← Джавами‘

Джавами‘ · id 147597

جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور

ابن عاشور

Полный текст (2 042 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وَعَلِمْتُ أَنَّ الصَّرْمَ شِيمَتُكُمْ ... فِي النَّأْيِ وَالهِجْرَانِ فِي القُرْبِ فضَلَلْتُ لَا أَدْرِي: أُقِيمُ عَلَى الـ ... ـهِجْرَانِ أَوْ أَغْدُو مَعَ الرَّكْبِ (١) فقولُه: "أو أغدو مع الركب" قابَل به قولَه: "أقيم على الهجران" فلم يعجزه الميزان ولا القافية إذ عبر عن السفر بأغدو مع الركب، وكذا قوله فيها: نَادَيْتُ: إِنَّ الحُبَّ أَشْعَرَنِي ... قَتْلًا وَمَا أَحْدَثْتُ مِنْ ذَنْبِ (٢) فقوله: "أشعرني قتلًا" دون أن يقول: "قتلني" لتجنّب الابتذال. وأما بلاغته فقد شهد له بها أئمّة البلاغة وفحول الشعراء، وكانت أبياته شواهد في ذلك، مثل قوله: كَأَنَّ مُثَارَ النّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ ... وَأَسْيَافَنَا ليلٌ تهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٣) وغير ذلك. وقد وجدتُ له أربعَ استعارات في مصراع بيت، وهو قوله (في الورقة ١٤٩): غَابَ القَذَى فَشَرِبْنَا صَفْوَ لَيْلَتِنَا ... حِبَّيْنِ نَلْهُو وَنَخْشَى الوَاحِدَ الصَّمَدَا (٤) فإنه شبّه الرقيب بالقذى، لأنه يكدر عليه التذاذه بالحبيب، كما يكدر القذى الالتذاذ بالخمر، وهي تصريحية، وشبّه الليلة بالخمر على طريقة المكنيَّة، ورمز بقوله

стр. 1577

شربنا، وشبَه تلذذَ تلك الليلة بشرب الخمر، وشبّه خلوّ الليلة من المغنيات بصفاء الخمر، وقوله: "صفو ليلتنا" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ليلتنا الصفو، أي: الصافية، ففي هذا المصراع أربع استعارات: مصرّحة، ومكنية، ومصرّحتان بُنيتا على المكنية. ومن أبدع الإبداع في صناعة البلاغة قوله (في الورقة ١٥٧): لَا تَفْرَحِي بِالجَلَبِ الأَشَدِّ ... قَدْ يُخرج الليثَ سهامُ الوُغْدِ (١) إذ شبّه حال عبد القيس في إقدامهم على حرْب عُقبة بالمقامر، وجعل خيبتَهم في الحرب كخروج السهم الوغد لمقامر، وجعل عقبة كأسد في الاغتيال، وجعل بأسه كإخراج الأسد أنيابه، وجعل الأنياب المحازية كالسهام لكنها أوغاد تنذر بالشر لمن خرجت له. فجمع في مصراع واحد: مُكنيةً، ومصرِّحةً مرشِّحة وترشيحُها مكنيةٌ أخرى، وأعقبها بمصرّحة، وتلك المصرحة فيها احتراس بديعي، ومجموع ذلك استعارة تمثيلية، أجزاؤها استعارات، مع نهاية الإيجاز. وأما تفننه في الأغراض الشعرية فقد سلك فيه طرائق ابتكرها، منها افتتاح الهجاء بالنسيب، وقد كان العرب يفتتحون المديح بالنسيب، مثل قصائد زهير والأعشى والنابغة وعلقمة الفحل، وتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة كثير في شعر بشار، سئل أبو عمرو ابن العلاء: مَنْ أبدع الناس بيتًا؟ فقال الذي يقول: لَمْ يَطُلْ لَيْلي وَلَكنْ لَمْ أنَمْ ... وَنَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمْ رَوِّحِي عَنِّي قَلِيلًا وَاعْلَمِي ... أَنَّنِي يَا عَبْدَ مِنْ لَحْم ودَمْ (٢)

стр. 1578

وأما أبواب الشعر فقد طرقها كلَّها وأبدع فيها. فباب الهجاء قد اشتهر به بشار ونبغ فيه، وقد قال: إنه هجا جريرًا في صغره فأعرض عنه جرير (١). وكان الشرُّ قد نشأ بين حماد عجرد وبشار، فكانا يتقارضان الهجاء، فأجمع أئمةُ الأدب بالبصرة على أنه ليس في هجاء حمادٍ بشارًا شيءٌ جيد إلا أربعين بيتًا معدودة، وأن لبشار في حماد من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد. وقد روى أبو العيناء أن الرشيد سأل الأصمعي عن أهجى بيت قالته العرب، فقال له الأصمعي: قول الحُطيئة: قَوْمٌ إِذَا اسْتَنْبَحَ الأضْيافُ كَلْبَهُمُ ... قَالُوا لأُمِّهُم: بُولِي عَلَى النَّارِ فَتُمْسِكُ البَوْلَ بُخْلًا أَنْ تَجُودَ بِهِ ... فَمَا تَبُولُ لَهُمْ إِلَّا بمِقْدَارِ (٢) فقال الرشيد: أهجى منه قولُ بشار: إِذَا أَنْكرْتَ نِسْبَةَ بَاهِلِيٍّ ... فكَشِّفْ عَنْهُ حَاشِيَةَ الإِزَارِ عَلَى أسْتَاهِ سَادَتِهمْ كِتَابٌ ... مَوَالِي عَامِرٍ وَسْمًا بِنَارِ (٣)

стр. 1579

وقال أبو عمرو بن العلاء: أهجَى بيتٍ قولُ بشار: رَأَيْتُ السُّهَيْلَيْنِ اسْتَوَى الجُودُ فِيهِمَا ... عَلَى بُعْدِ ذَا مِنْ ذَاكَ فِي حُكْمِ حَاكِمِ سُهَيْلُ بنُ عُثْمَانَ يَجُودُ بِمَالِهِ ... كَمَا جَادَ بِالوَجْعَا سُهَيْلُ بنُ سَالِمِ (١) وأما باب النسيب فهو فاتحه على مصراعيه، وتارك امرئ القيس فيه عيِيًّا. وقد أبدع بشار في وصف خلوات الحب، ومشاكلة المتحابين، وتوسّط الرسل، ومراقبة الرقباء، وعَذْل العذَّال، بما لم يسبقه إلى تفصيل التوصيف فيه أحدٌ من الشعراء. وهو الذي فتح لأبي نواس وأتباعه هذه الطريقة، وانظر قصيدتَه التي أولُها: تَعَجَّبَتْ جَارَتِي مِنِّي وَقَدْ رَقَدَتْ ... عَنِّي العُيُونُ وَبَاتَ الهَمُّ مُحْتَشِدَا (٢) تجدْ خمسين بيتًا في صفة زيارته محبوبته سعدَى. وأما المديح فقد قيل لأبي عمرو بن العلاء: من أمدح الناس؟ قال الذي يقول (يعني بشارًا): لمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلَا أنا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَأَتْلَفْتُ مَا عِنْدِي (٣)

стр. 1580

وأما الفخر والحماسة فقد قيل: إن أفخر بَيت قول بشار: إذا مَا غَضِبْنَا غَضْبَةً مُضَرِيَّةً ... هَتَكْنَا حِجَابَ الشَّمْسِ أو تُمْطِرُ الدَّمَا إذَا مَا أَعَرْنَا سَيِّدًا مِنْ قَبِيلَةٍ ... ذُرَى مِنْبَرٍ صَلَّى عَلَينَا وَسَلَّمَا (١) يريد أن الخطباء يصلّون على الرسول وآله، وهم مُضَر الذين منهم بنو عُقيل بن كعب من بني عامر بن صعصعة مولى بشار (٢). وأما باب الوصف، وهو الذي يُقصد منه حكايةُ واقعةٍ تامة بدون تلميح ولا كناية، ولكن بتفصيل قصير أو طويل، فهو فنٌّ من الشعر نادرٌ في كلام العرب

