← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وكان بشارٌ مولًى لبني عُقيل بن كعب من بني عامر، وقع أبوه بُرد في الفَيْء في سبي المهلب من أعجام ما وراء النهر في حدود سنة ٨٠ هـ, وأصله من طخرستان (١)، فصار عبدًا لخِيرَةَ القُشَيرية زوج المهلب بن أبي صُفرة، ثم وهبتْه مولاته خيرةُ لامرأة من بني عُقيل، وتزوج عند امرأة المهلب. وكان برد طيَّانًا (٢) حاذقًا، وُلد له بشار وهو عند العُقيلية، وأعتقت العقيلية بشارًا بعد موت أبيه، فصار مولى عُقيل، ولذلك كان أئمةُ الأدب يلقبونه ببشار العقيلي (٣). وقد قال في شعره: إِنَّنِي مِنْ بَنِي عُقَيْلِ بنِ كَعْبٍ ... مَوْضِعَ السَّيْفِ مِنْ طُلَى الأَعْنَاقِ (٤) وقال: وَقَامَتْ عُقَيْلٌ مِنْ وَرَائِيَ بِالقَنَا ... حِفَاظًا وَعَاقَدْتُ الهُمَامَ المُحَجَّبَا (٥) وفي البيان للجاحظ عن حمّاد عَجْرَد (٦) أنه كان يقول: إن بشارًا مولى لبني سَدُوس، وكان مولى امرأة منهم يقال لها: أم ظِباء (٧). والتحقيق أن بشارًا كان ينزل

стр. 1507

في بني سدوس كما في أمالي الشريف المرتضى، وليس مولًى لهم (١). وكيف يكون مولاهم، وقد افتخر على أبي المنذر جرير السدوسي بقوله: أَمِثلُ بني مُضَرٍ وائِلٌ ... فَدَيْتُكَ مِنْ فَاخِرٍ ما أَجَنْ؟ (٢) وربَّما انتسب بشارٌ إلى ولاء قَيس عَيلان، وقد افتخر بهم وبمواقعهم، وأدخل نفسَه فيهم في قصيدته التي طالعها: "جفا ودّه فازورَّ أو مَلَّ صاحبُهْ". (٣) وفي قوله مع قيس: وَمَا نَلْقَاهُمُ إِلَّا صَدَرْنَا ... بِرِيٍّ مِنْهُمُ وَهُمُ حِرَارُ (٤) وأما انتماؤه إلى بني عامر فكثيرٌ في كلامه، وقد قال: نَمَتْ فِي الكِرَامِ بَنِي عَامِرٍ ... فُرُوعِي وَأَصْلِي قُرَيْشُ العَجَمْ (٥) قال الصفدي في شرح رسالة ابن زيدون: "كان بشار يتلوّن في ولائه؛ فتارة يدعي لقيس، وتارة يدعي لغيرهم". (٦) وإن الذي يسمع بشارًا ينتسب إلى عُقيل

стр. 1508

ابن كعب، وإلى بني عامر، وإلى قَيس عَيلان، يظن ذلك تلونًا. والحق أن ذلك ليس من التلون في ولائه؛ لأن بني عُقيل بن كعب هم من بني عامر بن صعْصعة، وبنو عامر بن صعصعة هم من قبائل قيس عَيلان بن مضر، إذ عُقيلٌ هو ابن كعب بن ربيعة بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصْفَة بن قيس عَيلان، ويقال: قيس بن عيلان ابن مضر. فما قاله الصفدي قصورٌ في تقصي أنساب العرب. اسمه وكنيته ولقبه: صرح بشار باسمه في موضعين فيما بين أيدينا من شعره: الأول قولُه في ورقة ٢٥٦: "ليس ابن نِهيا من رجال بشار" (١)، والثاني قولُه (في الملحقات): إِذَا أَنْشَدَ حَمادٌ ... فَقُلْ أَحْسَنَ بَشَّارُ (٢)

стр. 1509

وكان بشار يُكَنَّى أبا معاذ، وكان يُلقَّب بالمرعَّث (بفتح العين المشددة)، والرَّعَث (بالتحريك) الاسترسال والتساقط، أو هو مشتق من رَعْثَة الديك وهي اللحمة الحمراء المتدلية على حنك الديك. وقيل: لُقِّب بذلك بسبب وقوع هذه الكلمة في شعره، إذ يقول: قَالَ رِيمٌ مُرَعَّثٌ ... سَاحِرُ الطَّرْفِ وَالنَّظَرْ لَسْتَ وَالله نَائِلي ... قُلْتُ أَو يَغْلِبَ القَدَرْ (١) فيكون من جملة الشعراء الذين لُقبوا بكلمات وقعت في أشعارهم. وقيل: لأنه حين كان صغيرًا كان في أذنيه قُرطان، والقُرط يسمى الرَّعثَة. وقيل لأنه كان لقميصه جَيْبانِ يمينًا وشمالًا، فشُبِّهت تلك الجيوبُ بالرَّعثة (٢)، يدل لهذا قولُه في ورقة ١٤٨: لمَّا رَأَتْ لمْحَةً مِنِّي مُرَعَّثَةً ... خُضْرًا وَحُمْرًا وَصُفْرًا بَيْنَهَا جُدَدَا قَالَتْ لِتِرْبٍ لَهَا كَانَتْ مُوَطَّنَةً ... جَاءَ المُرَعَّثُ فَاثْنِي عِنْدَكِ الوُسُدَا (٣)

стр. 1510

وقد لقب نفسه بالمرعَّث في هذا البيت في الديوان، وفي قوله المشهور: أَنَا المُرَعَّثُ لَا أَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... ذَرَّتْ بِيَ الشَّمْسُ لِلْقَاصِي وَلِلدَّانِي (١) وفي قوله في ورقة ٤١: حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ بَيْنَهُمُ: ... شَغَفُ "المُرَعَّثِ" دَاخِلُ الحُبِّ (٢) وقوله في ورقة ١٣٢: فُتِنَ المُرَعَّثُ بَعْدَ طُولِ تَصَاحِ ... وَصَبَا وَمَلَّ مَقَالَةَ النُّصَّاحِ (٣) والأقرب أنه يلقب به؛ لأنه كان في أذنه رعثة. وذلك يكون لأحد سببين: أحدهما أن بعض النساء يجعل قرطًا للولد الذكر يزعمون أن ذلك يطيل حياتَه فتفعله المِقلاتُ (٤) ليعيش ولدُها، فلعلَّ أمَّه كانت ثكِلت أولادًا قبله. والسببُ الثاني

стр. 1511

أن الفُرس كان من عادتهم ثقبُ أذن المملوك النفيس، ووضع قُرط ذهب في أذنه، ولذلك يُلقَّب المماليك عندهم بمثقوبي الآذان، كما جاء في بعض فقرات السعدي في كتاب "جلستان" (١). وفي هذا المعنى قول عمر ابن الوردي (٢): مَرَّ بِنَا مُقَرَّطٌ ... وَوَجْهُهُ يَحْكِي القَمَرْ قُلْتُ: أَبُو لُؤْلُؤَةَ ... مِنْهُ خُذُوا ثَأْرَ عُمَرْ (٣)

стр. 1512

فلعل هذه العادة نقلت في العرب، فعمل بها موالي بشار في أذن بشار. أهل بشار: أم بشار رومية كانت أمَة لرجل في الأَزد، زوجتها بردًا مولاتُه خيرةُ القُشيرية، وقد قال بشار: وَقيْصَرٌ خَالي إِذَا ... عَدَدْتُ يَوْمًا نَسَبِي (١) قيل: إن مولَى أم بشار الأزديَّ لَمَّا ولدت بشارًا أمُّه أعطاها الأزديُّ في صداقٍ ساقه لامرأة من بني عُقيل تزوجها الأزدي، فأعتقت العقيليةُ بشارًا لكونه أعمى (٢). ووقع في هجاء هجاه به حمادٌ في الأغاني ما يدل على أن اسم أمِّ بشار غزالة (٣). وكان

