وعن أبي عبيدة قال: "هجا حماد عجرد بشارًا بأبيات, منها:
وَالله مَا الخِنْزِيرُ فِي نَتْنِهِ ... بِرُبْعِهِ فِي النَّتْنِ أَوْ خُمْسِه
[بَلْ رِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِهِ ... وَمَسُّهُ أَلْيَنُ مِنْ مَسِّهِ
وَوَجْهُهُ أَحْسَنُ مِنْ وَجْهِهِ ... وَنَفْسُهُ أَفْضَلُ مِنْ نَفْسِهِ]
وَعُودُهُ أَكْرَمُ مِنْ عُودِهِ ... وَجِنْسُهُ أَكْرَمُ مِنْ جِنْسِهِ
فقال بشار: ويلي على الزنديق! لقد نفث بما في صدره، قيل: وكيف ذاك؟ قال: ما أراد إلّا قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤] , فأخرج الجحود بها مخرج هجائي (يعني لقوله: وعوده أكرم من عوده. . . البيت) ". (١) وعن الجاحظ قال: "كان بشارٌ في أول أمره صديقًا لواصل بن عطاء
стр. 1542
الغزّال، وكان مدح واصلًا (١)، فلما أظهر بشارٌ مذهبه هتف به واصل فقام بتكفيره وقَعَد، وقال بشار فيه:
مَالي أُشَايِعُ غَزَّالًا له عُنُق ... كَنِقْنِقِ الدَّوِّ إنْ وَلَّى وَإِنْ مثَلَا
عُنْقَ الزَّرَافَةِ مَا بَالي وَبَالُكُمُ ... أَتُكفِّرُونَ رِجَالًا أكْفَروا رَجُلَا!
يريد الإنكارَ على المعتزلة حيث كفَّروا الخوارج. وبشار يتوهّم أو يُوهم أن المعتزلة ما حَمَلهم على ذلك إلا أن الخوارج كفَّروا عليًّا ﵁، فقال واصل: "أما لِهذا الأعمى المُلحِد، أما لهذا المشَنَّفِ المكَنَّى بأبي معاذ من يقتله؟ " (٢) فكان غضبُ واصلٍ عليه سببًا في نفيه عن البصرة، فسكن حرَّان إلى أن توُفِّيَ واصل، فرجع بشار إلى البصرة سنة ١٣١ هـ, فقال فيه صَفْوان:
стр. 1543
رَجَعْتَ إِلَى الأَنْصَارِ مِنْ بَعْدِ وَاصِلٍ ... وَكُنْتَ شَريدًا فِي التَّهَائِمِ والنُّجْدِ (١)
ثم لم يلبث أنْ غضِب عليه عمرو بن عبيد إمام المعتزلة، فنُفيَ أيضًا عن البصرة ودخل بلدانًا، ثم رجع إلى البصرة عقب وفاة عَمرو بن عبيد سنة ١٤٣ هـ (٢). وسيأتي في سبب قتله أنه تحكك بيعقوب بن داود ليُحرج عليه المهدي.
أضف إلى ذلك ما يتقوّله عليه أعداؤه من أقوال تُختلق، وتُشاع في الناس، وتُنسب إليه. من ذلك ما زعموا أن جارية غَنَّتْه شيئًا من شعره، فطرب وقال: "هذا والله [يا أبا عبد الله] أحسن من سورة الحَشْر". (٣) وقال في بيتين غَنّتهما مرة جارية: "هذا والله أحسنُ من فُلْجِ يوم القيامة". (٤) ونسبوا إليه بيتًا ذكره المبرّد في "الكامل" والجاحظ في "البيان":
الأَرْضُ مُظْلِمَةٌ وَالنَّارُ مُشْرِقَةٌ ... وَالنَّارُ مَعْبُودَةٌ مُذْ كَانَتِ النَّارُ (٥)
стр. 1544
وقد ذكر الأستاذ أبو منصور عبد القاهر البغدادي (١) في كتاب "الفَرْق بين الفِرَق" قصيدةً لصفوان الأنصاري ردًّا على بشار في قوله بتفضيل النار (٢). وجاء في "رسالة الغفران" للمعري مما نسب إلى بشار:
إِبْلِيسُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِيكُمْ آدَم ... فَتَنَبَّهُوا يَا مَعْشَرَ الفُجَّارِ
النَّارُ عُنْصُرُهُ وآدَمُ طِيَنَةٌ ... وَالطِّينُ لَا يَسْمُو سُمُوَّ النَّارِ (٣)
ولا يكاد الذكيُّ الفطنة السليم الذوق يقرّ ذلك، وتروج عنده صحةُ نسبة مثل هذا الشعر إلى بشار لا معنًى ولا لفظًا، ولا في مجاري أرباب العقول، فإنا لو تنزّلنا إلى تصحيح احتمال أنه كان يعتقد مثل هذه السخافات - بعد نشأته في الإسلام وتضلعه في علم الكلام - أليس ينهاه نُهاه عن التصريح بما يراه؟
فأما اتهامُه في المذاهب والنحل الإسلامية، فقد قيل إنه كان رافضيًّا يدين بالرَّجعة (والرَّجعةُ بفتح الراء عند جمهور أهل اللغة، وحكى عياض في شرح صحيح مسلم في المقدمة جوازَ كسرِ الراء) (٤). وفسّروها بأنها قولُ الرافضة بأن عليًّا ﵁ في السحاب، وأنه لا يجوز الخروجُ مع أحد من أبنائه وولده حتى ينادي من السماء أن اخرجوا مع فلان، ويتأولون قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾
стр. 1545
[يوسف: ٨٠] على هذا المعنى. وفسّرها أبو منصور البغدادي بأنها رجعة عليّ برجعة الأموات، وذلك في الدنيا قبل يوم القيامة، وهو رأي الكاملية من الرافضة (١).
ونُسب إلى الشعوبية، ولعلها كانت تبدو منه في محادثاته ومجالساته. ونسب إلى التشيع، وشعره شهيدٌ بذلك، وقد كان التشيع شائعًا بعد سقوط الدولة الأموية. ولا أشك في أن بشارًا كان من المتعصِّبين إلى بني أمية، وأن إظهارَه التشيعَ مصانَعةٌ وتقيّة. وقد نُسب إلى الإلحاد والتعطيل والدهرية.
ونُسب إلى الرفض، فقد ذكر الأستاذ أبو منصور في كتاب "الفرق بين الفرق" أن بشارًا كان من الكامليّة، وهم أصحابُ أبي كامل الذي كان يدين بتكفير الصحابة لتركهم بيعةَ عليّ وبتكفير علي لتركه قتالَهم (وهم الذين لم يقولوا بجواز التقيّة مثل بقية الشيعة) قال: " [وحكى أصحابُ المقالات عن بشار أنه] ضم إلى ضلالته هذه ضلالتين أخريين: إحداهما قولُه برجعته (يعني علي بن أبي طالب) إلى الدنيا قبل يوم القيامة، كما ذهب إليه أصحابُ الرجعة من الرافضة، الثانية قوله بتصويب إبليس في تفضيل النار على الأرض". (٢)
وأما ما نسبوه إليه من الشعوبية - وهي كراهيةُ العرب وتحقيرُهم - فالظاهر أن بشارًا كان ينزع إلى ذلك بعد أن أعتَد له أعداؤه ومنافسوه التحقيرَ بالولاء، فألجأه ذلك إلى الابتداء بالافتخار بنسبه الفارسي، ثم بالتبرم من الولاء. فلذلك كان يقابل محقِّري نسَبه العجميّ بالافتخار بالعَجَم، ويقابل محقِّريه من القحطانيين بالفخر والانتماء إلى ولاء مُضَر، ولا سيما عند شبُوب حميّة اليمنيين والمضريين في عهد انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين؛ إذ كانت شيعةُ بني أمية من مضر وشيعة بني العباس من
стр. 1546
حمير واليمن. ولكنه لم يكن مع ذلك يتنقّص العرب، كيف وإنما قيمته من العربية؟ ويُشْبه بشارٌ في الشعوبية إسماعيلَ بن يسار من شعراء عصر الدولة الأموية.