стр. 1581

وشعراء صدر الدولة الأموية. فمنه في شعر العرب قولُ زهير في المعلقة في وصف سير الحي: تَبَصَّرْ خَلِيلي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ ... تَحَمَّلْنَ بِالعَلْيَاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ الأبيات (١). ومنه قول عمر بن أبي ربيعة وأوجز: وَلَقَدْ قَالَتْ لأَتْرَابٍ لَهَا ... وَتَعَرَّتْ ذَاتَ يَوْمٍ تَبْتَرِدْ أَكَمَا يَنْعتُنِي تُبْصرْنَنِي؟ ... عَمْرُكُنَّ الله أَمْ لَا يَقْتَصِدْ فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا ... حَسَنٌ فِي كُلِّ عَيْنِ مَنْ تَوَدْ (٢) وقال أبو حيّة النُّمَيري من شعراء الحماسة: رَمَتْهُ أناةٌ مِنْ ربِيعَةَ عَامِرٍ ... نَؤُومُ الضُّحَى فِي مأتَمٍ أيِّ مَأْتَمِ فَجَاء كَخُوطِ البَان لَا مُتَتَابعٌ ... وَلَكِنْ بِسِيمَا ذِي وقارٍ وميْسَمِ فَقُلْنَ لَهَا سِرًّا: فَدَيْنَاكِ لَا يَرُحْ ... صَحِيحًا، وإن لَمْ تَقْتُلِيه فَألمِمِي فَألقَتْ قنَاعًا دُونَهُ الشمسُ واتَّقَتْ ... بأحْسَنِ مَوْصُولَيْنِ كَفٍّ وَمِعْصَمِ وَقَالَتْ فَلَمَّا أَفْرَغَتْ فِي فُؤَادِهِ ... وَعَيْنَيْهِ مِنْهَا السِّحْرَ قُلْنَ لَها: أنعَمِ

стр. 1582

فَرَاحَ وَمَا يَدْرِي: أَفِي طَلْعَةِ الضُّحَى ... تَروَّحَ أَمْ دَاجٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمِ (١) ولبشار فيه اليدُ الطُّولَى، والنفس الأطول، كقوله يصف ليلةَ زفافِ حبيبته وسفرها (٢): دَعَوْتُ بِوَيْلٍ يَوْمَ رَاحَ عَتَادُهَا ... وَأَوْدَعَنِي الزَّفْزَافَ لَيْلَةَ أَدْلَجُوا وَقَدْ زَادَنِي وَجْدًا عَلَيْهَا وَمَا دَرَتْ ... مَجَامِرُ فِي أَيْدِي الجَوَاري تَأَجَّجُ بعمن مَنْصُور المُغِيرِي جِمَالَهُ (٣) ... وَقَلْبِي لَهُ هَذَا مِنَ الحلْمِ أَعْوَجُ وَمَا خَرَجَتْ فِيهِنَّ حَتَّى عَذَلْنَهَا ... قيَامًا وَحَتَّى كَادَت الشَّمْسُ تَخْرُجُ فَقَامَتْ عَلَيْهَا نَضْرَةٌ وَاسْتِكَانَةٌ ... تَسَاقَطُ كَالنَّشْوَى حَيَاءً وَتَنْهَجُ وَمَا كَانَ مِنّي الدَّمْعُ حَتَّى تَوَجَّهَتْ ... مَعَ الصُّبْح يَقْفُوهَا الفَنيدُ المُسرَّجُ فَيَا عِبَرًا مِنْ بَيْنِهَا قَبْلَ نَيْلهَا ... وَمِنْ سَفَطٍ فِيهِ القَوَاريرُ تَحْرَجُ خَرَجْنَ بِهِ في حَجْر أُخْرَى كَأَنَّهُ ... بُنَيُّ لَيَالٍ فِي المَعَاوزِ يُدْرَجُ

стр. 1583

وَقَرَّبْنَ مَمْهُودَ السَّرَاةِ كَأنَّمَا ... غَدَا فِي دَيَاجِيرِ الكِسَا يَتَرَجْرَجُ (١) [كَنَجْمِ الدُّجَى إِذْ لَاحَ، لَا، بَلْ كَأَنَّهُ ... سَنَا نَارِ نَشْوَانٍ تَشُبُّ وَتَبْلُجُ] فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَكَتْ مِنْ دُنُوِّهِ ... وَقُلْنَ لَهَا قُومِي ارْكَبِي الصُّبحُ أَبْلَجُ وَفَدَّيْنَهَا كَيْمَا تَخِفُّ فَأَعْرَضَتْ ... تَجَشَّمُ مِما سُمْنَهَا وَتَغَنَّجُ وَلمَّا جَلَاهَا الشَّمْعُ سَبَّحَ نَاظِرٌ ... وكَبَّرَ رفَّافٌ وَسَارُوا فَأَرْهَجُوا (٢) وأما باب الأدب فشعر بشار مُلئَ حكمةً وأخلاقًا وضرْبَ أمثال؛ لأن بشارًا نشأ على معرفة الحكمة، وقرأ على الفلاسفة، وقد عُدّ من نظراء واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد كما تقدم. وأما صناعة الشعر فلبشار فيها غايةُ السبق وآيةُ الحذق، قال في الأغاني: قال الأئمّة: أحسن الناس ابتداءً في شعراء الجاهلية امرؤ القيس حيمث يقول: "قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ" (٣). وفي شعراء صدر الإسلام القطامي حيث يقول: إنا مُحيُّوك فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ ... وَإن بَلِيتَ، وَإن طَالَتْ بِكَ الطِّيَلُ (٤) ومن المولدين بشار؛ إذ يقول:

стр. 1584

أبَى طَلَلٌ بِالجِزْعِ أَنْ يَتكَلَّمَا ... وَمَاذَا عَلَيْهِ لَوْ أَجَابَ مُتَيَّمَا وَبِالفَرْعِ آثَارٌ بَقِينَ وَبِاللِّوَى ... مَلَاعِبُ لَا يُعْرَفْنَ إِلَّا تَوَهُّمَا (١) وروى في الأغاني بسنده عن بشار أنه قال: "ما زلتُ منذ سمعتُ قولَ امرئ القيس في تشبيهه شيئين في بيت واحد إذ يقول: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرِها العنّابُ وَالحَشَفُ البَالِي (٢) أُعمِل نفسي في أن آتي بتشبيه شيئين بشيئين في بيت حتى قلت: كَأَنَّ مَثَارَ النّقْع فَوْقَ رُؤُوسهمْ ... وأسيافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكبُه". (٣) وقد اتفق أئمة الأدب على أن تشبيه بشار قد فاق تشبيه امرئ القيس الذي تقدمه، وفاق تشبيه مَنْ تأخر عن بشار. فأما كونُه فاق امرأَ القيس فأمر واضح؛ لأن امرأ القيس شبه شيئين بشيئين على التفريق، وقد أشار إلى فضل بيت بشار عليه كلامُ عبد القاهر في فصل من أسرار البلاغة (٤)، وكذلك فاق عَمر بن كلثوم. وأما كونه فاق من تأخره، فقد قال الشيخ عبد القاهر في ص ١٣٩ من أسرار البلاغة: "ألا ترى

стр. 1585

أن أحد التفصيلين في التشبيه يفضل الآخر بأن تكون قد نظرتَ في أحدهما إلى ثلاثة أشياء أو ثلاث جهات، وفي الآخر إلى شيئين أو جهتين؟ والمثال في ذلك قول بشار: كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِنَا ... وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ مع قول المتنبّي: يَزُورُ الأَعَادِي فِي سَمَاءِ عَجاجَةٍ ... أَسِنَّتُه فِي جَانِبَيْهَا الكَوَاكِبُ (١) أو قول عمرو بن كلثوم: تَبْنِي سَنَابكُها مِنْ فَوْق أَرْؤُسِهم ... سَقْفًا كَوَاكِبُهُ البِيضُ المَبَاتِيرُ (٢)

стр. 1586

التفصيل في الأبيات الثلاثة كأنه شيء واحد؛ لأن كل واحد منهم شبه لمعان السيوف في الغبار بالكواكب في الليل، إلا أنك تجد لبيت بشار من الفضل ومن كرم الموقع ولطف التأثير في النفس ما لا يَقِلُّ مقدارُه ولا يمكن إنكاره، وذلك لأنه راعى ما لم يُراعه غيره، وهو أنْ جعل الكواكبَ تَهَاوى فأتَمَّ التشبيه، وعبّر عن هيئة السيوف وقد سُلَّت من الأغماد وهي تعلو وترسُب، وتجيء وتذهب، ولم يَقْتصر على أن يريَك لمَعانَها في أثناء العجاجة كما فعل الآخران، وكان لهذه الزيادة التي زادها حظٌّ من الدقة تجعلها في حكم تفصيل بعد تفصيل" (١). قال أئمة الأدب: حام حول هذا المعنى من التشبيه كثيرٌ من الشعراء، فلم يبلغوا مبلغَ بشار، مثل منصور النُّميري ومسلم بن الوليد وابن المعتزّ والمتنبّي. وقد بينتُ ذلك عند شرح هذا البيت، وليس هذا بالتشبيه الوحيد لبشار، فإن له تشبيهاتٍ بديعة، كقوله في وصف خفق السراب في فلاة: كَأَنَّ فِي جَانِبَيْهَا مِنْ تَغَوُّلِهَا ... بَيْضَاءُ تَحْسِرُ أَحْيَانًا وَتَنْتَقِبُ (٢) التغوّل: التلوّن، أي: مختلف اضطراب السَّراب للناظر مرة يغشى منظره ومرة يتجلّى، وكأنّ تلك الفلاة امرأة حسناء تكشف القناع تارة وتنتقب أخرى.