стр. 1513

له أخوان، يسمى أحدهما بِشْرًا، والآخر بُشيرًا، وكانا قصَّابَين، وكان بشار بارًّا بهما (١). والذي حققه الجاحظ في "البيان والتبيين" أنهما أخواه لأمه، لا لأبيه (٢). وذكر الجاحظ في "كتاب الحيوان" أن أخويه أحدُهما حنفيٌّ والآخر سَدوسي، وبشارًا عُقيلي، أي: بالولاء جميعهم، وذكر كلامًا لأخيه بِشر يؤذن بأنه كان عربِيَّ الفصاحة (٣). قلت: وقد مدح بشارٌ أحدَ أخويه بقصيدة، وذكر فيها أنه كفاه عن التكسب بالشعر والتعرض للملوك (٤). قالوا: وكان أخوا بشار مَئُوفَين (٥) أيضًا: أحدُهما أعرج، والآخر ناقص اليد. وقد قال حماد عجرد في بشار وأخويه: لَقَدْ وَلَدَتْ أمُّ الأُكَيْمِهِ أَعْرَجًا ... وآخَرَ مَقْطُوعَ القَفَا نَاقِصَ العَضُدْ (٦) وقال صفوان الأنصاري يخاطب أمَّ بشار: وَلَدْتِ خُلْدًا وَذَيْخًا فِي تشتُّمِهِ ... وَبَعْدَهُ خُزَزًا يَشْتَدُّ فِي العَضُدْ

стр. 1514

ثَلَاثَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ فُرِّقُوا فِرَقًا ... فَاعْرِفْ بِذَلِكَ عِرْقَ الخَالِ مِنْ وَلَدْ (١) وزوجةُ بشار اسْمُها أُمامة، كذا وقع في شعرٍ هجاه به حماد عجرد في ترجمة حماد من الأغاني (٢). وولد لبشار ابنٌ اسمه محمد توفِّي صغيرًا، وجزِع عليه جزعًا شديدًا، ورثاه بقصيدة في ورقة ٥٥ (٣). ويظهر أن بشارًا لم يترك عقبًا، أو انقطع عقبُه قريبًا من وفاته؛ لأن طاهر بن الحسين لما دخل العراق سأل: "هل بقي من ولد بشار أحد؟ فقالوا (له): لا"، وكان همَّ أن يصِلَهم (٤). ووُلدت له بنت، وماتت فرثاها (٥).

стр. 1515

وقالوا في صفة جنازته: إنها لم يسر وراءها "أحد إلا أمة له سوداء سندية". (١) وفي الموشح للمرزباني في ترجمة العباس بن الأحنف عن عمر بن شَبَّة قال: "رآني محمد بن بشار بن برد، وأنا أكتب شعرَ العباس بن الأحنف (٢)، وكنت أقرأ عليه شعر أبيه، فقال: والله لا أقرأتك شعرَ أبِي وأنت تكتب هذا" (٣). فدل على أنه كان له ولدٌ عاش بعده، فلعله تركه صغيرًا وشب، ثم مات ولم يخلف عقبًا؛ لأن العباس بن الأحنف نشأ بعد بشار. مولده ونشأته ووفاته: ولد بشار بالبصرة، وكان مولده سنة ست وتسعين تقريبًا. ونشأ بالبصرة واشتهر شعرُه فيها، وسكن حرّانَ مدة. وتنقل في البلاد مدة، ثم رجع إلى البصرة،

стр. 1516

كما سيأتي، ثم سكن بغداد. وتوُفِّيَ في بغداد سنة سبع، وقيل: ثمان وستين ومائة، على ما حققه الخطيب في تاريخ بغداد (١). وقيل: سنة ست وستين ومائة؛ قاله ابن الأثير في الكامل، ولا يصح (٢). وشاخ حتى ابيضَّ رأسُه ولحيته، قيل: نيف على التسعين (بتقديم التاء) وقيل على السبعين (بتقديم السين)، والأول تحريف من قلم الناسخ. ثم لا شك أن بشارًا حين تُوُفِّيَ تجاوز السبعين، يشهد لذلك قولُه في قصيدته التي طالعها: "أبَاهلَ إنِّي للحروب عدَادُ"، وهي في هجاء أبي هشام الباهلي، فقال فيها: وَحَسْبُكَ أَنِّي مُنْذُ سِتِّين حِجَّةٍ ... أَكِيدُ عَفَاريتَ العِدَا وأُكَادُ (٣) فلا شك أن يكون ابتداء كيده بعد بلوغ عشر سنين. ومهاجاته لأبي هشام الباهلي كانت في عصر المهدي العباسي، كما يدل عليه قولُه في قصيدته التي هجا بها أبا هشام الباهلي التي طالعها: "أباهلَ إنِّي حِينَ لَاحَ قَتِيرِي"؛ إذ يقول في إعراضه عن فُحش القول: فَقُلْتُ مَعَاذَ الله لَسْتُ بِفَاعِلٍ ... نَهَانِي أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ أَمِيرِي (٤) ومعروفٌ أن الذي نهاه هو المهدي. ومما يزيد تحديدَ عمر بشار ضبطًا أنه مدحَ المهدي سنة ثلاث من خلافته - أعني سنة إحدى ومائة - بالقصيدة التي قال فيها (على رواية الأغاني): وأَخْرَجَنِي مِنْ وِزْرِ خَمْسِينَ حِجَّةٍ ... فَتًى هَاشِمِيٌّ يَقْشَعِرُّ مِنَ الوِزْرِ (٥)

стр. 1517

ولا شكَّ أنه يعتبر في الوزر من وقت تكليفه وبلوغه مبلغَ الرجال، فنأخذ خمسًا وستين سنة من قبل سنة ١٦١ هـ، فيكون مولد بشار سنة ست وتسعين أو خمس وتسعين أو سبع وتسعين، وسنذكر سببَ وفاته، وصفةَ قتله. صفته: كان بشارٌ ضخمًا، عظيم الخَلق، مفرط الطول، عظيم الوجه، أعمى، أكمه، جاحظ العينين قد تغشاهما لحمٌ أحمر، فكان قبيحَ العمى مجدورَ الوجه. وقد ضُرب المثلُ بقباحة عينه، فقالوا: "كعين بشار بن برد"، ذكره الثعالبي في ثمار القلوب، قال: "وفي عين بشار يقول مخلد بن علي السلامي، وهو يهجو إبراهيم بن المدَبِّر ويدعو عليه: رأَيْتُك لا تُحب الودَّ إلا ... إذا ما كان مِنْ عصَب وجِلْدِ أرانِي اللهُ وجهَكَ جَاحِظِيًّا ... وعَيْنَكَ عَيْنَ بَشَّار بنِ بُرْدِ (١) وكان قد ولد أعمى، فهو أكمه. وفي ذلك قال: عَمِيتُ جَنِينًا وَالذَّكَاءُ مِنَ العَمَى ... فَجِئْتُ عَجِيبَ الظَّنِّ لِلْعِلْمِ مَوْئِلَا وَغَاضَ ضِيَاءُ العَيْنِ لِلْعِلْمِ رَافِدًا ... لِقَلْبٍ إِذَا مَا ضَيَّعَ النَّاسُ حَصَّلَا (٢)

