والعفو، وغير ذلك. فبتمرن النفس على الصفات الجميلة والآداب الممدوحة وبتعودها ذلك تحصل تلك الملكة، فتنشأ عنها تلك الصفاتُ بعد بسهولة بعد أن كانت شاقة في تحصيلها، ويرجع السببُ مُسَبَّبًا، وهو مناطُ التكليف والمدح والذم. وبما بَيَّنَّا عُلِم أن الْخُلُقَ الحسن الذي هو مناطُ المدح والثناء مكتَسَبٌ من رياضة النفس والتأديب، ومن ثم كان خلقُه ﷺ أشرفَ خلق حسن، كما شهد له بذلك الله تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، حيث كان تأديبه إلهيًّا ورياضته قرآنية، كما قالت الصديقة بنت الصديق ﵄: "كان خلقه القرآن". (٢) قال الإمام السهروردي في عوارف المعارف: "وفي كلامها ﵂ سرٌّ غامض؛ وذلك أن النفوسَ البشرية مجبولةٌ على طباع غضبية وبهيمية وسبعية. والله بعظيم عنايته نزع حظَّ الشيطان منه الذي هو شر الأولى فبقيت نفسه الزكية مبقاةً فيه أمهاتُ تلك الصفات فتتنزل الآيات لقمعها عند تحركها واضطرابها تأديبًا له ﷺ ، وهو قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. فعند كل اضطراب تنزل آية لمصالح سنية يسكن بها، كما وقع

стр. 211

في أحد إذ شج ﷺ فقال: "كيف يُفلح قومٌ خضبوا وجهَ نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ " فأنزل الله تعالى قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فلبس في قلبه لباس الاصطبار، ورجع بعد الاضطراب إلى القرار. فلما توزعت الآياتُ بحسب الأوقات، صفت الأخلاقُ النبوية بالقرآن". انتهى كلامه النفيس. (١) فأخلاقُه ﷺ ربانيةٌ بالتأديب الرباني والعناية الأحدية، لا برياضة نفسانية وتكسُّب طبيعي كما يكون لغيره. ولذلك لا يُدْرَكُ شَأْوُ خُلُقِهِ ﷺ ، فافْهَمْه. وفي المفهم: "الخلق المحمود إجمالًا أن تكونَ مع غيرك على نفسك فتنصف منها ولا تنتصف لها، وتفصيلًا العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، ولين الجانب، وتحمل الأذى". (٢) وجماع ذلك في قوله جل اسمه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].

стр. 212

والْخُلُقُ الحْسنُ محمودٌ في كل أمة، يشهد لذلك قولُه ﷺ : "إنما بُعثتُ لأتمم مكارمَ الأخلاق"، (١) إنه صريحٌ في سبقيتها في الأمم السابقة، غير أن الشريعة المطهرة جمعت ما تفرق منها وأحكمته على وجهٍ لا مطمعَ فيه من غيرها. ولقد كانت الأمةُ الأمية من العرب يتسابقون إلى نيل تلك الصفات، ويناضلون عنها، وكفى أحدَهم شرفًا أن يُعَدَّ من أصحاب تلك الخلال، حتى قال السموأل بن عاديا (٢) حكيم شعرائهم:

стр. 213

إِذَا المَرْءُ لَم يَدْنَسْ مِنَ اللُّؤْمِ عِرْضُهُ ... فَكُلُّ رِدَاءٍ يَرْتَدِيهِ جَمِيلُ وَإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا ... فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ (١) ومن كلام حكماء اليونان قولُ سقراط الحكيم: " [رأس] الحكمة حسن الخلق". (٢) وقال أرسطو: "بلين الكلام تدوم المودةُ في الصدور، وبخفض الجناح

стр. 214

تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيشُ ويكمل السرور". (١) وكتب إلى الإسكندر: "الأراذل ينقادون بالخوف، والأخيار بالحياء، فاستعمل في الأولَى البطشَ وفي الثانية الإحسان. ولْيكنْ غضبُك لا شديدًا ولا ضعيفًا؛ فإن ذلك من أخلاق السباع، وهذا من أخلاق الصبيان. وإذا أعطاك الله ما تُحبه من الظَّفَر، فافعلْ ما أحب الله من العفو". (٢) واعلمْ أن مدارَ اعتبار تمام الصفات أن تكون منبعثةً من صفاء الباطن وإخلاص الطوية، كما يقتضيه اعتبارُ الملكة فيها. أما إذا كانت بحسب الظاهر فقط، فهو التخلق المذموم، وإياه يعني من يقول: يَا أَيُّهَا المُتَحَلِّي غَيْرَ شيمَتِهِ ... إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الْخُلُقُ (٣)

стр. 215

وقال محمد بن هانئ مادحًا: غَنِيٌّ بِمَا فِي الطَّبْعِ عَنْ مُسْتَفَادِهِ ... لَهُ كَرَمُ الأَخْلَاقِ دُونَ التَّكَرُّمِ (١) وعنوانُ الحقيقة ظهورُ السرور والبشر عند التلبس بتلك الصفات؛ فإن الظواهرَ عنوانُ البواطن. ومن هنا لمَّا سئل سَلّام بن أبي مطيع (٢) عن حسن الخلق أنشأ يقول: تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا ... كَأَنَّك تُعْطِيهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ (٣) فلم يعتبر الإحسانَ من حسن الخلق إلا مع التهلل والبشرى الدالين على طيب الباطن. وقد أجاد ابنُ الرومي مفصِحًا بطريقة سَلّام (٤) مع بيان الدليل، فقال:
следующие страницы →