وقد كان أشدَّ الناس عليه في التشويه عليه بسوء اعتقاده واصلُ بن عطاء الغزال رئيس المعتزلة؛ فإن بشارًا بعد أن كان من أشياعه ومدّاحيه انقلب عليه وهجاه وهجا نحلته، وانتصر للخوارج الذين كان واصلٌ أبغضَ الناس لنحلتهم وأشدَّهم عليهم. فلذلك أضمر له واصلٌ غيظًا شديدًا، وهدده بالإغراء بقتله، وما منعه من ذلك إلا تقواه وخشية سوء السمعة لمذهب الاعتزال. على أنه لم يفتأ واصلٌ يكيد له مع أمراء البصرة، وكان واصل مسموعَ الكلمة، حتى نفي بشار عن البصرة. وقد ذكر الجاحظ (في كتاب البيان في جزئه الأول) وأبو الفرج الأصفهاني (في الأغاني) وغيرُهُما أخبارًا كثيرةً في شأنه مع واصل بن عطاء في حالتَيْ الرضا والغضب (١).
والمتأمل في سياق ما يُلْمَز به بشار من الزندقة أو النِّحل الفاسدة والشاذة يرى الذين يلمزونه بذلك مختلِفِي صفة النسبة: فمنهم من يَنْسُب إليه التظاهر بما نسبه هو إليه، ومنهم من ينسُب إليه الإسرار بذلك في باطنه. ولا بد أن نَجهَر بإسقاط إحدى النسبتين، وهي نسبة التظاهر باتباع النحل الباطلة، فإن مَنْ يقرأ أخبارَه وشعرَه يراه ملتزمًا عقد الإيمان الصحيح، مخبِرًا عن نفسه بأداء الصلاة والصوم وشرائع الإسلام، ألا ترى إلى قوله في ترك وصال خلّته في شهر رمضان:
فِي لَيْلَة خَلْفَ شَهْر الصَّوْم نَاقصَة ... تسْعًا وَعشْرينَ قَدْ أَحْصَيْتُهَا عَدَدَا
حَتَّى ارْتَقَيْتُ إلَيْهَا فِي مُشَيَّدَةٍ ... دُونَ السَّمَاء تُنَاغِي ظلَّها صَعَدَا (٢)
وقوله:
стр. 1547
إنّي حَلَفْتُ يَمينًا غَيْرَ كَاذبَةٍ ... عِنْدَ المَقَام وَلَمْ أَقْرَبْ لَهُ فَنَدَا (١)
وقد أظهر الحفاظَ على دينه في قوله (في الورقة ٧٣ من الديوان):
وَمُلُوكٍ إنْ تَعَرَّضْتُ لَهُمْ ... عَرَّضُوا ديني وَشيكًا للعَطَبْ (٢)
وسيجيء ذكرُ الورقة التي أُلفِيَتْ بعد موته، وفيها تعظيمُه الجانبَ النبويَّ الشريف. وكذلك قوله (في الورقة ٤):
وعجيبٌ نَكْثُ الكَرِيم وللنَّفْـ ... ـسِ معادٌ ولِلْحَيَاةِ انْقِضَاءُ (٣)
فاعترف بالمعاد، وقال في بعض قصائده يريد نفسه (في الورقة ٣١):
يَصْدُقُ فِي دينه وَمَوْعده نَعَمْ ... وَيُعْطَى النَّدَى عَلَى كَذِبِهْ (٤)
وقال فِي رثاء ابن له:
وَلِي كُلَّ يَوْمٍ عَبْرةٌ لَا أُفِيضُهَا ... لأُحْظَى بِصَبْرٍ أَوْ بِحَطِّ ذُنُوبِ (٥)
إلا أنه كان خليعًا في أفعاله وأقواله، فبقيت نسبةُ الإسرار والانطواء على العقائد الباطلة إليه، وهذه نسبة لا تخرج عن الرجم بالغيب، والوصم بالعيب.
стр. 1548
سبب وفاته:
اتفق جميعُ الرواة على أنه مات مقتولًا من ضربٍ ضُرِبَه على التهمة بالزندقة. قالوا: إن المهدي أزمع الانحدار إلى البصرة للنظر في أمورها، فلما وصل البطائح مرَّ بدارٍ كان بشار على سطحها، وكان سكران، فلما أحسّ بمرور المهدي خاف أن يعرفه، فاندفع بشار يؤذن. فقال المهدي: مَنْ هذا الذي يؤذِّن في غير وقت؟ قالوا: بشار، فقال: عليَّ به، فلما مثل بين يديه قال له: يا زنديق هذا مِنْ بذائك، تُؤَذِّنُ في غير الوقت، ثكلتْكَ أمُّك! ثم أمر صاحبَ الزنادقة - وهو ابنُ نُهيك وقيل محمد بن عيسى بن حمدُويْه - فأخرجه معه في زورق. فلما كانوا بالبطيحة أمر المهدي صاحب الزنادقة أن يضربه بالسياط ضربَ التلف ويلقيَه بالبطيحة (١). فأقيم في صدر السفينة، وأمر الجلادين أن يضربوه ضربًا متلفًا، فجعلَ بشارٌ يقول كلما وقع عليه السوط: حَسِّ (كلمة تقولها العرب عند الألم)، فقال بعض الراكبين: انظروا إلى زندقته، ما نراه يحمد الله! فقال بشار: "ويلكَ! أطعامٌ هو فأُسَمِّي الله عليه؟ أثريد أحمد الله عليه؟ " (٢) فلما ضُرب سبعين سوطًا أشرف على الموت، فأُلقي في صدر السفينة حتى مات، فألقوه في خَرَّارَة البطيحة، فحمله الماء إلى البصرة، فأخذه أهلُه فدفنوه، وما تبع جنازته أحد غير أمَةٍ سوداء سِنْديّة تصيح: "واسيِّداه! واسيداه! " (٣).
стр. 1549
وَتبَاشَرَ (١) عامّةُ أهل البصرة بموته، وهنّأ بعضهم بعضًا، وتصدقوا. ورُويَ أنه لم يبق أحدٌ من أشراف البصرة إلا مُنِيَ بشيء من هجاء بشار أو اتقى هجاءه، فكانت حياتُه أثقلَ شيء على الناس، ولم يكن له بها صديق. ودفن في قبر حمّاد عجرَد الذي قُتل على تهمة الزندقة سنة ١٦٦ هـ. وكتب أبو هشام الباهلي على قبرهِما:
قَدْ تَبِعَ الأَعْمَى قَفَا عَجْرَدٍ ... فَأَصْبَحَا جَارَيْنِ في دَارِ
قَالَتْ بِقَاعُ الأَرْضِ لَا مَرْحَبًا ... بقُرْبِ حَمَّادٍ وَبَشَّارِ (٢)
تَجَاوَرَا بَعْدَ تَنَائِيهِمَا ... مَا أَبْغَضَ الجَارَ إِلَى الجَارِ
صَارَا جَمِيعًا فِي يَدَيْ مَالِكٍ ... فِي النَّارِ وَالكَافِرُ فِي النَّارِ
ذكر مجموعَ هذا صاحب "الأغاني"، والصفدي في شرح رسالة ابن زيدون، والبغدادي في خزانة الأدب، والوطواط في غرر الخصائص (٣). وقد قيل إن سبب قتله أنه كان هجا يعقوب بن داود وزير المهدي، وعرَّض به إلى المهدي، فقال:
بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ ... إِنَّ الخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُودِ! (٤)
ثم هجا المهديَّ في مجلس ببيتين:
стр. 1550
خَلِيفَةٌ يَزْنِي بَعَمَّاتِهِ ... يَلْعَبُ بِالدَّبُّوقِ وَالصَّوْلَجَانْ!