стр. 1518

وكان إذا أراد أن يُنشد شعرًا صفق بيديه، وتنحنح وبصق عن يمينه وعن شماله، ثم ينشد. قال الجرجاني في كتاب "الكنايات" عن أبي عبيدة: "كان بشار إذا أراد الشعر نفث" (١)، وقال أُبان بن عبد الحميد: "حضرتُ بشارًا يومًا في دهليزه كأنه جبل نفخ فيه الروح" (٢). ووصف بشارٌ لِحيةَ نفسه، فقال على لسان جارية: يُلْصِقُ بِي لِحْيَةً لَهُ خَشُنَتْ ... ذَاتَ سَوَادٍ كَأَنَّهَا الإِبَرُ (٣)

стр. 1519

عمى بشار: بشار في عداد شعراءَ كثيرين أُصيبوا بالعمى، وأولُ شعراء التاريخ في العميان الشاعر اليوناني هوميروس صاحب أناشيد الإلياذة والأوديسة. ومن الشعراء العميان في الجاهلية معن بن أوس. ومن الشعراء العميان في الإسلام حسان بن ثابت، وأبو العباس الأعمى السائب المكي، وصالح بن عبد القدوس، وأبو العَيْنَاءِ محمد بن قاسم، والمؤَمَّل، وأبو العلاء المعري، وابن العلّاف الحسن النَّهْرواني، والرَّقِّي أبو شَبَانَة (١) ربيعة بن ثابت، وسعادة الحمصي واسمه سعيد، وسليمان بن مسلم بن الوليد ابن صريع الغواني، وقال الجاحظ في كتاب الحيوان: "وكان أخا مسلم بن الوليد الأنصاري" (٢)، وابن الموصلايا العلاء بن الحسن البغدادي (٣)، وموفق الدين مظفر المصري، وسبط التعاويذي محمد، والعَكوَّك علي بن جبلة، وأبو الزهر ثابت الهجّاء، ومحمد بن خلصة النحوي الشاعر، وأبو بكر الأسْعردي محمد بن عبد العزيز، والصَّرصَري

стр. 1520

يحيى البغدادي، وهمام بن غانم (١) السعدي البغدادي، وكان مجدورَ الوجه مثل بشار، وشافع بن علي العسقلاني ثم المصري. ومن المغاربة الأُعَيني التُّطيلي أحمد الإشبيلي، وابن البقال عبد العزيز الخشَني القيرواني، ومحمد بن جابر الأندلسي، وعلي بن عبد الغني الحصري القيرواني، وابن الخواض القيرواني. وكان بشار يَعُد للعمى محاسن منها ما ذكرناه آنفًا، ويأتي بعضُها في ذكر مُلحه (٢). ومن اللطائف ما في الأغاني في ترجمة أبي زكّار الأعمى، عن حماد بن إسحاق، قال: "غَنَّى عَلَّويه يومًا بحضرة أبي، فقال أبي: مَه! هذا الصوت معروف في العمى، الشعر لبشار الأعمى، والغناء لأبي زكّار الأعمى"، وأول الصوت: "عميت أمري" (٣). ومع أن بشارًا كان أعمى، فإنه لم يكن يأتِي في شعره بما يناسب العمى، فإذا قرأتَ شعرَه لم تشعر بأنه أعمى، وذلك من فرط دقة علمه ووصفه للأشياء، إلا قوله في ورقة ١٧٨:

стр. 1521

فَأَتَيْتُهُنَّ مَعَ الجَرِيِّ يَقُودُنِي ... طَرِبًا وَيَا لَكَ قَائِدًا وَمَقُودَا (١) لباسه: كان يلبس قميصًا وجبة، ويجعل لهما جُرُبّانَين في وجه الصدر النحر، أي جيبين، ويجعل الجيبين واسعين، ويجعل للجيبين لِبْنَتَين، أي: رقعتين من القماش واللون (٢)، ويشد اللبنتين بأزرار، فإذا أراد أن ينزع القميص أو الجبة أطلق الأزرار، فيسقط القميص أو الجبة على الأرض، ولا ينزع قميصه من جهة رأسه قط، كذا في البيان للجاحظ (٣). قال في الأغاني: "وكان لبشار أخوان [يقال لأحدهما: بِشر، وللآخر: بُشير، وكانا قصابَيْن]، وكان بارًّا بهما"، "وكان إخوته يستعيرون ثيابه فيوسخونها وينتنون ريحها، فاتخذ قميصًا له جيبان وحلف ألَّا يعيرهم ثوبًا من ثيابه، فكانوا يأخذونها بغير إذنه، فإذا دعا بثوبه فلبسه فأنكر رائحته، فيقول إذا وجد رائحة كريهة من ثوبه: أينما أَتَوَجَّهْ أَلْقَ سَعْدًا. فإذا أعياه الأمر، خرج إلى الناس في تلك الثياب على نَتْنها ووسَخها، فيقال له: ما هذا يا أبا معاذ؟ فيقول: هذه ثمرة صلةِ الرحم! " (٤) خلق بشار: كان بشارٌ سيِّئَ الخلق، سريعَ الغضب، سريعَ الهجاء، متجاهرًا بالسكر، مفتخرًا بالزنَى، وكان من خلقه محبة اللذات والتنعم. وقد عرفه الناس بذلك، ولذلك قال في ورقة ١٨٢:

стр. 1522

لَيْسَ النَّعِيمُ وَإِنْ كُنَّا نُزَنّ بِهِ ... إِلَّا نَعِيمَ سُهَيْلٍ ثُمَّ حمَّادِ (١) [وكان] قويّ الرد على من خالفه، كثير المحادثة، كثير فلتات اللسان. وكان بذيء اللسان، شديد الأذى. قال الخطيب في "تاريخ بغداد" عن أبي عبيدة: "كان بشار يقول الشعر وهو صغير، وكان لا يزال قومٌ يشكونه إلى أبيه، فيضربه، حتى رقّ عليه من كثرة ما يضربه". (٢) ويظهر من أخباره الآتية أنه كان شجاع القلب، قليل الاكتراث بالمخاطر، قويًّا في الثبات على رأيه، وكان نزَّاعًا إلى العصيان والثورة. قال في الأغاني: كان يُفسد مواليَ العرب عليهم، ويدعوهم إلى الانتفاء منهم، ويرغبهم في الرجوع إلى أصولهم وتركِ الولاء. وقد ذكروا من شعره قولَه يريد نفسه، أو يخاطب بعضَ الموالي: أَصْبَحْتَ مَوْلَى ذِي الجَلَالِ وَبَعْضُهُمْ ... مَوْلَى العُرَيْبِ فُجُدْ بِفَضْلِكَ وَافْخَرِ [مَوْلَاكَ أَكْرمُ مِنْ تَمِيمٍ كُلِّهَا ... أَهْلِ الفَعَالِ وَمِنْ قُرَيْشِ المَعْشَرِ] فَارْجِعْ إِلَى مَوْلَاكَ غَيْرَ مُدَافَعٍ ... سُبْحَانَ مَوْلَاكَ الأَجَلِّ الأَكْبَرِ (٣)

стр. 1523

بداهة جوابه وملحه: جلس يومًا عند المهدي أمير المؤمنين ومعه أبو دُلامة، فافتخر بشار بحب النساء إياه، فقال أبو دُلامة: "كلا! لوجهُك أقبحُ من ذلك ووجهي مع وجهك"، فقال بشار: "كلا! والله ما رأيتُ رجلًا أصدقَ على نفسِه وأكذبَ على جليسه منك". (١) وحضر يومًا في دار المهدي، "والناس ينتظرون الإِذْن، فقال المُعَلّى بن طريف أحدُ موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في معنى النَّحْل من قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: ٦٨]، فقال بشار: النحل التي يعرفها الناس، قال: هيهات يا أبا معاذ، النحلُ: بنو هاشم، وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، يعني العلم، فقال بشار: أرانِي الله طعامَك وشرابَك وشفاءك فيما يخرج من بطون بني هاشم، فقد أوسعتَنا غَثَاثَة، [فغضب وشتم بشار]. وبلغ المهديَّ الخبرُ فدعا بهما [فسألهما عن القصة]، فحدثه بشارٌ بها، فضحك (المهدي) حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: أجَلْ! فجعل الله طعامَك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فإنك باردٌ غَثّ". (٢)