стр. 1587

هذا، وأما ابتكار المعاني فلبشار معان مبتكرة كثيرة، حتى إن الشعراء ليعمِدون إلى معانيه فيسرقونها ويتصرفون فيها، قال بشار: مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ ... وَفَازَ بِالطَّيّبَاتِ الفَاتِكُ اللهجُ فأخذه سَلَم بن عمرو الملقب بالخاسر، فقال: مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمًّا ... وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الجَسُورُ (١) وقال بشار: تذَكَّرُ مَنْ أَحْبَبْتَ إِذْ أَنْتَ يَافِعٌ ... غُلَامٌ فَمَعْنَاهُ إِلَيْكَ حَبِيبُ (٢) فأخذه علي بن العباس في قوله: وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْهُمُ ... مَعَاهِدُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمُو ... عُهُودَ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا (٣) وقال بشار:

стр. 1588

لَا يُؤْيِسَنَّكَ مِنْ مُخَدَّرَةٍ ... قَوْلٌ تُغَلِّظُهُ وَإِنْ جَرَحَا (١) فقال أبو نواس: صَرِّحَنْ لِلَّذِي تُحِبُّ بِحُبٍّ ... ثُمَّ دَعْهُ يَرُوضُهُ إِبْلِيسُ (٢) وسيأتي في فصل شهادة الأئمة لبشار كيف أخذ أبو العتاهية معنى بشار في إخفاء البكاء، فانظره هناك. ويأتي في ذلك الفصل قولُ علي بن يحيى بن أبي منصور: "ما عُرف بشارٌ بسرقة شعرٍ جاهليٍّ ولا إسلاميٍّ"، وذكر المعري في شرحه على ديوان المتنبي (معجزِ أحمد) أن المتنبي أخذ قوله في الخيل: شَوَائِلَ تَشْوَالَ العَقَارِبِ بِالقَنَا ... لَهَا مَرَحٌ مِنْ تَحْتِهِ وَصَهِيلُ (٣) من قول بشار: وَالخَيْلُ شَائِلَةٌ تَشُقُّ غُبَارَهَا ... كَعَقَارِبٍ قَدْ رَفَّعَتْ أَذْنَابَهَا (٤) نظم شعره: كان بشار يُعنى أن يصوغ كثيرًا من قصائده على طريقة النظم العربي القديم، سواء كان من جهة المعاني، فيذكر الأطلال والرسوم والغُدُر والمراعي إعجابًا

стр. 1589

بمقدرته على الالتحاق بشأن العرب الخلَّص، أم كان من جهة نسج نظمه، فيأتي على طريقة العرب في أساليب تراكيب الجمل عندهم وفي توخي الكلمات الواقعة في أشعارهم، وكل ذلك دليل على سعة علمه بالعربية الحقة وسلامة ذوقه، وقد أفصح عن عنايته هذه لِخلَفٍ الأحمرِ حين سأله عن وقوله: بَكِّرَا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ... إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ (١) كما سنذكره. وقد كان التنافسُ في التحاق شأوِ شعراء الجاهلية مرمى همم الشعراء والعلماء في ذلك العصر، حتى إن خلفًا الأحمر كان يتبجح بأنه يستطيع أن يضع في شعر كل واحد من شعراء الجاهلية أبياتًا، أو يعزوَ إليه قصائدَ تشتبه بشعره أتَمَّ الاشتباه. وقد قيل: إنه وضع اللامية التي أولها: "أقيموا بني أمِّي صدورَ مطيَّتكم" ونسبهما إلى الشنفَرَى لهذا الغرض، وإنه وضع القصيدة التي أولها: إِنَّ بِالشَّعْبِ الَّذِي دُونَ سَلْعٍ ... لَقَتِيلًا دَمُهُ مَا يُطَلُّ وعزاها إلى الشنفرى أيضًا (٢).

стр. 1590

ومعلوم أن كل متعاطي صناعة هو مفتون بسمعة أساطينها ونوابغها. فالذي دعا أهلَ الأدب العربي إلى نزعة النسج على منوال المتقدمين أن الذي يفرع منهم ذروة البلاغة لا يزن هواة ذلك الفن مقداره إلا بميزان قربه من مشاهير أهل صناعتهم، فذلك الذي كان يبعث فحول شعراء الإسلام على التشبه في شعرهم بفحول الجاهلية تحديًا للناقدين ابتداءً، ثم لا يلبث ذلك التحدي حتى يصير لهم عادة، فلا يزالون يُعْجَبون بانتفاء الفروق بين شعرهم وشعر العرب القح؛ لأن الموازنةَ بين الشعرين تكون أمكنَ متى اتحدت طريقةُ الشعرين. ولم يزل المحكمون في الأدب وفي العلوم يشترطون على المتناظرين وَحدةَ الموضوع. وعلماء الأدب يكلّفون المتأدبين نظمَ القصائد في الغرض الواحد والوزن والروي ليظهر القرب والبعد في الإجادة، كما يشهد بذلك اشتراط بديع الزمان وأبي بكر الخوارزمي على أنفسهما محاكاةَ قصيدة أبي الطيب: "أرَقٌ على أرقٍ ومثلي يأرَقُ" في مناظرتهما في الأدب. وبذلك يتبين صنيعُ الحريري في التحدي بمحاكاة شعر البحتري في المقامة الثانية (١)، وليس في المولَّدين من إذا أراد أن يشابه العرب في شعرهم شابههم مثل بشار، وخذ مثالًا من ذلك قصيدته التي طالعها - وهي في الديوان (٢) -: طَرِبْتَ إِلَى "حَوْضَى" وَأَنْتَ طَرُوبُ ... وَشَاقَكَ بَيْنَ "الأَبْرَقَيْنِ" كَثِيب

стр. 1591

وقد جمع بشار في ملكته الشعرية بين متانة المعنى وفصاحة اللفظ وبداهة القريحة، وقلما اجتمعت في شاعر. أحضره المهدي فقال له: "قل في الحب شعرًا ولا تطِلْ، واجعل الحبَّ قاضيًا بين المحبِّين، ولا تسمِّ أحدًا، فقال (على البديهة): أَجْعَلُ الحُبَّ بَيْنَ حِبّي وبَيْنِي ... قَاضِيًا إِنَّنِي بِهِ اليَوْمَ رَاضِي فَاجْتَمَعْنَا فَقُلْتُ: يَا حِبَّ نَفْسِي ... إِنَّ عَيْنِي قَلِيلَةُ الإغْمَاضِ أَنْتَ عَذَّبْتَنِي وَأَنْحَلْتَ جِسْمِي ... فَارْحَمِ اليَوْمَ دَائِمَ الأَمْرَاضِ قَالَ لِي: لَا يَحِلُّ حُكْمِي عَلَيْهَا ... أَنْتَ أَوْلَى بِالسُّقْمِ والإِحْرَاضِ قُلْتُ لَمَّا أَجَابَنِي بِهَوَاهَا: ... شَمِلَ الجورُ فِي الهَوَى كُلَّ قَاض فبعث إليه المهدي: حكمتَ علينا ووافقَنا ذلك، وأمر له بألف دينار". (١) وفي العقد الفريد: "قال الربيع: خرجنا مع المنصور مُنصرَفَنَا من الحج، فنزلنا الرَّضمة، واستقبله الناسُ وفيهم بشار، فلما أراد الرحيلَ في وقت الهاجرة لم يركب القبَّة وركب نَجيبًا فسار والناس حوله، فجعلت الشمس تضحك بين أعينهم، فقال المنصور: إني قائل بيتًا فمَنْ أجابه وهبتُ له جبّتي هذه، فقالوا: يقول أمير المؤمنين: وَهَاجِرَةٍ نَصَبْتُ لَهَا جَبِينِي ... يُقَطِّعُ ظَهْرُهَا ظَهْرَ العَظَايَهْ فبادر بشار فقال: وَقَفْتُ بِهَا القَلُوصَ فَفَاضَ دَمْعِي ... عَلَى خَدِّي وَأقْصَرَ وَاعِظَايَهْ