أَبْدَلَنَا اللهُ بِهِ غَيْرَهُ وَدَسَّ ... مُوسَى فِي حِرِ الخَيْزُرَانِ
فأنشدهما في حلقة يونس بن حبيب [الضبي] النحويّ، فسعى به يونس إلى الوزير (١). وقال المعري في رسالة الغفران: "وكان في الحلقة سيبويه، ويدعي بعضُ الناس أنه وشى به. وسيبويه - فيما أحسب - كان أجلَّ موضعًا من أن يدخل في هذه الدّنيات، بل يعمد لأمور سَنِيّات" (٢). وعندي أن كل هذا مما يختلقه حسّادُه وأعداؤه الذين أغراهم به بذاؤه، وقد قال في خطابه للمهدي في قصيدة:
أَخَافُ انْقِطَاعَ الدَّرِّ بَعْدَ ابْتِزَازِهِ ... وَتَبْلِيغَ مَنْ يَسْدِي الحَدِيثَ وَيَنْسُجُ (٣)
ويظهر أن قتلَ بشار قد تقدمه قتلُ بعض أصحابه، وأن بشارًا لم يمنعه ذلك من رثاء مَنْ قُتل من أصحابه، فإن له أبياتًا ضاديّة ذكرها الشريف المرتضى في أماليه تشير إلى قتل اثنين من أصحابه، وهي:
غَمَضَ الجَدِيدُ بِصَاحِبَيْك فغمَّضَا ... وَبَقِيتَ تَطْلُبُ فِي الحِبَالَةِ مَنْهَضَا
. . . إلخ (٤)، وستأتي في الملحقات. وقال أيضًا في ديوانه:
стр. 1551
تَبْكِي نَدِيمَيْكَ رَاحَا فِي حَنُوطِهِمَا ... مَا أَقْرَبَ الرَّائِحَ المُبْقِي مِنَ الغَادِي! (١)
والذي يُستخلص من هذا كله يؤيد ما قدمتُه من تظاهر السببين على قتل بشار: كثرة الناقمين عليه لحسد أو هجاء أو فحش، وخفةُ دينه في سيرته وتهمته بسوء الاعتقاد. ولم يكن حقدُ الناقمين عليه كافيًا في أخذه بالعقوبة، إذ قد كان له في حاله شفيعان أو جُنَّتان تدفعان عنه الأذى، وهما الشعر والعَمَى. فإن مما وُطِّنتْ عليه النفوسُ أن الشاعر يقول ما لا يفعل، فكانت مؤاخذةُ الشعراء مزريةً على مَنْ يؤاخذهم إلا إذا جازاهم على الهجاء بمثله.
وكان مما استقرّ في النفوس أن الضعيفَ والعاجزَ لا يتنازل أهلُ الشرف إلى مضاهاتهما، وكان الناس يتمثّلون [قوله تعالى]: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١؛ الفتح: ١٧] , فلم يجد الذين لَحِقهم أذى بشارٍ وهجاؤه مسلكًا إلى الانتقام لأنفسهم منه. ولذلك أرادوا تعريضَه لإثارة العامة عليه من جانب سوء العقيدة، وقد ظهرتْ هذه التهمةُ له من أواخر الدولة الأموية.
وأولُ مَنْ أشاع ذلك عليه واصل بن عطاء وأصحابُه من المعتزلة، ولقد مر أنه تسبب له في التغريب عن البصرة. إلا أن وَلَع العامة بشعره حالَ دونَهم ودونَ إلحاق الضُّرِّ به، فلم يزل أعداؤه للعقيدة والمنافسة وللأحقاد يتربصون به الدوائر حتى وجدوا فرصةً للإيقاع به في مدة المهدي حين أصبح الأخذُ على سوء الاعتقاد شديدًا مُرْهبًا. ويؤيّد ذلك أن المهدي في آخر حياة بشار قد تنكّر عليه، وصار يَحرمه جائزته، فمدحه بشارٌ بقصيدة، وذكره إمساكه جائزته، فقال:
إِمَامَ الهُدَى أَمْسَكْتَ بَعْدَ كَرَامَتِي ... وَقَدْ كُنْتَ تُعْطِينِي وَوَجْهُكَ أَبْلَجُ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَشْمَتَّ بِي غَيْرَ نَائِم ... فَنَامَ وَهَمِّي سَاهِرٌ يتَوَهَّجُ
стр. 1552
حتى اضطُرَّ بشار أن يُعلن توبتَه، فقال هذه القصيدة:
وَقْد تُبْتُ فَاقْبَلْ تَوْبَتِي يَابْنَ هَاشِم ... فَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ مُدْمَجُ (١)
ولَمَّا قتل بشار فُتشت كتبُه فلم يُلْفَ فيها شيءٌ يدل على ما كانوا يرمونه به، ووُجد في كتاب له: "بسم الله الرحمن الرحيم. إِنِّي أردت هجاءَ آل سليمان بن علي لبخلهم، فذكرتُ قرابتَهم من رسول الله ﷺ ، فأمسكتُ عنهم إجلالًا له ﷺ ، على أنِّي قد قلتُ فيهم:
دِينَارُ آلِ سُلَيْمَانٍ وَدِرْهَمُهُمْ ... كَالبَابِلِيَّيْنِ حُفَّا بالعَفَارِيتِ
لَا يُرْجَيَانِ وَلَا يُرْجَى نَوَالُهُمَا ... كَمَا سَمِعْتَ بِهَارُوتٍ وَمَارُوتِ". (٢)
مكانته لدى الخلفاء والأمراء:
كان بشارٌ من أهل الوجاهة والسُّمعة، وكان مكرَّمًا لدى خلفاء بني أمية ورجال دولتهم. وكان أيضًا له مكانته عند خلفاء بني العباس أبي جعفر المنصور
стр. 1553
والمهدي، قال في الأغاني: "جعل له المهدي وفادةً كلّ سنة". (١) وحسبك من مكانته لدى الأمراء ما ذكر ابن رشيق القيرواني - في باب فضل الشعر من كتابه العمدة - أن بشارًا كان من كتّاب الأَزِمَّة مع كونه أعمى، وأن أبا علي البصير الشاعر كان أيضًا من كتّاب الأَزِمَّة (٢). وأحسب أن ذلك زيادةٌ في تقريبه، وأنه كان يملّ على النسّاخ، ولذلك قصر على كتابة الزمام دون كتابة الإنشاء؛ لأن كتاب الإنشاء مستودع أسرار الأمراء، فتعين أن يكونوا قادرين على الكتابة بأنفسهم.