стр. 1524

ومدح المهدي بقصيدة فلم يُجزه، فقيل له: "إنه لم يستجد شعرك، فقال: والله لقد قلتُ شعرًا لو قيل في الدهر لم يُخْشَ صَرْفُه على أحد، ولكنا نكذِبُ في القول فنُكذَبُ في الأمل". (١) وقال له أبان بن عبد الحميد: "يا أبا معاذ، أنت القائل: إِنَّ فِي بُرْدَيَّ جِسْمًا نَاحِلًا ... لَوْ تَوَكَّأْتِ عَلَيْهِ لانْهَدَمْ (٢) وأنت القائل: فِي حُلّتي جِسْمُ فَتًى نَاحِلٍ ... لَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ بِهِ طَاحَا قال: نعم، قال: فما حملك على هذا الكذب؟ والله إنِّي لأرى لو أن الله بعث الرياحَ التي أهلك بها الأممَ الخاليةَ ما حرّكتْك من موضعك! ولكنْ ما سلب الله سراجَيْ أحدٍ إلا عوّضه الله منهما ذكاء قلب أو شجا صوت، فما الذي عوضك الله منهما؟ فقال بشار: عدم النظر إلى ابن فاعلة مثلك منذ أربعين سنة! " (٣)

стр. 1525

وكان بشارٌ يعطي أبا الشَّمَقْمَق (١) الشاعر مائتي درهم كلَّ سنة، فقال له أبو الشمقمق في بعض السنوات: أين الجِزْية؟ فقال: أَوَ جزية هي؟ قال: نعم، قال بشار: أنت أفصحُ مني وأعلم بمثالب الناس؟ قال: لا، فلِمَ أُعْطِيك؟ قال: لئلا أهْجُوَك، قال: إن هجوتني هجوتُك، فقال أبو الشَّمَقْمَق: إنِّي إِذَا مَا شَاعِرٌ هَجَانِيَهْ ... وَلَجَّ فِي القَوْلِ لَهُ لِسَانِيَهْ أَدْخَلْتُهُ فِي أَسْتِ أُمِّهِ عَلَانِيَهْ ... بَشَّارُ يَا بَشَّارُ. . . . فوثب بشارٌ ووضع يده على فم أبي الشَّمَقْمَق، ولم يتركه ينطق ببقية البيت؛ لأنه علم أنه سيقول: "يا ابن الزانية" (٢). واستصنع بشارٌ قباء عند خياطٍ أعور، فلما أتاه به قال الخياط: "يا أبا معاذ هذا القباء لا تدري: أقباء هو أم دُوَاج؟ فقال بشار: لأقولنّ فيك بيتًا لا يدري سامعُه ألك دعوتُ أم عليك؟ وقال: خَاطَ لِي عمرٌو قَبَا ... لَيْتَ عَينيهِ سَوَا قُلْتُ بَيْتًا لَيْسَ يُدْرَى ... أَمَدِيحٌ أَمْ هِجَا؟ " (٣) وإن التعمق في اكتناه خُلق بشار يُنبئ بأنه كان مضطربَ النزعة، جاريًا وراء ظِلال الدول والمذاهب، لا قرارَ له في شيء من ذلك، سعيًا وراء منفعته ووجاهته. ولم يكن ذلك بالذي يهز المتقلدين للشوكة والدولة، لعلمهم بأنه ليس مِمَّنْ يُخشى

стр. 1526

انْحرافُه ولا مِمَّنْ تَنفعُ عصبيتُه، وما هو إلا شعره يُسيِّر به حسن سمعة الممدوح. وذلك مما يكتفي به القائم بالدولة؛ لأن تأثيرَ الأقوال تأثير وقتي يحصل منه المقصود في وقت صدوره، فقد كان بشار من أنصار الدولة الأموية، وله مدائح في مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين، ثم مدح خلفاء الأمويين، ثم مدح خلفاء العباسيين وعرّض بالأمويين. قالوا: لَمَّا ثار إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن عليّ علَى المنصور مدحه بشار بقصيدة هجا فيها أبا جعفر المنصور، وهي التي طالعها: أَبَا جَعْفَرٍ مَا طُولُ عَيْشٍ بِدَائِمِ ... وَلَا سَالِمٌ عَمَّا قَلِيلٍ بِسَالِمِ فَرُمْ وَزَرًا يُنْجِيكَ يَابْنَ سُلَامَةٍ (١) ... فَلَسْتَ بِنَاجٍ مِنْ مَضِيمٍ وَضَائِمِ (٢) وقال فيها في مدح إبراهيم [أبا مسلم الخراساني]: مِنَ الفَاطِمِيِّينَ الدُّعَاةِ إِلَى الهُدَى ... جِهَارًا وَمَنْ يَهْدِيك مِثْلُ ابْنِ فَاطِمِ! (٣) فلما انتصرت جنودُ المنصور على إبراهيم في تلك السنة خاف بشار، فغَيَّر تلك القصيدة وجعلها مدحًا في المنصور وهجاء لأبي مسلم الخراساني، فصيّر أوله: "أبا

стр. 1527

جعفر" "أبا مسلم"، وصير "يابن سلامة" "يابن وشيكة" وهو اسم أم أبي مسلم، وصير قوله: "من الفاطميين" "من الهاشميين" وقوله: "مثل ابن فاطم" "مثل ابن هاشم" (١). وهكذا ذُكرت هذه القصةُ في كتب الأدب، وهي لا توافق تاريخ ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن ومقتل أبي مسلم، فإن أبا مسلم قتل سنة ١٣٧ هـ وظهور إبراهيم كان سنة ١٤٥ هـ بجهات البصرة. فالظاهرُ أن القصيدة وضعها حين ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وظن بشار أنه يتم له الأمر، فلما رأى اختلالَ أمره أخفاها ثم غيّرها قريبًا في نكبة أبي مسلم. مجلس بشار: كان لبشار في داره مجلسان: مجلس يجلس فيه بالغَداة يسميه "البَرَدان" (٢) ومجلس يجلس فيه بالعَشِيِّ اسمه: "الرقيق" (٣). وفي كتاب النزهة لحفيد وكيع بن خلف (٤) في الورقة ٤: حضر بشار مجلسًا فقال: "لا تجعلوا مجلسَنا هذا شعرًا كلّه، ولا غناءً كله، ولا حديثًا كله، ولكن تناهبوه، فإن العيش فرصة".