стр. 1592

فوهب له الجبّة، فباعها بأربعمائة دينار". (١) ودعا عقبة بن سَلْم المالكي بشارًا وحماد عجرد وأعشى باهلة، فقال لهم: "إنه خطر ببالي البارحةَ مثَلٌ يتمثله الناس: ذهب الحمار يطلب قَرنَيْن فجاء بلا أذُنين (٢)، فأخرجوه في الشعر، ومن أخرجه فله خمسةُ آلاف درهم، وإن لم تفعلوا جلدتكم كلكم خمسمائة. فقال حماد: أَجِّلنا أعزَّ الله الأميرَ شهرًا، وقال الأعشى: أجِّلنا أسبوعين، وبشار ساكتٌ لا يتكلم، فقال له عقبة: ما لك يا أعمى لا تتكلم، أعمَى الله قلبَك! فقال: أصلح الله الأمير، حضرنِي شيء، فإن أمرتَ قلتُه. قال: قل، فأنشد: شَطَّ بِسَلْمَى عَاجِلُ البَيْنِ ... وَجَاوَرَتْ أُسْدَ بَنِي القَيْنِ وَرَنَّتِ النَّفْسُ لَهَا رَنَّةً ... كَادَتْ لها تَنْشَقُّ نِصْفَيْنِ طَالَبْتُهَا دَيْنِي فَرَاغَتْ بِهِ ... وعَلَّقَتْ قَلْبي مَعَ الدَّيْنِ فَصِرْتُ كَالعِيرِ غَدَا طَالبًا ... قَرْنًا فَلَمْ يَرْجِعْ بِأُذُنَيْنِ فانصرف بشار بالجائزة". (٣)

стр. 1593

نسيب بشار: لما كان النسيب والغزل يفيض عن العشق، وهو استحسان الذات، وكان بشار فاقدَ البصر، فقد انتحل لغرامه نِحْلةً جديدة، وهي دعوى أن عشق السمع كعشق البصر. وإن إجادته النسيبَ لأوضح دليل على قوة تخيله الشعري وفصاحة لسانه، وقد تقدم في مبحث غرامه ما فيه غُنْية عن التطويل. ومن المعاني التي لم أرها لغيره في النسيب ذكرُ تصوير محبوبته ومناجاة صورتها، ويذكر أن التصوير في التراب (انظر البيتين في الورقة ١٠٢) (١). هجاء بشار: الهجاء بابٌ من أبواب الشعر القديم، لكنه قليلٌ بالنسبة للحماسة والمفاخر والنسيب. وهجاءُ العرب معظمُه نَبْزٌ بمعايبَ واقعة من قبائح المهجو وسقطاته وحط لمقداره وتعيير له بمساوئ الخلال عندهم من الجبن وتحمل الضيم واللؤم. وأشهرُ طرائقه طريقة التعريض والتلميح والمبالغة، يقصدون من إيداع هذه الفنون فيه أن يكون [أسْيَرَ] بين الناس، كقول عُوَيْفِ القَوَافِي (٢) في هجاء قبيلة اسمها وَبْر:

стр. 1594

اللُّؤْم أكْرَمُ مِنْ وَبْرٍ وَوَالِدِه ... وَاللُّؤْمُ أَكْرَمُ مِنْ وَبْرٍ وَمَا وَلَدَا وَاللُّؤْمُ دَاءٌ لِوَبْرٍ يُقْتَلُونَ بِهِ ... لَا يُقْتَلُونَ بِدَاءٍ غَيْرِهِ أبَدَا قَوْمٌ إِذَا مَا جَنَى جَانِيهِمْ أَمِنُوا ... مِنْ لُؤْمِ أَحْسَابِهِمْ أَنْ يُقْتَلُوا قَوَدَا (١) وكقول قُرَيط بن أنَيْف:

стр. 1595

لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ... لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا كَأَنَّ رَبَّكَ لَمْ يَخْلُق لِخَشْيَتِهِ ... سِوَاهُمُو مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ إِنْسَانَا (١) ويسلكون طريقةَ التشبيه بالأشياء المحقَّرة، كقول الأخطل في هجاء بني حارث: ضَفَادعُ في ظَلْمَاءِ لَيْلٍ تجَاوَبَتْ ... فَدَلَّ عَلَيْهَا صَوتُهَا حَيَّةَ البَحْرِ (٢) وطريقة التهكم، كقول ابن زَيَّابَةَ: نُبِّئْتُ عَمْرًا غَارزًا رَأْسَهُ ... فِي سِنَةٍ يُوعِدُ أَخْوَالَهُ وَتِلْكَ مِنْهُ غَيْرُ مَأْمُونَة ... أَنْ يَفْعَلَ الشَّيْءَ إِذَا قَالَهُ (٣) وقلما أفحشوا في هجائهم، كقول إياسَ بنِ الأرَتِّ:

стр. 1596

كُلُّ عَدُوٍّ يُتَّقَى مُقْبلًا ... وأمُّكُّمْ سَوْرَتُها بالعجانْ (١) وقلّما كان الشتم اختلاقًا منهم. ثم كثر الهجاء في شعراء الإسلام، بسبب ما بقي بين قبائل العرب من العداوة القديمة وتحقير بعضهم قبائلَ منهم، فكان ذلك في الجاهلية يُشْتَفَى بالسيف، فلما حرم عليهم القتال في الإسلام صاروا إلى التشفي بالكلام، وذلك بالتهاجي والاختلاق فيه، وأكثرُ المخضرمين هجاءً الحطيئةُ، ثم حدث التهاجي بين جرير والفرزدق والأخطل، فكان في بعضه شيء من فُحش، وكان معظمه إقْذاعًا وبذاءَةً. ولم يظهر الفحش في الهجاء إلا في صدر الدولة العباسية، وأحسب أن ذلك مكتسب من بعض عادات الدخلاء في القُرى التي استوطنها العرب من أطراف العراق العجمي. ظهر الفحش في هجاء بشار وأبي الشَّمقمق وحمّاد عجردٍ وأبي هشام الباهلي، وكلهم من عصر واحد. اشتهر بشار بهجائه المُقْذع الفاحش، وقد كان من المبتدعين في ذلك، وعوتب عليه، فقال: "إني وجدت الهجاءَ المؤلمَ آخَذَ (٢) بضَبْع الشاعر من المديح الرائع، ومَن أراد من الشعراء أن يُكرَم في دهر اللّئام على المديح فليستعِدَّ للفقر، وإلا فليبالغ بالهجاء ليُخاف فيُعطَى" (٣). وقد هجا بشارٌ جماعةً من أعيان الشهرة، ومنهم أبو مسلم الخراساني ويعقوب بن داود وأخوه صالح لمَّا وَلِيَ البصرة. وهجا واصلَ بن عطاء الغزَّال إمامَ المعتزلة بعد أن كان يمدحه، وهجا سيبويه إمامَ نحاة البصرة، وهجا أبا هشام الباهلي وحمّاد عجرد. ولم يبقَ أحدٌ من أشراف البصرة إلا مُنِي بشيء من هجاء بشار، أو اتّقَى هجاءه.

стр. 1597

رجز بشار: قال الجاحظ وأبو الفرج الأصفهاني: أنشد عُقْبةُ بنُ رُؤْبَةَ بن العجّاج رجَزًا يمتدح به عقبةَ بن سَلْم وبشارٌ حاضر، فأظهر بشار استحسانه الأرجوزة، فقال عقبة بن رؤبة: هذا طراز يا أبا معاذ لا تَنْسُجه، فقال بشار: أَلمِثْلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجَزُ منك ومن أبيك ومن جدّك! فقال عقبة: أنا والله وأبي فتحنا للناس بابَ الغريب وباب الرَّجَزِ، ووالله إني لخليقٌ أن أسدّه عليهم (يعني بجودة نسجه في ذلك وعجزهم عن مجاراته)، فقال له بشار: ارحمْهم رحمك الله! فقال عقبة: أتستخفّ بي يا [أبا] معاذ وأنا شاعرٌ ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال بشار: فأنت إذَن من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجسَ وطهّرهم تطهيرًا! ثم خرج عقبة مغضبا. فلما كان من غدٍ غدَا بشار على عقبة بن سَلْم وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشد بشار أرجوزته التي أولها: "يا طَلَلَ الحيِّ بذات الصَّمْدِ"، فطرب عقبةُ بن سَلْمٍ وأجزل صلتَه، وقام عقبةُ بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزيٍ، وهرب من تحت ليلته (١).