غرامه وهل هو حقيقة أو تصنع ؟
لا يسلَم الناظرُ في أخبار بشار وفي تضاعيف قصائده من حيرة تلم به وشكٍّ ينتاب نفسه؛ فإنه يجد معظم شعر بشار في الغرام ووصف فنونه القلبية والحسية، فيخامره هاجسٌ يقول: هل كان الغرام يسلك إلى شغاف قلب بشار حتى يكون ما جاء في شعره من وصف عشقه وولهه حقيقةً كما يؤذن بذلك إكثارُه منه وتُصدِّقه أخبارُه ونوادره من حب النساء وميله إلى مغازلتهن وإلقاء نفسه إليهنّ وتهافتهنّ على لقائه وملازمة مجلسه؟
стр. 1554
فإن مال الناظرُ إلى تصديق ذلك انتقل به إلى حيرة أخرى، وهي أن رجلًا أعمَى مشوّهَ الخلقة، ضعيفَ الثروة، ليس له من سبيل إلى العشق الذي قوامُه استحسان الصورة، وما للنساء فيه رغبة حتى يخادنَّه ويعاشرْنَه عشرة المحبين! أو هل كان ذلك كلُّه تصنّعًا وتحيلًا وجريًا في مضمار الشعراء، كيلا يغادر لهم أكبرَ فنون الشعر يفوتون فيه شوطَه، ولا يرفع وراءهم سوطه؟
وقد وصف بشار أحوالَ الغرام كلَّها، ومدَّ نفَسَ شعره بتفاصيلها، فلم يغادر لشاعرٍ مقالًا في ذلك. وإن وصفَ الغرام وأفانينه هو معظم شعره، ينزع إليه من كلِّ غرض وفي كل مقام. وذلك أسطعُ برهانٍ على شاعريّته، وقوة خياله، وبلاغة كلامه، فيكون حالُ بشار في هذا شبيهًا بحال كُثَيِّر؛ إذ قيل إنه كان مدّعيًا ولم يكن عاشقًا، حسبما روى ذلك أبو الفرج الأصبهاني عن أبي عُبيدة وأبي عُبيد (١).
ولقد استشعر بشارٌ هذا التحير، فأجاب غيرَ مرة بأن الأذن تعشق، وأن الأذن تُبلغ إلى القلب ما تبلغه العين، كقوله:
يُزَهِّدُنِي فِي حُبِّ عَبْدَةَ معْشَرٌ ... قُلُوبُهُمْ فِيهَا مُخَالِفَةٌ قَلْبِي
فَقُلْتُ دَعُوا قَلْبِي وَمَا اخْتَارَ وَارْتَضَى ... فَبِالقَلْبِ لَا بِالعَيْنِ يُبْصِرُ ذُو الحُبِّ
стр. 1555
فَمَا تُبْصِرُ العَيْنَانِ فِي مَوْضِعِ الهَوَى ... وَلَا تَسْمَعُ الأُذُنَانِ إِلَّا مِنَ القَلْبِ (١)
وقوله:
يَا قَوْمِ أُذْنِي لِبَعْضِ الحَيِّ عَاشِقَةٌ ... وَالأُذْنُ تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَانَا
قَالُوا: بِمَنْ لَا تَرَى تُعْنَى؟ فَقُلْتُ لَهُمْ ... الأُذْنُ كَالعَيْنِ تُولِي القَلْبَ مَا كَانَا (٢)
وقوله:
أَنِّى وَلَمْ تَرَهَا تَهْذِي فَقُلْتُ لَهُمْ: ... إِنَّ الفُؤَادَ يَرَى مَا لَا يَرَى البَصَرُ (٣)
والذي أُعَلِّل به غرامَ بشار أنه كان ذا نفس خليعة تُحب المجون، فكان قد راض نفسَه على العِشق إيفاءً لها بشعائر المجون، وجعل طريقةَ عشقِه حُسنَ النغمة ورقةَ المزج ولين اللمس وحلاوة الحديث، ودرَّب لنفسه ذلك الارتياض حتى صار له ملَكةً وسجيّة. فكان عشقُه حقيقةً غيرَ ادعاء، وهو يتوسل بذلك إلى أن يجيد النسيب، فإنه سَدَى الشعر ولُحمته. ومما ينبئك بذلك أنك تجده يُكثِر في نسيبه وصفَ حسن منطق النساء، كقوله:
وَكَأَنَّ رَجْعَ حَدِيثِهَا ... قِطَعُ الرِّيَاضِ كُسِينَ زَهْرَا (٤)
стр. 1556
وقوله:
وَدَعْجَاءِ المَحَاجِرِ مِنْ مَعَدٍّ ... كَأَنَّ حَدِيثَهَا ثَمَرُ الجِنَانِ (١)
وقد اعتاض الرؤية بالوصف، كما قال:
بُلِّغْتُ عَنْهَا شَكْلًا فَأَعْجَبَنِي ... وَالسَّمْعُ يَكْفِيكَ غَيْبَةَ البَصَرِ (٢)
قال في الأغاني في ترجمته: كان النساء يحضرْنَ مجلسَ بشار، بينما هو ذات يوم في مجلسه، إذ سمع كلامَ امرأة في المجلس فعشِقها، فدعا غلامَه فقال: إذا تكلمت المرأة عرّفتك فاعْرفْها، فإذا انصرفتْ من المجلس فاتْبعها وكلِّمها وأَعْلِمها أنِّي لها محب، وذكر قصة في أخبار تلك المرأة وزوجها (٣).
وقال في أخباره مع عبدة: كان النساء يحضرن مجلس بشار، بينما هو ذات يوم في مجلسه إذ سمع كلام امرأة في المجلس، يقال لها عَبدة، فدعا غلامه فقال: إني قد علقتُ امرأة، فإذا تكلمت فانظر من هي واعرِفها، فإذا انقضى المجلسُ وانصرف
стр. 1557
أهلُه فاتبعها وكلِّمها وأعلمها بأني لها محب، وأنْشِدْها هذه الأبيات وعرّفها أني قلتها فيها، وذكر الأبيات التي أولها:
قَالُوا بِمَنْ لَا تَرَى تَهْذِى فَقُلْتُ لَهُمْ ... الأُذْنُ كَالعَيْنِ تُوفِي القَلْبَ مَا كَانَا
فأبلغها الغلامُ الأبيات، فهشّت لها، وكانت تزوره مع نسوة يصحبها، فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن، بعد أن يحدثها وينشدها، ولا تُطمِعه في نفسها (١).
ولمَّا أفضت الخلافةُ إلى المهدي، وكانت فيه غَيْرَةٌ وحُزونة (٢)، ورأى ما في شعر بشار في الغزل ووصف اللهو بالنساء، نهى بشارًا عن التشبيب بالنساء، وقد ذكر ذلك بشار في قصائد من شعره، من ذلك قوله:
قَالَ الخَلِيفَةُ لَا تَنْسِبْ بِجَارِيَةٍ ... إِيَّاكَ إِيَّاكَ أَنْ تَشْقَى بِعِصْيَانِ (٣)
وقوله:
وَلَوْلَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ سَقَيْتُها ... أُوَامًا يُنَاجِينَا لهَا حَيْثُ حَلَّتِ (٤)
وقال أبو الفرج: "قدم بشارٌ على المهدي بالرُّصافة، فدخل عليه في البستان، فأنشده مديحًا فيه تشبيبٌ حسن، فنهاه عن التشبيب لغَيْرَةٍ شديدة كانت فيه، ثم قدم
стр. 1558
في السنة الثانية فأنشده مديحًا فيه (هو القصيدة التي أولها: يا صَاحِبَيَّ العَشيَّةَ احْتَسِبَا)، يقول فيه:
كَأَنَّمَا جِئْتُهُ أُبَشِّرُهُ ... وَلَمْ أَجِئْ رَاغِبًا وَمُحْتَلِبَا
[يُزَيِّنُ المِنْبَرَ الأَشَمَّ بِعِطْـ ... ـفَيْهِ وَأَقْوَالِهِ إِذَا خَطَبَا
تُشَمُّ نَعْلَاهُ فِي النَّدِيِّ كَمَا ... يُشَمُّ مَاءُ الرَّيْحَانِ مُنْتَهَبَا]
"فأعطاه خمسةَ آلاف درهم، وكساه، وحَمَلَه على بغل، وجعل له وِفادَةً كلَّ سنة، ونهاه عن التشبيب البتّة. فقدم عليه في السنة الثالثة، فدخل عليه فأنشده" قصيدته:
تَجَالَلْتُ عَنْ فِهْرٍ وَعَنْ جَارَتَيْ فِهْرِ ... وَوَدَّعْتُ نُعْمَى بِالسَّلَامِ وَبِالبِشْرِ