стр. 1528

اعتقاد بشار: ليس البحثُ في اعتقاد بشار شديدَ الصلة بتعريف قيمة أدبه وشعره؛ فإن لدينا من بلغاء شعراء العربية مَنْ هو مشرك، وهم معظمُ شعراء الجاهلية، ومَنْ هو مؤمن، وهم معظمُ شعراء الإسلام، ومن هو متديِّنٌ بغير الإسلام كالأخطل والسموأل، ومنهم من شرب من الصفو والكدر كلبيد وحسان، وكل هؤلاء لا نجد لاعتقادهم أثرًا في رفعة شعرهم. غير أن الناس قد عُنُوا في قرون الإسلام الأولَى بالخوض في عقائد أصحاب الشهرة ونحلهم ومذاهبهم، فأصبح هذا البحث من تكملة تراجم أولئك المشاهير. وبشار ممن أخذ بأَوفر حظ من هذا الخوض منذ القدم؛ لأن لاعتقاده أثرًا في حياته، فكان حقًّا علينا أن نتابع الباحثين من رجال الأدب، فنشفع القول ببيان عقيدة بشار ومقدار إيمانه من الصلابة. إذا أردنا استخراجَ عَقد بشار من شعره لم نجد في شعره أثرًا من الدلالة على ما يكنه اعتقاده من إيمان أو إلحاد، كما لا نجد في شعر معظم الشعراء آثارًا على عقائدهم ونحلهم. ولولا أن الشرك كان عادة من عادات العرب، انتظمت عليه أمورُهم، لمَا كان في شعر شعراء الجاهلية أثرٌ من آثار الشرك إلا نادرًا، بل إن الموجود في شعر بشار من جانب الاعتقاد هو ما يجري على عقائد المسلمين الخالصين. وبالرغم مِمَّا أُلصق بشعر بشار من أبيات مصنوعةٍ قَصَد بها أعداؤه إلحاقَ الأذى به في حياته أو تبريرَ صَنيع الذين فتكوا به في مماته، فنحن مُلْجَؤُون حين البحث عن عَقْد بشار إلى اقتناص ذلك من مجموع ما يُؤْثَرُ عنه من الأقوال والنزعات وغيرها، عَلَى ما في معظمها من الرَّيب، وأنها - وإن كانت قد أُلصقت به - لا تُشبه نظمَ شعره. كان الرميُ بالزندقة والإلحاد قد طلع قرنُه من أثناء القرن الأول الإسلامي، ثم بلغ أشده في العصر الذي عاش فيه بشار، بما عظم من المخالفات الاعتقادية

стр. 1529

والتعصبات المذهبية وقضاء الأوطار السياسية. وكان مبدأ ظهور الدولة العباسية بُوقًا نفخت فيه تُهَمُ الإلحاد زفيرها، وضربت عليه السياسةُ طبلَ نفيرها؛ إذ أراد دعاةُ العباسية أن يحلوا من قلوب الأمة محلَّ الدولة الأموية، وكانت الأموية قد أينعت محبتُها في قلوب أوليائها، وهم الجم الغفير، بما كان لخلفائها وأمرائهم من الأواصر العربية، وما شبّ في عصرهم من النهضة الأدبية، وما ملك قلوبَ عامتهم من المكارم والعطايا الذهبية. وكان ينازع العباسيين في الدعوة دُعاةُ الطالبيين، وكان الطالبيون أهلَ سخاء وتسامح، ولم يكن لدُعاة العباسية من هذه الوسائل ما هو قُرَابٌ (١) لما ارتكزت عليه الصلةُ الأموية والقرابة الطالبية، فابتكروا في إيجاد جاذبة هي أعلى وأعظم من كل ما كان يَجلب للأمويين والطالبيين قلوبَ الناس. هنالك كان ابتكار الجاذبة الدينية: من متٍّ بأقرب قُربَى إلى الرسول ﷺ ، وتظاهرٍ بتأييد الإسلام، ورَمْيِ أضدادهم بالاستخفاف بهذا الجانب. وإن أحق من يرمونه بهذه الهناة من كان من ملوك الأموية وشيعتها، كما نسبوا إلى الوليد بن يزيد من التجاهر بالمُرُوق ما لا يروج على ذي عقل حصيفٍ صدوره من خليفة المسلمين. وكان المهدي العباسي قد انبرى لتطهير مملكته من المخالفين، وشدّد التنقيبَ على الذين يُنسَبون إلى الزندقة. ولا شك أنه كان يُرائي بذلك، فإن بشارًا مدحه بقوله: يَصُبُّ دِمَاءَ الرَّاغِبِينَ عَنِ الهُدَى ... كَمَا صُبَّ مَاءُ الظَّبْيَةِ المُتَرَجْرِجُ (٢) وأحسب أن المهديَّ كان يريد الاستعانةَ بذلك على إماتة نزعة التظاهر بالعصبية الفارسية والشعوبية، فكانوا يَصِمون أبناءَ الفرس بالزندقة، ويتهمونهم بأنهم يُسرّون عقيدة دينهم الأول، ولذلك سَمَّوا الإسرار بالكفر زندقة، مشتقة من

стр. 1530

اسم الزند، وهو كتاب دين الفرس القديم كما سيأتي. وقد جاء في حوادث سنة ١٦٣ هـ أن المهديَّ لَمَّا خرج إلى غزو الروم وبلغ إلى حلب، أرسل فجمع مَنْ بتلك الناحية من الزنادقة، فقتلهم وقطّع كتبَهم بالسكاكين (١). وأقام لهذه الأعمال خطّةً يُسمَّى صاحبُها صاحب الزنادقة، وقد وَلِيَها عثمان بن نَهِيك وعمر الكَلْوَاذاني (٢)، ومحمد بن عيسى بن حمدويه، فقتل من الزنادقة خلقًا كثيرا (٣). وذكر ابن الأثير في حوادث سنة ١٦٦ هـ أن المهدي "أخذ داود بنَ رَوح بن حاتم، وإسماعيل بن مُجالد، ومحمد بن أبي أيوب المكي، ومحمد بن طيفور في الزندقة، فاستتابهم وخلى سبيلهم، وبعث داود إلى أبيه وهو بالبصرة، وأمره بتأديبه" (٤). وذكر في حوادث سنة ١٥٥ هـ أن عبد الكريم بن أبي العَوجاء حُبس بالكوفة على الزندقة في زمن أبي جعفر المنصور، حَبَسه عاملُ الكوفة محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، ثم قتله بدون أمر المنصور، وغضب المنصور على عامله وعزله (٥). وذكر صاحبُ الأغاني أن علي بن الخليل الشاعر رُميَ بالزندقة لاتصاله بصالح بن عبد القدوس، ثم ثبتت براءته فأطلق (٦). وقتل المهدي صالح بن عبد القدوس الشاعر في سنة ١٦٧ هـ على تهمة الزندقة، مع ما أفصح صالح عنه من البراءة وصحة الإيمان (٧).

стр. 1531

أقول إتْمامًا لذكر الزندقة: وفي سنة ١٦١ هـ قتل المهديُّ محمدَ بن أبي عبيد الله وزيرِ المهدي على تهمة الزندقة، ثم قَتل الهادي سنة ١٦٩ هـ عليَّ بن يقطين من الزنادقة الذي ذكره بشار في بعض شعره (١)، ويعقوبَ بن الفضل بن عبد الرحمن [بن عباس] بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطب، وكان أقر بالزندقة لدى المهدي فسجنه؛ لأنه كان أقسم ألا يقتلَ هاشميًّا، وعهد للهادي أنه إنْ ولِيَ الخلافة يقتله. ومن الزنادقة أحد أولاد داود بن علي بن عبد الله بن عباس، سُجن ومات في السجن سنة ١٦٩ هـ. وكان يونس بن [أبي] فروة ويزيدُ بن الفَيض قد اختفيا منذ زمن المهدي، ولم يزالا مختفيين حتى سنة ١٧٥ هـ. وكان الخلفاء قد يُظهِرون الشدة في ذلك، ويشايعون أميالَ العامة، ذكر ابن الأثير أن المنصور لما غضب على محمد بن سليمان بن علي عامِلِه على الكوفة، لقَتْلِه عبدَ الكريم بن أبي العوجاء على تهمة الزندقة، كتب المنصور كتابًا يهدّد فيه محمد بن سليمان ويأمر بعزله، وأخبر بذلك عمه عيسى بن علي، فقال له عيسى: "إن محمدًا إنما قتله على الزندقة، فإن كان أصاب فهو لك، وإن أخطأ فعليه، ولئن عزلتَه على إثر ذلك ليذهبن بالثناء والذكر ولترجعن بالقالة من العامة عليك، فمزق الكتاب" (٢).