стр. 1598

أقدم شعر بشار: ذكر أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني عن هشام بن الكلبي قال: "كان أول بدء بشار أنه عشق جاريةً يقال لها فاطمة، وكان قد كُفَّ وذهب بصرُه، فسمعها تغنّي فهوِيَها، وأنشأ يقول: عَجِبَتْ فَطْمَةُ مِنْ نَعْتِي لَهَا ... هَلْ يُجِيدُ النَّعْتَ مَكْفُوفُ البَصَرْ؟ . . . الأبيات، وستأتي في الملحقات (١). وقد تقدم في طالعة مبحث شعر بشار أن من أقدمه قوله: أَيُّهَا السَّاقِيَانِ صُبَّا شَرَابِي ... وَاسْقِيَانِي مِنْ رِيقِ بَيْضَاءَ رُودِ . . . الأبيات، وأن ذلك كان شائعا في خلافة الوليد بن يزيد. رواة بشار وكاتبو شعره: حفظنا أسماء سبعة من رواة شعر بشار عنه: الأول: يحيى بن الجَوْن العَبْدي، ذكره أبو الفرج الأصبهاني، وقد ذكره في الديوان في آخر ورقة ١٠٧ (٢). الثاني: سَلْم الخاسِر (٣)،

стр. 1599

ذكره أبو هلال (١). الثالث: هشام بن الأحنف (٢). الرابع: محمد بن الحجاج، ذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد (٣). الخامس: أبو معاذ النُّميري، ذكره أبو هلال العسكري في قصة سلم الخاسر (٤). السادس: محمد بن بشار بن برد، ذكره المرزُبانِيُّ في "الموَشَّح" في ترجمة عباس بن الأحنف (٥). السابع: جعفر بن محمد النوفلي، ذكره أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة بشار، قال: " [أخبرنا يحيى قال: حدثني العنزيّ قال: حدثنا علي بن محمد قال: جعفر بن محمد النوفلي]- وكان يروي شعر بشار بن برد - قال: جئتُ بشارًا ذات يوم" إلخ، وقد ذكره في الجزء السادس أيضًا (٦). وأما كاتبُ شعره فإن بشارًا لَمَّا كان أعمى كان مضطرًّا إلى مَنْ يكتب شعرَه الذي يُرسل إلى أصحابه، والذي يودعه ديوانَه مما ينشده في المديح والغزل وغيرهما من حفظه. وقد جاء في "الأغاني" أن بشارًا لَمَّا أراد أن يعاتب صاحبه المِنْقَرِيّ على أن بعث إليه بشاةٍ للأضحية غيرِ حسنة بأبيات بعثها إليه، قال لغلامه: "اكتُبْ يا غلام" إلخ، وهي الأبيات التي تذكر في قافية اللام من جزء الملحقات (٧). قال

стр. 1600

الجاحظ في "كتاب الحيوان": وكان سليمان الأعمى الشاعر أخو مسلم بن الوليد الأنصاري من محبّي بشار، وكان يختلف إليه وهو غلام، ويقبل عنه معتقده (١). توسع بشار في اللغة وقياسه فيها: تلتئم اللغةُ العربية من نوعين: ألفاظ وأحكام. فأما الألفاظ - ويعبر عنها بالمفردات - فهي قسمان: القسم الأول: الكلماتُ الموضوعة للدلالة على المعاني الخاصة بتركيب حروفها المعبر عنها (أي عن تلك الحروف) بالمادّة، وهي الجوامد من أسماء الأعيان، ومن الحروف والأفعال الجامدة، وأسماء المعاني المسماةِ بالمصادر الدالّة على الأحداث لا على الذوات.

стр. 1601

القسم الثاني: الصِّيغ الدالة على معانٍ عارضة لمعاني المصادر زائدة عليها، كدلالة صيغة "فَعَل" على كون المعنى المصدري وقع في زمن مضى "ويَفْعَل" على كونه واقعًا في زمن الحال، ودلالة صيغه "فاعِلٍ" على كون المعنى صادرًا مِمَّنْ تلبَّسَ بالمصدر. وهذه الألفاظ بقسميها يختص بالبحث عنها علمُ متن اللغة وعلمُ التصريف. وأما الأحكام فهي الكيفياتُ التركيبية التي يتألف الكلام العربي عليها تألفًا مطّرِدًا ولو بوجوه متعددة، بحيث لو أُخرج انتظامُه عن تلك الكيفيات لكان غيرَ جار على ما تكلم به العربُ أصحابُ هذه اللغة، وأصبح كلامه عسيرَ الفهم لأهل هذه اللغة، ككون الاسم الذي هو في أول الكلام ومخبرٌ عنه بخبر يكونُ الحرفُ الأخيرُ منه مضمومًا، وكونِ الفعل الدال على زمن الحال يكون آخر حروفه مضمومًا ما لم تسبقه كلمة من كلمات معروفة معدودة إذا سبقَت إحداها الفعلَ الدالَّ على الحدث صار آخره مفتوحًا. وكذلك استعمال الكلمات في غير ما وُضعت له لمناسبات وعلاقات، وكذلك النكتُ والمناسبات في الكلام المبنيُّ عليها أدبُ العرب، وكذلك موازينُ الشعر وطرقُ السجع. وهذه الأحكامُ يبحث عنها في علم النحو وعلم البلاغة وعلم العروض. وقد بذل أئمةُ علوم العربية جهودَهم في استقراء كلام العرب بنوعيه، فاستخرجوا من استقرائهم القسمَ الأول من النوع الأول، واتفقوا على أنه لا يؤخذ إلا بالسماع من العرب، ودوّنوا ذلك بمعانيه في مطولاتِ كتبهم التي أولها وأصلها كتاب العَيْن للخليل بن أحمد الفَرَاهيدي ﵀، وهو الذي بتهذيب من جاء بعده وتلخيصه وتصحيحه والزيادة عليه كملت كتبُ متن اللغة المعبر عنها عندنا (بالقواميس) أخذًا من اسم كتاب الفَيْرُوْزَبَاذِي المسمّى بالقاموس. واختلفوا: هل يمكن ادعاءُ أنهم أحاطوا بكل ما تكلم به العرب؟ قال ابن فارس: "وما بلغنا أن أحدًا مِمَّنْ مضَى ادعى حفظَ اللغة كلها". (١) فلغة العرب لم تنته إلينا بكليتها، وإن كثيرًا من الكلام ذهب بذهاب أهله (٢).

стр. 1602

وأقول: إن العرب قبائلُ شتى منتشرة. ولَمَّا دخلوا في الإسلام تطوحوا في الفتوح وتفرقوا، وما انبرى علماء العربية للسعي في استقراء اللغة إلا في منتصف القرن الأول بعد الهجرة. وقد انقرض جمٌّ غفير من العرب، وليس بيد الناس من الكلام العربي غيرُ القرآن، فقيّد رواة اللغة ما استطاعوا تقييده مما وعته حوافظُ أبناء العرب من شعرهم ومُلحهم وأمثالهم ومحادثاتهم، ومما تلقوه بالسماع من البقية الباقية من العرب في البوادي، مثل العجَّاج ورؤبة وذي الرمة، ومن محادثة بعض الرواة في تَطْوافهم بالبوادي العربية، فدوّنوا من ذلك ما يرجع إلى النوعين المبدَّإِ بهما هذا المبحث بأقسامهما، وسَمّوه بالقياسي وبالجاري على القياس، لأن لكل متكلّم بالعربية أن ينطق بالألفاظ الداخلة تحت ذينك النوعين. وقد اختلفوا في القياس على ما عدا ذينك، ومعنى القياس أنه إلحاق كلامٍ غير ثابتةٍ كثرةُ استعمال نظيره عن العرب بكلام ثابتٌ عنهم كثير استعماله؛ لمساواة الكلامين فيما يوجب ذلك الإلحاق. والمراد بمخالف القياس ما كان من التصرفات مخالفًا للنظائر الكثيرة الثابتة في كلام العرب، ولو كان هو بخصوصه ثابتًا في كلام العرب. فأما الشاذُّ فالمراد به ما لم يُسمع عن العرب إلا نادرًا، فقد يكون قياسًا، وقد يكون مع شذوذه غير قياس. فإذا اجتمع الشذوذُ ومخالفةُ القياس فاستعمال ذلك الذي اجتمع فيه الأمران قبيحٌ عندهم. وإذا انفردت مخالفةُ القياس مع الشيوع فالاستعمال جائز. وإذا انفرد الشذوذ مع القياس فهو محل خلاف بينهم. وهنالك قسم آخر، وهو أن يكون اللفظ جاريًا على القياس وغير مسموع من العرب. قال ابن جنّي: "يقلُّ الشيء وهو قياس، كقولهم في النسب إلى شَنُوءة: شَنَئِيّ، فلك في النسب إلى حَلوبَة أن تقول: حَلَبِيّ، وإلى رَكوبة: رَكَبيّ، لأنهم أجروا فَعُولَة مجرى فَعِيلة. فكما قالوا في حنيفة حَنَفيّ فكذلك قالوا في شنوءة، فجرت واوُ فعولَة مجرى ياء فَعِيلة، قال أبو الحسن الأخفش: إن قلتَ إنما جاء هذا النسبُ في حرفٍ واحدٍ، يعني شنوءة، قلت: هو جميعُ ما جاء، يعني أن الذي جاء هذا النسبُ في فَعُولَة هو هذا الحرف (أي الكلمة)، والقياس قابِلُه، ولم يأت فيه شيء ينقضه، فإذا قاس الإنسان