ومنها:
تَرَكْتُ لِمَهْدِيِّ الأنَامِ وِصَالَهَا ... وَرَاعَيْتُ عَهْدًا بَيْنَنَا لَيْس بِالخَيْرِ
وَلَوْلَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٌ ... لَقَبَّلْتُ فَاهَا أَوْ لَكَانَ بِهَا فِطْرِي
"فأعطاه ما كان يعطيه قبل ذلك، ولم يزد شيئًا". (١)
وذكر أبو الفرج عن أبي العالية "أن بشارًا قدم على المهدي، فلما استأذن عليه قال له الرّبيع: قد أذن لك وأمرك ألا تُنشد شيئًا من الغزل والتشبيب، فادخُل على ذلك، فأنشده:
стр. 1559
يَا مَنْظَرًا حَسَنًا رَأَيْتُهْ ... مِنْ وَجْهِ جَارِيَةٍ فَدَيْتُهْ
الأبيات. ومنها قوله:
[وَيَشُوقُنِي بَيْتُ الحَبِيـ ... ـبِ إِذَا ادَّكَرْتُ وَأَيْنَ بَيْتُهْ]
قَامَ الخَلِيفَةُ دُونَهْ ... فَصَبَرْتُ عَنْهُ وَمَا قَلَيْتُهْ"
"ثم أنشده ما مدحه به بلا تشبيب، فحرمه ولم يعطه شيئًا". (١)
أقول: قد كان عمر بن الخطاب سبق المهدي إلى مثل هذا، روى عبد الله بن السيّد البَطَلْيوسي في "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" في الجزء الثالث أن عمر بن الخطاب كان عهد إلى الشعراء ألا يشبّب رجلٌ بامرأة، وتوعّدهم على ذلك، فكان الشعراء يُكَنُّون عن النساء بالشَّجَر (٢)، ولذلك قال حُمَيد بن ثَوْر:
سقَى السَّرْحَةَ المِحْلَالَ وَالأَبْرَقَ الَّذِي ... بِهِ الشَّرْيُ غَيْثٌ دَائِمٌ وَبُرُوقُ
وَهَلْ أَنَا إِنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ... مِنَ السَّرْحِ مَأْخُوذٌ إِلَيَّ طَرِيقُ
أَبَى اللهُ إلَّا أَنَّ سَرْحَةَ مَالكٍ ... عَلَى كُلِّ أَفْنَانِ العِضَاهِ تَرُوقُ (٣)
стр. 1560
قلت: وفي هذا المعنى قال [الشاعر]:
أَلَا يَا نَخْلةً مِنْ ذَاتِ عرقٍ ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ الله السَّلَامُ (١)
стр. 1561
أراد حبيبته فكنى عنها بالنخلة. وكنوا عن المرأة بالشاة من قبل في الجاهلية، قال عنترة:
يَا شَاةَ مَا قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ له ... حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ (١)
وذكر الجرجاني في كتاب "الكنايات" أن التكنية بالشجر وغيره عن المرأة قديمةٌ في كلام العرب من عصر الجاهلية (٢).
سعة علمه بالعربية وتفننه:
يُنْبِئُك شعرُ بشار، فضلًا عن بلاغته وفصاحته، بأنه تمكن في العلم بأحوال العرب وعاداتهم وأيامهم، حتّى إنه لينظم القصائدَ فلا يُخِلّ بشيء مما يودِعه فحولُ العرب في أشعارهم. وكذلك كان علمُه بأحوال الإسلام، وأيام دوله، ومناهج الشريعة واختلاف أئمتها. وجمع إلى ذلك علمًا بعادات المولَّدين من العرب في الأمصار، وأمثالهم، وعقائدهم، ومجالس جِدهم ولهوهم. وقد أودَع جَمًّا من ذلك في
стр. 1562
شعره، نبَّهتُ عليه في مواضعه. ولقد كان قويَّ الحافظة، مطلعًا على شعر العرب ومَنْ بعدهم. وفي أمالي الزجاجي عن أبي حاتم قال: "أنشدتُ أبا زيدٍ قولَ بشار (١):
أَدَيْسَمُ يَابْنَ الذِّئْبِ مِنْ نَسْلِ زَارِعٍ ... أَتَرْوِي هِجَائِيَ سَادِرًا غَيْرَ مُقْصِرِ
فقال: لِمَنْ هذا الشعر؟ قلت: لبشار في ديسمٍ العَنَزي. قال: قاتله الله! ما أعلمَه بكلام العرب! ثم قال: الدّيسَم: ولد الذئب من الكلبة، ويُقال للكلاب: أولاد زارع. والعِسْبار: وَلَدُ الضَّبُع من الذئب، والسِّمع: وَلَدُ الذئب من الضَّبُع". (٢)
ومن دلائل سَعة علمه بالعربية أنا نجد في شعره ألفاظًا كثيرة وتصريفاتٍ خلت عن ذكرها كتبُ اللغة، كما سنذكره في مبحث توسع بشار في اللغة.
البصرة وقبائل العرب حولها:
كانت قبائل البادية من العرب في عصر الجاهلية تتوخّى النزولَ حوالَي المدن العربية مهما وجدت إلى ذلك سبيلًا؛ لأن المدن كانت أسواق العرب، وفيها ما يحتاجه أهلُ البادية من المصنوعات والطعام إن احتاجوا إليه، مثل مكة ويثرب وحجْر اليمامة. وكذلك كان شأنُ القبائل النازلة بالعراق وبالشام، مثل بَكْر وقُضَاعة وتَغْلِب، فإنهم كانوا مجتمعين حوالَي الحيرة والأنْبار والمدائن في العراق، وحوالَي جلَّق وبُصرى وحوران وصيداء وتَدْمُر بالشام.
فلما نزحت بهم الفتوحُ في العراق احتاجت القبائل النازحة التي لم تكن لها منازل هنالك إلى إيجاد مصر وسْط ديارهم، فلذلك أمر عمر قواده بتخطيط
стр. 1563
المِصْرَيْن: البصرة والكوفة، وقد كان بناء البصرة سنة سبع عشرة، وكان موضع البصرة قرية تُسمَّى بالفارسية بَسْرَاهْ، فيها قصر ومَسَالِح للعجم، ووقعت في يد المسلمين سنة اثني عشرة، وكانت المدينة لتلك الكُورة العجمية يومئذ هي الأُبُلَّة (١).
خطط عُتبة بن غَزْوان البصرة، ورغّب الناسَ في سكناها وإخلاء الأُبُلَّة، ونزلت قبائلُ العرب حولها، حتى تكامل عددُ رجال الجند حول البصرة بالإحصاء الواقع زمنَ ولاية زياد بن أبي سُفيان ثمانين ألفًا من العرب، وكان مجموع عِيَالات العرب مائةً وعشرين ألفَ عَيِّل (٢). والبصرة هي موطن بشار، وبها نشأت فيه الملكةُ العربية.
مرتبته من العلم:
اتفق الرواة على أن بشارًا كان ممن زاول علم الكلام وعدّ من متقنيه، وأنه كان من أصحاب عمرو بن عُبيد وواصل بن عطاء، وهما إماما المعتزلة بالبصرة، قال أبو الفرج الأصفهاني: "كان بالبصرة ستة من أصحاب الكلام: عَمرو بن عُبيد، وواصل بن عطاء (الغزّال)، وبشار (بن برد) الأعمى، وصالح بن عبد القُدّوس، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، ورجل من الأزد - وقال أبو أحمد: يعني جرير بن حازم -[فكانوا يجتمعون في منزل الأزدي ويختصمون عنده] " (٣). وحسبك عدُّ
стр. 1564
بشار مع مثل عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء من العلماء، إلا أنهما عَظُما بالتقوى، واشتُهر بشار بالمجون.