стр. 1532

والزندقة اسم اشتقه العرب من كلمة "زندو" - بالفارسية - الدالة على كتاب السفر المقدس الذي يقال بالفارسية "الزندوفستا"، وهو كتاب ماني الذي يُدعى أتباعُه المانوية (١). ويقال لهم الثنوية؛ لأنهم يثبتون إلهين اثنين. فقالوا: تزندق إذا اعتقد اعتقاد مجوس الفرس، أي انتسب للزندو. ثم اشتقوا منه "زندقة" للاعتقاد، و"زنديق" للمعتقد، ثم أطلقوه على من يُسِرُّ هذا الاعتقاد، فلا يسمّون المتظاهر بالمجوسية زنديقًا. ثم صار اسم الزندقة اسْمًا علَميًّا في الفقه، يدل على مَنْ يُظهر الإسلام ويبطن الكفر، سواء كان كفره باعتقاد المجوسية الفارسية أم بالدهرية أم بغير ذلك، ولذلك قالوا: الزنديق يرادف المنافق، وخصّوا المنافقَ بمبطن الكفر في زمن الرسول ﵇ والزنديقَ بمبطن الكفر بعد ذلك الزمن. وكان مِمَّا يَصير به المرءُ معرَّضًا إلى تهمة الزندقة أن يكون فارسيَّ الأصل، أو أن يُؤْثَرَ عنه بُغْضُ العرب، أو أن يكون من أهل الخلاعة والمجون أو المزح في الأمور الراجعة إلى العبادات، أو أن يكون منكِرًا لشيء من أصول الشيعة العباسية، أو أن يكون لا يحفظ من القرآن شيئًا - فقد أُخِذ بذلك محمد بن أبي عبيد الله وزيرِ المهدي، حسبما ذكره ابن الأثير في حوادث سنة ١٦١ هـ (٢). هذا والمهديُّ لم يكن له من أصالة الرأي ما كان للمنصور والسَّفاح، فأغْرَق في تقصِّي أحوال الناس والرمي بالزندقة.

стр. 1533

وقد كان تلقيبُ أبي جعفر المنصور ابنَه محمدًا بالمهدي تَمهيدًا إلى تأييد الدولة به، وإيهام أنه المهديُّ الذي يزعمه الشيعة والذي جعلوا ظهوره فيما يسمونه بآخر الزمان من أصول اعتقادهم وتأييد الدين به، ووضعوا في ذلك آثارًا رَوَوْها. يدلنا على ذلك أن بعض السلف كان يُنكر هذا اللقب، فقد ذكر الغزالي في كتاب الأمر بالمعروف من "إحياء علوم الدين" أن ابن أبي ذئبٍ وسفيان الثوري حضرَا مجلسًا وَعَظَ فيه ابنُ أبي ذئب أبا جعفر المنصور، وقال له في آخر الوعظة: والله إني لأنصحُ لك من ابنك المهدي، فلما انصرف ابن أبي ذئب قال له سفيان: لقد سرَّني ما خاطبت به هذا الجبَّار، ولكن ساءني قولك له: "ابنك المهدي"، فقال ابن أبي ذئب: "يغفر الله لك يا أبا عبد الله، كلنا مهديٌّ، كلنا كان في المَهْد" (١). فأراد المهدي أن يَظْهرَ في مظهر المؤيِّد للدين، المحيي لعقيدة الإسلام وسيرة السلف، فأظهرَ من ذلك ثلاث خلال شهد بها التاريخ، وهي: [الأولى] الشدة في تقصّي الزندقة، و [الثانية] الإعراض عن الشعر الغزلي، حتى نهى بشارًا عن الغزل (٢)، وحتى أعرض شاعرُه أبو العتاهية عن ذلك الشعر وقَصَر شعرَه على الزهد والحكمة (٣). والثالثة إفراطه في الغيرة على النساء وإغلاظ الحجاب، ليحقق بذلك أنه المهدي المنتظر. ولذلك ظهر في زمانه الحديث الموضوع: "المهدي منا، واسمه يواطئ اسمي، واسم أبيه يواطئ اسم أبي" (٤)، والخليفة المهدي اسمه محمد بن عبد الله، وهو ابن عم الرسول، فهو منه. وقد مدحه ابنُ المَوْلَى محمد بن مولَى الأنصار بقوله:

стр. 1534

إِلَى القَائِمِ المَهْدِيِّ أَعْمَلْتُ نَاقَتِي ... بِكُلِّ فَلَاةٍ آلُها يَتَرَقْرَقُ (١) ومعلومٌ أنهم يرمون بذلك إلى إيهام أن الناس قد فسدوا، والباطل قد عمّ في زمن بني أمية، فلا جَرَمَ أن يكون المهديُّ العباسيّ مجدِّدَ الدين ومالئَ الأرضِ عدلًا بعد أن مُلئَتْ جورًا، كما جاء في الأثر الموضوع (٢). والعامّةُ لا يُدركون من معنى العدل إلا مثلَ هذه الظواهر؛ لأنهم في غفلةٍ عن جزئياتِ الحوادث ودقائق الجور والعسف. وقد أشار بشارٌ إلى شيءٍ من ذلك في مديحه للمهدي (٣). وقد قال بشار يمدحه (في الورقة ٢٦٧): وَعنْدَكَ عَهْدٌ منْ وَصَاةِ مُحَمَّد ... فَرَعْتَ بهَا الأَمْلَاكَ منْ وَلَدِ النَّضْرِ (٤)

стр. 1535

كان بشار من شيعة الأموية؛ نبغ في زمانها، وامتدح خلفاءها وأمراءها، ثم كان من شيعة إبراهيم بن الحسن بن علي، وكان من المتساهلين في دينهم المتظاهرين بالفواحش. فحقيقٌ بمن وُسِم بهاتين الوصمتين أن تتطرّقَ إليه الظنونُ، وأن تُنْسَب إليه الزندقَة في مظهر ذلك المجون. نَسبَ بشارًا الذين كفَّروه (١) إلى دين الثنوية والمجوسية والبَرْهَمِيَّة والسُّمَنية، ونُسب في إسلامه إلى الرفض وإلى الشعوبية وإلى مذهب الرجعية (٢) القائلين بأن علي بن أبي طالب سينزل مرة ثانية كما ينزل عيسى، وأن جميع الأمة كفروا حين عَدَلوا عن بيعة علي بعد رسول الله ﷺ ، ونُسب إلى الإلحاد المحض والتعطيل، وسنفصل ذلك. والذي أذهب إليه أنه كان مستهتِرًا غير محترز في أقواله في مجالسه من لوازم مفضية إلى الإلحاد، يجري ذلك منه مَجْرى المزح والهزل، كما يجري لأبي نواس الحسن بن هانئ ومحمد بن هانئ الأندلسي وأضرابهما. ولكن ضَرَاوة لسانه على الأمراء والكبراء والعلماء والشعراء أَغْرَتْ به الجميع، وجعلت التهمةَ إلى صوت المُهيب به تَرِيع. وقد اتفق الرواة على أن بشارًا كان متضلِّعًا في علم الكلام، معدودًا من متقنيه. قال صاحب الأغاني: "كان بالبصرة ستةٌ من أصحاب الكلام: عَمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء، وبشار الأعمى، وصالح بن عبد القُدّوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجلٌ من الأزد - قال أبو أحمد: يعني جرير بن حازم - فكانوا