стр. 1603

على جميع ما جاء وكان قياسه صحيحًا فلا غَرْوَ ولا ملَامَ. وقد يكثر الشيء ولا يكون هو على القياس، فلا يجوز أن يقاسَ عليه، كقولهم في النسب إلى ثَقِيف ثَقَفي، وفي قريش قُرَشي، فهذا كثير أكثر من شَنَئِيّ، والقياس عليه ضعيف عند سيبويه، فلا يجوز أن تقول في النسب إلى سعيد وكريم سَعَدى وكَرَمى، فقد بَرَدُ في اليد من هذا الموضع قَانُونٌ يُحمل عليه ويُردُّ غيره إليه". (١) وقد أخذنا من كلام أئمة العربية قاطبةً أن القياس في اللغة العربية لمن شاء التكلم بها يتصور على أنحاء: الأول: ما شاع وكثر وروده عن العرب من ألفاظ وصيغ، سواء وافق القياس أم خالفه وسواء ثبت عندهم لفظه، أي: ذاته أو نوعه، قال ابن جني في الخصائص: "قال لي أبو علي الفارسي [بالشام]: إذا صَحَّت الصفةُ فالفِعل في الكَفّ"، قال ابن جني: "وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل، لم يتخالج شكٌّ في الفعل الذي هو الفرع. . . لأن المصدر أشدُّ ملابسةً للفعل من الصفة". (٢) وهذا النوع قد اتفق أئمة العربية على جواز استعماله فيما ورد فيه، وذلك موعَب في كتب النحو وكتب البيان. الثاني: ما ثبت عنْهم ولم يَشِعْ، وذلك إن كان جاريًا على القياس لا يضره عدمُ الشيوع؛ لاحتمال أن الرواةَ لم يستقرئوا النقل. وهنالك نزاع بينهم في أنَّ هذا هل يُعد من الغريب المنافي للفصاحة التي اشترطوا فيها ألا يكون في الكلام كلماتٌ غريبة أو لا يُعَدّ منه. الثالث: ما ثبت عنهم من ألفاظ ولم يَشِعْ في استعمالهم وخالف القياس، وقد اختلفوا فيه، والجمهور على أنه يقتصر على السماع، وهذا مثل القلب في بعض الجموع، كقولهم في جمع رِئم: آرَام، وقولهم: تَوَأَّدَ في تأوَّد بمعنى تثاقل في فعله مشتقًّا من الأود وهو الثقل. قال الأزهري: "والمقلوباتُ في كلام العرب كثيرة، ونحن

стр. 1604

ننتهي إلى ما ثبت لنا عندهم، ولا نُحْدث في كلامهم ما لم ينطقوا به، ولا نقيس على كلمة نادرة جاءت مقلوبة" (١). الرابع: ما ثبت نظيرُه من الصيغ، وهو جارٍ على نظائر في الاشتقاق، ولكنه سُمع عن العرب في بعض الألفاظ ولم يُسمع في البعض الآخر، وهذا مثل صَوْغ وزن فَعَالِ مصدرًا، فقد سمع فَجَارِ ولم يسمع كَفَافِ (٢)، وكذلك وزن فَعَلى كالجَمَزَى ولم يسمع الغَزَلَى والوجَلَى، ومثل وَزن فِعْلان بكسر الفاء سُمع حُوت ولكم يُسمع في جمع نُون (٣). الخامس: ما لم يثبت لفظه ولا يثبت نظيره، ولكنه جارٍ على القياس في الاشتقاق، كصَوغ تَبَرْنَس بمعنى لبس البُرْنُس، قياسًا على تَعَمَّمَ وتَدَرَّعَ، وكجمع دَجَّال على دَجَاجِلة، وكذلك إشباع حروف بعض الكلمة نحو يَنْباعُ في يَنْبَعُ. السادس: ما لم يثبت عن العرب إطلاقُ لفظ عليه، ولكنه أُطلق لفظٌ على ما هو مشتمل على معناه، مثل لفظ الخمر على شيء مسكر، ولفظ السارق على النَّبَّاش، ولفظ الدابّة على الطائر (٤).

стр. 1605

فإطلاق ما ثبت عن العرب من الألفاظ والصيغ والأحكام مما دل حالُ كلامهم على أنه كُلِّيَّاتٌ تقال في جزئياتها من معاني اللفظ أو أنواع الموادّ للصيغة الواحدة ليس من القياس، بل هو استعمال. وكذلك استعمالُ ما ثبت بالنوع كأنواع المجاز وذلك في النحوين الأول والثاني، كما أن ما لم يثبت بذاته ولا بقاعدة لا يجوز إطلاقه، لأنه يشبه وضعَ لغة جديدة، وهو أحد معاني القياس في قولهم لا تثبت اللغة بالقياس، وذلك في النحو السادس. ولم يقل بجواز القياس في هذا النحو إلا بعضُ علماء الأصول من الشافعية، وهو خطأ منهم، وقائلوه ليسوا من أهل العربية (١). وبقي النزاع في الأنحاء الثالث والرابع والخامس. قال ابن جني في الخصائص: "واعلم أن من قوة القياس عندهم اعتقادَ النحويين أن ما قِيسَ على كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب، نحو قولك في قوله: كيف تبنى من ضَرَبَ مثل جعفر: ضَرْبَب هذا من كلام العرب، ولو بنيتَ مثله ضَيْرب، أو ضَوْرَب، أو ضَرْوَب، أو نحو ذلك، لم يُعتقد من كلام العرب؛ لأنه قياس على الأقلِّ استعمالًا والأضعفِ قياسًا". (٢) وفي لسان العرب في مادة كبر: " [والكبر معظم الشيء، بالكسر. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ [النور: ١١]؛ قال ثعلب: يعني معظم الإفك. قال الفراء: اجتمع القراء على كسر الكاف]، وقرأها حُميد الأعرج وحده: كُبْرَهُ، (بضم الكاف)، فقال الفراء: هو وجه جيد؛ لأن العرب تقول: فلان تولَّى عُظْمَ

стр. 1606

الأمر (بضم العين وسكون الظاء)، يريدون أكثره. قال أبو منصور: قاس الفراء الكُبْرَ على العُظْمِ، وكلامَ العرب على غيره". (١) فبشار قد نشأ في مواطن العرب بالبادية، وأدرك العربَ الباقين من بني عامر بن صعصعة وتلقى اللغة بسمعه، ولم يخلط في معاشرته بين العرب والمولدين. فهو لنشأته في ذلك العصر لا يُتَّهم بأنه يخترع لغةً أو يقيس فيها على غير أصل؛ إذ ليس به مُلجئ إلى ذلك، وله في سعة العربية مَنْدُوحةٌ عن الدخول في مضايق الاختراع والقياس. فما نجده في شعره من صيغ لموادَّ عربية مما لا شاهدَ لثبوته في كتب اللغة فليس ذلك بسبيل أن يُعَدَّ عليه لَحْنًا، كيف وهو عربي السليقة باتفاقهم؟ ولكنه لا يُظَن به إلا أن يكون قد سمع ذلك من العرب فاستعمله، أو عَلم من عادتهم اشتقاقَ مثله وجوازَ قياسه. فإذا كان رواةُ العربية وعلماؤها قد أبَوْا أن يتلقَّوا من كلامه ما يجعلونه شاهدًا للعربية، لأجل دخوله الحواضِرَ، ومعلوم ما كان في نفوسهم من الظِّنَّة لمن تطرقوا الحواضر بسكناهم، حياطةً للعربية أن يُثبتوا فيها ما يطرقه الاحتمال، فهو أيضًا بعربيته لا يعبأُ بإِباءِ رُواة العربية مما أبَوْه عليه، وهذا مثارُ الخلاف بينه وبين سيبويه والأخفش في عدة مسائل (٢).