و شعر بشار يدل على أن له رتبةً مكينة في السيرة النبوية، وفي الأخبار والآثار وأيام العرب، وتراجم الشعراء وما أخذ عليهم، وما اختير لهم من الشعر، ألا ترى قوله (في الورقة ١٣٢):
إِنَّ النُّحَيْلَةَ لَوْ يَمِيلُ بِهَا الصَّبِىُّ ... كَالقِنْوِ مَالَ عَلَى أَبِي الدَّحْدَاحِ (١)
يشير إلى منقبة أبي الدّحداح التي في قول النبي ﷺ : "كم من عِذْق رَداح في الجنة لأبي الدحداح". (٢)
شعر بشار:
معروفٌ من أصول الأدب تقسيم الشعراء إلى أربع طبقات: جاهلي، ومخضرم، وإسلامي متقدّم، ومولّد. فالجاهلي مَنْ نشأ وانقرض قبل الإسلام، وهم شعراء مدة مائة وخمسين سنة قبل الهجرة، لا يعدو المعروفُ منهم هذا الزمن. والمخضرَم مَنْ قال شعرًا في الجاهلية وأسلم، وهو بفتح الراء من الخَضْرمة، وهي القطع؛ لأن الإسلام قطعهم عن الكفر، قال ابن فارس: وهذا اللقب من الأسماء التي أحدثت لهم في الإسلام (٣).
стр. 1565
وأنا أحسب أن هذا اللقب سرى إليهم من وصف الإبل التي أسلم أهلُها وجعلوا لها سماتٍ تعارفوها تنبئ بأن أهلها مسلمون، وهي شق آذان إبلهم، وذلك الشق يسمى خضرمة. يدلّ لذلك ما ورد في حديث وفد جَسْر وهم بطن من قُضاعةَ، فقال رسول الله ﷺ : "إن جسْرًا طلقاء الله أسلموا وخَضرَموا"، قال ابن منده: "والخضرمة شق آذان الإبل حتى إذا أغارت عليهم خَيْلُ المسلمين عرفوها فلم تُهَج". (١)
والإسلامي المتقدم، مثل عُمر بن أبي ربيعة والفرزدق وجرير؛ والمولدون مثل بشار ومَنْ بعده كأبي تمام. وقد قسمهم الأدباء أيضًا إلى أمويٍّ مثل أبي عطاء السِّندي، وعباسيٍّ مثل أبي تمام، ومخضرم الدولتين وهو الذي أدرك بشعره الدولةَ الأموية والدولة العباسية، مثل بشار والعجّاج وأبي النجم وذي الرمة. وبشارٌ إلى الدولة الأموية أقرب، وشعرُه في مدتها أكثر. وقد كان شعرُه شائعًا في زمن الخليفة الوليد بن يزيد، ففي الأغاني أن محمدًا بن عمران الضبِّي قال: أنشدنا الوليد بن يزيد قول بشار:
أَيُّهَا السَّاقِيَانِ صُبَّا شَرَابِي ... وَاسْقِيَانِي مِنْ رِيقِ بَيْضَاءَ رُودِ
. . . . الأبيات". (٢)
стр. 1566
وقد أظهر بشارٌ تشيّعَه للأمويين في قصيدته التي طالعها: "جَفَا وِدُّهُ فَازْوَرَّ أَوْ مَلَّ صَاحِبُهْ" (١)، والقصيدة التي طالعها: "أَأَحْزَنَك الأُلَى ظَعَنُوا فساروا" (٢). فهو أقربُ إلى أبي عَطاء السِّنْديّ (٣)، إلا أن أبا عطاء ترك قولَ الشعر عند ظهور الدولة العباسية، وبشارًا قَلَبَ ظهْرَ المِجَن، فصانع العباسيين. وقد عُدّ بشار أولَ المولدين وآخِرَ المتقدمين من الإسلاميين، هكذا يقول أهل الأدب، ولقبه في العُباب (٤) بأبي المحدثين.
وأنَا أُبَيِّنُ لك وجهَ هذا الحكم: اعلمْ أن الشعراء الذين طوّروا الشعرَ فيما عُرِف من أزمان تاريخ الشعر العَربي قبل بشار (٥) هم: المُهَلْهل، وامرؤُ القيس،
стр. 1567
والنّابغة الذبياني، والأعشى ميمون، وعُمر بن أبي ربيعة. فأما المهلهل فهو أول من هَلْهَلَ الشعر، كما قال أئمةُ الأدب في وجه تلقيبه بالمهلهِل، ومعنى هلهل الشعر: رقّقه وحسّنه (١). واما امرؤ القيس فقد ابتكر التشبيهات البديعة، ووصَفَ مجالسه مع النساء. وأما النابغة فقد ذكر المقاولاتِ والاعتذارات، ووصف مجالس الملوك. وأما عُمر بن أبي ربيعة، فقد ابتكر وصفَ أحوال النساء في مجالسهن الغزلية. وكلُّ هؤلاء لم يَعْدُوا الطريقةَ المعروفة عند العرب.
أما بشار بن برد فقد أحدث طريقةً وسطًا، فهو آخرُ المتقدِّمين؛ لأن لهجةَ شعره وجَزالة ألفاظه ورواجَ اللغة العربية في شعره وطريقتَه العربية في كثير من شعره، وذِكْرَه مفاخر القبائل وأيامها وانتصارها، كلُّ ذلك لم يقصر في شيء منه عن المتقدمين، وكان يحتذي حذوَه في هذه الصفة البحتري في شعره.
وبشار أولُ المولدين؛ لأن امتلاء شعره بالمعاني الجديدة والعادات الحضرية من نسيب رقيق وخمريات وزَهريات وهجاء مقذع، مع النُّزوع إلى بعض العناية بالمحسنات اللفظية والمعاني العلمية؛ كُلُّ ذلك سُنّة خالف بها طرائقَ الشعر العربي القديم، وقد سنها للمولَّدين، فهم يقتفون آثاره، ويلحقون غباره. وأولُ مَنْ اقتفى طرائقَه سَلْمٌ الخاسر وأبو نُوَاس ومسلم بن الوليد وأبو تمّام، وكلٌّ في ناحية من نواحي شعر بشار، على تفاوتٍ فيهم من إكثار وإقلال.
стр. 1568
ثم إن بشارًا قد رُزق ذهنًا وقّادًا وفطرةً سليمة، ثم أعانه على نماء ذلك فقدُ بصره، فقوي خيالُه، وأيضًا إحاطة حفظه وعلمه. ثم قُدِّر له أن رُبِّيَ بين فصحاء العرب في بني عُقيل، وسكن البصرة التي هي مصر البادية العربية، وهي سوق سائر العرب يومئذ، وفيها تسمع مبتكرات أشعارهم ومحفوظاتهم من أشعار سلفهم، ولذلك كان النحوُ العربي مقرُّه البصرة.