стр. 1536

يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده. فأما عمرو وواصل فصارا إلى الاعتزال، وأما عبد الكريم وصالح فصحَّحا التوبة، وأما بشار فبقي متحيِّرًا مُخلِّطًا، وأما الأزدي فمال إلى قول السُّمَنِيَّة". (١) واتفق الرواةُ على أن بشارًا كان يختلط بمن اشتهر بالخوض في العقائد، فقد حكى الشريف المرتضى في أماليه قال: "قال [عمرو بن بحر] الجاحظ: كان مُنقذ بن [عبد الرحمن بن] زياد الهلالي، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد (الحارثي)، وحفص بن أبي وَدّة، وقاسم بن زُنْقُطة، وابن المقفّع، ويونس بن أبي فروة، وحماد عَجْرَد، وعلي بن الخليل (الشاعر)، وحماد [بن أبي ليلَى] الراوية، وحماد بن الزِّبْرِقَان (٢)، ووالبَةُ بن الحباب، وعمارة بن حمزة بن ميمون (الهاشمي)، ويزيد بن الفيض، وجميل بن محفوظ [المهلبي]، وبشار بن برد [المرعَّث]، وأبانُ (بنُ عبد الحميد) اللَّاحِقي، يجتمعون على الشراب وقول الشعر، ويهجو بعضهم بعضًا، وكلٌّ منهم متَّهَم في دينه". (٣) وفي كتاب "الحيوان" للجاحظ عدّ بعض هؤلاء، وزاد آخرين، ومنهم: يونس بن هارون وعُبادة، وعمارة بن حربية، وذكر أن يونس بن هارون كتب كتابًا في مثالب العرب وعيوب نسبها إلى الإسلام، كتبه لملك الروم، وأن بشارًا كان ينكر

стр. 1537

على هؤلاء (١). وزاد في "الأغاني" أن مطيعًا ويحيى (بن زياد الحارثي) وابن المقفع ووالبة (بن الحباب) وعمارة كانوا "يتنادمون ولا يفترقون، ولا يستأثر أحدُهم على صاحبه بمالٍ ولا مِلك، [وكانوا جميعًا يرمون بالزندقة] " وكانوا في أيام الوليد بن يزيد (٢). وأقول: ذكر صاحبُ الأغاني في ترجمة إبراهيم بن سَيَابة أنه كان يتحكك ببشار، وأنه كان زنديقًا (٣). نأخذ من متفرق أخبار بشار ما يدل مجموعُه على أنه قد عرَّض نفسه لبَغْضاء كثير من أهل الدولَة والرأي والعلم واللسان، فكان قد تعرّض إلى يعقوبَ بن داود بما سنذكره في سبب قتله، وتعرض إلى أبي جعفر المنصور قبل ذلك بما قلَبه في أبي مسلم الخراساني، وتعرض إلى واصل بن عطاء الغزَّال رئيس المعتزلة وهو إمام جماهير من العلماء والعامة، وتعرض إلى سيبويه (٤). وكان هو مِمَّنْ رَمَى أعداءه

стр. 1538

بسهام الإلحاد، مثل فِعله مع حماد عجرد وعبد الكريم بن أبي العَوْجاء (١)، فما كان بالذي يخرج من هذه المعمعة سالمًا من سهام أعدائه، وقد قيل في المثل: ضعيفان يَغلبان قويا. وقد أصاب أعداؤه شاكلته بما رَموه؛ لأنهم أقدرُ على تزويق تهمتهم منه وترويجها بين العامة، إذ كان في شغل شاغل بالإكباب على السكر ولهو النساء. ولقد وجدوا له أكبرَ من ذلك مما يثير غضب العامة، وهو ثرثرته في أعراض الناس من جهة نسائهم، فأصبح مركوزًا في يقين العامة أن بشارًا زنديقٌ ملحد مخلِّق أزواج الناس عليهم (٢). ومثل هذه الظَّنَّة لا يستخفّ بها الخلفاء وولاة الأمور، إذ كانوا يومئذ في طالعة دولة لهم جديدة، وكانوا متصنِّعين في التحبب إلى العامة، ليُنْسوهم عَهْدَهم من حب بني أمية، وكانوا مُظْهِرين أنَّهم أنصارُ الدين وهداةُ الأمة وورثةُ النبوة. ولهذا نرى في ترجمة بشار وفي شعره أن المهديَّ كان ينهاه المرةَ بعدَ المرّة عن التعرض إلى النساء في شعره (٣). وهل تظن من ذلك أن غيره من الشعراء لم يكن

стр. 1539

يأتِي الغزلَ في شعره حتى يخصه المهدي بالغلظة في النهي؟ ولكنك تستطلع من ذلك سرَّ إلحاح المهدي عليه في ذلك، ليسُدَّ ذريعةَ تحكك الناس ببشار وطلب عقوبته عقاب الملحدين. وقد كان أقوى الناس تهيُّؤًا لالتصاق هذه التهم بهم مَنْ كانوا من أبناء الفرس لأسباب: أولها أنهم كانوا عريقين في المانوية؛ قال علي بن منصور بن القارح في الرسالة التي كتب بها إلى المعَرّي: "وإنما نسبوا بشارًا إلى دين المانوية؛ لأنه في الأصل فارسيٌّ يتعصَّب للفرس وأحوالهم" (١). وثانيها أن معظم شيعة الأموية من العرب كانوا يغارون منهم أن جاؤوهم فاتحين مع بني العباس. وثالثها أن الخلافة العباسية أخذت تتحفز إلى قطع شوكة الفرس، تخلصًا من إدلالهم على الخلافة، وطمعهم في وضع الخليفة تحت نير تصرفهم. وقد أبرقت بارقةُ خضْدِ شوكتهم بنكبة صاحب الدعوة أبي مسلم الخراساني. ولذلك نجد التهمةَ

стр. 1540

التي تُلصق بالمتهمين أيامئذ غالبُها تهمةَ الزندقة واللمز باعتقاد الإلهين: إله الظلمة وإله النور. وقد أُلصق ببشار القولُ بتفضيل النار على الطين؛ لأنها نورٌ والطين ظلمة، ثم القول بتفضيل إبليس على آدم؛ إذ إبليس مخلوق من نار وآدم من طين. وإليك شواهد ذلك: ذكر الشريف المرتضى في أماليه عن الصباح الكوفي، قال: "دخلت على بشار بالبصرة، فقال لي: يا أبا علي، أما إني قد أوجعتُ صاحبكم وبلغتُ منه - يعني حمّادًا - فقلت: بماذا يا أبا معاذ؟ فقال: بقولِي فيه: يابْنَ نِهْيَا رَأْسٌ عَلَيّ ثقيلٌ ... واحْتِمَالُ الرَّأْسَيْنِ خَطْبٌ جَلِيلُ فادْعُ غَيْرِي إلَى عِبَادَة رَبَّيْـ ... ـنِ فَإِنِّي بِوَاحِدٍ مَشْغُولُ فقلت: لمِ أَدَعُهُ في عماه؟ ثم قلت له: قد بلغ حمادًا هذا الشعرُ، وهو يَرويه على خلاف هذا، قال: فما يقول؟ قلت: يقول: فَادْعُ غَيْرِي إلَى عِبَادَة ربَّيْـ ... ـنِ فَإنِّي عن وَاحِدٍ مَشْغُولُ قال: فلما سمعه أطْرَقَ، وقال: أحسنَ والله ابنُ الفاعلة! " (١)