стр. 1607

وقد جزم علماءُ العربية بأن ناسًا من المولَّدين قد بلغ حظُّهم في العربية مبلغَ أن يكون كلامُهم حجةً فيها، مثل الإمام محمد بن إدريس الشافعي؛ لأنه نشأ في هُذَيل حتى إن الأصمعي روى عنه عربيةً كثيرة، ومثل أبي الطيب المتنبي وأبي القاسم الزمخشري. فليس بشارٌ بالقاصر عن هذه المرتبة التي وُضِع هؤلاء فيها؛ إذ هو معاصرٌ العجاجَ وذا الرمة ورؤبةَ بنَ العجاج. على أن بشارًا كان يُدِلُّ بعلمه في العربية، فيعمد إلى تغيير في بعض الكلمات إذا رأى لذلك داعيًا. قال أبو هلال العسكري في "ديوان المعاني": ذكر بشار في قصيدة له داليّة بناها على فتح حرف الرِّدْف (١) فوقع له فيها لفظ "صِنْدد" و"رِمْدد" ففتح دَالَيها، إذ حَكى محمد بن حبيب أنه رواهما بفتح الدالين، والفتح خطأ، إذ ليس في العربية فِعْلَل إلا دِرْهَم، وهِجْرَع الطويل الأحمق، وهِبْلَع الكثير البلع، وقِلْعَم الكثير القلع للأشياء. قال أبو هلال: "وكابَرَ في فتح الراء من دَرَم في القصيدة التي أولها: أَفيضَا دمًا إن الرَّزايا لها قِيم". (٢)

стр. 1608

ومن إدلاله بعلمه أيضًا ارتكابُه ما لا يجوز في اللغة عند الضرورة - علمًا بأنه لا يُتّهم بالجهل - فسلك مسالكَ شعراء العرب في إقدامهم على ما بسبب الإقدام عليه اتسعت الوجوهُ في اللغة، فقد قال بشار (في الورقة ١٩٧): زُرِي رَوْحًا فَلَنْ تَجِدِي كَرَوْحٍ ... إذَا أَزِمَتْ بِكِ السَّنَةُ الجَمَادُ (١) فقوله: "زُرِي" صوابه "زوري" بإثبات الواو التي هي عين الكلمة، إذ لا موجب لحِذفها؛ فإنها في أمر المذكر لالتقاء الساكنين، إذ الأمر مجزوم، وأما في أمر المؤنثة فلا موجب لحذفها، لأن ما بعدها متحرك بحركةٍ مناسبة الياء. فشعرُ بشار يُسْتَخْلَصُ منه مَذْهبُه في طريقة اشتقاق اللغة للمتكلِّم بها، فهو يرى جوازَ اشتقاق الألفاظ بصيغة من صيغ الاشتقاق التي اشتقّ جها العربُ من كل مادة عربية أصلية على حسب القواعد والضوابط المستقراةِ من كلام العرب، دون توقّفٍ على سماع تلك الصيغة بعينها من تلك المادّة. ومثال هذا قوله: وَإِذَا سَرَى كَحَلَ الزَّميلَ بأَرْقةٍ ... مِنْ قَرْعِ بَازِلهِ وَمِنْ قَيْقَابِهِ (٢) فصاغ القيقابَ مصدرًا من قبَّ الفحل قَبًّا إذا قَعْقَعَتْ أنيابُه، والفِيْعَال يكون مصدر فَاعَلَ، نحو القِيتال، وهو يأتي للمبالغة، فأتى به كذلك، وجاء بصيغته، وهي

стр. 1609

صيغة معروفة ولكنها لم تُسمع في هذه المادة (١). واستعمل جَنَابَاوَيْه في مَيْمَنة الجيش ومَيْسَرته، وإنما يسمَّيان مُجنَّبَتَيْ الجيشِ، فلما قال أهل اللغة: إنما سُمِّيَتا مُجَنِّبَتَيْن لأنهما تأخذان جَنَابَي الطريق، سمّاهما باسم المكان، هذا إذا لم يكن قد ثبت سماع هذا الإطلاق من أهل اللسان، وقد أهمله مدونو اللغة. واستعمل وصف مُقْوَدّ في قوله: كَأَنَّهُ مِنْ غُلَوَاءِ الجُرْدِ ... فِي العَسْكَرِ المُسْلَنْطِحِ المُقْوَدِّ ولم ينقل عن العرب مُقْوَدّ ولا اقْوَدَّ، ولكنه جاء على وزن مُعْوَجٍّ ومُزْورّ ومُحْمرّ، من اعوجّ وازورّ واحمرّ، فقدّر بشار فِعْل اقْوَدّ، وصاغ منه مُقْوَدّ (انظر البيت في الورقة ١٥٧) (٢). ونظيره قوله أيضًا في هذه القصيدة: "تَرْقَدُّ في رَيْعانِها المُرْقَدِّ". (انظر البيت ٢١ في الورقة ١٥٥) (٣). وأما قول بشار (في الورقة ٢٠٩): دَعْ عَنْكَ حمَّادًا وخُلْقَانَهُ ... لَا خَيْرَ فِي خُلْقَانِ حَمَّادِ (٤) فاستعمل خُلقان بمعنى الخُلُق، والمعروف أنه جمع خَلَق، وهو الثوب الرثّ، ولا يصح أن يكون هذا قياسًا على جمع خَلَق، إذ ليس من باب واحد، ولا أن يكون مَصدرًا كالكُفْران والغُفْران، والشُّكْران، فتعين أن يكون قد سمع هذا اللفظ من العرب أو رأي جواز اشتقاقه. وكذلك قوله (في الورقة ١٠١):

стр. 1610

وَأَفْلَتَ يَمْرِي ذَاتَ عَقِبٍ كَأَنَّهَا ... حُذَارِيَّةٌ مِنْ رَأْسِ نَيْقٍ تَدَلَّتِ (١) استعمل حذارية للصخرة من الجبل، والمعروف في اللغة حِذْرِيَّة، فلعله حَفِظ عن العرب حِذَارية بالإشباع، أو لعله أراد النسبَ إلى الجمع، أي واحدة من هذا الجمع، فيكون بتشديد الياء (٢). ومن ذلك إشباع الحركات في نحو قول بشار (في الورقة ١٩٧): أَغَرُّ عَلَى المَنَابِرِ أَرْيَحِيٌّ ... كَأَنَّ جَبِينَهُ القَمَرُ الفَرَادُ (٣) ولم يسمع فراد، وإنما سمع فَرَد بفتحين. واستعمل الثِّيبَ بكسر الثاء في جمع الثَّيِّب، وهو غير مسموع، إذ لم يقولوا: امرأة ثيباء ولا رجل أَثْيَب، كما قالوا: رجل أَشْيَب وليلة شيباء، فجمعه بوزن فُعْل الذي يصير إلى فِعْل بكسر الفاء لأجل استثقال الضمة قبل الياء الساكنة، وكأنه قد جوّز أن يقال: امرأة ثَيْبَاء، وذلك في قوله (في الورقة ٣٠):

стр. 1611

فَلَا بُدَّ أَنْ تَغْشَاكَ - حِينَ غَشِيتَهَا ... هَوَاجِدُ أَبْكارٍ عَلَيْكَ وَثِيبُ (١) وأما في اشتقاق الأفعال فتوسعه كثير، ولا عجب في ذلك لأنه أخف من القياس على الأسماء إلا أن بشارًا يعمد إلى ضربٍ من اشتقاق الأفعال، وهو عدم اكتراثه بالتعدية واللزوم، فربما استعمل القاصرَ متعديًا كقوله: وَحَاسِدُ قُبَّةٍ بُنِيَتْ لِرَوْحٍ ... أَطَالَ عِمَادَهَا سَلَفٌ وَآدُوا (٢) فاستعمل آد بمعنى قوّى متعدّيًا من الأيْد، والمعروف في كلام العرب أنه قاصر، يقال: آدَ فلان، إذا اشتدّ وقوِي (٣). وأما توسُّعه في مخالفة قواعد الإعراب، فله شذوذاتٌ غير مسموع نظيرها، ولعلها من التنادر الذي أهمله أئمّة العربية لشدة ندوره، كقوله: كَلَا المَيْتِ وَإِيَّانَا ... كَمَا لَاقَى وَلَاقَيْتُ (٤) فأضاف "كَلَا" إلى اسم ظاهر، وهو وارد في الضرورة بالعطف، كقول الشاعر: كَلَا أَخِي وَخَلِيلي وَاجِدِي عَضُدًا ... فِي النَّائِبَاتِ وَإلمَامِ المُلِمَّاتِ (٥)