نبغ بشارٌ في خلافة هشام بن عبد الملك، أيام عَظُمَ مُلك الإسلام، واجتمعت أمتُه تحت دولة واحدة. قال الخطيب في تاريخ بغداد إن "بشارًا قال الشعر ولم يبلغ عشر سنين" (١). وقد قال بشار: "هجوت جريرًا فاستصغرني، وأعرض عني، ولو أجابني لكنتُ أشعر الناس". (٢)
وفي الأغاني أن أحمد بن المبارك قال: "قلت لبشار: ليس لأحد من شعراء العرب شعرٌ إلا وقد قال فيه شيئًا استنكرتْه العربُ من ألفاظهم وشُكَّ فيه، وإنه ليس في شعرك ما يُشَكُّ فيه. قال (بشار): ومن أين يأتيني الخطأ؟ وُلدتُ ها هنا، ونشأتُ في حجور ثمانين شيخًا من فصحاء بني عُقيل، ما فيهم أحدٌ يعرف كلمةً من الخطأ. وإن دخلتُ إلى نسائهم فنساؤُهم أفصحُ منهم، وأيْفَعْتُ فأُبْدِيتُ (أي سكنت البادية) إلى أن أدركتُ، فمن أين يأتيني الخطأ؟ " (٣)
وقد قال في وصف شعره:
стр. 1569
وَشِعْرٍ كَنَوْرِ الرَّوْضِ لَاءَمْتُ بَيْنَهُ ... بِقَوْلٍ إِذَا مَا أَحْزَنَ الشِّعْرُ أَسْهَلا (١)
لذلك قال أئمةُ الأدب: إنه لم يكن في زمن بشار بالبصرة غَزِلٌ ولا مغنيةٌ ولا نائحةٌ إلا يَروي من شعر بشار فيما هو بصدده (٢). ومما أقبل بالناس على شعر بشار أنه لم يَقصِرْ نفسه على متابعة المتقدمين من الشعراء في معانيهم، بل أودعه المعاني الحضرية المستجدَّة في عصره، فوصف حالةَ الناس في عصره ومحاسن شرابهم وبستانهم، كما في قوله:
فِي جِنانٍ خُضْرٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ... قَيْصَرِيٍّ حَفَّتْ بِهِ الأَعْنَابُ
فَوْقَهَا مَلْعَبُ الحمَامِ وَيَسْتَـ ... ـنُّ خَلِيجٌ مِنْ دُونِهَا صَخَّابُ (٣)
وضمّنه أحوالَ الناس، كقوله:
وجاء بلفظ "ست" وهي كلمة جديدة في عصره بمعنى السيدة، وكانوا يعيبون استعمالها، وبشار لم يعبأ بهم، قال البهاء زهير:
أُنَادِيهَا إِذَا حَضَرَتْ بسِتِّي ... فَيَلْحَظُنِي النحاةُ بِعَيْنِ مَقْتِ (١)
ونظم ألفاظ التحبب - كقولهم: "نور عيني" - في مواضع، منها ما في الورقة ٣١ (٢). وكما ذكر الرواحل في الأسفار، ذكر الزوارقَ واختراقَها الفرات ودجلة (٣). وأشار إلى الحكايات، كقوله:
وهو - فيما رأيت - أولُ شاعرٍ ذكر شربَ الخمر على ذكر الأحبة في الحزن وضده، كقوله في الديوان:
فَاشْرَبْ عَلَى مَوْتِ إِخْوَانٍ رُزِئْتَهُمُ ... بَابُ المَنِيّةِ عَنِّي غَيْرُ مَسْدُودِ (١)
وقوله في الملحقات:
فَاشْرَبْ عَلَى أُبْنَةِ الزَّمَانِ فَمَا ... تَلْقَى زَمَانًا صَفَا مِنَ الأُبنِ (٢)
وقوله أيضًا:
فَاشْرَبْ عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مُرْتَفِقًا ... لَا يَصْحَبُ الهَمُّ قَرْعَ السِّنِّ بِالكَاسِ (٣)
وقد سرى ابتكارُ بشار من ابتكاره المعاني إلى أن ابتكر الأساليب، فنظم الشعرَ على طريقةٍ لم تكن معروفة، وهي طريقة المراسلة، و [من] ذلك رسالةٌ شعرية راسل بها عَبدة، وهي في الديوان:
مِنَ المَشْهُورِ بِالحُبِّ ... إِلَى قَاسِيَةِ القَلْبِ
سَلَامُ الله ذِي العَرْشِ ... عَلَى وَجْهِكِ يَا حِبِّي
فَأَمَّا بَعْدُ يَا قُرَّ ... ةَ عَيْنِي وَمُنَى قَلْبِي (٤)
إلى آخره.
стр. 1574
إن العصر والحالة اللذين تيسر لبشارٍ أن يوجد فيهما قد كانا بحكم المصادفة سببًا قويًّا خَوَّل مواهبَه الفطرية النادرة أن تظهر في مظهر الشاعر العربي الفائق المعاني الفصيح البليغ. فقد كان عصرُ الدولة الأموية عصرًا نضِجَتْ فيه الحضارةُ العربية الخالصة، وكان آخرُ ذلك العصر هو آخرَ عهدٍ بالأدب العربي السليم من الدخائل، وكان نزولُ قبائل العرب الخُلَّص حول أول مصر إسلامي عربي، وهو البمرة التي ظهر فيها شباب حضارة إسلامية عربية بريئة من العجمة. وكانت نشأةُ بشار بين ظهراني أولئك العرب الأقحاح.
كان كلُّ ذلك عونًا كبيرًا على تكوين شاعرية بشار، وجمعه مخيلةً تحوي دقةَ المعاني الحضرية الجارية على الذوق العربي، من رفاهية وغرام ومجون وأصالة رأي وسعة علم، ثُم من فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني. فإذا افتقدتَ مجموعَ ما تأتَّى له، وجدتَه لم يتَأتَّ لأحد غيره، مِمَّنْ تقدمه ولا لِمَنْ تأخر عنه. فلذلك كان بحق هو أولَ الشعراء المتأخرين من حيث الوجهةُ الأولى، وآخر الشعراء المتقدمين من حيث الوجهةُ الثانية.
فإذا كان الذين تقدموه - مثل النابغة وحسان وعُمر بن أبي ربيعة والعَرْجِي (١) - قد شاركوه في الفصاحة والبلاغة والمعاني القديمة، فإنهم لم يكتسبوا
стр. 1575
ما أكسبتْه الحضارةُ من دقة معاني المعارف والحكمة وعظمة الدولة ورقة الغرام والمجون. وإذا كان المتأخرون عنه - مثل أبي نواس وأبي تمام والبحتري - قد شاركوه في هذه الرقة ونسجوا على منواله، فإنهم لم يَسْعَدوا بما سعِد به بشارٌ من النشأة في الفصاحة والبلاغة الخالصتين. وإذا كان معاصروه - مثلُ صالح بن عبد القدوس وحمّاد عجرد وأبي العتاهية من شعراء الحضر - قد شاركه بعضُهم في المعاني الحضرية وبعضُهم في المعارف العقلية، فإنهم لم يتفق لأحدٍ منهم أن ينال مثلَ حظ بشار في نشأته العربية البدوية.
إذا عددتَ من معاصريه ومَنْ تقدمه قليلًا من شعراء البادية أمثالِ رُؤْبَةَ وذي الرمَّة وأمثال الفرزدق وجرير، لم تجد في شعرهم ما تجد في شعر بشار من دقّة المعاني ولا من رقّة الألفاظ. وهذا سر اللقب الذي منحه أئمةُ الأدب بشارًا - وهو أن سموه "أول المُحْدَثين وآخر المتقدمين" - الذي انْبَهَم توجيهُه على الأدباء. ألا ترى أنهم لا يعنُون بذلك تاريخ وجوده ضرورة أنه لم يوجد منفردًا في عصره، وإنَّما عَنَوا ديباجةَ شعره وطريقته! فمعاصروه يلحق بعضُهم بالمحدَثين مثل صالح بن عبد القدوس، وبعضُهم بالمتقدمين مثل رؤبة وذي الرمّة.