стр. 1541

وعن أبي عبيدة قال: "هجا حماد عجرد بشارًا بأبيات, منها: وَالله مَا الخِنْزِيرُ فِي نَتْنِهِ ... بِرُبْعِهِ فِي النَّتْنِ أَوْ خُمْسِه [بَلْ رِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِهِ ... وَمَسُّهُ أَلْيَنُ مِنْ مَسِّهِ وَوَجْهُهُ أَحْسَنُ مِنْ وَجْهِهِ ... وَنَفْسُهُ أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِهِ] وَعُودُهُ أَكْرَمُ مِنْ عُودِهِ ... وَجِنْسُهُ أَكْرَمُ مِنْ جِنْسِهِ فقال بشار: ويلي على الزنديق! لقد نفث بما في صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال: ما أراد إلّا قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤] , فأخرج الجحود بها مخرج هجائي (يعني لقوله: وعوده أكرم من عوده. . . البيت) ". (١) وعن الجاحظ قال: "كان بشارٌ في أول أمره صديقًا لواصل بن عطاء

стр. 1542

الغزّال، وكان مدح واصلًا (١)، فلما أظهر بشارٌ مذهبه هتف به واصل فقام بتكفيره وقَعَد، وقال بشار فيه: مَالي أُشَايِعُ غَزَّالًا له عُنُق ... كَنِقْنِقِ الدَّوِّ إنْ وَلَّى وَإِنْ مثَلَا عُنْقَ الزَّرَافَةِ مَا بَالي وَبَالُكُمُ ... أَتُكفِّرُونَ رِجَالًا أكْفَروا رَجُلَا! يريد الإنكارَ على المعتزلة حيث كفَّروا الخوارج. وبشار يتوهّم أو يُوهم أن المعتزلة ما حَمَلهم على ذلك إلا أن الخوارج كفَّروا عليًّا ﵁، فقال واصل: "أما لِهذا الأعمى المُلحِد، أما لهذا المشَنَّفِ المكَنَّى بأبي معاذ من يقتله؟ " (٢) فكان غضبُ واصلٍ عليه سببًا في نفيه عن البصرة، فسكن حرَّان إلى أن توُفِّيَ واصل، فرجع بشار إلى البصرة سنة ١٣١ هـ, فقال فيه صَفْوان:

стр. 1543

رَجَعْتَ إِلَى الأَنْصَارِ مِنْ بَعْدِ وَاصِلٍ ... وَكُنْتَ شَريدًا فِي التَّهَائِمِ والنُّجْدِ (١) ثم لم يلبث أنْ غضِب عليه عمرو بن عبيد إمام المعتزلة، فنُفيَ أيضًا عن البصرة ودخل بلدانًا، ثم رجع إلى البصرة عقب وفاة عَمرو بن عبيد سنة ١٤٣ هـ (٢). وسيأتي في سبب قتله أنه تحكك بيعقوب بن داود ليُحرج عليه المهدي. أضف إلى ذلك ما يتقوّله عليه أعداؤه من أقوال تُختلق، وتُشاع في الناس، وتُنسب إليه. من ذلك ما زعموا أن جارية غَنَّتْه شيئًا من شعره، فطرب وقال: "هذا والله [يا أبا عبد الله] أحسن من سورة الحَشْر". (٣) وقال في بيتين غَنّتهما مرة جارية: "هذا والله أحسنُ من فُلْجِ يوم القيامة". (٤) ونسبوا إليه بيتًا ذكره المبرّد في "الكامل" والجاحظ في "البيان": الأَرْضُ مُظْلِمَةٌ وَالنَّارُ مُشْرِقَةٌ ... وَالنَّارُ مَعْبُودَةٌ مُذْ كَانَتِ النَّارُ (٥)

стр. 1544

وقد ذكر الأستاذ أبو منصور عبد القاهر البغدادي (١) في كتاب "الفَرْق بين الفِرَق" قصيدةً لصفوان الأنصاري ردًّا على بشار في قوله بتفضيل النار (٢). وجاء في "رسالة الغفران" للمعري مما نسب إلى بشار: إِبْلِيسُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكُمْ آدَم ... فَتَنَبَّهُوا يَا مَعْشَرَ الفُجَّارِ النَّارُ عُنْصُرُهُ وآدَمُ طِيَنَةٌ ... وَالطِّينُ لَا يَسْمُو سُمُوَّ النَّارِ (٣) ولا يكاد الذكيُّ الفطنة السليم الذوق يقرّ ذلك، وتروج عنده صحةُ نسبة مثل هذا الشعر إلى بشار لا معنًى ولا لفظًا، ولا في مجاري أرباب العقول، فإنا لو تنزّلنا إلى تصحيح احتمال أنه كان يعتقد مثل هذه السخافات - بعد نشأته في الإسلام وتضلعه في علم الكلام - أليس ينهاه نُهاه عن التصريح بما يراه؟ فأما اتهامُه في المذاهب والنحل الإسلامية، فقد قيل إنه كان رافضيًّا يدين بالرَّجعة (والرَّجعةُ بفتح الراء عند جمهور أهل اللغة، وحكى عياض في شرح صحيح مسلم في المقدمة جوازَ كسرِ الراء) (٤). وفسّروها بأنها قولُ الرافضة بأن عليًّا ﵁ في السحاب، وأنه لا يجوز الخروجُ مع أحد من أبنائه وولده حتى ينادي من السماء أن اخرجوا مع فلان، ويتأولون قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾

стр. 1545

[يوسف: ٨٠] على هذا المعنى. وفسّرها أبو منصور البغدادي بأنها رجعة عليّ برجعة الأموات، وذلك في الدنيا قبل يوم القيامة، وهو رأي الكاملية من الرافضة (١). ونُسب إلى الشعوبية، ولعلها كانت تبدو منه في محادثاته ومجالساته. ونسب إلى التشيع، وشعره شهيدٌ بذلك، وقد كان التشيع شائعًا بعد سقوط الدولة الأموية. ولا أشك في أن بشارًا كان من المتعصِّبين إلى بني أمية، وأن إظهارَه التشيعَ مصانَعةٌ وتقيّة. وقد نُسب إلى الإلحاد والتعطيل والدهرية. ونُسب إلى الرفض، فقد ذكر الأستاذ أبو منصور في كتاب "الفرق بين الفرق" أن بشارًا كان من الكامليّة، وهم أصحابُ أبي كامل الذي كان يدين بتكفير الصحابة لتركهم بيعةَ عليّ وبتكفير علي لتركه قتالَهم (وهم الذين لم يقولوا بجواز التقيّة مثل بقية الشيعة) قال: " [وحكى أصحابُ المقالات عن بشار أنه] ضم إلى ضلالته هذه ضلالتين أخريين: إحداهما قولُه برجعته (يعني علي بن أبي طالب) إلى الدنيا قبل يوم القيامة، كما ذهب إليه أصحابُ الرجعة من الرافضة، الثانية قوله بتصويب إبليس في تفضيل النار على الأرض". (٢) وأما ما نسبوه إليه من الشعوبية - وهي كراهيةُ العرب وتحقيرُهم - فالظاهر أن بشارًا كان ينزع إلى ذلك بعد أن أعتَد له أعداؤه ومنافسوه التحقيرَ بالولاء، فألجأه ذلك إلى الابتداء بالافتخار بنسبه الفارسي، ثم بالتبرم من الولاء. فلذلك كان يقابل محقِّري نسَبه العجميّ بالافتخار بالعَجَم، ويقابل محقِّريه من القحطانيين بالفخر والانتماء إلى ولاء مُضَر، ولا سيما عند شبُوب حميّة اليمنيين والمضريين في عهد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين؛ إذ كانت شيعةُ بني أمية من مضر وشيعة بني العباس من
следующие страницы →