стр. 1612

وأغرب من ذلك أنه لم يأت بالاسم الثاني معطوفًا على المضاف إليه، بل جاء به مفعولًا معه. وهذا لا نَظير له، وإن كان صحيحًا من جهة المعنى؛ لأن فيه قضاء حقِّ معنى كلا فهو مساوٍ للعطف. توسعه في العروض وفي الضرورة: على أن بشارًا لم يقتصر شعرُه على التوسع في اللغة والاشتقاق فحسب، بل كان يتوسع في العروض أيضًا، فلم يقتصر على قوانين الخليل بن أحمد عَصري بشار، فهو في ذلك مثل أبي العتاهية عصريّه، فإنه نظم قصيدة يقول فيها: عُتْبَ ما للخيال ... خبِّرْني ومالي عتْبَ مالي أراه ... طَارِقًا من ليالي (١) فقيل له: خالفْتَ العروض، فقال: "سبقتُ العروض". فقصيدة بشار التي أولها: تَحَمَّلَ الظَّاعِنُونَ فَادَّلَجُوا ... وَالقَلْبُ مِنِّي الغَدَاةَ مُخْتَلَجُ (٢) من بحر المنسرح، والمعروف في المنسرح أن تكون عروضُه صحيحة وضَرْبُه مطْوِيًّا: مستفعلن مفعولات مستفعلن ... مستفعلن مفعولات مفتعلن وبشارٌ استعملها بعروض مَطْوِيّة وضرْبٍ مطوِيّ، فعروضها مفتعلن وضربها مفتعلن في جميع أبياتها، ولو اقتصر على ذلك في البيت الأول لاغْتُفر؛ لأن القصيدة إذا وقع فيها التصريح، وهو مجيءُ مصراعها الأول مقفَّى كالمصراع الثاني

стр. 1613

يكون المصراع الأول على وزن الثاني عَروضًا وضرْبًا، ولكنه عمّم ذلك في جميع القصيدة. وقد تكرر ذلك منه في قصائده التي من بحر المنسرح، كقوله: لَا فَجْعَ إِلَّا كَمَا فُجِعْتُ بِهِ ... مِنْ فَارِسٍ كَانَ دُونَنا حَدِبَا (١) وكذلك قصيدته التي أولها: يَا مَالِكَ النَّاسِ فِي مَسِيرِهِمُ ... وَفِي المُقَامِ المُطِيرِ مِنْ رَهَبِهْ (٢) فهي من بحر المُجْتَثّ، وقد استعمله تامًّا كما رسمه الخليل في الدائرة الرابعة: مستفعلن فاعلاتن فاعلاتن مرتين، غير أنه لم يُسمع عن العرب تامًّا، وإنما سمع مَجْزُوًّا: مستفعلن فاعلاتن مرتين، وشذ استعماله عند المولدين تامًّا، ومن ذلك قولُ بعضهم: يَا ذَا الَّذِي فِي الحُبِّ يَلْحَى مُسْتَهَامَا ... لَا تَلْحَنِي إِنَّ مِثْلِي لَنْ يُلَامَا (٣) والتزم بشار في قصيدته هذه زِحَافَين ليخفّفَ ثقلَ الميزان، وهما زِحاف الكفّ في فاعلاتن الأول فصيّره [فاعلاتُ، والقبض في فاعلاتن الثاني فصيّره] (٤) فاعلتن، ولقد أجمل فيما صنع. وقد ذكر أبو هلال العسكري في ديوان المعاني أن بشارًا فتح الدال الأولى من لفظ صِنْدَد ورِمْدَد وهما مكسوران، إذ ليس في العربية فِعْلَل بفتح اللام إلا دِرْهم وهِجْرَع وهو الطويل الأحمق، وهِبْلَع وهو الكثير البَلع، وقِلْعَم وهو الكثير القَلع للأشياء. قال: وكان بنى قصيدته على فتح الرِّدْف ولم يلزمه ذلك وكابر على فتح صِنْدَد

стр. 1614

ورِمْدَد وهما مكسوران، فزعم محمد بن حبيب أنه رواهما بالفتح، وكابر أيضًا على فتح الراء من دَرَم في قصيدته التي أولها: "أفيضَا دَمًا إنّ الرَّزايا لها قِيَم" وإنما هو دَرِم (١). مكانة شعر بشار من حفظ فصيح اللغة ومستعملها: إن لديوان الشعر والنثر الصحيح مكانةً عظيمةً في تمييز مستعْمَلِ الكلام من مهجوره، وجَدْوَى على الذين يتطلبون أن ينطقوا الكلام فصيحًا، وأن يتعلموا من اللغة ما الاحتياجُ إليه أشدُّ، ومعرفته أنفع وأوفر. فإن كتب اللغة المعبّر عنها بالقواميس أثبتت جميعَ ما سُمع عن العرب دُوْنَ تمييزٍ بين ما هو مشهور فيهم وبين ما هو نادر الاستعمال. ومتطلِّب معرفة اللغة قد يضيع عليه زمان طويل من أنفس العمر في حفظ اللغة، فإذا جاءه الاحتياج إلى استعمال ما وعته حافظته وجد نفسه قد حملتْ كثيرًا من اللغة هي في غنية عن استعماله من نادر ومرادف ومجاز يحسبه حقيقة، فكانت نفوس المتطلبين للغة مستشرفةً لو تجد ما يُبقي عليها زمانها ويُنَفِّسُ عنها من جَهْدها وجُهْدها ويُدْني إليها جَنَى اللغة ناضجًا بيّنًا على الوصف الذي نوّه به أبو عُبادة البُحتري في قوله: حُزْنَ مُسْتَعْمَلَ الكلام اختيارًا ... وتجنَّبْنَ كُلْفَةَ التعقيدِ (٢) من أجل ذلك حاول بعض أئمةُ اللغة تمييزَ المستعمل من غيره، فألف أبو العباس أحمد بن يحيى المعروفُ بثعلب كتابَ "الفصيح"، إلا أنه كان كتابًا صغيرًا مختصرًا، وألف أبو القاسم الزمخشري كتاب "الأساس"، عُني فيه بتمييز الحقيقة من المجاز. وجاء علماء المعاني وأهلُ صناعة الإنشاء ونقد الشعر يُحَدِّدون ضوابطَ

стр. 1615

لفصيح الكلام ومتنافره، وهي وإن كانت مجدية معرفة المتنافر الكريه في السمع فلا غناء فيها من تمييز المستعمل المقبول. ولكن الذين وفَّوا بهذا العزم في سكوتٍ أغفلَ الشاذينَ في اللغة عن إدراك مغزاهم هم الأئمة الذين عُنوا بجمع ما تكلمتْ به فصحاء العرب، كما فعل أبو تمام في ديوان الحماسة، والجاحظ في كتاب البيان والتبيين، وجميعُ الذين جمعوا دواوين العرب ومختاراتهم. وثم فائدة أخرى لهذه المجموعات، وهي أنها توعي حوافظ مزاوليها بالألفاظ التي استدعتْها المعاني الجائشة بالنفوس، فتنبئك بما يحقُّ لك أن تأخذَه من الألفاظ لتعبّر به عما يخطر لك من المعاني؛ لأن خواطر أهل اللسان متتابعة متشابهة. وأَوْلَى الدواوين بهذا المقصد المهم دواوينُ الشعراء الذين مزجوا بين كثرة المعاني وفصاحة التعبير عنها، والذين كان عصرُهم عصرَ وفرة المعاني، والتنافس في الفصاحة. وأفضلُ العصور في ذلك هو القرن الأول من عهد الإسلام، فإن حسن أذواق شعرائه قد نفى عن الكلام الألفاظَ الغليظة، وله ذوقُ السهولة في أداء المعاني باختيار الألفاظ الصريحة الدلالة الفصيحة النطق، مع السلامة مما تطرّق إلى الطبقة التي بعدهم من الاختلاط الذي نشأ عنه ضُعف النظمِ ثم اللحن والخطأ فيه. وشعراء هذا العصر صنفان: صنفٌ من أهل البادية، له مزية حفظ اللغة كيفما اتفق له، بحيث يُعدّ شعرهم أَجْدَى على حفظ اللسان منه على حسن الاستعمال، فوِزانُه وِزانُ القواميس، وهؤلاء مثل العجّاج وابنِه رؤبة ومثلُ ذي الرمّة وأبي النجْم والرَّاعي. وصنف من أهل الحضَر، مُزجت سعةُ علمهم في العربية بجودة ذوقهم في الاختيار والاستعمال، فجاء من ذلك المَزيج مركب هو كخمر بابلَ (١) مزجت بصفوة الثلج، وهؤلاء مثل عُمر بن أبي ربيعة وجَميل بن معمَر وكُثَيّر وبشار.
следующие страницы →