فصاحةُ ألفاظ بشارٍ بلغت الحدَّ الأقصى؛ فإنك لا تجد في ألفاظه ثِقلًا ولا تنافرًا ولا كُلفة. وصراحةُ دلالة ألفاظه على المعاني بينةٌ واضحة، ترى فيها كيف يخطر له المعنى الجليل والدقيق والعامّي، فلا يتريث في التعبير عنه بأفصح الألفاظ دون استعانة بزيادة أو حذف، بحيث تلوح لك الفصاحةُ العربية برُوائها والانسجام المولَّد ببهائه، كقوله (في الورقة ٤٢):
مَا زِلْتُ أَذْكُرُكُمْ وَليْلَتَكُمْ ... حَتَّى جَفَا عَنْ مَضْجَعِي جَنْبِي
стр. 1576
وَعَلِمْتُ أَنَّ الصَّرْمَ شِيمَتُكُمْ ... فِي النَّأْيِ وَالهِجْرَانِ فِي القُرْبِ
فضَلَلْتُ لَا أَدْرِي: أُقِيمُ عَلَى الـ ... ـهِجْرَانِ أَوْ أَغْدُو مَعَ الرَّكْبِ (١)
فقولُه: "أو أغدو مع الركب" قابَل به قولَه: "أقيم على الهجران" فلم يعجزه الميزان ولا القافية إذ عبر عن السفر بأغدو مع الركب، وكذا قوله فيها:
نَادَيْتُ: إِنَّ الحُبَّ أَشْعَرَنِي ... قَتْلًا وَمَا أَحْدَثْتُ مِنْ ذَنْبِ (٢)
فقوله: "أشعرني قتلًا" دون أن يقول: "قتلني" لتجنّب الابتذال. وأما بلاغته فقد شهد له بها أئمّة البلاغة وفحول الشعراء، وكانت أبياته شواهد في ذلك، مثل قوله:
كَأَنَّ مُثَارَ النّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ ... وَأَسْيَافَنَا ليلٌ تهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٣)
وغير ذلك.
وقد وجدتُ له أربعَ استعارات في مصراع بيت، وهو قوله (في الورقة ١٤٩):
غَابَ القَذَى فَشَرِبْنَا صَفْوَ لَيْلَتِنَا ... حِبَّيْنِ نَلْهُو وَنَخْشَى الوَاحِدَ الصَّمَدَا (٤)
فإنه شبّه الرقيب بالقذى، لأنه يكدر عليه التذاذه بالحبيب، كما يكدر القذى الالتذاذ بالخمر، وهي تصريحية، وشبّه الليلة بالخمر على طريقة المكنيَّة، ورمز بقوله
стр. 1577
شربنا، وشبَه تلذذَ تلك الليلة بشرب الخمر، وشبّه خلوّ الليلة من المغنيات بصفاء الخمر، وقوله: "صفو ليلتنا" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ليلتنا الصفو، أي: الصافية، ففي هذا المصراع أربع استعارات: مصرّحة، ومكنية، ومصرّحتان بُنيتا على المكنية.
ومن أبدع الإبداع في صناعة البلاغة قوله (في الورقة ١٥٧):
لَا تَفْرَحِي بِالجَلَبِ الأَشَدِّ ... قَدْ يُخرج الليثَ سهامُ الوُغْدِ (١)
إذ شبّه حال عبد القيس في إقدامهم على حرْب عُقبة بالمقامر، وجعل خيبتَهم في الحرب كخروج السهم الوغد لمقامر، وجعل عقبة كأسد في الاغتيال، وجعل بأسه كإخراج الأسد أنيابه، وجعل الأنياب المحازية كالسهام لكنها أوغاد تنذر بالشر لمن خرجت له. فجمع في مصراع واحد: مُكنيةً، ومصرِّحةً مرشِّحة وترشيحُها مكنيةٌ أخرى، وأعقبها بمصرّحة، وتلك المصرحة فيها احتراس بديعي، ومجموع ذلك استعارة تمثيلية، أجزاؤها استعارات، مع نهاية الإيجاز.
وأما تفننه في الأغراض الشعرية فقد سلك فيه طرائق ابتكرها، منها افتتاح الهجاء بالنسيب، وقد كان العرب يفتتحون المديح بالنسيب، مثل قصائد زهير والأعشى والنابغة وعلقمة الفحل، وتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة كثير في شعر بشار، سئل أبو عمرو ابن العلاء: مَنْ أبدع الناس بيتًا؟ فقال الذي يقول:
لَمْ يَطُلْ لَيْلي وَلَكنْ لَمْ أنَمْ ... وَنَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمْ
رَوِّحِي عَنِّي قَلِيلًا وَاعْلَمِي ... أَنَّنِي يَا عَبْدَ مِنْ لَحْم ودَمْ (٢)
стр. 1578
وأما أبواب الشعر فقد طرقها كلَّها وأبدع فيها. فباب الهجاء قد اشتهر به بشار ونبغ فيه، وقد قال: إنه هجا جريرًا في صغره فأعرض عنه جرير (١). وكان الشرُّ قد نشأ بين حماد عجرد وبشار، فكانا يتقارضان الهجاء، فأجمع أئمةُ الأدب بالبصرة على أنه ليس في هجاء حمادٍ بشارًا شيءٌ جيد إلا أربعين بيتًا معدودة، وأن لبشار في حماد من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد. وقد روى أبو العيناء أن الرشيد سأل الأصمعي عن أهجى بيت قالته العرب، فقال له الأصمعي: قول الحُطيئة:
قَوْمٌ إِذَا اسْتَنْبَحَ الأضْيافُ كَلْبَهُمُ ... قَالُوا لأُمِّهُم: بُولِي عَلَى النَّارِ
فَتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلًا أَنْ تَجُودَ بِهِ ... فَمَا تَبُولُ لَهُمْ إِلَّا بمِقْدَارِ (٢)
فقال الرشيد: أهجى منه قولُ بشار:
إِذَا أَنْكرْتَ نِسْبَةَ بَاهِلِيٍّ ... فكَشِّفْ عَنْهُ حَاشِيَةَ الإِزَارِ
عَلَى أسْتَاهِ سَادَتِهمْ كِتَابٌ ... مَوَالِي عَامِرٍ وَسْمًا بِنَارِ (٣)
стр. 1579
وقال أبو عمرو بن العلاء: أهجَى بيتٍ قولُ بشار:
رَأَيْتُ السُّهَيْلَيْنِ اسْتَوَى الجُودُ فِيهِمَا ... عَلَى بُعْدِ ذَا مِنْ ذَاكَ فِي حُكْمِ حَاكِمِ
سُهَيْلُ بنُ عُثْمَانَ يَجُودُ بِمَالِهِ ... كَمَا جَادَ بِالوَجْعَا سُهَيْلُ بنُ سَالِمِ (١)
وأما باب النسيب فهو فاتحه على مصراعيه، وتارك امرئ القيس فيه عيِيًّا. وقد أبدع بشار في وصف خلوات الحب، ومشاكلة المتحابين، وتوسّط الرسل، ومراقبة الرقباء، وعَذْل العذَّال، بما لم يسبقه إلى تفصيل التوصيف فيه أحدٌ من الشعراء. وهو الذي فتح لأبي نواس وأتباعه هذه الطريقة، وانظر قصيدتَه التي أولُها:
تَعَجَّبَتْ جَارَتِي مِنِّي وَقَدْ رَقَدَتْ ... عَنِّي العُيُونُ وَبَاتَ الهَمُّ مُحْتَشِدَا (٢)
تجدْ خمسين بيتًا في صفة زيارته محبوبته سعدَى.
وأما المديح فقد قيل لأبي عمرو بن العلاء: من أمدح الناس؟ قال الذي يقول (يعني بشارًا):
لمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
فَلَا أنا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَأَتْلَفْتُ مَا عِنْدِي (٣)
стр. 1580
وأما الفخر والحماسة فقد قيل: إن أفخر بَيت قول بشار:
إذا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أو تُمْطِرُ الدَّمَا
إذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّدًا مِنْ قَبِيلَةٍ ... ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَينَا وَسَلَّمَا (١)
يريد أن الخطباء يصلّون على الرسول وآله، وهم مُضَر الذين منهم بنو عُقيل بن كعب من بني عامر بن صعصعة مولى بشار (٢).
وأما باب الوصف، وهو الذي يُقصد منه حكايةُ واقعةٍ تامة بدون تلميح ولا كناية، ولكن بتفصيل قصير أو طويل، فهو فنٌّ من الشعر نادرٌ في كلام العرب